← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

والثانية؛ يعني أن السورة إنما تسن في الركعة الأولى وفي الثانية، وهي سنة في كل ركعة بانفرادها من رباعية أو ثلاثية، أو ثنائية ولذا استحسن لفظه على من قال في الأوليين لعدم شموله الثنائية، فلو نسيها فيهما لم يقرأها في الأخريين خلافا لأبي حنيفة، وتحصل السنة ولو بآية قصيرة نحو: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ لا بعضها ما لم يكن له بال كآية الكرسي والدين: وترك إكمال السورة مكروه: قال الشيخ عبد الباقي: على المشهور، وقال الشيخ محمد بن الحسن: انظر من أين له هذا التشهير، فقد ذكر في التوضيح قولين لمالك بالكراهة والجواز من غير ترجيح، وليس في الحطاب تشهير وإنما فيه الكراهة، وإكمال السورة مندوب لعدم السجود إن لم يكملها. وقد يقال لا سجود لأنه سنة خفيفة، ويكره عدم إكمال السورة لما روي أنه ﷺ (نهى أن يصلي الرجل مختصرا (١)). قيل: لم يتم السورة. انظر الشادلي. وتكره السورة فيما عدا الأولى والثانية، وليقرأ السورة إذا كرر الفاتحة لعدم حصول السنة بتكريرها، وكونها بعد الفاتحة شرط لها فيعيدها إذا قدمها -كما مر- وفي سجوده قولان، وقيل: كونها بعدها سنة، فلو قدمها أتى بسنة وترك سنة، ويكره قراءة سورتين كما شهره ابن عرفة، وقيل: يجوز، والأفضل قراءة سورة واحدة، وينبغي أن يكون سورة وبعض أخرى مكروها وهذا في حق الفذ والإمام، وأما المأموم فيقرأ مع الإمام فيما يسر فيه إذا فرغ من السورة، وهو أفضل من سكوته، وله أن يدعو كما قاله الإمام الحطاب. وفيه: وإن ركع الإمام وهو في أثناء السورة أو الآية قطعها وركع، وابتدأ في الركعة الثانية بسورة غيرها. قاله في النوادر. ولا يكره تخصيص صلاته بسورة فيما يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. ويحرم تنكيس آي سورة واحدة بركعة واحدة أو زمن واحد ولو بغير صلاة، وأما تنكيس الآي بركعتين فمكروه، وكره تنكيس سورتين أو سور بصلاة أو غيرها إن قصد القرآن، فإن قصد الذكر المجرد كالذي يجمع تهليل القرآن أو تسبيحه فخلاف الأولى فقط، والأولى ترتيبه على ما في القرآن. ومن التنكيس المكروه قراءة النصف الأخير ثم الأول في ركعة أو ركعتين، وتحصل به السنة، وتبطل الصلاة بالتنكيس الحرام؛ لأنه كالكلام الأجنبي. وظاهر المصنف

стр. 912

حصول السنة ولو قرأ في الثانية سورة لا تلي المقروءة في الأولى بل بعدها وهو كذلك. كما قال الشيخ الأمير: وليس ترك ما بعد السورة الأولى هجرا لها. انتهى. ويكره عند الحنفية الفصل بسورة لا بسورتين فأكثر، وظاهره أيضا: ولو قرأ في الثانية سورة قبل السورة الأولى. وقال الباجي: يكره. وسمع ابن القاسم: هو من عمل الناس، وهو والترتيب سواء، ورواية مطرف: والترتيب أفضل. ابن رشد: لعمري إنه أحسن؛ لأنه جل عمل الناس، فعدم الترتيب من عمل الناس والترتيب جل عملهم. عياض: ولا خلاف في جوازه، وإنما يكره في ركعة واحدة، وتحصل السنة ولو كرر سورة الأولى في الثانية. ابن عرفة: مكروه، وذكر غيره أنه خلاف الأولى، وانظر هل يجري مثل ذلك في النفل أم لا؟ ويجوز في النافلة قراءة سورتين في ركعة واحدة من غير كراهة، وكره مالك تكرار ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ في ركعة ليلا يعتقد أن أجر قارئها ثلاثا كأجر قارئ القرآن لخبر: (إنها تعدل ثلث القرآن (١))، وليس معناه ذلك عند العلماء. ومقتضى كلامه في البيان أن: الكراهة خاصة بحافظ القرآن، وحكى ابن السيد عن الفقهاء والمفسرين أن: قراءة ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ثلاث مرات ثوابها كثواب ختمة كاملة، ويجري مثله في حديث: (إذا زلزلت تعدل نصف القرآن (٢)). قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ الأمير: ولا يقرأ السورتين إلا مأموم خشي من سكوته تفكرا مكروها، ولا يكره التزام سورة مخصوصة بخلاف دعاء مخصوص. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ولا يكره تخصيص الصلاة بسورة فيما يظهر. قال جامعه عفا الله عنه: قد مر عن ابن عرفة أن تكرير السورة مكروه، وعن غيره أنه خلاف الأولى. وحينئذ فمعنى ما ذكره هذان الشيخان من عدم كراهة تخصيص الصلاة بسورة حيث لم يكررها، بل التزم سورة في الأولى وسورة أخرى في الثانية. هذا على ما نقل عن ابن عرفة، وأما على ما لغيره فلا إشكال والله سبحانه أعلم. وفي ابن زكري على النصيحة الكافية: ومن آفات الصلاة أن يدخل فيها فيقف متفكرا فيما يقرأ من الآيات المناسبة لقصده، كأن يقرأ بـ ﴿أَلَمْ

стр. 913

نَشْرَحْ﴾ إذا كان مطلبه البسط. وحصول اليسر بعد العسر، وسورة الناس لذهاب الوسواس. ونحو ذلك وكأن يقرأ: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لرد الضالة. وهذا مذهب للخشوع مدخل في البدعة لكونه مخالفا للسنة: ومنها أن تكون له سورة معلومة لا يقرأ بغيرها في الصلاة لإخلاله بالسنة من التطويل في موضعه، أو التوسط في موضعه، أو التقصير في موضعه. ومنها التخفيف جدا بحيث يوقع في ترك الطمأنينة الفرض أو الزائد المسنون، لأجل أن الإمام مأمور بالتخفيف، وهذا جهل بالسنة يغلط فيه الناس. ومنها التطويل جدا حتى يذهب بالخشوع، وهو يعم الإمام والفذ أو يؤذي من خلفه، وهو خاص بالإمام وقد رأى بعض العلماء بطلان صلاة السمع والمصلي بتسميعه. انتهى. وقد مر عن الحطاب أنه إذا ركع الإمام والمأموم في أثناء السورة أو الآية، فإنه يقطعها ويركع ويبتدئ في الركعة الثانية بسورة غيرها. واعلم أن من نوى أن يقرأ سورة يستحب له أن لا يركع حتى يقرأ قدرها، [قال ابن القاسم من كتاب الوضوء (١)] فيما إذا وقف القارئ في الصلاة وأعيا: أحب إلي أن يبتدئ سورة أخرى. قال ابن رشد: وجه استحبابه أنه لما افتتح بسورة فقد نوى إتمامها فاستحب له أن لا يركع حتى يقرأ قدر ما كان نوى قراءته. وفي الصحيح (أن رسول الله ﷺ قرأ المؤمنون، فلما أتى على ذكر موسى أو عيسى، أو موسى وهارون أخذته سعلة، فركع (٢))، فدل ذلك على أنه يكتفى في السنة ببعض السورة، ولا تتوقف السنة على كمالها. وقوله: أو موسى وهارون، هو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾. وهذا إما اختلاف في الرواية أو شك فيها. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: وسننها سورة الخ. اعلم أن كل سنة في الفرض سنة في النافلة إلا الأربع الأول في كلامه هنا وهي السورة، والقيام لها، والجهر، والسر بمحلهما؛ فإن هذه الأربع مندوبة في النفل فلا يوجب السهو عنها، ولا عن بعضها سجودا، وسواء في ذلك الوتر وغيره. قال في البيان: ما زاد على الفاتحة في الوتر مستحب، وقوله: وسننها سورة. الخ هذا مع اتساع الوقت، وأما مع ضيقه فلا تقرأ السورة.

стр. 914

واعلم أن السهو في النافلة كالسهو في الفريضة إلا في خمس: السورة، والسر، والجهر بمحلهما -كما مر قريبا-، الرابعة إذا عقد ركعة ثالثة في النفل أتم رابعة بخلاف الفريضة، الخامسة إذا نسي ركعة من النافلة وطال فلا شيء عليه بخلاف الفريضة فإنه يعيدها. وذكر صاحب الألغاز عن ابن قداح: أن من ترك السورة في الوتر لا شيء عليه إن كان عمدا، وإن كان سهوا سجد، وإن ترك الفاتحة سهوا سجد لها ولم يعد. وقيام لها؛ يعني أن القيام للسورة في الفرض سنة في كل ركعة، فلو استند فيها بحيث لو أزيل العماد سقط صحت صلاته بخلاف ما لو جلس لأنه فعل كثير. وجهر أقله أن يسمع نفسه ومن يليه؛ يعني أن الجهر في صلاة الفرض سنة، وأقل الجهر الذي تحصل به السنة لرجل وحده أن يسمع نفسه ومن يليه إذا أنصت، ولا يستحب للمنفرد الزيادة على ذلك، وأما الإمام فيستحب له أن يرفع صوته ليسمع الجماعة الذين خلفه. واعلم أن أعلى الجهر لا حد له لكن لا يخرج به عن المعتاد، وقوله: ومن يليه، يعني لو كان معه أحد وأنصت له، وأما إذا لم ينصت له فلا يعتبر إسماعه. كما للشيخ إبراهيم. وأما المرأة فجهرها مرتبة واحدة وهو أن تسمع نفسها فقط، كما أن سرها مرتبة واحدة وهو أن تحرك لسانها فقط، فليس فيهما أعلى وأدنى، فإن اقتصرت في الجهرية على حركة اللسان سجدت قبل السلام. هذا الذي يدل عليه كلام ابن عرفة وغيره، قاله الشيخ محمد بن الحسن رادا على الشيخ عبد الباقي. في قوله: وأما المرأة فجهرها كأعلى سرها. انتهى. ونحو ما لعبد الباقي للشبراخيتي والحطاب. وظاهر كلام المصنف أن: الجهر جميعه في محله سنة واحدة وكذا السر، وعليه حمله المواق ومن وافقه لا أن كل واحد منهما في كل ركعة سنة، لكن يسجد لترك الجهر أو السر في ركعة واحدة؛ لأن البعض الذي له بال كالكل. واحترز بقوله: وحده، عن من معه مصل آخر، فإن حكمه في الجهر كحكم المرأة، ولا يجوز له أن يزيد على ذلك، كما أن المرأة لا تزيد على ذلك؛ لأن رفع صوتها عورة. واعلم أن المسجد وضع للصلاة، والقراءة تبع لها، فلا تجوز قراءة من يخلط على من يصلي. انظر الحطاب. وظاهره: ولو كان القارئ حسن الصوت والمصلي في

стр. 915

نفل، والظاهر نهي المصلي عن الجهر ولو اختلفت صلاتهم بالفرض والنفل. قاله الشيخ عبد الباقي. وسر؛ يعني أن السر في صلاة الفريضة سنة، والضمير في قوله: بمحلهما للسر والجهر، يعني أن السر والجهر إنما يسنان بمحلهما، فالجهر سنة بالمحل الذي شرع فيه من صلاة الفرض؛ وهو الصبح، والجمعة، والركعتان الأوليان من المغرب، والأولى والثانية من العشاء. ومحل السر أخيرة المغرب، وأخيرتا العشاء والظهر والعصر. وفي الشبراخيتي عن الطراز (أنه ﵊: كان يجهر في صلاته بالنهار)، وكان المنافقون يجدون بذلك وسيلة فيصفرون ويكثرون اللغط، فشرع الإسرار حسما لمادتهم. ولا بد من حركة اللسان كما مر، فمن قرأ بقلبه في الصلاة فكالعدم. واعلم أن أعلى السر حركة اللسان، وأقله أن يسمع نفسه. وكل تكبيرة يعني أن كل تكبيرة سنة بمفردها. البرزلي: وهو المشهور، فلو نسي السجود لثلاث وطال بطلت. وقيل: إن التكبير كله سنة واحدة وهو قوي. وعلى هذا القول المقابل للمشهور لا يعيد من سها عن التكبير كله. كما في الحطاب. إلا الإحرام يعني أن كون كل تكبيرة سنة إنما هو فيما عدا تكبيرة الإحرام، وأما تكبيرة الإحرام فهي ركن لا تصح الصلاة إلا بها. وسمع الله لمن حمده يعني أن قول سمع الله لمن حمده سنة عند الرفع من الركوع، وهل كل واحدة سنة أو الجميع يجري على الخلاف السابق في التكبير؟ وعلى الأول فهو عطف على تكبيرة، وعلى الثاني فهو عطف على سورة. وهل هو خبر؟ فمعناه استجاب الله دعاء من حمده، أو دعاء ومعناه: اللهم اسمع دعاء من حمدك. وقال بعض الأشياخ: المراد به الحث على الحمد والترغيب فيه، وإليه مال الحذاق. وعلى كل فسمع مجاز، وجعل الحمد دعاء ويستجيبه الله تعالى؛ لأن الحمد على النعمة يستدعي بقاءها وازديادها لنص: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾، وبذلك وجه: (أفضل الذكر لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء الحمد لله (١))، والأصل فيه أن الصديق ﵁ لم تفته صلاة خلف رسول الله ﷺ ، فجاء يوما يهرول وقت العصر وظن أنها فاتته، فاغتم فوجده ﷺ راكعا، فقال: الحمد لله، وكبر خلف رسول الله صلى

