طائعا فالأمر ظاهر، وإن علم أنه كفر مكرها فالأمر ظاهر؛ أيضا فإن جهل حاله حمل على الطوع. قال عبد الباقي: والمتنصِّرُ من كأسير وداخل بلد حرب لتجارة أو غيرها يحمل على الطوع عند جهل حاله، فله حكم المرتد إن لم يثبت إكراهه، فإن ثبت إكراهه عمل به ولو بعد الحكم بالطوع. وقول المصنف: "إن لم يثبت إكراهه" مسْتَغْنًى عنه بقوله: "على الطوع" لأن الحمل على الطوع إنما يكون عند انتفاء ثبوت الطوع والإكراه، ولذا لم يذكره في باب الفقد حيث قال: "وإن تنصر أسير فعلى الطوع" ولم يزد على ذلك. وقوله: "إن لم يثبت إكراهه" أي فإن ثبت إكراهه عمل على ذلك بأن شهدت البينة أنه أكره على الكفر، أو اشتهر عن أهل جهة من الكفار أنهم يكرهون الأسير على الدخول في دينهم أو يكثرون من الإساءة إليه، فإذا تنصر خففوا عنه. انظر الشبراخيتي. وقال المواق من المدونة: والأسير يعلم تنصره فلا يدرى أطوعا أم كرها؟ فلْتَعْتَد زوجته ويوقف ماله وحكم فيه بحكم المرتد، وإن ثبت إكراهه ببينة كان بحال المسلم في نسائه وماله. انتهى. وقوله: "على الطوع" هو المشهور ومذهب المدونة، وقيل: يحمل على الإكراه لأنه الغالب في حال المسلم، وقال التتائي: قال ابن عبد السلام: وهذا يعني حمله على الطوع صحيح إلا أن يشتهر عن جهة من جهات الكفار أنهم يكرهون الأسير على الدخول في دينهم أو يكثرون من الإساءة إليه فإذا تنصر خففوا عنه، فينبغي عندي أن يتوقف عن إجراء حكم المرتد عليه في ماله وزوجته حتى يثبت ذلك. انتهى.
وإن سب نبيا يعني أن من سب نبيا من الأنبياء صلوات اللَّه عليهم أي شتمه يقتل، ولا تقبل توبته لأنه حق آدمي فقتله حَدٌّ، ولذا لا يستتاب ولا تقبل توبته بالنسبة لترك القتل، وهذا -أي كونه يقتل حدا- هو المشهور. قال المواق: قال عياض: من أضاف إلى النبي ﷺ الكذب فيما بلغه أو أخبر به أو سبه أو استخف به أو بأحد من الأنبياء أو أزرى عليهم أو آذاهم فهو كافر بإجماع. انتهى. وقوله: "نبيا" أي مجمعا على نبوءته، وقال القلشاني في شرح الرسالة عند قول الشيخ أبي محمد: ومن سب رسول اللَّه ﷺ قتل ولا تقبل توبته. انتهى: تَعْظِيمُ سَيِّدِ الأولِينَ والآخِرِينَ وَقَائِدِ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ، الشَّفِيعِ المُشَفَّعِ فِي الْعُصَاةِ وَالمُذْنِبينَ، وَرَسُولِ رَبِّ العَالَمِينَ وَخَاتِمِ النَّبيئِينَ: مُحَمَّدٍ ﷺ ، وَشَرَّفَ وَكَرَّمَ، وَتَوقِيرُه
стр. 8822
والاِنْقِيَادُ لشَرْعِهِ الكَريم واتِّبَاعُ صِرَاطِهِ المُسْتَقِيمِ نَجَاةٌ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وضِدُّ ذلك -والعياذ باللَّه تعالى- حسرةٌ وندامةٌ وذلة وصغار في الدنيا ويوم القيامة، وضرر ذلك إنما هو على العاصي -حفظنا اللَّه من موجبات سخطه- فمن وقع -والعياذ باللَّه تعالى- في المهواة التي لا انجبار لها بسَبِّ من شرفه اللَّه واصطفاه، قتل من غير استتابة إن كان مسلما، وإنما لم تقبل توبته لأنا لا نصل إلى العلم بذلك لأن لسانه لم ينطق بذلك إلا وهو معتقد له؛ إذ لا يتساهل في هذا أحد، فلهذا قال: ولا تقبل توبته كالزنديق، وقد انعقد الإجماع على أن سابَّ النبي ﷺ المنقص له كافر، قالوا: ومن شك في كفره وعذابه كفر، قال بعض الأئمة: لا أعلم أحدا من المسلمين اختلف في قتله إذا كان مسلما، وسواء سبه أو عابه أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله أو عرَّض به أو أزرى عليه أو صغر شأنه أو دعا عليه أو نسب إليه على طريق الذم أو عَيَّرَه بشيء مما جرى عليه في ذات اللَّه تعالى، وهذا كله الإجماع فيه من العلماء. انتهى.
وفي ابن سلمون: الاستخفاف بالرسل من الأمور المتفق على التكفير بها نقله عن ابن رشد. وقال عياض: قال أبو بكر بن المنذر: أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي ﷺ يقتل، وممن قال ذلك مالك ابن أنس والليث وأحمد وإسحاق وهو مذهب الشافعي. قال القاضي أبو الفضل: وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق ﵁: ولا تقبل توبته عند هؤلاء، وبمثله قال أبو حنيفة وأصحابه والثوري وأهل الكوفة والأوزاعي في المسلم، ولكنهم قالوا: هي ردة وروى مثله الوليد بن مسلم عن مالك، وحكى الطبري عن أبي حنيفة وأصحابه مثله فيمن تنقصه ﷺ أو برئ منه أو كذبه. وقال سحنون فيمن سبه: ذلك ردة، وعلى هذا وقع الخلاف في استتابته وتكفيره، وهل قتله حد أو كفر؟ ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المتنقص له كافر وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه فقد كفر. انتهى.
стр. 8823
ثم قال عياض: اعلم أن مشهور مذهب مالك ﵀ وأصحابه وقول السلف وجمهور العلماء قتله حدا لا كفرا إن أظهر التوبة منه، ولهذا لا تقبل عندهم توبته ولا تنفعه استقالته ولا فيئته، وسواء كانت توبته على هذا بعد القدرة عليه والشهادة عليه أو جاء تائبا من قبل نفسه؛ لأنه حد وجب عليه ولا تسقطه التوبة. قال الشيخ أبو الحسن القابسي ﵀: إذا أقر بالسب وتاب منه وأظهر التوبة قتل بالسيف إذ هو حده، وقال أبو محمد بن أبي زيد مثله، وأما فيما بينه وبين اللَّه فتوبته تنفعه. انتهى. وقال عياض أيضا: من لم يره ردة فهو يوجب القتل فيه حدا، وإنما يقول ذلك مع إنكار ما شهد به عليه أو إظهاره الإقلاع والتوبة عنه، فيقتل حدا لثبات كلمة الكفر عليه في حق النبي ﷺ وتحقيره ما عظم اللَّه من حقه، وأجرينا حكمه في ميراثه وغير ذلك حكم الزنديق إذا ظهر عليه وأنكر أو تاب. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: وإن سب -أي شتم لأن السب لغة الشتم، والشتم كل قول قبيح- نبيا أجمع على نبوءته الثابتة بقرآن أو ما في معناه لخ، وقال عبد الباقي: نبيا مجمعا على نبوءته بدليل ذكره فيما يأتي من لم يجمع على نبوءته. انتهى. وقوله: "وإن سب" أي مكلف.
أو ملكا يعني أن المكلف إذا سب ملكا بفتح اللام مجمعا على ملكيته فإنه يقتل ولا تقبل توبته بالنسبة للقتل، فإن تاب أو أنكر ما شهد به عليه قتل حدا وإلا قتل للردة. قال عبد الباقي: وإن سب مكلف نبيا أو ملكا مجمعا على نبوءته أو ملكيته بقرآن ونحوه بدليل ذكره بعد ذلك سب من لم يجمع على نبوءته أو ملكيته. انتهى. وقال في التبصرة: ومن سب ملكا من الملائكة ﵈ قتل. قاله سحنون. وسعيد بن سليمان قاضي قرطبة ومن قال: إن جبريل أخطأ بالوحي وإنما النبيُّ عليٌّ استتيب، فإن تاب وإلا قتل.
أو عرض يعني أن المكلف إذا عرض بالنبي ﷺ في السب أو بغيره من الأنبياء أو بملك بأن لم يصرح بسب من ذكر لكنه لوح به فإنه يقتل ولا تقبل توبته بالنسبة للقتل وتنفعه فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وقد مر أن هذا من الأمور المجتمع على أنها موجبة لقتل صاحبها، وقد مر عن ابن رشد الاتفاق على تكفير المستخف بالنبي. وقوله: "عَرَّضَ" كقوله: رداء النبي ﷺ وَسِخٌ يريد بذلك عينه. ذكره عياض. وقال التتائي: أو عرض بذلك بأن يقول
стр. 8824
قولا في شخص وهو يريد خلافه إيجابا أو سلبا، كقوله في القذف: أما أنا فإني معروف أو لست بزان، أو لَوَّحَ وهو الإشارة البعيدة في الكلام ككثير الرماد المنتقل منه لكثرة الطبخ ثم لكثرة الضيوف ومنه للكرم، وكذا الرمز وهو الإشارة إلى الشيء بخفاء كعريض القفا إشارة للبلادة. انتهى.
وقال المواق: قال عياض: من أضاف إلى النبي ﷺ الكذب فيما بلَّغه أو أخبر به أو سبه إلى آخر ما قدمته قريبا، ثم قال: وحكم من سب سائر أنبياء اللَّه وملائكته أو استخَفَّ بهم أو أكذبهم أو أنكرهم حكم نبينا ﷺ على مساق ما قدَّمناه، وقال القابسي في الذي قال لآخر كأنه وجه مالك الغضبان: إن عرف أنه قصد ذم الملك قتل. عياض: وهذا كله فيمن حققت كونه من الملائكة والنبيئين، كجبريل ومالك والزبانية ورضوان ومنكر ونكير، فأما من لم يثبت الإخبار بتعيينه ولا وقع الإجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء، كهاروت وماروت من الملائكة ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان الذي قيل إنه بنى أهل الرَّسِّ، وزرادست الذي ادعت المجوس نبوءته فليس الحكم فيهم ما ذكرنا؛ إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة لكن يؤدب من تنقصهم، وأما إنكار كونهم من الملائكة والنبيئين، فإن كان المتكلم من أهل العلم فلا حرج وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا. انتهى.
أو لعنه يعني أن من لعن من المكلفين نبيا مجمعا على نبوءته أو ملكا مجمعا على ملكيته يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو لعنه" سواء كان بصيغة الفعل أو غيرها كملعون أو لعين ونحوه كالدعاء عليه أو تمنى مضرته، واللعن لغة: البعد والطرد. قال في القاموس: لعنه كجعله طرده وأبعده فهو لعين وملعون جمعه ملاعين، والُّلعْنَة بالضم من تلعنه الناس وكهُمَزَة الكثير اللعن لهم، جمعه لُعَن كَصُرد وامرأة لعين، فإذا لم تذكر الموصوفة فبالهاء، واللعين من يلعنه كل أحد والشيطان والممسوخ والمشتوم. انتهى المراد منه.
أو عابه يعني أن من عاب من المكلفين نبيا مجمعا على نبوءته أو ملكا مجمعا على ملكيته يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو عابه" أي نسبه للعيب وهو خلاف المستحسن. قاله غير واحد. وقد مر أن السب هو الشتم، والشتم كل قول قبيح فأحدهما
стр. 8825
يغني عن الآخر، وإذا كان السب يطلق على كل قول قبيح أغنى عن اللعن لكن تَبيينُ تفاريع الصيغ هنا حسنٌ، وإن كان في ذكر بعضها ما يغني عن ذكر بعض، ولهذا قال البناني عند قوله: "وإن سب نبيا أو ملكا" ما نصه: اعلم أن ما ذكر المصنف من هنا إلى آخر الباب زيادة على ابن الحاجب لخصه من الشفا، ولو اختصره جملة لكان يكفيه أن يقول وإن تنقص معصوما وإن بتعريض أو باستخفافه بحقه قتل. واللَّه أعلم. انتهى. وقوله: "أو عابه" أي نسبه للعيب وهو خلاف المستحسن كما عرفت أي خلاف المستحسن في خَلق أو خلق أو دين.
أو قذفه يعني أن من قذف من المكلفين نبيا من الأنبياء المجمع على نبوءتهم يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى قذفه نسبه للزنى أو نفاه عن أبيه. أو استخَفَّ بحقه يعني أن من استخف بحق نبي من الأنبياء أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو استخفَّ بحقه"، قال الشبراخيتي: كأن يعتقد أنه لا تجب نصرته وتوقيره أو سمع من ينقصه ولم يغير مع القدرة عليه. البساطي: كما لو ظلم شخصا فقيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه أو إن لم يكن إلا نهيه فأنا طيب، أو نهيه أمر سهل أو نحو ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: أو استخفَّ بحقه بأن قال لمن قال له النبي نهى عن الظلم لا أبالي بنهيه ونحوه. انتهى. وقال التتائي: أو استخفَّ بحقه فأتى بما لم يقتض تعظيمه تصريحا أو تلويحا. البساطي: كما لو ظلم شخصا فقيل له النبي نهى عن الظلم، فقال: لا أبالي بنهيه إلى آخر ما مر. وقوله: "أو استخفَّ بحقه"، وكذا من يستهزئ به وكذا من عبث في جهته العزيزة بسَخَفٍ من القول أو عيَّره بشيء مما جرى عليه من البلاء والْمِحْنَة أو غمصه ببعض عوارض البشر الجائزة عليه، وقد أفتى الأندلسيون بقتل ابن حاتم وصلبه لما شهد عليه به من استخفافه بحق النبي ﷺ وتسميته إياه باليتيم وختن حيدرة لأن حقه ﵊ أن يضاف إليه ولا يضاف.
