الدار أي وسطها لم يقطع سارقه إن كان من أهلها وإلا قطع، إلا أن تكون مباحة لا يمنع منها أحد فلا يقطع سارقه من أهل الدار وغيرهم. انتهى.
أو زوج فيما حجر عليه يعني أن الزوج ذكرا أو أنثى إذا سرق متاعا لزوجه الآخر في مكان حجر عليه أي على الزوج السارق من دخوله فإنه يقطع. قال عبد الباقي: أو زوج ذكرا أو أنثى يقطع كل بسرقته من مال الآخر فيما أي في مكان حجر عنه أي عن السارق الزوج أن يدخله أو يفتحه من بيوت الدار بإزالته عن محله، وإنما يعتبر الحَجْر بغلق لا بمجرد حجر بالكلام، وأما إن سرق مما لم يحجر عنه فلا قطع لأنه حينئذ خائن لا سارق، وحكم أمة الزوجة حكمها في السرقة من مال الزوج، وحكم عبد الزوج حكمه إذا سرق من مال الزوجة. انتهى. وقال البناني: أو زوج فيما حجر عنه أي سواء كان خارجا عن مسكنهما أو كان معهما في بيت واحد بلا خلاف في الأول كما في التوضيح عن عياض، وعلى قول ابن القاسم في الثاني خلافا لما في الموازية. اللخمي: وعدم القطع أحسن إن كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي، وإن كان يتحفظ كل منهما من الآخر قطع. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو زوج ذكرا أو أنثى يقطع كل منهما بسرقته من مال الآخر فيما حجر عليه من بيوت الدار وعبد الزوج كهو وأمة الزوجة كهي. انتهى.
وعلم مما قررت أن ما في قوله: "فيما حجر عليه" واقعة على مكان، وفي نسخة "عنه" بدل "عليه". واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق عند قول المصنف: "أو زوج فيما حجر عنه" ما نصه: اللخمي: إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر من موضع محجور بان عن مسكنهما قطع، وإن كان معهما في [بيت واحد فسرق] (١) من تابوت مُغْلَقٍ أو بيت محجور معهما في الدار والدار غير مشتركة، فقال ابن القاسم: يقطع، وفي الموازية: لا يقطع وعدم القطع أحسن إن كان القصد بالغلق التحفظ من أجنبي يطرقها، وإن كان لتحفظ كل منهما من الآخر قطع. انتهى.
أو موقف دابة لبيع يعني أن من أوقف دابة بموقفها المعتاد لبيع فإنه يقطع من سرقها سواء ربطت أم لا، قال عبد الباقي: أو موقف دابة يقطع سارقها، سواء وقفت لبيع، ربطت أم لا،
стр. 9032
كان معها صاحبها أم لا. أو غيره أي غير البيع إن ربطت. انتهى. وقال في الميسر: وموقف دابة معتاد لا غيره كما يأتي لبيع أو غيره فهو حرز لها ظاهره ربطت أم لا، وهو كذلك في البيع. قاله فيها. وأما في غيره ففيها: لو كان بها مرابط معروفة في السكة فسرقها رجل من ذلك الموضع قطع لأن ذلك حرز لها. انتهى. ومراح الماشية حرز لها وإن لم يكن عليه حائط ولا غلق فعلى من سرق منها القطع، وإن لم يبت معها أهلها كالدواب في مرابطها المعروفة وإن لم يكن لدورها أبواب ولا غلق. قاله فيها. انتهى.
والْحَاصِلُ أن من سرق دابة من موقفها المعتاد لها يقطع إذا كانت موقفة للبيع، ربطت أم لا، فإن كانت موقوفة بموقفها المعتاد لها لغير بيع قطع إن ربطت لا إن لم تربط. قال الشبراخيتي: ويجب تقييد قوله: "أو غيره" بقيدين: أن يكون الوقف معتادا لوقوفها فيه، وأن تكون مربوطة وينبغي أن يقطع بمجرد إزالتها من موضعها، ويأتي أو أخذ دابة بباب مسجد أو سوق وهو يفيد أن أخذها من الموقف غير المعتاد لا قطع فيه. انتهى. وفي الموازية: الشاة توقف في السوق للبيع وسُوقِها (١) قُطِع، وإن لم تكن مربوطة. ومن المدونة: لو كان للدواب مرابط معروفة في السكة فمن سرقها من مرابطها قطع لأن ذلك حرزها. انتهى.
أو قبر يعني أن القبر حرز بالنسبة للكفن، قال الشبراخيتي: أو قبر حرز لكفن فيقطع سارقه لأنه ملك للميت، وأما لغير الكفن فليس بحرز، فلو دفن معه مال لم يقطع سارقه اتفاقا، وسواء كان القبر قريبا أو في الصحراء. انتهى. وقال التتائي: أو قبر حرز للكَفَنِ فيقطع سارقه لأنه ملك للميت، قال في الذخيرة: إذ لا يزول ملكه عما لا يحتاج إليه بدليل وفاء الدين، ولا تبرأ ذمته بغير ملكه. ثم قال: لو دفن معه مال لم يقطع سارقه اتفاقا، ولو كان حرزا لكان حرزا لما زاد على الكفن المعتاد، فلو كفن في عشرة أثواب لم يقطع بسرقة الزائد على الكفن، وإنما قطع لأن القبر ليس حرزا معتادا في المسألتين. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "أو قبر" معناه أن القبر حرز بالنسبة للكفن سواء كان القبر قريبا أو في الصحراء.
стр. 9033
أو بحر لمن رمي به يعني أن البحر إذا مات به أحد ورمي به مكفنا فإنه حرز لكفنه، فإذا سرق أحد كفن الميت المرمي فيه فإنه يقطع لما علمت من أن البحر حرز لكفنه. وفي الميسر: أو قبر أو بحر لمن رمي به فكل منهما حرز لكفن؛ لأن البحر قبر لمن مات به لأنه غاية المقدور في حفظه، سواء شد على خَشَبَةٍ أم لا، وتبع فيه المصنف ابن الحاجب وابن شأس، وضعفه ابن مرزوق كما في الأجهوري، وظاهر المصنف كالمدونة والرسالة كان الكفن مأذونا فيه أم لا، ويفيده قول ابن شأس: والقبر حرز لما فيه واعترضه ابن مرزوق بأنه ليس حرزا لغير الكفن، وذكر الأجهوري أنه لا قطع في كفن لم يؤذن فيه، وعن القرافي عدم قطع من سرق مالا من الغير أو سرق ما زاد على الكفن الشرعي. انتهى.
وقال الشبراخيتي عند قوله: "أو بحر لمن رمي به": فيقطع سارق الكفن وظاهره رمي مثقلا أم لا وهو كذلك، والمراد الكفن الشرعي وهو المأذون فيه شرعا، فغير المأذون فيه لا يكون ما ذكر -يعني من القبر والبحر- حرزا له، وهذا واضح فيما إذا لم يؤذن فيه أصلا، وأما ما أذن فيه في حالة دون أخرى كالحرير فإنه أذن فيه حيث فقد غيره فيقطع سارقه حينئذ، وأما سرقته في حالة عدم الإذن فيه فلا قطع فيها، وإذا سرقه وقال: ظننت أنه فعل مع وجود غيره، وقال الوارث بل مع عدم غيره فالظاهر عدم قطعه أي لدرء الحد بالشبهة. ويفهم من قوله: "لكفن" أن البحر ليس بحرز لثياب الغريق وهو ظاهر الرواية إلا أن تجعل كفنا له.
وقوله: لكفن بدل من قوله: "لمن" بدل اشتمال. قاله الشبراخيتي. وهذا كالصريح في أن قوله: "لكفن" راجع لمسألة البحر دون مسألة القبر، فيلزم من ذلك أنه حذف لكفن من قوله: "أو قبر" وظاهر صنيع عبد الباقي أنه خبر لمبتدأ محذوف أي كل منهما حرز لكفن، وفي شرح عبد الباقي ما نصه: وأما القبر بالبر القريب من العمران أو البعيد فحرز للكفن، ولو فني الميت وبقي الكفن كما هو ظاهر ولا يقطع سارق الميت. انتهى.
أو سفينة بمرساة يعني أن من سرق سفينة بمرساة بفتح الميم أي بمحل أرسيت به فإنه يقطع لأن المحل الذي أرسيت به حرز لها وإن لم يكن معتادا، خلافا لأشهب. قال عبد الباقي: أو سفينة سرقت بمرساة بفتح الميم محل الرسي لأنه حرز لها وإن لم يعتد على الأصح كما في الشامل؛ أي
стр. 9034
سواء كان بقرية أم لا، قريبا من العمران أم لا، وتفصيل اللخمي ضعيف، وأما إن سرق مِرْساتها بكسر الميم أي الآلة فيقطع لأن البحر حرز لها، سارت السفينة أو أرْسَتْ قياسا على موقف دابة فيما يظهر، والسفينة حرز لما في جَنبهَا كما مر. انتهى. قال البناني: لما قال ابن الحاجب: والسفينة حرز لما فيها إذا أرسيت أو كان معها أحد، قال في التوضيح: ليس هذا بجيد لأن هذا إنما هو في سرقتها نفسها، وأما في سرقة ما فيها فلا، وحكمها حكم صحن الدار المشتركة بين السكان فيها. قاله في البيان. قال: وأما سرقة السفينة فكما ذكره المصنف إن أرسيت في المرسى أو على قرية تصلح للمرسى. اللخمي: واختلف إذا أرسيت في غير قرية، فقال ابن القاسم: إذا نزلوا منزلا فربطوها وذهبوا لحاجتهم ولم يبق أحد منهم قطع، وقال أشهب في الموازية: لا يقطع كالدابة إذا ربطت بموضع لم تعرف به، وقد علمت أن كلام اللخمي موافق لإطلاق المصنف، واقتصر عليه ابن عرفة كما اقتصر عليه في التوضيح، فقول الزرقاني تبعا للفيشي: وتفصيل اللخمي ضعيف غير ظاهر فتأمل. انتهى.
الرهوني: مثل ما لهذين -يعني الفيشي وعبد الباقي- للخرشي، وفي قالوه ظاهر لأن اللخمي جزم بالقطع إذا كانت بالمرسى حيث السفن، وحكى القولين فيما إذا أرسيت بغير قرية من غير ترجيح، بل سوى بين قول ابن القاسم وأشهب فأشاروا إلى أن تسويته بين القولين فيها نظر، بل قول أشهب: وتفصيله ضعيف. فتأمله. انتهى. وقال المواق: ابن المواز: قال ابن القاسم وأشهب: إن كانت السفينة في المرسى على أوتادها أو بين السفن أو بموضع لها حرز فعلى سارقها القطع وإن لم يكن معها أحد، وإن كانت مخلاة أو أفلتت ولا أحد معها فلا قطع فيها إلا أن يكون معها أحد، وإذا كان فيها مسافرون فأرسوها في مرسى وربطوها ونزلوا كلهم وتركوها، فقال ابن القاسم: يقطع من سرقها. انتهى. وفي الميسر: وأما المرساة بالكسر أي الآلة فالسفينة حرز لها رست أم لا إلا أن تهمل أو تَفْلَت. انتهى.
أو كل شيء بحضرة صاحبه يعني أن كل شيء سرق بحضرة صاحبه يقطع فيه السارق، قال عبد الباقي: أو سرق كل شيء أيْ أيَّ شيء بحضرة صاحبه الحي المميز ولو نائما فيقطع؛ لأنه حرز له ولو كان في فلاة لا ميتا ولا مجنونا ولا غير مميز، ولذا لم يقل كل شيء مع صاحبه مع أنه
стр. 9035
أخْصَرُ لاقتضائه قطعه إذا سرقه بصاحبه مع أنه لا يقطع، وكذا السفينة يسرقها وأهلها فيها نيام فلا قطع عليه. قاله أبو الحسن. ويستثنى من المنصف الغنم في المرعى فلا قطع على من سرق منها بحضرة ربها كما هو ظاهر الرسالة والنوادر وأبي الحسن الصغير، وبه صَرَّح ابن عمر وتبعه الشادلي والتتائي على الرسالة، وبه يعلم أن حكاية أحمد الخلاف فيه من غير ترجيح للقول بعدم القطع قصور، وقوله: لا قطع على من سرق منها في حال سيرها إلى المرعى فيه نظر مع قول المنصف أو قطار، ونحوه: ومثل الغنم في المرعى الثياب ينشرها الغسال وتسرق بحضرته فلا قطع كما في أبي الحسن على المدونة، ولعل وجه استثناء الغنم في المرعى والثياب في النشر تشتيت الغنم وعدم ضبطها ونشر الثياب قريب من ذلك، فصار الآخذ خائنا أو مختلسا. انتهى.
قوله: ولو نائما لخ ونحوه في التوضيح، ونصه: اللخمي: والأحراز ثلاثة، أَحَدُهَا ما حده الغلق وشبهه كالدور والحوانيت، وَالثَّانِي الانسان لا عليه أو معه أو يحرسه وهو يقظان أو نائم فمن سرق من هذين قطع بلا خلاف، وَالثَّالِثُ ما عداهما كالذي يجعل على الأفنية أو على الحبال ففيه اضطراب. انتهى. وهو خلاف ما في المواق عن ابن المواز، وهو من سرق رداؤه من المسجد وهو قريب منه قطع سارقه إن كان منتبها أو كالنعلين بين يديه وحيث يكونان من المنتبه. انتهى. لكن رأيت أبا الحسن لما تكلم على سرقة السفينة ذكر أن الإطْلَاقَ سواء كان منتبها أو نائما، صغيرا أو كبيرا هُوَ ظَاهِرُ المدونة، وعليه فما في الموازية مقابل. انتهى. قول الزرقاني: وكذا السفينة يسرقها وأهلها نيام فلا قطع عليه. قاله أبو الحسن. نص ما في أبي الحسن: قال اللخمي: إن كان الناس في السفينة فأزالها في ليل قطع إذا كان مَرْسًى معروفا، ولا يقطع إذا لم يكن معروفا لأن حرزها حينئذ الذين فيها ولم تَزُلْ أيديهم عنها، فأشبه من سرق دابة وعليها ربها وقد نعس عليها فردها -أي السارق- عن الطريق فإنه لا يقطع؛ لأن حرزها صاحبها ولم تزل يده عنها، فإذا استيقظ عند إنزاله عنها ثم أخذها بعد ذلك كان الحكم في صفة أخذه حينئذ هل أخذها غصبا أو على وجه الحرابة؟ وكذلد السفينة ينظر إلى الحالة التي أخذها عليها وقت علموا به، فإن أخذها غصبا عوقب ولم يقطع، وإن أخذها بحرابة كان الأمر فيه إلى الإمام. انتهى.
