وإذا وقعت القسامة على واحد بعينه ثم اعترف آخر بالقتل فإن ولي المقتول مُخير في قتل واحد منهما فقط، وإذا قتل أحدهما حبس الثاني عاما وجلد مائة. انتهى.
وقال التتائي: من واحد يعين لها المقسم عليه الذي يريدون قتله إن كانت التدمية على جماعة ابن القاسم عن مالك: ويقولون لمن ضربه مات ولا يقولون لمن ضربهم، وأصل القسامة على واحد حديث مسلم: (يقسم خمسون منكم على رجل منهم) (١)، وفي الموطإ: لم يعلم قط قسامة إلا على رجل واحد، وفهم من تعيين المقسم عليه في العمد أن القسامة في الخطإ على جميعهم وهو كذلك، وتوزع الدية على عواقلهم في ثلاث سنين كما في المدونة، ولو قدم القسم عليه للقتل فقال غيره أنا قتلته، فقال ابن القاسم: إن شاءوا قتلوا المقر أوْ الأول، وليس لهم إلا قتل واحد، وإن قال: ضربني فلان وفلان وفلان، منهم أنفذ مقاتلي لم يقسموا إلا عليه. قال في الموازية: وليس على الباقين ضرب ولا سجن. قاله مالك وعبد الملك وابن عبد الحكم وأصبغ. ابن القاسم: إن قال لهم: أقسموا على فلان فليس لهم أن يقسموا على غيره. لعلمه بأشد ذلك عليه. ابن القاسم: إن أقسموا على واحد من الجماعة ثم أرادُوا تَرْكه وأن يقسموا على غيره منهم، وزعموا أن جرحه كان على وليهم أشد وأنه شُبِّهَ لهم أوَّلًا فليس لهم ذلك في الباقي، والأول إن تركوه على أن الآخر صاحبهم وأبرءوا الأول فليس لهم قتل الأول، وإن انتقلوا للثاني غضبا عليه وندما في تركهم له ولم يتركوا الأول فلهم قتل الأول بقسامة، وفرق ابن القاسم بين العمد لا يقسم الأولياء إلا على واحد والخطأ يقسمون على جميعهم، قال: لأنهم في العمد لو أقسموا على جميعهم لم يجب الدم على جميعهم، فهذا الذي قصدوه بالقسم لا حجة له أن يقول لا تقسموا علي دون أصحابي؛ لأنه يقال له لا منفعة لك هنا، هُم إن أقسموا على جماعتكم وجب لهم دمك، وفي الخطإ إن قُصِدَ واحِد بالقسم عليه كانت له الحجة أن يمنعهم؛ لأنه يقول: الضرب منا جميعا والدية على قبائلنا.
стр. 8752
ولما قدَّمَ أن القسامة مسببة عن قتل الحر المسلم وهو مقتض لعدمها في الجرح والعبد والجنين والكافر، قال: ومن أقام شاهدا على جرح يعني أن من أقام شاهدا واحدا على جرح عمدا أو خطأ، فإنه يحلف مع شاهده ويستحق الدية في الخطإ، والقصاص في العمد. أو قتل كافر يعني أنه إذا قام على قتل الكافر غير الحربي شاهد واحد فإن مقيمه يحلف ويستحق الدية، كان القتل عمدا أو خطأ ولو من مكافئ له؛ لأنه لا يقتص بشاهد ويمين، أو عبد يعني أنه إذا قام على قتل العبد شاهد واحد عمدا أو خطأ فإن سيده يحلف مع الشاهد ويستحق قيمة عبده، ولو كان القاتل مكافئا له لأنه لا يقتص بشاهد ويمين، أو جنين يعني أنه إذا قام على قتل الجنين شاهد واحد فإن مقيمه يحلف مع الشاهد ويستحق دية الجنين.
وعلم مما قررت أن قوله: حلف أي مع الشاهد يمينا واحدة جار في المسائل الأربع، فهو جواب الشرط على أن "من" شرطية، وخبر "من" على أنها موصولة، وكذا قوله: وأخذ الدية جار في المسائل الأربع أيضا أي أخذ الدية بعد أن يحلف يمينا واحدة، قال عبد الباقي: ومن أقام شاهدا واحدا على جرح خطأ بدليل قوله: "وأخذ الدية" إذ جرح العمد يقتص فيه بشاهد ويمين أو قتل كافر أو عبد عمدا أو خطأ، ولو لم يزد القاتل حرية أو إسلاما لأنه لا يقتل بشاهد ويمين أو جنين حلف مع الشاهد يمينا واحدة إن اتحد، فإن تعدد ولي الكافر أو الجنين حلف كل واحد يمينا. قاله ابن عرفة. والظاهر أن سَيِّدَ العبد كذلك وأخذ الدية للكافر وقيمة العبد وما يجب في الجنين من دية بقسامة إن نزل حيا في خطإ أو من غرة إن نزل ميتا مع حياة أمه، فإن نزل حيا مع ضرب عمد قتل به بقسامة، وفي إطلاق الدية على جميع ما ذكر تجوز فأراد بالدية اللغوية وهي المال المؤدى فشمل الدية في الجرح والقيمة في الرقيق والغرة إن نزل ميتا والدية إن استهل. انتهى. بتغيير قليل جدا.
وقال المواق: أما مسألة قيام شاهد على جرح، فقال في المدونة: لا قسامة في الجراح، ولكن من أقام شاهدا عدلا على جرح عمدا أو خطأ فليحلف معه يمينا واحدة ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطإ، قيل لابن القاسم: لم قال مالك ذلك في جرح العمد وليس بمال؟ قال: كلمت مالكا في ذلك. وقال: إنه لَشَيءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ وما سمعت فيه شَيْئًا، وأما مسألة الكافر ففي المدونة، قال
стр. 8753
مالك في نصراني قام على قتله شاهد واحد عدل مسلم: يحلف وُلَاته يمينا واحدة ويستحقون الدية على قاتله مسلما كان أو نصرانيا، وأما مسألة العبد ففي الموطإ، قال مالك: الأمر عندنا في العبيد أنه إذا أصيب العبد عمدا أو خطأ ثم جاء سيده بشاهد حلف مع شاهده يمينا واحدة، ثم كان له قيمة عبده، وليس في العبد قسامة في عمد ولا خطإ، فإن قتل العبد عمدا أو خطأ لم يكن على سيد العبد المقتول قسامة ولا يمين، ولا يستحق سيد العبد ذلك إلا ببينة عادلة أو بشاهد ويحلف مع شاهده، وأما مسألة الجنين، ففي المدونة: إن ضربت امرأة فألقت جنينا ميتا، وقالت: دمي عند فلان ففي المرأة القسامة أي ولا شيء في الجنين إلا ببينة؛ لأنه كجرح من جراحها ولا قسامة في الجراح ولا يثبت إلا ببينة أو شاهد عدل، فيحلف يمينا واحدة ويستحق ديته. ابن يونس: يريد يحلف كل واحد ممن يرث الغرة يمينا أنه قتله. انتهى.
وقال الحطاب: أما مسألة الجرح، فقال في المدونة: لا قسامة في الجرح ولكن من أقام شاهدا عدلا على جرح عمدا أو خطأ فليحلف معه يمينا واحدة ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطإ، قيل لابن القاسم: لم قال مالك ذلك في جراح العمد وليست بمال؟ فقال: كلمت مالكا في ذلك، فقال: إنه لشيء استحسناه وما سمعت فيه شيئا هذا لفظها على اختصار ابن عرفة ونحوه لابن الحاجب، ثم قال: فإن نكل [من قام] (١) بالشاهد حلف الجارح، فإن نكل قال ابن القاسم: حبس حتى يحلف. انتهى.
ثم قال الحطاب: فإن أقام شاهدا أن عبد فلان قتل عبده حلف معه، وخير سيد القاتل بين أن يغرم قيمة المقتول وأن يسلم عبده: فإن أسلمه لم يقتل إذ لا يقتل بشاهد واحد. قاله في المدونة. ونقله ابن عرفة. وانظر هل يضرب القاتل مائة ويحبس عاما؟ وفيها: إن قالت دمي عند فلان فخرج جنينها حيا فاستهل صارخا ثم مات، ففي الأم القسامة ولا قسامة في الولد؛ لأنها لو قالت قتلني وقتل فلانا معي لم يكن في فلان قسامة. انتهى. بخلاف ما إذا ثبت موتها وخروج
стр. 8754
الولد بشاهد واحد، فإن ورثته يحلفون معه يمينا ويستحقون الغرة، وإن استهل صارخا ففيه القسامة لأن الشاهد لوث، وقول المرأة ليس لوثا في حق ولدها. واللَّه أعلم. انتهى.
وإن نكل برئ الجارح إن حلف يعني أنه إذا لم يحلف مقيم الشاهد في المسائل الأربع فإنه يحلف الجارح ومن معه وهو المدعى عليه بقتل الكافر أو العبد أو الجنين ويبرء، فالضمير المستتر في "نكل" للمقيم الشاهد، والضمير في حلف يعود على الجارح، وقد علمت أن مثل الجارح غيره ممن ذكر معه، وإنما خص المصنف الجارح مع أن المدعى عليه بقتل الكافر أو العبد أو الجنين كذلك لأجل قوله: وإلا يحلف الجارح حبس حتى يحلف، وقيل إن طال حبسة عوقب وأطلق إلا أن يكون متمردا فيخلد في الحبس، وأما غير الجارح فيغرم إن لم يحلف ولا يحبس.
قال عبد الباقي: وإن نكل عن اليمين مع إقامة الشاهد برئ الجارح وغيره ممن ذكر معه، إن حلف وإلا يحلف غرم في الصور كلها من غير حبس سنة ولا ضرب مائة كما هو مقتضى كلامهم، ما عدا جرح العمد فإنه يحبس فيه، كما قال: "حبس" حتى يحلف أو يطول سجنه فيعاقب ويخلى سبيله. إلا أن يكون متمردا فيخلد في السجن. انتهى.
وقال المواق من المدونة: من أقام شاهدا على جرح عمدا فليحلف ويقتص، فإن نكل الجارح أحلف وبرئ: فإن نكل حبس حتى يحلف. الجلاب: وإن طال الحبس أطلق. انتهى. وقال التتائي: وإن نكل وردت اليمين الواحدة على المدعى عليه برئ الجارح ومن معه إن حلف. انتهى المراد منه.
والحاصل أن مقيم الشاهد إن حلف استحق ما ادعاه في الجميع، وإن نكل حلف المدعى عليه وبرئ في الجميع، فإن نكل غرم في الجميع، إلا في جرح العمد فإنه يحبس حتى يحلف أو يطول سجنه فيعاقب ويخلى سبيله. قاله الشبراخيتي والخرشي. وهو صريح في أن الجارح إن نكل ونكل المدعى عليه لا غرم عليه، وإنما عليه الحبس، وقد مر عن الحطاب أنه يحبس حتى يحلف، وقال عبد الباقي والشبراخيتي: يحبس حتى يطول سجنه فيعاقب ويخلى سبيله. قال عبد الباقي والخرشي: إلا أن يكون متمردا عن الأحكام فيخلد في السجن. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 8755
فلو قالت دمي وجنيني عند فلان ففيها القسامة يعني أن الجنين لا قسامة فيه كما مر، فلذلك لو قالت امرأة دمي وجنيني عند فلان فماتت المرأة ففي المرأة القسامة؛ لأن قولها لوث يقسم معه الأولياء، ولا شيء في الجنين لأنه بمنزلة الجرح حيث لم يستهل والجرح لا قسامة فيه، وإن استهل أي لا شيء في الجنين استهل أم لا، لما علمت أنه إن لم يستهل فهو كالجرح، وأما إن استهل فهو بمنزلة قولها: قتلني وقتل فلانا معي، وقولها: وقتل فلانا معي، ملغى، قال المواق من المدونة: إن قالت: دمي عند فلان فخرج جنينها حيا فاستهل صارخا ثم مات ففي الأم القسامة، ولا قسامة في الولد لأنها لو قالت: قتلني وقتل فلانا معي لم يكن في فلان قسامة. انتهى. وقال ابن الحاجب: ولذلك لو ألقت جنينا ميتا وقالت دمي وجنيني عند فلان وماتت، كانت القسامة في الأم ولا شيء في الجنين، ولو ثبت الأمران بعدل واحد فالقسامة في الأم ويمين واحدة في الجنين. انتهى.
وقد بان من هذا أن القسامة في الأم تثبت بقولها وبالشهادة، وأما في الجنين فلا تثبت القسامة إلا بالشهادة، ومحلها حيث نزل حيا. واللَّه تعالى أعلم.
ولما فرغ ﵀ من الكلام على القتل والجرح الذين يكون عنهما إذهاب النفس الذي هو من أعظم الذنوب في حق الآدميين، أتبع ذلك بالكلام على الجنايات التي توجب سفك الدماء وما دونه من العقوبات، والجناية هي ما يحدثه الرجل على نفسه أو غيره مما يضر حالا أو مآلا، والجنايات الموجبة للعقوبة سبع: البغي والردة والزنى والقذف والسرقة والحرابة والشرب، وبدأ المصنف بالبغي لأنه أعظمها مفسدة إذ فيه إذهاب الأنفس والأموال غالبا، فقال:
стр. 8756
باب: أي هذا باب ذكر فيه أحكام البغي
والبغي في اللغة قال الجوهري: هو المتعدي، وقال ابن العربي في أحكام القرآن: إن مادة: ب، غ، ي، للطلب، إلا أنه في العرف مقصور على طلب خاص وهو ابتغاء ما لا ينبغي ابتغاؤه. انتهى. وفي الاصطلاح، قال ابن عرفة: البغي هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا. انتهى. والباغية هي فرقة من المسلمين خالفت الإمام لشيئين، إما لمنع حق وجب عليها من زكاة أو حكم من أحكام الشريعة أو الدخول في طاعته فإنه حق أو مخالفة لخلعه، قال ابن عبد السلام: والمراد بالإمام هنا الإمام الأعظم أو نائبه. انتهى.