стр. 916

الله عليه وسلم، فنزل جبريل ورسول الله ﷺ في الركوع، فقال: يا محمد سمع الله لمن حمده، فقل: سمع الله لمن حمده فقالها عند الرفع من الركوع فصارت سنة من ذلك اليوم ببركة أبي بكر الصديق ﵁. قاله الشيخ إبراهيم. وكان قبل ذلك يركع بالتكبير ويرفع به. لإمام؛ يعني أن قول سمع الله لمن حمده سنة -كما مر- وذلك في حق الإمام، وأما المأموم فلا يقولها، ويقتصر الإمام عليها لخبر الوطإ [والصحيحين (١)]، أنه ﷺ قال: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٢))، أي وافقهم في النية والإخلاص، فكأنه قال: من قال هذا القول مثل قول الملائكة في الإخلاص والخشوع واستحضار النية والسلامة من الغفلة غفرت له ذنوبه المتقدمة. قاله الشيخ إبراهيم، ابن حجر: في الحديث إشعار بأن الملائكة تقول ما يقوله المأمومون. وفذ، يعني أن الفذ كالإمام في سنية سمع الله لمن حمده. ومر أن الإمام يقتصر عليها، وأما الفذ فإنه يزيد عليها استحبابا: ربنا ولك الحمد كما يأتي. تنبيه: أجاد المصنف ﵀ في تبيين أحكام فرائض الصلاة، وسننها، ومندوباتها، ومكروهاتها، وترك ذكر صفتها اتكالا على شهرتها ومعرفة الخاص والعام بتكرر وقوعها، ولا بأس بذكر صفتها على سبيل الإيضاح. فأقول: قال الشيخ أبو محمد: والإحرام في الصلاة أي الدخول فيها فرضا كانت أو نفلا أن تقول: الله أكبر، لا يجزئ غير هذه الكلمة، وقد مر الكلام عليها. وترفع يديك؛ أي حال إحرامك حذو منكبيك، أو دون ذلك القول الأول انتهاء رفع اليدين إلى المنكبين، وانتهاء رفعهما على القول الثاني المشار إليه بأو إلى الصدر. الأقفهسي: والرجل والمرأة في حد الرفع سواء. انتهى. وانظره مع قول القرافي المشهور أن منتهى الرفع إلى حذو المنكبين، وهذا في حق الرجل. وأما المرأة فدون ذلك إجماعا، ثم بعد أن تفرغ من التكبير

стр. 917

تقرأ؛ أي تتبع [التكبير بالقراءة (١)]، من غير أن تفصل بينهما بشيء، فقد كره مالك ﵀ في القول المشهور عنه، التسبيح والدعاء بين تكبيرة الإحرام والقراءة، واستحب بعضهم الفصل بينهما بلفظ: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك. فإن كنت في الصبح قرأت جهرا بأم القرآن لا تستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن، ولا في السورة بعدها لا سرا ولا جهرا، إماما كنت أو غيره، فإذا قلت ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقل: آمين إن كنت وحدك أو خلف إمام، ولا يقولها الإمام فيما جهر فيه، ويقولها فيما أسر فيه، وفي قوله إياها في الجهر اختلاف. ثم إذا فرغت من قراءة أم القرآن تقرأ سورة لا تفصل بينهما بدعاء ولا غيره من طوال المفصل، وإن كانت أطول من ذلك فحسن بقدر التغليس، وتجهر بقراءتها أي السورة، فإذا تمت السورة كبرت في حال انحطاطك إلى الركوع، فتمكن يديك من ركبتيك، وتسوي ظهرك مستويا، أي معتدلا لما روى ابن ماجة (أنه ﷺ كان يسوي ظهره (٢))، ولا ترفع رأسك ولا تطأطئه؛ أي لا تصوبه إلى أسفل، وتجافي أي تباعد بضبعيك؛ أي عضديك بفتح الضاد وسكون الباء الموحدة، وهذا التجنيح مندوب: وتعتقد أي بقلبك الخضوع بذلك. قال بعضهم: الإشارة تعود على ما تقدم من الانحناء والتجافي وتسوية الظهر وتمكين اليدين من الركبتين. ومنهم من قال: تفسيرها ما بعدها؛ وهو قوله: بركوعك وسجودك ولا تدعو في ركوعك. قوله: ولا تدعو، قال الشادلي: هكذا رويناه بإثبات الواو بصيغة الخبر، والمراد به النهي على جهة الكراهة لما صح أنه ﷺ قال: (أما الركوع فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم (٣)): أي حقيق، ولا يعارضه ما صح أنه ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده: (سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي (٤))؛ لأن هذا محمول على بيان الجواز، والأول على بيان الأولوية. انتهى. وقل إن شئت أي في سجودك: سبحان

стр. 918

ربي العظيم وبحمده. الجزولي: هو مستحب فكيف يخير في فعله وتركه، وليس في ذلك توقيت قول: قوله في ذلك، أي عدد ما يقوله في الركوع وكذلك في السجود، وقوله: توقيت قول؛ أي تحديد ما يقوله لقوله ﵊: (أما الركوع فعظموا فيه الرب (١))، ولم يعلق ذلك. واستحب الشافعي أن يسبح ثلاثا لما في أبي داوود والترمذي أنه ﵊ قال: (إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات، فقد تم ركوعه وذلك أدناه. وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه (٢)) ولا حد في اللبث أي المكث في الركوع، يريد في أكثره، وأما أقله فسيذكره. ثم إذا فرغت من التسبيح في الركوع، ترفع رأسك وأنت قائل: سمع الله لمن حمده إن كنت إماما أو فذا، ثم تقول مع ذلك: اللهم ربنا ولك الحمد إن كنت وحدك أو خلف إمام، وتخفيها ولا يقولها الإمام، ولا يقول المأموم سمع الله لمن حمده، وإنما يقول: اللهم ربنا ولك الحمد. والأصل في هذا التفصيل ما في الموطإ وغيره أنه ﷺ قال: (إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا اللهم ربنا ولك الحمد فإنه من وافق قوله قول الإمام (٣) غفر له ما تقدم من ذنبه (٤))، وهذا الحديث اقتضى أن الإمام لا يقول: ربنا ولك الحمد، وأن المأموم لا يقول: سمع الله لمن حمده، وإذا رفعت رأسك من الركوع فإنك تستوي قائما مطمئنا مترسلا، معناه متمهلا، أو هو مرادف لقوله مطمئنا، ثم تهوي ساجدا ولا تجلس، ثم تسجد حتى يكون سجودك من جلوس، كما يقوله بعض أهل العلم. قوله: ثم تهوي ساجدا، لفعله ﵊، وما قاله بعض أهل العلم مستند لفعله ﵊ أيضا والجواب عنه ما قالته عائشة ﵂ (أنه ﷺ إنما فعل ذلك في آخر أمره لما بدن (٥))، أي ثقلت حركة أعضائه الشريفة لارتفاع سنة، وهذا الجلوس إن

стр. 919

وقع سهوا ولم يطل لم يضر، وإن طال سجد له، وإن كان عامدا فالمشهور أنه إن لم يطل لم يضر، وتكبر في حال انحطاطك للسجود، وتمكن جبهتك وأنفك من الأرض، وتباشر بكفيك الأرض باسطا يديك، فيه تكرار مع قوله: وتباشر بكفيك الأرض؛ لأنه لا يكون ذلك إلا مع البسط، وإن سجد وهو قابض بهما شيئا كره مستويتين إلى القبلة تجعلهما حذو أذنيك أو دون ذلك، والأصل في ذلك كله فعله ﵊، وكل ذلك أي وضعهما حذو أذنيك أو دونهما واسع: أي جائز، غير أنك لا تفترش ذراعيك في الأرض. أتى به ليرفع توهم أنه له أن يضع يديه على أي وجه كان، لقوله واسع، (وصح أنه ﵊ نهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع (١)). وفي رواية (افتراش الكلب (٢)) ولا تضم عضديك إلى جنبيك، ولكن تجنح بهما تجنيحا وسطا، وهذا التجنيح مستحب في الرجل. وسيأتي الكلام على المرأة، وتكون رجلاك في سجودك قائمتين، وبطون إبهاميهما إلى الأرض، وكذلك بطون سائر الأصابع، ويزاد على هذا الوصف أن يفرق بين ركبتيه، وأن يرفع بطنه عن فخذيه، وهذا كله على جهة الاستحباب. (ودليله من السنة (٣))، وتقول إن شئت في سجودك: سبحانك رب إني ظلمت نفسي وعملت سوءا فاغفر لي، أو تقول غير ذلك إن شئت. وأتى بهذا ليرد على من يقول: التسبيح واجب، وتدعو في سجودك إن شئت. وظاهره التخيير. والذهب استحبابه، وليس لطول ذلك أي السجود وقت، أي حد، وأقله أن تطمئن مفاصلك اطمئنانا متمكنا، ثم إذا فرغت من الدعاء والتسبيح في السجود، ترفع رأسك بالتكبير فتجلس وجوبا بمقدار ما يقع الاعتدال، فتثني؛ أي تعطف رجلك اليسرى في جلوسك بين السجدتين، وتنصب؛ أي تقيم رجلك اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض، ولا تختص هذه الصفة بالجلوس بين السجدتين، بل هي صفة جميع الجلوس في الصلاة، وإذا رفعت رأسك من السجود فإنك ترفع أيضا يديك عن الأرض فتجعلهما

стр. 920

على ركبتيك، فإن لم ترفعهما عن الأرض ففي بطلان صلاتك قولان، أشهرهما على ما قال ابن عمر: البطلان، والأصح على ما قال القرافي: عدم البطلان. قاله الشادلي. ثم تسجد السجدة الثانية -كما فعلت أولا-، ثم تقوم من الأرض كما أنت معتمدا على يديك، وهذا الاعتماد مستحب، ولا ترجع جالسا لتقوم من جلوس، ولكن كما ذكرت لك في السجود؛ وهو أنك تهوي إليه من قيام لا من جلوس. فكذلك ترجع إلى القيام من السجود من غير جلوس ليكون قيامك من سجود لا من جلوس. وتكبر في حال قيامك ثم تقرأ كما قرأت في الركعة الأولى، وتفعل مثل ذلك سواء. قيل: الإشارة عائدة على الجهر، وقيل: على الركوع، وقيل: على جميع ما ذكر وعليه يكون قوله بعد: ثم تفعل في السجود الخ، تكرار غير أنك تقنت بعد الركوع، وإن شئت قنت قبل الركوع بعد تمام القراءة، والقنوت: اللهم إنا نستعينك الخ، وتفعل في السجود والجلوس كما تقدم من الوصف، فإذا جلست بعد السجدتين، نصبت رجلك اليمنى وبطون أصابعها إلى الأرض، وثنيت اليسرى، وأفضيت بأليتك، أي مقعدتك اليسرى إلى الأرض، وهذه هي الرواية الصحيحة. ويروى بأليتيك بالتثنية، وهي خطأ؛ لأنه إذا جلس عليهما كان إقعاء؛ وهو مكروه. قاله الشادلي. ولا تقعد على رجلك اليسرى تكرار، وإن شئت أحنيت اليمنى في انتصابها فجعلت جنب بهمها إلى الأرض فواسع، ثم تتشهد، والتشهد: التحيات لله الخ، وقوله: أخيرا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، المشهور أنه لا يعيده. وعن مالك: يستحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول: السلام علينا الخ، ثم تقول: السلام عليكم تسليمة واحدة عن يمينك تقصد بها قبالة وجهك، وتتيامن برأسك قليلا هكذا يفعل الإمام والرجل وحده، وأما المأموم فيسلم واحدة يتيامن بها قليلا، ويرد أخرى على الإمام قبالته يشير بها إليه بقلبه، وقيل برأسه إذا كان أمامه، وإن كان خلفه أو على يمينه أو على يساره ترك الإشارة إليه برأسه، ويرد أخرى على من كان سلم عليه عن يساره، فإن لم يكن سلم عليه أحد لم يرد على يساره شيئا ويجعل يديه في تشهديه على فخذيه، ويقبض أصابع يده اليمنى، ويبسط السبابة مشيرا بها وقد نصب حرفها إلى وجهه. واختلف في تحريكها، فقال ابن القاسم: يحركها، وقال ابن مزين: لا يحركها،