أو غير صفته يعني أن من غير صفة نبي يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو غير صفته" قال الشبراخيتي: كأسود أو قصير القامة ونحو ذلك. انتهى. وقال
стр. 8826
عبد الباقي: أو غير صفته كأسود أو قصير والضمير لمن ذكر من نبي أو ملك، كقوله: جبريل ينزل على المصطفى ﵊ في صفة عبد أسود. انتهى.
تنبيه: وجدت في طرة ما نصه: وليس معنا صفات متواترة لأحد من الأنبياء إلا بعض صفات نبينا ﷺ . انتهى. وقوله: "أو غير صفته" ظاهره بنقص أو لا، وقد أفتى ابن أبي زيد فيمن شبهه ﷺ برجل قبيح الوجه واللحية أنه لا تقبل توبته. وقال حبيب بن الربيع: تبديل صفته ومواضعه كفر والمظهر له يستتاب والمسر زنديق، ولو قال: مات قبل أن يلتحي أو أنه لم يكن بتهامة قتل؛ لأن هذا نفي له. ذكر هذا عياض. انتهى.
أو ألحق به نقصا يعني أن من ألحق بنبي أو ملك نقصا يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى ألحق به نقصا ذكر ما يدل على نقص ونسب ذلك إليه في دينه، بل وإن في بدنه أو في خصلته أي شيمته التي طبع عليها، قال الخرشي: وكذلك من ألحق بنبيء أو ملك نقصا بأن ذكر ما يدل على نقصه في دينه بل في بدنه أو في خصلته أي شيمته وطبيعته التي طبع عليها. انتهى. وقال التتائي: وقوله: "أو ألحق به نقصا" مثله في الشفا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلة من خصاله، وقوله: "وإن في بدنه" كعرج أو عمى، وقوله: "أو خصلته" كشجاعته أو كرمه أو حلمه. وفي الشبراخيتي: "أو خصلته" كلم يكن كريما أو شجاعا وهذا من تغيير صفته. انتهى.
أو غض من مرتبته يعني أن من غض من مرتبة نبي أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، ومعنى غض من مرتبته وضع من قدره، كقوله هو غير عالي المرتبة. نسأل اللَّه السلامة. ولا يخفى حسن تعداد هذه الصيغ وإن ادعى مدع أنه يستغنى ببعضها عن بعض. أو وفور علمه يعني أن من غض من وفور أي كمال علم نبي أو ملك يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو وفور علمه" كقوله: ليس بوافر العلم أو لم يكن على غاية من العلم. نسأل اللَّه السلامة. أو زهده يعني أن من غض من وفور زهد نبي أو ملك يقتل حَدًّا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، وقوله: "أو زهده" كقوله لم يكن كامل الزهد أو لم يكن على غاية من الزهد، قال الشبراخيتي: "أو زهده " معطوف على "علمه"، وقد
стр. 8827
أفتى الأندلسيون في عَلِي بن حاتم بالقتل في نفيه الزهد عنه ﷺ . انتهى. ونحوه للتتائي، وقوله: "أو زهده" هو كقول ابن حاتم: إن زهده لم يكن قصدا ولو قدر على الطيبات لأكلها ولذا أفتوا بقتله وصلبه. انتهى.
أو أضاف له ما لا يجوز عليه يعني أن من أضاف إلى نبي أو ملك ما لا يجوز عليه، كسحر وكذب وخيانة وعدم تبليغ يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، قال الشبراخيتي: أو أضاف له أي لمن لا يجوز سبِّه من نبي أو ملك ما لا يجوز عليه من سحر وكذب وخيانة وكتمان شيء مما أمر بتبليغه. انتهى. وقال التتائي: أو أضاف له ما لا يجوز عليه من سحر ونحوه، قال حبيب بن الربيع القروي: مذهب مالك وأصحابه من قال فيه ما فيه نقص يقتل من غير استتابة. انتهى. وفي التتائي أن من أمثلة ذلك ميله لبعض نسائه. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أضاف له ما لا يجوز عليه كعدم التبليغ. انتهى.
أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه يعني أن من نسب إلى نبي أو ملك ما لا يليق بمنصبه الشريف كمداهنة في تبليغ الرسالة أو في حكم بين الناس يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، قال عبد الباقي: كما إذا نفى عنه الزهد، أو قال ليس بمكي أو حجازي لأن وصفه بغير صفته المعلومة نفي له وتكذيب به، ولا يغني بعض هذه الأمور عن بعض لأن قصد المصنف تعداد الألفاظ التي يكفر بكل منها كما تقدم له نظائره في الإقرار والطلاق. انتهى. وقد مر عن حبيب بن الربيع أن تبديل صفته ومواضعه كفر والمظهر له يستتاب والمسر له زنديق. وقال الخرشي: كما إذا نفى عنه الزهد أو قال ليس بمكي أو ليس بحجازي لأن وصفه بغير صفته المعلومة نفي له وتكذيب به، وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الدين والفتوى من لدن الصحابة إلى هَلُمَّ. انتهى.
على طريق الذم راجع للمسائل الثلاث أوَّلُهَا قوله: "أو غض من مرتبته" لخ. ثانيها قوله: "أو أضاف له ما لا يجوز عليه". ثالثها قوله: "أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه" وهو مخالف لقوله بعد: "وإن ظهر أنه لم يرد ذمه" لخ، وفي التتائي عند قوله: "وإن في بدنه" ما نصه: عمدا أو
стр. 8828
سهوا أو نسيانا أو جهلا. انتهى. وقال التتائي: البساطي: هذا قيد في هذه الأحوال وهي من مهيع واحد. انتهى.
أو قيل له بحق رسول اللَّه فلعن وقال أردت العقرب يعني أنه إذا قيل لشخص بحق رسول اللَّه، فلعن وقال أردت برسول اللَّه العقرب لأنها مرسلة لمن تلدغه فإنه يقتل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا، قوله: "أو قيل له بحق رسول اللَّه ﷺ فلعن"، قال في الشفا عن أحمد بن أبي سليمان فيمن قيل له بحق رسول اللَّه، فقال: فعل اللَّه برسول اللَّه كذا وذكر كلاما قبيحا، فقيل له: ما تقول يا عدوَّ اللَّه؟ فقال أشد من الأول، وقال لما أنكر عليه ذلك أردت برسول اللَّه العقرب لأن العقرب مرسلة إلى من تلدغه اشهد عليه وأنا شريكك في قتله وثواب ذلك. انتهى.
وعلم مما قررت أن قوله: قتل جواب الشرط فهو راجع للمسائل الاثنتى عشرة مسألة، أعني قوله: "وإن سب" إلى آخر المسائل. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "قتل" أي المسلم المكلف، ولم يستتب يعني أنه يقتل ولا تطلب منه توبة بل ولا تقبل منه من غير طلب، وظاهره ولو جاء تائبا قبل الاطلاع عليه لازدرائه فهو حق آدمي مبني على المشاحة، بخلاف الزنديق كما قدمه. قاله عبد الباقي. ولذا قال: حدا يعني أنه يقتل في هذه المسائل حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا. وقوله: "حدا" رد به القول بأنه يقتل لردته، وعليه فإن تاب لم يقتل بل ينكل، قال الإمام الحطاب: صرح في الشفا بأن من سب النبي ﷺ إذا قلنا إن ذلك ردة فإنه يستتاب، فإن تاب نكل. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله "حدا" ما نصه: مقيد بما إذا تاب أو أنكر ما شهد به عليه ويموت مسلما ويغسل ويصلي عليه غيرُ أهل الفضل والصلاح ويدفن في مقابر المسلمين وماله لورثته، وأما لو أقر بالسب ولم يتب فإنه يقتل كفرا ولا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين وماله لبيت المال، بل تستر عورته ويوارى كما يفعل بالكفار. انتهى. وقال عبد الباقي: حدا إن تاب أو أنكر ما شهد به عليه وإلا قتل كفرا ولم يُسْتَتَبْ لأنه حينئذ مرتد وزيادة.
стр. 8829
إلا أن يسلم الكافر يعني أن الكافر إذا سب النبي ﷺ بغير ما به كفروا فإنه يقتل إلا أن يسلم، قال عبد الباقي: هو مستثنى من مقدر تقديره وقتل الكافر الساب أيضا إن سبه بغير ما به كفر، كقوله: ليس بنبي كما قدمه في الجزية إلا أن يسلم لأن الإسلام يجُبُّ ما قبله، والفَرْقُ بين قبول توبة الكافر وبين عدم قبول توبة المسلم أن قتله حد وهو زنديق لا تعرف توبته، والكافر كان على كفره فيعتبر إسلامه ولم يجعل سبه من جهة كفره؛ لأنا لم نعطهم العهد على ذلك ولا على قتل أحد منَّا أو أخذ أموالنا ولو قتل أحدا منا قتلناه به وإن كان من دينه استحلاله. انتهى. وقال الشبراخيتي: ثم استثنى من قوله: "قتل" قوله: "إلا أن يسلم الكافر"، لخبر: (الإسلام يجُبُّ ما قبله) (١)، ولا يقال له أسْلِمْ وَلا لا تُسْلِم لكن إن أسلم فذلك له توبة.
وإن ظهر أنَّه لم يُرِد ذَمَّه يعني أن قتل الساب المذكور عام في المسلم: والكافر وإن كان قد ظهر أنه أي الساب ومن في حكمه لم يرد ذمه أي من ذكر من نبي وملك لأجل جهلٍ حَمَلَهُ على ذلك، أو لأجل سكر وفي معنى السكر الغضب، وقد أفتى أبو الحسن القابسي بقتل من شتم في سكره للظن به أنه يعتقد هذا ويفعله في صحوه، وأيضا هو حد لا يسقطه السكر كسائر الحدود من قذف وقتل وغيرهما أو لأجل تهور في كلامه وهو الوقوع في الشيء لقلة مبالاة. قاله الجوهري. قاله الشبراخيتي. وقال التتائي: "أو تهور" قلة المبالاة في كلامه أو قلة مراقبة أو ضبط للسانه وعجرفة إذ لا يعذر أحد في الكفر بجهالة ولا بدعوى زلل في اللسان. انتهى. وقال عبد الباقي: وبالغ على قتل الساب مسلما أو كافرا بقوله: وإن ظهر أنه لم يرد ذمه أي من ذكر لجهل أو سكر أو تهور في الكلام وهو كثرة الكلام من غير ضبط؛ إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان، وما ذكره المصنف هنا من المبالغة هو المعول عليه دون قوله قبل على طريق الذم، فإن مفهومه غير معول عليه وتقييدي بالمكلف يعني قوله: "وإن سب مكلف" لإخراج المجنون فلا يقتل بسبه وكذا صغير غير مميز، وأما المميز فتقدم أن ردته معتبرة وكذا إسلامه، وتقدم أن فائدة
стр. 8830
ذلك أنه إن استمر على ردته بعد بلوغه استتيب وإلا قتل، فإذا سب وهو صغير مميز ثم بلغ فتاب أو أنكر ما شهد به عليه فالظاهر أنه ينفعه ولا يقتل لأنه قذف من غير مكلف. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال عبد الباقي: قال في تكميل التقييد: ذكر الوانوغيُّ عن تعلقة القابسي، سئل ابن أبي ليلى عمن سب الحور العين فقال: حده ضرب السيف. انتهى. والمتبادر منه أنه لا يستتاب كمن سب نبيا، ويحتمل أنه كالمرتد كمن سب عائشة بما برأها اللَّه منه لأنه في كل خالف القرآن، وفي المدخل: من قال عن نبي من الأنبياء في غير التلاوة والحديث عصى أو خالف فقد كفر. انتهى. وقد يتبادر منه أنه مرتد ويحتمل أنه ساب. انتهى.
الثاني: قال الأبي: الحديث يعني حديثا ذكره نص في أن نسبة الرجل غيره إلى عداوة اللَّه تعالى تكفير له، وهو دليل قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ﴾. الآية. وكانت نزلت مسألة سنة أربع وثمانين وسبع مائة بتونس في رجل يدعى القبطان، قال لرجل في أثناء نزاعهما: أنا عدوك وعدو نبيك فَعُمِلَ فيها مجلس على أمر خليفة الوقت الإمام الأكمل أبي العباس بن الأمراء الراشدين، فأفتى الشيخ أبو عبد اللَّه الغرياني بأنه مرتد، وأفتى ابن عرفة بأنه ساب، قال الغرياني: مطلق العداوة لا يوجب تحتم القتل وقصاراه ردة فيستتاب، والظاهر أنه إن قال قبل ذلك مظهرا لمثل هذا في عدم حفظ لسانه فهو ردة على الأظهر من المذهب، وإن لم يظهر منه إلا في هذه المرة فهي علامة على خبث سريرته فيكون زندقة. انتهى. نقله الرهوني. وقال: ما قاله الغرياني والأبي هو الظاهر، وما أجاب به الأبي هو في غاية الوضوح، وليس قوله هو عدو للنبي في الدلالة على التنقيص بأشد من قوله هو كاذب معلنا بذلك، بل التنقيص في قوله هو كاذب بين لا شك فيه، ومع ذلك فقد قال ابن القاسم: إن قائله يستتاب وعليه درج المصنف وغيره، وليس التنقيص في مسألة القبطان ببين كالإعلام بالتكذيب، ولو لم يقع ذلك منه في حال محاورته لخصمه لاحتمل أن لا يكون فيه كفر ولا تنقيص أصلا لاحتمال أن يكون قصد به إخباره عن نفسه بارتكابه أنواع المعاصي والبدع وميله عن سنة رسول اللَّه ﷺ ؛ لأن من علامة محبته ﷺ اتباعه، وإذا انتفت المحبة بانتفاء علامتها جاء ضدها، ومن المعلوم المقرر أن الحدود تدرأ بالشبهات ولا سيما الدماء، كما أن من المعلوم المقرر في هذا الباب
стр. 8831
بعينه أن القول المحتمل لا يوجب القتل، فإذا انضم إلى ذلك مراعاة الخلاف بين الأئمة في قبول التوبة من الساب ازداد ذلك وضوحا.
