الأمة الاصطلاحية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، فالمراد الأمة اللغوية، ولو حذف قوله: "بقوله"، وقال: أو في كل جنس الخ لكان أحسن.
أو ادعى شركا مع نبوءته ﷺ يعني أن من ادعى أن شخصا من الأشخاص كان شريكا في النبوءة مع سيدنا ومولانا محمد ﷺ يكفر بذلك، ولذلك معنيان: أن يدعي أنه كان معه نبي يوحى إليهما معا فهذا كافر، ومثل النبي ﷺ في ذلك سائر الأنبياء المنفردين. الثاني: أن يدعى أنه مشترك معه في نفس الوصف الواحد الذي هو النبوءة. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. والظاهر أن المراد بهذا الأخير أنه يتركب منه ومن غيره نبي، ولا شك أن هذا يحصل به الكفر لمن ادعاه في النبي ﷺ وفي غيره من الأنبياء لجحده النبوءة على الحقيقة فيمن ادعى ذلك فيه، ولا شك أن مراد المصنف المعنى الأول إذ هو الذي في النقل، وأما الثاني فلا يتوهم. قال المواق: عياض: وكذلك يكفر من ادعى نبوءة أحد مع نبينا ﷺ أو بعده، كالعيسوية والجرمية وأكثر الرافضة. انتهى. وقال الشبراخيتي: "أو ادعي شركا" الخ ادعاه له، كمسيلمة الكذاب أو لغيره كالروافض، فإن فرقة منهم ادعوا شرك عليٍّ للنبي في النبوءة، وفرقة منهم ادَّعَوْا ألوهيته وهو تكذيب لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، ولقوله ﷺ : (لإخباره بانفراده وبأنه لا نبي بعده) (١)، وأحرى إذا ادعى الألوهية. وقوله: "أو ادعى شركا" لخ وكذا سائر الأنبياء المنفردين بالنبوءة. انتهى.
وقال التتائي: أو ادعى شركا مع نبوءته ﵊، كدعوى مشاركة علي له، وأنه كان يوحى إليهما معا، أو أن عليا هو النبي وأن جبريل ﵊ كذا، فكفر لمخالفة الإجماع والمحسوس فإن عليا حين نزول جبريل على النبي لم يبلغ. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "أو ادعى شركا مع نبوءته ﷺ ": عن الأجهوري ما نصه: وكذا سائر
стр. 8787
الأنبياء المنفردين كنوح وإبراهيم. انتهى. قال عبد الباقي: وانظر قوله إبراهيم مع نبوءة لوط في زمنه وهو ابن أخي إبراهيم، واسمه: هاران قيل ونبئ إسماعيل وإسحاق ابناه في زمنه. انتهى.
أو بمحاربة نبي عطف على قدم من قوله: "وقول بقدم العالم" يعني أن من قال بجواز محاربة نبي من الأنبياء يكفر وهذا يتحقق في كل زمان، وكذا من حاربه بالفعل فإنه كافر بإجماع. ذكره عياض. وهذا إنما يتحقق إذا نزل عيسى صلوات اللَّه وسلامه على نبينا وعليه، قال التتائي: أو بمحاربة نبي أي قال بجوازها لاستلزامها محاربة الباري وهو كفر. انتهى. وقال المواق عند قوله: "أو بمحاربة نبي" ما نصه: عياض: وكذلك أجمع على تكفير من اسْتَخفَّ بأحد من الأنبياء وأزرى عليهم أو آذاهم أو حارب نبينا ﷺ ، فهو كافر بإجماع. انتهى.
أو جَوَّزَ اكتساب النبوءة يعني أن من جوز اكتساب النبوءة يكفر بذلك، قال الخرشي: وكذا من قال إن النبوءة تكتسب وهو البلوغ بصفاء القلب إلى مرتبتها؛ لأن ذلك يؤدي إلى توهين ما جاءت به الأنبياء. انتهى. وقال عبد الباقي: أو جوز اكتساب النبوءة لأنها لا تكتسب بحال، بخلاف الولاية فإنها تكتسب كما أنها تكون وهبية. انتهى. وقال التتائي: أو وَهَّنَ ما جاءت به الأنبياء بأن جوز اكتساب النبوءة وبلوغها بصفاء القلوب لأنه يؤدي للتنقيص، وأن النبي ما حصل له ذلك إلا من نفسه وفعله أو ادعى أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوءة لأنه يؤدي للخلل وتوهين ما جاء به النبي، أو قال بتخصيص الرسالة بالعرب. انتهى. قوله: بتخصيص الرسالة بالعرب: إن كان معناه أن النبي إنما أرسل إلى العرب خاصة فكفره لا شك فيه وهذا هو المتبادر منه، وإن كان معناه أنه لم يرسل نبي إلا من العرب فهذا كفره لا شك فيه؛ أيضا ولا يحتاج لإقامة دليل. وقال الشبراخيتي: أو جوز اكتساب النبوءة أي تحصيلها والقدرة على كسبها والتوصل إليها بصفاء القلب ومجاهدة النفس، وهو عطف على صريح من قوله: "بصريح" فهو عطف فعل على اسم يشبه الفعل وهو صادق بما إذا اعتقد ذلك أو قاله، وإنما كان ذلك ردة لأنها لا تكتسب بحال، وأما الولاية فقال في الشرح إنها تكتسب كما أنها تكون وهبية. وذكر البرهان اللقاني في شرحه لعقيدته عند قوله: ولم تكن نبوءة مكتسبه لخ أنها كالنبوءة لا تكتسب. انتهى. وقال المواق: عياض: وكذلك وقع الإجماع على تكفير كل من دافع نص الكتاب. ثم قال بعد كلام: أو ادعى
стр. 8788
النبوءة لنفسه أو جوز اكتسابها والبلوغ بتصفية القلب إلى مرتبتها كالفلاسفة وعامة المتصوفة، وكذلك من ادعى منهم أنه يوحى إليه وإن لم يدع النبوءة. انتهى.
أو ادعى أنه يصعد إلى السماء يعني أنه إذا ادعى شخص أنه يصعد إلى السماء بجسده فإنه يكفر بذلك، قال عبد الباقي: أو ادعى أنه يصعد بجسده إلى السماء أو يدخل الجنة ويأكل من ثمارها أو يدخل النار كما بحثه الشعراني أو مجالسة اللَّه أو مكالمته، فكافر إجماعا كما في الشفا، وأراد بالمكالمة المعنى المتبادر منها لا المكالمة عند الصوفية من إلقاء نور في قلوبهم وإلهامهم سِرًّا لا يخرج عن الشرع، ومن ثم كان الشادلي يقول: قيل لي كذا وحدثت بكذا أي ألهمته، كذا بينه الشيخ زروق ويوافقه خبر: (اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه وينطق بحكمته) (١). ابن عبد السلام: الشافعي: إذا قال ولي من أولياء اللَّه: أنا اللَّه، عزر التعزير الشديد وهذا لا ينافي الولاية إذ الأولياء غير معصومين. انتهى. والظاهر أن المراد بالتعزير الاستتابة أي لأن هذا القول فيه دعوى الألوهية أو حلول الباري تعالى فيه. وقولي: بجسده تحرز عمن ادعى صعود روحه إلى السماء فلا يكفر. انتهى كلام عبد الباقي. قوله: عزر التعزير الشديد لخ الذي في الحطاب عن عز الدين التعزير الشرعي، ثم قال عقبه: وانظر ما مراده بالتعزير الشرعي هل هو الاستتابة أو غيرها، والظاهر أنه الاستتابة لأن هذا القول فيه دعوى الألوهية أو حلول الباري تعالى فيه. انتهى. قاله البناني. وهو كذلك في الحطاب.
أو يعانق الحور يعني إذا ادعى شخص أنه يعانق الحور فإنه يكفر بذلك، قال عبد الباقي: أو يعانق الحور أو يكلم الملائكة على ما حكى ابن عبد السلام عن بعض الطلاب (٢) من شيوخ زمانه، قال الأبي: وحديث عِمْرَانَ بن حصين: كانوا يسلمون عليَّ بعض الملائكة، يرد عليه، والصواب أن ذلك يختلف بحسب حال من زعمه، فإن كان متصفا بالصلاح تُجُووِزَ عنه وإلا زجر عن قوله ذلك باجتهاد الحاكم. انتهى. ولذا حذفه المصنف. انتهى كلام عبد الباقي. وقال الشيراخيتي:
стр. 8789
أو ادعى أنه يصعد إلى السماء أو أنه يعانق الحور العين لأن هذا هو الجزاء في الآخرة، فدعواه في الدنيا كذب وتكذيب أو أنه يدخل الجنة ويأكل من ثمارها أو قال بإبطال الرجم أو غيره من ضروريات الدين أو كفر جميع الصحابة؛ لأنه يؤدي إلى إبطال الدين أو سعى للكنائس بزي النصاري، أو قال بسقوط الصلاة عن بعض الأولياء أو أنكر مكة أو البيت أو المسجد الحرام أو قال الاستقبال حق ولكن لغير هذه البقعة أو شك في ذلك وهو ممن يظن به علم ذلك، أو جحد صفة الحج أو الصلوات أو حرفا من القرآن أو زاده أو غيَّره، أو قال: ليس بمعجزة أو قال الثواب والعقاب مفتريان من الافتراء وهو الكذب، ومثل من قال: إنه يدخل الجنة من قال إنه يدخل النار كما بحثه العارف الشعراني في اليواقيت والجواهر. انتهى كلام الشبراخيتي. وقال الحطاب: قال الأبي في شرح مسلم في شرح قول عمْرَانَ بن حصين (سُلِّمَ عَلَىَّ) (١) كلامُ الملائكة غيرَ الأنبياء يَصِحُّ، وكان الشيخ ابن عبد السلام يعني عز الدين الشافعي كما مر يحكى عن بعض الطلاب من شيوخ زمانه أن من قال: اليوم كلمتني الملائكة يستتاب، والحديث يرد عليه والصواب أن ذلك يختلف بحسب حال من زعمه، فإن كان متصفا بالصلاح تجووز عنه وإلا زجر عن قول ذلك بحسب ما يراه الحاكم، ومن هذا المعنى ما يتفق لبعضهم أن يقول قيل لي وخوطبت وكان الشيخ أبو عبد اللَّه يعني ابن عرفة يشدد القول فيه وفي إنكاره على من زعمه. انتهى.
أو استحل كالشِّرْبِ يعني أن الشخص إذا استحل أي اعتقد بقلبه أن الخمر ومثله من المحرمات حلال فإنه يكفر والعياذ باللَّه تعالى، قال عبد الباقي: أو استحل أي اعتقد بقلبه حِلَّ كالشرب من كل مجمع على تحريمه أو جحد إباحة مجمع على إباحته كأكل العنب، فَالْمُرَادُ جَحَدَ حكما عُلِمَ من الدين بالضرورة فخرج ما علم ضرورة وليس بحكم ولا يتضمن حكما ولا تكذيب قرآن، كإنكار وجود أبي بكر وعمر أو قتل عثمان أو خلافة علي أو غزوة تبوك أو وجود بغداد مما علم من النقل ضرورة، وليس في إنكاره جحد شريعة فلا يكفر بخلاف إنكاره صحبة أبي بكر
стр. 8790
فيكفر لمخالفته، قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾ ولا يقال يلزم من إنكار وجوده إنكارُ صحبته؛ لأنا نقول: لازم المذهب ليس مذهبا وبخلاف إنكار وجود مكة أو البيت أو غزوة بدر أو حنين فمرتد لتكذيب القرآن، ولأن إنكار مكة أو البيت يتضمن إبطال حكم شرعي وهو الحج، وانظر هل كذا وجود بيت المقدس؟ لتكذيبه قوله تعالى: ﴿إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ أم لا لأن لازم المذهب ليس مذهبا. انتهى.
قوله: فالمراد جَحَد حكما علم من الدين بالضرورة لخ نحوُه للأجهوري، واعترض مصطفى قيد الضرورة فإن المصنف إنما أشار إلى قول عياض: أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو الزنى أو شيئا مما حرم اللَّه بعد علمه بتحريمه. انتهى. فَعَمَّمَ ما علم من الدين بالضرورة وغيره، ولذا قيد بالعلم ولو كان خاصا بالضروري ما احتاج إلى القيد وتبعه المؤلف فأطلق لكن فاته قيد العلم. انتهى. قاله البناني. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: عياض: وكذلك أجمع المسلمون على تكفير كل من استحل القتل أو شرب الخمر أو شيئا مما حرمه اللَّه بعد علم هذا بتحريمه، كأصحاب الإباحة من القرامطة وبعض غُلاة المتصوفة. انتهى. وقال التتائي عاطفا على موجبات الكفر: أو جحد صفة الحج أو الصلوات أو حرفا من القرآن أو زاده أو غيره أو قال ليس بمعجزة أو الأئمة أفضل من الأنبياء أو سجد للصنم أو نفى الربوبية أو الوحدانية أو عبد مع اللَّه تعالى غيره أو هو دهري أو ما نوى أوصابي أو من الطيارة الروافض أو اعتقد أن اللَّه تعالى غير حي أو غير قديم أو غير مُصَوِّرٍ أو صنع العالم غيره أو هو متولد من شيء، أو ادعى مجالسة اللَّه أو العروج إليه أو مكالمته أَو جَوَّز على الأنبياء الكذب أو أنهم خاطبوا الخلق بالوعد والوعيد للمصلحة. وفي الشفا: الإجماع على تكفير من جحد أن اللَّه تعالى عالم أو متكلم أو غير ذلك من صفاته الذاتية فإن جهل الصفة ولم ينفها كَفَّرَهُ الطبري وغيره، وقيل لا يكفر وإليه رجع الأشعري لأنه لا يصمم على اعتقاد ذلك. انتهى.
وقوله: "أو استحل كالشرب"، عياض: وكذا من أنكر قاعدة من الشرع وما عرف يقينا من فعله ﵊، كمن أنكر وجوب خمس صلوات أو عدد سجداتها وركعاتها وقال إنها وجبت في القرآن على الجملة وكونها خمسا، وعلى هذه الصفة لم يَرِدْ به نص جلي، وكذا من
стр. 8791
قال من المتصوفة: إن العبادة وطول المجاهدة إذا صفت نفوسهم أفضت بهم إلى إسقاطها وإباحة كل شيء لهم، وكذا من أنكر مكة أو البيت الحرام أو صفة الحج فهذا لا مرية في كفره إن كان ممن يظن به علم ذلك وخالط المسلمين إلا أن يكون حديث عهد بالإسلام فيقال له سبيلك أن تسأل عما لم تعلمه كافة المسلمين. قال: والمرتاب فيه والمنكر له بعد البحث وصحبة المسلمين كافر باتفاق، ولا يعذر بقوله: لا أدري ولا يصدق فيه بل ظاهره التستر على التكذيب إذ لا يمكن أنه لا يدري، وكذا من أنكر القرآن أو حرفا منه أو غيَّر شيئا منه أو زاد فيه أو زعم أنه ليس بحجة، وكذا من أنكر الجنة والنار والبعث والحساب والقيامة فهو كافر بإجماع للنص عليه وإجماع الأمة على نقله متواترا، بخلاف من أنكر ما عرف تواترا من الأخبار والسير والبلاد التي لا ترجع إلى إبطال شريعة ولا تفضي إلى إنكار قاعدة من الدين كإنكار غزوة تبوك ومؤتة ووجود أبي بكر وعمر وقتل عثمان وخلافة علي. انتهى.