وقال في التوضيح: فخرج الخروج من طاعة غير الإمام فإنه لا يسمى بغيا يريد أو نائبه، وعلم أنها لو خرجت لا لمنع حق بل لمنع ظلم كأمر بمعصية ليست بباغية، كما يفهم من كلام ابن عرفة، ولا بد من كون الخروج مغالبة. وقال ابن عبد السلام: ولفظ مغالبة كالفصل؛ لأن من عصى الإمام لا على سبيل المغالبة لا يكون من البغاة ونحوه في التوضيح، وكأنهم يعنون بالمغالبة المقاتلة، فمن خرج من طاعة الإمام من غير مغالبة لا يكون باغيا، ومثل ذلك ما وقع لبعض الصحابة ﵃ وحشرنا في زمرتهم وأماتنا على محبتهم وسنتهم أنه مكث شهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه ﵃ أجمعين.
فائدة: قال القرطبي في شرح مسلم: البيعة مأخوذة من المبيع، وذلك لأن البائع يلزمه أن يقي الإمام بنفسه وماله، فكأنه بذل نفسه وماله للَّه تعالى، وقد وعد اللَّه تعالى بالجنة فكأنه حصلت معاوضة، ثم هي واجبة على كل مسلم، لقوله ﷺ : (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) (١)، غير أنه من كان من أهل الحل والعقد والشهرة فبيعته بالقول والمباشرة باليد إن كان حاضرا وبالقول والإشهاد عليه إن كان غائبا، ويكفي من لا يؤبه له ولا يعرف أن يعتقد دخوله تحت طاعة الإمام ويسمع ويطيع له في السر والجهر ولا يعتقد خلاف ذلك، فإن أضمره فمات مات ميتة جاهلية؛ لأنه لم يجعل في عنقه بيعة. انتهى.
стр. 8757
وقال في شرح قوله ﷺ : (إنما الطاعة في المعروف) (١)، إنما للحصر ويعني به ما ليس بمنكر ولا معصية، فيدخل فيه الطاعات الواجبة والمندوب إليها والأمور الجائزة شرعا، فلو أمر بجائز صارت طاعته فيه واجبة، ولما حلت مخالفته فلو أمر بما زجر الشرع عنه زجر تنزيه فهذا مشكل، والأظهر جواز المخالفة تمسكا بقوله: إنما الطاعة في المعروف، وهذا ليس بمعروف إلا أن يخاف على نفسه منه فله أن يمتثل. انتهى. انظر الحطاب.
وقال الشبراخيتي: هذا شروع منه في الجنايات التي توجب سفك الدماء فما دونه وهي سبع: البغي والردة والزنى والقذف والسرقة والحرابة والشرب، وبدأ المصنف بالبغي لأنه أعظمها مفسدة إذ فيه ذهاب الأنفس والأموال غالبا وإثارة الفتن، وعقبه بالردة لأنها وإن عظم ضررها لخسارة الدنيا والآخرة لكنها تخص صاحبها ولا تتعداه لغيره، ثم بالزنى لأنه تارة يقتل فاعله وتارة يجلد وفيه اختلاط الأنساب، ثم بالقذف لتعلقه بالأعراض، ثم بالسرقة والحرابة لأنهما لإتلاف المال وهو أضعف، وقدمهما على الشرب لأن الحد غير منصوص للشارع بل مقيس على القذف.
وقال ابن عرفة في تعريف البغي: الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا، وتعقب قول ابن الحاجب: هو الخروج عن طاعة الإمام مغالبة بأنه يختص بمن دخل في طاعته دون من امتنع منها وهم بغاة، ولهذا قاتل علي أهل الشام، وبإطلاق طاعته في المعصية وغيرها وليس هو في المعصية بغيا، قال: ويجاب بأن مراده بالخروج عدم التلبس، كقوله تعالى: ﴿إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾، وبأنه من حيث أمره بمعصية غير إمام، ونظر حلولو في الجوابين بأن إطلاق الخروج على عدم التلبس مجاز، ولا يصح إدخاله في الحدود دون قرينة، وفي الثانية بأن أمرد بالمعصية لا ينعزل به من الإمامة. انتهى. وقول ابن عرفة: في غير معصية يقتضي أن من خرج عن طاعته في مكروه فإن خروجه في ذلك يكون بغيا، وهو خلاف ما ذكره القرطبي من أنه ليس ببغي؛ لأنه قال: إذا أمر بمكروه فالأظهر مخالفته فيه. انتهى كلام الشبراخيتي.
стр. 8758
وقال الخرشي: وقوله -يعني ابن عرفة- في غير معصية إما حال أو متعلق بالامتناع. انتهى المراد منه.
وقال البناني: لما فرغ من الكلام على القتل والجرح، أتبع ذلك بالكلام على الجنايات التي توجب العقوبة بسفك الدماء أو ما دونه، وهي سبع: البغي والردة الخ، وعرفه ابن عرفة، فقال: هو الامتناع من طاعة من ثبتت إمامته في غير معصية بمغالبة ولو تأولا. انتهى. وقوله: بمغالبة نحوه لابن الحاجب وهو قيد زائد على المصنف، ولابد منه وكأنهم يعنون بالمغالبة المقاتلة، فمن خرج عن طاعة الإمام من غير مغالبة لم يكن باغيا، ومثال ذلك ما وقع لبعض الصحابة ﵃ أنه مكث شهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه، وانظر إذا كلف الإمام أو نائبه الناس بمال ظلما فامتنعوا من إعطائه فجاء لقتالهم، فهل يجوز لهم أن يدفعوا عن أنفسهم -بأن تريف ابن عرفة يقتضي أنهم بغاة لأنه لم يأمرهم بمعصية وإن حرم عليه قتالهم- لأنه جائر؟ وتعريف المصنف يقتضي أنهم غير بغاة الخ؛ لأنهم لم يمنعوا حقا ولا أرادوا خلعه، وهو صريح ما يأتي لابن عرفة عن سحنون.
واعلم أن الإمامة تثبت بأحد أمور ثلاثة: إما ببيعة أهل الحل والعقد وإما بعهد الإمام الذي قبله، وإما بتغلبه على الناس، وحينئذ فلا يشترط فيه شرط لأن من اشتدت وطأته وجبت طاعته، وأهل الحل والعقد من اجتمعت فيه ثلاث صفات: العدالة والعلم بشروط الإمامة والرأي، وشروط الإمامة: كونه مستجمعا شروط الفتوى، وكونه قرشيا، وكونه ذا نجدة وكفاية في المعضلات ونزول الدواهي والملمات. انظر المواق. انتهى.
قال الرهوني: قول محمد بن الحسن البناني: وانظر إذا كلف الإمام أو نائبه الناس بمال ظلما الخ فيه أمور، أحَدُهَا أن ما توقف فيه منصوص عليه لغير واحد، ثَانِيهَا أن ما استظهره خلاف المنصوص، ثَالِثُها أن ما استدل به. وقوله: إنه صريح لخ لا دليل له فيه، ويظهر لك دليل الأولين بجلب كلام الناس، قال الإمام القرطبي في التذكرة: قال ابن المنذر: ثبت الإخبار عن
стр. 8759
رسول اللَّه ﷺ أنه قال: (من قتل دون ماله فهو شهيد) (١)، وقد روينا عن جماعة من أهل العلم أنهم رأوا قتال اللصوص ودفعهم عن أنفسهم وأموالهم. هذا مذهب ابن عمر والحسن البصري وقتادة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق والنعمان. قال أبو بكر: وبهذا يقول عوام أهل العلم: إن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلما للأخبار التي جاءت عن رسول اللَّه ﷺ ، ولم يخص منها وقتا من وقت ولا حالا من الأحوال، إلا السلطان فإن جماعة أهل العلم كالمجتمعين على أن من لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج عن السلطان ومحاربته أنه لا يحاربه ولا يخرج عليه، للأخبار الواردة عن رسول اللَّه ﷺ بالصبر على ما يكون منهم من الجور، وقد تقدم ذلك. انتهى.
وقال الحافظ بن حجر، قال ابن المنذر: والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع كما ذكر إذا أريد ظلما من غير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. انتهى.
وقال المواق في سنن المهتدين: قال ابن العربي في سراجه في حديث (الدين النصيحة): أما النصح لرسول اللَّه ﷺ ، فمن أوجه منها تعظيمه وطاعته والرضى بحكمه، وأما النصح للسلطان فهو نائب عن رسول اللَّه ﷺ تسليما يجب له ما يجب لرسول اللَّه ﷺ من التعظيم والحرمة والطاعة، ويزيد على النبي ﷺ لا بحرمة زائدة بل لعلة حادثة، بوجوه منها: الصبر على أذاه ويدعو له عند فساده بصلاحه، ويُنَبَّهُ إذا غفل.
وقال الطرطوشي في سراجه: يعطى السلطان ما طلب من الظلم ولا ينازع في ذلك، وقال أبو عمر في تمهيده: ذهبت طائفة من المعتزلة وعامة الخوارج إلى منازعته في ذلك، قال: وأما أهل الحق وهم أهل السنة والأثر فقالوا: الصبر على طاعته أولى وأوجب وأحرى، قال عياض: وأحاديث مسلم كلها حجة على ذلك، لقوله ﷺ : (أطعهم وإن أخذوا مالك وضربوا ظهرك) (٢)،
стр. 8760
وكذلك نقل ابن المناصف عن مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد وجماعة من أهل العلم أن للرجل أن يقاتل عن نفسه وماله إذا أريد ظلمه، قال ابن المنذر: إلا السلطان إن لم يمكنه أن يمنع نفسه وماله إلا بالخروج على السلطان، فإنه لا يخرج للأخبار التي فيها الأمر بالصبر على ما يكون منهم من الجور والظلم وترك قتالهم. انتهى.
وأما قوله: وهو صريح ما يأتي لابن عرفة عن سحنون، فأشار به إلى ما نقله عنه عند قوله: فللعدل قتالهم، من قوله: إلا أن يريد نفسك ومالك فادفعه عنهما الخ، فهو غفلة منه ﵀ لأن الضمير في قول سحنون فادفعه للظالم القائم على الإمام الظالم لا للإمام الظالم نفسه، وذلك ظاهر بأدنى تأمل. واللَّه الموفق. انتهى كارم الرهوني. قول الرهوني: ما استظهره البناني خلاف المنصوص، لم يستظهر البناني شيئا. واللَّه تعالى أعلم.
وقال المواق: وختم أبو المعالي كتاب اللمع بما نصه: فصل: شرائط الإمامة ثلاثة؛ أحدها أن يكون الإمام مستجمعا لشرائط الفتوى، الثاني أن يكون قرشي النسب، الثالث أن يكون ذا نجدة وكفاية في المعضلات ونزول الدواهي والملمات، فهذه عقيدة أهل السنة والجماعة تلقاها الخلف عن السلف، وقال النووي: من شرائط الإمامة أن يكون الإمام مهتديا إلى مصالح الأمور وضبطها، ذا نجدة في تجهيز الجيوش وسد الثغور، وذا رأى مصيب في النظر للمسلمين، لا تروعه هداءة نفس وخور طبيعة عن ضرب الرقاب والتنكيل المستوجبين، ويجمع ما ذكرناه الكفاية وهي مشروطة إجماعا، قال: ومن شرائط الإمامة الورع والعدالة، وكيف يتصدى لها من ترد شهادته.
وقال ابن يونس: افترض اللَّه قتال الخوارج، ثم قال بعد كلام: وإن كانوا يظلمون الوالي الظالم فلا يجوز لك الدفع عنه ولا القيام عليه، ولا يسعك الوقوف عن العدل، كان هو القائم أو المقوم عليه. قال عياض: انحدر المأمون إلى محاربة بعض بلاد مصر، وقال للحارث بن مسكين: ما تقول في خروجنا؟ فقال: أخبرني ابن القاسم عن مالك، وسأله الرشيد عن قتال أهل دهلك، فقال: إن كانوا خرجوا عن ظلم السلطان فلا يحل قتالهم.
ومن تفسير القرطبي عند قوله سبحانه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾: لا ينبغي للناس أن يتسارعوا إلى نصر مظهر للعدل، وإن كان الأول فاسقا لأن كل من طلب الملك يظهر من نفسه
стр. 8761
الصلاح حتى يتمكن فيعود لخلاف ما أظهره. ولابن محرز في تبصرته: من شارك في عزل إنسان وتولية غيره ولم يأمن سفك دم مسلم، فقد شارك في سفك دمه إن سفك. ابن العربي: قوله وأن لا تنازع الأمر أهله يعني من ملكه لا من يستحقه، فإن الأمر فيمن يملكه أكثر منه فيمن يستحقه والطاعة واجبة في الجميع، فالصبر على ذلك أولى من التعرض لإفساد ذات البين. وقال النووي في منهاجه: قوله ﷺ : (اسمع وأطع وإن كان عبدا) (١) قال: تتصور إمامة العبد إذا ولاه بعض الأئمة أو كان تغلب على البلاد بشوكته وأتباعه، فيسمع له ويطاع.
وعرف المصنف الفرقة الباغية وذلك يستلزم تعريف البغي بقوله: الباغية فرقة خالفت الإمام يعني أن الجماعة الباغية هم فرقة من المسلمين خالفوا الإمام الأعظم أو نائبه لأحد شيئين، إما لمنع حق وجب عليها للَّه أو للعباد. وقال الشبراخيتي عند قوله: "فرقة" عبر بها جريا على الغالب؛ لأن الغالب أن الباغية فرقة، وقد يكون الباغي واحدا، "خالفت الإمام" المراد به الإمام الأعظم أو نائبه: وزاد ابن عرفة وابن الحاجب. قيدا لابد منه وهو: كون الخروج مغالبة، فمن خرج عليه لا على سبيل الغالبة فلا يكون من البغاة. انتهى. ذكره الحطاب. وزاد عقبه: وكأنهم يعنون بالمغالبة المقاتلة، فمن خرج عن طاعة الإمام من غير مغالبة لا يكون باغيا، ومثال ذلك ما وقع لبعض الصحابة أنه مكث شهرا لم يبايع الخليفة ثم بايعه. انتهى.