وقد كتب العلامة الحافظ الثقة أبو العباس الملوي على قول المصنف هنا "قتل ولم يستتب" ما نصه: إذا أردت تحرير هذا الفرع فعليك بأواخر تأليف الإمام ابن حجر الهيثمي المسمى بالإعلام بقواطع الإسلام، فقد نقل حجج المالكية في عدم قبول توبة الساب واعترضها كلها وزيفها ورجح مذهب الشافعية بقبول توبته، قائلا: وما نسبه صاحب الشفا للشافعية مما يخالف ذلك غلط وإنما هي قولة مرجوحة فيمن سبه بصيغة القذف. انتهى. وفيه دليل على أنه ارتضى كلام ابن حجر هذا. واللَّه أعلم. انتهى.
الثالث: قال الرهوني: انظر هل يجب على من سمع أحدا يتلفظ بما يوجب ردة أو سبا من العدول رفع ذلك للقاضي؟ لم أر من تعرض لذلك والجاري على أصول المذهب وقواعده أنه إذا رأى منه ما يدل على توبته من ذلك أنه لا يجب في الردة قطعا وإنما يتردد النظر في السب، وأما إذا لم يظهر منه ما يدل على التوبة فلا يتوقف في وجوب الرفع، فإن تأخر رفعه لغير عذر بطلت شهادته ولا يجري في ذلك ما ذكره البرزلي في نوازله، وذكره الشيخ حلولو في اختصارها، فإنه قال: أفتى سيدي عيسى في رجل سب شريفا بلفظ شنيع أن تأخر شهادة الشهود غير قادح في شهادتهم؛ لأنه أمر انقضى فلا ينزل منزلة المستدام من الأمر، قال: وهو نص ابن عتاب في هذه المسألة. انتهى. ووجه عدم جريانه في ذلك ظاهر. فتأمله. انتهى. ويأتي آخر الباب إن شاء اللَّه جلب النص فيما توقف فيه. واللَّه تعالى أعلم.
الرابع: قال الإمام الحطاب: قال القرطبي: لا خلاف في وجوب احترام الصحابة وتحريم سبهم، ولا يختلف في أن من قال كانوا على كفر أو ضلال كافر يقتل لأنه أنكر معلوما من الشرع فقد كذب اللَّه ورسوله، وكذا الحكم فيمن كفر أحد الخلفاء الأربعة، وهل حكمه حكم المرتد فيستتاب أو الزنديق فلا يستتاب ويقتل على كل حال؟ هذا مما يختلف فيه، فأما من سبهم بغير ذلك فإن كان سبا يوجب حدا كالقذف حُدَّ حَدَّه ثم ينكل التنكيل الشديد من الحبس والتخليد فيه، ما خلا عائشة فإن قاذفها يقتل لأنه مكذب لما في الكتاب والسنة من براءتها. قاله مالك وغيره.
стр. 8832
واختلف في غيرها من أزواجه ﷺ فقيل يقتل قاذفها لأن ذلك أذى للنبي ﷺ ، وقيل يحد وينكل وأما من سبهم بغير القذف فإنه يجلد الجلد الموجع وينكل التنكيل الشديد، قال ابن حبيب: ويُخَلَّد في السجن إلى أن يموت. وقد روي عن مالك فيمن سب عائشة قتل مطلقا، ويُمْكن حمله على السب بالقذف. انتهى. وقال في الإكمال في حديث الإفك: وأما اليوم فمن قال ذلك في عائشة قتل لتكذيب القرآن وكفره بذلك، وأما غيرها من أزواجه ﷺ فالمشهور أنه يحد لما فيه من ذلك حد ويعاقب لغيره. وحكى ابن شعبان قولا آخر أنه يقتل على كل حال، وكأن هذا التفت إلى أذى النبي ﷺ حيا وميتا. انتهى. وقال في الإكمال أيضا: وسب أصحاب النبي ﷺ وتنقيصهم أو واحد منهم من الكبانر المحرمات، وقد لعن النبي ﷺ فاعل ذلك وذكر أنه مِنْ أذَاه وأذَى اللَّه تعالى وأنه لا يقبل منه صرف ولا عدل، واختلف العلماء ما يجب عليهم، فعند مالك ومشهور مذهبه إنما فيه الاجتهاد بقدر قوله والمقول فيه وليس له في الفيء حق، وأما من قال فيهم إنهم كانوا على ضلالة وكفر فيقتل، وحكي عن سحنون مثل هذا فيمن قاله في الأئمة الأربعة، قال: وينكل في غيرهم. انتهى. يعني بالأئمة الأربعة: أبا بكر وعمر وعثمان وعليا. قال: وحكي عنه أنه يقتل في الجميع كقول مالك. انتهى. فيفهم منه أن قول مالك: إن من قال في أحد من الصحابة ولو كان غير الأئمة الأربعة إنه على ضلالة وكفر أنه يقتل، وانظر الشفا وقد حكى فيه الخلاف حتى فيمن كفر عليا وعثمان، والذي جزم به ابن عبد السلام الشافعي في أماليه أنه لا يكفر بذلك. انتهى.
الخامس: ذكر الحطاب عن الشيخ شمس الدين الملقب بالرائق خطيب مدينة بيروت وإمامها عن السيد أحمد المصري من أهل بيروت أنه اجتمع برافضيٍّ، فقال له الرافضيُّ: نحن نبغض أبا بكر لتقدمه في الخلافة على عَلِيٍّ، ونبغض جبريل لأنه نزل بالرسالة على محمد ولم ينزل عَلَى عَلِيٍّ، ونبغض محمدا ﷺ لأنه قدم أبا بكر في النيابة عنه في الصلاة ولم يقدم عليا،
стр. 8833
ونبغض عليا لسكوته عن طلب حقه من أبي بكر وهو قادر عليه، ونبغض اللَّه لأنه أرسل محمدا ولم يرسل عليا وهو أقبح ما يكون من الكفر الذي ما سمع بمثله، قال وذكر ابن بشكوال بسنده إلى محمد بن عمر بن يونس، قال: كنت بصنعاء فرأيت رجلا والناس حوله يجتمعون عليه، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: هذا رجل كان يؤمنا في رمضان وكان حسن الصوت بالقرآن، فلما بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، قال إن اللَّه وملائكته يصلون عَلَى عليّ يأيها الذين آمنوا صلوا عليه: فخرس وجذم وبرص وعمي وأقعد مكانه. انتهى.
السادس: سئل القاضي أبو بكر بن العربي عن رجل، قال: إن أبا النبي ﷺ في النار، فأجاب بأنه ملعون لأن اللَّه تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾، قال: ولا أذى أعظم من أن يقول عن أبيه إنه في النار. انتهى. نقله الحطاب.
السابع: قال المواق: قال عياض: إن كان القائل لما قاله في جهته ﵇ غير قاصد السب والإزراء ولا معتقد له ولكنه متكلم في حقه ﵇ كلمة الكفر من لعنه أو سبه أو تكذيبه، وظهر بدليل حاله أنه لم يتعمد ذمه ولم يقصد سبه إما لجهالة حملته على ما قاله أو ضجر أو سكر اضطره إليه أو قلة مراقبة وضبط للسانه وعجرفة وتهور في كلامه، فحكم هذا الوجه حكم الأول القتل دون تلعثم. انتهى. قوله: حكم الأول يعني القصد لسبه؛ إذ لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة ولا بدعوى زلل اللسان ولا بشيء مما ذكر إذا كان في عقله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان، ولذا أفتى الأندلسيون بقتل ابن حاتم في نفيه الزهد عن النبي ﷺ ، وأفتى القابسي بقتل من شتمه ﵊ في سكره لأنه يظن به أن يعتقد هذا أو يفعله، وأيضا فقتله حد لا يسقطه السكر كسائر الحدود؛ لأن من شرب الخمر عالما بزوال عقله بها وإتيانه بما ينكر كالعامد لما يكون منه ولذا لزمه طلاقه وعتقه وحدوده، وأما إن سبه مجنون فلا يقتل وكذا صبي لم يميز أو ميز إن تاب حين بلوغه أو أنكر أنه سبه. واللَّه تعالى أعلم.
وفيمن قال لا صلى اللَّه على من صلى عليه جوابا لصل يعني أنه اختلف على قولين في شخص قيل له صل على محمد، فقال لا صلى اللَّه على من صلى عليه، فقيل لا يقتل وهو قول سحنون
стр. 8834
والبرقي وأصبغ، وقيل يقتل ولا تقبل توبته وهو قول الحارث بن مسكين وغيره، وسبب الخلاف هل شَتَمَ الناسَ أو شَتَمَ الملائكةَ الذين يصلون عليه ﷺ ، ومحل الخلاف إذا قال ذلك في حالة الغضب وإلا قتل بلا خلاف، ولم يذكر المصنف أنه قال ذلك في حالة الغضب مع أنه ذكره في النص، واعترض ابن مرزوق على المصنف في إسقاطه لأن له دخلا في سقوط القتل، قال الخرشي: ومحلهما يعني القولين إذا قاله في حالة الغضب وإلا قتل بلا خلاف. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولو قال لا صلى اللَّه عليه لم يختلف في قتله لأنه من إضافة النقص إليه ﷺ ، وما يقع في بعض النسخ لا صلى اللَّه عليه فهو غير صحيح لما علمت. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي عدم قتل من قال حين غضبه لا صلى اللَّه على من صلى عليه جوابا لصل على محمد لحمل لفظه على قائل صلى اللَّه على محمد فهو شتم للناس وقتله وعدم قبول توبته لشمول لفظه للأنبياء والملائكة المصلين عليه قولان، فإن قاله في حالة غير حالة الغضب قتل من غير خلاف، وكذا لو قال: لا صلى اللَّه عليه. انتهى.
أو قال: الأنبياء يتهمون جوابا لتتهمني يعني أنه إذا قال شخص لآخر تتهمني أي أتتهمني، فقال الآخر مجيبا له: الأنبياء يتهمون، فكيف أنت؟ فإنه اختلف فيه على قولين، فقال: أبو إسحاق بن جعفر: يقتل لشناعة هذا اللفظ، وتوقف أبو محمد بن منصور عن القتل لأن اللفظ عنده يحتمل أن يكون خبرا عن من اتهم الأنبياء من الكفار، وأفتى فيها قاضي قرطبة أبو عبد اللَّه بن الحاج بنحو هذا، وشدد القاضي أبو محمد تصفيده وأطال سجنه، ثم استحلفه بعد على تكذيب ما شهد به عليه؛ إذ دخل في شهادة بعض من شهد عليه توهين ثم أطلقه، قال الشبراخيتي: أشار به لقوله في الشفاء، وقد كان اختلف شيوخنا فيمن قال لشاهد شهد عليه بشيء، ثم قال: له تتهمني؟ قال له الآخر: الأنبياء يتهمون فكيف أنت؟ فكان شيخنا أبو إسحاق بن جعفر يرى قتله لبشاعة هذا اللفظ، وكان القاضي أبو محمد بن منصور يتوقف عن القتل لاحتمال اللفظ عنده أن يكون خبرا عن من اتهمهم من الكفار. وأفتى فيها قاضي قرطبة أبو عبد اللَّه بن الحاج بنحو من هذا. انتهى المراد منه. وقال عبد الباقي: أو قال الأنبياء يتهمون جوابا لتتهمني استفهاما بحذف الهمزة، هل يقتل من غير قبول توبة نظرا لبشاعة لفظه من نسبة النقص لهم عليهم
стр. 8835
الصلاة والسلام، وعدم قتله بالكلية لاحتمال أن يكون قصده الإخبار عمن اتهمه من الكفار وهو لا يعتقد ذلك كما هو ظاهر حال المسلم لكن يعاقب. انتهى. أو جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ يعني أنه اختلف على قولين فيمن قال: جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ ، فقال بعض الفقهاء: يقتل ولا تقبل توبته، وقال القاضي أبو محمد بن منصور رحمه اللَّه تعالى: يطال سجنه ويوجع أدبه لأنه لم يقصد السب، قال التتائي: وأشار بقوله: "أو جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ " إلى قوله في الشفاء: نزلت مسألةٌ استفْتى فيها بعض فقهاء الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد بن منصور رحمه اللَّه تعالى في رجل تنقصه آخر بشيء، فقال له: إنما تريد نقصي بقولك وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ ، فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إذ لم يقصد السب، وكان بعض الفقهاء أفتى بقتله. انتهى. وقال الشبراخيتي عند قوله: "أو جميع البشر" لخ: هو نحو قوله في الشفا: ونزلت أيضا مسألة استفتى فيها بعضُ فقهاء الأندلس شيخنا القاضي أبا محمد بن منصور رحمه اللَّه تعالى في رجل تنقص آخر بشيء، فقال له: إنما تريد تنقصي بقولك وأنا بشر وجميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ ، فأفتاه بإطالة سجنه وإيجاع أدبه إذ لم يقصد السب، وكان بعض الفقهاء أفتى بقتله، فمن قال بقتله رأى أن هذا إخبار صدر منه وفيه نسبته النقص لمن لا يليق به من وجهين من عموم جميع البشر مع دخول الأنبياء فيهم، ومما صرح به في الإغياء من قوله: "حتى النبي ﷺ " ومن قال بعَدَمِ قتله رأى احتماله للإخبار عمن قاله. قال بعضهم: وفي هذا الاحتمال الأخير بعد. انتهى. وقال عبد الباقي: أو قال جميع البشر يلحقهم النقص حتى النبي ﷺ هل يقتل من غير قبول توبة لأن لفظه المذكور يشمل الأنبياء عموما والنبي خصوصا بالإغياء، أو لا يقتل لاحتماله إخباره عمن قاله؟ وإنما يعزر فقط، وفي هذا التعليل بُعْدٌ كما قال بابا، ولذا قال الشارح: الأظهر من القولين في الفرع الأخير القتل.
وعلم مما قررت أن قوله: قولان جار في كل من الفروع الثلاثة، قال التتائي: وإذا لم يكن في هذين الفرعين غير النقل عمن ذكرنا فالجاري على اصطلاح المؤلف أن يقول: تردد. انتهى. وقال
стр. 8836
عبد الباقي: قولان في كل من الفروع الثلاثة، وعلى عدم القتل يطال سجنه ويوجع ضربا كما في الشفا، وتعبيره بتردد في الفرعين الأخيرين أولى. انتهى.