فخرج إنكار مكة لأن فيه إبطالا للحج وكذا غزوة بدر وحنين لأنه تكذيب للقرآن، وذكر عياض الخلاف فيمن أنكر الإجماع الكائن عن نظر دون نقل فالأكثر على تكفيره، لقوله ﵊: (من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام عن عنقه) (١)، ووقف آخرون عن القطع بتكفيره. وفي جمع الجوامع: جاحد، مجمع عليه المعلوم من الدين ضرورة كافر قطعا، وكذا المشهور والمنصوص في الأصح وفي غير المنصوص تردد، ولا يكفر جاحد الخفي ولو منصوصا فالمنصوص المشهور كحل البيع، والخفي كوجوب السدس لبنت الابن مع بنت الصلب فإنه قضى به ﵊. انتهى.
لا بأماته اللَّه كافرا يعني أن من دعا على شخص من المسلمين بأن قال له: أماته اللَّه كافرا فإنه لا يكون كافرا بسبب ذلك القول على الأصح من القولين، ومقابل الأصح أنه يكفر بقوله لشخص من المسلمين أماته اللَّه كافرا، قال التتائي: لا يكفر بقوله لآخر داعيا عليه أماته اللَّه كافرا ونحوه في الذخيرة، وصوبه ابن راشد. وأشار المصنف إلى ذلك بقوله "على الأصح" ومقابله فتوى الكركي
стр. 8792
بكفره لأنه أراد أن يُكْفَر باللَّه. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي: لا قوله لآخر داعيا عليه بأماته اللَّه كافرا فلا يكفر على الأصح، وكذا لو عنى نفسه. قاله العلمي. قاله أحمد. ومحله في غير يمين وإلا لم يكفر قطعا كما قدمه المصنف في بابه، ووجه ما للعلمي أن فيه تمني الموت (١) لا إخبار بأنه كذلك. انتهى. قوله: ووجه ما للعلمي أن فيه الخ، قال الرهوني: قال شيخنا الجنوي: الذي يظهر أن من تمنى الكفر كافر؛ لأنه لا يتمناه حتى يكون كافرا. انتهى من خطه طيب اللَّه ثراه. ولو قال لكافر: أماتك اللَّه على ما تختار، فالظاهر أنه إن قال له ذلك في خصومة بينهما وفي صنعه له شيئا معيبا فلا يكفر بذلك، وأما على غير ذلك كدعائه له مكافأة على إحسان فعله به فإن الذي يظهر أنه يكفر لأنه رضي بالكفر. انظر الرهوني. واللَّه تعالى أعلم.
مسألة: قال في التبصرة: ذكر في الموطإ أن رسول اللَّه ﷺ ، قال: (من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما) (٢)، وفي رواية في مسلم: (إن كان كما قال وإلا رجعت عليه) (٣). وفي رواية أبي عوانة: (فإن كان كما قال وإلا فقد باء بالكفر) (٤). المازري: يحتمل أن يكون ذلك إذا قاله مستحلا فيكفر باستحلاله. النووي: وقيل معناه أن ذلك يئول به إلى الكفر. ابن عبد البر: قوله ﷺ : فقد باء بها أحدهما؛ المعنى أن المقول له ذلك إن كان كذلك فقد احتمل ذنبه ولا شيء على القائل له ذلك لصدقه، وإن لم يكن كذلك فقد باء القائل بذنب كبير وإثم عظيم. انتهى باقتصار.
وفصلت الشهادة فيه قال الخرشي: يعني أن من شهد بكفر شخص فإنه لا بد أن يبين الوجه الذي كفر به أي يجب على الشاهد أن يقول كفر بالوجه الفلاني ويبينه ولا يجمله. انتهى. وإيضاح هذا أن تقول: يجب أن تفصل الشهادة في الكفر أي يبين فيه أي يبين الشهود الوجه الذي نسبوا له الكفر من أجله صونا للدماء، فلا يقبل من البينة أن تقول فلان كفر أو ارتد حتى
стр. 8793
يبينوا ما كفر به من المقالات التي تقتضي الكفر والأفعال التي تتضمنه ونحو ذلك؛ إذ الناس يختلفون في التكفير فمنهم من يكفر بلازم المذهب ومنهم من لا يكفر به، وربما يظن الشاهد أيضا أن ما صدر من المشهود عليه كفر وقد لا يكون كفرا. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وإن شهد عدلان بكفر شخص فصلت أي بينت الشهادة وجوبا لصون الدماء فيه أي في الكفر فلا يكتفي القاضي بقول الشاهدين إنه كفر من غير بيانهما، وجهه لاختلاف أهل السنة في أسباب الكفر فربما وجب عند بعض دون آخرين ولا يلفق شاهِدَا فِعْلٍ مُخْتَلفٍ، كشهادة شاهد عليه بإلقاء مصحف بقذر وآخر بشد زنار ولا شاهد بفعل كالالقاء المذكور وآخر بقول كفي كل جنس نذير، وإنما يلفق القولان المختلفا اللفظ المتفقا المعنى، كشاهد عليه أنه قال: لم يكلم اللَّه موسى تكليما، وآخر بقوله: ما اتخذ اللَّه إبراهيم خليلا. انتهى. فإن قلت المعنى في الآيتين لم يتفق فالجَوَابُ أنه متفق باعتبار المآل، وإن لم يتفق باعتبار الوضع لأن مآلهما واحد وهو تكذيب القرآن. واللَّه تعالى أعلم. انظر الرهوني.
وقال الشبراخيتي: وفصلت الشهادة فيه وجوبا فلا يكتفي القاضي بقول الشاهد أشهد أنه مرتد أو كافر حتى يبين وجهه، لاختلاف الناس من أهل السنة وغيرهم فيه فقد يرى الشاهد تكفيره بما ليس كفرا. انتهى. وقال التتائي: وظاهره يعني المصنف كابن الحاجب وجوب التفصيل، وفي الجواهر: لا ينبغي، ولعل مراده الوجوب. قاله في التوضيح. وقال المواق: قال ابن شأس: لا ينبغي أن تقبل الشهادة على الردة دون تفصيل لاختلاف المذاهب في التكفير. ابن عرفة: هذا حسن. انتهى المراد منه.
واستتيب ثلاثة أيام يعني أنه يجب على الإمام أو نائبه أن يستتيب المرتد البالغ ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا أي يطلب منه التوبة أي الرجوع إلى الإسلام ثلاثة أيام، من يوم ثبوت الكفر عليه محسوبة بلياليها لا من يوم الكفر ولا من يوم الرفع، ولا يحسب اليوم الأول إن سبق بالفجر ولا تلفق الثلاثة، وقوله: "واستتيب" أي المرتد عن الإسلام، كان الإسلام أصليا أو طارئا.
بلا جوع يعني أنه لا يجوع في أيام الاستتابة بل يطعم من ماله، بخلاف ولده وزوجته فلا ينفق عليهم من ماله لأنه بنفس الردة والعياذ باللَّه تعالى صار معدما، والظاهر أن الباء للمصاحبة وهو
стр. 8794
إما حال من نائب استتيب أي استتيب غير مجوع فيكون ظرفا مستقرا، وإما متعلق باستتيب فهو ظرف لَغْوٌ، وعطش أي واستتيب ثلاثة أيام بلا جوع وبلا عطش بل يطعم ويسقى من ماله بخلاف ولده وزوجته لأنه بنفس الردة صار معدما. نسأل اللَّه السلامة. ومعاقبة أي وبلا معاقبة بكضرب لسقوطه مع القتل إلا حد الفرية كما يأتي، وإن لم يتب مبالغة في قوله: "واستتيب" أي يستتاب ثلاثة أيام حيث لم يقل لم يتب هو بأن سكت، بل وإن قال إنه لا يتوب فمعنى لم يتب، قال إنه لا يتوب ومبالغة في قوله بلا جوع وعطش ومعاقبة أي يطعم ويسقى ولا يعاقب وإن قال إنه لا يتوب. ويصح بقاء قوله: "وإن لم يتب" على ظاهره ويكون مبالغة في قوله: "بلا جوع"، ولا يصح حينئذ أن يكون مبالغة في قوله: "واستتيب ثلاثة أيام" لأنه يصير المعنى واستتيب ثلاثة أيام حيث تاب، بل وإن لم يتب لأنه إذا تاب قبل مضيها لا تطلب منه التوبة أي لا يطلبها الإمام ولا نائبه. واللَّه تعالى أعلم.
فإن تاب لم يقتل وإلا أي وإن لم يتب قتل بعد غروب الشمس من اليوم الثالث، ولا يقر على كفره بجزية ولا يسبى ولا يسترق، وإن لحق بدار الحرب وظفرنا به استتيب وإنما كانت الاستتابة ثلاثة أيام؛ لأن اللَّه تعالى أخر قوم صالح ذلك القدر فكونها ثلاثةً واجبٌ، فلو حكم الإمام بقتله قبلها مضى لأنه حكم بمختلف فيه. قاله عبد الباقي. وقال التتائي: واستتيب أي عرضت عليه التوبة وجوبا على المشهور لا استحبابا وأمهل ثلاثة أيام ويُذَكَّرُ فيها بالإسلام، وقال: "ثلاثة أيام" لأنه لو لم يذكرها لأوهم أنه ثلاث مرات كما هو قول ابن القاسم، ولو أسقط ثلاثة أيضا لتوهم أنه يستتاب في الحال، فإن تاب وإلا قتل وهو لمالك بلا جُوع وعطش. مالك: ما علمت في استتابته تجويعا ولا تعطيشا وأرى أن يقات من الطعام ما لا ضرر معه، وفي الذخيرة عن النوادر قال ابن القاسم: ويطعم من ماله زمن ردته، ثم حكى عن ابن القاسم: لا ينفق من ماله على عياله ولا ولده لأنه معسر بالردة وبلا معاقبة في الثلاثة وإن لم يتب، ولا يبعُدُ أن يخوف بالضرب كما قال أصبغ: حرا كان أو عبدا، ذكرا كان أو أنثى، ارتد عن إسلام أصلي أو طارئ، تكرر ذلك منه أو لا. وقال القاضي أبو الحسن: يعزر عندي في المرَّة الثالثة، فإن تاب في أيام استتابته فواضح وإلا بأن استمر على ردته قتل ذكرا كان أو أنثى، ولا يقر على كفره بالجزية ولو
стр. 8795
ارتد أهل مدينة استتيبوا، فإن تابوا وإلا قتلوا ولا يسبوا ولا يسترقوا، وإن لحق المرتد بدار الحرب وظفرنا به استتيب. انتهى.
وقال المواق: واستتيب ثلاثة أيام الخ، قال الرسول ﵊: (من غير دينه فاقتلوه) (١)، قال مالك: وذلك فيمن خرج من الإسلام إلى غيره لا من خرج من ملة سواه إلى غيرها، وجاء عن عمر ﵁ وعن غيره: استتابه المرتد ثلاثا، لقوله سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وسئل مالك عن قول عمر ﵁: ألا حبستموه ثلاثا وأطعمتموه كل يوم رغيفا؟ قال: لا بأس به وليس بالمجتمع عليه، قال مالك: وإذا تاب المرتد قبلت توبته ولا حد عليه فيما صنع من ارتداده، ومن ابن شأس: ثُمَّ عَرْضُ التَّوْبةِ على المرتد واجب، والنص أنه يمهل ثلاثة أيام، قال مالك: وما علمت في استتابته تعطيشا ولا تجويعا ولا عقوبة عليه إذا تاب. ابن الحاجب: إن لم يتب لم يقم عليه غير الفرية ويقتل. انتهى. وقال الحطاب: وظاهر كلامه -يعني المصنف- أن تأخيره ثلاثة أيام واجب، وهكذا قال في التوضيح: إنه ظاهر المذهب. وقال ابن العربي في أول كتاب التوسط في أصول الدين: ألا ترى أن المرتد استحب العلماء له الإمهال لعله إنما ارتد لريب فيتربص به مدة لعله أن يراجع الشك باليقين والجهل بالعلم ولا يجب ذلك لحصول العلم بالنظر الصحيح أولا. انتهى.
وقال القاضي عبد الوهاب في شرح الرسالة: وعرض التوبة واجب على الظاهر من المذهب إلا أنه إن قتله قاتل قبل استتابته فبيس ما صنع ولا يكون معه قود ولا دية. انتهى. وقال الحطاب أيضا عند قوله: "فإن تاب وإلا قتل" ما نصه: فإن تاب فلا عقوبة عليه، نص عليه في التوضيح وابن عرفة وصاحب اللباب والذخيرة وفي عيون المجالس للقاضي عبد الوهاب: إذا ارتد ثم تاب ثم ارتد ثم تاب لم يُعَزَّرَ في المرة الأولى، ويجوز أن يعزر في المرة الثانية والثالثة والرابعة إذا رجع إلى الإسلام ولست أعرفه منصوصا ولكن يجوز عندي، والفرق بين الأولى وغيرها أنه في الأولى يجوز أن يكون حصلت له شبهة فارتد ثم رجع إلى الإسلام بسبب زوالها، فإذا عاد إلى الردة ثم
стр. 8796
تاب ضرب لأنه لم تبق له شبهة ولا يزاد على التعزير ولا يحبس ولا يقتل. انتهى. وصرح في الشفاء بأن من سب النبي ﷺ إذا قلنا إن ذلك ردة وأنه يستتاب، فإن تاب نُكِل وكذلك من كانت ردته بسبب كلام ساقط في حق الباري أو سب له فإنه يؤدب. انتهى.