стр. 9036
وذكر ابن عاشر أن قول المنصف: "أو كل شيء بحضرة صاحبه" محله إذا لم يكن صاحبه في حرز وإلا فلا يقطع السارق إلا بعد خروجه من الحرز، فحرز الاحضار إنما يعتبر عند فقد حرز الأمكنة. انتهى. وقول الزرقاني: ويستثنى مما قاله المنصف الغنم في المرعى كما هو ظاهر النوادر والرسالة وأبي الحسن الخ، بل صرح بذلك أبو الحسن نقلا عن اللخمي، ونصه في قول المدونة: ولا قطع في شيء من المواشي في مراعيها حتى يأويها المراح. الخ. اللخمي: إن كانت في المرعى لم يقطع وإن كان معها صاحبها وإن آواها المراح قطع وإن لم يكن معها أحد، واختلف فيما بين هذين إذا سرق منها وهي سائرة إلى المرعى أو راجعة منه ومعها من يحرسها، فقيل: يقطع سارقها لأنها ليست في المرعى، وقيل: لا يقطع لقوله ﵊: (فإذا آواها المراح) (١). الحديث. فلم يجعل فيها قطعا حتى تصل إلى المراح. انتهى.
ثم قال أبو الحسن بعد هذا ما نصه: ابن يونس: واختلف من مالك فيما على حبل الصباغ والقصار، وقال في الغسال يخرج بالثياب إلى البحر يغسلها وينشرها وهو معها فيسرق منها: فلا قطع عليه، وهي بمنزلة الغنم في مراعيها. اللخمي: وأظن ذلك لما كانت العادة أن الناس يمشون فيما بين المتاع فيصيرون بذلك كالأمناء على التصرف فيما بينهما فترجع إلى الخيانة، واختلف عن مالك فيما ينشره على حبل ممدود على قارضة الطريق يمر الناس من تحته، فقال: لا قطع فيه: وروي عنه أن فيه القطع. انتهى منه. وقد علمت من كلام أبي الحسن في الغنم أن محل الخلاف فيما إذا سرقت وهي سائرة، وأما إذا سرقت في المرعى فلم يذكر خلافا أنه لا يقطع، والعجب من الشيخ أحمد كيف عكس؟ ونصه في قول المنصف: "أو كل شيء بحضرة صاحبه": هذا ما لم تكن غنم رعاية، وأما إن كانت وسرقت في حال سيرها إلى المرعى فلا قطع، سواء كان معها راع أم لا، وأما إن سرقت في المرعى فقيل يقطع وقيل لا وإن سرقت من مراحها فالقطع، وهي ثلاثة أحوال. انتهى. وما نقلته عن أبي الحسن في ثياب الغسال هو كذلك في نسخة صحيحة منه، وهكذا في نقل الناصر والأجهوري عنه وهو الذي يوافقه توجيه اللخمي الذي نقله
стр. 9037
أبو الحسن عقبه، ووقع في بعض نسخ التوضيح ما يخالف ذلك، ونصه: قال مالك في الغسال يخرج الثياب إلى البحر يغسلها وينشرها وهو معها فيسرق منها: أنه يقطع بمنزلة الغنم في مراحها. انتهى. وهو -واللَّه أعلم- تحريف بشهادة توجيه اللخمي المتقدم. واللَّه الموفق. انتهى.
قول البناني: نحوه في التوضيح ونصه اللخمي الخ ما عزاه للتوضيح عن اللخمي هو كذلك فيه؛ لكنه مخالف لما في تبصرة اللخمي، ونصها: والثاني الإنسان فمن سرق منه شيئا مما عليه أو معه وهو يقظان أو نائم أو من شيء يحرسه قطع ولا خلاف في هذين الوجهين. انتهى. فأنت تراه أخر قوله: أو من شيء يحرسه، عن قوله: وهو يقظان أو نائم ولم يقدمه عليه كما في نقل التوضيح عنه، وقد نقله جسوس عن التوضيح كما نقله عنه البناني وكذلك وجدته في التوضيح، وعليه فلا معارضة بين كلام اللخمي وبين ما في المواق عن الموازية، لكن قول اللخمي أو معه مراده به. واللَّه أعلم. معية خاصة وهي أن يكون جالسا عليه أو متوسدا له تحت رأسه مثلا ليصح الاتفاق الذي ذكره، وليغاير قوله بعده متصلا به أو من شيء يحرسه. فتأمله. وقول البناني: وعليه فما في الموازية مقابل فيه نظر، بل كلام أبي الحسن يفيد أنه المذهب، ونصه قوله: كالدابة بباب المسجد أو في السوق وإن كان معها من يمسكها قطع سارقها، ظاهره كان صغيرا أو كبيرا منتبها أو نائما. قال في سماع أشهب وابن نافع في الصبي يكون على الدابة بباب المسجد فيأتي سارق فيقطع الركابين، قال: أراد سارقا وأرى أن عليه القطع إن كان الغلام منتبها، وإن كان راقدا فإنه يشبه أن لا يكون عليه قطع وما أدري، وإني أراه يشبه الدابة لا يكون معها أحد فتسرق فلا أرى عليه قطعا، وليس ذلك كالدابة التي تربط في حرزها.
ابن رشد: لم يعتبر كون الصبي على الدابة لكونه نائما. وفي المدونة في كتاب اللقطة في السارق يسرق من الدار ويترك الباب مفتوحا فيسرق منها غيره: أن السارق الأول ضامن لما أخذ الثاني إن لم يكن فيها أحد، وإن كان فيها أحد فلا ضمان عليه كان نائما أولا، وفرق في الصبي يكون على الدابة بين أن يكون نائما أو غير نائم، وإنما فرق بين الموضعين لأن القطع حد من الحدود الذي
стр. 9038
يحكم فيه أن يدرء بالشبهات، وتضمين الماء ليس من هذا الباب، والمعنى فيه أنه تلف بسببين؛ أحدهما ترك السارق الباب مفتوحا، والثاني نوم الساكن في الدار عن غلقه فلا يدخل الاختلاف في هذه المسألة من مسألة المدونة لما ذكرنا من أن الحد يدرأ بالشبهات. وقول البناني: محل الخلاف فيما إذا سرقت وهي سائرة الخ ظاهره ولو دخل بها بيوت القرية وليس كذلك، فإنه إذا دخل بها بيوت القرية يقطع وليس من محل الخلاف. واللَّه تعالى أعلم. انظر الرهوني.
أو مطمر قرب يعني أن من سرق من المطمر يقطع بشرط أن يقرب المطمر من المساكن بحيث يكون نظر ربه عليه، والمطمر حفرة تجعل في الأرض لخَزْن الطعام ويهال عليها التراب حتى يساويَ الأرض. قال عبد الباقي: أو سرق طعاما من مطمر وهو حفرة تجعل في الأرض لخزن الطعام ويهال عليها التراب حتى يساوي الأرض، فيقطع إن قرب من المساكن بحيث يكون نظر ربه عليه لا إن بَعُد عنه فلا يقطع لعدم الحرز. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو سرق طعاما من مطمر بالطاء المهملة وهو حفرة تجعل في الأرض لخزن الطعام ويهال عليها التراب حتى يساوي الأرض فيقطع إن قرب من العمران لما إن بعد. انتهى. وقال التتائي: أو سرق طعاما من مطمر وهو حفرة تجعل في الأرض لخزن الطعام ويهال عليها التراب حتى يساوي الأرض فيقطع. انتهى. وقال المواق: سمع ابن القاسم: من سرق من مطامير في الفلاة أسلمها ربها أو (١) أخفاها فلا قطع عليه، وما كان بحضرة أهله معروفا مبينا قطع سارقه. ابن رشد: لأن الأول لم يحرز طعامه بحال.
أو قطار بكسر القاف وهو الإبل أو غيرها يربط بعضها ببعض؛ يعني أن من سرق من القطار يقطع؛ كانت سائرة أو نازلة فيقطع حيث بان به، قال عبد الباقي: أو سرق بعيرا أو غيره من قطار بكسر القاف وهو ربط الإبل أو غيرها بعضها ببعض فيقطع سائرة أو نازلة. انتهى. ونحوه لغيره. ونحوه أي نحو القطار؛ يعني أن من سرق مما يشبه القطار يقطع كالإبل المجتمعة غير مقطورة، قال عبد الباقي: ونحوه كالإبل المجتمعة، لكن القطار إن حل السارق منها واحدا قطع ولو لم يبن به. وقول المدونة: وبان به، قال ابن ناجي: لا مفهوم له أي وإنما وقع التقييد به في
стр. 9039
اختصار البرادعي، وإلا فالأم ليس فيها وبان به. قاله ابن مرزوق. وأما المجموعة من غير قطار فالظاهر تقييد قطعه في سرقته فيها بما إذا بان به. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو سرق بعيرا أو غيره من قطار بكسر القاف وهو ربط الإبل بعضها ببعض، وسرقتها مجموعة دون قطارها، ولذا قال: ونحوه إذا لم يكن القطار ونحوه معه سائق أو قائد وإلا فهو داخل في كل شيء بحضرة صاحبه، والظاهر أنه يقطع في المربوط بعضها ببعض بمجرد فكه من القطار، وأما غير المربوطة فالظاهر أنه لا بد أن يبين به. انتهى. ورد البناني ما قالاه من عدم اشتراط الْبَيْنِ به بأن في الأمهات ما نفاه عبد الباقي تبعا لابن مرزوق، وابن ناجي استند لما في سماع محمد بن خالد عن ابن القاسم في المصلي في المسجد يجعل ثوبه قريبا منه فيسرق وإن لم يتوجه به وهو يفيد عدم اعتبار البين به في المقطورة ونحوها، وقال المواق من المدونة: من احتل بعيرا من القطار في سيره وبان به قطع. ابن يونس: وروى محمد: إن سيقت الإبل غير مقطورة فمن سرق منها قطع والمقطورة أبين. انتهى.
أو أزال باب المسجد يعني أن من أزال باب المسجد من موضعه فإنه يقطع ولو لم يأخذه لأنه أزاله عن حرزه، وفي الميسر: أو أزال باب المسجد أو الدار كما في المدونة، أو سقفه يعني أنه إذا أزال سقف المسجد فإنه يقطع ولو لم يأخذه لأنه أزاله عن حرزه؛ وقال التتائي: أو أزال باب المسجد عن موضعه ولو لم يخرجه أو أزال سقفه عن محله قطع فيهما اتفاقا لأنه موضع كل منهما وكل شيء له مكان فمكانه حرز له وهذه كلية كالسابقة. انتهى. يعني قوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه، وقال في الميسر: أو أزال باب المسجد أو سقفه عن محلهما خفية على وجه السرقة، خرج بهما من المسجد أم لا؛ لأن محلهما حرز لهما وكذا كل شيء مثبت في المسجد. انتهى.
أو أخرج قناديله أو حصره يعني أنه إذا أخرج قناديل المسجد أو حصره: جمع حصير، أو بسطه: جمع بساط، فإنه يقطع. ولا يقطع بإزالة شيء مما ذكر عن موضعه، وإنما يقطع إذا أخرجه من المسجد. هذا تقرير المنصف بحسب ظاهره وهو غير مسلم. قال الشبراخيتي: هذه العبارة وقعت لابن الحاجب، واعترضها ابن عبد السلام والمصنف بأن الإخراج لا يشترط بل
стр. 9040
الإزالة عن محلها كافية على المذهب، ومحل الخلاف إذا لم تكن القناديل أو الحصر أو البسط مسمرة وإلا قطع بالإزالة اتفاقا، وحينئذ فالمعتمد أن القناديل والحصر والبسط حكمها حكم السقف والباب؛ فيحصل القطع بإزالة السارق لها من محلها وإن لم يخرج بها من المسجد، وسواء كانت مسمرة به أو لا، فلو حذف المنصف قوله: "أخرج" لكان أخصر وطابق النقل. انتهى. وقوله: "قناديله أو حصره" تركت به أم لا؛ لأن القناديل والحصر شأنهما أن يتركا على الدوام.
أو بسطه إن تركت به يعني أنه إنما يقطع حيث أخرج بسط المسجد منه إن تركت به ليلا ونهارا، وأما إن كانت تنقل منه وتترك فيه مرة فإنه لما يقطع سارقها، وفي الشبراخيتي: أو بسطه إن تركت به ليلا ونهارا حتى صارت كالحصر فهو قيد في البسط فقط، وأما إن كانت تنقل منه باليل وتبسط بالنهار فلا قطع، وكذا إن تركت به مرة ونسيت فسرقت فلا قطع على سارقها. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أزال باب المسجد وباب غيره أولى فيما يظهر. قاله أحمد. أو سقفه فيقطع وإن لم يخرج به فيقطع لأنه أخرج كلا عن حرزه، أو أخرج قناديله أو حصره ليلا أو نهارا، كان على المسجد غلق أم لا لا بَلَاطه فلا قطع عند أشهب. وقال أصبغ: يقطع وهو أولى من سرقة حصره. قاله مالك. وهو يفيد ترجيحه، وعلى الأول فالفرق بين البلاط والحصر أن البلاط لا يقصد في الغالب إحرازه بجعله في موضعه، بخلاف الحصر أو بسطه المذهب أن إزالتها عن محلها كافية في القطع كالذين قبله، وإن لم يخرج به فلو حذف لفظ أخرج لطابق النقل مع الاختصار كما في ابن مرزوق، وحمله على إخراجها عن محلها فقط ياباه قوله: "أو أزال"، أو يبعده.
