ما في السرقة من المدونة، وقيل: لا يقطع حتى يعينها وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى وقول مالك في سماع أشهب، فعلى ما في المدونة له أن يرجع عن إقراره وإن لم يأت بوجه وهو ظاهر ما في المدونة، ولا خلاف عندي في هذا الوجه، وعلى القول الثاني اختلف هل له أن يرجع عن إقراره بعد التعيين أم لا؟ على قولين عن مالك، والقولان إنما هما إذا قال أقررت لوجه كذا، وأما إن جحد الإقرار بعد التعيين فلا يقبل قولا واحدا. انتهى.
وإن رد اليمين فحلف الطالب يعني أنه إذا ادعى شخص على متهم بسرقة نصاب، وكذا على مجهول حال على أحد القولين في الغصب؛ إذ السرقة مثله فإن حلف المدعى عليه برئ، وإن نكل ورد اليمين على الطالب أي المدعي فحلف المدعي فالغرم على المدعى عليه بلا قطع إن حقق الطالب الدعوى، فإن اتهمه لم ترد وغرم بمجرد نكوله دون قطع، ولو كان المدعى عليه صالحا أدب. أو شهد رجل وامرأتان يعني أنه إذا شهد رجل وامرأتان على شخص بالسرقة فإنه يثبت عليه غرم المال المسروق بلا قطع، أو واحد وحلف يعني أنه إذا شهد واحد من النوعين على شخص بالسرقة، بأن شهد عليه رجل بالسرقة أو شهد عليه امرأتان بالسرقة وحلف المدعي فإنه يثبت على المدعى عليه غرم المال المسروق دون القطع، أَوْ أَقَرَّ السَّيّدُ يعني أنه إذا أقر السيد بسرقة عبده من شخص فإنه يلزم غرم المال الذي أقر السيد بأن عبده سرقه ولا يقطع العبد.
وعلم مما قررت أن قوله: فالغرم بلا قطع راجع للمسائل الأربع، وإن أقر العبد بسرقة نصاب من مال غير سيده فالعكس أي فعلى العبد القطع ولا غرم، ولا يمين في هذه ولا في قوله: "وإن أقر السيد" ففي كلام عبد الباقي نظر، ثم إذا أقر العبد بالسرقة لطالبها غير السيد وعينها فيقطع ولو رجع عن إقراره فيخصص، قوله: "وقبل رجوعه بالحر" وإذا أقر عبد بالسرقة ولم يكن لها طالب، فقال السيد: من متاعي لم يقطع العبد. انتهى. انظر شرح الشيخ عبد الباقي. وقال المواق: قال ابن شأس: لو رد السارق اليمين فحلف الطالب ثبت الغرم دون القطع. ابن عرفة: هذا واضح، ومن المدونة: إن شهد رجل وامرأتان على رجل بالسرقة لم يقطع وضمن قيمة ذلك ولا يمين على رب المتاع، وإن شهد بذلك رجل واحد حلف الطالب مع شهادته وأخذ المتاع إن كان قائما ولا يقطع السارق، وإن أقر عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عَيّنوا
стр. 9067
السرقة فأظهروها، فإن ادعى السيد أنها له صدق مع يمينه، وقال ابن الحاجب: إقرار العبد يثبت القطع دون الغرم. انتهى.
تنبيه: قد مر قول عبد الباقي: ثم إذا أقر العبد بالسرقة لطالبها غير السيد وعينها فيقطع الخ، قال البناني: هذا صحيح على ما حمل عليه بعض القرويين المدونة، قال في التهذيب: وإذا أقر عبد أو مكاتب أو مدبر أو أم ولد بسرقة قطعوا إذا عينوا السرقة فأظهروها. أبو الحسن: انظر قوله: إذا عينوا السرقة فأظهروها، قال عبد الحق: قال بعض القرويين: يريد أنهم إذا عينوها لم يقبل رجوعهم ويعد تعيينهم لها كالبينة تقوم عليهم، فإذا ادعاها السيد قضى له بها، فإن لم يعينوا السرقة فها هنا إن تمادوا على إقرارهم قطعوا وإن رجعوا لم يقطعوا، صح من النكت. الشيخ: وهذا خلاف ما حمل عليه اللخمي الكتاب أنه لم يفرق بين أن يعين أم لا وهو مثل ما في العتبية. انتهى.