واستبرئت بحيضة يعني أن المرتدة لا تقتل بعد الاستتابة حتى تستبرأ بحيضة، وهذا إذا كانت متزوجة أو رجعية أو بائنا أو موطوءة بالملك. وقال الشبراخيتي: واستبرئت مرتدة متزوجة أو مطلقة رجعية أو موطوءة بالملك، كسرية بحيضة فلا تقتل حتى تستبرأ لاحتمال أن تكون حاملا، وإذا أخرت للاستبراء خوفا على حملها فأحرى أن تؤخر المرضع إذا لم تجد من ترضعه أو وجدت ولم يقبل، وكلام المصنف إذا كانت ممن تحيض، فإن كانت ممن لا تحيض لصغر لم تقتل وإن كانت يائسة قتلت، وهذا من جملة المستثنيات من قولهم: استبراء الحرة كعدتها والثانية اللعان والثالثة الزنى، ونظمها شيخنا في شرحه فقال:
الحرة استبراؤها كالعده … لا في لعان وزنى ورده
فإنها في كل ذا تستبرا … بحيضة فقط وقيت الضرا
انتهى. ويعني ما يعتمد عليه الزوج في اللعان وما ترجم بعده في الزنى كما مر. واللَّه تعالى أعلم.
وقال عبد الباقي: واستبرئت متزوجة أو مطلقة طلاقا رجعيا أو سرية بحيضة قبل قتلها خشية حملها إن مضى للماء ببطنها أربعون يوما، ولو رضي الزوج أو السيد بإسقاط حقه أو لم يمض له أربعون ولم يرضيا بإسقاط حقهما وإلا لم تؤخر وكان استبراء الحرة حيضة؛ لأن ما عداها تعبد لا يحتاج إليه هنا، وظاهره ولو كانت ممن تحيض في خمس سنين فأكثر، فإن كانت ممن لا تحيض لضعف أو إياس مشكوك فيه استبرئت بثلاثة أشهر إن كانت ممن تحمل أو يتوقع حملها إلا أن تحيض أثناءها، فإن كانت ممن لا يتوقع حملها قتلت بعد الاستتابة بثلاثة أيام، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد لم تستبرأ بحيضة إلا إن ادعت حملا، واختلف أهل المعرفة أو شكوا فيه فتستبرأ بها، والفرق بين ما هنا وبين ما تقدم في القصاص أنها لا تستبرأ بدعواها الحمل، بل
стр. 8797
لابد من قرينة صدقها كظهور الحمل أو حركته أو شهادة النساء، وظاهره ولو متزوجة أو سرية أن القتل هنا حق اللَّه وفي القصاص حق لآدمي، وهو مبني على المشاحة بخلاف ما هنا. واللَّه تعالى أعلم. ومر عن الشبراخيتي وعبد الباقي: متزوجة أو رجعية. والظاهر أن التقييد بالرجعية لا وجه له كما قاله الجنوي، بل في كلام عبد الباقي ما يرده وهو قوله: "خشية حملها". انظر الرهوني.
ومال العبد لسيده يعني أن العبد إذا مات مرتدا فإن ماله لسيده ملكا لا إرثا، قال عبد الباقي: ومال العبد المرتد ولو مكاتبا أو مبعضا المقتول أو الميت زمن الاستتابة لسيده ملكا لا إرثا، فإن رجع قبل قتله للإسلام فماله له على الراجح كما يأتي عند قوله: "وإن تاب فماله له". وإلا يكن المقتول بالردة أو الميت قبل توبته عبدا بل حرا، فماله فيء أي لبيت المال، ولو ارتد في مرضه وقتل أو مات زمن الاستتابة ولا ترثه ورثته ولا يتهم أنه ارتد ليلا ترثه ورثته، وإذا مات من يرثه المرتد لو لم يرتد ورثه غير المرتد ممن يستحق إرثه من أقاربه ومواليه ولا يحجب المرتد وارثا، فإن أسلم المرتد أو الذمي أو عتق العبد قبل أن يقسم الميراث لم يرجع لهم. وفي المواق عن ابن شأس: إن مات المرتد أو قتل على ردته فماله فيء إلا أن يكون عبدا فماله لسيده، وفي المدونة فيمن ارتد قبل البلوغ، قلت: أرأيت الغلام إن ارتد قبل أن يبلغ الحلم، قال: لا يصلى عليه ولا تؤكل ذبيحته. قال سحنون: يصلى عليه لأنه يكره على الإسلام ويرثه ورثته. اللخمي: الأحسن أن لمن ارتد حكم المرتد ولمن أسلم حكم المسلم، قال ابن القاسم: من قال في مرضه لم أكن قط مسلما وكنت أراءي فإنه لا يرثه ورثته المسلمون ولا غيرهم، ونحوه لمالك. وفي ابن حبيب: إن اتهم أنه أراد منع ورثته ورثوه. انتهى. وإذا مات للمرتد موروث في حال ارتداده فإن مات على ردته لم يرثه: وإن راجع الإسلام فقال ابن القاسم: لا يرثه، وقال أشهب: يرثه كما يرجع ماله إليه، وعبارة المدونة: إن رجع إلى الإسلام كان أولى بماله، خلافا لما في المبسوط. وفي النكت: إذا وقف مال المرتد لم ينفق منه على ولده الصغار وينفق منه على أم ولده ومدبره، انظر هذا فهو الذي يأتي على قول ابن القاسم إنه إذا راجع الإسلام ردت إليه أم ولده. انتهى كلام المواق.
стр. 8798
وقال التتائي: ومال العبد لسيده يأخذه بالملك وإلا يكن المقتول بالردة عبدا بل حرا ففيء ماله لبيت المال اتفاقا أي غنيمة لا ميراثا. انتهى.
وللتلمساني في المسألتين المتقدمتين:
وكل مرتد فما من مطمع … له ولا لوارثيه فاسمع
وفي التتائي: ويدخل ميراث الساحر في ميراث المرتد. وَبَقِيَّ ولده مسلما يعني أن المرتد إذا قتل على ردته فإن ولده الذي لم يبلغ يحكم له بحكم الإسلام، فإذا أظهر الكفر بعد البلوغ فإنه يحكم له بحكم المرتد من قوله: "واستتيب ثلاثة أيام بلا جوع وعطش ومعاقبة" الخ. كأن ترك يعني أن المرتد إذا قتل على ردته فإن ولده الذي غفل عنه ولم يُحْكَمْ بإسلامه حتى بلغ فأظهر الكفر بعد البلوغ يحكم له بحكم المرتد، فقوله: "ترك" أي غفل عنه ولم يُحْكَمْ بإسلامه حتى بلغ. واعلم أن صريح الخرشي أو ما هو كصريحه أن الفرق بين المسألتين أن الولد في الأولى لم يغفل عنه بل حكم بإسلامه، سواء ولد قبل الردة أو بعدها، وفي الثانية غفل عنه ولم يحكم بإسلامه حتى بلغ، ولد قبل الردة أو بعدها، وفرض عبد الباقي الأولى فيما إذا ولد له حال الإسلام، والثانية فيما إذا ولد له حال الردة ولم يطلع عليه حتى بلغ وأظهر خلاف الإسلام فإنه يجبر على الإسلام بالسيف، قال: وهو المعتمد وفاقا للجواهر، وخلافا لقول النوادر وابن يونس: إن ولده حال كفره ولم يطلع عليه إلا بعد بلوغه لم يجبر، بخلاف من اطلع عليه قبل بلوغه فَيُجْبَرُ. انتهى.
وَتَحْرِيرُ هذا أنه إن اطلع عليه قبل البلوغ فإنه يحكم بإسلامه ولد قبل الردة أو بعدها، وإن لم يطلع إلا بعد البلوغ جبر على المعتمد خلافا لما في النوادر وابن يونس، وهذا فيما إذا ولد حال الكفر، فإن ولد قبل الردة وغفل عنه حتى بلغ فقضية كلامه أنه يجبر. واللَّه تعالى أعلم. وقال التتائي: وإذا قتل المرتد وله ولد صغير بقي ولده مسلما ولا يتبعه إذ تبعيته إنما تكون في دين يقر عليه، ويجبر على الإسلام إن أظهر خلافه كإن ترك حتى بلغ وأظهر خلاف الإسلام، فإنه يجبر عليه وظاهره بالسيف وقيل بالسوط ولا يبلغ به القتل. ابن حبيب في قوم ارتدوا وتناسلوا ثم ظفر بهم: فلهم ولذراريّهم حكم المرتد يستتاب الأكابر منهم فإن تابوا وإلا قتلوا، وكذلك من بلغ من
стр. 8799
ذرياتهم لا يرقون ولا يحل استرقاقهم بالسبي، وكذلك ذكر لي من كاشفته من أصحاب مالك. انتهى.
وَأخِذَ مِنْهُ ما جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّي يعني أن المرتد إذا جنى عمدا على عبد أو ذمي فإنه يؤخذ من ماله الدية في الذمي والقيمة في العبد، وأما لو كانت جنايته على العبد أو الذمي خطأً فإن قيمة العبد في ماله أي المرتد أيضا كالعمد، وأما الذمي فدية الخطإ يحملها بيت المال، قال عبد الباقي: وأخذ منه أي من المرتد الحر أي من ماله سواء مات أو قتل على ردته ما جنى عمدا التقييد به لا بالنسبة. لقوله: "على عبد" إذ تؤخذ جنايته عليه ولو خطأ ولو قبل ردته، بمعنى تكون في ماله لأن بيت المال على عاقلته وهي لا تحمل عبدا. كذا ينبغي قاله أحمد. وإنما التقييد في قوله: "أو على ذمي" للتحرز عن جنايته خطأ على ذمي فإنها على بيت المال كما يقوله قريبا، وبيت المال كالعاقلة لا يحمل عبدا ولا عمدا. انتهى. وقال الشبراخيتي: وأخذ منه أي من مال المرتد ما جنى عمدا على نفس أو طرف على عبد شمل المكاتب والمبعض، ولا مفهوم للعمد في العبد وإنما ذكره لأجل الذمي لأنه الذي يفترق فيه العمد من الخطإ أو ذمي لأنه لا يقتل به سواء تاب أو قتل على ردته، وأما إن كانت خطأ على ذمي فهي في بيت المال. انتهى.
وقال التتائي: وأخذ منه أي من مال المرتد أرش ما جنى قبل ردته أو بعدها عمدا على عبد لغيره أو ذمي؛ لأنه لا يقتل به فيتعين المال لترتبه عليه فلا يسقط عنه وهو مذهب ابن القاسم في الموازية. انتهى.
وقال البناني عند قوله: "وأخذ منه ما جنى عمدا على عبد أو ذمي" هذا مبني على أن المرتد لا يقتل بعبد ولا كافر، قال ابن مرزوق: وفي قتله بهما اضطراب. انتهى. وما مشى عليه المصنف هو قول ابن القاسم في الموازية وبه أخذ محمد، وقاله أصبغ. قال في البيان: وعلى قياس قول سحنون الذى يرى أنه محجور عليه في ماله بنفس الارتداد لا يكون ذلك في ماله، وإليه ذهب الفضل. قاله في التوضيح والشارح. ومعنى قوله: "وعلى قياس" لخ القول الذي يقول لا يرجع إليه ماله ولو تاب، وأما وقفه فلا بد منه بنفس الارتداد. انتهى.
стр. 8800
لا حر مسلم يعني أن المرتد إذا جنى عمدا على حر مسلم فإنه لا يؤخذ من مال المرتد شيء في تلك الجناية؛ لأن الواجب فيه القود والقود ساقط لأنه يقتل للردة، قال الشبراخيتي: لا إن جنى عمدا على حر مسلم فلا تؤخذ جنايته من ماله بل تسقط لأن الواجب فيه القصاص والقتل يأتي على ذلك كله. انتهى. ونحوه لغيره، وقال عبد الباقي: لا إن جنى الحر المرتد عمدا على حر مسلم فلا يؤخذ شيء من ماله لسقوط حد القود بقتله لردته، وقولي: الحر في المسألتين احتراز عن العبد المرتد فإن جنايته إن أوجبت القصاص أن لو بقى مسلما لا تؤخذ منه لاندراجها في قتل الردة، فإن كانت لا توجبه أخذت منه إن كان معه مال وفي رقبته إن أسلم، وإلا بأن لم يكن معه مال وقتل على ردته سقطت. انتهى. وقال البناني: "لا حر مسلم" لأن الواجب عليه القود وهو يسقط بقتله إلا إن رجع إلى الإسلام فيقتص منه، ثم إنه في مسألة المصنف لا يقتص منه اتفاقا كما قاله ابن رشد، ونقله في التوضيح فما في الشارح من أن هذا على مذهب ابن القاسم وخالفه أشهب وَهَمٌ منه، والصواب أن الخلاف بينهما إنما هو فيما إذا جنى عليه وهرب لدار الحرب كما في ابن الحاجب.
وعلى أشهب رد المصنف بالتشبيه. انتهى. يعني بالتشبيه قوله: كأن هرب لدار الحرب تشبيه في عدم الأخذ من ماله وأنه هدر؛ يعني أن المرتد إذا جنى على حر مسلم وهرب لدار الحرب فإنه لا يؤخذ من ماله شيء وتكون الجناية هدرا هذا هو مذهب ابن القاسم: وقال أشهب: إنه تؤخذ الجناية من ماله واتفقا على أن جناية العمد هدر لا تؤخذ من ماله حيث بقي ببلد الإسلام؛ لأن قتله للردة يأتي على الجناية. قال البناني عند قوله: "كإن هرب لدار الحرب" ما نصه: أي وبقي فيها غير مقدور عليه هذا موضوع الخلاف في المسألة: فقول عبد الباقي: ثم أسر لخ غير صواب. ابن الحاجب: ولو قتل حرا مسلما وهرب إلى دار الحرب، فقال ابن القاسم: لا شيء لهم في ماله، وقال أشهب: لهم إن عفوا الدية، قال في التوضيح خلافهما: هنا مبْنِيٌّ على أن الواجب في العمد هل هو القود فقط أو التخيير؟ لكن قد يعترض على قول أشهب بأن الخيار إنما هو حيث لا مانع والقاتل هنا لو حضر لكان محبوسا بحكم الارتداد ولم يكن للأولياء معه كلام. انتهى. فيؤخذ منه أن المسألة مفروضة عند عدم القدرة عليه وهو محل الخلاف، أما عند القدرة
стр. 8801
فلا، والتشبيه في كلام المصنف تام أي يؤخذ من ماله بعد هروبه ما جنى عمدا على عبد أو ذمي لا حر مسلم عند ابن القاسم. انتهى.