واستفيد من ذلك أن الامتناع من طاعة الإمام لا على وجه المغالبة كامتناع من عينه لجهاد ونحوه عن الخروج له لا يكون بغيا. وقوله: "الإمام" أي من ثبتت إمامته وانعقدت بيعته وإن لم يجمع شروطها، بدليل قوله: "فللعدل قتالهم"، وقوله: "خالفت الإمام" أي في غير معصية أمرهم بها، بدليل قوله: "لمنع حق" عليها للَّه، كالزكاة أو العباد كحقوق الناس.
أو خلعه أي الباغية فرقة خالفت الإمام إما منع حق وإما لخلعه أي عزله عن الإمامة، فقد قاتل علي البغاة الذين امتنعوا من بيعته وهم أهل الشام، وطائفة خلعته وهم أهل النَّهْروان. قاله التتائي. وقال عبد الباقي: الباغية فرقة من المسلمين خالفت الإمام الأعظم أو نائبَه لأحد شيئين،
стр. 8762
إما لمنع حق وجب عليها أو حكم من أحكام الشريعة المتعلق باللَّه تعالى أو بآدمي، أو الدخول تحت طاعته بالقول أو المباشرة باليد لحاضره والإشهاد على الدخول لمن غاب عنه إن كان كل منهما من أهل الحل والعقد واعتقاد ذلك لمن لا يعبأ به ولا يعرف، فإنه يعني الدخول تحت طاعته. واللَّه أعلم. حق، لخبر: (من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية) (١)، أو خالفته لخلعه أي إرادتها خلعه أي عزله لحرمة ذلك عليهم، وإن جار. كما قال عياض: جمهور أهل العلم من الحديث والفقه، والكلام أنه لا يخلع السلطان بالظلم والفسق وتعطيل الحقوق ولا يجب الخروج عليه بل يجب وعظه وتخويفه. انتهى. أي إلا أن يقوم عليه عدل فيجوز كما روى ابن القاسم عن مالك: من قام على إمام يريد إزالة ما بيده، إن كان -أي المقوم عليه- مثل عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذب عنه والقيام معه، وأما غيره فلا، فدعه وما يراد منه ينتقم اللَّه من ظالم بظالم ثم ينتقم من كليهما. انتهى.
ومقتضى الظاهر أن يقول: ثم ينتقم من الآخر إلا أن يريد ثم ينتقم من كليهما في الآخرة، وعبر المصنف: "بفرقة" جريا على الغالب، وإلا فالواحد قد يكون باغيا، ولا بد أن يكون الخروج مغالبة، فمن خرج على الإمام لا على سبيل المغالبة فلا يكون من الباغية، والمراد بالمغالبة إظهار القهر وإن لم يقاتل كما استظهره بعض، وقيل المراد بها: المقاتلة.
واللام في قوله: فللعدل قتالهم بمعنى على أو للاختصاص، فقوله: "الباغية فرقة خالفت الإمام" أي مطلقا، كان عدلا أولا، والعدالة إنما هي شَرْطٌ في جواز قتالهم فحيث خالفوه فهم بغاة كان عدلا أولا، وإن أراد قتالهم فإنما يقاتلهم إن كان عدلا، فإن لم يكن عدلا لم يجز له أن يقاتلهم وإن كان باقيا على إمامته.
تنبيهات: الأول: قال ابن عبد السلام: فسق الأئمة قد يتفاوت ككون فسق أحدهم بالقتل وفسق الآخر بانتهاك حرمة الأبضاع وفسق الآخر بالتعرض للأموال، فيقدم هذا على المتعرض للدماء والأبضاع، وقدم المتعرض للأبضاع على المتعرض للدماء. قال: فإن قيل أيجوز القتال مع أحد
стр. 8763
هؤلاء لإقامة ولايته وإدامة نصرته وهو في معصية؟ قلنا: نعم، دفعا لما بين مفسدتي الفسوقين، وفي هذا وقفة وإشكال من جهة كونه إعانة على معصية، ولكن درء ما هو أشد من تلك المعصية يجوزه، قلت: ونحوه خروج فقهاء [القيروان] (١) مع أبي يزيد الخارجي على الثالث من بني عبيد وهو إسماعيل لكفره وفسق أبي يزيد، والكفر أشد. انتهى.
الثاني: قال الرهوني في سنن المهتدين للمواق: وسئل سهل بن عبد اللَّه التستري أي الناس خير؟ قال: السلطان، قيل: كنا نرى أن شر الناس السلطان، قال سهل: إن للَّه في كل يوم نظرتين؛ نظرة إلى سلامة أموال الناس ونظرة إلى سلامة أفكارهم، فيطلع اللَّه في صحيفة السلطان فيغفر له والخشبات المعلقات على أبوابهم خير من سبعين واعظا يعظون، ومن سراج ابن العربي: روى عن الفضيل وابن المبارك كلمة بديعة من الجود والإيثار على أنفسهم للأمة؛ لأنهما قالا: لو كانت لنا دعوة مستجابة لجعلناها في السلطان؛ يعنيان لا فيها من صلاح العامة واستقامة الأمر وسلامة ذات البين. ومن الطرطوشي عن الفضيل: لو ظفرت ببيت المال لأخذت من حلاله وصنعت منه أطيب طعام ودعوت الصالحين وأهل الفضل من الأخيار والأبرار، فإذا فرغوا قلت لهم تعالوا ندع ربنا أن يوفّق ملوكنا وسائر من يلي علينا وجعل إليه أمورنا. وفي الديباج لما عَرَّفَ بقرعوس بن عباس بن قرعوس الثَّقفي، القرطبي ما نصه: قال قرعوس هذا: سمعت مالكا والثوري يقولان: سلطان جائر سبعين سنة خير من سائبة ساعة من نهار، وقرعوس بالقاف والعين والسين المهملتين بينهما واو وبالراء. انتهى.
الثالث: قال المواق: وكتب ابن مروان إلى عبد اللَّه بن عمر أن يبايع الحجاج، قال: لأن فيك خصالا لا تصلح معها للخلافة، وهي: البخل والغيرة والعِيُّ: فجاوبه ابن عمر سمعنا وأطعنا غُفْرَانَكَ ربنا وإليك المصير. اللَّهم إن ابن مروان يعيرني بالبخل والغيرة والعي فلو وليت وأعطيت الناس حقوقهم وقسمت بينهم فَيْنَهُمْ أي حاجة لهم حينئذ إلى مالي فيُبَخِّلُونِي، ولو جلست إليهم مجالسهم فقضيت حوائجهم لم تبق لهم حاجة إلى شيء فيعرفون غيرتي، وما من قرأ كتاب اللَّه
стр. 8764
ووعظ به بعَيي. انتهى. قال الرهوني بعد أن أشار إلى كلام ابن مروان في سيدنا عبد اللَّه بن عمر ﵄: وهذا الكلام باطل لا يسع أهل الفضل ذكره بلسانهم فأحرى أن يسطره أحد منهم في الكتب ببنانه، إلا أن يفعل ذلك لينبه على بطلانه، وليس في جواب ابن عمر رضي اللَّه تعالى عنه المذكور هنا في المواق تقرير لما قاله عبد الملك بن مروان، بل ذلك لتواضعه ﵁، وإلا فسخاؤه وزهده في الدنيا وإعراضه عنها أشهر من أن يستدل عليه بدليل.
وها أنا أذكر نبذة من ذلك، ففي رسم أوصى من سماع عيسى من كتاب الجامع فيما يحكى من فضائل عبد اللَّه بن عمر: وذكرهن حفص بن عمر أيضا أن عبد اللَّه بن عمر كان له غلام وبرذون يحطب عليه ويسقي عليه الماء ويركب عليه ابن عمر في حاجة إن نابته، قال: فدخل الغلام يوما، فقال: يا فلان كيف أصبحت؟ فقال: أصبح الناس كلهم بخير إلا أنا وأنت وهذا البرذون، قال. فقال له اذهب فأنت حر؟ فأعتقه، قال القاضي: هذا لما جاء عنه أنه كاتب غلاما بأربعين ألف درهم: فخرج إلى الكوفة فكان يعمل على حمولة حتى أدى خمسة عشر ألفا، فجاءه إنسان فقال له: أمجنون أنت وأنت ههنا تعذب نفسك وعبد اللَّه بن عمر يشتري الرقيق يمينا وشمالا ويعتقهم؟ ارجع إليه فقل: قد عجزت فجاء إليه بصحيفة، فقال: يا أبا عبد الرحمن قد عجزت فهذه صحيفتي امحها، فقال لا واللَّه، ولكن أمحها أنت إن شئت فمحاها ففاضت عينا عبد اللَّه بن عمر، ثم قال: اذهب فأنت حر، فقال: أصلحك اللَّه أحْسِن إلى ابْنَيَّ، قال: هما حران، قال أصلحك، اللَّه أحسن إلى أُمَّيْ وَلَدَيَّ، قال: هما حرتان فأعتقهم خمستهم جميعا في مقعده.
ووقعت هذه الحكاية عنه في المكاتب من المدونة: وروى أنه انتهى عدد من أعتق من العبيد إلى ألف رأس، وأنه حَبَّسَ ألف فرس، واعتمر ألف عمرة وحج ستين حجة، وقال الحافظ بن حجر في الإصابة: أخرج السراج في تاريخه وأبو نعيم من طريقه بسند صحيح عن ميمون بن مهران، قال: مر أصحاب نجدة الحروري بإبل لابن عمر فاستاقوها، فجاء الراعي فقال: يا أبا عبد الرحمن احْتَسِبِ الإبل وأخبره الخبر، قال: فكيف تركوك؟ قال: انفَلَتُّ لأنك أحب إلي منهم فاستحلفه فحلف، فقال: إني أحتسبك معها فأعتقه، فقيل له بعد ذلك: هل لك في ناقتك
стр. 8765
الفلانية تباع في السوق، فأراد أن يذهب إليها ثم قال: قد كنت احتسبت الإبل فَلأيّ فعل أطلب الناقة.
ومن طريق عبد اللَّه بن أبي عثمان، قال: أعتق عبد اللَّه بن عمر جارية كان يحبها، فقال: سمعت اللَّه يقول: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ثم قال: وأخرج البيهقي من طريق عاصم بن محمد العمري عن أبيه، قال أعطى عبد اللَّه بن جعفر في نافع لعبد اللَّه بن عمر سبعة آلاف درهم أو ألف دينار، فقيل له: ماذا تنظر؟ فقال: ما هو خير من ذلك هو حر، ثم قال: وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن الزهري عن حمزة بن عبد اللَّه بن عمر، قال: لو أن طعاما كثيرا كان عند ابن عمر لما شبع منه بعد أن يجد له أهلا، ثم قال: وعند البيهقي من طريق زيد بن أسلم أن عبد اللَّه بن عمر مر براعي غنم، فاشترى الراعي والغنم وأعتق الراعي ووهب له الغنم، وقال في الإصابة أيضا: وفي الزهد لأحمد من طريق إبراهيم النخعي، قال: قال عبد اللَّه يعني ابن مسعود: أمْلكُ شباب قريش لنفسه عن الدنيا عبد اللَّه بن عمر، وأخرجه أبو الطاهر والذهلي، ثم قال الرهوني: فواعجبا كيف ينسب إلى البخل مَن هَذه نبذة يسيرة من مآثره الحسنة!؟.
الرابع: قال المواق: ابن عرفة: لو قام على إمام من أراد إزالة ما بيده، قال مالك: إن كان مثل عمر بن عبد العزيز وجب على الناس الذب عنه، وأما غيره فلا. قال ابن بطال: دعا علي ﵁ بعضهم إلى القتال معه فأبوا أن يجيبوه فعذرهم، وكذا يجب على الإمام أن لا يعيب على من تخلف عنه في قتال البغاة. القرافي: الزواجر مشروعة لدرء المفاسد المتوقعة، وقد لا يكون المزجور آثما كالصبيان والمجانين والبهائم، وكذا البغاة إنما قتالهم درء لتفريق الكلمة مع عدم التأثيم لأنهم متأولون. قال: ويفترق قتالهم من قتال الكفار بأحد عشر وجها، منها أنه يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم ويكف عن مُدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا يقتل أسراهم ولا تغنم أموالهم ولا تنصب عليهم الرعادات ولا تحرق مساكنهم ولا تقطع أشجارهم ولا يوادعهم على مال، ويفترق أيضا قتالهم من قتال المحاربين بأن البغاة لا يطلبون بما استهلكوا من دم وما أخذوه من خراج وزكاة سقط عمن كان عليه ولما ذكر عز المدين مُثُلَ الزواجر، قال المثال الثاني:
стр. 8766
الزجر عن مفسدة البغي، فإن رجعوا إلى الطاعة كففنا عن قتلهم وقتالهم وهذا زجر عن مفسدة لا إثم فيها. انتهى.
وإن تأولوا يعني أن للإمام العدل أن يقاتل البغاة حيث لم يتأولوا بل وإن تأولوا، قال الشبراخيتي: مبالغة في قوله: "الباغية فرقة خالفت الإمام"، وفي قوله: "فللعدل قتالهم"، والأصل في ذلك قتال أبي بكر رضي اللَّه تعالى عنه لمن تأول منع الزكاة بأن إمامته لا تصح، وأنه ﷺ أوصى لعلي بالخلافة، وبعضهم تأول أن وجوبها مخصوص بزمنه ﵊، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية. انتهى. وقال ابن الحاجب: والبغاة قسمان: أهل تأويل وأهل عناد. التوضيح: يعني ويقاتلون، وقد أجمع على ذلك في زمان أبي بكر ﵁ حيث قاتل مانعي الزكاة، وكان بعضهم مُتأولا أن وجوبها قد انقَضَى بموته ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، وبعضهم معاند شحا بماله. انتهى. وقد اتضح من هذا أن المبالغة لدفع التوهم لا للخلاف. واللَّه تعالى أعلم. وعلم مما مر أن قتال البغاة واجب على العدل، وأما غير العدل فليس له قتالهم لاحتمال أن يكون سبب خروجهم عليه فسقه وجوره، ولكنه لا يجوز الخروج عليه كما مر.