ومحل الخلاف في القناديل إن لم تكن مسمرة وإلا قطع بالإزالة اتفاقا، وقيد البسط بقوله: إن تركت به ليلا ونهارا حتى صارت كالحصر كما يفعل الناس في رمضان ونحوه، وأما إن تركت به مرة مثلا ونسيت فسرقت فلا قطع على سارقها، وإن كان على المسجد غلق لأنه لم يكن من أجلها، فإن لم تترك الحصر به ليلا ونهارا فكالبسط وسارقها من محل خزنها يقطع لأنه أخرجها من حرزها. انتهى. وقوله: لا بلاطه، قال في القاموس: البلاط كسحاب: الأرض
стр. 9041
المستوية الملساء والحجارة التي تفترش في الدار وكل أرض فرشت بها أو بالآجر. انتهى. نقله الرهوني.
تنبيهات: الأول: قوله: "أو أزال باب المسجد أو سقفه" هو متفق عليه، قال التتائي: أو أزال باب المسجد عن موضعه ولو لم يخرجه، أو أزال سقفه عن محله قطع فيهما اتفاقا. انتهى. وفي المواق: سمع عيسى: من سرق أبواب المسجد قطع. ابن رشد: وكذا من سرق شيئا مما هو متشبث به كجائزة من جوائزه أو خشبة من سقفه.
الثاني: قوله: "أو أخرج قناديله" هو المشهور من أقوال ثلاثة، قال ابن عرفة في القطع في قناديل المسجد: ثالثها إن كان مسجدا يغلق عليه. انتهى. والأول لمالك، وبه قال ابن الماجشون وأصبغ، والثاني لأشهب: لا يقطع للإذن له في دخوله، وقوله: "أو حصره" القطع هو المشهور من أقوال خمسة، قال ابن عرفة في القطع في حصر المسجد في القطع في حصر المسجد، ثالثها: إن كان تسور عليها ليلا، ورابعها إن خيط بعضها ببعض، وخامسها إن كان عليه غلق. انتهى. وقوله: "أو بسطه إن تركت به" قال ابن الماجشون: الطنفسة يبسطها الرجل في المسجد لجلوسه إن جعلها كحصير من حصره فسارقها كسارق الحصير، وأما طنفسة يذهب بها ويرجع وربما نسيها ربها في المسجد فلا قطع في ذلك، ولو كان على المسجد غلق لأن الغلق لم يكن من أجلها ولم يكلها ربها إلى غلق وهو قول مالك. قاله المواق.
الثالث: قال التتائي: وربما أشعر تخصيص المسجد بما ذكر بأن الكعبة ليست كذلك، قال في الذخيرة: جعل مالك الكعبة في السرقة كالمنازل إن سرق حليها وهي مغلقة قطع، وإلا فلا ولم يجعلها كالمساجد. انتهى. ونحوه في التوضيح، وفي النوادر عن ابن الماجشون: من سرق من ذهب باب الكعبة قطع وإذا كان في المسجد بيت لحصره أو لزكاة الفطر أو لغير ذلك فمن دخل فيه بإذن لم يقطع إن سرق منه، وإن دخله بغير إذن فسرق منه مستسرا قطع إذا خرج به من البيت إلى المسجد، وإن كانت زكاة الفطر وضعت في المسجد وليست في بيت فلا قطع إلا أن يكون معها حارس فيقطع من سرق منها وإن لم يخرج من المسجد. رواه ابن المواز عن مالك. واختاره ابن حبيب. وفي البيان أنها كالحصر يقطع سارقها وإن لم يكن لها حارس. انتهى.
стр. 9042
الرابع: قال الحطاب مفسرا للمصنف: يعني أن من أزال باب المسجد عن موضعه خفية على وجه السرقة فإنه يقطع، سواء خرج به من المسجد أم لا، وكذلك إذا أزال خشبهُ من سقفه عن موضعه على وجه السرقة فإنه يقطع، وسواء خرج بها من المسجد أم لا، وكذا كل شيء ثابت في المسجد ومتشبث به ومسمر فيه، كحصره المسمرة فيه والخيط بعضها إلى بعض وكذلك بلاطه المبنية وسلاسل قناديله السمرة فيه، فإنه يقطع إذا أزال شيئا من ذلك عن موضعه، ولا خلاف في ذلك. وأما ما ليس بمتشبث به ولا مسمر كقناديله المعلقة فيه وحصره التي لا تسمر فيه [ولم يخط] (١)، بعضها إلى بعض، فاختلف فيمن سرق شيئا من ذلك حل يقطع أم لا؟ فالذي مشى عليه المنصف وهو قول مالك أنه يقطع، وإن أخذ قبل أن يخرج من المسجد. وأما بسط المسجد فإنها إن كانت متروكة فيه ليلا ونهارا فهي كالحصر، وأما إن كانت تحمل وترد فلا قطع فيها.
قال في أول كتاب السرقة من البيان: من سرق من المسجد الحرام أو غيره من المساجد شيئا مما هو متشبث به، كجائزة من جوائزه أو باب من أبوابه أو حصير قد سمر في حائطه أو خيط إلى ما سواه من الحصر على ما روى عن سحنون، فلا اختلاف في وجوب القطع على من سرق شيئا من ذلك من موضع وهو متشبث به، وأما ما سرقه من ذلك وهو غير متشبث كقناديل غير متشبثة به وحصر موضوعة في مواضعها، فقيل إن موضعها حرز لها يقطع وإن أخذ قبل أن يخرجها من المسجد، وقيل: إنه لا قطع في شيء من ذلك كله وإن خرج به من المسجد، ثم قال وهذا الكلام كله إنما هو فيما سرق من المسجد وأما ما سرق من بيت مغلق في المسجد كبيت القناديل ونحوه فإنه لا يقطع حتى يخرج بالشيء المسروق من البيت المغلق فيقطع حينئذ، ولو أخذ في المسجد وهذا إذا لم يؤذن له في دخول ذلك البيت، وأما إن أذن له في دخوله فلا قطع عليه، وإن سرق من حلي الكعبة الداخل فيها الغلق عليه بابُها، فإن كان سرق في الوقت الذي أذن له في دخولها فلا قطع عليه، وإن سرق في غير الوقت الذي أذن له في دخولها فإنه لما قطع عليه حتى يخرج به من الكعبة، فإذا خرج به من الكعبة إلى محل الطواف قطع وإن لم يخرج من المسجد. قاله في
стр. 9043
أول كتاب السرقة من البيان. قال: لأن حكم البيت الحرام الذي لما يدخل إلا بإذن فيما سرق منه حكم البيت يكون في المسجد يختزن فيه ما يحتاج إليه في المسجد من زينة قناديله وحصره، لا قطع على من دخله بإذن فسرق منه ما يجب فيه القطع، وأما حلي الكعبة الذي في بابها وفي جدارها من خارج كالحلي الذي على الحجر الأسود فحكمه حكم ما كان مسمرا في المسجد. قاله في التوضيح. ونقل ابن الماجشون القطع في حلي باب الكعبة، وكذلك حكم الرصاص الذي في أرض المطاف والذي في أساطين المسجد، وكذلك حكم كسوة الكعبة الظاهرة حكم ما هو مسمر في المسجد ومثبت به، وأما الكسوة الداخلة فحكمها حكم حليها المغلق [عليه] (١) بابها، وكذلك حكم كسوة المقام والقناديل المعلقة فيه في الموضع الذي يغلق عليه وهذا كله ظاهر، ولم أره منصوصا. واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب.
الخامس: علم من كلام الجواهر أنه لما يشترط في البسط أن تكون في المسجد موقوفة عليه، وأنها لو كانت ملكا لشخص ولكنها متروكة في المسجد ليلا ونهارا كان ذلك حكمها، والظاهر أن الحصر كذلك. قاله الحطاب.
أو حمام يعني أن الحمام حرز لما فيه من ثياب داخل وآلات، فيقطع من سرق منه إن كان قد دخل لأجل السرقة باعترافه بدخوله لها كما في الشارح عن عياض، قال عبد الباقي: فيقطع وإن أخذ قبل خروجه منه ولو كذبه ربه، بخلاف من دخل لغير السرقة بل للتحميم وسرق فإنه يقطع إن أخرج المسروق من الحمام كما في المواق عن ابن رشد. انتهى المراد منه. قوله: وإن أخذ قبل خروجه منه الخ، قال الرهوني: ظاهره وإن أخذ من موضع غير مخصوص، ولا يصح حمله علي ظاهره لأن ابن رشد شبه الحمام بالدار المشتركة، ونقله عنه ابن عرفة وسلمه، ونصه: وأما من دخل للسرقة فأخذ بها قبل أن يخرج من الحمام فيجري على الخلاف في الأجنبي يسرق من بيوت الدار المشتركة بين الساكنين فيؤخذ في الدار قبل أن يخرج، وقد تقدم أن محل الخلاف في السرقة من البيوت، وأما من سرق من ساحتها فلا خلاف أنه لا يقطع إذا أخذ قبل الخروج من
стр. 9044
الدار، فإن قيد كلام الزرقاني بالسرقة من موضع مخصوص كان ما اقتصر عليه أحد مرجحين كما مر. واللَّه أعلم. قاله الرهوني. وقال المواق: ابن رشد: إن كان في الحمام مع الثياب من يحرسها فلا قطع على من سرقها حتى يخرج بها من الحمام إذا كان السارق قد دخل للتحميم، وأما من دخل للسرقة فأخذ قبل أن يخرج من الحمام، فيجري على الخلاف في الأجنبي يسرق من بيوت الدار المشتركة بين الساكنين فيؤخذ في الدار قبل أن يخرج.
تحصيل: اعلم أن من دخل للسرقة يقطع وإن أخذ قبل خروجه من الحمام على ما لعبد الباقي، وقال الرهوني: محل ذلك أي محل القطع حيث أخذ قبل خروجه من الحمام إنما هو حيث سرق من موضع مخصوص على أحد مرجحين، فإن سرق من الساحة لم يقطع أي حتى يخرج من الحمام، فإن دخل ليتحمم لم يقطع حتى يخرج المسروق من الحمام. انتهى. وظاهر ما للشبراخيتي أنه إن دَخَلَ للسرقة قطع وإن دخل ليتحمم لم يقطع، فإنه قال: أو حمام حرز لما فيه من ثياب الداخلين فيقطع السارق منها إن دخل للسرقة لا ليتحمم مع الناس، وسواء كان هناك حارس أم لا، فقوله: "إن دخل للسرقة" أي وسرق. انتهى. وما للشبراخيتي هو الصواب، وما لعبد الباقي غير ظاهر لأنه إن دخل ليتحمم صار دخوله بإذن وبالإذن يكون خائنا لا سارقا، فلا قطع. قال البناني: ابن عاشر: تأمل ما الفرق بين المواضع المأذون فيها لكل أحد، حتى إنهم لم يفصلوا في السرقة من الموضع العام الإذن، بل نفوا القطع مطلقا، وقالوا في الحمام: إذا دخل للسرقة قطع. انتهى. قلت: في أبي الحسن عن عياض: إذا اعترف السارق أنه لم يدخل الحمام ولا جاء لدخوله إلا للسرقة، فقد اعترف أنه لا إذن له في ذلك. انتهى. ومثله في التوضيح، وقول المنصف: "للسرقة" مَفْهُومهُ إن دخل للتحمم فسرق لم يقطع لأنه خائن، كما يدل عليه قول عياض: العلة في سقوط القطع عنهم الإذن في التصرف في ثياب بعضهم [بتنحيتها] (١) ليوسعوا لأنفسهم أو ثيابهم، فصار حكمهم بحكم العرف كالمأذون له في ذلك، فسقط عنه القطع لذلك. بخلاف من اعترف أنه لم يدخل الحمام إلا للسرقة، ولهذا قال اللخمي بالقطع في الثياب التي
стр. 9045
في الطيقان، سواء كان ممن دخل الحمام أم لا؛ لأنه لا إذن له فيها وإنما هي لمن سبق، إلا أن يكون لهم عادة في المشاركة والتوسع في ذلك وتكون طيقانا كبارا. انتهى من أبي الحسن.
ومثله في التوضيح. وما في الزرقاني من أن من دخل للتحمم وسرق يقطع إن أخرج المسروق من الحمام كما في المواق عن ابن رشد لخ غير صواب، بل الذي عند ابن رشد كما في التوضيح وابن مرزوق والمواق موضوعه إن كان مع الحارس، ونص التوضيح عن ابن رشد: إذا كان معها من يحرسها فلا قطع حتى يخرج بها إن كان دخل للتحمم لأنه أذن له، فإن دخل للسرقة فأخذ قبل أن يخرج فيجري على الاختلاف في سرقة الأجنبي من بعض بيوت الدار المشتركة. انتهى. وفي الميسر: أو حمام، فإنه حرز لثياب من دخله وآلاته فيقطع سارقها إن أقر أنه دخل للسرقة وأخرجها منه وإلا فلا، وما في المواق من قطع من أخذ قبل خروجه إنما ذكره فيما معه حارس، فإن دخل ليتحمم أو جهل أمره لم يقطع لأنه أذن له عرفا. انتهى.
أو نقب يعني أنه إذا لم يدخل من مداخل الناس بل نقب الحمام أي ثقبه فأخذ منه نصابا، فإنه يقطع. أو تسور يعني أنه إذا لم يدخل من مداخل الناس كما إذا تسور أي علا على حائط الحمام فأخرج منه نصابا فإنه يقطع، قال المواق من المدونة: إن سرق متاعا من الحمام، فإن كان معه من يحرسه قطع، وإلا لم يقطع إلا أن يسرقه من لم يدخل الحمام من مدخل الناس من بابه، مثل أن يتسور أو ينقب ونحو ذلك فإنه يقطع، وإن لم يكن مع المتاع حارس.