وقال الشبراخيتي: كإن هرب لبلاد الحرب بعد قتله لحر مسلم أو ذمي عمدا فإنه لا يؤخذ شيء من ماله لذلك: وإذا رجع فإن كان قتله لذمي دفع ديته وإن كان لحر مسلم قتل للردة إن لم يسلم وللقتل إن أسلم. انتهى. وانظر قوله: "أو ذمي" فإنه تناقض لكلام غير واحد، قال المواق: ابن شأس: لو قتل في ردته عمدا وهرب لبلاد الحرب لم يكن لوُلاة المقتول في ماله شيء ولا ينفق على ولده ولا على عياله منه، بل يوقف فإن مات فهو فيء وإن كان القتيل عبدا أو ذميا أخذ ذلك من ماله، ولابن رشد: لا خلاف إذا لحق بدار الشرك فتنصر وأصاب الدماء والأموال ثم أخذ فأسلم أنه يهدر عنه جميع ما أصاب، كالحربي إذا أسلم ولو ارتد وأصاب الدماء والأموال في بلد الإسلام ثم أسلم تهدرت (١) عنه حقوق اللَّه من الزنى والسرقة وحد الحرابة وأخذ بحقوق الناس من الأموال والدماء والجراح على مذهب ابن القاسم، أما إذا أخذ على ارتداده فلا خلاف أنه يقتل ولا يستتاب، وسواء كانت حرابته في أرض الشرك أو في أرض الإسلام. انتهى.
إلا حد الفرية يعني أن المرتد إذا جنى عمدا على حر مسلم فإنه يقتل لردته وتُهْدَرُ الجناية كما عرفت إلا فيما إذا قذف حرا مسلما فإنه يقام عليه الحد ثم يقتل للردة فالاستثناء من قوله: "لا حر مسلم"، وقال عبد الباقي: إلا حد الفرية أي القذف ببلد الإسلام ثم هرب لدار الحرب ثم أسر فإنه لا يسقط عنه لما يلحق المقذوف من المعرة، فيجلد قبل موته أو قتله، وأما إذا قذفه ببلد الحرب ثم أسر بعد ذلك فإن حد الفرية يسقط عنه وإن رجع للإسلام. انتهى. قال البناني: كلام عبد الباقي يقتضي أنه مستثنى مما قبله يليه وليس كذلك، بل هو راجع لقوله: "لا حر مسلم" كما في ابن الحاجب وابن شأس وغيرهما، وبه صرح ابن غازي. ونص ابن الحاجب: وأما جنايته على الحر المسلم عمدا فإن لم يتب لم يقم عليه غير الفرية ويقتل. انتهى.
стр. 8802
وقال المواق من المدونة: إن قتل على ردته فالقتل يأتي على كل حد أو قصاص وجب عليه للناس، إلا القذف فإنه يحد ثم يقتل، وفي الموازية: إذا قذف الحربي مسلما ثم أسلم أو أسر لم يحد للقذف، ألا ترى أن القتل موضوع عنه؟ انتهى. وقال التتائي: إلا حد الفرية أي القذف فإنه لا يسقط إن أسر ولو قتل لما يلحق المقذوف من المعرة، كذا في المدونة، وفي توضيحه قيد هذا في الموازية بأن يقذفه في بلد الإسلام، وأما في دار الحرب فإنه إذا أسر يسقط عنه حد القذف ولم يعتبر التقييد هنا اعتمادا على ما في المدونة من الإطلاق. انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: تَحَصَّلَ مما مر أن المرتد إذا قذف حرا مسلما ببلد الإسلام فإنه يحد للفرية ثم يقتل للردة، سواء هرب المرتد بعد قذفه للحر المسلم ببلد الإسلام إلى دار الحرب ثم قدر عليه، أو لم يهرب لبلد الحرب وبقي ببلد الإسلام، إلا أن البناني يوهم أن هذا فيما إذا قذفه ببلد الإسلام ولم يهرب لدار الحرب والظاهر خلافه؛ أي أنه يحد ثم يقتل هرب لدار الحرب أولا، وأما إذا قذف المرتد الحر المسلم بدار الحرب فظاهر المصنف كالمدونة أنه لا يسقط عنه الحد خلاف ما في الموازية على ما قال التتائي. واللَّه تعالى أعلم.
والخطأ على بيت المال يعني أن المرتد إذا جنى خطأ على حر مسلم أو ذمي فإن بيت المال يحمل أرش تلك الجناية، كأخذه جناية عليه يعني أن بيت المال يأخذ أرش الجناية على المرتد، فإذا جنى على المرتد أحد فإنه يؤخذ من الجاني عليه أرش الجناية وتوضع في بيت المال. قال عبد الباقي: وجنايته الخطأ على حر مسلم أو ذمي على بيت المال، وسواء في الأقسام الثلاثة جنى على نفس أو جزء حسي أو معنوي، ولما ذكر جنايته على غيره ذكر جناية غيره عليه بقوله: "كأخذه" أي بيت المال جناية عليه ممن جنى عليه ولا يقتص منه ولو عبدا كافرا؛ لأن شرط القصاص أن يكون المجني عليه معصوما كما مر أول باب الجراح، ومر أيضا أن على قاتله الأدبَ بالنسبة للنفس وعليه أيضا ديةٌ ثُلثُ خمس قتل حال استتابته أو بعدها، وقبل قتل الإمام له وقبل رجوعه للإسلام. انتهى.
وقال الخرشي: يعني أن جناية المرتد خطأ على الذمي وعلى الحر المسلم على بيت المال، كما أن بيت المال يأخذ أرش الجناية عليه ممن جنى عليه، فكما يغرم عنه يأخذ ماله فعليه ما عليه وله
стр. 8803
ماله، وأما العبد سواء كان عمدا أو خطأ ففي مال المرتد. انتهى. وقول عبد الباقي: وسواء في الأقسام الثلاثة: جناية المرتد حيث تكون في ماله كجنايته على العبد عمدا أو خطأ وعلى الذمي عمدا، وحيث تكون هدرا كجنايته عمدا على حر مسلم، وحيث تكون على بيت المال كجنايته خطأ على الحر المسلم أو الذمي. واللَّه تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي: والخطأ على بيت المال هذا في الذمي والحر المسلم وتقدم العمد فيهما، وأما العبد فالعمد والخطأ فيه سواء لأنه مال والعمد والخطأ في أموال الناس سواء، ولا يعارض كلام المصنف ما تقدم من أن بيت المال لا يعقل إلا عن المسلم لا غيره كما في قوله. "ثم بيت المال" إن كان الجاني مسلما لأن عدم عقله عن غير المسلم خاص بالكافر الأصلي، وأما المرتد فيعقل عنه. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: لو قتل المرتد مسلما حرا خطأ، فإن لم يتب فالدية على بيت المال وإن تاب فالدية على تفصيلها كالمسلم والجناية عليه تقدمت وعقلها إن لم يتب للمسلمين، فإن تاب فله. ابن شأس: وعمد من جرحه كالخطإ لا يقاد منه، ولو جرحه عبد أو نصراني فلا قود له لأنه ليس له دين يقر عليه وفيه العقل. انتهى.
وإن تاب فماله له يعني أن المرتد إذا تاب بأن رجع إلى الإسلام فإن ماله يرجع له على المشهور. قاله الخرشي. وقال البناني: وإن تاب فماله له هذا هو الأصح وهو مذهب المدونة، ومقابله لسحنون أنه يكون فيئا ولو تاب. ابن الحاجب: وأما ماله فيوقف، فإن تاب فله على الأصح. انتهى. أي فالوقف لابد منه على كل حال، وإنما الخلاف إذا تاب هل يرجع إليه ماله أم لا؟ وبحث فيه ابن عبد السلام قائلا: ظاهره أنه يتفق على الإيقاف، ولا فائدة فيه على القول المقابل إذ لا يعود إليه مطلقا، وأجاب في التوضيح بأن النقل كما في ابن الحاجب، ثم ساق كلام ابن شعبان قائلا: وفائدة الإيقاف على هذا القول لعله يظهر دينٌ فيؤخذ منه، ولأنه إذا رأى ماله موقوفا لعله يتوهم أنا وقفناه له فيعود للإسلام، واستظهر ابن عبد السلام قول سحنون: إنه يكون فيئا مطلقا لأنه أخذ منه لأجل كفره فأشبه مال الحربي. انتهى بتغيير قليل. وقال الشبراخيتي: وإن تاب فماله له لا فيء، وقال ابن مرزوق: هذا يدل على أن مال المرتد ينزع منه بنفس الردة ويوقف حتى يعلم حاله. انتهى.
стр. 8804
وقوله: "وإن تاب فماله له" اعلم أن العبد إذا ارتد فإن للسيد أن ينتزع ماله وله أن يتركه، وقال المواق: قال ابن القاسم: يُوقِف السلطان مال المرتد قبل أن يقتل. ابن عرفة: والمعروف إن تاب رجع إليه ماله. انتهى. وإذا تاب المرتد بأن رجع إلى الإسلام والحال أنه قد جنى قُدِّرَ بعد توبته كالمسلم فيهما أى في العمد والخطإ أي في جنايتي العمد والخطإ الصادرتين منه، وإيضاح هذا أن تقول: إذا جنى المرتد في حال ردته ثم تاب فإنه يقدر مسلما في حال جنايته ويحكم عليه بما يحكم به على المسلم، فيقتص منه للمماثل له في العمد، وأما الخطأ فعلى عاقلته على ما مر.
وعلم مما قررت أن قوله: "وقدر كالمسلم فيهما" مرتب على قوله: "وإن تاب فماله له" وقوله: "وقدر كالمسلم فيهما"، قال البناني: ابن الحاجب: وإن تاب قدر جانيا مسلما في القود والعقل وقيل قدر جانيا ممن ارتد إليهم. انتهى. التوضيح: القولان لابن القاسم بناء على أن اعتبار النظر في الجناية يوم الحكم أو يوم الوقوع والقياس عنده يوم الجناية، وزاد في البيان ثالثا باعتبار العقل يوم الحكم والقود يوم الفعل. انتهى. وقولي: والحال أنه قد جنى احتراز من الجناية على المرتد فإنه لا يقدر كالمسلم، فإذا رُمِيَ أو جُرِح وهو مرتد ثم عاود الإسلام فلا يقتص له لأنه أصيب وهو غير معصوم. وقد مر: "وضمن وقت الإصابة والموت". واللَّه تعالى أعلم.
تنبيه: قد مر نقل المواق عن ابن رشد أنه لا خلاف أنه إذا لحق بدار الشرك فتنصر وأصاب الدماء والأموال ثم أخذ فأسلم فإنه يهدر عنه جميع ما أصاب كالحربي إذا أسلم. انتهى.
واعلم أنه لو قذف المرتد أحد ولو كافرا حال ردته لم يحد، بل إن قذفه قبل ردته فلم يقم عليه حتى ارتد سقط عن قاذفه الحد، ولو رجع للإسلام. ذكره في النوادر عن ابن حبيب عن أصبغ. قاله عبد الباقي.
وقتل المستسر يعني أن المستسر أي الذي يُسِرُّ الكفر ويظهر الإسلام يقتل إذا اطلع عليه وهو المعروف الآن بالزنديق، وكان يعرف في زمن النبي ﷺ بالمنافق بلا استتابة يعني أن الزنديق يقتل مهما اطلع عليه ولا تطلب منه التوبة، ومعنى ذلك أنه لا تطلب منه التوبة بحيث لو تاب لم يقتل بل يقتل ولو تاب وأظهر التوبة. قال التتائي: وقُتِل المسْتَسِرُّ الذي يُسِرُّ الكفر ويُظهر الإسلام وهو الزنديق المسمى بالمنافق في العصر الأول وقتل حدا بلا استتابة. المتيطي:
стр. 8805
من عبد شمسا أو قمرا أو حجرا أو غير ذلك فإنه يقتل ولا يستتاب إذا كان في ذلك يظهر الإسلام مُسْتَسِرًا بما أخذ عليه؛ إذ لا تعرف توبته ولو ادعى التوبة والرجوع عن زندقته. انتهى. وقال عبد الباقي: وقتل المُسْتَسِرُّ للكفر -أي مخفيه ومظهر الإسلام وهو المسمى في الصدر الأول. منافقا وتسميه الفقهاء زنديقا- بلا استتابة أي بلا طلب توبة منه بعد القدرة عليه، بل ولا قبولها أيضا بعد القدرة عليه، فالسين ليست للطلب بدليل قوله: "إلا أن يجيء" انتهى.
إلا أن يجيء تائبا يعني أن المُسْتَسِرِّ إذا جاء تائبا قبل الاطلاع على كفره فإنه تقبل توبته، بمعنى أنه لا يقتل وقد قدمت في أول الحل أن السين والتاء للطلب تبعا لغيري. واللَّه تعالى أعلم. وقد صرح غير واحد بأن السين ليست للطلب. المواق: قال ابن عرفة: الزنديق من يظهر الإسلام ويسر الكفر، إن ثبتت زندقته بإقراره ففي قبول توبته طريقان: الأولى قبولها اتفاقا. ابن الحاجب: لا يقبل الزنديق إذا جاء تائبا على الأصح، بخلاف من ظُهِرَ عليه. ابن شأس: من ظهر عليه قتل؛ لأنه إذا ظهر عليه لم يخرج بما أبداه عن عادته ومذهبه، فإن التقاة عند الخوف عين الزندقة، قال: ويقتل ولا يستتاب ويكون ميراثه لورثته المسلمين، وكذلك من عبد شمسا أو قمرا أو حجرا أو غير ذلك مستسرا به مظهرا للإسلام فظهر عليهم وهم يقرون بالإسلام وهم بمنزلة المنافقين على عهد النبي ﷺ . انتهى. وقال عبد الباقي: إلا أن يجيء قبل اطلاعنا عليه تائبا عما كان عليه من غير خوف فلا يقتل. انتهى. وقال الشبراخيتي: إلا أن يجيء تائبا قبل الظهور عليه فلا يقتل وتقبل توبته، وأما لو جاء تائبا بعد الظهور عليه فلا تقبل توبته ويقتل حدا. انتهى.