فائدة: قد علمت أن النبي سيدنا ومولانا محمدا ﷺ هو أشرف الخلق وأفضلهم، فورد سؤال عن حروف القرآن في أفضلية النبي ﷺ عليها، قال الإمام محمد بن أحمد بن محمد بن مرزوق في شرح البردة عند قول الناظم:
لو ناسبت قدره آياته عظما … . . . . . . . . . . . الخ
لم يزل يعترض على هذا البيت فإنه يعطي أن لا شيء من آياته ﷺ ناسب قدره لما تعطيه، لو من امتناع الشيء لامتناع غيره أي امتنعت الخاصية المذكورة لامتناع مناسبة شيء من آياته قدره وهو باطل؛ لأن من آياته القرآن وهو كلام اللَّه وكلامه صفته وشرف الصفة بشرف الموصوف، فكيف يصح أن يقال: صفة اللَّه لم تناسب قدر النبي ﷺ ؟ فأكثروا في الجواب: وأَقَولُ: إنها مغالطة، فإن القرآن يطلق على القديم وهو صفته تعالى ولا يفارق الذات، ولا يكون معجزة لأن المعجزة فعل وهذه صفة ويطلق على الحروف الدالة عليه وهو المراد بالمعجزة، وحينئذ لا نسلم مناسبة الحروف لقدره ﷺ ، وذاكرت بعضهم في هذا الإشكال وأجبت عنه بما قررته في كتاب الاستيعاب وإظهار صدق المودة. انتهى.
ولما ذكر ما يقتل به اتفاقا أو على خلاف، أتبعه بما هو ردة عند المصنف يستتاب منها وما يؤدب فيه فقال: واستتيب في هزم يعني أن من قال: هزم النبي ﷺ يكون مرتدا يستتاب، فإن تاب وإلا قتل. قال التتائي: واستتيب في قوله: "هزم" فإن تاب وإلا قتل، قال ابن المرابط: لأنه لا يجوز ذلك عليه لأنه على بصيرة من أمره ويقين من عصمته، قال البساطي: قالوا إن ابن المرابط قال: إن القائل إذا قال إن النبي هزم استتيب، فإن تاب وإلا قتل، وهذا القائل إن كان يخالف في أصل المسألة أعني حكم الساب فله وجه، وإن وافق على أن الساب لا تقبل توبته فمشكل. انتهى.
стр. 8837
وقال حبيب بن ربيع: مذهب مالك وأصحابه أنه يقتل دون استتابة. انتهى. وقال الشبراخيتي: واستتيب في قوله "هزم" فإن تاب وإلا قتل؛ لأنه نقص ولا يجوز ذلك عليه لأنه على بصيرة من أمره ويقين من عصمته، وهو خلاف قول مالك وأصحابه فإن مذهبهم في هذه أنه يقتل ولا تقبل توبته وهو الذي استظهره ابن مرزوق. انتهى. وقال عبد الباقي: واستتيب في هزم عند ابن المرابط أي يكون مرتدا يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل وهو خلاف قول مالك وأصحابه أنه يقتل ولا تقبل توبته، والعجب من ابن المرابط في قوله ذلك مع قوله من قال هزمتْ بعض جيوشه: يقتل ولا تقبل توبته.
والمراد بهم من هو فيهم، وجمع أحمد بين كلاميه بحمل هذا على قائله بقصد التنقيص، والأول الذي مشى عليه المصنف لم يقصد تنقيصا فيستتاب فإن تاب وإلا قتل، ونحوه قول الشامل: واستتيب في هزم إن لم يقصد تنقيصا. انتهى بالمعنى. وقد علمت مذهب مالك وأصحابه وظاهره الإطلاق. انتهى. وقال الحطاب: قال القرطبي في شرح مسلم: ومن قال إنه فر أو هزم قتل ولم يستتب؛ لأنه صار بمنزلة من قال: إنه أسود فأنكر ما علم من وصفه وذلك كفر، ولأنه قد أضاف إليه نقصا وعيبا، وقيل يستتاب فإن تاب وإلا قتل. انتهى. وقال الخرشي عند قوله "واستتيب" ما نصه: والمعنى أن الإنسان إذا قال في حق النبي ﵇ إنه هزم فإنه يكون مرتدا ويُستتاب ثلاثة أيام بلا جوع، فإن تاب وإلا قتل، والمؤلف تبع فيها ابن المرابط وهو ضعيف، والصواب ما جزم به القرطبي وهو أنه يقتل ولا تقبل توبته، ومثله: هزمت جُيُوشه، والمراد بهم من هو فيهم. انتهى المراد منه. واللَّه تعالى أعلم.
أو أعلن بتكذيبه يعني أن المعلن بتكذيب النبي ﷺ مرتد يستتاب ثلاثة أيام، فإن تاب وإلا قتل، فإن أسرَّ ذلك فهو زنديق يقتل بلا استتابة، قال المواق: قال ابن القاسم في المسلم يعلن بتكذيب النبي ﷺ : إنه كالمرتد يستتاب. انتهى. وقال الشبراخيتي: واختار ابن مرزوق في هذا والذي قبله أنه يقتل ولا تقبل توبته. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: وإذ اختار ابن مرزوق في هذه المسألة أنها من باب التنقيص فما الردة التي يستتاب صاحبها ثلاثة أيام إذ لا تكون الردة إلا عن تكذيب النبي ﷺ ، والذي
стр. 8838
يظهر حينئذ أن يقال أعْلَنَ بتكذيبه بأن يقول كذب أو نحو ذلك مما يفيد تنقيصا، فهذا هو محل قوله: "وأعلن بتكذيبه" والردة هي ما لم يُصرَّح فيه بتكذيبه، كأن يقول: هو كافر أو مشرك، أو يقول: لا بعث ولا جزاء ونحو ذلك مما يلزم منه التكذيب. واللَّه تعالى أعلم.
أو تنبأ يعني أن الإنسان إذا ادعى أنه نبي فإنه مرتد يستتاب ثلاثة أيام بلا جوع ولا عطش ولا معاقبة، فإن تاب وإلا قتل لأن من ادعى من هذه الأمة أنه نبي فقد كذَّب النبي ﷺ فيما تواتر عنه وأخبر به القرآن واجتمعت عليه الأمة أنه ﷺ خاتم النبيئين، فالضمير في تنبأ عائد على الشخص المدعي للنبوءة وليس عائدا على النبي ﷺ ، قال المواق: قال ابن القاسم في المسلم يعلن بتكذيب النبي ﷺ : إنه كالمرتد يستتاب، وكذلك قال فيمن تنبأ وزعم أنه أُوحِيَ إليه. وقاله سحنون. انتهى. وقال التتائي: "أو تنبأ" أي ادعى النبوءة وأنه يوحى إليه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل لتكذيبه القرآن والسنة، أما القرآن فلقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وأما السنة فلقوله ﷺ : (لا نبي بعدي) (١) أي لا يُنبأ أحد بعده، وأما نزول عيسى بعده فإنما ينزل على أنه واحد من أمته ويحكم بشريعته لا بشريعته التي أرسل بها قبل نزوله. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وقال: فإن قلت هذا مستغنى عنه بقوله أولا: "أو ادعى شركا مع نبوءته ﵇" لأنه يشمل ادعاءه لنفسه أو لغيره، فالجواب أنه قد لا يدعي الشرك ويدعيها لنفسه فقط دونه. انتهى.
إلا أن يُسِرّ يعني أن الشخص إنما يستتاب في ادعائه النبوءة إذا أعلن ذلك، وأما إن ادعى النبوءة سرا فإنه زنديق يقتل من غير استتابة إلا أن يجيء تائبا قبل الظهور عليه، وفي النوادر أنه يقتل سواء أظهر ذلك أو أسره، والأول استظهره ابن رشد، ولهذا قال: على الأظهر فالاستثناء راجع للأخيرة فقط من حيث النسبة لابن رشد، وإن كانت التي قبلها كذلك من حيث الحكم. انظر شرح الشيخ عبد الباقي.
стр. 8839
وأدب اجتهادا في أدّ واشك للنبي يعني أن من طلب شيئا يأخذه من شخص كما في قضية العشار أي المكاس، فقال: أشكوك للنبي ﷺ فقال: أدّ إليَّ ما طلبتك واشك للنبي ﷺ يؤدب باجتهاد الحاكم وأما مسألة ابن عتاب التي أفتى فيها بقتل العشار ففيها زيادة على ما قال المؤلف، فليست ككلام المؤلف خلافا للشارح. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: قال الشارح: وقعت هذه المسألة في عشار طلب من آخر شيئا يأخذه، فقال له: أشكوك للنبي ﷺ ، فأفتى بعض الأشياخ بالأدب وأفتى غيره بالقتل وهو موافق لما في نوازل ابن سهل عن ابن عتاب من القتل، هذا والذي في الشفاء في بيان ما هو في حقه ﷺ بسب أو نقص أفتى أبو عبد اللَّه بن عتاب في عشار قال لرجل: أدِّ واشك للنبي، وقال إن سألت أو جهلت فقد جهل أو سأل النبي ﷺ ، بالقتل. انتهى. ولم يذكر المصنف هذه الزيادة، وظاهر الشفا أو صريحه أنها من كلام العشار قطعا فما أفتى فيه ابن عتاب بالقتل غير مسألة المصنف قطعا، كما أشار إليه حلولو. انتهى المراد منه. ونحوه للتتائي، وقال: فإن كانت الزيادة من قول العشار فالذي أفتى فيه ابن عتاب بالقتل غير مسألة المصنف، وإنما أفتى فيها بالقتل لما انضم إليها من هذه الزيادة. انتهى المراد منه. واللَّه تعالى أعلم.
ولو سبني ملك لسبيته يعني أن الشخص إذا قال: لو سبني ملك لسببته فإنه يؤدب باجتهاد الحاكم، ومثله لو سبني نبي لسببته، قال الشبراخيتي: وأدب في قوله: "لو سبني ملك لسببته" لأنه إنما يقصد الانتصار لنفسه بكلامه، وقول التتائي لما فيه من تنقيص الملك غير ظاهر؛ لأن تنقيص الملك يقتل به، وقوله: "ولو سبني ملك" لخ وكذا لو قال لو سبني نبي أو رسول لسببته كما في النقل وما في الزرقاني من التنظير في ذلك قصور، وقوله: "ولو سبني" لخ شرط فيما مضى ويحتمل أن تكون بمعنى إن، فهي شرط في المستقبل ومن هذا تعلم أن ما أفتى به بعض الأشياخ من قتل من قال لآخر: لو جئتني بالنبي على كتفك ما قبلتك غير ظاهر؛ إذ هو مخالف لما يستفاد من هذه المسألة بالأولى. انتهى. وقوله: "ولو سبني" كذا في عدة نسخ بالواو قبل لو، وفي شرح عبد الباقي: أو لو سبني لخ، قال: وكذا يؤدب اجتهادا في قوله: "لو سبني ملك لسببته" مثله لو سبني نبي لسببته كما في النقل أي أو رسول ولم يصدر منه سب، وإنما علقه على أمر لم
стр. 8840
يقع، ويستفاد من ذلك تأديب من قال: لو جئتني بالنبي على كتفك ما قبلتك بالأولى لأنه دون قوله: "لسببته" في إيهام التنقيص من غير قرينة، نعم إن قامت عليه قرينة قتل ولعله يحمل عليه فتوى بعض أشياخ الأجهوري بالقتل في هذه، وإنما لم تقيد مسألة المصنف بذلك على ظاهر ما لشارحه؛ لأن مدخول لولا يستلزم وقوع جوابها، وأما لو قال: لو جئتني بالنبي على كتفك ما قبلته فالظاهر تعين قتله لأن لفظه فيه تنقيص وإن لم يرده. انتهى.
وقال المواق: كتب قاضي كورة بياسة يسأل عن نازلة نزلت بغرناطة في رجل سب رجلا، فقال له: يشق عليك أن راجعتك باللَّه لو أن نبيا أو ملكا سبني لرددت عليه، وفي رجل عشار فهم من الغريم أنه يريد أن يشتكي به، فقال: اغرم واشتك إلى النبي، فراجعه ابن رشد فقال الحالف باللَّه: لو أن نبيا أو ملكا سبه متهاونٌ بحرمة الملائكة والأنبياء ﵈ يجب أن يؤدب على ذلك الأدب الموجع إلا أن يكون معروفا بالخير ممن لا يتهم في اعتقاده فيتجافى عن عقوبته ويؤمر بالاستغفار مما قال ولا كفارة ليمينه بحال، وأما العشار فيؤدب الأدب الموجع على كل حال. وأجاب ابن الحاج بنحو هذا وقال في الحالف أبعده اللَّه ونحاه: يضرب الضرب المبرح وكذا العشار الفاسق أسحقه اللَّه ومقته. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: سئل البلقيني عن رجل أمسك غريما له، وقال: لو وقف عزراءيل قابض الأرواح ما سيبتُه إلا بحكم الشرع، فأجاب إذا كان مراده لو وقف لقبض روحي ما سيبته فلا يجب عليه شيء؛ لأنه إنما صدر ذلك بالنسبة إلى ما يتعلق بذلك، والمعنى لا أسيبه ولو كان في ذلك ذهاب الروح وهذا لا يتعلق بالملك ﷺ . انتهى. قلت: وأما لو قصد الاستخفاف بذلك فالظاهر أنه يؤدب كما ذكره في الشفا، وأشار إليه الشيخ بقوله: "لو سبني ملك لسببته" قوله ما سَيَّبْتُه أي ما أطلقته يعني الغريم. قاله مقيده عفا اللَّه تعالى عنه. واللَّه تعالى أعلم.