أو بحارس لم يأذن في تقليب ما مر من المسائل الثلاث؛ أعني قوله: "أو حمام إن دخل للسرقة أو نقب أو تسور" فيما إذا لم يكن للحمام حارس وهذه فيما إذا كان له حارس؛ يعني أنه إذا كان للحمام حارس وأخذ شخص ثوبا غير مملوك له، والحال أنه لم يأذن الحارس للآخذ في تقليب الثياب المحروسة أي لم يأذن له في أخذ ثوبه فإن الآخذ يقطع، فإن أذن له الحارس في أخذ ثوبه لم يقطع لأنه خائن، وكذا إن جرى العرف بأن رب الثياب يأخذها بلا إذن الحارس لأن ذلك إذن عرفا. قال الشبراخيتي: أو بحارس أي سرق مع وجود حارس لم يأذن له في تقليب لما أخذه من الثياب ومفهومه أنه إن أذن له في التقليب فلا قطع. ولا فرق بين أن يدخل للسرقة أو لا نظرا للإذن. انتهى.
стр. 9046
وقال عبد الباقي: لم يأذن له في تقليب، أراد به لم يأذن له في أخذ متاعه كما في اللخمي لا ما يعطيه ظاهر المنصف من تقليب ثياب متعددة، فإن أذن له في أخذ ثيابه فقط فسرق ثياب آخر فلا قطع، فإن ناوله الحارس ثيابه فمد يده لغيرها بغير علم الحارس قطع لأنه أخذ الشيء بحضرة نائب صاحبه، وإذا جرت العادة بأخذ الشخص ثيابه بغير إذن الحارس فهو بمنزلة الإذن في الأخذ، فالإذن العرفي كالشرطي لقاعدة أن العرف كالشرط. انتهى. وقال التتائي: أو بحارس أي سرق مع وجود حارس لم يأذن له في تقليب لما أخذه من الثياب، قال أبو عمران: وسواء أقام الحارس صاحب الحمام أو صاحب الثياب، وأما إن أَوْهَمَ الحارس أنَّ له عنده ثيابا فأذن له في التقليب فلا قطع عليه فيما أخذه لأنه خائن، وإن كان له عندد ثياب فناولها له فمد يده وأخذ غيرها قطع. قاله اللخمي. انتهى.
وصدق مدعي الخطإ يعني أنه إذا دخل من مدخل الناس بأن دخل من باب الحمام وأخذ ثياب غيره، وادعى أنه إنما وقع ذلك منه خطأ أي حسب ما أخذ ثوبه فإنه يصدق في دعواه الخطأ فلا يقطع، كان حارس أم لا وهل بيمين أم لا محل نظر؟ بخلاف ما لو نقب أو تسور فلا يصدق في دعواه الخطأ، ولذا قال الشارح والتتائي: هذا إن أشبه. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. واللَّه تعالى أعلم.
أو حمل عبدا لم يميز يعني أنه إذا حمل شخص كرها عبدا لم يميز لصغر أو عجمة أو جنون وأخرجه من حرزه فإنه يقطع، أو خدعه يعني أنه إذا خدع عبدا مميزا إذ الخدع إنما يكون لمميز، كقوله: سيدك بعثني إليك لآخذك له، فخرج له طوعا من حرزه فإنه يقطع إن كان على وجه السرقة. وقوله: "أو حمل عبدا لم يميز" عطف على قوله: "أو أزال باب المسجد"، وقوله: "أو خدعه"، عطف على قوله: "لم يميز" أي أو ميز وخدعه.
والحاصل أنه إن سرق عبدا كبيرا فصيحا لم يقطع ولو سرق غير المميز لقطع، ولو دعا المميز فخرج إليه طوعا لم يقطع، بخلاف ما لو خَدَع المميز فإنه يقطع، كما لو قال له: سيدك بعثنى إليك لآتيَه بك، أو قال له: أنا اشتريتك، وظاهره أن الخداع إنما يكون فيمن يخدع لا في كبير فصيح مميز. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9047
أو أخرجه عطف على قوله: "أو أزال باب المسجد"، والضمير البارز عائد على النصاب، والمستتر الذي هو الفاعل عائد على السارق، وعلق بالفعل أعني قوله: "أو أخرجه"، قوله: في سرقته من المحل ذي الإذن العام أي المأذون في دخول ظاهره لعموم الناس وله باطن خاص، وَاللام أو البَاءُ كما في بعض النسخ في قوله: لمحله بمعنى عن، وفي بعض النسخ بعن بدل اللام وهو متعلق بأخرجه؛ والضمير المضاف إليه عائد على الإذن العام، وصورة المسألة أن من سرق نصابا من بيت محجور على الناس في دخوله وهو من دار مأذون في دخول ظاهرها لعموم الناس فإنه يقطع؛ بشرط أن يخرج المسروق من جميع الدار أي يخرجه من خاصها ومن محل إذنها العام، فلو أخرجه من البيت الخاص أي المحجور عن الناس ولم يخرجه عن المحل المأذون فيه لعموم الناس لم يقطع. قال عبد الباقي مفسرا للمصنف: أو سرق نصابا من بيت محجور على الناس في دخوله وأخرجه في ذي الإذن العام أي ظاهر الدار الخاصة ولكن مأذون في دخوله لعموم الناس، كظاهر بيت العالم والقاضي والطبيب لمحله أي العام متعلق بأخرج، واللام أو الباء كما في بعض النسخ بمعنى عن أي من سرق من بيت محجور في دار مأذون لعموم الناس في دخول ظاهرها فلا يقطع حتى يخرج المسروق عن محل الإذن العام بأن يخرجه من باب الدار لأنه من تمام الحرز، فإن لم يخرجه عن بابها لم يقطع، كما أن من أخذ شيئا من ظاهرها المأذون في دخوله للناس أو من بيت بها غير محجور لا يقطع، ولو أخرجه عن بابها كما ذكره ابن رشد لأنه خائن لا سارق. وظاهره عدم القطع، ولو جرت العادة بوضعه في المحل العام.
والْفَرْقُ بين مسألة المنصف هنا وبين مسألة الفنادق والدار المشتركة في أنه يقطع السارق من بيت من بيوتها بمجرد إخراجه لساحتها أن دخولها هنا بالإذن، وفي مسألة الدار المشتركة والفناديق بملك المنفعة في السكنى. انتهى.
قال البناني في تقرير عبد الباقي للمصنف هنا: هذا هو الموافق لعبارة ابن رشد، وقد نقل كلامه صاحب التوضيح وغيره، وهو المذهب وعليه حمل أبو الحسن كلام المدونة ونص كلامه في المقدمات علي نقل التوضيح وأبي الحسن: الدور ستة؛ الأُولَى: أن يسكنها وحده ولا يأذن فيها لأحد فهذه كل من سرق منها فأخرجه من الدار قطع اتفاقا. الثَّانِيَةُ: أن يأذن فيها ساكنها
стр. 9048
لخاص كالضيف أو يبعث رجلا إلى داره ليأتيه من بعض بيوتها بشيء فسرق الضيف أو الرجل المبعوث من بيت مغلق قد حجر عليه دخوله فقال في المدونة والموازية إنه لا يقطع وإن خرج بما سرق من جميع الدار لأنه خائن وليس بسارق، وقال سحنون: يقطع إذا أخرجه إلى الموضع المأذون فيه كالشركاء في الساحة. الثَّالِثَةُ: أن ينفرد الرجل بسكناها مع زوجته فسرق أحدهما من مال الآخر من بيت قد حجر عليه، فهذا يقطع إذا أخرجه من البيت المحجور وإن لم يخرجه عن جميع الدار وهو ظاهر المدونة ونص قول سحنون، وقال مالك في الموازية: لا يقطع وإن خرج به من الدار. الرَّابعَةُ: ذات الأذن العام كالعالم والطبيب يأذن للناس في دخولهم إليه فيقطع من سرق من بيوتها المحجورة إذا خرج بالسرقة عن جميع الدار؛ لأن بقية الدار من تمام الحرز إذ لا يدخل إلا بإذن؛ وفارق الضيف لأن الضيف خص بالإذن فصار له حكم الخائن بائتمانه، ولا يقطع من سرق من قاعتها وما لم يحجر عليه من بيوتها اتفاقا. الْخَامِسَةُ: المشتركة بين ساكنيها المباحة لجميع الناس كالفنادق فقاعتها كالمحجة، فمن سرق من بيوتها من الساكنين أو غيرهم وأخذ في قاعتها قطع اتفاقا. السَّادِسَةُ: المشتركة بين ساكنيها المحجورة عن الناس فلا خلاف أن الساكنين يقطع من سرق منهم من بيت صاحبه وإن لم يخرج بها من الدار، [ولا خلاف] (١) في أنه لا قطع على من سرق منهم من قاعة الدار شيئا إلا أن يكون مثل الأعكام. انتهى.
فحمل الشارح كلام المنصف هنا على الرابعة، ولذا قال ابن غازي في بعض النسخ عن محله بعن لا باللام وهي الصواب، ثم قال: وذهب ابن يونس إلى غير هذا، فقال: وأما الدار المأذون [فيها] (٢) الغير المشتركة إن سرق منها من أذن له فيها من بيت حجر عليه فأخذ في الدار، أو بعد أن خرج منها لم يقطع وقيل يقطع إذا أخرجه من البيت. انتهى. وعليه اقتصر ابن عرفة، قال ابن غازيَ: فإن كان المنصف عول على القول الثاني فقال لمحله باللام على ما في أكثر نسخه فقد أبعد غاية. انتهى. قلت: يمكن حمل المنصف على المسألة الخامسة وهي المشتركة المباحة لجميع
стр. 9049
الناس، وقد تقدم عن ابن رشد: من سرق من بيوتها وأخذ في قاعتها قطع اتفاقا وعليه تبقى اللام على ظاهرها لانتهاء الغاية. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى. وبحث معه الرهوني بما لم يلح لي وجهه. واللَّه تعالى أعلم.
لا إذن خاص يعني أن الدار ذات الإذن الخاص لبعض الناس، كضيف أو داخل في صنيع ولو لقوم مخصوصين أو مرسل لأخذ حاجة منها فإنه لا يقطع، وإن سرق مما أي من بيت حجر عليه في دخوله حيث أخرجه للمحل المأذون، بل وإن حشج الضيف ونحوه به أي بالشيء المأخوذ من جمعية أي البيت متعلق بخرج، وإيضاح هذا أن الدار التي أذن صاحبها في دخولها لخاص كضيف أو رجل بعثه إلى داره ليأتيه من بعض بيوتها بشيء، فيسرق الضيف أو الرجل المبعوث من بيت قد حجر عليه دخوله فإنه لا يقطع؛ ولو أخرج المسروق من جميع الدار لأنه بالإذن خائن لا سارق هذا هو مذهب المدونة والموازية. وقال سحنون: يقطع إذا أخرجه إلى الموضع المأذون فيه. واللَّه تعالى أعلم. وأشار بالمبالغة لمخالفة ما حكاه عبد الحق وتأوله على المدونة. ونسبه لمالك [من] (١) القطع إن خرج به من جميع الدار. قاله التتائي.
فَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثلاثة أقوال: مذهب المدونة والموازية وهو الذي مشى عليه المنصف لا قطع ولو خرج به من جميع الدار قول سحنون يقطع إن أخرجه لمحل الإذن. الثالث: ما نسبه التتائي لعبد الحق وهو القطع إن أخرجه من جميع الدار. هذا هو تحرير المسألة. واللَّه تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: لا دار ذات إذن خاص لبعض الناس كضيف أو داخل في صنيع ولو لقوم مخصوصين أو مرسل لأخذ حاجة منها فسرق مما أي من بيت حجر عليه في دخوله، وأولى إن أخذ مما لم يحجر عليه وإن خرج به من جميعه فلا قطع عليه لأنه بالإذن خائن لا سارق، وفرق بينه وبين قطع أحد الزوجين فيما حجر عنه بأنهما قصد كل منهما الحجر عنه بخصوصه، وما قصد بالخصوص أشد مما قصد بالعموم، بخلاف الضيف فإنه لم يقصد الحجر عنه بخصوصه،
стр. 9050
وفرق بينه وبين مسألة الشركاء بأن الداخل [فيها] (١) ليس بإذن المسروق منه، بل بما له من الشركة بخلاف الضيف. انتهى.
وقال الشبراخيتي: لا دار ذات إذن خاص لبعض الناس كضيف أو داخل في صنيع، ولو لقوم مخصوصين أو مرسل لأخذ حاجة منها فيسرق مما أي من بيت حجر عليه في دخوله بغلق أو بغيره، وأحرى إن سرق مما أُذِنَ له فيه، وإن خرج السارق به أي بالمسروق من جميعه أي البيت فلا قطع عليه لأنه خائن لا سارق. انتهى.
وقال المواق: ابن زرب: خصال لا قطع على السارق فيها منها: سرقة الضيف والجائع في الشدة. ابن رشد: وأما الدار التي أذن فيها ساكنها أو مالكها لخاص من الناس كالرجل يضيف الضيف أو يبعث الرجل إلى داره لخ.
ولا إن نقله ولم يخرجه يعني أنه إذا نقل شيئا من موضع من الحرز لموضع آخر منه ولم يخرجه من الحرز فإنه لا قطع عليه. قال عبد الباقي: ولا قطع إن نقله في الحرز [من محل] (٢) لآخر فيه ولم يخرجه عن الحرز، وهذا مفهوم قوله قبل: "مخرج من حرز"، وكذا إن أخرجه من غير حرز مثله فلا قطع، كما أشار إليه بقوله: ولا فيما على صبي يعني أنه لا قطع في سرقة ما على صبي من الحلي والثياب وهذا إذا كان الصبي غير مميز وإلا قطع. أو معه يعني أنه لا قطع في سرقة مال مع الصبي غير المميز، فإن كان مميزا قطع سارق معه. وقال غير واحد: ولا قطع في ما على صبي أو مجنون أو معه من حلي أو غيره لأنه ليس في حرز مثله وهذا في صبي لا يميز وليس في دار أهله ونحوها ولا حافظ معه وإلا وجب القطع، وسكت المنصف عن هذه القيود لعلمها مما مر. وقال المواق: في الموازية: من سرق قُرط صبي أو شيئا مما عليه، فإن بان صغيرا لا يعقل ولا حافظ له وليس في حرز لم يقطع، وإلا قطع. انتهى.