وماله لوارثه يعني أن المُسْتَسِر إذا تاب أو أنكر ما شهد به عليه فإنه إذا قتل أو مات بغير قتل يكون ماله لورثته لا لبيت المال، قال عبد الباقي: وماله إرثه أي إن جاء تائبا أو اطلع عليه فتاب، وإن كانت توبته حينئذ لا تسقط قتله أو أنكر ما شهد به عليه أو مات قبل الاطلاع يغير قتل أو به بغير الزندقة ثم اطلع على حاله بعد موته فمالُه لوارثه، ومفهوم هذه الصور أنه إن استمر على زندقته ولم يتب منها ولم ينكر ما شهد به عليه حتى قتل بها فإن ماله لبيت المال. انتهى باختصار. وقال الشبراخيتي: إن مات قبل الاطلاع عليه وكذا بعده إن تاب، سواء تاب
стр. 8806
قبل الاطلاع عليه أو بعده وإن كانت توبته حينئذ لا تسقط قتله، وينبغي أن يكون مثله ما إذا أنكر ما شهدت به عليه البينة من الزندقة، قال في التلمسانية:
وكُلُّ من أسَرَّ دِينًا واستَتَرْ … من عابدي شمس ونجم وحَجَرْ
وكان للإسلام تبدو شِيمَتُه … فمَالُهُ تَرِثُهُ وَرَثَتُه
وإذا سب نصراني النبي ﷺ فماله للمسلمين لنقض عهده بذلك. انتهى. كلام الشبراخيتي. وقوله: وإذا سب نصراني الخ يعني إذا سبه بغير ما به كفر وهو ظاهر. قاله مقيده واللَّه تعالى أعلم. وقال الحطاب: وماله لوارثه يعني أن مال الزنديق لوارثه وهذا إذا تاب، وأما إن لم يتب فلا. قاله ابن بكير في أحكام القرآن. انتهى. وفي نقل الرهوني: ومن أظهر الإسلام وأسرَّ اليهودية أو النصرانية أو دينا من الأديان غير الإسلام، فإن أتى تائبا قبلت توبته وإن أخذ على دين سواه قتل ولم يستتب. وقاله مالك وابن القاسم. واختلف في ميراثه هل هو لورثته أو لجماعة المسلمين؟ قال أبو محمد: يعني الذي يسر الزندقة فلم تقبل منه التوبة [أو ينكر] (١) ما شهد به عليه فيقتل، وأما المتمادي على غيه فلا اختلاف أنه لا يورث، ومن عبد شمسا أو قمرا أو حجرا أو غير ذلك فإنه يقتل ولا يستتاب إذا كان في ذلك مظهرا للإسلام مسرا بما أخذ عليه؛ لأنه لا تعرف توبته ويرثه ورثته من المسلمين لأنه مقر بالإسلام وبأحكامه، فهو كالمنافقين الذين كانوا في عهد رسول اللَّه ﷺ وقد كان النبي ﷺ ، يعلم بكفرهم وورثهم ورثتهم من المسلمين. انتهى.
وقبل عذر من أسلم وقال أسلمت عن ضيق إن ظهر يعني أن من أسلم من الكفار ثم ارتد، وقال: إنما كان إسلامي لأجل عذر حصل لي وظهر عذره بقرينة، فإنه يعمل بقوله ولا يحكم له بحكم المرتد، وقيد بما إذا لم يُقِمْ على الإسلام بعد ذهاب الخوف عنه، وأما إن لم يظهر عذره فهو
стр. 8807
مرتد. قال عبد الباقي: وقُبل عذر من أي كافر أسلم وقال أسلمت عن ضيق خوف أو غُرم أو عذاب ثم رجع بعد زوال ضيقه ولم يبق على الإسلام إن ظهر ذلك العذر بقرينة، فإن لم يظهر لم يقبل منه وحكم فيه بحكم المرتد، فإن رجع للإسلام وإلا قتل. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وقبل عذر من أسلم من الكفار وقال في عذره أسلمت عن ضيق كإكراه أو عذاب أو ظلم أو جور إن ظهر عذره، ومفهومه إن لم يظهر لم يقبل منه وحكم فيه بحكم المرتد. وقال أشهب: لا يقبل منه ذلك مطلقا. انتهى. وقال التتائي: وقبل عذر من أسلم من الكفار ثم ارتد وقال في عذره أسلمت عن ضيق كإكراه أو اضطرار جزية أو ظلم أو جور إن ظهر ذلك. قاله ابن حبيب عن ابن القاسم وابن وهب. ومفهومه أنه إن لم يظهر لم يقبل منه وحكم فيه بحكم المرتد، خلافا لأشهب. وظاهر كلام المصنف ولو طال بقاؤه على الإسلام بعد زوال عذره، وقيده أصبغ بأن لا يبقى على الإسلام بعد زوال عذره. انتهى.
كأن توضأ وصلى يعني أن الكافر إذا توضأ وصلى، ثم قال: إنه نصراني مثلا واعتذر عن وضوئه وصلاته فإنه إنما فعل ذلك خوفا على نفسه أو ماله، فإنه يقبل منه ذلك ولا يقتل إن ظهر عذره بقرينة، قال عبد الباقي: كإن توضأ وصلى ولو إماما ثم لما أمن قال إنه كافر واعتذر بأنه فعل ذلك خوفا على نفسه وماله فيقبل منه إن ظهرت قرينة صدقه. انتهى. ونحوه لغير واحد، فإن لم تظهر قرينة صدقه لم يقبل عذره وحكم له بحكم المرتد.
وأعاد مأمومه يعني أن من قبل عذره ممن قال أسلمت عن ضيق أو توضأ وصلى يعيد من ائتم به أبدا، وظاهر هذا أن مأموم من لم يقبل عذره لا إعادة عليه، والذي استظهره في التوضيح أن عليه الإعادة أيضا لأنه لا بد من أن يكون غير متحفظ على ما تتوقف صحة الصلاة عليه فراجعه فهو الحق. قاله البناني.
وأدِّبَ من تَشَهَّدَ ولم يوقف على الدعائم يعني أن الكافر إذا تشهد بشهادة الإسلام ولم يكن وقف على الدعائم التي بني الإسلام عليها، ثم لما وقف عليها صعب عليه التزامها وارتد عما شهد به من شهادة الإسلام، وقال: ما علمت أنه يلزمني مع التشهد هذه الأشياء فإنه يؤدب ويشدد عليه لكن يرجع إلى الإسلام، فإن لم يرجع إلى الإسلام لم يقتل.
стр. 8808
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: وأدب من تشهد أي نطق بالشهادتين ولم يوقف على الدعائم أي لم يلتزم شرائع الإسلام من صلاة وغيرها بعد علمه بها حين إسلامه فرجع عنه، فيؤدب ويترك في لعنة اللَّه. قاله مالك وابن القاسم. انتهى المراد منه. قوله: أي لم يلتزم شرائع الإسلام بعد علمه بها حين إسلامه لخ فيه نظر، بل إذا علم بها وتشهد ثم رجع يعد مرتدا قطعا؛ لأن نطقه بعد علمه رضًى. انظر التوضيح. ونحوه قول ابن مرزوق: معنى الكلام أنه لم يوقف أي لم يُعْلَم بها حين التشهد فلما أُعْلِمَ بها أبى من التزامها، فيؤدب ولا يحكم عليه بحكم المرتد. انتهى. قاله البناني. ونحو ما للبناني للتاودي والجنوي وبه صرح ابن مرزوق، ونحو ما لعبد الباقي للشيخ سيدي عبد القادر الفاسي رضي اللَّه تعالى عنه.
قال الرهوني: وما جزم به ابن مرزوق واعتمده التاودي والبناني واستظهره شيخنا الجنوي هو الصواب، ولا شاهد لسيدي عبد القادر في كلام ابن عرفة؛ لأن قوله مع التزام أحكامهما صادق بهذه الصورة؛ إذ دخوله في الإسلام بعد علمه بدعائمه التزام لها قطعا، وكذا لا شاهد له في كلام الشامل؛ لأن قوله: إن رضي بالشرائع صادق بهذه الصورة كما لا يخفى، وفي المتيطي ما هو شاهد لما قاله ابن مرزوق. انتهى. ونص المتيطي في نهايته: فإذا أجاب إلى الإسلام جملة واحدة وتشهد بشهادة الحق وأقر بشهادة محمد ﷺ ، وقف على شرائع الإسلام وحدوده من وضوء وصلاة وزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، فإذا أجاب إلى ذلك كله تم إسلامه وقبل منه إيمانه، فإن أبى من التزام ذلك لم يقبل منه إسلام ولم يكره على التزامها ولم يجبر على الإسلام وترك على دينه، ولا يعد مرتدا بتركه التزام شرائع الشريعة ولا يعرض له وكان اللَّه غنيا عنه، وكذلك ينبغي أن يوقف عند دخوله في الإسلام وتعريفه بالدعائم التي بُنِي الإسلام عليها وهي التي تقدم ذكرها على فرائضه فصلا فصلا حتى يكون من ذلك كله على بصيرة مما دخل فيه، ثم قال: وإذا لم يوقف هذا الإسلاميُ على شرائع الإسلام حين أسلم ولم يغتسل ولا صلى حتى رجع عن الإسلام فالمشهور من المذهب أنه يشدد عليه ويؤدب، فإن تمادى على ردته ترك في لعنة اللَّه ولم يقتل؛ لأن الإسلام قول وعمل. وقاله مالك وابن القاسم وغيرهما. وبه أخذ ابن عبد الحكم وعليه العمل وبه القضاء، وقال أصبغ
стр. 8809
في كتاب ابن حبيب: سواء رجع عن إسلامه عن قرب أو بعد ولو طرفة عين إذا شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه ﷺ ، ثم رجع قتل بعد استتابته وإن لم يصل ولا صام. انتهى. فانظر قوله: حتى يكون من ذلك كله على بصيرة لخ تجده شاهدا لما قلناه؛ إذ من كان عالما بذلك قَبْلُ هو عند دخوله في الإسلام على بصيرة مما دخل فيه قطعا. نقله الرهوني. قال: وكلامُ المتيطي الأولُ يفيد أنه إن أوقف على الدعائم فرجع لأجل ذلك لا يؤدب أصلا وكلامُه الأخيرُ صريح في أنه إذا لم يوقف عليها ثم رجع أنه يؤدب ويشدد عليه في الأدب. واللَّه أعلم. انتهى. بحذف منه. وظاهر المصنف الأدب في هذا كالمتيطي فيكون محترزه لا أدب عليه وهو ما إذا وقف عليها.
وقوله: "كإن توضأ وصلى وأعاد مأمومه" المسألة وقعت في نصراني صحب قوما في السفر فتوضأ وصلى وربما صلوا خلفه، فلما أمن قال إنما صنعت ذلك تحصنا بالإسلام لئلا يؤخذ ما معي فإن ذلك له إن أشبه ويعيدون ما صلوا خلفه في الوقت وبعده. قاله مالك. وقال الشبراخيتي: وفهم من قوله: "ولم يوقف على الدعائم" أنه جاهل بها وأما لو لم يكن جاهلا بها، كأن يكون مخالطا للمسلمين فإنه يقتل لأنه صار مرتدا. انتهى. وقال عبد الباقي: ثم ما ذكره هنا لا ينافي قول ابن عطاء اللَّه: إن الكافر يكون مسلما بأذانه؛ لأن من تشهد هنا مسلم أيضا والرجوع شيء آخر فمن أذَّن حالة عدم وقفه على الدعائم مسلم، وإذا رجع أدب. انتهى.
كساحر ذمي لم يدخل ضررا على مسلم يعني أن الساحر الذمي يؤدب ولا يقتل حيث لم يُدخل بسحره ضررا على مسلم، وأما إن أدخل بسحره ضررا على مسلم فإنه يقتل لأنه نقض العهد بذلك، قال المواق: عبد الوهاب: إن كان الساحر ذميا فقال مالك: لا يقتل إلا أن يدخل بسحره ضررا على المسلمين، فيكون ذلك نقضا لعهده ولا تقبل منه التوبة وإن سحر أهل الذمة أدب إلا أن يقتل أحدا، قال الباجي: لا يقتل الساحر الذمي إلا أن يؤذيَ مسلما أو يقتل ذميا. قاله مالك. انتهى. وقال عبد الباقي: كساحر ذمي يؤدب إن لم يدخل ضررا على مسلم فإن أدخله عليه تحتم قتله ولا تقبل منه توبة غير الإسلام. نقله الباجي عن مالك. قال: وأما إن سحر أهل ملته فيؤدب إلا أن يقتل أحدا فيقتل به. قاله الشارح. والذي ينبغي فيما إذا أدخل بسحره ضررا
стр. 8810
على مسلم أن يجري فيه حكم من نقض عهده فيخير الإمام فيه بين القتل والاسترقاق وضرب الجزية، لا أنه يتعين قتله إذا لم يسلم. انتهى. وقال الشبراخيتي: كساحر ذمي يؤدب إن لم يدخل بسحره ضررا على مسلم، فإن أدخل ضررا تحتم قتله ولا تقبل منه توبة غير الإسلام. نقله الباجي عن مالك. وأما إن سحر أهل ملته فيؤدب إلا أن يقتل أحدا فيقتل به. قاله الشارح. والذي ينبغي فيما إذا أدخل بسحره ضررا على مسلم لخ، ثم إن قول الشارح: إنه إذا قتل بسحره أحدا من أهل ملته يقتل يخالف ظاهر المصنف فيقيد به. انتهى.
وأسقطت صلاة يعني أن الردة تسقط الصلاة فعلت أو لم تفعل إلا أنها إن فعلت أبطلت ثوابها وإن لم تفعل سقط قضاؤها، فإذا ارتد المسلم والعياذ باللَّه تعالى ثم راجع الإسلام فإن ما فعله من الصلاة فيما سلف من عمره يبطل ثوابه، وما لم يفعله من الصلاة ولم يراجع الإسلام إلا بعد أن خرج وقته سقط عنه قضاؤه. وصياما يعني أن الردة تسقط الصيام فعل أو لم يفعل، إلا أنه إن فعل أبطلت ثوابه وإن لم يفعل أسقطت قضاءه، فإذا ارتد المسلم -والعياذ باللَّه تعالى- ثم عاود الإسلام فإن ما صام من الرمضانات يبطل ثوابه وما لم يصمه يسقط عنه قضاؤه، وزكاة يعني أن الردة تسقط الزكاة أخرجت أو لم تخرج، إلا أنها إن أخرجت حبط ثوابها وإن لم تخرج لم يلزم إخراجها، فإذا ارتد المسلم -والعياذ باللَّه تعالى- ثم راجع الإسلام فإن ما أخرجه من الزكاة يحبط ثوابه، وما لم يخرجه منها لم يلزمه قضاؤه.
قال الشبراخيتي عند قول المصنف: "وأسقطت صلاة وصياما وزكاة" ما نصه: فعلت هذه الأشياء أو لم تفعل إلا أنها إن فعلت أبطلت ثوابها وإن لم تفعل أبطلت قضاءها، ويقدر كأنه كافر أصْلِيٌّ دخل في الإسلام. انتهى. وقال عبد الباقي: وأسقطت صلاة وصياما وزكاة بمعنى لا يطالب المرتد بها إذا عاد للإسلام سواء كان فعلها أم لا، إلا أنه إن لم يكن فعلها أسقطت قضاءها، وإن كان فعلها أسقطت ثوابها ولا يلزمه إعادتها، وأسقطت بمعنى أبطلت.