стр. 921

وعلى أنه يحركها فهل في جميع التشهد أو عند الشهادتين فقط؟ قولان، وعليهما فهل يمينا وشمالا، أو أعلى وأسفل؟ قولان والقراءة في الظهر بنحو القراءة في الصبح من الطول، في قول، وهو لأشهب وابن حبيب: ودون ذلك في قول مالك ويحيى، أي في الركعتين الأوليين، ويفعل في جميعها من الركوع والسجود وغير ذلك -كما مر في الصبح- إلا أنه يسر القراءة ويجلس فيها بعد ركعتين، فيتشهد إلى قوله: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ويقرأ في الأخيرتين منها بالفاتحة فقط سرا، ويتشهد بعدهما ويسلم -كما مر في الصبح- وكذا يفعل في العصر إلا أنه يقرأ في الأوليين منها بسورتين من قصار المفصل، ويفعل في المغرب مثل ما مر في الصبح، إلا أنه يقرأ في الأوليين منها بسورتين من قصار المفصل، ويتشهد بعدهما إلى قوله: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم يأتي بركعة بالفاتحة فقط سرا، ثم يتشهد ويسلم -كما مر في الصبح-، ويفعل في العشاء كما مر في الظهر والعصر من غير فرق، إلا أنه يقرأ في الأوليين بسورتين من متوسط المفصل يجهر فيهما، والجمعة مثل الصبح من غير فرق. وكل تشهد؛ يعني أن كل تشهد سنة مستقلة وسواء في ذلك التشهد الثاني وغيره، ولو في مسائل البناء والقضاء، وشهره ابن بزيزة، فإنه حكى في التشهدين ثلاثة أقوال المشهور أنهما سنتان، وقيل: فضيلتان، وقيل: الأول سنة والثاني فريضة، ويكفي في حصول السنة تهليلة واحدة، وقوله: وكل تشهد أي للإمام والمأموم والفذ، وإن نسيه المأموم حتى قام الإمام فليقم ولا يتشهد، ويتشهد المأموم بعد سلام الإمام حيث لم ينفصل الإمام عن محله، ولو تحول تحولا يسيرا لا يكون منفصلا به عن محله بخلاف ما إذا انفصل عن محله فلا يفعله. قاله الشيخ عبد الباقي. وغيره. قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر، والذي نقله الحطاب عن سند عند قول المصنف في السهو: كتشهد، ما نصه: فإن كان مأموما وذكر التشهد قبل السلام وبعد سلام إمامه وقيامه قال ابن القاسم: يتشهد ويسلم، فانظر قوله: وقيامه. ونقل عقبه عن النوادر ما نصه: قال ابن القاسم عن مالك: من نسي التشهد الأخير حتى سلم الإمام، فليتشهد ويسلم، وإن نسي التشهد الأول حتى قام الإمام فليقم معه ولا يتشهد. انتهى. وفي القلشاني: والمشهور في المذهب أنه -يعني-

стр. 922

التشهد سنة واحدة. وقيل: كل واحد سنة، وقيل: الأخير واجب. انتهى. وقوله: وكل تشهد سواء كان بما ورد عن عمر ﵁ أو بغيره بدليل ما يأتي. وقد مر أنه يكفي في تحصيل السنة تهليلة واحدة، وأما قول الشيخ أبو محمد: فإن سلمت بعد هذا أجزأك في تحصيل الأكمل، وإلا فيجزئ تهليلة واحدة. والله سبحانه أعلم. وفي الشبراخيتي: لو نسي المأموم التشهد حتى سلم الإمام تشهد ولا يدعو. قال سند: معناه أن الإمام لم ينفصل عن محله، وأما لو انفصل لم يتشهد، ثم إن قول سند معناه أن الإمام لم ينفصل عن محله، يفيد أنه يأتي بالتشهد بعد سلام الإمام حيث لم يقم الإمام من محله، ولو تحول تحولا يسيرا لا يكون به منفصلا عن محله. والظاهر أنه إذا أطال السجدة الثانية حتى سلم الإمام أنه يجري فيه التفصيل المذكور. انتهى. وقوله وكل تشهد، سمي التشهد تشهدا لاشتماله على النطق بشهادة الحق تغليبا لها على بقية أذكاره لشرفها، ولم يوجبه مالك وأبو حنيفة، بل قال مالك: سنة واجبة. أحمد وجماعة: في الجلوسين معا، وأوجبه الشافعي في الأخير دون الأول، ورواه عن مالك أبو مصعب، وقال: من تركه بطلت صلاته. قاله سيدي محمد بن عبد الباقي. والجلوس الأول عطف على سورة، يعني أن من سنن الصلاة الجلوس الأول؛ أي ما عدا الأخير فيشمل مسائل البناء والقضاء، ولم يقل: وكل جلوس ليلا يدخل فيه الجلوس بين السجدتين، وقوله: والجلوس الأول أي كل واحد منه سنة مستقلة، وأفاد بقوله: والجلوس الأول أنه تحصل سنته، وإن لم يقرأ فيه تشهدا بخلاف قيام السورة حيث قال: وقيام لها. قاله مقيده عفا الله عنه. والزائد على قدر السلام من الثاني، يعني أن الجلوس الأخير، وهو المراد بالثاني ما زاد منه على قدر تسليمة التحليل سنة، وأما الجلوس الذي تقع فيه تسليمة التحليل فهو واجب، فقوله: الثاني؛ أي ما فيه السلام ثانيا أو ثالثا أو رابعا أوأول كما في الصبح. وقوله: "والزائد على قدر السلام من الثاني"، فيه إجمال، وذلك لأن حكم الظرف حكم المظروف، فالجلوس للتشهد سنة، وللصلاة على رسول الله ﷺ في كونه سنة وفضيلة خلاف، وللدعاء مندوب قبل سلام الإمام، وبعده مكروه، وللرد سنة، وللسلام واجب. وقوله: والزائد الخ، أي هو سنة مستقلة.

стр. 923

وعلى الطمأنينة؛ يعني أن ما زاد من الطمأنينة على الطمأنينة التي يحصل بها الفرض سنة مستقلة. قال الشيخ عبد الباقي: وانظر ما قدر هذا الزائد في حق الفذ والإمام والمأموم، وهل هو مستو فيما يطلب فيه التطويل، وفي غيره كالرفع من الركوع، ومن السجدة الأولى أم لا؟ ومقتضى المصنف استواؤه في جميع ما ذكر، وانظر لو طول فيه بحيث يعتقد الناظر له أنه ليس في صلاة، هل تبطل صلاته بذلك أم لا؟ والظاهر الأول، وصرح ابن عمر بالكراهة في الركوع خاصة، فقال في قول الرسالة: ولا حد في اللبث، أي الإقامة للركوع، وهذا في حق الفذ ما لم يطل جدا حتى يتعدى عن الحد، فإذا أفرط جدا فإنه يكره؛ وهذا في الفريضة، فأما النافلة فإنه يطول فيها ما شاء، ويكره في حق الإمام أيضا ما لم يضر بالناس انتهى. كلام الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم: فلو أطال فيه جدا وأفرط بحيث يعتقد الناظر أنه ليس في صلاة، فإنه يكره في الإمام والفذ. كما قاله ابن عمر. وسكت عن المأموم؛ لأنه محدود في المأموم بأن لا يتلبس الإمام بفعل بعد الفعل الذي هو فيه كما يأتي عند قوله: "لكن سبقه ممنوع والظاهر البطلان". انتهى. وقال الشيخ محمد بن الحسن: انظر من نص على أن الزائد على الطمأنينة سنة، ونص اللخمي: اختلف في حكم الزائد على أقل ما يقع عليه اسم طمأنينة، فقيل: فرض موسع، وقيل: نافلة وهو الأحسن. انتهى. وقال ابن عرفة: والزائد على أقلها، ابن شعبان: فرض موسع، وبعضهم نفل، وصوبه اللخمي. انتهى. وهكذا عبارتهم في أبي الحسن وغيره. انتهى. ورد مقتد على إمامه؛ يعني أن من سنن الصلاة أن يرد المقتدي على إمامه تسليمة واحدة بعد تسليمة التحليل، ولا بد أن يكون المقتدي أدرك مع الإمام ركعة فأكثر كما يشعر به كلامه، إذ لا يصدق عليه أنه إمامه إلا بذلك بقي إمامه أو انصرف. ويشير إليه بقلبه لا برأسه ولو كان أمامه، وسمي ردا لأن الإمام يقصد بسلامه للتحليل الخروج من الصلاة، ويحصل سلامه على المصلين والملائكة تبعا فلذا لم يجب الرد، ويطلب الرد من المأموم على الإمام وعلى من على يساره، وإن لم يقصد واحد منهما السلام عليه. وفهم من قوله: "رد" أنه لا يسلم على الإمام قبل التحليل وهو كذلك، فإن فعل سجد قبل السلام. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "فإن فعل" الخ، أي سهوا كما

стр. 924

هو ظاهر. وعلم مما مر أن المقتدي لو لم يدرك مع الإمام إلا أقل من ركعة فإنه لا يرد عليه. واعلم أن رد المقتدي على الإمام سنة مستقلة. ثم يساره، يعني أنه يسن للمقتدي أيضا أن يرد على من على يساره من المأمومين تسليمة ثالثة بعد رده على الإمام تسليمة ثانية، فكل من الردين سنة مستقلة. ومحل رد المقتدي على يساره إذا كان به، أي في يساره أحد مقتد، حصلت منه ركعة فأكثر كما علم من أول الحل بقي أو انصرف؛ وهو يشمل كل من على اليسار من المأمومين مسبوقا أو غير مسبوق ولو صبيا، وظاهره مسامتته له لا تقدمه أو تأخره عنه، وظاهره قرب منه أو بعد جدا، وظاهره أيضا فصل بينه وبينه فاصل كرجل لا يصلي معه، أو كرسي أو منبر أولا وحرر الجميع نقلا. قاله الشيخ عبد الباقي. قال جامعه عفا الله عنه: يكفي من النص الظواهر. والله سبحانه أعلم. وقوله: "ثم يساره"، هل يشير برأسه إلى من بجهة اليسار؟ ويأتي عن الحطاب ما يفيد ذلك. والله سبحانه أعلم. وسيأتي عنه أيضا ما يفيد تقوية الرد على الإمام بالنية؛ أي يقصده بالسلام الملفوظ به، ولا يشير إليه برأسه. والله سبحانه أعلم. ومن لم يدرك ركعة لا يرد على من باليسار، كما لا يرد على الإمام، بل يسلم سلام الفذ. وقيل: يقدم في الرد من على اليسار على الإمام والظاهر ندبه على كليهما، وقيل: يخير في ذلك، ويجب تقديم تسليمة التحليل على ما بعدها، وكلام الشيخ عبد الباقي غير صحيح، وقيل: إن تسليمتي الرد سنة واحدة، وقيل: فضيلتان، ويقتصر الفذ والإمام على تَسْليمَةٍ واحدة على المشهور وعليه العمل. ابن يونس: وقد سلم النبي ﷺ تسليمة واحدة وكذلك أبو بكر وعمر وعثمان وغيرهم ﵃ (١). وإنما قُدم الإمام في الرد تشريفا له، ولخبر أبي داوود: (سلموا على اليمين ثم على قارئكم ثم على أنفسكم (٢))، والذي يظهر من الحطاب أن الذي هو سنة على

стр. 925

المعتمد رد المقتدي على الإمام؛ لأنه عزاه لابن يونس وابن رشد والقرافي، وارتضاه القباب، ولم يتعرض هؤلاء لحكم الرد على من باليسار. قاله الشيخ إبراهيم. وما ذكره المصنف من أن المقتدي يسلم ثلاث تسليمات هو المشهور، وقيل: يسلم تسليمتين الأولى عن يمينه للخروج من الصلاة، والثانية على الإمام وهذا القول رواية عن مالك. قال الإمام الحطاب بعد جلب نقول: وظاهر كلام هؤلاء الجماعة أن الثانية إنما يقصد بها الرد على الإمام، والذي في كلام الباجي في المنتقى أنه على هذا القول يقصد بها الرد على الإمام والمأمومين، واختار هذا القول ابن العربي، إلا أن ظاهر كلام الجماعة المتقدمين أن المأموم يسلم الثانية تلقاء وجهه، وابن العربي أنه يسلمها عن يساره، ونصه: الذي أقول به أن يسلم اثنتين واحدة عن يمينه يعتقد بها الخروج من الصلاة، والثانية عن يساره يعتقد بها الرد على الإمام والمأمومين، والتسليمة الثالثة احذروها فإنها بدعة لم تثبت عن النبي ﷺ ، ولا عن الصحابة، وحديث عائشة معلول. انتهى. وفي الحطاب: أن الظاهر أن المراد بالإشارة القصد؛ يعني في الرد على الإمام لا الإشارة بالرأس، والرد على الإمام مجمع عليه، وقد مر الخلاف فيمن يقدم في الرد على ثلاثة أقوال، ووجه القول بتقديم الرد على الإمام أنه سبق بالسلام، فيقدم الرد عليه على الرد على غيره، ووجه تقديم الرد على من باليسار أنه يجب اتصال الرد بالتحية لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ والإمام قد انقطع اتصال تحيته بسلام المأموم: فإذا انخرم ذلك في حقه فلا ينخرم في حق المأموم مع إمكانه، ووجه القول بالتخيير تعارض مقتضى التقديم مع الاتفاق على أن ذلك على جهة الأولى، وإذا سلم المقتدي على من باليسار، فهل يشترط في ذلك التأخير حتى يسلم من على اليسار؟ ليس فيه نص، والظاهر أنه ليس يشترط. قاله الحطاب عن القرافي. وفي الشامل: والمسبوق كغيره، وقيل: إن كان الإمام ومن على يساره لم يذهبا، وإلا فواحدة، ولا يرد على الإمام ولا من على اليسار إلا من أدرك ركعة فأكثر. كما مر. وما تقدم من أن التحية يجب اتصالها بالرد الظاهر أن معناه أن ذلك سنتها، فقد مر أن الملبي، والمؤذن يردان السلام بعد فراغهما. انظر الحطاب. وقد مر أن الإمام والفذ يقتصران على تسليمة واحدة على المشهور.