стр. 9051
وقال الشبراخيتي: ولا قطع فيما على صبي أو معه من ثياب أو حلي بشرط أن لا يكون حافظا لما سرق منه مما معه أو عليه، وأن لا يكون معه حارس وأن لا يكون بدار أهله، واستغنى المنصف عن الأولين بقوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه، وعن الثالث بقوله: "من حرز مثله" وبقوله: مخرج من حرز ومثل الصبي المجنون والسكران، وظاهره بحلال أو حرام، لكن مقتضى قول ابن عرفة في غير هذا المحل والسكران بغير خمر كالمجنون أنه فيمن سكر بحلال، وأما من سكر بغيره فالذي ينبغي أنه يجري فيه المتردد في صحة بيعه وعدمه، فعلى الأول يقطع من سرق منه دون الثاني. انتهى.
وقال عبد الباقي: ولا قطع فيما أي في سرقة ما على صبي غير مميز من حلي وثياب أو معه فلا يعد غير المميز حافظا لذلك، نعم يشترط أن لا يكون معه حارس، وأن لا يكون بدار أهله وإلا قطع سارق ما عليه أو معه، واستغنى عن الأول بقوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه لأن المراد به الصاحب المميز، وإن لم يكن مالكا. وهذه حكمة تعبيره بصاحبه دون ربه مع كونه أخصر، وعن الثاني بقوله: [مخرج] (١) من حرز، وقولي: غير مميز، احتراز من مخادعة المميز لأنه الذي يتأتى فيه المخادعة فإنها حرابة، كما يأتي له فيها من قوله: ومخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه، ومثل الصبي هنا المجنون والسكران وظاهره لخ.
ولا على داخل تناول منه الخارج يعني أنه إذا دخل في الحرز شخص وكان آخر خارج الحرز فمد الداخل يديه بنصاب رفعه من الحرز، ومد الخارج يديه فتناول ما رفعه الداخل في الحرز على يديه: وأخرجه الخارج فإنه يقطع الخارج فقط ولا يقطع الداخل لأنه لم يخرجه. وعلم مما قررت أن محل هذا حيث لم يخرج الداخل يديه بالنصاب من الحرز بأن تناوله الخارج منه وأخرجه من غير مصاحبة الداخل، قال المواق: قال ابن الحاجب: اتفقوا في السارقين يكون أحدهما من داخل الحرز والآخر من خارجه، فيخرج الداخل يده إلى خارج الحرز بالمتاع فيتناوله الخارج أنه لا قطع على الخارج، فلو أدخل الخارج يده إلى داخل الحرز فأعطاه الداخل المال،
стр. 9052
فقال ابن القاسم: يقطع الخارج، وقال أشهب: يقطعان معا، واتفقوا في السارق يوخذ في الحرز قبل أن يخرج المتاع أنه لا قطع عليه. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: وعلم أنه لو أخرجاه معا لقطعا على ما مر في قوله "أو اشتركا في حمل إن استقل كل" لخ. وقال التتائي: قال مالك: إذا كانوا ثلاثة أحدهم في البيت والآخر على ظهره والثالث في الطريق، فناول الذي في البيت من هو على ظهره والذي على ظهره من هو في الطريق، قطع الذي يهيئ المتاع في البيت والذي على ظهره، ولا يقطع الخارج في الطريق إلا أن يمد يده حتى يصيرها في ظهر البيت فيقطع الثلاثة. اللخمي: قطع الذي في البيت غير بين. انتهى.
ولا إن اختلس يعني أنه لا قطع في الخلسة. ابن مرزوق: الاختلاس أن يتغفل صاحب المال فيخطفه. بهذا فسره الفقهاء. انتهى. نقله البناني. قال: وهذا معنى ما في الزرقاني.
والحاصل أن الاختلاس هو الاختطاف أي الأخذ بسرعة أخذه سرا أو جهرا، فإذا اختطف نصابا وخرج من الحرز فإنه لا يقطع على المذهب. قال ابن عرفة: المذهب أنه لا قطع في اختلاس. أو كابر يعني أنه لا قطع فيما أخذ مكابرة، قال التتائي: أو كابر بأن تناوله من صاحبه ثم ادعى أنه ملكه إذ ليس بسرقة ولا غصب، وقال الشارح تبعا لما في التوضيح: إنه راجع إلى الغصب والغاصب لا يقطع. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أخذ وكابر بأن تناوله من صاحبه ثم ادعى أنه ملكه من غير محاربة فلا قطع لأنه غاصب والغاصب لا قطع عليه. قاله في التوضيح. فعلم من هذا أنه ليس المراد كابر بعد ثبوت أخذه ملك الغير؛ لأن هذا يلزمه القطع ولا عبرة بمكابرته. انتهى. وقال المواق: قال ابن الحاجب: فلو أخذ اختلاسا أو مكابرة على غير حراية فلا يقطع. انتهى. وقال في الميسر: أو كابر أي أخذه من ربه مدعيا أنه له من غير حرابة لأنه غاصب فلا يقطع، قال ابن شأس: فإن كابر لم يقطع إلا أن يوخذ بحكم الحرابة. انتهى.
أو هرب بعد أخذه في الحرز يعني أنه إذا دخل السارق حرزا فأخذ نصابا ثم أخذ في الحرز ففر بالنصاب وخرج به من الحرز فإنه لا قطع عليه، قال المواق: سمع عيسى ابن القاسم: إن دخل سارق بيت رجل فائتزر بإزار فأخذ بالبيت ففر منهم والإزار عليه وقد علم به أهل البيت أو لم يعلموا فلا قطع عليه. ابن رشد: لأنه لم يخرج به إلا مختلسا. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو
стр. 9053
هرب به بعد أخذه في الحرز لأنه لم يخرج به على وجه السرقة. انتهى. ونحوه للتتائي. واللَّه تعالى أعلم.
ولو ليأتي بمن يشهد عليه مبالغة في عدم القطع؛ يعني أن السارق إذا أخذ في الحرز وهو يسرق فتركه رب المتاع وذهب ليأتي بالشهود ليشهدوا على سرقته ففر بالمتاع فإنه لا قطع عليه، قال المواق في الموازية: من ترك السارق يسرق متاعه وأتى بشاهدين له [يعاينانه] (١)، ولو أراد أن يمنعه منعه فلا قطع. قاله مالك. انتهى. قال عبد الباقي: لأنه صار كالمختلس. انتهى. وقال البناني: ولو ليأتي بمن يشهد عليه أي ولو هرب السارق لخروج ربه ليأتي بالشهود، وأشار بلو إلى خلاف أصبغ. قاله ابن غازي. وظاهر المنصف سواء علم السارق بصاحب المال عند خروجه أو لا، وقال ابن الحاجب: ولو تركه وأحضر من يشهد ولو شاء لمنعه، فثالثها قال مالك: إن شعر به فهرب به لم يقطع وإلا قطع. التوضيح: عدم القطع لمالك وابن القاسم والقطع لأصبغ بناء على أنه اختلاس أو سرقة، والثالث ظاهر لَكِنْ في نسبته لمالك نظر، ولم أره وإنما نسبه ابن شأس لبعض المتأخرين ولعله ابن يونس، فإنه قال: إن رآهم السارق فهرب فهو مختلس وإن خرج من الدار ولم يرهم فهو سارق ويجب قطعه. ابن عبد السلام: وهو التحقيق. انتهى. وقال عبد الباقي: أو هرب بالمسروق بعد أخذه به في الحرز والقدرة عليه، ولو ترك فيه وذهب رب المتاع ليأتي بمن يشهد عليه أنه سرق المتاع ولو شاء لخلص المتاع كما يشعر به قوله بعد أخذه ثم خرج السارق من الحرز فلا قطع عليه. انتهى.
أو أخذ دابة بباب مسجد يعني أن من أخذ دابة أوقفها صاحبها بباب المسجد لا قطع عليه إن لم يكن معها حارس وإلا قطع، أو سوق يعني أن من أخذ دابة أوقفها صاحبها في السوق فإنه لا قطع عليه إن لم يكن معها حارس وإلا قطع، وقوله: "أو سوق" أي أوقفها لغير بيع وإلا قطع. قال عبد الباقي: أو أخذ دابة أوقفها صاحبها بباب مسجد أو سوق لغير بيع لا له فيقطع سارقها بدليل ما مر وبغير حافظ فلا قطع على سارقها لأنه موقف غير معتاد، وسكت عن التقييد به
стр. 9054
للعلم به من قوله: أو كل شيء بحضرة صاحبه وقوله: "أو سوق" يحتمل عطفه على "باب"، أو على "مسجد"، وكذا إن أخذ دابة بمرعى فلا قطع عليه ولو بحضرة الراعي على الراجح كما مر. انتهى. وقد مر الاتفاق على عدم القطع في المرعى أي حيث كانت في محل الرعي فراجعه إن شثت. وقال المواق من المدونة: والدابة بباب المسجد أو في السوق إن كان معها من يمسكها قطع وإلا فلا.
أو ثوبا بعضه بالطريق يعني أنه إذا أخذ ثوبا بعضه منشور في الحرز وبعضه بالطريق فإنه لا قطع عليه، قال المواق من المدونة: من جر ثوبا منشورا على حائط بعضه بالدار وبعضه خارج عنها إلى الطريق لم يقطع. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أخذ ثوبا منشورا على حائط بعضه على داخلها وبعضه بالطريق فلا قطع عليه تغليبا لجانب درء الحد بالشبهة، والشبهة هنا كون بعض الثوب بغير حرز مثله والبعض صادق بالنصف والأكثر والأقل، وأم لو جذبه من جانب الدار فإنه يقطع لأنه أخرجه من الحرز. انتهى. ونحوه للخرشي.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: لو كان بعض الثوب داخل الحائط وبعضه على ظاهره فأخذ ما على ظاهر الحائط وهو لم يبلغ الطريق فإنه لا يقطع، ففي الشبراخيتي أنه لا يقطع، فإنه قال: أو أخذ ثوبا منشورا على حائط بعضه داخلها وبعضه بالطريق فلا قطع؛ لأنه ليس في حرزه تغليبا لجانب درء الحد بالشبهة، وسواء جَذَبَهُ من الدار أو من الطريق. انظر الحاشية. وفي قوله: بعضه بالطريق تسامح؛ إذ قد يكون بعضه خارج الدار على وجه حائطها الخارج وإن لم يصل إلى الطريق كما قدمناه. انتهى.
أو ثمر معلق يعني أن الثمر المعلق في الشجر على أصل خلقته لا يقطع من سرقه، وقوله: "ثمر" بمثلثة من نخل أو غيره. وعلم مما قررت أن معنى"معلق" باق على أصل خلقته أي على الحالة التي أنبته اللَّه تعالى عليها في الشجر، وأم لو قطع ثم علق فلا قطع ولو بغلق، قال الشبراخيتي: أو ثمر بمثلثة من نخل أو غيره وهو مجرور عطف على "ما" من، قوله: "ولا فيما على صبي معلق على رؤوس الشجر من أصل خلقته فلا قطع ولو بغلق، ولا يدخل هذا في قوله: "وإلا بعد حصده" الخ لأن المراد إلا بعد حصده ووضعه في محل اعتيد وضعه فيه، وفهم من قوله: "ثمر"
стр. 9055
أنه لا قطع في الودي، ومن قوله: "معلق" أنه لا قطع فيما يلتقط من الساقط من الثمر وهو كذلك على أحد القولين في كل واحد من الفرعين. قاله التتائي. انتهى.
وقال عبد الباقي: ثم عطف بالجر على ما من قوله: ولا فيما على صبي، فقال: "أو سرقة ثمر" بمثلثة من نخل أو غيره معلق على أصله خلقة فلا قطع، فإن قطع ثم علق فلا قطع ولو بغلق. وفهم من قوله: "ثمر" أنه لا قطع في الودي لخ. وقال المواق: قال ابن يونس: قال رسول اللَّه ﷺ : (لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آواها المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) (١)، قال: قال ابن القاسم: فلا قطع في ثمر في رؤوس النخل في الحوائط ولا في زرع أو بقل قائم حتى يئويَهُ الجرين. محمد: وأما في نخلة أو شجرة في دار رجل فإنه يقطع: قال ابن القاسم: وإذا جمع في الجرين الحب والتمر وغاب ربه وليس عليه باب ولا حائط ولا غلق قطع من سرق منه. ابن يونس: لعموم الحديث. انتهى.
إلا بغلق فقولان يعني أن الثمر في الشجر الباقي على أصل خلقته لا قطع فيه كما عرفت هذا إذا لم يكن عليه غلق، وأما إن كان مغلقا عليه ففي قطع السارق له وعدم قطعه قولان؛ القول بالقطع مخرج للخمي على قول ابن المواز، والقول بعدم القطع منصوص عليه لابن الماجشون، فلو قال: لا بغلق فلا قطع وخرج القطع لكان أولى. قاله الشبراخيتي. وقوله: مخرج على ابن المواز يعني أن ابن المواز، قال: لو دخل سارق دارا فسرق من ثمرها المعَلق في رؤوس النخل أو كان مجذوذا في منزله لقطعت يده، فقال اللخمي: يلزم على هذا إذا كان النخل أو الكرم أو غيره من الثمار عليه غلق احتيط به من السارق، أو كان لا غلق عليه وعليه حارس أن يقطع. انتهى. البساطي: الخلاف ليس بين ابن المواز وابن الماجشون؛ لأنهما قالا بعدم القطع، وإنما الخلاف بين ما ألزم به اللخمي ابن المواز وبين ابن الماجشون. انظر التتائي. وقال البناني: والقول بالقطع ليس بمنصوص وإنما هو مخرج، ألزمه اللخمي لابن المواز فكان من حق المؤلف أن لا يسويه بمقابله. انتهى. وفي إلزام اللخمي لابن المواز ما فيه لأن الدار أشد حفظا. انتهى.
стр. 9056
وقال عبد الباقي: محلهما يعني القولين في غير النخل بالدار وأما هو فيقطع بلا خلاف لأنه في حرزه. انظر الشارح. انتهى. وقال البناني: الغلَق بفتح اللام والغلاق ما يغلق به الباب ويصح سكونها ليكون مصدرا. انتهى. وقال عبد الباقي: إلا بغلق بفتح اللام وسكونها فقولان في قطع السارق منه وعدم قطعه. انتهى.