الثَّاني: قال الحطاب: سُئِلَ الشيخ عز الدين ابن عبد السلام الشافعي: ما تقول في رجل قال في ملإ من الناس وقد تكلم في حقيقة الفقير؟ فقال: الفقير الذي لا حاجة له إلى اللَّه فهل في إطلاق هذا القول شيء أم لا؟ وهل إذا ذكر لذلك تأويلا محتملا ولو على بعد يقبل ذلك منه أولا؟
стр. 8841
فأجاب: يعزر على ذلك تعزيزا بليغا رادعا ويجدد إسلامه، ولا يقبل تأويله في هذا القول لما فيه من سوء الأدب والرد على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾، وهذا القول إن لم يكن كفرا فهو قريب من الكفر فلا أَكْثَرَ اللَّهُ من هذه الشياطين المضلين ويجب على ولي الأمر أن يبالغ في ردع هذا الخبيث المجترئ على رب العالمين. انتهى. قلت: لعله تردد في كون هذا اللفظ كفرا لكون قائله ذكر له تأويلا، وإلا فمن اعتقد معنى هذا اللفظ فلا شك أنه كافر مرتد مكذب للقرآن. واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام الحطاب.
الثالث: قال الحطاب: سئل البلقيني عن رجل ظلمه مكاس ظلما كثيرا، فقال الرجل: الذي يكتبه فلان المكاس ما يمحوه ربنا ما يلزمه؟ فأجاب: إذا لم يقصد بذلك عدم تعلق القدرة به فإنه لا يكفر، سواء قصد أن المكاس شديد البأس يصمم على ما يكتب أو لم يقصد ذلك، فإن قصد أن ربنا لا يقدر على مَحْوِه فإنه يكفر ويستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
الرابع: قال الحطاب: وسئل -يعني البلقيني- عن مسلم قال لذمي في عيد من أعيادهم: عيد مبارك، هل يكفر أم لا؟ فأجاب: إن قاله المسلم للذمي على قصد تعظيمهم دينهم وعيدهم فإنه يكفر، وإن لم يقصد ذلك وإنما جرى على لسانه فلا يكفر بما قاله من غير قصد. انتهى. وسئل عن رجل يدعي أنه إذا غضب على أحد أصيب في بدنه أو منصبه لأجل غيظه، فقال له رجل: لو سمع اللَّه منك لَخرَّب السماوات والأرض؛ يعني لو قبل دعاءك فهل يجب على قائل هذا الكلام شيء، وماذا يجب على من قال: كفرت بهذا الكلام؟ فأجاب: لا يجب على قائل ذلك شيء، ومن رماه بكفر أو غيره بالتأويل زجر عن ذلك، ويعرف أن معنى ذلك موجود في كتاب اللَّه في قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، ويجب أن يتوب عما صدر منه. وسئل عن رجل يصبح كل يوم يشتغل بالناس ويجعلهم في غير الإسلام ويقول بعد ذلك: إذا أكلت العلماء الرشا أكلت الناس الحرام، وإذا أكلت العلماء الحرام كفرت الناس ويذكر أنه وقتنا هذا فعوتب في ذلك، فقال: ما قلته من عندي، قاله الفقيه حسين المغربي. فأجاب: قد ارتكب المذكور كبائر بجعل المسلمين في غير الإسلام وبما ذكره عن العلماء وعن كفر الناس، وبذكره أنه وقتنا هذا وقد كذب في ذلك كله وافترى، فدين الإسلام بحمد اللَّه قائم والأمة
стр. 8842
المحمدية لا تزال طائفة منهم قائمة بالحق حتى يأتي أمر اللَّه، وإن اللَّه تعالى يبعث للأمة المحمدية على رأس كل مائة من يجدد لها أمر دينها، ويجب على هذا الرجل التعزير البليغ الزاجر له ولأمثاله عن هذه الأمور الباطلة، ويبادر إلى التوبة فإذا ظهر من حسين المغربي شيء من ذلك فإنه يعزر. انتهى. قلت: وما ذكره كلام لا معنى له، فإنه يقتضي أن الرشا أخف من الحرام، وقد قال العلماء: الرشا أخبث الحرام وإنها السحت. وسئل عن رجل قال: إن اللَّه تعالى يقول: (إن من عبادي من لا يوافقه إلا الفقر ولو أغنيته لفسد) (١) الحديث، وفي آخره: (ومراد الحق من الخلق ما هم عليه) فأنكر عليه رجل صحة هذا الحديث، فهل الحديث مزوي، وما معنى مراد الحق من الخلق ما هم عليه؟ فأجاب هذا أمر مروي ومعناه صحيح ولا يترتب على قائله شيء، ومعناه أن كل من يفعله الخلق وما اشتملوا عليه من هدي وغيره بخلق اللَّه وإرادته وهذا اعتقاد أهل السنة. وسئل الشيخ عز الدين عن الرجل يذكر فيقول: اللَّه اللَّه ويقتصر على ذلك، هل هو مثل قوله: سبحان اللَّه والحمد للَّه واللَّه أكبر وما أشبه ذلك أم لا؟ وإذا لم يكن بمثابته فهل هو بدعة لم ينقل عن السلف أم لا؟ فأجاب: هذا بدعة لم تنقل عن الرسول ولا عن أحد من السلف وإنما يفعلها الجهلة، والذكر المشروع كله لا بد أن يكون جملة فعلية أو اسمية وهو مأخوذ من السنة والكتاب وأذكار الأنبياء، والخير كله في اتباع السلف الصالحين دون الأغبياء الجاهلين. انتهى. كلام الحطاب.
قال مقيد هذا الشرح: مُحَمَّد بْن مُحَمَّد سَالِم عفا اللَّه تعالى عنه بمنه: إياك يا أخي أن تغتر بهذا الكلام فإن الذكر بلفظة أللَّه هو الذكر المفرد الشريف الذي قيل فيه إن فيه نتيجة جميع الأذكار، فخاصية الهيللة مثلا انطباع ثبوت الألوهية في النفس وانتفاء ما سوى اللَّه تعالى عنها، وخاصية الصلاة على النبي ﷺ انطباع صورته البشرية في النفس وائتلافها معها، وخاصية التسبيح انطباع التنزيه في النفس إلى غير ذلك من الأذكار الشريفة. وخاصية الذكر المفرد أنه
стр. 8843
تحصل للذاكر به جميع نتائج الأذكار لا حرمنا اللَّه تعالى من ذلك آمين بجاه سيد الأولين والآخرين.
واعلم أن هذا الكلام الذي نقله الإمام الحطاب عن الإمام عز الدين رضي اللَّه تعالى عنهما قد ألف غير واحد في رده كما ذكره في النسرين، وقال الإمام الساحلي: إن الذكر المفرد هو الاسم الذي جعل اللَّه تعالى فيه اختصاصا بخروج الباطن عن الأكوان تعويلا على المكون الحق ورجوعا إلى الأنس به في قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، فظهر بذلك أن الذكر المفرد له اختصاص بالاستغراق في معناه محوا لمن سواه، فإذا فطالب فناء نفسه عن تلمح شيء من عالم جنسه استغراقا في سر توحيده أنسب الأذكار له هو الاسم العظيم مفردا، ثم قال: وأما ذكر الأفراد فدليله من القرآن قوله تعالى من قائل: ﴿قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ وهذا الذكر هو لباب الأذكار وإنسان حدقتها وقطب أفلاكها، وقد أجمع كثير من أهل العلم على أنه الاسم الأعظم، ثم ذكر بعد هذا من خصائص الذكر المفرد في محل الذكر به ما يبهر العقول واللَّه تعالى أعلم.
وفي شرح الإمام الحطاب: وسئل البلقيني عن جماعة يذكرون في أثناء ذكرهم يقولون: محمد محمد، ويكررون الاسم الشريف، ويقولون آخر دلك: محمد مكرم معظم، هل يكون ذلك ذكرا يؤجرون عليه، وهل فيه إساءة، وهل ورد في ذلك شيء من كتاب أو سنة؟ فأجاب: لم يرد بذلك آية ولا خبر عن النبي ﷺ ولا أثر عن الصحابة ولا عن التابعين ولا عن الفقهاء بعدهم ولا غير ذلك من الأذكار المشروعة، ولا يؤجرون على ذلك وهم مبتدعون شيئا قد يقعون به في إساءة الأدب، وأما قولهم: فمحمد مكرم معظم فهذا ليس بالذي قبله وهو إخبار بالواقع، ولم يرد فيه ما يقتضي أن يكون مطلوبا والقياس على ما نهى اللَّه تعالى عنه، في قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ وما طلب منهم في حق النبي ﷺ يقتضي النهي عن ذلك. انتهى. قلت: قوله: وأما قولهم فمحمد مكرم معظم يعني من غير تكرير للاسم الشريف، وما قاله ظاهر. ومثل هذا قول كثير من العامة: صلوا على محمد. انتهى.
стр. 8844
أو يا ابن ألف كلب يعني أنه إذا قال شخص لآخر: يا ابن ألف كلب فإنه يؤدب باجتهاد الحاكم، قال التتائي: وأدب في قوله: "لو سبني ملك لسببته" أو قال لآخر يا ابن ألف كلب أو يا ابن ألف خنزير مما يجري في كلام السفهاء لدخول بعض الأنبياء في هذا العدد، قال: وإن علم أنه قصد الأنبياء قتل، ومثل هذا ما أفتى به ابن أبي زيد فيمن قال: لعن اللَّه من حرم المسكر، وقال: لم أعلم من حرمه وفيمن لعن حديث: (لا يبع حاضر لباد) (١) ولعن من جاء به إن كان يعذر بالجهل وعدم معرفة السنة؛ لأنه لم يقصد بذلك سب اللَّه ولا رسوله، وإنما لعن من حرمه من الناس. انتهى.
وقال الشبراخيتي: أو قال لآخر يا ابن ألف كلب، قال ابن أبي زيد: أو يا ابن ألف خنزير مما يجري في كلام السفهاء، وإن علم أنه قصد الأنبياء قتل، وأما لو قال له: لعنك اللَّه إلى آدم فإنه يقتل كما نقله عياض، وذلك لأنه لا شك أن في آبائه نبيا وهو نوح؛ إذ هو أب لمن بعده. نقله حلولو. قال التتائي: ومثل كلام المصنف ما أفتى به ابن أبي زيد فيمن قال: لعن اللَّه من حرم المسكر، وقال لم أعلم من حرمه، وفيمن لعن لا يبع حاضر لباد ولعن من جاء به إن كان يعذر بالجهل وعدم معرفة السنن فعليه الأدب الوجيع؛ لأنه لم يقصد بذلك سب اللَّه ولا سب رسوله، وإنما لعن من حرمه من الناس. انتهى. وانظره مع قوله: "وإن ظهر أنه لم يرد ذمه". انتهى. ويأتي الجواب عند قوله: "أو لعن العرب" لخ، وقال عبد الباقي: أو يا ابن ألف كلب أو خنزير ولو كرر لفظ ألف فيؤدب اجتهادا، لاحتمال أن يكون في آبائه نبي حيث لم يقصد دخول نبي في لفظه، فإن علم أنه قصد الدخول فساب، وأما لو قال لعنك اللَّه إلى آدم فإنه يقتل كما نقله عياض عن ابن مناس؛ لأن في آبائه نبيا وهو نوح إذ هو أب لمن بعده. نقله حلولو. انتهى باختصار. انتهى. واللَّه تعالى اعلم.
أو عُيِّرَ بالفقر فقال: تعيرني به والنبي قد رعى الغنم يعني أنه إذا قال شخص لآخر قد عيره بالفقر: تعيرني بالفقر والنبي ﷺ قد رعى الغنم، فإنه يؤدب باجتهاد الحاكم،
стр. 8845
وكذا: قد رعى فقط، قال مالك: قد عرض به في غير ذكر موضعه أرى أن يؤدب، قال المواق: قال مالك: في رجل عُير بالفقر فقال تعيرني بالفقر وقد رعى النبي ﷺ : عرض بذكر النبي ﷺ في غير موضعه: أرى أن يؤدب. انتهى. وقال عبد الباقي: أو عير من شخص بالفقر فقال تعيرني به والنبي ﷺ قد رعى الغنم، وكذا قد رعى كما في المواق فيؤدب اجتهادا إلا أن يقصد تنقيصا فيقتل وإن تاب، كقوله: يتيم أبي طالب أو ختن حيدرة أي صهر علي أو أكل الشعير أو ضحى بكبش لعدم القدرة على ثمن قمح أو إبل أو رهن درعه في ثمن شعير اشتراه من يهودي أو خرج من مخرج البول، فإنه يقتل وإن تاب حيث لم يقل شيئا من ذلك في رواية لاستخفافه بحقه ولا يلزم من اتصافه بشيء جواز الإخبار به، وقريب من ذلك ما وقع في درس الأستاذ أبي الحسن البكري في خطبة ضمنها يتيم أبي طالب، فأنكر عليه مَغْرِبيُّ فَاضلٌ قائلا: يقتل ولا تقبل توبته، فاستشاروا الناصر اللقاني فيما يفعل بالمغربي لوقوعه في حق الأستاذ، فقال: حصنوا دم الأستاذ بتحكيم شافعي في ذلك فَخَلَّوا عن المغربي. انتهى.
أو قال لغضبان كأنه وجه منكر أو مالك يعني أنه إذا قال شخص لآخر غضبان: كأنه وجه منكر أو مالك ﵉، فإن هذا القائل يؤدب باجتهاد الحاكم قوله: "منكر" بفتح الكاف هو أحد فتاني القبر، وقوله: "مالك" هو خازن النار، وفي نسخة التتائي والشبراخيتي: نكير بدل منكر، قال التتائي: أو قال لغضبان: كأنه وجه نكير أحد فتاني القبر أو مالك خازن النار، وأشار بهذا لقول صاحب الشفاء: سئل القابسي عن رجل قال لرجل قبيح كأنه وجه نكير ولرجل عبوس كأنه وجه مالك الغضبان، فقال: أي شيء أراد بهذا وهما ملكان، فما الذي أراد أروع دخل عليه حين رآه من وجهه أم عاق النظر إليه لدمامة خلقه؟ فإن كان هذا فهو شديد لأنه جرى مجرى التحقير والتهوين فهو أشد عقوبة وليس فيه تصريح بالسب للملك، وإنما السب واقع على المخاطب وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء، قال: فأما مالك خازن النار فقد جفا الذي ذكره عند ما أنكر من عبوس الآخر إلا أن يكون المعبس له يد فيرهب بعبسه فيشبهه القائل على طريق الذم في فعله ولزومه في ظلمه صفة مالك الملك المطيع لربه في فعله، فيقول كأنه
стр. 8846
للَّه يغضب غضب مالك فيكون أخف وما كان ينبغي له التعرض لمثل هذا ولو كان أثنى على العبوس بعبسه، واحتج بصفة مالك كان أشد ويعاقب المعاقبة الشديدة وليس في هذا ذم الملك ولو قصد ذمه لقتل. انتهى.