وحجا تقدم يعني أن الردة تُسقط الحج الذي فعل، فإذا ارتد المسلم -والعياذ باللَّه تعالى- بعد أن حج الفرض ثم راجع الإسلام فإنه يجب عليه أن يحج حجة الفريضة لبطلان الحج السابق للردة بالردة، قال عبد الباقي: وحجا تقدم فيجب عليه فعله إذا عاد للإسلام لبقاء وقته وهو العمر،
стр. 8811
وكذا صلاة تقدمت ورجع للإسلام قبل انقضاء وقتها فيجب عليه لا بعده، فيدخل في قوله: "وأسقطت صلاة". انتهى. وقال الشبراخيتي: وأسقطت حجا تقدم فعله قبل ردته ويطالب به إذا رجع للإسلام، كمن لم يحصل منه حج أصلا لبقاء وقته لأن وقته العمر وهذا في الفرض، وأما التطوع فلا يلزمه قضاؤه ومثله ما فعله من الصلاة قبل ردته ثم عاد للإسلام في وقته؛ يعني فيجب إعادته إذا كان فرضا، وأما لو عاد بعد خروج وقته فإنه لا يطلب بقضائه، كما أشار له بقوله: "وأسقطت صلاة"، وقوله: "تقدم" بخلاف عتقه وتدبيره فإنه لا يبطل، سواء رجع إلى الإسلام أو قتل على ردته واستيلاده المتقدم فلا يسقط. انتهى.
وقال الحطاب: أي أسقطت الردة عن المرتد صلاة وصياما وزكاة أي أبطلت الصلاة والصوم والزكاة التي تعلقت بالمرتد من حين تعلق ذلك به إلى حين رجوعه إلى الإسلام، سواء كان فعل ذلك أو لم يفعله، فإن فعل ذلك فالإسقاط بمعنى إبطال ثوابه المرتب عليه، وإن كان لم يفعل ذلك فالإسقاط بمعنى إبطال تعلقه بذمته، وسواء وجب ذلك قبل الردة أو أدركه وقت وجوبه وهو في حال الردة، ولو صلى صلاة ثم ارتد في وقتها ثم رجع إلى الإسلام ووقتها باق بحيث يدرك منها ركعة لزمته. نقله أبو الحسن. وأسقطت الردة حجا تقدم من المرتد في حال إسلامه، والإسقاط هنا بمعنى إبطال ثوابه، ويجب عليه استيناف الحج على المشهور؛ لأنه وقته متسع إلى آخر العمر فيجب عليه بخطاب مبتدإ ولو ارتد وهو محرم بطل إحرامه. قاله في النوادر. فإن كان تطوعا لم يلزمه قضاؤه، وإن كان فرضا وكان قد حج الفرض قبل ذلك فلا بد من استيناف حج الفريضة. انتهى. ويفهم من كلام المصنف أنه لا يلزمه قضاء ما أفسده من الحج والعمرة قبل ردته؛ لأن ذلك قد بطل وسقط عن ذمته، فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى. وقال التتائي: وأسقطت حجا تقدم فعله قبل ردته فيجب عليه الحج إذا تاب على المشهور، والخلاف جار على إبطال العمل بمجردها أو بشرط الوفاة على الكفر. انتهى.
ونذرا يعني أن الردة تسقط عن المرتد نذرا نذره في حال إسلامه أو في حال ردته. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: وأسقطت نذرا وكفارته، ويمينا باللَّه يعني أن الردة تسقط عن المرتد اليمين باللَّه حلفها في حال إسلامه أو في حال ردته. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: ويمينا باللَّه وكذا
стр. 8812
كفارته، أو بعتق يعني أن الردة تسقط عن المرتد اليمين بالعتق، وظاهر كلام المصنف سواء كانت اليمين بعتق معين أو بعتق غير معين وهذا ظاهر المدونة، وقال ابن الكاتب: هذا في غير المعين فيلزمه لأنه تعلق به حق إنسان معين قبل ردته فلا يسقط عنه كما يلزمه تدبيره. قال ابن يونس: ويظهر لي أن تدبيره كعتقه وطلاقه وذلك بخلاف أيمانه، ألا ترى أن النصراني يلزمه تدبيره إذا أسلم ولا يلزمه يمينه، فكذلك المرتد. قال أبو الحسن: فكأنَّ ابن القاسم يقول: سواء كانت يمينه بعتق عبد بعينه أو بغير عينه فإنها تسقط، وقد تقدم الخلاف في ذلك. انتهى. يشير إلى ما نقله عن عياض ونصه: اختلفوا في يمينه بالعتق التي أسقطها هل ذلك في غير المعين، وأما المعين فيلزم كالمدبر وقيل المعين وغيره سواء. انتهى. وقال الشبراخيتي: عن الأجهوري: أو بعتق كان العتق معينا أم لا، والتفصيل ضعيف. انتهى. وقال الخرشي: وسواء كان العتق معينا أم لا والتفصيل ضعيف. انتهى.
أو ظهار يعني أن الردة تسقط اليمين بالظهار وكذا الظهار المجرد عن اليمين، قال أبو الحسن: يتحصل في الظهار المجرد واليمين بالظهار ثلاثة أقوال: أحَدُهَا أن ذلك لا يسقط فيهما وهو عند محمد في اليمين بالظهار فأحرى في المجرد، والثاني أن ذلك يسقط فيهما وهو الذي اختصر عليه أبو محمد المدونة. انتهى. قاله الحطاب. وقال الشبراخيتي: وفي بعض النسخ وظهارا بالنصب عطفا على صلاة أي وأسقطت ظهارا سواء كان معلقا، كقوله: إن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي أو منجزا، كأنت علي كظهر أمي ويستفاد منه سقوط كفارته فهي تسقط الظهار المنجز واليمين بالظهار وكفارة الظهار حيث وجبت فيه. انتهى. وقال عبد الباقي: "أو ظهار" مراده تسقط نفس اليمين إن لم يحنث وكفارته إن حنث، وفي بعض النسخ: وظهارا بالنصب عطفا على صلاة أي وأسقطت ظهارا معلقا، كإن دخلت الدار فأنت علي كظهر أمي أو منجزا كأنت علي كظهر أمي ويستفاد منه سقوط كفارته فهي تسقط الظهار المنجز واليمين به وكفارته حيث وجبت فيه.
وإحصانا يعني أن الردة تسقط الإحصان من رجل أو امرأة، فإذا أحصن الرجل ثم ارتد -نسأل اللَّه السلامة- ثم عاود الإسلام فزنى فإنه لا يرجم بل يجلد مائة لسقوط إحصانه، وإذا أُحْصِنَتِ
стр. 8813
المرأة ثم ارتدت -نسأل اللَّه تعالى السلامة من الردة ومن كل ضر- ثم راجعت الإسلام فزنت فإنها لا ترجم بل تجلد مائة لبطلان إحصانها. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وأسقطت الردة إحصانا أي تسقط إحصان من ارتد من زوج أو زوجة، وأما ارتداد الزوج فلا يسقط إحصان المرأة وكذلك عكسه، فالردة إنما تبطل وصف من تلبس بها لا وصف غيره وإن كان ناشئا عمن تلبس بها. انتهى. وقال الحطاب: وأسقطت الردة إحصانا تقدم من الزوجين في حال إسلامهما، فمن ارتد منهما زال إحصانه ولا يزول إحصان الآخر الذي لم يرتد كما يظهر من لفظ المدونة، قال فيها: والردة تزيل إحصان المرتد من رجل أو امرأة ويأتنفان الإحصان، ومن زنى منهما بعد رجوعه إلى الإسلام لم يرجم.
فرع: قال المشدالي في حاشيته: قال ابن عرفة: لو ارتد قاصدا لإزالة الإحصان ثم أسلم فزنى فإنه يرجم معاملة له بنقيض مقصوده. انتهى. وذكر في التوضيح أن من ارتد ليسقط عنه حد الزنى أنه لا يسقط نقله عن ابن يونس وسحنون. ولا تسقط الردة حد الزنى لأنه لا يشاء من وجب عليه حد إلا أسقطه بالردة. ابن يونس: وظاهر هذا خلاف المدونة: قال: وأنا أستحب إن علم منه أنه إنما ارتد ليسقط الحد قاصدا لذلك فإنه لا يسقط ذلك عنه. انتهى. وقال التتائي: وأسقطت إحصانا أي أبطلته على المشهور، فإذا ارتدا أو أحدهما ثم رجعا أو أحدهما إلى الإسلام صار حكمه إذا زنى كالبكر. انتهى.
ووصية يعني أن الردة تسقط الوصية، قال الحطاب: أي وأسقطت الردة وصية صدرت من المرتد في حال ردته أو قبل ذلك، بخلاف تدبيره فإنه لا يبطل سواء رجع إلى الإسلام أو قتل على ردته بل يخرج من ثلثه، وإن كان له أم ولد فتخرج من رأس ماله، وما أعتقه أو أعطاه لغيره قبل ردته فإنه لا يبطل، وانظر ما حكم وقفه؟ والظاهر أنه لا يبطل قياسا على العتق. واللَّه أعلم. انتهى. وقال التتائي: وأسقطت وصية تقدمت عليها أو بعدها إن قتل على ردته. البساطي: أو تاب أو مات. انتهى. وإسقاطها للوصية مثله في النكاح الثالث من المدونة، وفي أمهات الأولاد إذا قتل على ردته عتقت أم ولده من رأس ماله وعتق مدبروه في الثلث وبطلت وصاياه. انتهى. وقال عبد الباقي: وقوله ووصية أي قبل ردته أو فيها فتسقط ولو رجع للإسلام أي سقط ما أوصى به،
стр. 8814
بخلاف تدبيره قبلها فلا تبطله رجع للإسلام أو قتل عليها لأنه عقد لازم، وكذا أم ولده تخرج من رأس المال وكذا يمضي عتقه المنجز قبل ردته وإعطاؤه لغيره شيئا كالوقف فيما يظهر قياسا على العتق. انظر الحطاب. وأما لو وهب قبلها وتأخر الحوز حتى ارتد وقتل على ردته فيبطل ومثله ارتداد الموصى له حيث لم يحز قبلها، وكلام المصنف صادق بهما وإن كان الموافق لما قبله الأول. انتهى. قوله: ولو رجع للإسلام، قال البناني: نحوه في الحطاب وهو خلاف ما في المواق من أن البطلان إنما هو إذا مات على ردته. انتهى. وقال الشبراخيتي عن الأجهوري: وقوله: "وأسقطت صلاة" إلى قوله: "ووصية" ينبغي أن تقيد هذه الأمور بما إذا لم يقصد بالردة إسقاطها وإلا لم تسقط معاملة له بنقيض قصده. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "ووصية" ما نصه: وينبغي أن تقيد هذه الأمور من قوله: "وأسقطت صلاة" إلى هنا بما إذا لم يقصد بالردة إسقاطها وإلا لم تسقط معاملة له بنقيض قصده، وقد نقله المشدالي عن ابن عرفة في الإحصان. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله "وإحصانا ووصية": بمعنى أبطلتهما فاستعمل كما في أحمد: الإسقاط في معنى عدم المطالبة وفي معنى الإبطال، وهذا الثاني في الحج والإحصان والوصية. انتهى.
لا طلاقا يعني أن الزوج إذا طلق زوجته ثلاثا أو أقل ثم ارتد ثم راجع الإسلام فإنه لا يسقط عنه الطلاق بسبب الردة، فلا تحل له حتى تنكح زوجا غيره إن كان طلقها ثلاثا، قال عبد الباقي: لا تسقط الردة طلاقا ثلاثا أو أقل وقع منه قبلها منجزا أو معلقا على دخول دار ودخلت قبل الردة، فإذا عاد للإسلام لا تحل له مطلقته ثلاثا إلا بعد زوج فإن تزوجت بغيره زمن ردته حلت له وهذا ما لم يرتدا معا، فإن ارتدا معا ثم رجعا للإسلام فإنه يجوز له أن يتزوجها قبل زوج؛ لأن أثر الطلاق بطل بالردة إلا أن يقصدا بردتهما التحليل، فإن قصداه لم تحل كما هو ظاهر فتوى ابن عرفة. قاله الشيخ أحمد بابا.
والفَرْقُ بين الطلاق والظهار أن فيه كفارة فأشبه الأَيْمَانَ وأن الخطاب فيه إلى الزوج خاصة، بخلاف الطلاق. وأما يمين الطلاق كقوله: عليَّ الطلاق لا أفعل كذا ثم ارتد قبل حنثه فإن الردة تسقطها كما يفهم من المدونة. انتهى. قوله: فإن ارتدا معا ثم رجعا للإسلام فإنه يجوز له أن يتزوجها لخ، قال الرهوني: مثله في الحطاب قائلا ما نصه: قاله ابن القاسم ونقله عنه اللخمي
стр. 8815
ونقله المصنف في التوضيح ونص عليه في الشامل. انتهى. وكلام ابن الحاجب يقتضي أنه متفق عليه لأنه ساقه مساق الاحتجاج به لمسألةٍ، فقال: ولذا لو ارتدت المبتوتة حلت. انتهى. وسلمه في التوضيح، فقال في شرحه ما نصه: ولأجل أن أثر الطلاق فيها لو ارتدت المبتوتة ومطلقها معا ثم رجعا إلى الإسلام لحلت لمطلقها؛ لأن أثر الطلاق قد بطل بالردة. انتهى.
وفي ابن عرفة عن عياض ما نصه: ولو ارتدا جميعا ثم أسلما جاز أن يتناكحا عندهم على قول ابن القاسم. انتهى. ومثله في ابن مرزوق. وفي نهاية المتيطي قال ابن عبد الحكم: ولو ارتدت الزوجة معه ثم رجعا إلى الإسلام حلت له زوجته المبتوتة، قال الشيخ أبو عمران: وما ذكره ابن عبد الحكم هو مذهب ابن القاسم وجميع أصحابه. انتهى. وقال الحطاب: "لا طلاقا" هو معطوف على قوله: "صلاة" ويريد إذا وقع ذلك قبل الردة، والمعنى أن الردة لا تسقط ما تقدم من الطلاق، قال في النوادر: وقال مالك: وما طلق في ارتداده أو أعتق فلا يلزمه، وأما إذا طلق أو أعتق قبل الردة فإنه يلزمه. انتهى. فلو طلق ثلاثا ثم أسلم لم تحل له إلا بعد زوج، نعم لو طلقها ثلاثا ثم ارتدا معا ثم أسلما فإنه يُسقط عنهما الطلاق الثلاث. قاله ابن القاسم. ونقله عنه اللخمي ونقله عنه المصنف في التوضيح. ونص عليه في الشامل. انتهى.