ووجب رد المال إن لم يقطع مطلقا يعني أنه إذا لم يقطع السارق لعدم كمال النصاب المسروق أو الشاهد وهو عدلان أو لعدم الحرز، قال عبد الباقي: أو سقط عضوه بسماوي أو بجناية عليه عمدا أو خطئا فإنه يجب على السارق رد المال المسروق مطلقا بقي أو تلف باختياره أو بغيره كان موسرا أم لا، ويحاص ربه غرماء السارق إن كان عليه دين. انتهى. قوله: أو سقط عضوه بسماوي الخ فيه نظرت لأنه إن أراد السقوط قبل السرقة فلا يسقط القطع، وإن أراد سقوطه بعد ثبوت السرقة فسيأتي. انتهى. وتأمل قوله: وإن أراد سقوطه بعد ثبوت السرقة فسيأتي فإنه لم يظهر لي وجه نقده، بل الظاهر أنه لا تعقب على عبد الباقي. انظر قوله عند قول المنصف: "وسقط الحد" الخ. واللَّه سبحانه أعلم.
وقال الشيخ إبراهيم: ووجب على السارق رد المال المسروق إن لم يقطع مطلقا بقي أو تلف باختياره أو بغيره نصابا، كان الباقي أو دونه سرق من حرز أو من غيره، وهو شامل لمن حده التعزير والحبس ومن سقط عضوه بسماوي، ونحوه ومن سقط عنه الحد لرجوعه، والمراد بالرد الغرم أي غرم مثله لأنه إذا كان قائما بعينه وجب رده إجماعا، فكان ينبغي له أن يقول: ووجب غرم المال لأنه إذا كان قائما لا تفصيل فيه. انتهى. وقال المواق: قال ابن عرفة: موجب السرقة
стр. 9068
قطع السارق وضمانه السرقة إن لم يقطع لازم له اتفاقا، وقد تقدم أن أقطع اليدين والرجلين إذا سرق عُزّر وضمن السرقة وإن كان معسرا. انتهى. وقال مالك وأصحابه: لو سرق مالا يجب فيه القطع إما لقلته أو لأنه من غير حرز أو لغير ذلك، فإنه يتبع بذلك في عدمه ويحاص به غرماءه. انتهى.
أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ هذا مفهوم قوله: "إن لم يقطع" يعني أنه يجب على السارق رد المال أي غرمه إذا تلف بشرط أن يكون السارق موسرا من حين أخذ المسروق واستمر ذلك اليسر إلى أن قطع، فإذا كان معسرا حين الأخذ فلا غرم عليه ولو أيسر قبل القطع، وإذا كان موسرا حين الأخذ ولم يتصل يسره للقطع فلا غرم عليه، وأما لو كان المال المسروق باقيا فلربه أخذه إجماعا، وليس للسارق أن يتمسك به ويدفع له غيره. وقوله: "من الأخذ"، من: ابتداءية، وهو متعلق بأيسر وإلى للانتهاء.
وتحرير المسألة أن المسروق إن كان قائما رد بعينه قطع السارق أو لم يقطع موسرا أو معسرا، وإن لم يكن المال المسروق قائما بل فات وجب غرمه إن لم يقطع السارق بأن سقط وجوب قطعه بأي مسقط، وإن قطع وجب الغرم على السارق إن أيسر من حين أخذ السرقة، واستمر يسره إلى أن قطع فلو كان معسرا من حين الأخذ فلا غرم ولو أيسر بعد ذلك، وإن أيسر من حين الأخذ وأعسر بعد ذلك قبل القطع فلا غرم ولو كان موسرا حين القطع، ولو أيسر من حين الأخذ واستمر يسره إلى القطع ثم أعسر بعد القطع فإنه يتبع به في ذمته وفي الميسر، فلو أعسر في أحد الوقتين -يعني وقت الأخذ ووقت القطع أو بينهما- لم يتبع بما تلف، ويلزمه رد ما بقي بعينه بلا تفصيل ولو استمر يسره حتى قطع فلم يغرم حتى أعدم اتبع عند ابن القاسم لا عند أشهب، ولو سرق لقوم واتصل يسره تحاصوا فيما بيده وإن لم يتصل سقط من سرق ماله قبل عسره، وقيل يتبع السارق قطع أم لا، كان موسرا أم لا؛ لأن القطع حق اللَّه والغرم حق للآدمي فلا يسقط أحدهما الآخر كذا في التوضيح. انتهى.