تنبيه وقع في الخرشي: وكان ينبغي أن يقول في رؤوس الشجر بدل، قوله: "معَلَّق" لأنه ليس معلّقا وإنما هو من أصل خلقته. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وما كان ينبغي لهما ذلك لأنه ورد في حديث الموطإ كذلك، وهو قول رسول اللَّه ﷺ : (لا قطع في تمر معلق). انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وقال الخرشي: معلق أي في بساتينه، وأما في الدور والبيت فيقطع لأنه في حرز. انتهى.
وإلا بعد حصده الظاهر أن الاستثناء هنا منقطع، فالمعطوف عليه متصل والمعطوف منقطع لأن الاستثناء فيه الثمر محصود والمعطوف عليه معلق في الشجر خلقة. واللَّه أعلم. يعني أن الثمر إذا حصد وكذلك الزرع إذا حصد ثم سرق منه قبل أن يصل إلى الجرين، فإنه اختلف فيه على ثلاثة أقوال: أحدها القطع مطلقا كدس أم لا، ثانيها عدم القطع مطلقا كدس أم لا، ثالثها القطع إن كدس الثمر أي جمع بعضه إلى بعض وإن لم يكدس فلا قطع، وقد علمت أن الأقوال الثلاثة تجري في الزرع. وفي الميسر ما نصه: والأقوال ذكرها في التوضيح في حصاد التمر وابن رشد في الزرع، وقال: إنه إذا كان في حائط فلا خلاف في القطع بعد أن حصد، وإن كان في محله قبل أن ينقل ويجمع. نقله البناني. ولا خلاف في القطع فيما له حارس أو ما سرق منه في حال نقله إلى الجرين كما في التوضيح. وقال البناني: قد صرح ابن رشد بالأقوال الثلاثة في الزرع بعد حصده، ونقله أبو الحسن عند قوله: ويقطع سارق البقل إذا آواه حرزه فإن لم يكن قائما، ونصه: الشيخ: لا إشكال إذا كان قائما أنه لا قطع فيه ولا إشكال إذا آواه حرزه أنه يقطع سارقه، وما بين ذلك يجري على الخلاف في الزرع يحصد ويترك لِيَيْبَسَ ثم ينقل.
وحَصَّل ابن رشد في الزرع ثلاثة أقوال: أحدها أنه يقطع من سرقه بعد أن حصد ضم بعضه إلى بعض أم لا، الثاني لا يقطع ضم بعضه إلى بعض أم لا حتى ينقل إلى الجرين، الثالث الفرق بين
стр. 9057
أن يسرق بعد أن يضم بعضه إلى بعض وقبل ذلك، وهذا الاختلاف كله إذا لم يكن عليه حارس، وأما إن كان عليه حارس فلا اختلاف أن على سارقه القطع، وكذلك إذا كان الزرع في خائط لا اختلاف أحفظه نصا في وجوب القطع على من سرقه بعد أن حصد. انتهى. وقال: قال: وما لا جرين له كالمقاثي وشبهها فالقطع على من سرقها بعد أن تجمع في الموضع الذي تحمل منه للبيع، وإذا سرق الزرع في الطريق إلى الجرين فالقطع على سارقه قولا واحدا. انتهى من البيان. صح من أبي الحسن. انتهى.
تنبيهات: الأول: قوله: "إلا بعد حصده" قال عبد الباقي: أي جذه ووضعه في محل اعتيد وضعه فيه. انتهى. وقال الخرشي: إلا بعد حصده ووضعه في محل اعتيد وضعه فيه.
الثاني: اعلم أن ما وضع في الجرين من ثمر أو زرع لا خلاف في أن من سرق منه يقطع؛ وإنما الخلاف فيما إذا لم يكن الجرين قريبا من البيوت هل يقطع أولا؟ قال في التوضيح: وهل لا يقطع في الجرين إلا أن يكون قريبا من البيوت أو يقطع مطلقا؟ قولان، قال ابن يونس: قال ابن القاسم: وإذا جمع الزرع في الجرين؛ الحب أو التمر وغاب ربه وليس عليه باب ولا حائط ولا غلق، قطع من سرق منه. وقال محمد عن أشهب: إذا كان الجرين في صحراء ولا حارس عليه ولا غلق فلا قطع على من سرق منه، وقول ابن القاسم: عليه القطع وجهه عموم الحديث: (لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة جبل فإذا آوها المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن) (١). ووجه قول أشهب: لا قطع عليه فلأنَّ الغالب من الجرين أن لا يكون في الصحراء وإنما يكون بحضرة الحوائط والفدادين، فكأنه بحضرة أهله فهم كالحراس عليه وفيه ورد الحديث كالطامير تكون بحضرة أهلها وبالصحراء فإن ذلك مفترق، فكذا هذا.
الثالث: علم مما مر أن للثمر والزرع ثلاثة أحوال أحدها لا قطع فيه وهو كون الثمر معلقا في الشجر على أصل خلقته وأحرى لو جذ ثم علق وكون الزرع قاتما، ثانيها ما إذا جذ الثمر وما إذا حصد الزرع وفيه الأقوال الثلاثة كما عرفت، الثالث ما إذا جعل الثمر أو الزرع في الجرين فلا
стр. 9058
خلاف في قطع من سرق منه إن قرب من البيوت وإن بعد منها ففيه الخلاف المتقدم بين ابن القاسم وأشهب، وقد مر أنه إذا سرق من الزرع في الطريق إلى الجرين فالقطع على سارقه قولا واحدا. واللَّه أعلم.
ولا إن نقب فقط يعني أنه إذا نقب شخص الحرز أي ثقبه ولم يخرج شيئا وإنما أخرجه غيره، فإنه لا قطع على الناقب وإنما القطع على من أخرج نصابا هذا هو المذهب وهو مذهب المدونة، وقيل يقطعان وعليه ابن شأس. واحترز بقوله: "فقط" عما إذا أخرج منه نصابا فإنه يقطع. الشبراخيتي: ولا قطع إن نقب فقط ولم يخرج شيئا لأن غايته أنه هتك الحرز وعليه ضمان ما خرج من الْحِرْزِ بسبب نقبه، وهذا حيث لم يَكُنْ رَبَّهُ معه ولو نائما. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا إن نقب الحرز فقط ولم يخرج منه شيئا أو خرج منه بنفسه فلا قطع عليه وعليه ضمان ما خرج بسبب نقبه إن لم يكن معه ربه، فإن كان معه ولو نائما فلا ضمان عليه. وظاهر كلام المنصف أنه لا قطع على من نقب ولو اتفق مع غيره على أن ذلك الغير يستقل بالإخراج كما استقل هو بالنقب وهو كذلك، وإنما القطع في هذا على المخرج فقط على المذهب وهو مذهب المدونة؛ لأن النقب لا يخرج المكان عن كونه حرزا أي لا يعد الواضع فيه مضيعا حين الوضع، وقيل يقطعان وعليه ابن شأس. انتهى.
وقال البناني: ابن عرفة: قال ابن الحاجب تبعا لابن شأس: فلو نقب وأخرج غيره، فإن كانا متفقين قطعا وإلا فلا قطع على واحد منهما، قلت: لا أعرف هذا الفرع لأحد من أهل المذهب، وإنما ذكره الغزالي في وجيزه على أصلهم أن النقب يبطل حقيقة الحرز. وقوله: إن تعاونا قطعا، مقتضى المدونة أنه لا يقطع إلا من أخرجه لقولها لو قَرَّبَهُ أحدهما لباب الحرز فَتناوله الخارج قطع الخارج وحده إذ هو أخرجه ولا يقطع الداخل، وهذه المسألة رد عليه في زعمه أن النقب يبطل حقيقة الحرز، لقولها لباب الحرز. وفي قوله: قطعا، وقد تقدم لهما مسائل من هذا النوع وهي إضافتهما للمذهب مسائل الغزالي مع مخالفتهما أصول المذهب، ولذا كان كثير من محققي شيوخنا لا ينظر كتاب ابن الحاجب ويرى قراءة الجلاب دونه. انتهى. فقول المنصف: "ولا إن نقب" الخ مسلم، وإنما المشكل ما قاله ابن الحاجب وابن شأس. انتهى. وقال المواق: ابن شأس:
стр. 9059
لو نقب وأخرج غيره وانفرد كل واحد منهما بفعله دون اتفاق بينهما فلا قطع على واحد منهما. انظر ابن عرفة. فإنه قال: إن هذا على أصل الشافعية أن النقب يبطل حقيقة الحرز وليس هذا مذهب مالك. انتهى.
وإن التقيا وسط النقب صورتها أنه مد أحدهما يده بالنصاب في وسط النقب أي أثنائه وتناوله الآخر في أثناء النقب فأخرجاه معا فإنهما يقطعان معا، قال عبد الباقي: وإن التقيا وسط النقب أي في أثنائه فأخرجاه معا قطعا، وقال الشبراخيتي: وإن التقيا بأيديهما في المناولة وسط النقب قطعا لتعاونهما على إخراجه والمراد بالوسط الأثناء، وقال التتائي: وإن التقيا بأيديهما في المناولة وسط النقب قطعا، وقال المواق من المدونة: إذا التقت أيديهما في المناولة في وسط النقب قطعا معا. انتهى.
تنبيه: قال الخرشي مفسرا للمصنف: ولو دخل أحدهما الحرز فأخذ ما يساوي نصابا فوضعه في وسط النقب فمر شخص آخر فتناوله وأخرجه من الحرز فإنهما يقطعان معا. انتهى. قال مقيد هذا الشرح: وفيه إشكال لأنه إذا كان وسط النقب حرزا فإن الداخل لم يخرجه فلا قطع عليه، وإنما القطع على المخرج من الحرز وهو الذي تناوله وإن لم يكن وسط النقب من الحرز بل هو خارج عنه فإنه لا يقطع آخذه من وسط النقب لأنه لم يخرجه من الحرز، وإنما يقطع الداخل. فالصواب تفسير عبد الباقي حيث قال فأخرجاه معا. واللَّه تعالى أعلم.
أو ربطه فجذبه الخارج يعني أنه إذا ربط المسروقَ الداخلُ في الحرز بحبل أو بغيره وجذبه الخارج عن الحرز فإنهما يقطعان معات قال الخرشي: وكذلك يقطعان معا إذا دخل أحدهما الحرز فربط المتاع المسروق في حبل أو غيره فجذبه الخارج إلى أن أخرجه من الحرز. انتهى. وقال عبد الباقي: أو ربطه الداخل في الحرز فجذبه الخارج قطعا، والفرق بين هذا وبين قوله ولا على داخل تناول منه الخارج أن فعل الرابط مصاحب لفعل الجاذب حال الخروج من الحرز ولا كذلك فعل المناول. انتهى. وقال الشبراخيتي: قطعا لتعاونهما على إخراجه بالربط والجذب فالإخراج ناشيء عنهما.
стр. 9060
وعلم مما قررت أن قوله: قطعا جواب الشرط فهو راجع للمسألتين، وقال المواق من المدونة: ولو ربطه الداخل بحبل وجره الخارج قطعا. انتهى.
وشرطه التكليف الضمير يرجع في شرطه للقطع؛ يعني أنه يشترط في قطع السارق أن يكون مكلفا وهو العاقل البالغ الطائع فلا يقطع صبي ولا مجنون مطبق أو يُفيق أحيانا وسرق حال جنونه، فإن سرق حال إفاقته فَجُنَّ انتظر كسكران بحرام فينتظر في قطعه صحوه سرق حال سكره أو قبله؛ فإن قطع قبل صحوه اكتفي به، وكذا المجنون بالأولى فإن سكر بحلال فكالمجنون [والظاهر أنه بحرام] (١) حيث شك لأنه الأغلب إلا أن تكون حالته ظاهرة في خلاف ذلك، والظاهر أيضا أنه إذا شك في سرقة مجنون يفيق أحيانا هل سرق حال جنونه أو حال إفاقته فإنه يحمل على الأول أي على أنه سرق حال جنونه لدرء الحد بالشبهة، وخرج بالتكليف أيضا المكره على نفس السرقة والإكراه هنا بخوف مؤلم من ضرب أو سجن لخ؛ لأنه شبهة تدرء الحد، وأما الإقدام على السرقة والغصب فلا ينفع فيه الإكراه ولو بخوف القتل كما صرح به ابن رشد وحكى عليه الإجماع، وكذا صرح به في المعين، ونقل ذلك الحطاب في باب الطلاق. انتهى ملخصا من شرح عبد الباقي وحاشية البناني. وقال الشبراخيتي: وشرطه أي القطع المفهوم من قوله: "تقطع اليمنى" أي وشرط قطع السارق التكليف أي البلوغ والعقل والطواعية فلا يقطع صبي ولو مراهقا ولا مجنون مطبق ولا من يفيق أحيانا إذا سرق في حال جنونه، وفي حال إفاقته يقطع إذا كان مفيقا، ولا يقطع مكره والإكراه هنا بالوعيد والسجن والقيد والضرب كما في المدونة لا يقال الحصر غير صحيح لأنه بقي من الشروط سرقة طفل أو ربع دينار الخ؛ لأنه أجيب بأن ما تقدم شروط في المسروق وهذا شرط في القطع فالحصر صحيح. انتهى. وتأمله فللنظر فيه مجال. واللَّه تعالى أعلم. وقال المواق: ابن عرفة: نصوص المذهب واضحة بأن شرط قطع السارق تكليفه حين سرقته. انتهى.
стр. 9061
فيقطع الحر يعني أن الحر المسلم يقطع إذا سرق نصابا سرقه من مسلم أو ذمي كان المسروق منه ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا لأن السرقة من الفساد في الأرض فلا يقر عليها أحد، فإذا وجد شرط القطع وهو التكليف قطع السارق، ولهذا أتى بالفاء المشعرة بالسببية. واللَّه تعالى أعلم. والعبد يعني أنه لما كان الشرط في القطع التكليف يقطع العبد إذا سرق نصابا ذكرا كان العبد أو أنثى، سرق من مسلم أو ذمي، كان المسروق منه ذكرا أو أنثى، حرا أو عبدا.