стр. 926

ومقابل المشهور ما روي عن مالك أن الفذ يسلم تسليمتين واحدة عن يمينه وواحدة عن يساره. رواه مطرف في الواضحة. قال: وبهذا كان يأخذ مالك في خاصة نفسه، وكذا روي عن مالك أن الإمام يسلم تسليمتين كالفذ، ولا يسلم من خلفه حتى يفرغ منهما، ولم يشترط أحد تسليمتين، وكل من أثبت التسليمة الثانية يقول إنها غير واجبة إلا ابن حنبل والحسن، وهو باطل بإجماع من تقدمهما ومن تأخرهما، فلو أحدث المصلي بعد فراغه من التسليمة الأولى لم تفسد صلاته، وعلى هذا القول الذي هو مقابل للمشهور؛ أعني القول بأن الإمام يسلم تسليمتين لا يقوم المسبوق لقضاء ما عليه حتى يفرغ الإمام منهما، فإن قام بعد تسليمة واحدة، فبيس ما صنع ولا يعيد. قاله الحطاب. وقال عبد الباقي: فإن كان مذهب الإمام أن لا يخرج من الصلاة إلا بالتسليمة الثانية لم يسلم المأموم إلا بعد الثانية، فإن سلم بعد الأولى عصى وصحت. انتهى. وجهر بتسليمة التحليل؛ يعني أن من سنن الصلاة الجهر بتسليمة التحليل لكل مصل إماما أو مأموما، أو فذا فرضا أو نفلا وفي سجود سهو، واحترز بقوله: فقط، من غير تسليمة التحليل من رد المأموم على الإمام ومن على اليسار، فإن الأفضل فيهما السر، وندب لكل مصل الجهر بتكبيرة الإحرام، ويندب للمأموم والفذ السر بغيرها من التكبير، وبسمع الله لمن حمده، ويندب للإمام الجهر بهما للإسماع، ويندب لكل مصل السر بغير ذلك من ذكر الصلاة، كما في الحطاب عند قوله: "وقنوت". ونقل عن البرزلي: أن الجهر بالتشهد والقنوت لا يجوز، ويعيد من تعمد ذلك، ويسجد الساهي إلا أن يكون خفيفا. ثم قال بعد ذلك: وأما الجهر بالتشهد والقنوت فالمعلوم من المذهب أن الجهر بالذكر لا يبطل الصلاة، بل تركه مستحب خاصة، وجهر المرأة في القراءة وغيرها أن تسمع نفسها وسنية الجهر بتسليمة التحليل في حق الرجل الذي ليس معه من يخلط عليه، وأما من معه من يخلط عليه بجهره بها، أن يسمع نفسه فقط، وقد يقال لخفة السلام لا يحصل بالجهر به تخليط فليس مخالفا لغيره في الجهر. وإن سلم على اليسار، يعني أنه إذا سلم المصلي على اليسار إماما أو مأموما، أو فذا قاصدا للتحليل ثم بعد سلامه للتحليل، تكلم عمدا أو سهوا لم تبطل صلاته، فإن قيل: ما فائدة قوله:

стр. 927

"تكلم"، فإنه حيث سلم للتحليل لا تبطل صلاته بموجب بطلان حدث بعد سلام التحليل، فلو حذفه لكان حسنا؟ فالجواب أن اللخمي قال: اختلف في المأموم يسلم على يساره، ثم عن يمينه بعد أن تكلم، فقيل: تبطل صلاته، وقيل: لا تبطل. حكى ابن أبي زيد البطلان عن ابن شعبان، قال: ولا وجه له، فظهر من هذا أن قول المصنف: "ثم تكلم" أتى به للرد على ما لابن شعبان. فإنه يقول ببطلان صلاة من سلم على اليسار، ثم بعد أن تكلم سلم عن يمينه، فظاهره أنها تبطل ولو قصد بتسليمه عن يساره التحليل. والله سبحانه أعلم. والمختار من ذلك التفصيل بين أن يسلم عامدا للخروج بها فلا تبطل، وبين أن لا يقصد بها الخروج من الصلاة، فصلاته باطلة؛ لأنه قد تكلم قبل سلامه عمدا. كما نقله الشيخ محمد بن الحسن، عن ابن عرفة. وقال الإمام الحطاب عند قول المصنف: "وإن سلم على اليسار الخ "، يريد: إذا سلم قاصدا بذلك التحليل، وأما إن قصد به الفضيلة فتبطل كما صوبه ابن عرفة. انتهى. وقال الشيخ الأمير: ولو تعمد التحليل عن اليسار أجزأ وخالف المطلوب، فإن سها عن التحليل وسلم للفضل صح إن عاد بقرب؛ كإن قدم ناويا العود، وإلا بطلت. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: إن هذا التفصيل خاص بالمأموم الذي على يساره أحد، ونسب ذلك للحطاب. وقال: فإذا لم يكن على يساره أحد فالصلاة صحيحة، فإن لم يقصد شيئا جرى على الخلاف في اشتراط نية الخروج بالسلام. انتهى. واعترض الشيخ محمد بن الحسن نسبة ذلك للحطاب قائلا: ليس القيد المذكور فيه، بل لم يزد الحطاب على التقييد بقصد التحليل، قال: وإلا بطلت. كما صوبه ابن عرفة. انتهى. وتحصل مما مر أنه لو قصد المأموم الفضيلة، ثم يرجع لتسليمة التحليل، بطلت إن تكلم عمدا لا سهوا، فيسلم ويسجد بعد. فإن لم يسلم وطال بطلت، كما إذا لم ينو العود حين قدم تسليمة الفضل عامدا، ولو لم يتكلم فتسليمه للفضل مع نية العود للأولى ليس كالكلام الأجنبي. وسترة؛ يعني أن من سنن الصلاة السترة على ظاهر المدونة عند المازري وابن عبد البر وابن حبيب، والمعتمد أنها مستحبة. ففي التوضيح: الأمر أمر ندب كذا قال الباجي وغيره، وفي الشامل: والسترة مستحبة، وقيل: سنة. وقال الشيخ أبو الحسن الصغير: السترة من فضائل الصلاة، وقال القاضي عياض. في قواعده: من فضائل الصلاة الدنو من السترة، وعدها ابن رشد من فضائل الصلاة، وقال

стр. 928

ابن ناجي: اختلف في السترة على ثلاثة أقوال: الأول أنها مستحبة، قاله: عياض، ومثله للباجي. الثاني: سنة قاله في الكافي، الثالث: واجبة وَرُدَّ. لإمام وفذ؛ يعني أن السترة تسن للإمام والفذ بصلاة، ولو نفلا أو سجود سهو أو تلاوة؛ لأن كلا صلاة. كذا يظهر. قاله الشيخ عبد الباقي. وشرعت السترة ليجتمع قلب العبد لمناجاة ربه، ولهذا شرعت الصلاة لجهة واحدة، وشرع فيها الصمت، وترك الأفعال العادية، ولذا لا تقام الصلاة في حالة الجوع وغيره من المشوشات ما لم يخش خروج الوقت تحصيلا لأدب القلب مع الرب أعاننا الله على ذلك بمنه وكرمه. قاله الشيخ إبراهيم. ولناظم مقدمة ابن رشد: وتكره الصلاة في حال التعب … وحالة الجوع وحالة الغضب ويمنع الجري إلى الصلاة كراهة، وإن فاتت الجماعة وفي الشارح عن ابن بشير: أن الأمر بالسترة مجمع عليه. إن خشيا مرورا شرط في الأمر بالسترة؛ يعني أن الإمام والفذ إنما يؤمران بالسترة حيث خافا مرور شيء بين أيديهما ظنا أو شكا لا وهما، وإلا فلا؛ لأنه ﷺ صلى لسترة (١) ولغيرها، فحملت صلاته لغيرها على الأمن من المرور، وهذا هو المشهور، وقيل: يؤمر بها مطلقا، واختاره اللخمي، وبه قال ابن حبيب. والحاصل أن المشهور أن الفذ والإمام لا يؤمران بالسترة عند الأمن من المرور، فمن صلى بصحراء لا يمر عليه بها شيء، أو كان بمكان مرتفع يغيب عنه رؤس المارين لا تطلب منه السترة وسواء في ذلك المسافر والحاضر. وروى ابن القاسم: من صلى على موضع مشرف فإن كان يغيب عنه رؤوس الناس وإلا استتر، والسترة أحب إلي. وتحقيق فقه هذه المسألة أن من لا يرى رؤوس المارين، ومن لم يخش مرورا لا يؤمران بالسترة على المشهور، ويؤمران بالسترة على مقابل المشهور، وهو قول ابن حبيب الذي اختاره اللخمي؛

стр. 929

وهو الذي يفيده كلام العتبية، ويستحب الدنو من السترة قيل: بشبر فإذا ركع تأخر، وقيل: بذراغ، وقيل: قدر مرور الشاة، وقيل: قدر ثلاث أذرع، وقال الإمام مالك: لا بأس أن ينحاز الذي يقضي بعد سلام الإمام إلى ما قرب منه من الأساطين بين يديه، وعن يمينه، وعن يساره، وإلى خلفه يقهقر قليلا يستتر بها، وإن بعد أمام ودرأ المار جهده: وروى ابن نافع بالمعروف. تنبيهات، الأول: مفهوم قول المصنف: لإمام وفذ، أن المأموم ليس كذلك، فلا يطلب بها وهو كذلك؛ لأن سترة الإمام سترة لمأمومه. قاله عبد الوهاب. وعن الإمام مالك أنه قال: إن الإمام سترة للمأموم. قيل: على حذف مضاف أي سترة الإمام سترة للمأموم فيتفقان: وقيل: يختلفان فيبقى كلام الإمام على ظاهره، وتظهر فائدة الخلاف فيمن مر بين الصف الذي خلف الإمام والإمام، فعلى الخلاف يأثم عند الإمام، وعلى الوفاق لا يأثم، كما لا يأثم في المرور بين الصفوف على كلا، القولين؛ لأن السترة حينئذ حكمية لا حسية، والمنع إنما هو في الثانية، قاله الإمام الحطاب، وغيره. وبحث فيه بأن السترة مع الحائل ليست أدنى من عدم السترة أصلا، وقد قالوا بالحرمة فيه. نعم إن قلنا: إن الإمام سترته، فحرمة المرور بين الإمام وسترته لحق الإمام فقط، وإن قلنا: سترة الإمام سترته، فالحرمة فيه من وجهين فليتأمل. قاله الشيخ الأمير: الثاني: في الحديث: (سترة المصلي مثل مؤخرة الرحل يجعله بين يديه (١))، وفي المدونة: قال مالك: هو نحو عظم الذراع، يريد في الارتفاع، والذراع ما بين طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى، ومؤخرة الرحل هي العود الذي خلف الراكب، وهي بضم اليم وكسر الخاء بينهما همزة ساكنة ة وبفتح الواو وشد الخاء، ويقال آخرة بالمد، ويقال: بضم الميم وفتح الخاء مشددة بينهما همزة مفتوحة. الثالث: قال الشيخ ميارة: وهل شرعت للصلاة حذارا من مرور ما يشتغل به، أو حريما للصلاة حتى يقف نظره عندها؟ قولان، والمذهب أن المصلي يدفع من يمر بين يديه دفعا خفيفا لا يشغله عن الصلاة، وقال أشهب: إذا مر بين يديه شيء بعيدمنه رده بالإشارة ولا يمشي إليه، فإن