وقال المواق من المدونة: إنما يضمن السارق السرقة إذا سرق وهو موسر فتمادى يسره إلى أن قطع. ابن عرفة: وإن قطع والسرقة قائمة بعينها استحقها ربها، وإن استهلكها فأربعة أقوال، ثالثها
стр. 9069
قول المدونة، إن اتصل يسره بها من يوم السرقة إلى يوم القطع. ابن العربي: لمالك في هذه المسألة مقامة عظيمة أوجب القطع في يده عقوبة وأوجب الغرم في ماله عقوبة أخرى، فإذا كان معسرا لم يغرم؛ إذ لو أوجبنا الغرم في ذمته لكنا قد جمعنا بين عقوبتين في محل واحد وذلك لا يجوز، وقال ابن رشد: إذا وجدت السرقة بعينها ردت لصاحبها بإجماع، وأما إن تلفت فذهب مالك إلى أنه إن كان متصل اليسر من يوم سرق إلى يوم أقيم عليه الحد ضمن قيمة السرقة، وإن كان عديما أو أعدم في بعض المدة فلا غرم إذ لا يجتمع عليه عقوبتان، اتباع ذمته وقطع يده بخلاف ما إذا غصب حرة وهو معدم فإنه يحد ويتبع بالمهر قاله مالك. انتهى.
تنبيهان: الأول: إنما لم يتبع السارق في مفهوم المنصف لخبر: (إذا أقيم على السارق الحد فلا ضمان عليه) (١) أي لا يلزم ذمته عند عسره ليلا تجتمع عليه عقوبتان: قطع يده واتباع ذمته.
الثاني: قال في الميسر: لو باع ما سرقه فاستهلكه المشتري، فإن أجاز ربه المبيع لم يتبع السارق بالثمن إلا أن يتصل يسره، وإن لم يجزه وأخذ القيمة من المشتري رجع على السارق، فإن أعدم المشتري رجع على السارق لأنه غريمه، فإن كانت أقل من الثمن أخذها من السارق وفضلة الثمن للمشتري، وإن كانت القيمة أكثر أخذ الثمن من السارق لأنه الذي عليه لغريمه واتبع المشتري بفاضل القيمة. ذكره في التوضيح. انتهى.
وسقط الحد إن سقط العضو بسماوي يعني أنه إذا سقط عضو السارق المستحق للقطع بأمر سماوي بعد أن سرق، فإنه يسقط عنه الحد أي حد السرقة لسقوط العضو المستحق للقطع، وكذا لو سقط بقطع في قصاص، وكذا بتعمد جناية أجنبي عليه بعد ثبوت السرقة، فإن سقط العضو بما ذكر قبل السرقة انتقل القطع للعضو الذي يليه كما مر، وصرح غير واحد أنه إن سقط العضو بما ذكر جرف فيه قوله: "أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ". واللَّه تعالى أعلم.
لا بتوبة يعني أن حد السرقة لا يسقط بتوبة ولو حسنت حاله بأن صار عدلا، ولهذا قال: وعدالة. قال ابن شأس: لا تسقط الحدود بالتوبة ولا بصلاح الحال ولا بطول الزمان، ونحوه في
стр. 9070
المدونة. قاله المواق. وقوله: "لا بتوبة وعدالة" حيث لم يطل زمنهما، بل وإن طال زمانهما أي التوبة والعدالة، قال عبد الباقي: لا يسقط القطع بتوبة بشروطها وعدالة وإن طال زمانهما، ولو حذف قوله: "بتوبة" ما ضر إذ يعلم من عدم سقوطه بالعدالة عدم سقوطه بالتوبة، ولا بأس بالشفاعة للسارق إذا لم يعلم منه أذى ما لم يبلغ الإمام، وأما المعروف بالفساد فلا ينبغي أن يشفع له. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجمع بين التوبة والعدالة لأنه يعتبر في التوبة ما لا يعتبر في العدالة ويعتبر في العدالة ما لا يعتبر في التوبة، فلا يُغْني أحدهما عن الآخر. انتهى.
قوله: "لا بتوبة وعدالة وإن طال زمانهما" خلافا لبعضهم؛ (لأنه ﵊ أخبر بصحة توبة ماعز وقد حده) (١) وفيها: وإذا لم يقم بالسرقة حتى طال الزمان وحسنت حال السارق ثم اعترف أو قامت عليه بذلك بينة فإنه يقطع وكذلك الخمر والزنى. انتهى. وأما حد الحرابة فتسقطه التوبة كما يأتي، وتجوز الشفاعة للسارق ما لم يبلغ الإمام كما في الموطإ. انتهى.