كالكفار العامل فيه قتالهم فهو نائب عن المصدر؛ يعني أن الإمام العدل يجب عليه أن يقاتل البغاة ويقاتلهم كمقاتلة الكفار أي يقاتلهم بعد أن يدعوهم إلى الدخول تحت طاعته وموافقة جماعة المسلمين، إلا أن يعاجلوه بالقتال ويقاتلهم بالسيف والرمي بالنبل والمنجنيق والتغريق والتحريق وقطع الميرة والماء عنهم، إلا أن يكون فيهم نساء أو ذرية فلا يرميهم بالنار، وهذا أولى من قول الشارح والتتائي: ولا يمنعه من ذلك -أي التحريق ونحوه- وجود النساء والذرية، وما قالاه نحوه للتوضيح وابن عبد السلام. قال مصطفى: ولم يدعموه بنقل والأول هو الصواب الموافق للنقل. قاله البناني.
وقال عبد الباقي: ورميهم بالمنجنيق عبر عنه بعضهم بأن في قوله: "كالكفار" إشارة إلى أنه تنصب عليهم الرعادات أي المجانيق، خلاف ما عند ابن بشير. انتهى. قوله: خلاف ما عند ابن بشير أي من أن الرعادات لا تنصب عليهم، ونصه: يمتاز قتال البغاة من قتال الكفار بأحد
стр. 8767
عشر وجها: أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم، وأن يكف عن مدبرهم ولا يجهز على جريحهم ولا تقتل أسراهم ولا تغنم أموالهم ولا تسبى ذراريهم ولا يستعان عليهم بمشرك ولا يوادعهم على مال ولا تنصب عليهم الرعادات ولا تحرق مساكنهم ولا تقطع شجرهم. انتهى. قاله البناني.
وقال عبد الباقي: ومثل الباغية الخوارج بطلب مال أو ملك فقتالهم فرض وقتلهم قُرْبَةٌ. قاله ابن العربي. ومن ذلك مقاتلة السلطان آل قرنباش فإنه جائز لتجبرهم ودعواهم إلى بدعتهم، وإن لم يحصل منهم قتل من ظفروا به من أهل السنة، ولا إكراهه على سب الشيخين، ولا إجلاؤه من دياره وبلاده كما يفيده الشيخ أحمد بابا، ونحوه يستفاد من ابن عرفة، خلافا لما يفيده البرموني من اشتراط ذلك كله في جواز قتالهم فإنه غير معول عليه. انتهى.
قوله: ومثل الباغية الخوارج الخ قال البناني: قال ابن عرفة: وقتال الخوارج إن بانوا ودعوا لبدعتهم، قال الصقلي عن ابن سحنون: فرض. الشيخ عن سحنون: سن عليٌّ ﵁ قِتَالهم ولم يكفرهم؛ إذ لم يسبهم ولم يبح أموالهم ولهم حكم المسلمين في أمهات أولادهم ومدبرهم وعِدَدهم ووصاياهم ورد أموالهم لأربابها إن عرفوا وإلا تصدق بها إن أيس منهم، ولا قود عليهم ولا قصاص ولا حد ولا صداق في استباحة فرجٍ. الصقلي وبعض أصحابه: إن سَبَوا حرة أو أمة فأولدوها لحق الولد بأبيه إذ لا حد عليه في وطئه لتأوله وولد الأمة كولد مستحقة، وفيها لمالك: إن خرجوا فأصابوا الدماء والأموال ثم تابوا وضعت عنهم كحد الحرابة الدماء وما استهلكوه من ماك، ولو كانوا أمْلِياء، ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه، ويؤخذون بحقوق الناس. انتهى. كلام البناني.
وقال المواق: أبو عمر: رأى مالك قتال الخوارج. ابن يونس: قال مالك: يستتاب أهل الأهواء من القدرية وغيرهم، وذلك إذا كان الإمام عدلا ولا يصلى عليهم، قال سحنون: أدبا لهم، قال أبو عمر: وذهب الشافعي وأبو حنيفة وجمهور الفقهاء وكثير من أهل الحديث إلى ترك قتالهم، وكتب عمر بن عبد العزيز في الخوارج: إن كان من رأي القوم أن يسيحوا في الأرض من غير فساد على الأئمة ولا على أحد من أهل الذمة ولا قطع سبيل من سبل المسلمين فليذهبوا حيث شاءوا،
стр. 8768
وإن كان رأيهم القتال فواللَّه لو أن أبكاري خرجوا رغمة عن جماعة المسلمين لأرَقت دماءهم ألتمس بذلك وجه اللَّه. انتهى.
وقال المواق أيضا ما نصه: في النوادر: إذا امتنع أهل البغي ولو كانوا متأولين من الإمام العدل فله فيهم مَالَهُ في الكفار ولا يرميهم بالنار إلا أن لا يكون فيهم نساء ولا ذرية. انتهى.
ولا يسترقوا يعني أنه لا يجوز استرقاق البغاة ولا الخوارج لأنهم أحرار مسلمون، قال المواق: قال سحنون: في الخوارج: سماهم النبي ﷺ مارقين ولم يسمهم كفارا، وسَنَّ علي رضى اللَّه عنه قتالهم فلم يكفرهم ولا سباهم ولا أخذ أموالهم، فموارثهم قائمة ولهم أحكام أهل الإسلام في ذلك، وإنما قوتلوا بالسنة وبما أحدثوا من البدعة، فَكَأَنَّ ذلك حد يُقام عليهم ولا يتبعوا بما سفكوا من دم ونالوا من فرج لا بقود ولا بدية ولا صداق ولا حد. انتهى.
وقال الشبراخيتي: ولا يسترقوا لأنهم أحرار مسلمون، وقد تقرر أن حذف النون مع لا النافية جائز، وإن كان قليلا كما في حديث: (لا تدخلوا الجنة حتى تومنوا ولا تومنوا حتى تحابوا) (١)، ويجوز أن تكون لا ناهية إلا أن الغالب في عبارات الفقهاء الإخبار وفي عبارات الشارع الطلب؛ لأن الشارع له النهي والأمر، وأما الفقهاء فليس لهم إلا الإخبار عن ذلك الحكم. انتهى. وقوله: "ولا يسترقوا" هو وما بعده كالاستثناء من قوله: "كالكفار". واللَّه تعالى أعلم.
وَلَا يَحْرِقُ الإمامُ ولا نائبه شجرهم، وأحرى مساكنهم لأنها من أموال المسلمين، ولا ترفع رؤوسهم بأرماح يعني أنه لا يجوز أن ترفع رؤوس البغاة ولا الخوارج على أرماح عند القُدْرة عليهم. قال الخرشي: ولا يجوز للإمام أو نائبه أن يحرق شجرهم ولا أن يرفع رؤوسهم على أرماح عند القُدْرة عليهم؛ ذلك مثلة وهي حرام. انتهى. وقوله: "ولا ترفع رؤوسهم بأرماح" ظاهرهُ أن هذا مما يفترق فيه قتال البغاة من قتال الكفار، فيمتنع في محل القتال وغيره، وليس كذلك خلاف قول عبد الباقي: ولا ترفع رؤوسهم عند المقدرة عليهم وقتلهم بأرماح بمحل قتلهم وأولى بغيره لأن ذلك مثلة وهي حرام، بخلاف الكفار فترفع رؤوسهم بأرماح بمحلهم فقط. انتهى.
стр. 8769
قوله: بمحل قتلهم وأولى بغيره، قال البناني: تبع فيه التتائي، وفيه نظر، بل إنما يمنع رفع رؤوسهم بأرماح إلى محل آخر لبلد أو وال، وأما رفعها على الأرماح في محل القتل فجائز كالكفار، فلا فرق بين البغاة والكفار في هذا، ولذا لم يذكره ابن بشير في الأمور التي يمتاز فيها قتالهم عن قتال الكفار كما تقدم عنه، وفي الذخيرة عن النوادر: ولا يبعث بالرؤوس إلى الآفاق لأنه مثلة. نقله مصطفى. ففرض المسألة في البعث بها للآفاق كالكفار. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولا ترفع رؤوسهم أي من قتل منهم بأرماح ويبعث بها إلى البلدان لأنه مثلة، والباء بمعنى على وهذا لا يستفاد من قوله: "كالكفار" لأن معنى ذلك في صفة المقاتلة ورفع الرؤوس بعد انفصال القتال، وتقدم في الجهاد أنه يمنع حمل رأس الكافر من بلد لآخر وأهل البغي أولى بحرمة ذلك. انتهى المراد منه.
ولا يدعوهم بمال يعني أنه لا يجوز للإمام ومن معه من جماعة المسلمين أن يَدَعُوا أي يتركوا قتال البغاة لمدة سألوا التأخير لها كأيام أو شهر لينظروا فيها على مال يأخذونه منهم على تأخيرهم، وللإمام أن يؤخرهم إلى ما سألوا مجانا. وقوله: "ولا يدعوهم" بفتح الدال قاله غير واحد، وقال الشبراخيتي: ولا يَدعوهم بفتح الدال مسنَدا لضمير الجماعة أي الإمام ومن معه: أي لا يتركون قتالهم لمدة سألوا التأخير لها كأيام أو شهر لينظروا أمرهم فيها، وهو المهادنة على مال يأخذونه منهم على تأخيرهم، وللإمام أن يؤخرهم إلى ما سألوا مجانا. انتهى. وقوله "ولا يدعوهم" قد مر عن غير واحد أنه بفتح الدال، قال البناني: على هذا حمله ابن غازي، وأما ابن مرزوق فجعله بسكون الدال مضارع دعا، فقال: أي لا يعطيهم مالا على الدخول في طاعته. انتهى.
وقال عبد الباقي: ولا يدعوهم بفتح الدال أي لا يتركهم الإمام ونوابه الذين معه بمال يؤخذ منهم، بل يتركهم مجانا حيث كفوا عن البغي وطلبوا أياما حتى ينظروا في أمرهم، ولم يخش منهم التحيل للغدر. انتهى. وقال التتائي: ولا يدعوهم بفتح الدال المهملة أي لا يتركون قتالهم بمدة سألوا التأخير لها كأيام أو شهر لينظروا أمرهم على مال يدفعونه للإمام على تأخيرهم. قال في الجواهر: لا يحل ذلك وله أن يؤخرهم إلى ما سألوا يعني مجانا ما لم يقاتلوا أحدا أو يفسدوا، قال بعض من تكلم على هذا المحل: اتفقت النسخ على إسقاط نون العلامة منه وذلك يدل على
стр. 8770
إسقاطها من يسترقوا كما في كثير من النسخ إلا أن الغالب في عبارات الفقهاء الإخبار، وفي عبارة الشارع الطلب. انتهى المراد منه. وقوله: "ولا يدعوهم" بفتح الدال هو كعبارة ابن بشير، ولا يوادعونهم على مال، وقد علمت أن للإمام أن يتركهم مجانا إن طلبوا التأخير لمدة إن كفوا عن البغي ما لم يخنتى منهم التحيل والغدر. واللَّه تعالى أعلم.
واستعين بمالهم عليهم إن احتيج له يعني أن للإمام أو غيره إذا احتاج إلى مال البغاة كالسلاح والكراع أي الخيل وما أشبه ذلك من آلات الحرب أن يستعين به على قتالهم، قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: واسْتُعِينَ بمالهم من سلاح وكُراع فقط كما في النقل بضم الكاف أي خيل عليهم إن احتيج له، والاقتصار على الخيل لأنها الغالب في القتال، وإلا فلو قاتلوا على إبل أو فِيَلَةٍ لكان الحكم كذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي: واستعين في قتالهم بمالهم من كراع وسلاح، والكراع كغراب اسم لجماعة الخيل، وضبطه بعضهم بكسر الكاف وهو خطأ. ابن مرزوق: والمنصوص أنه لا يجوز الاستعانة عليهم بغير السلاح والكراع، بل يوقف حتى يرد إليهم كما في النوادر. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: والضمير في قوله: "يوقف عائد على غير". واللَّه تعالى أعلم.
قال الشبراخيتي: والمصنف أطلق في مالهم، وجعل ابن غازي موضع "مالهم" بسلاحهم قائلا، ويقع في نسخ هذا المختصر بمالهم وهو عندي تصحيف. انتهى. وأراد بالسلاح ما يستعان به في القتال، فيشمل الكراع وبهذا سقط اعتراض التتائي ومن وافقه على ابن غازي، وقوله: "إن احتيج له" كان المحتاج إليه الإمام أو غيره كما مر.
ثم رد يعني أنه إذا استعين عليهم بما يحتاج إليه من المال المذكور ثم استغني عنه، فإنه يرد إليهم. قال المواق قال عبد الملك: ما أصاب الإمام من عسكر أهل البغي من كراع وسلاح، فإن كانت لهم فئة قائمة فلا بأس أن يستعين به الإمام ومن معه على قتالهم إن احتاجوا إليه، فإذا زالت الحرب رد إلى أهله. انتهى. وقوله: "ثم" أي بعد فراغ الحرب رد إليهم، قال عبد الباقي: ثم بعد الاستعانة به والاستغناء عنه رد إليهم، كغيره أي كما يرد إليهم غير المحتاج إليه لأنهم مسلمون. قال غير واحد: فَإِن قيل الرد فرع الأخذ وهو مُنتَفٍ فأيْنَ الردُّ؟ فالجواب: أنه لما قدر
стр. 8771
عليهم صار المال كأنه ملك للإمام، فلذا عبر بالرد. انتهى. ونقله عبد الباقي عن أحمد. وتعقبه البناني، بقوله: "كغيره" أي كغير المحتاج إليه فإنه يرد، وذلك أن الإمام إذا ظفر بمال لهم فإنه يوقف حتى يرد إليهم كما قاله في النوادر، ونحوه في الجواهر. وبه تعلم ما في الزرقاني عن أحمد، وقاك المواق: قال عبد الملك وغيره: السلاح والكراع توقف حتى ترد إليهم، وإن لم تكن لهم فئة قائمة رد كل ذلك من سلاح وغيره، وكذا فعل علي ﵁. انتهى.