وردة محلل يعني أن ردة المحلل لا تسقط تحليله للمبتوتة، فمن طلقت ثلاثا ثم حصل فيها وطء تحل به ثم ارتد محللها فإنها تحل لمن طلقها ثلاثا رجع للإسلام أو قتل على ردته؛ لأن أثره في غيره وهو المرأة المحللة، وقوله: "وردة محلل" مرفوع عطفا على فاعل أسقطت المستتر فيه مع مراعاة النفي. قاله الشبراخيتي.
بخلاف ردة المرأة يعني أن المبتوتة إذا نكحت نكاحا تحل به لباتها ثم ارتدت -والعياذ باللَّه تعالى- ثم راجعت الإسلام، فإن ردتها تسقط تحليلها فلا تحل لباتها، قال عبد الباقي: بخلاف ردة المرأة فإنها تسقط تحليلها، فمن طلقت ثلاثا ثم حصل فيها وطء تحل به ثم ارتدت ثم رجعت للإسلام فلا تحل لمطلقها ثلاثا إلا بعد زوج؛ لأنها أبطلت فعلها في نفسها وهو نكاحها الذي أحلها كما أبطلت نكاحها الذي أحصنها. انتهى. وقوله: "بخلاف ردة المرأة" هو المشهور، وقيل إن إحلالها لا يسقط بردتها فتتزوج الأول من غير زوج ثان. قاله التتائي.
стр. 8816
وأقر كافر انتقل لكفر آخر يعني أن الكافر بكفر خاص إذا انتقل لكفر آخر، كيهودي انتقل للنصرانية أو إلى الدهرية مثلا، فإنه يقر على الكفر الذي انتقل إليه ولا يقتل لأن الكفر كله ملة واحدة، وحديث: (من بدل دينه فاقتلوه) (١) محمول على الدين المعتبر شرعا وهو دين الإسلام لَيْسَ إلَّا، قال جل وعز: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال الإمام التتائي: وأقر كافر انتقل من كفر لكفر آخر، كيهودي تنصر مثلا لأن الكفر كله ملة واحدة وحقيقته غير متعددة، فليس مبدلا حتى يشمله قوله ﵊: (من بدل دينه فاقتلوه). انتهى. وقال الشبراخيتي: ومفهوم "كافر" أن المسلم لا يقر إذا انتقل للكفر، ومفهوم: "لكفر" أنه إذا انتقل الكافر للإسلام يقر وهو كذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: وأقر كافر بكفر خاص انتقل لكفر آخر علانية أو سرا ولو إلى مذهب المعطلة أو الدهرية، وتؤخذ منه الجزية عملا بما كان عليه، ومعنى إقراره أنا لا نتعرض له بناء على أن الكفر كله ملة واحدة، وحديث: (من بدل دينه فاقتلوه) محمول على دين الإسلام إذ هو الدين المعتبر شرعا ومفهوم "كافر" أن المسلم لا يقر إذا انتقل للكفر، ومفهوم قوله: "لكفر" أنه إذا انتقل للإسلام يقر وهو كذلك. انتهى.
وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون بإسلام أبيه فقط يعني أنه يحكم بإسلام الولد الذي لم يميز بسبب إسلام أبيه فقط، وعدم تمييز الولد إما لأجل صغره أو لأجل جنونه ولو بالغا وغير الأب لا يحكم بإسلام غير المميز لإسلامه على المشهور، ولهذا قال: "فقط"، وقوله: "وحكم بإسلام من لم يميز" لخ أي ويجبر على الإسلام بالقتل إن امتنع منه بعد البلوغ، وقوله: "لم يميز" أي لم يميز الثواب من العقاب والقُرَبَ من المعصية. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وحكم بإسلام من لم يميز ولم يُغفل عنه حتى راهق، بدليل ما يأتي لصغر أو جنون قبل المراهقة والبلوغ لا الطارئ بعدهما فلا يحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه الطارئ بإسلام أبيه دنية فقط لا بإسلام جده أو أمه أو أحد من أقاربه، والباء الأولى متعلقة بحُكِمَ صلة لا تعليلية، والثانية للسببية فلم يتعلق حرفا جر متَّحِدَا المعنى واللفظِ بعامل واحد. انتهى.
стр. 8817
وقال الشبراخيتي: وحكم بإسلام من لم يميز لصغر أو جنون أي لأجل صغر أو جنون وقوله: "أو جنون" ظاهره ولو طرأ عليه بعد المراهقة أو البلوغ وليس كذلك؛ إذ كل منهما لا يحكم بإسلامه لإسلام أبيه أي إسلام أبيه الطارئ الذي الكلام فيه، وأما إذا كان أبوهما مسلما أصالة فإنه يحكم بإسلامهما تبعا لما عليه أبوهما من الإسلام، وفائدة الحكم بالإسلام قتل من امتنع منهما من الإسلام بعد زوال الصغر والجنون، ومن حكم بإسلامه لا يحتاج إلى النطق بالشهادتين سواء حكم بإسلامه لإسلام أبيه ولو مميزا أو لإسلام سابيه بإسلام أبيه فقط على المشهور لا أمه، والمراد الأب دنية فلا يحكم بإسلامه لإسلام جده خلافا للشارح في الصغير.
كإن ميز يعني أن الولد الصغير المميز يحكم بإسلامه لأجل إسلام أبيه، قال الشبراخيتي: كإن ميز أي ولم يراهق وهو تشبيه لإفادة الحكم وهو أنه يحكم بإسلامه لإسلام أبيه، قال في الشرح: والمراد بالمميز هنا من يعقل الإسلام دينا يتدين به لا المذكور في مبحث الطلاق. انتهى. وقال عبد الباقي: كإن ميز من أسلم أبوه فيحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه أي عقل الإسلام دينا يتدين به كذا ينبغي تفسيره به لا المذكور في مبحث الطلاق. قاله ابن مرزوق. أي الذي ميز الثواب من العقاب والقربة من المعصية، وفائدة الحكم بإسلام من ذكر الحكم بردته بعد البلوغ إن امتنع. انتهى. وهذا الذي نفاه هو الذي مر عن الخرشي في حل قوله: "وحكم بإسلام من لم يميز" لخ، وقال المواق عند قوله: "وحكم بإسلام من لم يميز" ما نصه: هذه عبارة الأشياخ يقولون: الولد تابع لأبيه في الدين ولأمه في الحرية والرق. ومن المدونة: الولد الصغير تابع لأبيه في الدين وإسلام الأب إسلام لصغير ولده مطلقا، وقال ابن الحاجب: يحكم بإسلام المميز على الأصح تبعا لإسلام الأب كغير المميز وكالمجنون. قوله: "الأصح".
قال ابن عرفة: عزا ابن هارون القولين لابن القاسم، وعزا الصقلي الأصح لابن وهب ولم يعزهما اللخمي. انتهى.
إلا المراهق الاستثناء راجع لما بعد الكاف؛ يعني أن الولد المميز الذي راهق البلوغ أي قاربه لا يحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه، وإذا لم يحكم بإسلامه لأجل إسلام أبيه فإنه لا يجبر على الإسلام بعد البلوغ بالقتل، فلا يحكم له بحكم المرتد بل بالضرب فقط.
стр. 8818
والمتروك لها أي للمراهقة يعني أن الولد الذي أسلم أبوه وهو صغير ميز أم لا وغفلنا عنه فلم نحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه حتى راهق، فإنه لا يحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه وإذا لم يحكم بإسلامه تبعا لإسلام أبيه فإنه لا يجبر على الإسلام بعد البلوغ بالقتل إن امتنع منه بل بالضرب فقط.
وعلم مما قررت أن قوله: فلا يجبر أي كل من المراهق والمتروك لها بقتل إن امتنع من الإسلام، راجع "للمراهق والمتروك لها". وقال عبد الباقي: إلا المميز المراهق حين إسلام أبيه وإلا المميز أو غيره المتروك لها أي للمراهقة أي غفل عنه فلم يحكم بإسلامه لإسلام أبيه حتى راهق أي قارب البلوغ، كابن ثلاث عشرة سنة فلا يحكم حينئذ بإسلامه لإسلام أبيه كالمراهق حين إسلام أبيه، وإذا لم يحكم بإسلام كل لإسلام أبيه فلا يجبر كل بقتل إن امتنع من الإسلام بل بالضرب فقط، فهو جواب شرط مقدر. انتهى.
وعلم مما مر أن الصغير غير المراهق يحكم بإسلامه لأحد أمرين: إسلام أبيه أو إسلامه هو مستقلا كما مر عن ابن الحاجب، وفي المدونة خلافه ففيها: ومن أسلم وله ولد من أبناء ثلاثة عشر عاما وشبه ذلك ثم مات الأب وقف ماله إلى بلوغ الولد، فإن أسلم ورث وإلا لم يرث وكان المال للمسلمين، ولو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل أخذ ذلك حتى يحتلم لأن ذلك ليس بإسلام، ألا ترى أنه لو أسلم ثم رجع إلى النصرانية أكره على الإسلام ولم يقتل ولو قال الولد لم أسلم إذا بلغت لم انظر إلى ذلك ولا بد من إيقاف المال إلى احتلامه. نقله التتائي. وقال عبد الباقي: وقولُ أحمد إن قوله: "فلا يجبر" جواب شرط مقدر أي إذا أسلم كل من المراهق والمتروك لها أي غير تبع لإسلام أبيه فلا يجبر بقتل إن امتنع ونحو هذا في المدونة. انتهى. مَبْنِيٌّ على أن إسلام المميز غير معتبر وهو ضعيف والراجح اعتباره، ولكن حيث عزا هذا أحمد للمدونة فلا غرابة في بناء مشهور على ضعيف ويخصُّ الراجح بإسلام ابن كافر باق على كفره. انتهى.
قوله: والراجح اعتباره لكن حيث عزا هذا أحمد للمدونة فلا غرابة لخ فيه نظر؛ لأن المدونة أخذ منها القولان فالأصح الراجح المشهور هو أحد قولين في المدونة لا أنه خلاف مذهبها. قال في التوضيح عند قول ابن الحاجب: ويحكم بإسلام المميز على الأصح. انتهى. ما نصه: والأصح ذكر
стр. 8819
ابن شأس في اللقيط أنه ظاهر المذهب، وذكر في البيان في باب الجنائز أنه مشهور قول ابن القاسم لأن المعرفة باللَّه تعالى تصح من المميز، ومقابل الأصح لابن القاسم أيضا وسحنون أنه لا يحكم له بحكم الإسلام وإن عقله وأجاب إليه ما لم يبلغ، ثم نقل عن المدونة عن مالك ما نصه: ومن أسلم وله ولد مراهق من أبناء ثلاثة عشر عاما وشبه ذلك ثم مات الأب وقف ماله إلى بلوغ الولد، فإن أسلم ورث وإلا لم يرث وكان المال للمسلمين، ولو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل أخذ ذلك حتى يحتلم لأن ذلك ليس بإسلام، ألا ترى أنه لو أسلم ثم رجع إلى النصرانية أكره على الإسلام ولم يقتل؟ انتهى. وقال بعده خليل: انظر قوله في المدونة: لو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل لخ خلاف ما صححه المصنف من الحكم بإسلام المميز، لكن قد أخذ غير واحد القولين من المدونة، وعلى الحكم بإسلامه له الميراث لأنه لو رجع إلى النصرانية أجبر بالضرب حتى يسلم أو يموت. انتهى.
وقَولُ الزرقاني: ويختص الراجح بإسلام ابن كافر باق على كفره يَحْتَمِلُ -وهو المتبادر منه- أنه أراد أنه إذا أسلم أبوه فأسلم فالراجح أنه لا يقتل بإسلامه؛ لأن الراجح مخصوص بابن كافر باق على كفره، وعلى هذا فهمه التاودي فاعترضه بقوله: إذا اعتبر إسلام ابن باق أبوه على كفره كيف لا يعتبر إسلام ابن مع أبيه؟ انتهى. ويحتمل أنه أراد أن محل الخلاف والترجيح هو ما ذكره، وأما إسلام ابن أسلم أبوه فليس من محل الترجيح بل هو معتبر قطعا وهو غير صحيح أيضا، ونص المدونة السابق يرده، ففي كلامه نظر على كل من الاحتمالين وإن سكت عنه البناني. واللَّه أعلم. انتهى. قاله الرهوني.
وَوُقِفَ إرثه يعني أنه إذا مات موروث المراهق والمتروك لها الذين أسلم أبوهما فإنه يوقف حظهما من الميراث لبلوغهما، فإن أسلما بعد البلوغ أخذاه وإلا فلا يرثاه وكان ماله للمسلمين إن لم يكن له وارث غيرهما. قال عبد الباقي: وإن مات موروث المراهق والمتروك لها اللذين أسلم أبوهما وقف إرثه أى من ذكره لبلوغه، ولو قال: الآن لا أسلم إذا بلغت بل يوقف، فإن أسلم بعد البلوغ أخذه وإلا لم يرثه وكان المال للمسلمين، فإن أسلم قبل بلوغه لم يدفع إليه لأنه لو رجع عنه قبل بلوغه لم يقتل بل يجبر على الإسلام من غير قتل كما في المدونة. انتهى. وقال الشبراخيتي:
стр. 8820
الضمير في إرثه راجع لمن أسلم أبوه وهو مراهق أو أسلم أبوه وهو غير مراهق وغفل عنه حتى راهق؛ أى أنه يوقف إرث من ذكر حتى يسلم بعد بلوغه ولو أسلم قبل بلوغه لم يدفع إليه؛ لأن إسلامه لو رجع عنه لم يجبر عليه بالقتل. انتهى. وقوله: "ووقف إرثه" قال التتائي: قال الشارح: ولما كان المرتب على إيقاف المال واضحا لم يحتج إلى بيانه. انتهى.
وبإسلام سابيه إن لم يكن معه أبوه يعني أنه يحكم بإسلام الصغير المسبي لأجل إسلام سابيه حيث لم يكن مع هذا الصغير أبوه، وأما إن سبي هو وأبوه فإنه لا يحكم بإسلامه لإسلام سابيه هذا تقرير المصنف بحسب ظاهره. وقال عبد الباقي: وحكم بإسلام مجوسي صغير غير مميز بإسلام سابيه إن لم يكن معه أبوه فإن كان معه في السبي في ملك واحد لم يحكم بإسلامه تبعا لإسلام سابيه، بل لإسلام أبيه لجبره على الإسلام، فعلم من هذا التقرير أن ما هنا في مجوسي صغير غير مميز، ومَا قَدَّمَهُ في باب الجنائز من قوله: "في عدم تغسيله والصلاة عليه" مما يفيد عدم الحكم بإسلامه لإسلام سابيه. "ولا محكوما بكفره وإن صغيرا ارتد ونوى به سابيه الإسلام" في الصَّغير الكتابي فلا معارضة. وعلم منه أيضا أن صغار المجوس يجبرون اتفاقا وكبارهم على الراجح: وأما كبار الكتابيين فلا يجبرون اتفاقا وكذا صغارهم على الراجح. انتهى. قوله: في الصغير الكتابي، قال البناني في باب الجنائز: تخصيصه ما هنا بالكتابي فيه نظر؛ لأن رواية ابن القاسم في المدونة عدم الجبر ظاهرها الإطلاق في الصغير الكتابي والمجوسي، وعلى ظاهرها حملها أبو الحسن ونصه: ظاهره كان كتابيا أو مجوسيا. عياض: قال أبو عمران: لما لم يفصل دل على أن الكتابي والمجوسي سواء، لكن ما ذكره الزرقاني هنا على كلام المصنف هو أقرب ما جمعوا به بين باب الردة وبين ما هنا. انتهى المراد منه.