ولمعاهد يعني أن المعاهد -ومنه حربي دخل بأمان- يقطع إذا سرق نصابا، وفي المدونة: وإذا سرق الذمي قطع لأن السرقة من الفساد في الأرض، وإن لمثلهم يعني أن الحر والعبد والمعاهد يقطع من سرق منهم وإن سرقوا من مثلهم والمبالغة غير متوهمة في الحر المسلم يسرق مال حر مسلم وهي ظاهرة في الأخيرين، ولذا قال الشبراخيتي: لو قال وإن لمثلهما كان الأولى إذ لا يتوهم عدم القطع في سرقة الحر المسلم من مثله، وأما العبد والمعاهد فيتوهم فيهما ذلك فبالغ على العبد ليلا يتوهم أنه لا قطع على العبد إذا سرق من مثله لكونه غير تام الملك والمعاهد لأنه لما كان يرسل ماله لورثته الحربيين في بعض الأحوال ربما يتوهم أنه غير محترم كما ذهب إليه أشهب. انتهى. وقال عبد الباقي: وفي المبالغة شيء بالنسبة للحر من مثله إذ لا يتوهم عدم القطع، ويمكن أن يقال الجمع باعتبار أفراد المعاهد والعبد، فأتى بالمبالغة ردا على من ذهب أنا لا نحكم بين أهل الذمة في السرقة إلا إذا ترافعوا إلينا، والمذهب الحكم بينهم فيها وإن لم يترافعوا حيث علم الإمام بها. انتهى المراد منه. وفسرت المعاهد بما يشمل الذمي والحربي الداخل بأمان تبعا للميسر، وقال المواق هنا ما نصه: ابن الحاجب: فيقطع الحر والعبد والذمي والمعاهد وإن كان المسروق لأحدهم وإن لم يترافعوا. انتهى.
إلا الرقيق لسيده مستثنى من قوله "والعبد" يعني أن الرقيق إذا سرق مال سيده أو سرق مال رقيق آخر لسيده فإنه لا يقطع أي لا يجوز ولو رضي السيد، لعموم خبر: (عبدكم سرق متاعكم) (١) وليلا يجتمع على السيد عقوبتان؛ ذهاب ماله وقطع يد عبده. قال عبد الباقي: إلا الرقيق يسرق لسيده
стр. 9062
نصابا من ماله أو يسرق من رقيق آخر لسيده نصابا مما حجر عليه أم لا فلا يقطع؛ أي لا يجوز كما في أحمد ولو رضي السيد، لعموم: (عبدكم سرق متاعكم) وليلا يجتمع على السيد عقوبتان؛ ذهاب ماله وقطع يد عبده. ولا فرق بين العبد القن وذي الشائبة كأم ولد ومكاتب وغيرهما، ولا يضمن له المال إذا أعتقه لأن قدرته على استثناء ماله عند عتقه وتركه دليل على براءته له منه، وأشعر قوله: "سيده" أنه لو سرق من أصل سيده أو فرعه قطع. انتهى.
وقال الشبراخيتي: إلا الرقيق لا فرق بين القن وأم الولد والمكاتب والمدبر يسرق لسيده ماله فلا قطع ولو شاء سيده ذلك، لخبر: (عبدكم يسرق متاعكم)، وسواء سرق من مال سيده ما حجر عليه فيه أم لا، وإنما لم يقطع ليلا يتوالى على السيد عقوبتان: أخذ ماله وقطع عبده، ولا يقطع السيد إن سرق مال رقيقه، ويفهم منه عدم قطع العبد في سرقته من عبد آخر وسيدهما واحد، كما إذا سرق مكاتبك أو مدبرك من مال عبد لك أو مكاتب أو مدبر لأنه كَمَالِكَ، ولو سرق العبد من مال ابن سيده قطع، ولا يقطع الأب إذا سرق مال ابنه العبد. انتهى.
فرع: إن سرق عبيد الخمس من الخمس أو عبيد الفيء من الفيء قطعوا. قاله في الذخيرة عن ابن القاسم. نقله التتائي.
وثبتت بإقرار يعني أن السرقة تثبت بإقرار السارق، فإذا أقر السارق بسرقة نصاب فإنه يقطع وتثبت السرقة أيضا بالبينة وتركه لوضوحه، فلو قالت قبل القطع: وهمنا بل هو هذا لم يقطع واحد منهما، ويحرم كتم الشهادة إذا رفع السارق للإمام لتعين حق اللَّه بوصوله لنائبه ويحبس حتى تزكى البينة إن احتاجت لتزكية، ولو قام أجنبي بسرقة متاع غائب قطع المقوم عليه لأنه حق اللَّه: وكذا لو لم يقم رب المتاع وأخذ المتاع فيلزم القطع لتحقق السبب، وكره مالك أن يقول السلطان للمتهم أخبرني ولك الأمان لأنه خديعة. قاله التتائي. انتهى. قاله عبد الباقي.
إن طاع يعني أن السرقة إنما تثبت بالإقرار بشرط أن يكون السارق أقر طائعا، قال الشبراخيتي: وتثبت السرقة أي حكمها إن طاع به اتفاقا. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: تثبت السرقة بالبينة كالإقرار بها طوعا. انتهى. وقال في الميسر: وتثبت السرقة بإقرار إن طاع به قبل أخذه اتفاقا وبعده على ظاهرها وإن لم يعين السرقة، وفي العتبية: لا يقطع حتى يعينها نقله في
стр. 9063
المقدمات. وسكت المنصف عن ثبوتها بعدلين لوضوحه ولا تقبل الشهادة إلا مفصلة، فإن اختلفا في صفة ما سرق أو وقته فلا قطع، ولو قالا قبل القطع وهمنا بل هو هذا لم يقطع واحد منهما. قاله فيها. وفيها: أنه لا يحل الكف عن الشهادة إذا رفع السارق إلى الإمام وأنه يحبس حتى تزكى البينة. انتهى.
وإلا بأن أكره على الإقرار بوعيد أو سجن أو ضرب أو قيد فلا يلزمه شيء، وظاهره مطلقا. ونحوه في المدونة، وذهب سحنون إلى أنه إذا حبس التهم بسرقة أو غيرها فأقر في الحبس فإنه يعمل بإقراره؛ ومشى عليه ابن عاصم في نظمه وذكر أنه به الحكم. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وقال سحنون: يعمل بإقرار المتهم بإكراهه يسجن وبه الحكم، وكذا في معين الحكام قصر العمل بإقراره مكرها على كونه بالحبس. وفي رجز ابن عاصم زيادة الضرب، ونسبه لمالك فقال:
وإن تكن مطالبا من يتهم … فمالك بالضرب والسجن حكم
وحكموا بصحة الإقرار … من ذاعر يحبس لاختبار
وذاعر بذال معجمة أي خائف وبمهملة أي مفسد كما في القاموس، ويصح أن يكون بزاي أي شرس كما في القاموس أيضات واعْتُمِدَ ما لسحنون، وحمل ما في المدونة على غير المتهم على أنه وقع فيها محلان، أحدهما صريح في عدم العمل بإقرار المكره، ثانيهما حلف المتهم وتهديده وسجنه؛ فاستشكله البرزلي بأنه لا فائدة في سجنه لعدم العمل بإقراره مكرها كما هو مفاد المدونة أولا، ويجمع بينهما بحمل أول كلامها على غير المتهم وآخره على المتهم، كقول سحنون: وجمع الغرياني أيضا بحمل أول كلامها على أن المسروق لا يعرف بعينه وآخره على أنه يعرف بعينه فيهدد ويسجن المتهم، رجاء أن يقر. انتهى. وبهذا علم أن ما لسحنون موافق للمدونة على أحد التأويلين، ثم إذا أقر مكرها على ما للمصنف وأخرج بعض المسروق هل يؤاخذ بما أقر به من السرقة إن كان مما يعرف بعينه أو مطلقا إن كان متهما احتمالان للبرزلي وغيره. انتهى.
стр. 9064
ولو أخرج السرقة يعني أنه إذا أكره على الإقرار بالسرقة فأخرج السارق المسروق فإنه لا يلزمه بإقراره ذلك قطع لاحتمال وصول المسروق له من غيره، قال في المدونة: وإن أخرج السرقة أو القتيل في حال التهديد لم أقطعه ولم أقتله حتى يقر بذلك آمنا، أو ىين القتيل يعني أن الشخص إذا أكره على الإقرار بالقتل فأقر به وعين القتيل بأن أخرجه فإنه لا قصاص عليه. وقال عبد الباقي ما معناه: بأن قال قتلت زيدا مثلا فإنه لا يلزمه بإقراره ذلك قصاص، وكذا لو أخرج القتيل كما في المدونة. انتهى. الرهوني: ظاهره أن قوله كزيد هو مراد المنصف، وأن قوله: وكذا إذا أخرجه مشبه به وليس كذلك بل هذا الثاني هو مراد المنصف قطعا. انتهى. وقد مر فيها لم أقتله ولو أخرج القتيل حتى يقر بذلك آمنا. واللَّه تعالى أعلم. وقال في الميسر: وإن أخرج السرقة أو عين القتيل لاحتمال وصول ما سرق له من غيره وأن القاتل غيره إلا أن يقر بعد أمنه كما في المدونة خلافا لعبد الملك، وفي التوضيح: قال مالك في الموازية: يقطع إذا عين السرقة إلا أن يقول دفعها لي فلان وإنما أقررت لما أصابني من الألم. قال: ولو أخرج دنانير لم يقطع إذ لا تعرف بعينها، وقال أشهب: إذا أخرج السرقة قطع وإن كان بعد سجن وقيد ووعيد وإن نزع لم يقبل نزوعه، وأما إن لم يعين فلا يحد أبدا وإن ثبت على إقراره لأنه يخاف أن يعاد إلى مثل الأول. وقال سحنون: إن كان السلطان يعدل فسجنه فأقر في السجن لزمه. انتهى. وما فيها من إلغاء إقرار من هدد يحمل على غير المتهم، ليلا يناقض قولها بعد ذلك من ادعى على رجل بسرقة فإن كان متهما حلف وهدد وسجن وإلا لم يعرض له، فإن كان من أهل الفضل أدب المدعي. انتهى.
وقبل رجوعه يعني أنه يقبل رجوع المقر بالسرقة عن إقراره حيث كان رجوعه لشبهة، كقوله: أخذت مالي المودَعَ أو المغصوب أو العارَ وظننت ذلك سرقة فسميته سرقة، بل ولو رجع بلا شبهة ككذبت في إقراري ومثله الزاني والشارب والمحارب في محض حق اللَّه لا في المال، وكذا من أقرت بالإحصان ثم رجعت قبل إقامة الحد عليها. انتهى. وقال الشبراخيتي: وقبل رجوعه عن الإقرار إن كان رجوعه لشبهة، كقوله: أخذت مالي المودع أو من الغاصب أو من المعار وظننت أن ذلك سرقة، بل ولو رجع بلا شبهة ككذبت في إقراري وهو مقيد بما إذا لم يكن المقر بالسرقة عبدا أو عينها فإنه يقطع، ولو رجع عن إقراره ثم إن قبول رجوعه إنما هو بالنسبة
стр. 9065
للقطع، وأما الغرم فلا بد منه. ووقع في نسخة الشارحين بلا بينة موضع بلا شبهة. قال ابن غازي: وهو تصحيف فظيع، وقوله: وقبل رجوعه، وكذا يقبل رجوع الزاني والشارب والمحارب ومن أقرت بالإحصان ثم رجعت قبل إقامة الحد عليها. انتهى.
وقبلوا رجوع زان شارب … ومثله السارق والمحارب
في محض حق اللَّه لا في المال … فغرمه له بكل حال
يعني أن الزاني إذا رجع عن إقراره بالزنى فإنه يسقط عنه الحد ولكن عليه الصداق لمن زنى بها حيث كانت مكرهة أي أقر بأنه أكرهها، وكذلك من أقر بالسرقة يسقط عنه الحد ويغرم ما أقر بسرقته، وكذلك المحارب يسقط عنه حد الحرابة ويلزمه ما أقر بأنه أخذه من المال، وقال في الميسر: وقبل رجوعه عن إقراره ولو بلا شبهة بل كذب نفسه أو أنكر إقراره أصلا كما في المدونة، وأحرى إن رجع لشبهة. كقوله: أخذت مالي المودع أو المعار فسميت ذلك سرقة، قال ابن الحاجب: فإن رجع إلى شبهة ثبت الغرم دون القطع وفي غير شبهة روايتان، وفيها: من أقر أنه سرق من رجل ألف درهم بغير محنة ثم جحد لم يقطع ويغرم الألف لمدعيها. انتهى.
وكذا من أقر بإكراه امرأة على الزنى ثم رجع يسقط الحد دون المهر. قاله ابن شأس. ومن أقر بحرابة فلا يقبل رجوعه في المال ويقبل في حق اللَّه، كمن أقر بزنى أو شرب أو بإحصان ثم رجع قبل الحد. وفي المقدمات أن السارق إن رجع عما أقر به طوعا قُبلَ إن ذكر وجها وإلا فقولان، وإن أقر بعد أخذه ولم يعين ما سرق ثم رجع قبل رجوعه وإن بلا شبهة، وإن رجع بعد أن عين فقولان إن ذكر وجها، وإن جحد إقراره لم يقبل اتفاقا، وإن عين بعد إكراه فعلى أنه يقطع إن رجع أقيل بلا خلاف. انتهى. وقال البناني: قال ابن رشد في المقدمات: إن كان إقراره بعد الضرب والتهديد فلا يقطع بمجرد الإقرار، واختلف إذا عين على قولين قائمين من المدونة وغيرها، فعلى القطع إن رجع عن إقراره أقيل قولا واحدا، وعلى القول بعدم القطع إن تمادى على إقراره بعد أن أقر، ففي المدونة: يقطع، وقال ابن الماجشون: لا يقطع، وأما إن كان إقراره بعد الأخذ من غير ضرب ولا تهديد، فقيل: يقطع بمجرد إقراره وإن لم يعين السرقة وهو ظاهر
стр. 9066
ما في السرقة من المدونة، وقيل: لا يقطع حتى يعينها وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى وقول مالك في سماع أشهب، فعلى ما في المدونة له أن يرجع عن إقراره وإن لم يأت بوجه وهو ظاهر ما في المدونة، ولا خلاف عندي في هذا الوجه، وعلى القول الثاني اختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا؟ على قولين عن مالك، والقولان إنما هما إذا قال أقررت لوجه كذا، وأما إن جحد الإقرار بعد التعيين فلا يقبل قولا واحدا. انتهى.