وإن أُمِنوا لم يتبع منهزمهم يعني أن البغاة إذا أمنوا أي أمن الناس منهم بالظهور عليهم مع عدم الخوف أو بعدم انحيازهم إلى فئة، فإنه لا يتبع منهزمهم بل يكف عنه، قال عبد الباقي: وإن أمنوا بالبناء للمفعول فخفف الميم أي أمن الإمام والناس منهم بالظهور عليهبم مع عدم الخوف، أو بعدم انحيازهم إلى فئة لم يتبع منهزمهم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أُمنوا بالبناء للمفعول مخفف الميم، وسواء كانوا من أهل التأويل أو من أهل العناد لم يتبع منهزمهم، بل يكف عنه. انتهى.
ولم يذفف على جريحهم هذا من تتمة جواب الشرط يعني أن الخوارج والبغاة إذا أمنوا فإنه لا يتبع منهزمهم، بل يكف عنه كما عرفت، وكذا لا يذفف على جريحهم أي لا يقتل المجروح منهم، وأما إن لم يؤمنوا فإنه يتبع منهزمهم ويذفف على جريحهم، ويقال ذفف على الجريح بمعنى أجهز عليه، ومعنى أجهز عليه عجل موته. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وإن أمنوا لم يتبع منهزمهم ولم يذفف على جريحهم، بذال مهملة ومعجمة معناه يجهز على جريحهم، مَفْهُومُ الشرط إن لم يؤمنوا اتبع منهزمهم وذفف على جريحهم، ووقع الأمران لعلي ﵁، فيوم صفين اتبع المنهزم ويوم الجمل لم يتبع المنهزم ولم يذفف على الجريح، فقيل له في ذلك؟ فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون إليها دون الأولين. ابن بشير: ولا يستعان عليهم بمشرك ولا يقتل أسراهم. ابن شأس: ويسجن حتى يتوب وإن قتل أحدا قتل به إن كان غير متأول. انتهى. وقال التتائي: قال ابن شأس: ويؤدب ويسجن حتى يتوب. انتهى.
وقال عبد الباقي: وإن أمنوا لم يتبع منهزمهم ولم يُذَفَّفْ على جريحهم، كما وقع لعلي يوم الجمل، فإن خيف منهم أو انحازوا إلى فئة اتبع منهزمهم، وذفف على جريحهم أي أجهز عليه
стр. 8772
كما وقع لعلي يوم صفين. انتهى. وقال المواق: قال عبد الملك: إن أسر من الخوارج أسيرٌ وقد انقطعت الحرب فلا يقتل، وإن كانت الحرب قائمة فللإمام قتله ولو كانوا جماعة إذا خاف أن يكون منهم ضرر، وعلى هذا يجري حكم التذفيف على الجريح واتباع المنهزم وقاله سحنون. وعبارة ابن الحاجب: إذا ظهر عليهم وأمنوا فلا يذفف على جريحهم ومنهزمهم. انتهى.
وكره للرجل قتل أبيه يعني أنه يكره للرجل أن يقتل أباه الباغي مبارزة أو غيرها، وعبارة الخرشي يعني أنه يجوز للرجل أن يقتل أباه في حال قتال الباغية ويرثه، لكن يكره له القتل مبارزة أو غيرهاث ولا فرق بين الأب المسلم والكافر في الكراهة والأم من باب أولى، ولا يكره له قتل أخيه ولا جده لأبيه ولا لأمه. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وكره للرجل قتل أبيه دِنية بكسر الدال، والأم أولى من الأب بذلك لأن حقها آكد ولضعفها في القتال، وأما غيرهما من الجد والأخ والعم والابن فلا يكره قتلهم، إلا أن قتل الابن خلاف الأولى. انتهى. وقال عبد الباقي: وكره للرجل قتل أبيه دنية من الباغية مسلما أم لا بارزه أم لا، وأولى أمه لا قتل جده أو أخيه أو ابنه فلا يكره، وإنما هو خلاف الأولى على فهم المواق، قول النص لا بأس بذلك لما غيره خير منه. انتهى.
وقال المواق: ابن سحنون: لا بأس أن يقتل الرجل في قتالهم أخاه وقرابته، فأما الأب وحده فلا أحب قتله تعمدا وكذا الأب الكافر. انتهى. وقال التتائي: وكره للرجل قتل أبيه عمدا مبارزة أو غيرها، وفهم من قوله: "أبيه" أنه لا يكره له قتل أخيه وقريبه ولا جده لأبيه ولا لأمه مبارزة أو غيرها وهو كذلك، نص عليه في الذخيرة، واستدلاله فيها بقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾، وبقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ صريح في أن الأم كذلك. انتهى.
وورثه يعني أنه إذا قتل أباه من الفئة الباغية فإنه يرثه أي إذا قتل موروثه في الباغية فإنه يرثه أبا كان أو أخا أو غيرهما، قال التتائي: ومن قتل أباه أو أخاه من البغاة ورثه، قال في الذخيرة: لأنه لم يتعجل ما أحل اللَّه له. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: قوله لأنه لم يتعجل ما أحل اللَّه له، إشارة منه رحمه اللَّه تعالى إلى القاعدة المقررة، وهي: من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه، وذلك كقتل المدبر سيده
стр. 8773
عمدا فإن ذلك يبطل تدبيره، وكقتل موروثه عمدا فإنه لا يرث منه لاستعجاله الشيء قبل أوانه؛ لأن محل ذلك في العمد العدوان لأنه إذا لم يكن القتل عدوانا لم يستعجل الشيء قبل أوانه؛ لأن ذلك الأوان أوان قتله. واللَّه تعالى أعلم.
ولم يضمن متأول يعني أن الباغي على قسمين متأول ومعاند، فأما المتأول فإنه لا يضمن ما أتلفه، سواء أتلف نفسا أو أتلف مالا، قال المواق من المدونة: والخوارج إذا خرجوا فأصابوا الدماء والأموال ثم تابوا ورجعوا وضعت الدماء عنهم، ويؤخذ منهم ما وجد بأيديهم من مال بعينه، وما استهلكوا لم يتبعوا به ولو كانوا أملياء لأنهم متأولون، بخلاف المحاربين. انتهى. وقال عبد الباقي: ولم يضمن باغ متأول ولو غنيا أتلف حال بغيه نفسا فلا دية عليه أو مالا ثم تاب ورجع؛ لأن الصحابة رضي اللَّه تعالى عنهم أهدروا الدماء التي كانت في حروبهم، ومفهوم قوله: "أتلف" أنه لو كان موجودا لرد إلى ربه وهو كذلك ترغيبا لهم في الرجوع إلى الحق. قاله التتائي. وقوله: "ترغيبا" تعليل، لقوله: "ولم يضمن"، لا لفهوم "أتلف". انتهى. قوله: "أتلف" حال بغيه، ظاهره ولو أتلفه في غير دفعه عن نفسه وليس كذلك، ففي النوادر ما نصه: ولا قود في الجراح في هؤلاء، وما أصابهم في دفعهم عن أنفسهم فهدر إلا أن تكون منهم غارة وفساد على غير وجه دفع ظلم ولا امتناع، فيلزمهم فيه القود والقصاص والمال. انتهى على نقل ابن مرزوق، وأبي علي. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى. قاله الرهوني.
ومضى حكم قاضيه يعني أن الباغي المتأول إذا أقام قاضيا وحكم صوابا فإنه يمضي حكم قاضيه ذلك، قال عبد الباقي: والباغي المتأول إن أقام قاضيا وحكم صوابا مضى حكم قاضيه ليلا تضيع الحقوق، وكذا ما ثبت عنده ولم يحكم به فيحكم به من بعده من غير قضاة أهل البغي للعلة المذكورة. انتهى. وقال الشبراخيتي: ومضى حكم قاضيه أي المتأول، ولا مفهوم لقوله: "حكم" إذ الثبوت ونحوه كذلك، فلا فرق بين حكم تام وبين ما يحتاج إلى إتمام فيكمله من يأتي بعده من غير قضاة أهل البغي، فلو قال: "ومضى" فعل قاضيه" لكان أشمل، وهذا إذا كان الحكم صوابا، وأما غير الصواب فليس حكما. انتهى المراد منه.
стр. 8774
وحد أقامه يعني أن الباغي المتأول إذا أقام حدا فإن ذلك يمضي، وكذا لو أقامه قاضيه، قال الشبراخيتي: وحد أقامه يحتمل عود الضمير المستتر فيه على المتأول، ويحتمل عوده على قاضيه أي أقامة المتأول أو قاضيه. وقوله: "وحد أقامه" داخل في قوله: "ومضى حكم قاضيه"، وإنما نص عليه لعظمه، ومفهوم "أقامه" أنه لو حكم به ولم يقمه كمله من يأتي بعده من غير قضاة أهل البغي. انتهى. وقال عبد الباقي: وحد أقامه من عطف الخاص على العام، ونص عليه لعظمة الحد، فإن قيل إذا كان حكم صوابا فلا يتوهم عدم إمضائه حتى ينص عليه، قُلْتُ: لأنه لما خرج عن طاعة الإمام ربما يتوهم عدم الاعتداد بما حكم به خصوصا في الزكاة والحدود التي هي من متعلقات الإمام. انتهى.
وقال المواق: ابن شأس: إن ولى البغاة قاضيا أو أخذوا زكاة أو أقاموا حدا، فقال الأخوان: ينفذ ذلك كله، وقال ابن القاسم: لا يجوز. ابن عرفة: قال عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك، ونص المدونة: ما أخذوه من الزكاة تجزئ عن أربابها. انتهى. وقال التتائي: ومضى حكم قاضيه وحد أقامه، عند عبد الملك للضرورة ولشبهة التأويل، وليلا يزهد الناس في الولايات فتضيع الحقوق، ورده ابن القاسم كله لعدم صحة الولاية. ابن عبد السلام: ظاهر المذهب إمضاء ذلك. انتهى.
ورد ذمي معه لذمته يعني أن الباغي المتأول إذا كان معه ذمي وقدر على ذلك الذمي، فإن ذلك الذمي يرد لذمته أي يحكم له بحكم الذميين الذين لم ينقضوا العهد، فيوضع عنه ما يوضع عن الباغي المسلم المتأول الذي معه من نفس أو مال أتلفهما على ما مر. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: ورد ذمي خالف الإمام وقاتل معه أي مع المتأول لذمته، ووضع عنه ما يوضع عن المتأول الذي معه. انتهى. وقال عبد الباقي: ورد ذمي خرج عن الإمام معه أي مع الباغي المتأول، استعان به لذمته من غير غرم عليه لما أتلف من نفس ومال، فيوضع عنه ما يوضع عن المتأول. انتهى.
وضمن المعاند النفس والمال يعني أن الباغي الذي لم يتأول وهو المعاند أي الذي خالف الإمام بمنع حق أو نحوه ولم يكن عنده تأويل يضمن ما أتلفه من نفس أو مال، قال عبد الباقي: وضمن
стр. 8775
الباغي المعاند وهو غير المتأول النفس كلا أو بعضا، فيقتص منه والمال قائما أو فائتا لظلمه ولتسببه في إتلافه من غير عذر.
والذمي معه ناقض يعني أن الذمي الذي خالف الإمام الباغي المعاند ناقض للعهد، قال البناني: محله ما لم يكن المعاند أكرهه على الخروج عن الإمام فلا يكون ناقضا إذا لم يقاتل، فإن قاتل كان ناقضا لامتناع تعلق الإكراه بقتال من لا يحل قتاله. انتهى. وقال التتائي: إذا قاتل الذمي مع أهل العصبية المخالفين للإمام فإنه نقض لعهده يوجب استحلاله. ابن عرفة: هذا إن خرجوا مع أهل العصبية طوعا وإن أكرهوا لم يكن نفس خروجهم نقضا لصحة الإكراه، فإن قاتلوا معهم كان قتالهم نقضا للعهد لامتناع تعلق الإكراه بقتال من لا يحل قتاله، ونزلت هذه المسألة بتونس أيام حوصر أبو الحسن المديني، وقامت بغاة عليه بتونس وحاصروا قصبتها واستعانوا بأجناد النصارى، ثم قدر عليهم وردهم إلى ذمتهم. انتهى.
وقال عبد الباقي عند قوله: "والذمي معه ناقض" ما نصه: وهذا كله إن كان خروج المعاند على العدل، فإن خرج على غيره فليس بمعاند والذمي معه غير ناقض. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، وقال المواق: ابن شأس: إن كان المستعينون بأهل الذمة أهل عصبية، وخلاف للإمام العدل فهو نقض لعهدهم، وإن كان السلطان غير عادل واستعانوا بأهل الذمة فليس ذلك نقضا لعهد أهل الذمة. ابن عرفة: هذا إن خرجوا مع أهل العصبية طوعا.
والمرأة المقاتلة كالرجل يعني أن المرأة المقاتلة مع أهل البغي حكمها حكم الرجل فإن كانت متأولة لا تضمن ما أتلفت من نفس ومال، وإن كانت معاندة فإنها تضمن ذلك. والحاصل أنها تقتل حال القتال مع تأويل أو دونه إن قاتلت بسلاح -وإن لم تقتل أحدا- لا برمي حجارة أو تحريض، إلا أن تكون قتلت دون تأويل. هذا حكم قتلها في حال المقاتلة. وأما بعد الأسر، فإن كانت قتلت فإنها تقتل تابت أم لا، قاتلت بسلاح أو غيره، وهذا في غير المتأولة لأن غير المتأول يضمن النفس والمال، وأما المتأولة فلا تقتل بعد الأسر، وإن كانت قد قتلت أحدا. قال في الجواهر: إذا قاتل النساء مع الرجال بالسلاح فلأهل العدل قتلهن في القتال، وإن لم يكن قتالهن إلا بالتحريض ورمي الحجارة فلا يقتلن، ولو أسرن وكن يقاتلن قتال الرجال لم يقتلن إلا أن يَكُنَّ قتلن فيقتلن.
стр. 8776
قال الشيخ أبو محمد: يريد في غير أهل التأويل. انتهى. ولا يخفى أنه صريح في قتلها حال القتال إذا قاتلت بالسلاح، وإن لم تقتل أحدا. قاله البناني. وأما الرجل من أهل البغي فإنه يقتل حال قتاله، سواء قاتل بسلاح أو غيره، وكذا بعد أسره والحرب قائمة، وأما إذا انقطعت الحرب وقد أسر فلا يقتل.