стр. 930

فعل وإلا تركه، وإن قرب منه فلم يفعل فلا ينازعه، فإن ذلك أشد من مروره، فإن مشى أو نازعه لم يفسد صلاته: وهذا خلاف ما قاله ابن العربي أنه: ليس للمصلي حريم إلَّا ثلاثة أذرع، وأما خبر: (فإن أبى فليقاتله فإنما هو شيطان (١))، فمعناه أوائل المقاتلة؛ وهو الدفع بعنف ما لم يؤد إلى العمل الكثير في الصلاة، ويحتمل أن المراد فليواخذه على ذلك، وليوبخه على فعله بعد تمام الصلاة، ولا يريد المقاتلة على ظاهرها بإجماع. انتهى. وسيأتي إن شاء الله ما يترتب على الدافع من الضمان عند قوله: "ومصل تعرض". بطاهر؛ يعني أنه لا يستتر إلَّا بالطاهر، قال الش: واحترز بالطاهر من النجس كقصبة مرحاض ونحوه. ثابت؛ يعني أنه إنما يستتر بالطاهر الثابت لا النجس -كما مر- ولا المتحرك، فلا يستتر بالصبي، ولا بالمجنون، ولا بسوط جلد وغير ذلك من كلّ متحرك. غير مشغل؛ يعني أنه لا يلستتر بما هو مشغل، واحترز بذلك عن المشغل كالمرأة الأجنبية فلا يستتر بها خشية الفتنة كما سينص عليه وكالوجه كما يأتي، وكالنائم؛ لأنه قد يحدث منه شيء يشوش على المصلي، وفي الحديث عنه ﷺ أنه قال: (إني نهيت أن أصلي إلى النائمين والمتحدثين (٢)). في غلظ رمح هذا بيان لقدر السترة؛ يعني أن مقدار السترة في الغلظ هو مقدار غلظ الرمح. مالك: وإني لأحب أن يكون في جلة الرمح، يريد في غلظه. وطول ذراع، يعني أن مقدار السترة في الطول مقدار طول الذراع، فغلظها غلظ الرمح وارتفاعها؛ أي طولها طول ذراع. والذراع كما تقدم ما بين طرف الرفق إلى طرف الإصبع الوسطى. قاله ابن سيدة. وبذلك فسره عياض. ابن عرفة: وفيها يسيره؛ أي ما يستتر به قدر مؤخرة الرحل، وهو نحو عظم الذراع في جلة الرمح، والزرع سترة إذا كان بعضه مترا كما على بعض. وقال ابن

стр. 931

حبيب: لا بأس أن تكون السترة دون مؤخرة الرحل في الطول، ودون الرمح في الغلظ، قال: ولا يكون السوط سترة لرقته إلَّا أن لا يوجد غيره. لا دابة؛ يعني أنه لا يستتر بالدابة، وهذا هو محترز قوله: "بطاهر ثابت"، حيث كان بول الدابة نجسا فإن كان بولها طاهرا فهي محترز قوله: "ثابت". قال التتائي: والظاهر كراهة الاستتار بالدابة. كما يفيده ابن رشد. فتحصل من هذا أنه لا يستتر بالدابة، إما لنجاسة بولها، وإما لزوالها. قال في العتبية: لا يستتر بالخيل والبغال والحمير؛ لأن أبوالها نجسة بخلاف الإبل والبقر والشاء. يريد إذا أثبتت بوثاق. وحجر واحد؛ يعني أنه لا يستتر بحجر واحد؛ أي يكره الاستتار به إن وجد غيره خوف التشبه بعبدة الأصنام؛ لأنهم إنما كانوا يجعلون أصنامهم حجرا واحدا. قاله الشيخ إبراهيم. فإن لم يجد غيره أو كان الحجر أكثر من واحد، استتر به. واعلم أنه لا ينصب السترة؛ أي جميع ما يستتر به من حجر واحد وغيره قبالة وجهه، بل بجنبه الأيمن أو الأيسر، قال الأبي: واختلف في حد حريم المصلي الذي يمتنع المرور فيه، فقيل: قدر رمي الحجر، وقيل: قدر رمي السهم، وقيل: قدر المضاربة بالسيف، وأخذت كلها من لفظ المقاتلة. ابن العربي: الجميع غلط، وإنما يستحق قدر ركوعه وسجود إلى أن قال: والأولى ما قاله ابن العربي؛ لأنه القدر الذي رسم الشارع أن يكون بين المصلي وسترته. انتهى. ففيه اختيار ما لابن العربي: في زاد عليه لا يحرم المرور فيه، وفي نقل الذخيرة عن ابن العربي أن المصلي سواء صلى لسترة أم لا، لا يستحق زيادة على مقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده. ابن هلال: وكان ابن عرفة يحد حريم المصلي بما لا يشوشه المرور فيه، ويحدد بنحو عشرين ذراعا. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقوله: وحجر واحد لم يذكر ما هذا محترزه، ولذا كان الأولى أن يقول: بطاهر ثابت غير حجر واحد، وغير مشغل. قاله الشيخ عبد الباقي. وخط؛ يعني أنه لا يستتر بالخط، ومعناه أنه يخط خطأ بالأرض من المشرق إلى المغرب، أو من القبلة لدبرها. ففي المدونة: الخط باطل، ونظرت أمة إلى ابن جريجٍ يصلي وقد خط خطأ، فقالت: وا عجبا لهذا الشيخ وجهله بالسنة؟ فلما قضى صلاته، قال: ما رأيت من جهلي، قالت: حدثتنى

стр. 932

مولاتي عن أمها عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنه قال: (الخط باطل لأن العبد إذا كبر تكبيرة الإحرام سدت في بين السماء والأرض)، فذهب معها إلى مولاتها فحدثته بذلك، وقالت: تجهل هذا وأنت من علماء المدينة؛ فقال: خلت الديار فسدت غير مسود … ومن الشقاء تفردي بالسؤدد فقال: أتبيعينها مني؟ -يريد أن يحسن إليها-، فقالت: ذلك إليها، فقالت: لا حاجة لي بذلك؛ لأن مولاتي حدثتني عن أمها عن أم سلمة زوج النبي ﷺ أنه قال: (إذا اتقى العبد ربه ونصح مواليه فله أجران ولا أحب أن أنقص من أجري). قاله التتائي. قال الشيخ إبراهيم: قوله: وأنت من علماء المدينة، صوابه: مكة. انتهى. وما قدمت في صفة الخط هو للشارح والشبراخيتي، وقال محمد بن الحسن بناني: أبو محمد صورته عند من ذهب إليه أن يخط خطأ من القبلة إلى الدبور عوضا من السترة. انتهى. وقيل: من اليمين إلى اليسار منعطف الطرفين كالهلال، وقد مر عن ابن العربي أن المصلي سواء صلى لسترة أم لا، لا يستحق زيادة على مقدار ما يحتاجه لقيامه وركوعه وسجوده انتهى فيستفاد منه أنه لا إثم على من يصلي بحانوته والناس تمر عليه؛ لأنه لم يتعرض، ولا إثم على المار أيضًا لأنه لم يمر في حريم المصلي. وقوله: وخط، كما لا يستتر بالخط، لا يستتر بحفرة، وواد، وماء، ونار، ومشغل كنائم، وحلق المحدثين والفقهاء، وكل حلقة بها كلام بخلاف الساكتين، ولا بكافر أو مابون، ولا إلى من يواجهه. فيكره في الجميع. ويجوز بظهر رجل أو صبي إن رضي كلّ أن يثبت لآخَرَ صلاة المصلي، وفي جنبه قولان، فإن لم يرض بالثبات لم يكن المصلي آتيا بالسترة المطلوبة. وقد مر أن السترة تجوز بزرع إن كان بعضه متراكبا على بعض. وأجنبية، يعني أنه لا يستتر بظهر امرأة أجنبية، وأما وجهها فلا خصوصية له بذلك؛ لأن الاستتار بوجه الرجل كذلك -كما مر-، ولا بزوجته أو أمته.

стр. 933

وفي المحرم قولان؛ يعني أن الأجنبية لا يستتر بها، وأما المرأة المحرم ففي جواز الاستتار بها وكراهته قولان متساويان، كما للشيخ إبراهيم. والقول بالجواز لابن الجلاب، والقول بالكراهة في المجموعة. وفي الأمير، وإنما تصح مع الإمكان بغلظ رمح: وطول ذراع طاهر ثابت غير مشغل، وصح بظهر محرم على الراجح: كرجل غير كافر، ومأبون، والوجه مشغل. انتهى. ومر عن الشيخ عبد الباقي أنه يكره الاستتار بكل حلقة بها كلام بخلاف الساكتين. وللشيخ إبراهيم: واختلف إذا كانوا سكوتا فأجيز؛ لأن الذي يليه ظهر رجل وكره لأن وجه الآخر يقابله. انتهى. وقوله: وأجنبية، قال في المدونة: ولو كانت امرأته. الأبي: والأظهر عدم افتقار مصل على جنازة لسترة لوجود سر وضع السترة في الميت، فيمتنع المرور بين الإمام وبينه، وسواء كان على سرير أو بالأرض ولا يبالي بكونه صار نجسا بالموت على القول بنجاسته، ولا بكون طولها ذراعا، ويستتر بالوسادة والمرفقة، ولا يشتر بشيء يخاف زواله، ولا يستتر المصلي بردائه. ابن ناجي: واختار بعض شيوخنا؛ يعني ابن عرفة، وشيخنا أبو مهدي أن الرداء الذي جرت العادة بكونه يعمل سترا لباب يكفي في السترة؛ لأن الغرض يحصل به أكثر مما يحصل من قدر الذراع، وكذلك الزرع إن كان متراكما. وما قاله في الزرع ظاهر، وأما الرداء وشبهه فظاهر كلامهم خلافه لرقته. انتهى. نقله الإمام الحطاب. وفي مختصر الوقار: من صلى خلف أحد من أهل البدع جاهلا ببدعته أعاد في الوقت، وإن كان عالما أعاد أبدا، وإن علم فِي الصلاة قطع؛ لأنه لا يجوز أن يتخذ سترة في نافلة، فكيف بأن يجعله إماما في فريضة؟ قاله الحطاب. ولا يستتر بالمصحف، ولا بأس بالسترة بالصبي. قاله الحطاب. وفي الاستتار بجنب الرجل روايتان: منعه مرّة، وخففه في رواية ابن نافع. وأثم مار؛ يعني أن من مر بين يدي المصلي يأثم بفعله ذلك، ومثل المار مناول آخر شيئًا بين يدي المصلي، ومكلم آخر بين يدي المصلي، ومحل إثم من ذكر حيث كان له مندوحة؛ أي إنما يأثم من ذكر حيث كان له سعة في ترك ذلك لا مضطر فلا إثم عليه في كلّ حال، وقوله: "وأثم مار"،

стр. 934

هذا عام فيمن يصلي لسترة وغيرها، وقوله: "وأثم مار"، لخبر: (لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خريفا خيرا له من أن يمر بين يديه (١))، رواه مالك، وأبو داوود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. ولخبر: (لو يعلم المار بين يدي المصلي لأحب أن ينكسر فخذه ولا يمر بين يديه ((٢)). رواه ابن أبي شيبة مرسلا، ورواهما السيوطي في الجامع الصغير، وروى أيضًا عن الإمام أحمد عن أبي هريرة ﵁: (لو يعلم أحدكم ما له في أن يمر بين يدي أخيه معترضا في الصلاة كان لأن يقيم مائة عام خير من الخطوة التي خطاها ((٣))، ومفهوم قوله: "له مندوحة" أن المضطر لا إثم عليه. كما مر قريبا. وقوله: "وأثم مار"؛ أي غير مصل، وغير من بالمسجد الحرام، أما المصلي فلا إثم عليه في مروره سواء كان بالمسجد الحرام أو غيره كالمضطر وأما من بالمسجد الحرام فإن صلى لغير سترة جاز المرور بين يديه كانت للمار مندوحة أم لا، وإن صلى لسترة كره المرور بين يديه للطائف، وحرم على غيره؛ يعني وللمار مندوحة فيهما، والمذهب أن المار لا يقطع الصلاة. الأبياني: لو عاود الإحرام من اعتقد ذلك لم يضره؛ لأنه إنما زاد تكبيرة، وقراءة المازري يريد ما لم يركع، ومن مر بين يدي مصل وجاوزه، فلا يرده، وإن لم يجاوزه رده. قاله الحطاب. ومصل تعرض يعني أن المصلي يأثم بتعرضه للمرور؛ يعني ومر شيء بين يديه بالفعل، وأما إن لم يمر شيء بين يديه فإنه لا يأثم، وهذا إذا صلى لغير سترة. وقوله: ومصل تعرض؛ بأن صلى لغير سترة بمحل يخشى فيه المرور وهو قادر عليها وحصل المرور، سواء حصل ممن له مندوحة أم لا. وبما قررت علم أنه لا يأثم بمجرد التعرض حيث لم يحصل مرور، فلو خاطر وسلم منه فلا إثم عليه. كما مر. وعلم مما قررت أيضًا أن الصور أربع؛ لأن المار لا يخلو من أن يكون له مندوحة أم