وإن رد اليمين فحلف الطالب يعني أنه إذا ادعى شخص على متهم بسرقة نصاب، وكذا على مجهول حال على أحد القولين في الغصب؛ إذ السرقة مثله فإن حلف المدعى عليه برئ، وإن نكل ورد اليمين على الطالب أي المدعي فحلف المدعي فالغرم على المدعى عليه بلا قطع إن حقق الطالب الدعوى، فإن اتهمه لم ترد وغرم بمجرد نكوله دون قطع، ولو كان المدعى عليه صالحا أدب. أو شهد رجل وامرأتان يعني أنه إذا شهد رجل وامرأتان على شخص بالسرقة فإنه يثبت عليه غرم المال المسروق بلا قطع، أو واحد وحلف يعني أنه إذا شهد واحد من النوعين على شخص بالسرقة، بأن شهد عليه رجل بالسرقة أو شهد عليه امرأتان بالسرقة وحلف المدعي فإنه يثبت على المدعى عليه غرم المال المسروق دون القطع، أَوْ أَقَرَّ السَّيّدُ يعني أنه إذا أقر السيد بسرقة عبده من شخص فإنه يلزم غرم المال الذي أقر السيد بأن عبده سرقه ولا يقطع العبد.
وعلم مما قررت أن قوله: فالغرم بلا قطع راجع للمسائل الأربع، وإن أقر العبد بسرقة نصاب من مال غير سيده فالعكس أي فعلى العبد القطع ولا غرم، ولا يمين في هذه ولا في قوله: "وإن أقر السيد" ففي كلام عبد الباقي نظر، ثم إذا أقر العبد بالسرقة لطالبها غير السيد وعينها فيقطع ولو رجع عن إقراره فيخصص، قوله: "وقبل رجوعه بالحر" وإذا أقر عبد بالسرقة ولم يكن لها طالب، فقال السيد: من متاعي لم يقطع العبد. انتهى. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال المواق: قال ابن شأس: لو رد السارق اليمين فحلف الطالب ثبت الغرم دون القطع. ابن عرفة: هذا واضح، ومن المدونة: إن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة لم يقطع وضمن قيمة ذلك ولا يمين على رب المتاع، وإن شهد بذلك رجل واحد حلف الطالب مع شهادته وأخذ المتاع إن كان قائما ولا يقطع السارق، وإن أقر عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عَيّنوا
стр. 9067
السرقة فأظهروها، فإن ادعى السيد أنها له صدق مع يمينه، وقال ابن الحاجب: إقرار العبد يثبت القطع دون الغرم. انتهى.
تنبيه: قد مر قول عبد الباقي: ثم إذا أقر العبد بالسرقة لطالبها غير السيد وعينها فيقطع الخ، قال البناني: هذا صحيح على ما حمل عليه بعض القرويين المدونة، قال في التهذيب: وإذا أقر عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عينوا السرقة فأظهروها. أبو الحسن: انظر قوله: إذا عينوا السرقة فأظهروها، قال عبد الحق: قال بعض القرويين: يريد أنهم إذا عينوها لم يقبل رجوعهم ويعد تعيينهم لها كالبينة تقوم عليهم، فإذا ادعاها السيد قضى له بها، فإن لم يعينوا السرقة فها هنا إن تمادوا على إقرارهم قطعوا وإن رجعوا لم يقطعوا، صح من النكت. الشيخ: وهذا خلاف ما حمل عليه اللخمي الكتاب أنه لم يفرق بين أن يعين أم لا وهو مثل ما في العتبية. انتهى.
ووجب رد المال إن لم يقطع مطلقا يعني أنه إذا لم يقطع السارق لعدم كمال النصاب المسروق أو الشاهد وهو عدلان أو لعدم الحرز، قال عبد الباقي: أو سقط عضوه بسماوي أو بجناية عليه عمدا أو خطئا فإنه يجب على السارق رد المال المسروق مطلقا بقي أو تلف باختياره أو بغيره كان موسرا أم لا، ويحاص ربه غرماء السارق إن كان عليه دين. انتهى. قوله: أو سقط عضوه بسماوي الخ فيه نظرت لأنه إن أراد السقوط قبل السرقة فلا يسقط القطع، وإن أراد سقوطه بعد ثبوت السرقة فسيأتي. انتهى. وتأمل قوله: وإن أراد سقوطه بعد ثبوت السرقة فسيأتي فإنه لم يظهر لي وجه نقده، بل الظاهر أنه لا تعقب على عبد الباقي. انظر قوله عند قول المنصف: "وسقط الحد" الخ. واللَّه سبحانه أعلم.
وقال الشيخ إبراهيم: ووجب على السارق رد المال المسروق إن لم يقطع مطلقا بقي أو تلف باختياره أو بغيره نصابا، كان الباقي أو دونه سرق من حرز أو من غيره، وهو شامل لمن حده التعزير والحبس ومن سقط عضوه بسماوي، ونحوه ومن سقط عنه الحد لرجوعه، والمراد بالرد الغرم أي غرم مثله لأنه إذا كان قائما بعينه وجب رده إجماعا، فكان ينبغي له أن يقول: ووجب غرم المال لأنه إذا كان قائما لا تفصيل فيه. انتهى. وقال المواق: قال ابن عرفة: موجب السرقة
стр. 9068
قطع السارق وضمانه السرقة إن لم يقطع لازم له اتفاقا، وقد تقدم أن أقطع اليدين والرجلين إذا سرق عُزّر وضمن السرقة وإن كان معسرا. انتهى. وقال مالك وأصحابه: لو سرق مالا يجب فيه القطع إما لقلته أو لأنه من غير حرز أو لغير ذلك، فإنه يتبع بذلك في عدمه ويحاص به غرماءه. انتهى.
أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ هذا مفهوم قوله: "إن لم يقطع" يعني أنه يجب على السارق رد المال أي غرمه إذا تلف بشرط أن يكون السارق موسرا من حين أخذ المسروق واستمر ذلك اليسر إلى أن قطع، فإذا كان معسرا حين الأخذ فلا غرم عليه ولو أيسر قبل القطع، وإذا كان موسرا حين الأخذ ولم يتصل يسره للقطع فلا غرم عليه، وأما لو كان المال المسروق باقيا فلربه أخذه إجماعا، وليس للسارق أن يتمسك به ويدفع له غيره. وقوله: "من الأخذ"، من: ابتداءية، وهو متعلق بأيسر وإلى للانتهاء.
وتحرير المسألة أن المسروق إن كان قائما رد بعينه قطع السارق أو لم يقطع موسرا أو معسرا، وإن لم يكن المال المسروق قائما بل فات وجب غرمه إن لم يقطع السارق بأن سقط وجوب قطعه بأي مسقط، وإن قطع وجب الغرم على السارق إن أيسر من حين أخذ السرقة، واستمر يسره إلى أن قطع فلو كان معسرا من حين الأخذ فلا غرم ولو أيسر بعد ذلك، وإن أيسر من حين الأخذ وأعسر بعد ذلك قبل القطع فلا غرم ولو كان موسرا حين القطع، ولو أيسر من حين الأخذ واستمر يسره إلى القطع ثم أعسر بعد القطع فإنه يتبع به في ذمته وفي الميسر، فلو أعسر في أحد الوقتين -يعني وقت الأخذ ووقت القطع أو بينهما- لم يتبع بما تلف، ويلزمه رد ما بقي بعينه بلا تفصيل ولو استمر يسره حتى قطع فلم يغرم حتى أعدم اتبع عند ابن القاسم لا عند أشهب، ولو سرق لقوم واتصل يسره تحاصوا فيما بيده وإن لم يتصل سقط من سرق ماله قبل عسره، وقيل يتبع السارق قطع أم لا، كان موسرا أم لا؛ لأن القطع حق اللَّه والغرم حق للآدمي فلا يسقط أحدهما الآخر كذا في التوضيح. انتهى.
وقال المواق من المدونة: إنما يضمن السارق السرقة إذا سرق وهو موسر فتمادى يسره إلى أن قطع. ابن عرفة: وإن قطع والسرقة قائمة بعينها استحقها ربها، وإن استهلكها فأربعة أقوال، ثالثها
стр. 9069
قول المدونة، إن اتصل يسره بها من يوم السرقة إلى يوم القطع. ابن العربي: لمالك في هذه المسألة مقامة عظيمة أوجب القطع في يده عقوبة وأوجب الغرم في ماله عقوبة أخرى، فإذا كان معسرا لم يغرم؛ إذ لو أوجبنا الغرم في ذمته لكنا قد جمعنا بين عقوبتين في محل واحد وذلك لا يجوز، وقال ابن رشد: إذا وجدت السرقة بعينها ردت لصاحبها بإجماع، وأما إن تلفت فذهب مالك إلى أنه إن كان متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم أقيم عليه الحد ضمن قيمة السرقة، وإن كان عديما أو أعدم في بعض المدة فلا غرم إذ لا يجتمع عليه عقوبتان، اتباع ذمته وقطع يده بخلاف ما إذا غصب حرة وهو معدم فإنه يحد ويتبع بالمهر قاله مالك. انتهى.
تنبيهان: الأول: إنما لم يتبع السارق في مفهوم المنصف لخبر: (إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه) (١) أي لا يلزم ذمته عند عسره ليلا تجتمع عليه عقوبتان: قطع يده واتباع ذمته.
الثاني: قال في الميسر: لو باع ما سرقه فاستهلكه المشتري، فإن أجاز ربه المبيع لم يتبع السارق بالثمن إلا أن يتصل يسره، وإن لم يجزه وأخذ القيمة من المشتري رجع على السارق، فإن أعدم المشتري رجع على السارق لأنه غريمه، فإن كانت أقل من الثمن أخذها من السارق وفضلة الثمن للمشتري، وإن كانت القيمة أكثر أخذ الثمن من السارق لأنه الذي عليه لغريمه واتبع المشتري بفاضل القيمة. ذكره في التوضيح. انتهى.
وسقط الحد إن سقط العضو بسماوي يعني أنه إذا سقط عضو السارق المستحق للقطع بأمر سماوي بعد أن سرق، فإنه يسقط عنه الحد أي حد السرقة لسقوط العضو المستحق للقطع، وكذا لو سقط بقطع في قصاص، وكذا بتعمد جناية أجنبي عليه بعد ثبوت السرقة، فإن سقط العضو بما ذكر قبل السرقة انتقل القطع للعضو الذي يليه كما مر، وصرح غير واحد أنه إن سقط العضو بما ذكر جرف فيه قوله: "أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ". واللَّه تعالى أعلم.
لا بتوبة يعني أن حد السرقة لا يسقط بتوبة ولو حسنت حاله بأن صار عدلا، ولهذا قال: وعدالة. قال ابن شأس: لا تسقط الحدود بالتوبة ولا بصلاح الحال ولا بطول الزمان، ونحوه في
стр. 9070
المدونة. قاله المواق. وقوله: "لا بتوبة وعدالة" حيث لم يطل زمنهما، بل وإن طال زمانهما أي التوبة والعدالة، قال عبد الباقي: لا يسقط القطع بتوبة بشروطها وعدالة وإن طال زمانهما، ولو حذف قوله: "بتوبة" ما ضر إذ يعلم من عدم سقوطه بالعدالة عدم سقوطه بالتوبة، ولا بأس بالشفاعة للسارق إذا لم يعلم منه أذى ما لم يبلغ الإمام، وأما المعروف بالفساد فلا ينبغي أن يشفع له. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجمع بين التوبة والعدالة لأنه يعتبر في التوبة ما لا يعتبر في العدالة ويعتبر في العدالة ما لا يعتبر في التوبة، فلا يُغْني أحدهما عن الآخر. انتهى.
قوله: "لا بتوبة وعدالة وإن طال زمانهما" خلافا لبعضهم؛ (لأنه ﵊ أخبر بصحة توبة ماعز وقد حده) (١) وفيها: وإذا لم يقم بالسرقة حتى طال الزمان وحسنت حال السارق ثم اعترف أو قامت عليه بذلك بينة فإنه يقطع وكذلك الخمر والزنى. انتهى. وأما حد الحرابة فتسقطه التوبة كما يأتي، وتجوز الشفاعة للسارق ما لم يبلغ الإمام كما في الموطإ. انتهى.
وتداخلت إن اتحد الموجَب بفتح الجيم يعني أن الحدود تتداخل أي يكتفى بحد واحد منها ويسقط غيره، وهذا إذا اتحد الموجَب بالفتح وإن لم يتحد الموجِب بالكسر، ومعنى اتحد الموجب: اتحد قدره، فالموجب صفة لمحذوف أي القدر الموجب، فإذا قذف حرا مسلما والقاذف حر مسلم وشرب القاذف خمرا فإنه يكتفى فيه بثمانين جلدة لاتحاد القدر، وإن تعدد الموجب بالكسر وأحرى لو اتحد الموجب بالكسر كقذف وقذف وشرب وشرب، فإذا قذف زيدا ثم قذف عمرا فإنه يجتزا لهما بحد واحد، ومعنى اتحاد الموجِب بالكسر اتحاده في النوع.
ومثل المنصف لتعدد الموجِب بالكسر واتحاد الموجب بالفتح بقوله: كقذف وشرب قال الشبراخيتي: وتداخلت حدود وجبت على شخص إن اتحد الموجب بفتح الجيم أي قدر ما يوجبه كل منهما، وضمير تداخلت عائد على الحدود أي دخل بعضها في بعض ويكتفى بواحد منها، فمعنى تداخلت حكم بتداخلها أي باجتزاء بعضها إن اتحد قدرها، وقال عبد الباقي: وتداخلت حدود وجبت على شخص إن اتحد الموجَب بالفتح أي اتفق قدر ما يوجبه كل منهما