وقد تحصل مما مر أن الرجل يقتل في حال مقاتلته، قاتل بسلاح أو غيره، تأول أم لا، وبعد الأسر فإن أمنوا لم يقتل لأنه لا يتبع منهزمهم ولا يذفف على جريحهم حينئذ، فإن لم يؤمنوا، بأن كانت الحرب قائمة قتل وهذا جار في المتأول وغيره حيث لم يَقْتُل أحدا، فإن قتله افترق المتأول من غيره فيقتل غير المتأول كما مر، ولا يقتل المتأول. وهذا حيث قتل المتأول أحدا في حال دفعه عن نفسه، فإن قتله على غير ذلك ففيه القود ويضمن المال حينئذ، والمرأة غير المتأولة تقتل في حال مقاتلتها بسلاح وإن لم تقتل أحدا، وكذا المتأولة فإن لم تقاتل بسلاح بل برمي حجر أو نحو ذلك، فإن كانت غير متأولة لم تقتل إلا إذا قتلت، وإن كانت متأولة لم تقتل سواء قتلت أم لا. واللَّه تعالى أعلم. وعلم مما مر أن التشبيه في قول المصنف: "كالرجل" تشبيه في الجملة.
ولما أنهى الكلام على البغي أتبعه بالكلام على الردة أعاذنا اللَّه وجميعَ المسلمين منها، فقال:
стр. 8777
باب: ذكر فيه الردة والسب وأحكامهما
نعوذ باللَّه من سخطه وسوء قضائه ومكره، اللهم يا مثبتَ القلوب ثبت قلوبنا على دينك وحبّبْ إلينا الإيمان وزيّنْه في قلوبنا وكَرِّهْ إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلْنا من الراشدين، وهو باب كثير الوقائع ولكثرتها اختلفت الفتاوي لاختلاف المدارك وقد شفى الغليل فيها صاحب الشفلا والردة لغة: الرجوع عن الشيء، واصطلاحا قال ابن عرفة: كفر بعد إسلام تقرر بالنطق بالشهادتين مع التزام أحكامهما. انتهى. واحترز بقوله: مع التزام أحكامهما مما لو نطق بالشهادتين، ورجع قبل أن يقف على الدعائم فلا يكون مُرْتَدًا بَلْ يؤدب فقط كما يأتي، ونحو تعريف ابن عرفة تعريف المصنف حيث قال:
الردة كفر المسلم إذ لا يسمى مسلما إلا بعد تقرره، وكفره خروجه عن الإسلام لأي ملة؛ يعني أن الردة هي كفر المسلم أي المتقرر إسلامه، والكفر أعاذنا اللَّه وجميعَ المسلمين منه يحصل بأحد أمور ثلاثة فأحرى باثنين منها أو بها، إما بلفظ صريح كقوله: هو كافر أو مشرك أو كفر أو أشرك بتسكين آخرهما وإقرانهما بتاء مضمومة، اللَّهم اعصمنا من شر الفتن، وعافِنا من جميع المحن. وأصلحْ منا ما ظهر وما بطن. ولا حول ولا قوة إلا باللَّه العلي العظيم. اللَّهم الأمانَ الأمانَ الأمانَ من زوال الإيمان، أعوذُ باللَّه أعوذُ باللَّهِ أعوذُ باللَّه.
أو لفظ يقتضيه أي يقتضي الكفر أي يتضمنه، كقوله: اللَّهُ جسمٌ متحيز، فإنه يقتضي الكفر باللَّه تعالى عن ذلك علوًّا كبيرا، وكقوله: عُزير ابن اللَّه تعالى اللَّه عن ذلك علوا كبيرًا، وكجحده ما علم من المدين ضرورة كالصلاة والصوم والحج ونحو ذلك، أو فعل يتضمنه يعني أن الكفر كما يحصل باللفظ الصريح يحصل أيضا باللفظ الذي يقتضيه، ويحصل أيضا بالفعل الذي يتضمنه. واعلم أن الكفر -نسأل اللَّه السلامة- يحصل أيضا بغير هذه الأمور الثلاثة كما يأتي في قوله: "أو شك في ذلك".
تَنْبيهَاتٌ: الأَولُ: مثل عبد الباقي لقوله: "بصريح" بما نصه: كقوله عزير ابن اللَّه، قال البناني: في تمثيله بهذا للصريح نظر بل هو من باب قوله: "أو لفظ يقتضيه"، وإنما الصريح أن يقول هو كافر أو مشرك مثلا كما لابن عبد السلام.
стр. 8778
الثاني: قال عبد الباقي وغيره: وعدل المصنف عن قوله: كفر المؤمن إلى قوله: "كفر المسلم" لكون النظر هنا مقصورا على أحكام الدنيا التي ينظر فيها الحكام" ولا قدرة للبشر على معرفة إيمان بعضهم، وإنما يعرفون إسلامهم.
الثالث: قال الشبراخيتي عند قوله: "كفر المسلم" ما نصه: أي من تقرر إسلامه احترازا عما لو نطق بالشهادتين ثم رجع قبل أن يوقف على الدعائم فلا يقتل كما يأتي. انتهى. وقوله: "بصريح أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه" ليس من تمام التعريف خلافا للشارح للزوم كون الحد غير جامع، إذ يخرج منه قوله الآتي: "أو شك في ذلك"، وقوله: "بصريح" متعلق "بكفر"، ومثل التتائي للصريح بقوله: كأن يقول أشرك باللَّه أو كفر به أو بمحمد، ولوضوح هذا لم يمثل له. انتهى.
وقال التتائي: الردة كفر المسلم فلو خرج من كفر لآخر لم يكن مرتدا وسيأتي، وإطلاقه يعم الصغير وهو كذلك على أحد قولين، قال في الذخيرة: الردة قطع الإسلام من مكلف وفي غير البالغ خلاف، ثم قال: وإن ارتد وَلَدُ المسلم المولود على الفطرة وعقل الإسلام ولم يحتلم، قال ابن القاسم: يجبر على الإسلام بالضرب والعذاب، فإن احتلم على ذلك ولم يرجع قتل بخلاف الذي يسلم ثم يرتد وقد عقل ثم يحتلم على ذلك وفرق بينهما. انتهى.
الرابع: عبر المصنف في اللفظ بيقتضي وفي الفعل بيتضمن تفننا، فالمراد بالاقتضاء والتضمن الالتزام. واللَّه تعالى أعلم. انظر الشبراخيتي. وقال المواق: قال المتيطي: إن نطق الكافر بالشهادتين ووقف على شرائع الإسلام وحدوده فالتزمها تَمَّ إسلامه وإن أبى من التزامها لم يقبل منه إسلامه ولم يكره على التزامها وترك على دينه ولم يعد مرتدا. انتهى.
الخامس: قوله: "أو لفظ يقتضيه" مثل له المواق بقوله كإنكار غير حديث الإسلام ما علم من الدين ضرورة، ومثل له البساطي بقوله: اللَّهُ جسمٌ متحيز. وفي التوضيح: أن منه ادعاء أن النجوم تؤثر، وجعل منه البناني نسبة الولد له تعالى، وذكر عياض أنه لا خلاف في كفر من صرح بنفي الربُوييَّةِ أو الوحدانيته أو عَبَدَ مع اللَّه غيره أو قال بحلوله في شيء، وكذلك من أقر بالإلَهِيَّة ووحدانيته ولكن اعتقد أنه غير حي أو غير قديم أو مصور أو ادعى له ولدا أو صاحبة أو والدا أو
стр. 8779
أنه متولد عن شيء أو أن معه في الأزل شيئا قديما أو أن ثمَّ صانعا للعالَم غيره أو مدبرا غيره، وكذلك من جحد نبوءة من نص اللَّه تعالى عليه بعد علمه بذلك. انتهى.
كإلقاء مصحف بقذر هذا مثال للفعل الذي يتضمن الكفر؛ يعني أن من ألقى مصحفا بقذر أي ألقاه في شيء قذر فإنه يكون مرتدا بذلك والعياذ باللَّه تعالى. قال الخرشي: ومثل المصحف كتاب الحديث إذا ألقاه بقذر أو حرقه استخفافا، وأما حرقه لكونه ضعيفا أو موضوعا فلا، وأما إلقاء كتب الفقه في القذر فليس فيه إلا الأدب ومثل المصحف الآية والحرف منه، والمراد بالقذر ما يستقذر ولو طاهرا كالبصاق لا خصوص العذرة. انتهى. وقال البناني: القذر ما يستقذر ولو طاهرا كالبصاق وهذا ظاهر إذا لم يفعل ذلك للضرورة، أما إن بل أصابعه لقصد قلب أوراقه فهو وإن كان محرما لكن لا ينبغي أن يتجاسر على القول بكفره وردته لأنه لم يقصد التحقير الذي هو موجب الكفر في هذه الأمور، ومثل هذا من رأى ورقة مكتوبة في الطريق ولم يعلم ما كتب فيها فإنه يحرم عليه تركها في الطريق لتوطأ بالأقدام، وأما إن علم أن فيها آية أو حديثا وتركها فإن ذلك ردة. قاله الشيخ المسناوي ﵀. انتهى. وقال عبد الباقي: كإلقاء مصحف بقذر أي ما يستقذر ولو طاهرا كالبصاق لا خصوص العذرة خلافا لتقييد ابن عرفة بالنجس، فإن نص الشارح وغيره أعم وتلطيخه به أو تلطيخ الحجر الأسود بالنجاسة كذا يفيده الشارح. وفي التتائي بدل الحجر الأسود: الكعبة، وبدل بالنجاسة بالقذر والأولى ما للشارح صونا لدم المسلم، وأراد بالمصحف ما فيه قرآن ولو آية بل ولو حرفا منه، وكإلقائه به عدم نزعه عنه لأن الدوام كالابتداء ويجب النزع ولو على جنب، وظاهر الإلقاء ولو خَشِيَ على نفسه من بقائه دون قتل وهو ظاهر قوله فيما مر.
وأما الكفر وسبه ﵊ فكفر صريح، وقوله: فإنما يجوز للقتل، وعند الحنابلة أن تصغير المصحف يكفر به وهو ظاهر في المستهزئ المستخف لا في الجاهل، وكإلقاء المصحف إلقاء أسماء اللَّه تعالى وأسماء الأنبياء لحرمتها. قاله علي الأجهوري. ولعل المراد بتحقيرها من حيث كونه اسم نبي لا مطلقا، وقال شيخنا ابراهيم اللقاني: مثل المصحف كتاب الحديث إذا ألقاه بقذر أو حرقه استخفافا وأما حرقه لكونه موضوعا أو ضعيفا فلا، وفي كلام أحمد نظر. وفي كتاب الأخنائي: من قال إن الحديث النبوي فشار رجل حكمه حكم تنقيص الأنبياء، وأما إلقاء كتب
стр. 8780
الفقه في القذر فليس فيه إلا الأدب. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "كإلقاء مصحف": ظاهره ولو كان القذر طاهرا، ومثل إلقاء المصحف في القذر تركه به مع قدرته على إزالته لأن الدوام كالابتداء، ومثل المصحف أسماء اللَّه وأسماء الأنبياء لحرمتها وكذا كتب الحديث ولو غير متواتر، وقد ذكر ابن مالك في التسهيل أنه لا يصغر ما ينافي التصغير ومَثَّلَه شراحه بكل ما هو معظم شرعا كأسمائه تعالى والمصحف. انتهى. وقول عبد الباقي: وفي كتاب الأخناءى الخ قال البناني: الأخناءى من المحدثين، وفشار، قال في القاموس: الفشار الذي يستعمله العامة بمعنى الهذيان ليس من كلام العرب. انتهى.
وشد زنار يعني أن شد الزنار بضم الزاي وتشديد النون أي لبسه من الفعل الذي يتضمن الكفر نسأل اللَّه السلامة، ومن الفعل الذي يتضمنه السجود للصنم، قال الشيخ محمد بن الحسن البناني عند قول المصنف: "وشد زنار": المراد به ملبوس الكفار الخاص بهم، وكلام المصنف إن فعل ذلك محبة في ذلك الزيّ وميلا إلى أهله، وأما إن فعله هزلا ولعبا فهو محرم إلا أنه لا ينتهي إلى الكفر، وأما إن كان ذلك للضرورة كأسير عندهم يضطر إلى استعمال ثيابهم فلا حرمة عليه فضلا عن الردة. قاله ابن مرزوق. والزنار ثوب ذو خيوط ملونة يشده الكافر بوسطه يتميز به عن المسلم. انتهى. وقال المواق: قال ابن عرفة: قول ابن شأس أو فعل يتضمنه هو كلبس الزنار وإلقاء المصحف في صريح النجاسة والسجود للصنم ونحو ذلك. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وشد زنار ببلد الإسلام كما في التوضيح تبعا لابن عبد السلام؛ إذ لا موجب للبسه فيها، ومفهومه أن شده في بلد الكفر ليس كذلك، وظاهر كلام المصنف أن شده وحده كفر وظاهر كلام الشارحين يقتضي ترجيح القول بأنه لابد أن ينضم إلى ذلك المشي إلى الكنيسة ونحوه، وهو ما اقتصر عليه في الذخيرة وهو ظاهر كلام الشفا في محل، ومثل شد الزنار فعل شيء مما يختص يزَيِّ الكفر. انتهى. وقال عبد الباقي: وشد زنار بضم الزاي بعدها نون مشددة ونحوه مما يختص بالكافر كلبس برنيطة نصراني وطرطور يهودي إن سعى بذلك للكنيسة ونحوها، وقيد أيضا بما إذا فُعِلَ ببلد الإسلام فإن لبس ذلك على وجه اللعب والسخرية لم يرتد. انتهى. وفي الميسر عن المعيار ما نصه: ضَابطُ ما يكفر به ثلاثة أمور: أحَدُهَا ما يكون نفس اعتقاده كفرا،
стр. 8781
كإنكار الصانع وصفاته التي لا يكون صانعا إلا بها وجحد النبوءة. الثَّانِي صدور ما لا يقع إلا من كافر. الثَّالِثُ إنكار ما علم من المدين ضرورة لأنه آئل إلى تكذيب الشارع. انتهى.