وقال المواق: سئل القابسي عن رجل قال لرجل قبيح: كأنه وجه نكير، ولرجل عبوس: كأنه وجه مالك الغضبان، فقال بعد كلام: هذا شديد لأنه جرى مجرى التحقير والتهوين وليس فيه تصريح بالسب للملك، وإنما السب واقع على المخاطب وفي الأدب بالسوط والسجن نكال للسفهاء، وأما ذكر مالك خازن النار فقد جفا الذي ذكره عند ما أنكره من عبوس الآخر. انتهى.
أو استشهد ببعض جائز عليه في الدنيا يعني أنه يؤدب بالاجتهاد من استشهد ببعض شيء جائز على النبي ﷺ ، وعلى غيره من الأنبياء في الدنيا من حيث النوع البشري حال كون هذا الشيء المستشهد به حجة له أي للمستشهد نفسه، أو حجة لغيره أي لغير المستشهد بكسر الهاء، كأن يقول له شخص: أنت تحب زوجتك؟ فقال كان النبي ﷺ يحب عائشة، أو أنت تحب النساء؟ فقال: كان النبي ﷺ يحب النساء، أو أنت تحب أصحابك؟ فقال: كان النبي ﷺ يحب أصحابه، أو إن ابتليت فقد ابتلي أيوب أو إن صبرت على البلاء فقد صبر أيوب على البلاء، قوله: "ببعض" بلا تنوين مضاف إلى جائز وهو صفة لموصوف محذوف أي شيء جائز، وقوله: "حجة" حال من "بعض" كما قررت وهو لعبد الباقي، وقال الشبراخيتي: مفعول لأجله، وقال التتائي: أو استشهد ببعض شيء جائز عليه أي على النبي في الدنيا من حيث هو بشر على طريق ضرب المثل، كقوله: إن أحب النساء فالنبي أحبهن، أو إن لم أعرف أن التذكير ينفع ثمرة النخل وتركه يضرها فرسول اللَّه لم يعرف ذلك، قال ذلك حجة له أو حجة لغيره، أدب. انتهى.
وقال عبد الباقي: أو استشهد على فعل نفسه أو غيره ببعض جائز أي ببعض شيء جائز من حيث النوع البشري عليه ﷺ أو على غيره، كابتليت وصبرت كما ابتلي أو صبر أيوب حالة كون المستشهد به حجة له أي للقائل أو لغيره. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو استشهد ببعض شيء جائز فهو صفة لموصوف محذوف عليه أي على النبي في الدنيا من حيث
стр. 8847
هو بشر على طريق ضرب المثل؛ كأن يقول له شخص: أنت تحب زوجتك فلانة، فقال: النبي كان يحب عائشة أو أنت تحب النساء، فقال: النبي كان يحب النساء، أو أنت تحب أصحابك، فقال: النبي يحب أصحابه، أو إني ابتليت أو صبرت على البلاء كما ابتلي أو صبر أيوب "حجة" مفعول لأجله له أو حجة لغيره، أدب. انتهى.
أو شبه لنقص لحقه يعني أنه يؤدب بالاجتهاد من شَبَّهَ نفسه به ﷺ لأجل نقص لحقه أي لحق هذا القائل المشبّه، قال الشبراخيتي: أو شبه نفسه به ﷺ لنقص لحقه، كأن يقال له: أنت تتطيب أو تتزين أو تكتحل وهذا من وظيفة النساء. انتهى. فيقول: النبي يتطيب أو يتزين أو يكتحل قاصدا ترفيع نفسه، فقوله: "أو شبه" بالبناء للفاعل، ومفعوله محذوف تقديره نفسه كما قررت. وقوله: "لنقص" اللام للتعليل، "ولحقه" الضمير البارز للشخص المشبه بكسر الباء والمستتر عائد على النقص، والجملة صفة لنقص. وقال عبد الباقي: أو شبه نفسه به ﷺ لنقص أي لأجل نقص لحقه أي لحق هذا القائل ولا أدري ما وجه جعله الاستشهاد والتشبيه مسألتين، ولو اقتصر على أحدهما لأغناه عن الآخر، وقد جعل ذلك في الشفاء نوعا واحدا. قاله ابن مرزوق. وجوابه أن المراد أنه ذكر أحد هذين اللفظين، فيؤدب في واحد مما ذكر أدبا شديدا، ويسجن كما في الشفا إن قصد ترفيع نفسه ولم يقصد تنقيص النبي ﷺ ولا تعييبه ولا سبه. انتهى.
لا على التأسي يعني أنه إذا قصد بما قال التأسي أي تسلية نفسه أي حملها على الصبر وتخفيف ما حصل من التألم، فإنه لا يؤدب، فقوله: "لا على التأسي" أي لا إن قال ما قال على جهة التأسي، ومثل بقوله: كإن كذبت فقد كذبوا بما يقال على جهة التأسي، ويمثل به أيضا لما إذا شبه نفسه لنقص لحقه والحاصل أن الاقسام ثلاثة إن قصد رفع نفسه مستشهدا بما قال ومن معناه ما إذا شبه نفسه بنبي لأجل نقص لحقه فإنه يؤدب وإن قاله على جهة التأسي فلا أدب وإن قصد تنقيصا قتل، قال عبد الباقي: لا على التأسي أي التسلي أي لا إن قصد بما قال أنه يتأسى بهم فلا أدب عليه، كإن كذبت بالبناء للمفعول فقد كذبوا أو إن أوذيت فقد أوذوا أو أنا أسلم من ألسنة الناس ولم يسلم منهم أنبياء اللَّه ورسله، أو إن قيل في مكروه فقد قيل في النبي
стр. 8848
مكروه، أو إن أحببت النساء فالنبي أحبهن أو أنا في قومي غريب كصالح في ثمود أو صبرت كما صبر أيوب أو أولو العزم من الرسل، أو قيل له إنك أمي، فقال النبي أمي فلا أدب في شيء من ذلك إن قصد التأسي، فإن قصد ترفيع نفسه لا التأسي والتسلي بهم أدب، وإن قصد بشيء من ذلك تنقيصا قتل ولو تاب، وينبغي جريان تلك الأقسام الثلاثة في قوله: أو عُيِّر بالفقر لخ كما جرت في قوله: أو استشهد إلى هنا فإن لم يكن له قصد شيء بما ذكر فينبغي أن يحمل في مسألة أو عير بالفقر، ومسألة الاستشهاد ومسألة التشبيه للنقص على قصد ترفيع نفسه فيؤدب، ومسألة إن كذبت ونحوها على التأسي. انتهى.
أو لعن العرب أو بني هاشم، وقال: أردت الظالمين يعني أنه يؤدب باجتهاد الحاكم من لعن العرب أو لعن بني هاشم، والحال أنه قال في المسألتين أردت الظالمين منهم والأدب في الثانية أشد، فإن لم يقل أردت الظالمين قتل هذا مقتضى ما للشفا، ومقتضى ما في النوادر أن قوله: "أردت الظالمين" قيد في الثانية فقط، فإن لم يقل أردت الظالمين قتل، وأما الأولى وهي ما لو لعن العرب فإنه يؤدب من غير تفصيل. قال عبد الباقي: أو لعن العرب أو بني هاشم، وقال في المسألتين كما في الشفا وابن مرزوق: أردت الظالمين منهم فيؤدب وفي الثانية أشد ومقتضى النوادر أن قوله: وقال أدرت الظالمين منهم خاص بالثانية، وأما الأولى فيؤدب من غير تفصيل، ومشى أحمد على ما للنوادر فلو لم يقل أردت الظالمين منهم على ما للشفا في المسألتين قتل. قاله ابن مرزوق. وظاهره من غير استتابة، وفي أحمد يكون مرتدا ولم يدعمه بنقل، وكذا يؤدب أدبا وجيعا كما في الشفا قائل لعن اللَّه من حرم المسكر إن قال لا أعلم من حرمه، وكذا لو قال: لعن اللَّه من قال لا يبع حاضر لباد إن عذر بجهل لعدم قصده حينئذ سب اللَّه ورسوله، وإنما لعن من حرمه من الناس. انتهى. أي فإن لم يجهل فمرتد في الأولى وساب في الثانية. وقول علي الأجهوري: انظر ما للشفا مع قوله وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لخ، قد يقال: لا نظر لأن ما مر عالم بالنبي وسبه بمثل ذلك ولو تعريضا، والجاهل هنا لَعَنَ مُجَرَّدَ لَفْظٍ أو حُكْمٍ غير معلوم من الدين بالضرورة ولم يعرف المنسوب إليه. انتهى. وقال التتائي: ولا خصوصية للعن العرب، فقد ذكر في الشفا عن
стр. 8849
أبي محمد: أدب من قال لعن اللَّه بني إسرائيل أو لعن اللَّه بني آدم، وذكر أنه لم يرد الأنبياء وإنما أراد الظالمين منهم. انتهى.
وشدد عليه في كل صاحب فندق قرنان وإن كان نبيئا يعني أنه يؤدب باجتهاد الحاكم من قال كل صاحب فندق قرنان وإن كان نبيا ويشدَّد عليه في الأدب، والقرنان هو الذي لزوجته صاحب يزانيها كأنه يقرن بينه وبين غيره على زوجته وهو ممنوع الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون، والفندق بيت معروف. قال الشبراخيتي: وشُدِّدَ مضعفا عليه نائب فاعل شدد يرجع للأدب، وضمير عليه يرجع للساب، ويحتمل أن النائب عليه أي ضيق على الساب في قوله: "كل صاحب فندق قرنان" أي من لزوجته صاحب يزانيها وهو ممنوع من الصرف للوصف وزيادة الألف والنون ولو كان نبيا مرسلا، قال في الشفا: توقف أبو الحسن القابسي في قتله وأمر بشده بالقيود والتضييق عليه حتى تستفهم البينة عن جهة ألفاظه وما يدل على مقصده، وهل أراد أصحاب الفنادق الآن؟ فمعلوم أنه ليس فيهم نبي مرسل فيكون أمره أخف، قال: ولكن ظاهر لفظه العموم لكل صاحب فندق من المتقدمين والمتأخرين، وقد كان فيمن تقدم من الأنبياء والرسل من اكتسب المال وذم المسلم لا يقدم عليه إلا بأمر بيِّنٍ وما ترد إليه التأويلات فلا بد من إمعان النظر فيه. هذا معنى كلامه. وزدنا في كلام المؤلف مرسلا لأنها هي المسألة التي وقع إفتاء القابسي فيها وهي أحرى بالتشديد من الذي اقتصر عليه المؤلف. انتهى. وقال عبد الباقي: شدد عليه الأدب بالضرب والقيد في كل صاحب فندق شخص قرنان ممنوع من الصرف للوصف وزيادة الألف والنون ولو كان نبيا. انتهى.
وفي قبيح لأحد ذريته (١) في آبائه ﷺ يعني أن من نسب لأحد ذريته ﷺ قبيحا من قول أو فعل في آبائه فإنه يشدد عليه الأدب، مع العلم به أي بأنه من ذريته ﷺ ، وهذه النسخة التي فيها زيادة في آبائه هي الصواب والنسخة التي ليست فيها إحالة للمسألة عن وجهها، قال التتائي: سقط في بعض النسخ في آبائه وهو محيل
стр. 8850
للمسألة عن وجهها، والضمير في "ذريته" للرسول، والضمير في "آبائه" للفظ "أحد"، ولو قال: وفي قبيح لآباء أحد ذريته لكان أبين. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: وبهذه النسخة يتضح المعنى؛ إذ نسبة القبيح لآبائه يحتمل تطرق ذلك للنبي ﷺ ، وأما إسقاط في آبائه فإنه يقتضي أنه لا تجوز الشهادة على من فعل من ذريته ﵊ ما يترتب عليه بسببه الحد، وهذا لا يقوله أحد. وقال الشبراخيتي: إن النسخة التي أسقط فيها في آبائه صحيحة ومعناها أنه يشدد عليه الأدب في نسبة قبيح لأحد ذريته ﵊، ولو نسب قبيحا لغير أحد من ذريته أدب دون تشديد عليه وعلى هذا يقيد بغير ما مر. واللَّه تعالى أعلم.