وتداخلت إن اتحد الموجَب بفتح الجيم يعني أن الحدود تتداخل أي يكتفى بحد واحد منها ويسقط غيره، وهذا إذا اتحد الموجَب بالفتح وإن لم يتحد الموجِب بالكسر، ومعنى اتحد الموجب: اتحد قدره، فالموجب صفة لمحذوف أي القدر الموجب، فإذا قذف حرا مسلما والقاذف حر مسلم وشرب القاذف خمرا فإنه يكتفى فيه بثمانين جلدة لاتحاد القدر، وإن تعدد الموجب بالكسر وأحرى لو اتحد الموجب بالكسر كقذف وقذف وشرب وشرب، فإذا قذف زيدا ثم قذف عمرا فإنه يجتزا لهما بحد واحد، ومعنى اتحاد الموجِب بالكسر اتحاده في النوع.
ومثل المنصف لتعدد الموجِب بالكسر واتحاد الموجب بالفتح بقوله: كقذف وشرب قال الشبراخيتي: وتداخلت حدود وجبت على شخص إن اتحد الموجب بفتح الجيم أي قدر ما يوجبه كل منهما، وضمير تداخلت عائد على الحدود أي دخل بعضها في بعض ويكتفى بواحد منها، فمعنى تداخلت حكم بتداخلها أي باجتزاء بعضها إن اتحد قدرها، وقال عبد الباقي: وتداخلت حدود وجبت على شخص إن اتحد الموجَب بالفتح أي اتفق قدر ما يوجبه كل منهما
стр. 9071
لقذف وشرب؛ إذ موجب كل منهما ثمانون، فإذا أقيم عليه أحدهما سقط عنه الآخر ولو لم يقصد عند إقامة الحد إلا واحد فقط، ثم ثبت أنه شرب أو قذف فإنه يكتفى بما ضرب له عما ثبت، وكذا لو سرق وقطع يمين آخر. انتهى. ونقله الحطاب عن أصبغ. وقال أصبغ: هو الصواب والسنة المجمع عليها. انتهى. ومن المدونة: إن قطعت يد السارق كان ذلك لكل سرقة تقدمت أو قصاص وجب في تلك اليد ومن المدونة: من قذف وشرب خمرا جُلِدَ حَدًّا وَاحِدًا. انتهى. نقله المواق.
وإلا يتحد الموجَب بالفتح بأن اختلف قدر ذلك، كزنى مع قذف أو شرب. تكررت الحدود فيجلد مائة وثمانين، قال المواق من المدونة: إذا اجتمع على الرجل مع حد الزنى حد قذف أو شرب خمر يجمع الإمام ذلك عليه إلا أن يخاف عليه فيفرق الحدين، قال: وكل حد أو قصاص اجتمع مع القتل فالقتل يأتي على ذلك كله إلا حد القذف، فإنه يقام عليه قبل القتل. انتهى. وقال عبد الباقي: وكل حد ما عدا القذف يدخل في القتل كردة أو قصاص، وأما حد القذف فلا بد منه ثم يقتل كما مر. وشمل اتحاد الموجب ما لو قذف وشرب وهو رقيق ثم فعلهما بعد الحرية فيكتفى بثمانين، وأما لو شرب رقيقا ثم قذف وهو حر أو عكسه فلا تداخل. انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: قضية كلام عبد الباقي أنه إذا اتحد الموجِب بالكسر واختلف الموجَب بالفتح أنه يكتفى بالأكثرت بخلاف ما لو اختلف الموجب بالكسر والموجَب بالفتح كقذفه رقيقا وشربه حرا مسلما فإنه يجلد ثمانين وأربعين. واللَّه تعالى أعلم. وهذا يأتي على نسخة: أو تكررت "بأوَ" بدلَ "إلا" أي الموجِبات بالكسر، لكن في قوله: وشمل اتحاد الموجب تسامح لأن هذا يقتضي أنه الموجب بكسر الجيم، وقد ضبط الموجب في المنصف بالفتح. واللَّه تعالى أعلم.