وسحر يعني أن السحر كفر أي تعلمه كفر وتعليمه كفر والعمل به كفر، قال الشيخ محمد بن الحسن: "وسحر" قال ابن العربي: السحر كلام مؤلف يعظم به غير اللَّه تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات. هكذا قال في التوضيح. وقال الحطاب: ظاهر كلام المصنف أن السحر ردة وأن الساحر يستتاب إذا أظهر ذلك فإن تاب وإلا قتل، والقول الراجح أن حكمه كالزنديق يقتل ولا تقبل توبته إلا أن يجيء تائبا بنفسه. انظر ابن الحاجب، والتوضيح. انتهى. وقال الخرشي: وسحر هذا جامع للفظ الذي يقتضيه والفعل الذي يتضمنه، والمشهور أن تعلم السحر كفر وإن لم يعمل به قاله مالك، وقال ابن عبد السلام: وقد استصوب بعض المتأخرين كلام أصبغ وحكاه الطرطوشي عن قدماء الأصحاب واستشكل قول مالك: إن تعلمه وتعليمه كفر. انتهى.
وحدَّ ابنُ العربي السحرَ بقوله: هو كلام مؤلف يعظم به غير اللَّه تعالى وتنسب إليه المقادير والكائنات هكذا قال في التوضيح، فإذا حكم بتكفيره فإذا كان متجاهرا به فإنه يقتل إلا أن يتوب وماله فيء، وإن كان يسربه فحكمه حكم الزنديق يقتل بلا استتابة كما يأتي. انتهى. وقال الشبراخيتي: وسحر أي تعلمه وعمله سواء سحر غيره أو نفسه لما قالوا إنه لا يستقيم عمله إلا لمن يعتقد التأثير لغيره تعالى، والساحر هو الذي يفرق بين الشخصين ويذهب عقل الإنسان. قاله بعضهم. وحقيقته كما قال ابن العربي كلام مؤلف الخ، وعرفه ابن عرفة بأنه أمر خارق للعادة يتسبب عن سبب معتاد كونه عنه وهو مخرج للمعجزة، والسحر جامع للفظ الذي يقتضيه والفعل الذي يتضمنه. انتهى.
وقال الباجي: ولا يقتل الساحر حتى يثبت أن ما فعله هو السحر الذي وصفه اللَّه فإنه كفر، قال أصبغ: يكشف عن ذلك من يعرف حقيقته يريد ويثبت ذلك عند الإمام لأنه معنى يجب به القتل فلا يحكم به إلا بعد ثبوته وتحقيقه كسائر ما يجب به القتل، وفي الموازية في الذي يقطع أذن الرجل ويُدخل السكاكين في جوف نفسه: إن كان سحرا قتل وإن كان خلافه عوقب. وفي المبسوط في امرأة عقدت زوجها عن نفسها أو غيرها أنها تنكل ولا تقتل. قاله المواق. وقال: قال
стр. 8782
محمد: من قول مالك وأصحابه أن الساحر كافر باللَّه، قال مالك: هو كالزنديق إذا عمل السحر لنفسه قتل ولم يستتب ومن لم يباشر عمل السحر وجَعَلَ من يعمله له، ففي الموازية: يؤدب أدبا شديدا. انتهى. وقال عبد الباقي: وكذا يكفر المسلم حرا أو عبدا ذكرا أو أنثى بمباشرة سحر مفرق بين زوجين أو مشتمل على كفر وثبت عليه ذلك ببينة، وإذا حكم بكفره فإن كان متجاهرا به قتل وماله فيء إلا أن يتوب، وإن كان يخفيه فحكمه حكم الزنديق يقتل ولا تقبل توبته وإنما يقتله في الحالين الإمام لا سيد العبد، وما ذكرناه من أن الردة مباشرة فعله هو قول أصبغ.
ابن عبد السلام: وصوبه بعض المتأخرين وحكاه الطرطوشي عن قدماء الأصحاب واستشكل قول مالك: إن تعلمه وتعليمه كفر. انتهى. أي إن لم يباشر فعله، قال الأجهوري: وليس منه ما يفعل للعطف ونحوه. انتهى. وكذا من يعقد الزوج عن زوجته فيعاقب ولا يقتل كذا كتب الوالد، وذكر قبله أن المرأة إذا أقرت بأنها عقدت زوجها عن نفسها وغيرها من النساء فإنها تقتل. قاله في المبسوط. نقله الحطاب على الرسالة. وهو غير ظاهر فإن المواق هنا نقل عن المبسوط نفسه أنها إذا عقدت زوجها عن نفسها وعن غيرها فإنها تنكل ولا تقتل فإن فرض صحة نقل الحطاب فيمكن الجمع بحمله على ما إذا كان عقدها المذكور بفعل نفسها، وما في المواق على ما إذا دفعت دراهم لمن يعمل لها ذلك كما يفيده نقل أحمد والأجهوري إن دفع دراهم لمن يعمل له فلا يقتل لأنه ليس بساحر، وهو كمن دفع مالا لمن يقتل رجلا آخر فلا يقتل ولا يكون قاتلا ويؤدب الدافع فيهما شديدا، وكذا ليس منه الإجارة على إبطاله فتجوز ويجوز إبطاله، كما قال ابن المسيب: إنه من التعالج ونحوه في الإرشاد عن اللخمي، وقال الحسن البصري: لا يجوز لأنه لا يبطله إلا الساحر. انتهى.
قوله: وليس منه ما يفعل للعطف، قال الرهوني: هذا أحد قولين ثم هو ليس على إطلاقه، ففي أجوبة سيدي عبد القادر الفاسي أن ما يستعمل بين الزوجين قال فيه أبو محمد بن أبي زيد: أرجو خفة الكتابة بما لا يستنكر من قرآن أو غيره لما بين الزوجين من إعراض أو خصومة ولا شطط في ذلك، قال البرزلي: وفي الطرر خلافه وحذا كله حيث لا يدخل ضرر على العقل بتشويش أو فساد، وأما إذا كان ذلك فهو حرام من غير خلاف. انتهى.
стр. 8783
وقول بقدم العالم هذا لفظ يقتضي الكفر إذ لا يعلم مذهبه في ذلك إلا من قوله: "أو نحوه" يعني أن القول بقدم العالم أي ما سوى اللَّه تعالى كفر، قال الخرشي: يعني أن من قال العالم -وهو ما سوى اللَّه- قديم فقد كفر. انتهى. وقال عبد الباقي: "وقول بقدم العالم" وهو ما سوى اللَّه لأن قدمه ينفي أن له صانعا، أو بقائه أي أنه لا يفنى ولو اعتقد مع ذلك أنه حادث، ومعنى قول الفلاسفة: إن العالم قديم أنه قديم بالنوع أن نوع الإنسان عندهم في زعمهم المفاسد قديم لا أنه قديم بالشخص؛ لأنهم يقرون بولادة من لم يكن وبالموت وبالفناء بعده، وكذا يقال في قولهم ببقائه، فالقدم عند الفلاسفة قسمان قدم بالذات وليس ذلك إلا للَّه، وقدم زماني وذلك عندهم للعالم يعني أنه لم يسبق بعدم وإن كان مستندا للغير في وجوده، والظاهر أن قدم العالم بالمعنيين يوجب لقائله الكفر وذلك ظاهر كذا للوالد. انتهى كلام عبد الباقي.
وقال الحطاب عند قوله: "وقول بقدم العالم أو بقائه" قال في الشفا: وكذلك يقطع بكفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك. انتهى. فقول الشارح -هذا على القول بتكفيرهم، ولمالك وغيره فيهم قولان- يوهم أن في كفر من قال بقدم العالم أو بقائه خلافا وليس كذلك. واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب. وقوله: "أو بقائه" اعلم أن البقاء لا يستلزم القدم؛ لأن الجنة والنار ياقيتان وهما مخلوقتان فلا يكفر من قال ببقائهما، وأما القدم فيستلزم البقاء.
أو شك في ذالك يعني أن الشك في قدم العالم وحدوثه كفر، وكذا الشك في بقائه وفنائه فإنه كفر أيضا، فالمصنف شامل للمسألتين. عياض: وكذلك يقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك. انتهى نقله غير واحد. وقال التتائي: أو شك في ذلك أي في قدم العالم وحدوثه أو بقائه وفنائه، هذا مقتضى الإشارة في كلامه فهما مسألتان. وقال الشبراخيتي: "أو شك في ذلك" معطوف على "بصريح" أي في قدم العالم وحدوثه أو بقائه أي أتى بما يدل على الشك في ذلك، أو حصل في اعتقاده الشك في ذلك فهو داخل في قول المصنف: "أو لفظ يقتضيه أو فعل يتضمنه" وبهذا يندفع قول الشارح: إن هذا ليس من الأمور الثلاثة أي المشار إليها بقوله: "بصريح أو لفظ بقتضيه أو فعل يتضمنه"، وعليه فالحد الذي ذكره ليس بجامع لخروج هذا النوع منه. انتهى. وقد مر جواب غير هذا وهو أن هذا إنما يرد على المصنف لو جعل قوله: "بصريح" لخ من تمام
стр. 8784
التعريف، وقد مر أن ذلك ليس من تمام التعريف وحينئذ فيكون قوله بصريح متعلقا بعامل مقدر وهو يكون أو يكفر أو نحو ذلك، وأما ما أجاب به هذا الشارح فنحوه لعبد الباقي عن أحمد وهو غير بَيّنٍ. انتهى.
وقال البناني: الذي في الحطاب هو ما نصه: قول الشارح فالحد الذي ذكره ليس بجامع لخروج هذا النوع منه غير ظاهر؛ لأن التلفظ بالشك في ذلك داخل في لفظ يقتضي الكفر، وأما الشك من غير أن يتلفظ بذلك فهو وإن كان كفرا لا شك فيه لكنه لا يوجب الحكم بكفره ظاهرا إلا بعد التلفظ بما يقتضيه ظاهرا. فتأمله واللَّه أعلم. انتهى. وهذا أولى مما قدمه الزرقاني عن أحمد، وأشار إليه هنا من أن الشك من غير لفظ داخل في الفعل؛ لأن الاعتقاد من أفعال القلوب الخ بل هو غير صواب لأن الشك ليس باعتقاد بل هو مقابل له. انتهى. وقال الخرشي: قوله: "أو شك في ذلك" وهو ممن يظن به المعلم بناء على أنه يعذر بالجهل في موجبات الكفر، وقد صرح أبو الحسن على الرسالة أنه لا يعذر بالجهل ونحوه لعبد الباقي، وعلى ما للحطاب واستظهر البناني يكون قوله: "أو شك في ذلك" معطوفا على قوله: "بقدم".
أو بتناسخ الأرواح يعني أن القول بتناسخ الأرواح موجب للكفر للقائل به، قال التتائي: فإذا كانت النفس شريرة أخرجت -يعني بعد موتها- من قالبها الذي هي فيه وألبس، قالبا يناسب شرها من كلب أو خنزير أو سبع أو نحو ذلك، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد منه، وإن لم تأخذ جزاء شرها انتقلت إلى فرد أشر منه وكذا تستوفي جزاء الشر وفي الخير تنتقل إلى أعلى وكذلك، ولا حشر ولا نشر ولا جنة ولا نار. انتهى. وقال الحطاب: "أو بتناسخ الأرواح" أي انتقالها في الأشخاص الآدمية وغيرها وأن تعذيبها وتنعيمها بحسب زكائها وخبثها، فإذا كانت النفس شريرة أخرجت من قالبها الذي هي فيه وألبس قالبا يناسب شرها من كلب أو خنزير أو سبع أو نحو ذلك، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد، وإن لم تأخذ انتقلت إلى قالب أشر منه وكذلك حتى تستوفي جزاء الشر وفي الخير تنتقل إلى أعلى: وكذلك يعتقدون أن لا خير ولا شر ولا جنة ولا نار نسأل اللَّه السلامة، فأدى اعتقاد التناسخ إلى إنكار ما أجمع المسلمون عليه. انتهى.
стр. 8785
وقال الشبراخيتي: أو قال بتناسخ الأرواح أي انتقالها من جسد إلى جسد، فإذا كانت النفس شريرة أخرجت من قالبها التي هي فيه وألبست قالبا يناسب شرها من قرد وكلب أو خنزير أو سبع أو نحو ذلك، فإن أخذت جزاء شرها بقيت في ذلك القالب تنتقل من فرد إلى فرد منه، وإن لم تأخذ اتنقلت إلى فرد أشر منه وكذا حتى تستوفي جزاء الشر وفي الخير تنتقل إلى أعلى ولا حشر ولا نشر ولا جنة ولا نار، وإن التنعيم لأهله هو انتقال روحه إلى جسد حيوان أشرف من صورة الإنسان، وتعذيبه هو انتقالها إلى أخَسَّ كصورة قردٍ أو كلب، قال بعضهم لعنهم اللَّه: أول ما ينسخ في حمل ثم ينتقل إلى ما دون هيكله أبدا حالا بعد حال إلى أن ينتقل إلى دود العذرة وما شاكله وهو آخر شيء ينسخ فيه. انتهى. وهو تكذيب للشريعة، وقول الزرقاني: إلى أن تصل للجنة، وقوله: إلى أن تصل إلى النار غير ظاهر. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال المواق: عياض: وكذلك يقطع على كفر من قال بقدم العالم أو بقائه أو شك في ذلك على مذهب الفلاسفة والدهرية، أو قال بتناسخ الأرواح وانتقالها أبد الآباد في الأشخاص. انتهى.
أو بقوله في كل جنس نذير يعني أن الشخص يكفر بقوله في كل جنس من الحيوانات نذير أي نبي؛ لأنه يؤدي إلى أن جميع الحيوانات تكون مكلفة وهذا مخالف للإجماع، وأن توصف أنبياءُ هذه الأجناس من دود وقردة وخنازير وغيرها بأوصافهم الذميمة وفيه من الازدراء على هذا المنصب المنيف ما فيه مع إجماع المسلمين عن خلافه وتكذيب قائله، والمراد بالأمة في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾: المكلفون، وما تقدم من التعليل يقتضي القتل بالاستتابة، والمصنف جعله مرتدا لما تقرر أن لازم المذهب ليس بمذهب. قاله الشيخ عبد الباقي. واللَّه تعالى أعلم.