فَائِدَةٌ: قال الرهوني: مما يندرج تحت هذه الكلية أن يقال لأحدهم: إن نسبه ظني ونحو ذلك من العبارات، واستدل الإمام ابن العربي الحاتمي بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، على أن أقارب النبي ﷺ لا يعذبون على المعاصي، فيعتقد في كل مؤمن منهم عاص أنه لا يلحق به الوعيد في الآخرة، قائلا: علق الحكم بالإرادة التي لا تتبدل أحكامها، وتبعه على ذلك غير واحد من الأئمة الأعلام كالشيخ زروق في نصيحته وقواعده، واعترضه الإمام العلامة النظار أبو عبد اللَّه سيدي محمد بن قاسم القصار بما نصه: قول القائل إن أهل البيت يعتقد أن اللَّه لا يعاقبهم، إن أراد تغليب الرجاء في حق من علم اللَّه تعالى أنه منهم على الخوف فحق، وإن أراد بالاعتقاد الجزم المطابق بأنهم لا يعاقبون فقد ابتدع وخالف أهل السنة، فإن قيل: ورد به ظواهر، قيل: ورد أكثر منها وأوضح في حق فاعلي طاعات، حتى قال المبتدعة المرجئة، لا يعاقب مؤمن وأبى أهل السنة [وأعداء (١) اللَّه لأهل البيت] من يوهمهم ذلك بل يذكر لهم نحو: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾، وأن كثيرا من تلك الظواهر قد لا تشملهم، فمن اعتقد ذلك منهم أو من غيرهم فهو المبتدع، بل مذهب أهل
стр. 8851
السنة أنهم في المشيئة وسلم له ذلك غير واحد من الأئمة المتبحرين في علمي الظاهر والباطن، منهم تلميذه العلامة العارف باللَّه تعالى أبو زيد الفاسي، فكتب عليه ما نصه:
قف على قوله في حق من علم اللَّه تعالى أنه منهم، فإنه تنبيه على أنه لا يقطع به في معين ولا يقطع به أحد لنفسه ولو إلَّا من كون شرطه الوفاة على الإسلام وهو غيب، وهكذا ينبغي أن يكون الاعتقاد في كل فضيلة وُعِدَ عليها في العقبى فإن شرط ذلك الإيمان عند اللَّه وهو غيب غير مقطوع به لأحد إلا من ميزه النص، على أن من تحقق قبضة الحق لا يسكن [لوعد وبه تفهم] (١) قول سيدي عبد السلام، وألحقني بنسبه فإن الطيني مشروط بالديني وهو غيب، وكذا ما ورد في قبول الطاعات والدعاء وادخاره فإنما هو فيمن علم اللَّه سبحانه منه خاتمة الإيمان ونفذت بذلك إرادته ومشيئته، وأما أحد في خاصته فلا يصح له الجزم والقطع بذلك لنفسه ولا لغيره، وقد قال سيدي أبو الحسن: وقد أبهمت الأمر علينا لِنرْجُو ونَخَافَ وذلك سرٌّ العبودية، وبذلك تنقطع الآمال إلا من اللَّه ويتحقق الرجاء والاعتماد عليه لا على الأسباب فاعرفه. انتهى. فكتب عقبه العلامة ابن زكري: وهذا هو الموافق لقواعد أهل السنة. انتهى المراد منه. وما قاله الشيخ القصار ورد التصريح به عن الإمام مالك في كلامه الذي حكاه عنه غير واحد. انتهى.
واعلم أنه اختلف في تفسير الآية المتقدمة على خمسة أقوال: أَحَدُهَا أن المراد بأهل البيت أزواجه ﷺ ، ثانيها أن المراد بهم علي وفاطمة وابناهما الحسن والحسين خاصة، ثالثها أن المراد بهم أزواجه وهؤلاء الأربعة، رابعها أن المراد بهم النبي ﷺ وعلي وفاطمة وابناهما، خامسها أن المراد بهم أزواجه وأقاربه الذين تحرم عليهم الصدقة، فدخل في ذلك جميع بني هاشم بلا خلاف وبنو المطلب على الخلاف المعلوم، ورجح هذا القول غير واحد منهم ابن جزي لتصديره به وحكاية غيره بقيل مع تصريحه بضعف الأول، وأيد ابن كثير دخول أزواجه ﷺ بأنه سبب النزول وهو داخل قطعا إما وحده وإما مع غيره وهو الأصح، واستدل لدخول الأقارب بأحاديث ورجح غير واحد الثاني بالعزو، كابن عطية بعزوه
стр. 8852
للجمهور وابن حجر الهيثمي بعزوه لأكثر المفسرين، واختار ابن عطية من عند نفسه الثالث ورجح الجلال المحلي الأول باقتصاره عليه.
فائدة: أخرى: في الحديث عنه ﷺ : لا ينال شفاعتي طعان ولا لعان ولا نمام. انتهى.
تنبيه: لو قال لشريف ثابت النسب لعن اللَّه الوالد الأكبر في أجدادك، قال في الشامل: فيه قوالان، هل يقتل أو يؤدب؟ وأما لو قال لعن اللَّه الأكبر في أجدادك فالظاهر أنه يقتل. قاله عبد الباقي.
كإن انتسب يعني أن من انتسب للنبي ﷺ بغير حق تصريحا بالقول أو بالفعل يشدد عليه الأدب، قال عبد الباقي: كإن انتسب له بغير حق تصريحا بالقول أو بالفعل، كلبس العمامة الخضراء في زمننا فيؤدب لعموم قول مالك: من ادعى الشرف كاذبا ضرب ضربا وجيعا ثم يشهر ويحبس مدة طويلة حتى تظهر لنا توبته؛ لأن ذلك استخفاف منه بحقه ﷺ ، ومع ذلك كان يعظم من طعن في نسبه ويقول لعله شريف في نفس الأمر قاله في المنى في الباب العاشر، فقول الشادلي ومن وافقه من المالكية: إن لبس العمامة الخضراء لغير الشريف جائز غير صحيح وغره في ذلك، ذكر السيوطي له: وإنما أدّب ولم يُحَد مع أنه يلزم عليه حمل غير أبيه على أمه؛ لأن القصد بانتسابه له شرفه لا الحمل المذكور؛ ولأن لازم المذهب ليس بمذهب. انتهى. ونحوه للشبراخيتي، وقال التتائي: كإن انتسب له ﷺ بغير حق، سواء انتسب له صريحا أو احتمل كإن قيل له أنت شريف النفس أو ذو نسب؟ فقال مجيبا: ومن أشرف نفسا أو أحسن نسبا من ذريته ﷺ ، ويعم المسألتين قوله آخر الشفا، روى أبو مصعب عن مالك: من انتسب إلى بيت النبي ﷺ يضرب ضربا وجيعا ويشهر ويحبس طويلا حتى تظهر توبته؛ لأنه استخف بحق الرسول ﷺ . انتهى المراد منه.
стр. 8853
وقال عبد الباقي: أو احتمل قوله الانتساب إليه كإن قيل له أنت شريف النفس أو ذو نسب؟ فقال مجيبا: ومن أشرف نفسا أو أحسن نفسا من ذريته ﷺ ؟ قاله التتائي. وإنما كان قوله هذا محتملا لا صريحا في انتسابه له لاحتمال قصد هضم نفسه؛ أي أن ذريته ﵊ هم الذين لهم شرف النفس والنسب ولم يقصد الانتساب له. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو احتمل قوله: الانتساب، كإن قيل له أنت شريف أو ذو نسب؟ فقال مجيبا: ومن أشرف نسبا أو أحسن نسبا من ذريته ﵊. انتهى. وقال الخرشي: أو احتمل قوله الانتساب إليه بأن يقال له أنت شريف النسب فيقول ما أحد أشرف من آل فاطمة، وليس معنى احتمل احتمل الكفر وغيره وإلا تكرر مع مسائل الأدب كلها لأنها كلها تحتمل الكفر وغيره. انتهى.
أو شهد عليه عدل أو لفيف فعاق عن القتل يعني أنه إذا شهد عدل على شخص أنه سب نبيا أو ملكا، أو شهد بذلك لفيف من الناس وهو ما اجتمع من الناس من غير تزكية، فعاق ذلك أي شهادة من ذكر عن القتل لعدم ثبوت السب بذلك، فإنه يشدد عليه الأدب، وقوله: "عاق" بمعنى منع، والفاعل ضمير يعود على ما ذكر من شهادة العدل واللفيف، وقال التتائي: الفاعل كون الشاهد واحدا أو لفيفا. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: أو شهد عليه بالسب عدل واحد أو لفيف من الناس وهو ما اجتمع من قبائل شتى فعاق بشهادة من ذكر عن القتل لعدم ثبوت السب بواحد ولاحتياج اللفيف لمزك فيؤدب أدبا شديدا. انتهى. وقال المواق: عياض: إن ثبت قوله لكن احتمل ولم يكن صريحا أو لم تتم الشهادة عليه إنما شهد عليه الواحد أو اللفيف من الناس، فهذا يدرأ عنه الحد ويتسلط عليه اجتهاد الإمام فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال إلى الغاية. انتهى. وقال التتائي: فمن قوي أمره أذاقه من شديد النكال من التضييق في السجن والشد في القيود إلى الغاية التي هي منتهى طاقته مما لا يمنعه القيام لضرورته ولا يقعده عن صلاته، وهو حكم من وجب عليه القتل لكن وقف عن قتله لمعنى أوجبه وتربص به الإشكال (١) وعائق
стр. 8854
اقتضاه، وحالات الشدة في نكاله تختلف بحسب اختلاف حاله. انتهى. وفي بعض النسخ: أو عاق، فهي مسألة مستقلة أي عاق أمر عن القتل من عدم تزكية أو عداوة مثلا، وفي بعض النسخ: وعاق عن القتل عائق. انتهى.
أو سب من لم يجمع على نبوءته يعني أن من سب من لم يجمع على نبوءته كلقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان الذي قيل إنه نبي أهل الرس، وزرادشت الذي ادعت المجوس نبوءته فإنه يشدد عليه الأدب، وكذا من سب من لم يجمع على ملكيته كهاروت وماروت، وأما إنكار كونهم من الملائكة والنبيئين، فإن كان المتكلم من أهل العلم فلا حرج، وإن كان من عوام الناس زُجِرَ عن الخوض في مثل هذا، وقد كره السلف الكلام في مثل هذا مما ليس تحته عمل. انظر المواق. وقال الشبراخيتي: أو سب من لم يجمع على نبوءته كالخضر ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس وزرادشت صاحب كتاب المجوس الذين يدعون نبوءته، وكذا سب من لم يجمع على ملكيته كهاروت وماروت فيشدد الأدب على متنقصهم، ولو قال: من اختلف في نبوءته، لكان أولى؛ إذ السالبة تصدق بنفي الموضوع فتصدق عبارته على من اتفق على عدم نبوءته كآحاد الناس اليوم. انتهى.
وقال عبد الباقي: أو سب من لم يجمع على نبوءته كالخضر ولقمان ومريم وخالد بن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس وزرادشت صاحب كتاب المجوس الذي يدعون نبوءته، فيؤدب الساب. ومثله من لم يجمع على ملكيته كهاروت وماروت، وقول القرافي: يقتل سابهما ولا تقبل توبته خلاف المذهب، وذكر الحافظ بن حجر والسيوطي أن قصتهما وردت من نحو عشرين طريقا. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: لكن ضعف ذلك غير واحد ولا يقال مثل هذا يقوى بانضمام طرقه؛ لأن هذا من باب الاعتقاد الذي لا يثبت إلا بالتواتر لا من باب الأعمال ولهذا قال الجزائري رحمه اللَّه تعالى:
. . . . . . . . . . . . . . . … حديث هاروت مع ماروت غير جلي
стр. 8855
واللَّه تعالى أعلم.
وقال التتائي: أو سب من لم يجمع على نبوءته بما يقتل به ساب من أجمع على نبوءته، كالخضر ولقمان وذي القرنين ومريم وآسية وخالد بن سنان المذكور أنه نبي أهل الرس وَزَرَادَشْتَ صاحب كتاب المجوس الذي يدعون نبوءته، وكذا سب من لم يجمع على كونه ملكا كهاروت وماروت فيؤدب من تنقصهم ومؤذيهم بقدر حال المقول فيه، قال في الشفا: وأما إنكار نبوءتهم أو كون الآخر من الملائكة، فإن كان المتكلم في ذلك من أهل العلم فلا حرج لاختلاف العلماء في ذلك، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا، فإن عاد أدب إذ ليس لهم الكلام في مثل هذا، فقد كره السلف الكلام فيه مما ليس تحته عمل لأهل العلم، فكيف بالعامة؟ انتهى. أو صحابيا يعني أن من سب صحابيا يشدد عليه في الأدب، قال الخرشي: وكذلك يؤدب ويشدد على من سب صحابيا ولكن ليس هذا على عمومه، فإن من رمى عائشة بما بَرَّأها اللَّه منه بأن قال: زنت أو أنكر صحبة أبي بكر أو إسلام العشرة أو إسلام جميع الصحابة، أو كفَّر الأربعة أو واحدا منهم كفر. انتهى. وقال عبد الباقي: أو سب صحابيا فيؤدب حتى عائشة بغير ما برأها اللَّه منه، وأما به كزنت فمرتد وكذا يكون مرتدا إن أنكر صحبة أبي بكر أو إسلام العشرة أو إسلام جميع الصحابة، أو كفَّرَ الأربعة أو واحدا منهم فيكفر. قاله بعضهم. وفي علي الأجهوري: قوله "صحابيا" أي جنسه فيشمل سب الكل ومثل السب تكفير بعضهم ولو من الخلفاء الأربعة، بل كلام الإكمال يفيد عدم كفر من كفَّر الأربعة، وأن المعتمد يؤدب فقط خلافا لقول سحنون: يرتد، وأما من كفَّر جميع الصحابة فيكفر كما في الشامل؛ لأنه أنكر معلوما من الدين بالضرورة وكذب اللَّه ورسوله. انتهى. قال الرهوني: قول الزرقاني عن الأجهوري: بل كلام الإكمال يفيد عدم كفر من كفر الأربعة الخ سلم كلام الأجهوري وهو غير مسلم، فإن الأجهوري نقل كلام القرطبي والإكمال كما نقلهما الحطاب وفهم كلام الإكمال على خلاف ما فهمه الحطاب مصرحا بأن فهم الحطاب ليس على ما ينبغي وفيه نظر، بل ما فهمه منه الحطاب هو الحق والصواب، ونص الحطاب: وقال في الإكمال: وسب أصحاب النبي ﷺ وتنقيصهم أو واحد منهم من الكبائر المحرمات، وقد لعن النبي ﷺ فاعل ذلك، وذكر أنه من أذاه
стр. 8856
وأذى اللَّه تعالى وأنه لا يقبل منه صرف ولا عدل، واختلف العلماء ما يجب عليه فعند مالك ومشهور مذهبه إنما فيه الاجتهاد بقدر قوله والمقول فيه، وليس له في الفيء حق، وأما من قال فيهم إنهم كانوا على ضلالة وكفر يقتل، وحكى سحنون مثل هذا فيمن قاله في الأئمة الأربعة، قال: وينكل في غيرهم وحكي عنه يقتل في الجميع كقول مالك. انتهى.