والمتنصر من كأسير على الطوع يعني أن الأسير من المسلمين ونحوه كالداخل بلد العدو لتجارة أو لغيرها إذا تنصر -مثلا- فإن كفره يحمل على الطوع أي يحمل على أنه كفر طائعا أعاذنا اللَّه من البلاء، فَتَبينُ زوجته ولا يرث من مات من قربائه المسلمين، فإن ثبت أنه تنصر عن إكراه عمل على ذلك فلا تطلق زوجته ويرث من مات من قربائه الذين يرثهم، ولهذا قال: إن لم يثبت إكراهه فَالحَاصِلُ أنه إذا جهل حاله يحمل على أنه تنصر طائعا، فالصور ثلاث: إن علم أنه كفر
стр. 8821
طائعا فالأمر ظاهر، وإن علم أنه كفر مكرها فالأمر ظاهر؛ أيضا فإن جهل حاله حمل على الطوع. قال عبد الباقي: والمتنصِّرُ من كأسير وداخل بلد حرب لتجارة أو غيرها يحمل على الطوع عند جهل حاله، فله حكم المرتد إن لم يثبت إكراهه، فإن ثبت إكراهه عمل به ولو بعد الحكم بالطوع. وقول المصنف: "إن لم يثبت إكراهه" مسْتَغْنًى عنه بقوله: "على الطوع" لأن الحمل على الطوع إنما يكون عند انتفاء ثبوت الطوع والإكراه، ولذا لم يذكره في باب الفقد حيث قال: "وإن تنصر أسير فعلى الطوع" ولم يزد على ذلك. وقوله: "إن لم يثبت إكراهه" أي فإن ثبت إكراهه عمل على ذلك بأن شهدت البينة أنه أكره على الكفر، أو اشتهر عن أهل جهة من الكفار أنهم يكرهون الأسير على الدخول في دينهم أو يكثرون من الإساءة إليه، فإذا تنصر خففوا عنه. انظر الشبراخيتي. وقال المواق من المدونة: والأسير يعلم تنصره فلا يدرى أطوعا أم كرها؟ فلْتَعْتَد زوجته ويوقف ماله وحكم فيه بحكم المرتد، وإن ثبت إكراهه ببينة كان بحال المسلم في نسائه وماله. انتهى. وقوله: "على الطوع" هو المشهور ومذهب المدونة، وقيل: يحمل على الإكراه لأنه الغالب في حال المسلم، وقال التتائي: قال ابن عبد السلام: وهذا يعني حمله على الطوع صحيح إلا أن يشتهر عن جهة من جهات الكفار أنهم يكرهون الأسير على الدخول في دينهم أو يكثرون من الإساءة إليه فإذا تنصر خففوا عنه، فينبغي عندي أن يتوقف عن إجراء حكم المرتد عليه في ماله وزوجته حتى يثبت ذلك. انتهى.
وإن سب نبيا يعني أن من سب نبيا من الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أي شتمه يقتل، ولا تقبل توبته لأنه حق آدمي فقتله حَدٌّ، ولذا لا يستتاب ولا تقبل توبته بالنسبة لترك القتل، وهذا -أي كونه يقتل حدا- هو المشهور. قال المواق: قال عياض: من أضاف إلى النبي ﷺ الكذب فيما بلغه أو أخبر به أو سبه أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم فهو كافر بإجماع. انتهى. وقوله: "نبيا" أي مجمعا على نبوءته، وقال القلشاني في شرح الرسالة عند قول الشيخ أبي محمد: ومن سب رسول اللَّه ﷺ قتل ولا تقبل توبته. انتهى: تَعْظِيمُ سَيِّدِ الأولِينَ والآخِرِينَ وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، الشَّفِيعِ المُشَفَّعِ فِي الْعُصَاةِ وَالمُذْنِبينَ، وَرَسُولِ رَبِّ العَالَمِينَ وَخَاتِمِ النَّبيئِينَ: مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَتَوقِيرُه
стр. 8822
والاِنْقِيَادُ لشَرْعِهِ الكَريم واتِّبَاعُ صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ نَجَاةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وضِدُّ ذلك -والعياذ باللَّه تعالى- حسرةٌ وندامةٌ وذلة وصغار في الدنيا ويوم القيامة، وضرر ذلك إنما هو على العاصي -حفظنا اللَّه من موجبات سخطه- فمن وقع -والعياذ باللَّه تعالى- في المهواة التي لا انجبار لها بسَبِّ من شرفه اللَّه واصطفاه، قتل من غير استتابة إن كان مسلما، وإنما لم تقبل توبته لأنا لا نصل إلى العلم بذلك لأن لسانه لم ينطق بذلك إلا وهو معتقد له؛ إذ لا يتساهل في هذا أحد، فلهذا قال: ولا تقبل توبته كالزنديق، وقد انعقد الإجماع على أن سابَّ النبي ﷺ المنقص له كافر، قالوا: ومن شك في كفره وعذابه كفر، قال بعض الأئمة: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في قتله إذا كان مسلما، وسواء سبه أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرَّض به أو أزرى عليه أو صغر شأنه أو دعا عليه أو نسب إليه على طريق الذم أو عَيَّرَه بشيء مما جرى عليه في ذات اللَّه تعالى، وهذا كله الإجماع فيه من العلماء. انتهى.
وفي ابن سلمون: الاستخفاف بالرسل من الأمور المتفق على التكفير بها نقله عن ابن رشد. وقال عياض: قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل، وممن قال ذلك مالك ابن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. قال القاضي أبو الفضل: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق ﵁: ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم، ولكنهم قالوا: هي ردة وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك، وحكى الطبري عن أبي حنيفة وأصحابه مثله فيمن تنقصه ﷺ أو برئ منه أو كذبه. وقال سحنون فيمن سبه: ذلك ردة، وعلى هذا وقع الخلاف في استتابته وتكفيره، وهل قتله حد أو كفر؟ ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المتنقص له كافر وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه فقد كفر. انتهى.
стр. 8823
ثم قال عياض: اعلم أن مشهور مذهب مالك ﵀ وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء قتله حدا لا كفرا إن أظهر التوبة منه، ولهذا لا تقبل عندهم توبته ولا تنفعه استقالته ولا فيئته، وسواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه والشهادة عليه أو جاء تائبا من قبل نفسه؛ لأنه حد وجب عليه ولا تسقطه التوبة. قال الشيخ أبو الحسن القابسي ﵀: إذا أقر بالسب وتاب منه وأظهر التوبة قتل بالسيف إذ هو حده، وقال أبو محمد بن أبي زيد مثله، وأما فيما بينه وبين اللَّه فتوبته تنفعه. انتهى. وقال عياض أيضا: من لم يره ردة فهو يوجب القتل فيه حدا، وإنما يقول ذلك مع إنكار ما شهد به عليه أو إظهاره الإقلاع والتوبة عنه، فيقتل حدا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي ﷺ وتحقيره ما عظم اللَّه من حقه، وأجرينا حكمه في ميراثه وغير ذلك حكم الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: وإن سب -أي شتم لأن السب لغة الشتم، والشتم كل قول قبيح- نبيا أجمع على نبوءته الثابتة بقرآن أو ما في معناه لخ، وقال عبد الباقي: نبيا مجمعا على نبوءته بدليل ذكره فيما يأتي من لم يجمع على نبوءته. انتهى. وقوله: "وإن سب" أي مكلف.
أو ملكا يعني أن المكلف إذا سب ملكا بفتح اللام مجمعا على ملكيته فإنه يقتل ولا تقبل توبته بالنسبة للقتل، فإن تاب أو أنكر ما شهد به عليه قتل حدا وإلا قتل للردة. قال عبد الباقي: وإن سب مكلف نبيا أو ملكا مجمعا على نبوءته أو ملكيته بقرآن ونحوه بدليل ذكره بعد ذلك سب من لم يجمع على نبوءته أو ملكيته. انتهى. وقال في التبصرة: ومن سب ملكا من الملائكة ﵈ قتل. قاله سحنون. وسعيد بن سليمان قاضي قرطبة ومن قال: إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما النبيُّ عليٌّ استتيب، فإن تاب وإلا قتل.
أو عرض يعني أن المكلف إذا عرض بالنبي ﷺ في السب أو بغيره من الأنبياء أو بملك بأن لم يصرح بسب من ذكر لكنه لوح به فإنه يقتل ولا تقبل توبته بالنسبة للقتل وتنفعه فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وقد مر أن هذا من الأمور المجتمع على أنها موجبة لقتل صاحبها، وقد مر عن ابن رشد الاتفاق على تكفير المستخف بالنبي. وقوله: "عَرَّضَ" كقوله: رداء النبي ﷺ وَسِخٌ يريد بذلك عينه. ذكره عياض. وقال التتائي: أو عرض بذلك بأن يقول
стр. 8824
قولا في شخص وهو يريد خلافه إيجابا أو سلبا، كقوله في القذف: أما أنا فإني معروف أو لست بزان، أو لَوَّحَ وهو الإشارة البعيدة في الكلام ككثير الرماد المنتقل منه لكثرة الطبخ ثم لكثرة الضيوف ومنه للكرم، وكذا الرمز وهو الإشارة إلى الشيء بخفاء كعريض القفا إشارة للبلادة. انتهى.
وقال المواق: قال عياض: من أضاف إلى النبي ﷺ الكذب فيما بلَّغه أو أخبر به أو سبه إلى آخر ما قدمته قريبا، ثم قال: وحكم من سب سائر أنبياء اللَّه وملائكته أو استخَفَّ بهم أو أكذبهم أو أنكرهم حكم نبينا ﷺ على مساق ما قدَّمناه، وقال القابسي في الذي قال لآخر كأنه وجه مالك الغضبان: إن عرف أنه قصد ذم الملك قتل. عياض: وهذا كله فيمن حققت كونه من الملائكة والنبيئين، كجبريل ومالك والزبانية ورضوان ومنكر ونكير، فأما من لم يثبت الإخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء، كهاروت وماروت من الملائكة ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان الذي قيل إنه بنى أهل الرَّسِّ، وزرادست الذي ادعت المجوس نبوءته فليس الحكم فيهم ما ذكرنا؛ إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة لكن يؤدب من تنقصهم، وأما إنكار كونهم من الملائكة والنبيئين، فإن كان المتكلم من أهل العلم فلا حرج وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا. انتهى.
أو لعنه يعني أن من لعن من المكلفين نبيا مجمعا على نبوءته أو ملكا مجمعا على ملكيته يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو لعنه" سواء كان بصيغة الفعل أو غيرها كملعون أو لعين ونحوه كالدعاء عليه أو تمنى مضرته، واللعن لغة: البعد والطرد. قال في القاموس: لعنه كجعله طرده وأبعده فهو لعين وملعون جمعه ملاعين، والُّلعْنَة بالضم من تلعنه الناس وكهُمَزَة الكثير اللعن لهم، جمعه لُعَن كَصُرد وامرأة لعين، فإذا لم تذكر الموصوفة فبالهاء، واللعين من يلعنه كل أحد والشيطان والممسوخ والمشتوم. انتهى المراد منه.
أو عابه يعني أن من عاب من المكلفين نبيا مجمعا على نبوءته أو ملكا مجمعا على ملكيته يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو عابه" أي نسبه للعيب وهو خلاف المستحسن. قاله غير واحد. وقد مر أن السب هو الشتم، والشتم كل قول قبيح فأحدهما
стр. 8825
يغني عن الآخر، وإذا كان السب يطلق على كل قول قبيح أغنى عن اللعن لكن تَبيينُ تفاريع الصيغ هنا حسنٌ، وإن كان في ذكر بعضها ما يغني عن ذكر بعض، ولهذا قال البناني عند قوله: "وإن سب نبيا أو ملكا" ما نصه: اعلم أن ما ذكر المصنف من هنا إلى آخر الباب زيادة على ابن الحاجب لخصه من الشفا، ولو اختصره جملة لكان يكفيه أن يقول وإن تنقص معصوما وإن بتعريض أو باستخفافه بحقه قتل. واللَّه أعلم. انتهى. وقوله: "أو عابه" أي نسبه للعيب وهو خلاف المستحسن كما عرفت أي خلاف المستحسن في خَلق أو خلق أو دين.
أو قذفه يعني أن من قذف من المكلفين نبيا من الأنبياء المجمع على نبوءتهم يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى قذفه نسبه للزنى أو نفاه عن أبيه. أو استخَفَّ بحقه يعني أن من استخف بحق نبي من الأنبياء أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو استخفَّ بحقه"، قال الشبراخيتي: كأن يعتقد أنه لا تجب نصرته وتوقيره أو سمع من ينقصه ولم يغير مع القدرة عليه. البساطي: كما لو ظلم شخصا فقيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه أو إن لم يكن إلا نهيه فأنا طيب، أو نهيه أمر سهل أو نحو ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: أو استخفَّ بحقه بأن قال لمن قال له النبي نهى عن الظلم لا أبالي بنهيه ونحوه. انتهى. وقال التتائي: أو استخفَّ بحقه فأتى بما لم يقتض تعظيمه تصريحا أو تلويحا. البساطي: كما لو ظلم شخصا فقيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه إلى آخر ما مر. وقوله: "أو استخفَّ بحقه"، وكذا من يستهزئ به وكذا من عبث في جهته العزيزة بسَخَفٍ من القول أو عيَّره بشيء مما جرى عليه من البلاء والْمِحْنَة أو غمصه ببعض عوارض البشر الجائزة عليه، وقد أفتى الأندلسيون بقتل ابن حاتم وصلبه لما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه باليتيم وختن حيدرة لأن حقه ﵊ أن يضاف إليه ولا يضاف.
أو غير صفته يعني أن من غير صفة نبي يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو غير صفته" قال الشبراخيتي: كأسود أو قصير القامة ونحو ذلك. انتهى. وقال