стр. 935

لا، وعلى كلّ إما أن يتعرض المصلي أم لا، فعلم أنهما يأثمان ولا يأثمان، ويأثم أحدهما دون الآخر ويدفع المصلي المار بعد أن يشير له دفعا خفيفا لا يشغله، فإن كثر أبطل، ولو دفعه فسقط منه دينار أو تخرق ثوبه، ضمن، ولو دفعا مأذونا فيه، ولو مات كانت ديته على العاقلة عند أهل المذهب، ولو مر به كالهر رده برجله، أو لصق بالسترة حتى يرده (١) من خلفه. وفي الحطاب: أن فاعل المرور عمدا آثم، ومن أكثر من ذلك واستخف به كانت فيه جرحة واعلم أن من تناول شيئا بغير إذن صاحبه كآنية أو سيف أو قدر، وقلبه فسقط منه فانكسر ضمنه، وكذا الدابة يركبها ليستخبرها فتموت تحته، والفرس وما أشبه ذلك، فإنه يضمن إن أخذ ذلك بغير إذنه، وإن كان بإذنه فلا ضمان. قاله الشيخ ميارة في شرح التحفة. وقال فيه: فإن رفع القارورة وصاحبها ساكت ينظر لم يأمره ولم ينهه فانكسرت، ففي ضمانه قولان مبنيان على أن السكوت على الشيء إذن فيه أولا، وفيه أنه إن أذن له في التقليب يضمن ما وقعت عليه دونها هي. والله سبحانه أعلم. فإن قلت كون المصلي يأثم، مناف لما تقدم من أن السترة مندوبة؛ إذ لا إثم إلَّا في الوجوب، فالجواب أن ما تعلق به الإثم غير ما هو مندوب، إذ الندب متعلق بفعل السترة والإثم بالتعرض وهما متغايران. وفي الحديث (أنه ﵊ لم يزل يدرأ بهيمة أرادت أن تمر بين يديه حتى لصق بطنه بالجدار ((٢)) وجاء (أنه حبس هرا برجله أراد أن يمر بين يديه))، وفي المدونة: ولا يناول من على يمينه من على يساره، وروى ابن القاسم: ولا يكلمه. قاله الحطاب. وفي مسائل ابن قداح: إذا تشوس المصلي من شيء أمامه فمنعه من السجود، أزاله، فإن كان عن يمينه أبعده، ولا يرده عن يساره؛ لأنه كالمار بين يديه. قاله الحطاب. وفيه: قال مالك: لا أكره المرور بين الصفوف والإمام يصلي. قاله ابن فرحون. وهو في المدونة. ابن عرفة: وفيها: لا بأس بالمرور بين الصفوف. انتهى. وقد مر شيء من هذا، ومن صلى في المسجد الحرام إلى غير سترة فلا يدرأ من يمر بين يديه بخلاف المصلي في غير المسجد الحرام إلى غير سترة، والإثم عليه في ذلك

стр. 936

دون المارين بخلاف صلاته إلى الطائفين. والفرق بين الطائفين وغيرهم من المارين بين يديه في إجازة الصلاة إليهم، أن الطائفين يصلون؛ لأن الطواف بالبيت صلاة وإن جاز فيه الكلام، ألا ترى أنه لا يكون إلَّا على طهارة؟ وإن صلى بالمسجد الحرام إلى سترة فلا يجوز لأحد أن يمر بينه وبينها من غير الطائفين -كما مر-، وله حينئذ أن يدرأ من يمر بينه وبينها، ومن أهل العلم من ذهب إلى أنه يجوز أن يصلي في المسجد الحرام إلى غير سترة، وإن مر الناس بين يديه في الطواف وغيره، ولا إثم في ذلك عليه ولا عليهم، وأن مكة مخصوصة بجواز المرور فيها بين يدي المصلي بدليل ما روي عن المطلب بن أبي وداعة أنه قال: (رأيت رسول الله ﷺ يصلي مما يلي باب بني سهم والناس يمرون بين يديه ليس بينه وبين القبلة شيء (١))، وقال بعض الرواة: ليس بينه وبين الطواف سترة، فمن طريق المعنى أن الذي يصلي محاذيا إلى الكعبة يستقبل في صلاته وجوه بعض المصلين إليها، ولا يجوز ذلك في غيرها، فإذا جاز له أن يستقبل وجوههم. جاز له أن يمروا بين يديه؛ لأنه لا يستقبل بذلك إلَّا خدودهم، فهو أخف. والله سبحانه أعلم. قاله الإمام الحطاب، عن ابن رشد. وقد مر أن المصلي ينبغي له أن يدنو من السترة، واختلف في قدر الدنو منها، فقيل: يكون بينه وبينها قدر شبر، فإذا ركع تأخر، وقيل: قدر ثلاثة أذرع، وروى ابن القاسم: ليس من الصواب قدر الصفين، وفي الزاهي: ويصلي المصلي بينه وبين سترته قدر ممر الشاة. وإنصات مقتد، يعني أنه يسن للمأموم في الجهرية أن ينصت؛ أي يسكت عن القراءة، وتكره قراءته سمع قراءة الإمام أو لم يسمع، ولو سكت إمامه، يعني أنه يسن للمأموم أن يسكت في الجهرية فلا يقرأ، ولو كان مذهب إمامه السكوت بين تكبيرة الإحرام والفاتحة، أو بين الفاتحة والسورة، وقيل: يقرأ المأموم في الجهرية إن لم يسمع قراءة الإمام، ورد المصنف "بلو" رواية ابن

стр. 937

نافع عن مالك: إن كان إمامه يسكت بين التكبير والقراءة، قرأ الفاتحة. انتهى وقوله: "وإنصات مقتد" الخ، وأولى في السكوت لو أسر الإمام في الجهرية. واعلم أنه ذهب الإمام الشافعي، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق إلى أنه على الإمام ثلاث سكتات: بعد تكبيرة الإحرام لدعاء الافتتاح، وبعد تمام أم القرآن، وبعد القراءة ليقرأ من خلفه فيهما. وذهب مالك إلى إنكار جميعها، وذهب أبو حنيفة إلى إنكار الأخيرتين. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وسيأتي إن شاء الله دعاء الافتتاح عند قول المصنف: "كدعاء قبل قراءة". تنبيه. قال الشبراخيتي: الإنصات هو الاستماع، وأطلقه هنا على السكوت بدليل قوله: "ولو سكت إمامه". انتهى. وظاهر صنيع صاحب القاموس أن الإنصات هو السكوت حقيقة، فإنه قال: نصت ينصت، وأنصت: سكت، وأنصته وله: سكت له واستمع لحديثه. وندبت إن أسر؛ يعني أنه يندب للمأموم أن يقرأ في محل السر؛ أي يقرأ الفاتحة والسورة سواء جهر الإمام أم لا، وسواء جهر عمدا أو نسيانا، ويستحب للمأموم إذا قرأ في محل السر أن يسمع نفسه للخروج من خلاف الشافعي القائل بأن حركة اللسان لا تكفي. وبما قررت علم أن معنى قوله: "إن أسر" أمر بالإسرار لكون المحل محل سر. وفي مسائل الصلاة من البرزلي: من صلى في جبة أكمامها طويلة لا يخرج يديه منها عند الإحرام، ولا في ركوع ولا في سجود، صلاته صحيحة مع الكراهة، لأجل عدم مباشرته الأرض بيديه مع ضرب من الكبر. قاله الحطاب. كرفع يديه. يعني أنه يندب لكل مصل أن يرفع يديه، فلذا فصل بالكاف، وما قبله في المأموم، ويرفعهما حذو منكبيه على المشهور قائمتين كالنابذ كفاه حذو منكبيه؛ وأصابعه حذو أذنيه. سحنون: مبسوطتان بطونهما إلى الأرض كالراهب، وقيل: مبسوطتان بطونهما إلى السماء كالراغب: والأول؛ أعني كونهما قائمتين كفاه حذو المنكبين والأصابع حذو الأذنين هو المشهور. وقال الشيخ عبد الباقي: إن كونهما مبسوطتين بطونهما إلى الأرض هو المذهب. كما قال الفاكهاني، ونحوه للشيخ إبراهيم. ونظر في ذلك الشيخ محمد بن الحسن بأن الذي استظهره في التوضيح هو الأول، أي كونهما قائمتين، قال: وهو ظاهر ابن عرفة لتصديره به، وصرح المازري بتشهيره كما في المواق، قال: وما نقله عن الفاكهاني لعله تحريف وقع في نسخة الأجهوري منه،

стр. 938

فإن الموجود في نسخة الفاكهاني؛ وهو المرهب بالراء. قاله بعض. وقال الشيخ زروق: والظاهر قائمتان على صفة النابذ، وقال الشيخ الأمير: ظهورهما للسماء، وهذه صفة الراهب رجحها الأجهوري، ورجح اللقاني النابذ. انتهى. وقوله: "كرفع يديه"، خلافا لأبي محمد في قوله إنه سنة، قاله الشادلي. مع إحرامه متعلق برفع، يعني أن ندب رفع اليدين إنما هو في حالة الإحرام فقط، لا مع الركوع، ولا مع الرفع منه، ولا في قيام من ركعتين على المشهور، خلافا لابن وهب. وقال في التوضيح: والظاهر أنه يرفع عند الركوع، والرفع منه، والقيام من اثنتين، لورود الأحاديث الصحيحة بذلك (١))، وفي المواق أن هذه الرواية مشهورة عن مالك عمل بها كثير من أصحابه، وندب كشفهما حال الرفع، فإن رفعهما من تحت ثوب كسلا كان مذموما لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى﴾ فإن وقع جاز، وندب أن يرسلهما برفق ووقار إلى جنبيه، ولا يدفع بهما أمامه، ولا يخبط بهما لمنافاة ذلك للخشوع، ويكون الإرسال حال التكبير، فقد نقل الحطاب عن سند ما نصه: والأظهر عندي أن يرسلهما حال التكبير ليكون مقارنا للحركة. انتهى. القرافي: والمرأة دون الرجل في رفع اليدين إجماعا. الفاكهاني والأقفهسي: المشهور أن المرأة كالرجل. وقوله: "مع إحرامه" لا لم يكن مع تكبيرة الإحرام ركوع ولا سجود، شرع الرفع علما عليه، وقيل: لينبذ الدنيا وراء ظهره، وقيل: لأن المنافقين كانوا يصلون معه ﷺ ، والأصنام تحت آباطهم، (فأمر ﷺ بالرفع)، فسقطت الأصنام، فذهبت العلة وبقي الحكم. حين شروعه؛ يعني أن وقت رفع اليدين هو وقت الأخذ في التكبير، ولا يغني عنه قوله: "مع إحرامه"؛ لأن الإحرام مركب من: النية، والاستقبال، والتكبير. ولا يلزم من ذلك الشروع في التكبير.

стр. 939

وتطويل قراءة صبح؛ يعني أنه يستحب تطويل القراءة في ملاة الصبح، أي يستحب أن يقرأ فيها سورة من طوال المفصل، وسمي المفصل لكثرة فصله بالسور، أو لقلة منسوخه، فإن ابتدأ بسورة قصيرة قطعها وشرع في طويلة، إلَّا لضرورة كسفر أو خوف خروج وقت ونحوه. وفي الحديث: (من شهد الصبح فكأنما قام ليله)، فالتطويل يحصل للمسبوق هذه الفضيلة. وفي الحطاب عند قوله: "وتطويل قراءة صبح"، قال ابن المنير، بكالحواميم ونحوها ما لم يخش الإسفار. انتهى. وقال التادلي: اختلف إذا افتتح سورة طويلة، ثم بدا له أن ينتقل عنها، فقيل: يلزمه إتمامها، وقيل: لا، وقيل: إن نذرها لزمه، وإلا فلا. قال ابن ناجي: وما ذكره لا أعرفه نصا، والذي تلقيته من غير واحد من الشيوخ إجراء ذلك على من افتتح النافلة قائما ثم شاء الجلوس. انتهى. ابن عرفة: روى ابن حبيب إن افتتح في العصر طويلة تركها، وإن قرأ نصفها ركع: ولو افتتح قصيرة بدل طويلة تركها، فإن أتمها زاد غيرها، وإن ركع بها فلا سجود، ومن قرأ في الصبح ب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تجزئه بإجماع. الشيخ زروق: العصر والمغرب يشتركان في قصر القراءة، إلَّا أن العصر أطول قليلا، وقيل: لا، وهو المشهور. انتهى. وما شهره غير مشهور. قاله الإمام الحطاب. وما ورد في الصحيح من قراءة المغرب بالأعراف (١) والطور والمرسلات (٢) إنما ورد لبيان الجواز، وقد قرأ ﷺ في الصبح بالمعوذتين (٣))، رواه النسائي، وهو لبيان الجواز. قاله الحطاب. والظهر تليها. يعني أنه يستحب تطويل قراءة صلاة الظهر لكن التطويل فيها دون التطويل في صلاة الصبح؛ بأن يقرأ في صلاة الصبح من أطول طوال المفصل، وفي الظهر من قصار طواله.