فيفهم منه أن قول مالك أن من قال في أحد من الصحابة ولو كان من غير الأئمة الأربعة إنه على ضلالة وكفر يقتل، وانظر الشفا. وقد حكى فيه الخلاف حتى فيمن كفر عليا وعثمان، والذي جزم به ابن عبد السلام الشافعي في أماليه أنه لا يكفر بذلك. انتهى. انظر بقية كلامه فإنه شاف. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: عياض: سب آل بيت النبي ﷺ وأزواجه وأصحابه وتنقصهم حرام ملعون فاعله، ومشهور مذهب مالك في هذا الاجتهاد والأدب الموجع. انتهى. وقال التتائي: وعن بعض الأشياخ: من سب معاوية أو غيره فإن نسبه للضلال والكفر قتل، وإن نسبه لغير ذلك من مشاتمة الناس نُكِّلَ نكالا شديدا. انتهى.
وسب اللَّه كذلك قال الخرشي: لما فرغ من الكلام على ما يترتب على سب الأنبياء من قتل وغيره، شرع يتكلم على سب اللَّه تعالى، فذكر أن سب اللَّه تعالى كسب النبي أي صريحه كصريحه ومحتمله كمحتمله، فيقتل في الصريح ويؤدب في المحتمل، سواء كان الساب ذميا أو مسلما إلا أن في استتابة المسلم خلافا، كما قال: وفي استتابة المسلم خلاف يعني أن من سب اللَّه -تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا- يقتل كما علمت، فإذا كان مسلما فإنه اختلف فيه، فقيل: يستتاب فإن تاب لم يقتل وإن لم يتب قتل وهو الراجح، وقيل يقتل ولا تقبل توبته. ومفهوم قوله: "المسلم" أن الكافر الذي سب اللَّه إن أسلم لم يقتل، قال عبد الباقي: وسب اللَّه كذلك أي كسب النبي صريحه كصريحه ومحتمله كمحتمله، فيقتل في الصريح ويؤدب في المحتمل سواء كان الساب ذميا أو مسلما، إلا أن في المسلم خلافا كما أفاده بما هو كالاستثناء من التشبيه، فقال: وفي استتابة المسلم خلاف وإلا أن يسلم الكافر كما مر، وفي الجواهر: والحكم فيمن سب البارئ تعالى على ما تقدم إلا أنه يستتاب المسلم هنا على المشهور، وقيل الأكثر على عدمها، ثم قال: أما لو لعنه قتل، وإن قال زل لسانه على المنصوص. ولا يقال: كلام المصنف
стр. 8857
يدل على أن التشبيه في الأدب لأنا نقول قوله: "وفي استتابة المسلم خلاف" يدل على المراد إذ لو كان فيه الأدب لم يتأتَّ الاستثناء والراجح قبول توبته. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وفي استتابة المسلم خلاف أي هل تقبل توبته وهو أحد قولي ابن القاسم، أولا تقبل توبته وهو لابن القاسم أيضا؟ والراجح أنها تقبل توبته. انتهى. وفي الشفا أن ابن أبي زيد أفتى فيمن لعن رجلا ولعن اللَّه، فقال: إنما أردت أن ألعن الشيطان فزل لساني أنه يقتل بظاهر كفره ولا يقبل عذره. انتهى. وقال المواق: سحنون: من شتم الحقَّ سبحانه من اليهود والنصارى بغير الوجه الذي به كفر قتل ولم يستتب، قال ابن أبي زيد: إلا أن يسلم. وفي التفريع: من سب اللَّه سبحانه أو سب رسول اللَّه ﷺ من مسلم أو كافر قتل ولم يستتب، وقال المخزومي وابن مسلمة وابن أبي حازم: لا يقتل المسلم بالسب حتى يستتاب وكذلك اليهودي والنصراني، وقد تقدم نقل ابن يونس عن ابن القاسم أن من عاب رسول اللَّه ﷺ قتل ولم يستتب، وميراثه لجميع المسلمين وهو بمنزلة الزنديق الذي لا تعرف توبته لأنه يتوب بلسانه ويراجع ذلك في سريرته، وإن كان نصرانيا فإنه يقتل صاغرا. وسئل أصبغ عن رجل أيقن برجل أنه زنديق فاغتاله فقتله؟ فقال: هو محسن فيما بينه وبين اللَّه لكن يعزره السلطان للعجلة قبل أن يثبت ذلك للسلطان، ولكنه محسن إذ لعل الولاة تضيع مثل هذا ولا تصححه، وقال عيسى فيمن سمع نصرانيا يشتم النبي ﷺ فاغتاظ عليه فقتله، قال: لا شيء عليه إن أثبت أن ذلك كان يوجب عليه القتل.
كمن قال: لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه تشبيه في مطلق الخلاف؛ يعني أن من قال: "لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم استوجبه" اختلف فيه، فقيل يقتل وهو الراجح لأنه نسب الباري إلى الجور نسأل اللَّه تعالى السلامة، وقيل ينكل وعلى الراجح الذي هو القول بأنه يقتل اختلف هل يستتاب المسلم أم لا؟ قولان. قال عبد الباقي: تشبيه لإفادة الخلاف وإن لم يتحد المختلف فيه؛ إذ هو في الأول في قبول توبة المسلم وعدمها يعني مع اتفاق القولين على القتل، وفي الثاني في قتل القائل لنسبته الباري للجور، وهل يستتاب أولا قولان كما مر أولا يقتل بل يؤدب ويشدد عليه في التعزير لأن قصده الشكوى؟ انتهى. وقال الخرشي: تشبيه
стр. 8858
لإفادة الخلاف وإن لم يتحد المختلف فيه؛ إذ هو في الأول في قبول توبة المسلم وعدمها وهنا في قتل القائل وتنكيله، والمعنى أنه اختلف فيمن قال هذا القول، هل يقتل وهو الراجح لأنه نسب الباري إلى الجور، وهل يستتاب أولا؟ قولان كما مر أو لا يقتل بل يؤدب ويشدد عليه في التعزير لأن قصده الشكوى. انتهى.
وقال الشبراخيتي: "كمن قال لقيت في مرضي ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجبه" تشبيه في مطلق الخلاف أي هل يقتل القائل أو ينكل، وعلى القول بقتله يجري الخلاف في قبول توبته وعدمها، ثم إن القولين للمتأخرين فكان المناسب لاصطلاحه أن يعبر بالتردد. نبه عليه التتائي. انتهى. وقال المواق: عياض: اختلف أهل قرطبة في مسألة هارون أخي ابن حبيب وكان ضيق الصدر كثير التبرم، قال عند استقلاله من مرض: لقيت في مرضي هذا ما لو قتلت أبا بكر وعمر لم أستوجب هذا كله، فأفتى ابن حبيب بموافقة القاضي بتنكيله وتثقيل أدبه، وأفتى الغير بقتله. انتهى.
وفي الشفا: لو تكلم من لا يضبط كلامه وأهمل لسانه بسخف من القول مما فيه استخفاف بعظمة ربه أو يمثل شيئا ببعض ما عظم اللَّه من ملكوته، أو تكلم بما لا يليق في حق خالقه غير قاصد لكفر ولا عامد لإلحاد، فإن تكرر هذا منه وعرف به دل على تلاعبه بدينه واستخفافه بحرمة ربه وجهله بعظمته وهذا كفر لا مرية فيه، وقد أفتى ابن حبيب بقتل رجل خرج يوما فأخذه المطر، فقال: بدأ الخراز يرش جلوده وتوقف غيره في قتله ورآه عبثا من القول يكفي فيه الأدب، فقال ابن حبيب: دمه في عنقي؛ أيشتم ربا عبدناه ثم لا ننتصر له إنا إذا لعبيد سوء؟ وبكى فبلغ ذلك الأمير فأمر بقتل الرجل وصلبه. قال عياض: وأما من صدرت منه الهفوة الواحدة ولم تكن تنقصا أو إزراء فيعاقب بقدر مقتضاها وحال قائلها وشرح سبيلها، وقد سئل ابن القاسم عن رجل نادى رجلا باسمه فأجابه: لبيك اللَّهم لبيك؟ قال: إن كان جاهلا أو قاله على وجه سفه فلا شيء عليه. عياض: وشرح قوله أنه لا قتل عليه والجاهل يزجر ويعلم والسفيه يؤدب، ولو قالها على اعتقاد إنزاله منزلة ربه، كفر. انتهى.
стр. 8859
فَوائِدٌ: الأُولى: قال في الشفا: وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ : (من جحد آية من كتاب اللَّه تعالى من المسلمين فقد حل ضرب عنقه) (١)، وكذلك من جحد التورية والإنجيل وكتب اللَّه تعالى المنزلة، أو كفر بها أو لعنها أو سبها أو استخف بها فهو كافر، وقد أجمع المسلمون أن القرآن المتلو في جميع أقطار الأرض المكتوب في المصحف بأيدي المسلمين مما جمعه الدفتان من أول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، إلى آخر: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ أنه كلام اللَّه تعالى ووحيه المنزل على نبيه محمد ﷺ ، وأن جميع ما فيه حق وأن من نقص منه حرفا قاصدا لذلك أو بدله بحرف آخر مكانه أو زاد فيه حرفا مما لم يشتمل عليه المصحف الذي وقع عليه الإجماع وأجمع أنه ليس من القرآن عامد الكل هذا أنه كافر، ولهذا رأى مالك قتل من سب عائشة ﵂ بالفرية؛ لأنه خالف القرآن ومن خالف القرآن قتل أي لأنه كذب بما فيه. وقال ابن القاسم: من قال إن اللَّه تعالى: لم يكلم موسى تكليما يقتل، وقاله ابن عبد الرحمن بن مهدي، وقال محمد بن سحنون فيمن قال: المعوذتان ليستا من كتاب اللَّه تعالى تضرب عنقه إلا أن يتوب، وكذلك كل من كذب بحرف منه، قال: وكذلك إن شهد شاهد عدل على من قال إن اللَّه تعالى لم يكلم موسى تكليما، وشهد آخر عليه أنه قال إن اللَّه تعالى ما اتخذ إبراهيم خليلا؛ لأنهما اجتمعا على أنه كذب النبي ﷺ ، وقال أبو عثمان ابن الحداد: جميع من ينتحل التوحيد متفقون على أن الجحد لحرف من التنزيل كفر. وقال عبد اللَّه بن مسعود ﵁: من كفر بآية من القرآن فقد كفر به كله ومن كفر به قتل، وقال أصبغ بن الفرج: من كذب ببعض القرآن فقد كذب به كله، وسئل القابسي عمن خاصم يهوديا فحلف له بالتورية، فقال الآخر: لعن اللَّه التورية فشهد شاهد بذلك ثم شهد آخر أنه سأله عن القضية فقال إنما لعنت تورية اليهود، فقال أبو الحسن: الشاهد الواحد لا يوجب القتل، والثاني علق الأمر بصفة توجب التأويل إذ لعله لا يرى اليهود متمسكين بشيء من عند اللَّه تعالى لتبديلهم وتحريفهم، ولو اتفق الشاهدان على لعن التورية مجردا لضاق التأويل. وقد
стр. 8860
اتفق فقهاء بغداد على استتابة ابن سنوذ المقرئ أحد الأئمة المقرءين المتصدرين بها بقراءته وإقرائه بالشواذ من الحروف مما ليس في المصحف، وعقدوا عليه بالرجوع عنه والتوبة منه سجلا أشهد فيه بذلك على نفسه في مجلس الوزير أبي علي ابن مقلة سنة ثلاث وعشرين وثلاث مائة، وكان فيمن أفتى عليه بذلك أبو بكر الأبهري وغيره، وأفتى أبو محمد بن أبي زيد بالأدب فيمن قال لصبي: لعن اللَّه معلمك وما علمك، فقال أردت سوء الأدب ولم أرد القرآن، قال أبو محمد: فأما من لعن المصحف فإنه يقتل. انتهى.
الثانية: قال ابن حسام الدين -على ما أخبرني من أثق به- في سؤال وقع في شأن المهدي: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين هداة المسلمين أيدهم اللَّه بروح القدس في طائفة اعتقدوا شخصا من بلاد الهند مات سنة عشر وتسع مائة ببلد من بلاد العجم أنه هو المهدي الموعود به في آخر الزمان، وأن من أنكر هذا المهدي الميت فقد كفر، ثم ما حكم من أنكر المهدي الموعود؟ أفتونا رضي اللَّه عنكم، فأفتى الشيخ العلامة أحمد بن حجر الشافعي فسح اللَّه تعالى في عمره: الحمد للَّه رب العالمين وصلى اللَّه على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم، اللَّهم ارزقنا هداية لما اختلف فيه من الحق بإذنك وتوفيقا للصواب، اعتقاد هؤلاء الطائفة باطل قبيح، وجهل صريح، وبدعة شنيعه، وضلالة فظيعة، أما الأول فلمخالفته لصريح الأحاديث المستفيضة المتواترة بأنه من أهل بيت النبي ﷺ ، وأنه يملك الأرض شرقها وغربها ويملؤها عدلا لم يسمع بمثله، وأنه يخرج مع عيسى ﷺ فيساعده على قتل الدجال بباب لد بأرض فلسطين قرب بيت القدس، وأنه يؤم هذه الأمة وأن عيسى بن مريم يصلي خلفه وأنه يذبح السفياني وأنه يخسف بجيشه الذي يرسل به إلى المهدي بالبيداء بين مكة والمدينة فلا ينجو منهم إلا اثنان وغير ذلك من العلامات الكثيرة، وقد أفردتها بتأليف سميته بـ: القول المختصر في علامات المهدي المنتظر. ذكرت فيه نحوا من مائتي علامة جاءت عنه ﷺ وأصحابه وتابعيهم، جمعته من كتب الأئمة المؤلفة على سعتها وكثرة أحاديثها وطرقها وما فيها من الآثار الكثيرة والعجائب الشهيرة، وكل ذلك يضاد هؤلاء الطائفة المعتقدين في ذلك الميت أنه المهدي الموعود به المنتظر، ويكذبهم ويقضي بجهلهم بالسنة الغراء وبعنادهم وإنكارهم لما وردت به، إذ