وقال المواق: عياض: وكذلك يكفر من ذهب مذهب بعض القدماء في أن لكل جنس من الحيوان نذيرا ونبيا من القردة والخنازير والدواب والدود. انتهى. وقال التتائي: "أو بقوله في كل جنس نذير" لتأديته إلى تكليف جميعها وهو خلاف الإجماع فيها وفي التي قبلها، واحتج قائله بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾، ويؤدي إلى اتصاف النبي بتلك الأوصاف الذميمة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ فالمراد بالأمة فيه
стр. 8786
الأمة الاصطلاحية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، فالمراد الأمة اللغوية، ولو حذف قوله: "بقوله"، وقال: أو في كل جنس الخ لكان أحسن.
أو ادعى شركا مع نبوءته ﷺ يعني أن من ادعى أن شخصا من الأشخاص كان شريكا في النبوءة مع سيدنا ومولانا محمد ﷺ يكفر بذلك، ولذلك معنيان: أن يدعي أنه كان معه نبي يوحى إليهما معا فهذا كافر، ومثل النبي ﷺ في ذلك سائر الأنبياء المنفردين. الثاني: أن يدعى أنه مشترك معه في نفس الوصف الواحد الذي هو النبوءة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. والظاهر أن المراد بهذا الأخير أنه يتركب منه ومن غيره نبي، ولا شك أن هذا يحصل به الكفر لمن ادعاه في النبي ﷺ وفي غيره من الأنبياء لجحده النبوءة على الحقيقة فيمن ادعى ذلك فيه، ولا شك أن مراد المصنف المعنى الأول إذ هو الذي في النقل، وأما الثاني فلا يتوهم. قال المواق: عياض: وكذلك يكفر من ادعى نبوءة أحد مع نبينا ﷺ أو بعده، كالعيسوية والجرمية وأكثر الرافضة. انتهى. وقال الشبراخيتي: "أو ادعي شركا" الخ ادعاه له، كمسيلمة الكذاب أو لغيره كالروافض، فإن فرقة منهم ادعوا شرك عليٍّ للنبي في النبوءة، وفرقة منهم ادَّعَوْا ألوهيته وهو تكذيب لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، ولقوله ﷺ : (لإخباره بانفراده وبأنه لا نبي بعده) (١)، وأحرى إذا ادعى الألوهية. وقوله: "أو ادعى شركا" لخ وكذا سائر الأنبياء المنفردين بالنبوءة. انتهى.
وقال التتائي: أو ادعى شركا مع نبوءته ﵊، كدعوى مشاركة علي له، وأنه كان يوحى إليهما معا، أو أن عليا هو النبي وأن جبريل ﵊ كذا، فكفر لمخالفة الإجماع والمحسوس فإن عليا حين نزول جبريل على النبي لم يبلغ. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "أو ادعى شركا مع نبوءته ﷺ ": عن الأجهوري ما نصه: وكذا سائر
стр. 8787
الأنبياء المنفردين كنوح وإبراهيم. انتهى. قال عبد الباقي: وانظر قوله إبراهيم مع نبوءة لوط في زمنه وهو ابن أخي إبراهيم، واسمه: هاران قيل ونبئ إسماعيل وإسحاق ابناه في زمنه. انتهى.
أو بمحاربة نبي عطف على قدم من قوله: "وقول بقدم العالم" يعني أن من قال بجواز محاربة نبي من الأنبياء يكفر وهذا يتحقق في كل زمان، وكذا من حاربه بالفعل فإنه كافر بإجماع. ذكره عياض. وهذا إنما يتحقق إذا نزل عيسى صلوات اللَّه وسلامه على نبينا وعليه، قال التتائي: أو بمحاربة نبي أي قال بجوازها لاستلزامها محاربة الباري وهو كفر. انتهى. وقال المواق عند قوله: "أو بمحاربة نبي" ما نصه: عياض: وكذلك أجمع على تكفير من اسْتَخفَّ بأحد من الأنبياء وأزرى عليهم أو آذاهم أو حارب نبينا ﷺ ، فهو كافر بإجماع. انتهى.
أو جَوَّزَ اكتساب النبوءة يعني أن من جوز اكتساب النبوءة يكفر بذلك، قال الخرشي: وكذا من قال إن النبوءة تكتسب وهو البلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها؛ لأن ذلك يؤدي إلى توهين ما جاءت به الأنبياء. انتهى. وقال عبد الباقي: أو جوز اكتساب النبوءة لأنها لا تكتسب بحال، بخلاف الولاية فإنها تكتسب كما أنها تكون وهبية. انتهى. وقال التتائي: أو وَهَّنَ ما جاءت به الأنبياء بأن جوز اكتساب النبوءة وبلوغها بصفاء القلوب لأنه يؤدي للتنقيص، وأن النبي ما حصل له ذلك إلا من نفسه وفعله أو ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوءة لأنه يؤدي للخلل وتوهين ما جاء به النبي، أو قال بتخصيص الرسالة بالعرب. انتهى. قوله: بتخصيص الرسالة بالعرب: إن كان معناه أن النبي إنما أرسل إلى العرب خاصة فكفره لا شك فيه وهذا هو المتبادر منه، وإن كان معناه أنه لم يرسل نبي إلا من العرب فهذا كفره لا شك فيه؛ أيضا ولا يحتاج لإقامة دليل. وقال الشبراخيتي: أو جوز اكتساب النبوءة أي تحصيلها والقدرة على كسبها والتوصل إليها بصفاء القلب ومجاهدة النفس، وهو عطف على صريح من قوله: "بصريح" فهو عطف فعل على اسم يشبه الفعل وهو صادق بما إذا اعتقد ذلك أو قاله، وإنما كان ذلك ردة لأنها لا تكتسب بحال، وأما الولاية فقال في الشرح إنها تكتسب كما أنها تكون وهبية. وذكر البرهان اللقاني في شرحه لعقيدته عند قوله: ولم تكن نبوءة مكتسبه لخ أنها كالنبوءة لا تكتسب. انتهى. وقال المواق: عياض: وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب. ثم قال بعد كلام: أو ادعى
стр. 8788
النبوءة لنفسه أو جوز اكتسابها والبلوغ بتصفية القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وعامة المتصوفة، وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوءة. انتهى.
أو ادعى أنه يصعد إلى السماء يعني أنه إذا ادعى شخص أنه يصعد إلى السماء بجسده فإنه يكفر بذلك، قال عبد الباقي: أو ادعى أنه يصعد بجسده إلى السماء أو يدخل الجنة ويأكل من ثمارها أو يدخل النار كما بحثه الشعراني أو مجالسة اللَّه أو مكالمته، فكافر إجماعا كما في الشفا، وأراد بالمكالمة المعنى المتبادر منها لا المكالمة عند الصوفية من إلقاء نور في قلوبهم وإلهامهم سِرًّا لا يخرج عن الشرع، ومن ثم كان الشادلي يقول: قيل لي كذا وحدثت بكذا أي ألهمته، كذا بينه الشيخ زروق ويوافقه خبر: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه وينطق بحكمته) (١). ابن عبد السلام: الشافعي: إذا قال ولي من أولياء اللَّه: أنا اللَّه، عزر التعزير الشديد وهذا لا ينافي الولاية إذ الأولياء غير معصومين. انتهى. والظاهر أن المراد بالتعزير الاستتابة أي لأن هذا القول فيه دعوى الألوهية أو حلول الباري تعالى فيه. وقولي: بجسده تحرز عمن ادعى صعود روحه إلى السماء فلا يكفر. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: عزر التعزير الشديد لخ الذي في الحطاب عن عز الدين التعزير الشرعي، ثم قال عقبه: وانظر ما مراده بالتعزير الشرعي هل هو الاستتابة أو غيرها، والظاهر أنه الاستتابة لأن هذا القول فيه دعوى الألوهية أو حلول الباري تعالى فيه. انتهى. قاله البناني. وهو كذلك في الحطاب.
أو يعانق الحور يعني إذا ادعى شخص أنه يعانق الحور فإنه يكفر بذلك، قال عبد الباقي: أو يعانق الحور أو يكلم الملائكة على ما حكى ابن عبد السلام عن بعض الطلاب (٢) من شيوخ زمانه، قال الأبي: وحديث عِمْرَانَ بن حصين: كانوا يسلمون عليَّ بعض الملائكة، يرد عليه، والصواب أن ذلك يختلف بحسب حال من زعمه، فإن كان متصفا بالصلاح تُجُووِزَ عنه وإلا زجر عن قوله ذلك باجتهاد الحاكم. انتهى. ولذا حذفه المصنف. انتهى كلام عبد الباقي. وقال الشيراخيتي:
стр. 8789
أو ادعى أنه يصعد إلى السماء أو أنه يعانق الحور العين لأن هذا هو الجزاء في الآخرة، فدعواه في الدنيا كذب وتكذيب أو أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها أو قال بإبطال الرجم أو غيره من ضروريات الدين أو كفر جميع الصحابة؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الدين أو سعى للكنائس بزي النصاري، أو قال بسقوط الصلاة عن بعض الأولياء أو أنكر مكة أو البيت أو المسجد الحرام أو قال الاستقبال حق ولكن لغير هذه البقعة أو شك في ذلك وهو ممن يظن به علم ذلك، أو جحد صفة الحج أو الصلوات أو حرفا من القرآن أو زاده أو غيَّره، أو قال: ليس بمعجزة أو قال الثواب والعقاب مفتريان من الافتراء وهو الكذب، ومثل من قال: إنه يدخل الجنة من قال إنه يدخل النار كما بحثه العارف الشعراني في اليواقيت والجواهر. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال الحطاب: قال الأبي في شرح مسلم في شرح قول عمْرَانَ بن حصين (سُلِّمَ عَلَىَّ) (١) كلامُ الملائكة غيرَ الأنبياء يَصِحُّ، وكان الشيخ ابن عبد السلام يعني عز الدين الشافعي كما مر يحكى عن بعض الطلاب من شيوخ زمانه أن من قال: اليوم كلمتني الملائكة يستتاب، والحديث يرد عليه والصواب أن ذلك يختلف بحسب حال من زعمه، فإن كان متصفا بالصلاح تجووز عنه وإلا زجر عن قول ذلك بحسب ما يراه الحاكم، ومن هذا المعنى ما يتفق لبعضهم أن يقول قيل لي وخوطبت وكان الشيخ أبو عبد اللَّه يعني ابن عرفة يشدد القول فيه وفي إنكاره على من زعمه. انتهى.
أو استحل كالشِّرْبِ يعني أن الشخص إذا استحل أي اعتقد بقلبه أن الخمر ومثله من المحرمات حلال فإنه يكفر والعياذ باللَّه تعالى، قال عبد الباقي: أو استحل أي اعتقد بقلبه حِلَّ كالشرب من كل مجمع على تحريمه أو جحد إباحة مجمع على إباحته كأكل العنب، فَالْمُرَادُ جَحَدَ حكما عُلِمَ من الدين بالضرورة فخرج ما علم ضرورة وليس بحكم ولا يتضمن حكما ولا تكذيب قرآن، كإنكار وجود أبي بكر وعمر أو قتل عثمان أو خلافة علي أو غزوة تبوك أو وجود بغداد مما علم من النقل ضرورة، وليس في إنكاره جحد شريعة فلا يكفر بخلاف إنكاره صحبة أبي بكر
стр. 8790
فيكفر لمخالفته، قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ ولا يقال يلزم من إنكار وجوده إنكارُ صحبته؛ لأنا نقول: لازم المذهب ليس مذهبا وبخلاف إنكار وجود مكة أو البيت أو غزوة بدر أو حنين فمرتد لتكذيب القرآن، ولأن إنكار مكة أو البيت يتضمن إبطال حكم شرعي وهو الحج، وانظر هل كذا وجود بيت المقدس؟ لتكذيبه قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ أم لا لأن لازم المذهب ليس مذهبا. انتهى.
قوله: فالمراد جَحَد حكما علم من الدين بالضرورة لخ نحوُه للأجهوري، واعترض مصطفى قيد الضرورة فإن المصنف إنما أشار إلى قول عياض: أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنى أو شيئا مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه. انتهى. فَعَمَّمَ ما علم من الدين بالضرورة وغيره، ولذا قيد بالعلم ولو كان خاصا بالضروري ما احتاج إلى القيد وتبعه المؤلف فأطلق لكن فاته قيد العلم. انتهى. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: عياض: وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو شيئا مما حرمه اللَّه بعد علم هذا بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غُلاة المتصوفة. انتهى. وقال التتائي عاطفا على موجبات الكفر: أو جحد صفة الحج أو الصلوات أو حرفا من القرآن أو زاده أو غيره أو قال ليس بمعجزة أو الأئمة أفضل من الأنبياء أو سجد للصنم أو نفى الربوبية أو الوحدانية أو عبد مع اللَّه تعالى غيره أو هو دهري أو ما نوى أوصابي أو من الطيارة الروافض أو اعتقد أن اللَّه تعالى غير حي أو غير قديم أو غير مُصَوِّرٍ أو صنع العالم غيره أو هو متولد من شيء، أو ادعى مجالسة اللَّه أو العروج إليه أو مكالمته أَو جَوَّز على الأنبياء الكذب أو أنهم خاطبوا الخلق بالوعد والوعيد للمصلحة. وفي الشفا: الإجماع على تكفير من جحد أن اللَّه تعالى عالم أو متكلم أو غير ذلك من صفاته الذاتية فإن جهل الصفة ولم ينفها كَفَّرَهُ الطبري وغيره، وقيل لا يكفر وإليه رجع الأشعري لأنه لا يصمم على اعتقاد ذلك. انتهى.
وقوله: "أو استحل كالشرب"، عياض: وكذا من أنكر قاعدة من الشرع وما عرف يقينا من فعله ﵊، كمن أنكر وجوب خمس صلوات أو عدد سجداتها وركعاتها وقال إنها وجبت في القرآن على الجملة وكونها خمسا، وعلى هذه الصفة لم يَرِدْ به نص جلي، وكذا من