стр. 940

وتقصيرها بمغرب، يعني أنه يستحب تقصير القراءة في صلاة المغرب لضيق وقتها، بأن يقرأ فيها من قصار المفصل. وعصر، يعني أنه يستحب تقصير القراءة في صلاة العصر؛ لأنَّها تأتي وقت شغل وهما مستويان. وقيل: العصر أطول، والأول قول مالك. قال الشبراخيتي: وهو المشهور. كما قال الشيخ زروق. انتهى. وقد تقدم عن الحطاب أن ما شهره ليس مشهورا. كتوسط بعشاء، يعني أنه يستحب أن يكون العشاء متوسطا بين الظهر والعصر فيقرأ فيها من متوسط الفصل، والصحيح أن المفصل من الحجرات لآخر القرآن، فطواله من الحجرات إلى عبس بإخراج الغاية، ووسطه من عبس إلى والضحى بإخراج الغاية أيضًا، وقصاره من سورة: والضحى، إلى آخر القرآن. وللشيخ علي الأجهوري: أول سورة من المفصل … الحجرات لعبس وهو الجلي ومن عبس لسورة الضحى وسط … وما بقي قصاره بلا شطط وعبس من الوسط كما يفيده النظم، والضحى من قصاره كما في الرسالة، وله أيضًا ﵀: طوال بضم أي طويل وجمعه … بكسر وما بالفتح طول زمان وشرع التطويل في الصبح لأنَّها ركعتان فقط، وتدرك الناس وغالبهم نيام، والظهر تَجَاذبَهَا مقتضى الإطالة لتفرغ الناس من الأعمال للتخلي للقائلة والأغذية، ومقتضى عدمها لأنَّها تدرك الناس مستيقظين، وعددها أربع فكانت دون الصبح والعشاء لا شغل لأحد في وقتها غالبا، لكن قد يغلب النوم وطلب الراحة بالاضطجاع، فالمتوسط فيها لا يضر بأحد في الغالب. ومحل ندب التطويل في فذ وإمام لعينين طلبوه منه، وعلم قدرتهم عليه، فإن علم عذرهم أو جهله أو كانوا غير معنيين، فالتخفيف أحسن؛ إذ هو لكل إمام في فريضة أو نافلة مجمع على استحبابه، وفي

стр. 941

الحديث: (إذا أم أحدكم فليخفف فإن في الناس الكبير والمريض وذا الحاجة (١))، وروي عن عمر: (لا تبغضوا الله إلى عباده (٢)). قال أبو محمد: وإذا كان الناس يؤمرون بالتخفيف في الزمن الأول، فما ظنك بهم اليوم؟ وفي الحديث: (إني لأسمع بكاء الصبي فأتجوز في صلاة مخافة أن أفتن أمه (٣): وفيه أيضًا: (أفتان أنت يا معاذ (٤))، قاله له لا أطال الصلاة بالناس. وقال الشيخ بناني ما معناه: وإذا أطال الإمام القراءة حتى خرج عن العادة وخشي المأموم تلف بعض ماله إن أتم معه أو فوت ما يلحقه منه ضرر، المازري: يسوغ له الخروج عنه، ويتم لنفسه. وحكى عياض في ذلك قولين عن ابن العربي، وفي الصحيحين: (إذا صلى أحدكم للناس فليخفف فإن فيهم السقيم والضعيف والكبير، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء (٥)). انتهى. وإن علم من جماعة ما علم من نفسه فليحملهم محمله. وعليه يخرج تطويله ﵊، والخلفاء بعده. وقال ابن عبد البر ينبغي للإمام إذا كمل الأركان أن يخفف جهده ولا يطول، وإن علم قوة من خلفه؛ لأنه لا يدري ما يعرض لهم من الآفات من شغل أو بول أو حاجة. وثانية عن أولى؛ يعني أنه يندب تقصير قراءة الركعة الثانية عن قراءة الركعة الأولى في الفريضة، وتكره المبالغة في التقصير مثل: سورة يوسف في الأولى، وإنا أنزلناه في الثانية، فالأقلية بنقص الربع أو أقلّ، ويكره كون الثانية أطول من الأولى. وظاهر تقرير الشارح أنه يندب تقصير الثانية عن الأولى في الزمن، واختاره في التوضيح. وعليه فيحصل الندب بقصر الزمن، وإن كثرت قراءة الثانية عن قراءة الأولى، لكن ظاهر المصنف التقرير الأول. قاله الشيخ إبراهيم. والنفل ليس كالفرض: ولذا قال في المدخل: وله أن يطول قراءة الثانية في النفل إذا وجد حلاوة. وقال الشيخ

стр. 942

الأمير: وزمن ثانية وإن قرأ فيها أكثر كما في الكسوف. انتهى. الجزولي في شرح الرسالة: لا تكون القراءة في الثانية على النصف من الأولى، فإن فعل أجزأه ولكن فعل مكروها، وقال الشيخ يوسف بن عمر: ويكره أن يقرأ في الثانية أقصر من الأولى جدا حتى تكون نصفها، أو دون ذلك. انتهى. قاله الإمام الحطاب. ومن قرأ في الركعة الأولى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾. يقرأ في الثانية سورة فوقها، ولا يكررها. وقيل: يعيدها، والصواب الأول؛ لأن المشهور عدم كراهة فعل ذلك خلافا لابن حبيب، والمشهور كراهة تكرير السورة. قاله الحطاب. وانظر هل يندب تقصير السجدة الثانية عن الأولى؟ لم أر فيه نصا. قاله الأقفهسي. وجلوس أول؛ يعني أنه يندب تقصير الجلوس الأول عن جلوس السلام فمساواته له أو زيادته عليه مخالفة للندب، ويلزم منه تقصير التشهد الأول عن الثاني، ولذا كره الدعاء فيه. والمراد بالجلوس الأول في عدا جلوس السلام، وقد أشرت إلى ذلك في أول الحل. ومثل الجلوس الأول في ذلك الجلوس في تشهد السهو. كما قاله الشيخ الأمير. وقوله: "أول" ممنوع الصرف؛ لأنه بمعنى أسبق، وقوله: و"جلوس أول"، هذه إحدى المسائل التي يعرف بها فقه الإمام، والثانية خطفه الإحرام والسلام، والثالثة دخوله المحراب بعد الإقامة. وقول مقتد وفذ ربنا ولك الحمد؛ يعني أن المقتدي يستحب له أن يقول: ربنا ولك الحمد بعد رفع إمامه، وقوله: "سمع الله لمن حمده". كما للشيخ إبراهيم، والشيخ عبد الباقي. وكذلك يستحب للفذ أن يقول: ربنا ولك الحمد، بعد أن يقول: سمع الله لمن حمده، فالمأموم يخاطب بمندوب؛ وهو ربنا ولك الحمد، والفذ يخاطب بمندوب؛ وهو ربنا ولك الحمد، وبسنة، وهو سمع الله لمن حمده، والإمام يخاطب بتلك السنة فقط، فيندب له عدم الجمع بينهما. وجمعه بينهما إما مكروه أو خلاف الأولى. قال الشيخ عبد الباقي: والظاهر أن الترتيب بينهما؛ يعني للفذ مستحب، وقوله: "ربنا ولك الحمد" معمول المصدر الذي هو: "قول"، وقوله: "ولك الحمد"، بإثبات الواو؛ وهو قول ابن القاسم، والكلام معها ثلاث جمل: جملة النداء؛ لأن النادى مفعول به لفعل محذوف، وجملة: "ولك الحمد"، وجملة: "استجب لنا" جواب النداء

стр. 943

المنبهة الواو عليها، بخلاف حذفها كما عند ابن وهب، فإن الكلام جملة النداء والثناء، وفي زيادة اللهم طريقان، وأكثر روايات الحديث على إثبات الواو. واعلم أن من سبيل الدعاء أن يدعو واحد، ويؤمن آخر، فلذا اقتصر الإمام على سمع الله لمن حمده ندبا؛ لأنَّها دعاء، واقتصر المقتدي على: ربنا ولك الحمد؛ لأنه تأمين، والفذ يدعوا ويؤمن على دعائه، فلذا جمع بينهما، وهذا على أن سمع الله لمن حمده دعاء، وأما على أنَّها حث على الحمد فالإمام يجاوبه مأمومه، فلذا اقتصر على التسميع بخلاف الفذ فيجاوب نفسه لأنه لا مجاوبَ له. وتسبيح بركوع؛ يعني أنه يندب للمصلي أن يسبح الله تعالى في ركوعه للصلاة نحو: سبحان ربي العظيم وبحمده قيل: الباء سببية: أي بسبب حمده، أي توفيقه وإعانته على التسبيح، ومنه قول السيدة عائشة ﵂ لما نزلت براءتها: بحمد الله لا بحمد أحد، أي بفضله وإعطائه وإحسانه، وقيل بمعنى الألف واللام، وهو قول لا نظير له. قاله الشيخ إبراهيم. وسجود؛ يعني أنه يستحب للمصلي أيضًا أن يسبح الله في سجوده نحو سبحانك رب إني ظلمت نفسي وعملت سوءًا فاغفر لي، وأدنى مراتب الدعاء في السجود الندب. قاله ابن عبد السلام. وفي التوضيح: ينبغي أن يكون مستحبا للآثار الواردة في ذلك (١))، والظاهر أن الاقتصار على أحدهما أي التسبيح والدعاء يفوت المندوب الآخر. قاله الشيخ عبد الباقي. وظاهر كلام المصنف أن التسبيح غير محدود بواحدة أو بثلاث، ولا مخصوص بلفظ معين، خلافا لمن يقول: إن أقله ثلاث، فمذهب أبي حنيفة أنه لا بد أن يسبح ثلاثًا، لخبر أبي داود والترمذي: (إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاثًا فقد تم ركوعه وذلك أدناه، وإذا سجد فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه)، إلَّا أنه غير متصل الإسناد. ابن شعبان: قال الله تعالى ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾، فحق على كلّ قائم إلى الصلاة أن يقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، وفي الدارقطني أنه ﷺ قال: (إذا

стр. 944

ركع أحدكم فليسبح ثلاث مرات فإنه يسبح الله تعالى من جسده ثلاثة وثلاث مائة عظم وثلاثة وثلاثمائة عرق (١))، رواه إبراهيم بن الفضل. قال عبد الحق: إبراهيم بن الفصل ضعيف عندهم، وخلافا لمن يخصه بلفظ معين لقول المدونة: لا أعرف قول الناس في الركوع سبحان ربي العظيم، وفي السجود سبحان ربي الأعلى، أي لا أعرف وجوبه وتعينه، ولا يصح إنكاره من حيث الجملة لما رواه عقبة بن عامر قال: لما نزل ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾، قال ﵊: (اجعلوها في ركوعكم (٢)). قالة الشيخ إبراهيم. ونقل في رياض الصالحين عن أحمد بن حرب أنه قال: إذا كنت مع الناس جالسا فعليك بالتسبيح مكان الكلام، ويقال: خير العمل تسبيحه لحديث: (إذا كنت تسبح الله سبحانه والناس يتحدثون، وتذكر الله والناس غافلون كالمقاتل خلف الفارين)). انتهى. وتأمين فذ يعني أنه يستحب للفذ أن يؤمن على قراءة نفسه، بأن يقول: آمين بعد ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ وعده القرافي سنة. مطلقًا كانت الصلاة سرية أو جهرية. وإمام بسر، يعني أنه يندب للإمام أن يؤمن على قراءة نفسه بعد أن يقرأ: ولا الضالين، إذا كان المحل محل سر، واحترز بقوله بسر عما إذا جهر الإمام فإنه لا يؤمن، وهو مذهب المصريين، وروى المدنيون عن مالك أنه يؤمن، وحكاه عنه في الواضحة، والدليل لما في المصنف قولة ﷺ : (إذا قال الإمام ولا الضالين فقولوا آمين، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (٣))، والدليل لمقابله: (إذا أمن الإمام فأمنوا، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له (٤)). وحمل بعض المالكية إذا أمن الإمام على أن معناه: بلغ موضع التأمين، واختلف في هؤلاء الملائكة، فقيل: الحفظة،

стр. 945

وقيل: الملائكة المتعاقبون، وقيل: جميع الملائكة؛ لأن الجمع المحلَّى باللام يفيد الاستغراق بأن يقولها الحافظون ومن فوقهم حتى ينتهي إلى الملإ الأعلى وأهل السماوات، واختار هذا الأخير ابن بزيزة. قال ابن حجر: والذي يظهر أن المراد بهم من يشهد تلك الصلاة ممن في الأرض أو في السماء. القرافي: وفي جهر الإمام بالتأمين ثلاثة أقوال: المنع لابن القاسم، وروى عبد الملك الجواز، وخيره أبو بكر. انتهى. والظاهر أن المراد بالمنع هنا الكراهة لا ما هو ظاهره، كما فهمه من تقدم. قاله الشيخ أحمد. قاله الشيخ عبد الباقي. ومأموم بسر؛ يعني أنه يندب للمأموم أن يؤمن على قراءة نفسه في السر بعد أن يقرأ ولا الضالين. أو جهر؛ يعني أنه يندب للمأموم أن يؤمن على قراءة إمامه في الجهر بأن يقول آمين، إذا قال الإمام: ولا الضالين. ومحل تأمين المأموم في الجهرية إن سمعه، أي سمع. إمامه يقول: ولا الضالين. وأعاد قوله: "بسر" مظهرا ليلا يلزم العطف في قوله: "أو جهر" على الضمير المجرور من غير إعادة الجار. واحترز بقوله: "إن سمعه"، عما إذا لم يسمع المأموم قول الإمام ولا الضالين، فإنه لا يؤمن. قاله في الطراز عن مالك. واستظهره ابن رشد، ولهذا قال: على الأظهر. وبما قررت علم أن قوله: "على الأظهر". راجع للمفهوم أي فإن لم يسمعه فلا يؤمن على القول الذي استظهره ابن رشد، بل يؤمر بعدم التأمين لأنه قد يصادف ما هو أولى أن يستعاذ بالله منه من أن يؤمن عليه، فإن سمع تأمين المأمومين، فهل لا يؤمن وقوفا مع ظاهر الخبر؛ ولأن التحري مقابل؟ أو يؤمن لأنهم نواب الإمام؛ قولان، ومقابل الأظهر لابن عبدوس. قال: يتحرى ويؤمن، والدليل لما ذكر المصنف خبر: (إذا سمعتم الإمام يقول ولا الضالين فقولوا آمين، فإن من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه (١))، قيل: وافق في خلوص النية، وقيل: في الوقت، والذي يترجح أن الموافقة في خلوص النية والإقبال على الرغبة إلى الله تعالى بقلب سليم، وقوله: "إن سمعه"، فإن سمع ما قبل ولا الضالين ولم يسمعها من الإمام لم يؤمن كما علمت.

стр. 946

وإسرارهم به؛ يعني أنه يندب للجميع أي الفذ والإمام والمأموم أن يسروا بالتأمين لأنه دعاء، وهو يندب فيه الإسرار، لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، ودليل كونه دعاء، قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾؛ لأنه كان موسى يدعو وهارون يؤمن، وهو اسم فعل عربي مشتق من الأمان، بمعنى استجب دعاءنا وَأَمِّنَّا، يمد ويقصر مع التخفيف، وقيل إن: آمين اسم من أسمائه ، قال ابن العربي: ولم يصح نقله، وقيل معناه: كذلك يكون، فتلك أقوال ثلاثة وأصحها الأول. والله سبحانه أعلم. قال ابن عباس: (ما حسدكم أهل الكتاب على شيء ما حسدوكم على آمين (١))، (وسمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو، فقال: أوجب إن ختم، فقال: بأي شيء يختم يا رسول الله؟ فقال: بآمين (٢)). وعن وهب ابن عنبسة أن: آمين أربعة أحرف يخلق الله تعالى من كلّ حرف ملكا يقول: اللهم اغفر لمن يقول آمين. وروى الحارث بن أبي أسامة، وابن مردويه عن أنس مرفوعا: (أعطيت ثلاث خصال: أعطيت الصلاة في الصفوف، وأعطيت السلام وهو تحية أهل الجَنَّة، وأعطيت آمين ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلَّا أن يكون الله أعطاها -أي الخصلة الثالثة نبيه هارون؛ فإن موسى كان يدعو الله ويؤمن هارون (٣))، فالخصلتان الأوليان من خصائص هذه الأمة مطلقًا، وكذا الثالثة بالنسبة لغير هذين الأخوين. قاله الشيخ إبراهيم. عن النووي. وقنوت؛ يعني أن القنوت مندوب. وهذا هو المشهور. قال ابن الفاكهاني: القنوت عندنا فضيلة بلا خلاف أعلمه في المذهب، وقال يحيى بن عمر: غير مشروع، ومسجده بقرطبة لا يقنت فيه إلى حين أخذها العدو، أعادها الله للإسلام. ولابن زياد ما يدلُّ على وجوبه؛ لأنه قال من تركه فسدت صلاته، أو يكون على القول ببطلان صلاة من ترك السنة عمدا، وقال ابن سحنون: إن القنوت سنة فيسجد له. والقنوت لغة: الطاعة، قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، والسكوت،

стр. 947

قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقيل: خاشعين. ويطلق على الدعاء بخير، وهو المراد هنا وسبب مشروعيته أنه ﷺ كان يدعو على مضر في صلاته، فنزل عليه جبريل وأمره بالسكوت، وقال له: إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وعلمه القنوت. سرا؛ يعني أن القنوت مستحب، وكونه سرا مستحب ثان، فلو قال: وسرا بالواو لأفاد ذلك انظر الشبراخيتي. وقوله: سرا هذا هو المشهور، وقيل: يجهر به، وقال التونسي: الجهر بالتشهد والقنوت لا يجوز ويعيد من تعمد ذلك، ويسجد الساهي إلَّا أن يكون خفيفا، وكذلك القراءة. بصبح؛ يعني أن القنوت لا يكون إلَّا في الصبح، فقوله: "بصبح" توقيت للمكان الذي يشرع فيه -كما قررت-، فلا يعد من المندوبات. أشار له الشيخ الأمير. ولهذا قال. فقط؛ أي فلا يشرع في وتر ولا في غيره. والظاهر أن حكم القنوت في غير الصبح: الكراهة؛ لأن الصبح هي التي قنت فيها رسول الله ﷺ حتى فارق الدنيا (١)). وعن الأسود: (صليت خلف عمر ﵁ في السفر والحضر في كان يقنت إلَّا في صلاة الفجر (٢))، ولا ينافي هذا ما جاء أنه ﷺ قنت في صلاة المغرب؛ لأنه لم يستمر على ذلك، وقد جاء عن بعض الصحابة أنه قنت في الوتر في النصف الأخير من رمضان واستمر برهة ثم تركه. وقال أبو حنيفة: يقنت في الوتر، والشافعي: في النصف الأخير من رمضان، وروي هذا عن إمامنا مالك، ولو قنت في غير الصبح لم تبطل صلاته. قاله سند. ابن فرحون: فإن صلى مالكي خلف شافعي جهر بدعاء القنوت، فإنه يؤمن على دعائه، ولا يقنت معه، والقنوت معه من فعل الجهال. انظر مختصر الواضحة في القنوت في رمضان، فلو قنت المالكي عند قول الشافعي: فإنك تقضي ولا يقضى عليك، كان حسنا، ولم أره منصوصا. انتهى. قال الشيخ سالم: وما قاله ابن فرحون غير ظاهر، واستدلالة بكلام الواضحة في قيام رمضان ضعيف للفرق بينه وبين قنوت الفريضة المشروع المأمور به: وإنما أمر بالتأمين على دعائه

стр. 948

في قنوت رمضان، ولا يقنت لعدم مشروعية القنوت بخلافه في الفريضة فليس الجهر به من الإمام بمانع منه للمأموم. انتهى. وفي قول المصنف: "بصبح"، تنبيه على خلاف أهل المذهب في الوتر، وخلاف من أجازه في سائر الصلوات عند الضرورة. قاله الإمام الحطاب. وقبل الركوع؛ يعني أنه يندب أن يكون القنوت في الصبح قبل الركوع، أي ركوع الثانية (لأنه ﷺ سئل: أهو قبل الركوع أو بعده؟ فقال: قبل)، زاد البخاري: قيل لأنس: إن فلانًا يحدث عنك أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع، قال: كذب فلان (١)). انتهى. ولما فيه من الرفق بالمسبوق. وقوله: "وقبل الركوع"، فإن نسيه قبل الركوع قنت بعد الركوع، وإن رجع له من الركوع أفسد صلاته، كما في السورة. وقال ابن حبيب: هو بعد الركوع أفضل، وفيها: هما سواء. ونص ابن الجلاب على أنه: لا بأس برفع يديه في دعاء القنوت. قال الحطاب: وظاهر المدونة خلافه، قال فيها: ولا يرفع يديه إلَّا في الافتتاح، والمشهور أنه لا يكبر. وقال الأقفهسي: هل يكبر أم لا؟ وهل يرفع يديه أم لا؟ قولان، وعلى الرفع، فهل راغبا أو راهبا؟ أو يرهب بإحدى يديه، ويرغب بالأخرى؟ خلاف، وفيها: لا يكبر له. وروى علي أنه: كبر حين قنت، وقال في الجواهر لما ذكر القنوت: ثم إن كانت في نفسه حاجة دعا بها حينئذ ابن القاسم: من أدرك القنوت بعد ركوع الإمام قنت إذا قضى، ولو أدرك ركعة معه وقنت لم يقنت في قضائه أدرك قنوت الإمام أم لا. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: والأظهر قنوت المسبوق؛ لأن القول الذي يقضى خصوص القراءة وغيره بناء كالتشهد. انتهى. ولفظه؛ يعني أن لفظ القنوت المتعارف عند المالكية مندوب؛ وهو اللفظ الوارد الذي رواه إمامنا مالك، وإليه أشار بقوله: وهو اللهم إنا نستعينك إلى آخره؛ يعني أن اللفظ المندوب هو اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونخنع لك ونخلع، ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجوا رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن

стр. 949

عذابك بالكافرين ملحق. انتهى. قوله: اللهم؛ أي يا الله، وقوله: إنا نستعينك، أي نطلب منك الإعانة، أي التقوية على الأمور، وقوله: ونستغفرك؛ أي نطلب منك المغفرة، أي ستر الذنوب؛ أي عدم المؤاخذة بها، وقوله: ونؤمن بك: أي نصدق بوجودك وبوحدانيتك، وبما ظهر من آياتك وبربوبيتك ويدخل في ذلك اتصافه بالصفات الواجبة له، وتنزهه عن الصفات التي لا تليق بجلاله، وقوله: ونتوكل عليك؛ أي نعتمد عليك في جميع أحوالنا لا على من سواك، وقوله: ونخنع بفتح النون وسكون الخاء المعجمة بعدها نون مفتوحة آخره عين مهملة؛ أي نذل ونخضع: وقوله: ونخلع؛ أي نزيل ربقة الكفر من أعناقنا لوحدانيتك، وقوله: ونترك من يكفرك: أي نترك موالاته ونتجنب دينه، فنخلع العابد كما خلعنا المعبود، لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. ولا يعترض بنكاح الكتابية بأننا إن نكحناها ملنا إليها؛ لأن النِّكَاح من باب المعاملات، والمراد الدين. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: إياك نعبد؛ أي لا نعبد إلَّا إياك؛ لأن تقديم المعمول يؤذن بالحصر، وكذا يقال في: "لك من قوله: ولك نصلي ونسجد، وخص الصلاة وإن كانت داخلة في العبادة لشرفها، وكذا يقال في عطف السجود على الصلاة؛ لأن السجود أشرف أحوال الصلاة لخبر: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (١))، ويحتمل أن يكون من عطف المغايرة، بأن يراد بالصلاة الدعاء، وبالسجود الخضوع. وقوله: وإليك نسعى؛ أي إلى الجمعة، أو بين الصفا والمروة، أو في جميع ما يرضيك؛ وهو أولى لشموله لما ذكر ولغيره، وقد مر أن تقديم المعمول يؤذن بالحصر، وقوله: نحفد: نخدم؛ وهو بكسر الفاء، وقوله: نرجو رحمتك ونخاف عذابك، جمع بين الخوف والرجاء للتنبيه على أنه ينبغي أن يكون المكلف متلبسا بهما، وقال بعضهم: ينبغي تقديم الخوف في الصحة، والرجاء في المرض، وقوله: الجد بكسر الجيم؛ أي الحق، وفي القلشاني أنه بفتح الجيم وكسرها، وقيل: إن معنى الجد الدائم الذي لا يُفَتَّرُ، وقوله: ملحق، بالفتح، بمعنى أن الله يلحقه بهم، وبالكسر: بمعنى لاحق: وهما روايتان،

стр. 950

وقيل: إن الصواب الفتح، ومر أن هذا اللفظ مندوب، فلو أتى بغيره كان آتيا بمندوب ومخلا بآخر، كما لو قال بدله: (اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت (١)). قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: وقنا شر ما قضيت؛ معناه أن الله تعالى يقدر المكروه بعدم دعاء العبد المستجاب، فإذا استجاب دعاءه لم يقع المقضي لفوات شرطه، ومن هذا الباب (صلة الرحم تزيد في العمر والرزق (٢))، وأولوه على هذا؛ لأن القضاء لا يمكن أن يقع غيره. وبما قررت علم أن مندوبات القنوت أربع: أصل القنوت بأي لفظ، وهذا اللفظ المتعارف الذي رواه إمامنا مالك، وكونه سرا، وكونه قبل الركوع. فهذه هي مندوباته، وإنما يكون في ثانية الصبح لا في غيرها. وتكبيره في الشروع يعني أنه يندب لكل مصل إماما أو مأموما أو فذا أن يكون تكبيره في حال شروعه في الأركان معمرا به الركن من أوله إلى آخره ومثل التكبير التسميع لإمام وفذ وتحميد لمأموم، وأما تحميد الفذ فهو بعد تسميعه، والظاهر أن المصنف إنما اقتصر على التكبير لقوله: إلَّا في قيامه من اثنتين يعني أن ما تقدم من أن تكبير المصلي يكون في حال شروعه في الأركان محله في غير القيام من اثنتين، وأما تكبيره في حال قيامه من اثنتين إماما أو مأموما أو فذا، فيؤخره لاستقلاله أي عند تمام قيامه ندبا، ولا يقوم المأموم إلَّا بعد تكبير الإمام، فإذا كبر قام، فإذا استقل المأموم بعده كبر. وظاهره ولو كان الإمام شافعيا يكبر في حال قيامه، فيصبر المأموم حتى يستقل بعده فيكبر. ابن حجر: قال ناصر الدين بن المنير: الحكمة في مشروعية التكبير في الخفض والرفع أن المكلف أمر بالنية أول الصلاة مقرونة بالتكبير، فكان من حقه أن يستصحب النية إلى آخر الصلاة، فأمر أن يجدد العهد في أثنائها بالتكبير الذي هو شعار النية. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ زروق: يستحب أن يبدأ بالتكبيرة في كلّ ركن مع أوله، ولا
следующие страницы →