وقد مر أن كل حد للَّه أو قصاص اجتمع مع القتل يأتي القتل على ذلك كله إلا حد القذف، وهذا وارد علي المؤلف لأنها تداخلت مع اختلاف الموجب والمخلص من ذلك أن يقال كلامه في الحدود غير المجتمعة مع القتل. قاله مصطفى. قاله البناني. وقوله: وتداخلت أي قبل أن يقام عليه الحد، وأما لو أقيم عليه الحد ثم قذف بعد ذلك مثلا فإنه يحد له اتفق الموجب بالكسر أو اختلف. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9072
ولما أنهى الكلام على السرقة أعقبه بالكلام على الحرابة ووصلها بها لاشتراكهما في بعض حدودها في مطلق القطع وأخرها عنها لأجل قوله: "واتبع كالسارق" فيكون المشبه [به] (١) معلوما، فقال:
باب ذكر فيه الحرابة وما يتعلق بها
وهي بكسر الحاء والمحارب في اللغة ضد المسالم، والحرابة في الشرع عرفها ابن عرفة بقوله: الحرابة الخروج لإخافة سبيل بأخذ مال محترم بمكابرة قتال أو خوفه أو إذهاب عقل أو قتل خفية أو لمجرد قطع الطريق، لا لإمرة ولا لنائرة ولا عداوة. فيدخل قولها: والخناقون والذين يسقون الناس السيكران ليأخذوا أموالهم محاربون. انتهى. قوله: الخروج لإخافة أي أن الخروج لأجل الإخافة حرابة، سواء وجدت أم لا وهو كذلك كما في المدونة؛ لأن الخروج لأجل الشيء لا يقتضي تحقق ذلك الشيء، وذكر اللخمي أن من أخذ بأثر خروجه قبل الإخافة وأخذ المال لا تجري عليه أحكام الحرابة. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: قوله الخروج مصدر مناسب للمحدود لأنه مصدر، وقوله: لإخافة سبيل أخرج به الخروج لغير إخافة السبيل أي الطريق، وقوله: لأخذ مال أخرج به الإخافة لا لأخذ مال بل خرج لإخافة عدو كافر. وقوله: بمكابرة قتال متعلق بأخذ مال. انتهى.
وقال الشبراخيتي: وقوله بمكابرة قتال إضافَتُه بيانية، وهو بيان لأنواع ما به الحرابة. انتهى. أو إذهاب عقل، قال البناني: يتعين جره عطفا على مكابرة؛ لأنه لو رفع عطفا على الخروج لزم أن إذهاب العقل بمجرده حرابة وإن لم يكن لأخذ مال وليس كذلك. انتهى. ويرد على التعريف أنه لا يشمل من قاتل لأخذ المال من غير قطع لطريق أو دخل دارا أو زقاقا وقاتل ليأخذ المال ومسقي السيكران ومخادع الصبي أو غيره ليأخذ ما معه. فالتعريف غير جامع. وقوله: لا لإمرة كالذين يخرجون لأخذ العشر، وقوله: ولا لنائرة كأن يكون بين أهل بلدين قتال فيمنع أهل إحداهما أهل الأخرى من المرور عليهم، وقوله: ولا عداوة كأن يكون الشخص عدوا لشخص أو ابن عدوه.
стр. 9073
قاله الشبراخيتي. انتهى. وقال الخرشي: وقوله أو قتل [خفية] (١) ليدخل فيه قتل الغيلة، وقوله: أو بمجرد قطع الطريق ليدخل فيه من قال لا أدع هؤلاء يمشون إلى الشام ممن خرج لمجرد قطع الطريق. انتهى. وقال التتائي: واختلف في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾. الآية. هل نزلت في المشركين الحربيين، أو في قوم من أهل الذمة نقضوا عهدا بينهم وبين رسول اللَّه ﷺ ، أو في العُرَنيين المرتدين، أو في قطع الطريق من المسلمين؟ أقوال، والأخير منها لمالك وغيره من فقهاء الأمصار وهو الصحيح، واستحسن لاتفاق الكل على أن حكم المرتد والكافر القتل لا القطع والنفي، وعلى أن الناقض للعهد ليس حكمه القطع.
وعرف المنصف المحارب فيؤخذ منه تعريف الحرابة، بقوله: المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك يعني أن المحارب هو من قطمالطريق على الناس ومنعهم من السلوك فيها، وإن لم يقصد غير ذلك أو آخذ مال مسلم أو غيره بمد الهمزة، اسم فاعل من أخذ عطف على قاطع؛ يعني أن المحارب أصناف: منهم من قطع الطريق لمجرد منع سلوكها، ومنهم من يأخذ المال المحترم وهو مال المسلم أو الذمي، فالمراد بقوله: "أو غيره" الذمي والمعاهد، وأما قطع الطريق على الحربي وأخذ ماله فليس بحرابة، على وجه يتعذر معه الغوث هو قيد في المسألتين؛ يعني أن المحارب هو الذي قطع الطريق لمجرد منع سلوكها على وجه يتعذر معه الغوث أي الإغاثة، وكذلك من أخذ المال على وجه تتعذر معه الإغاثة ككونه بفلاة المار بها قليل ويشهر السلاح. وقوله: "يتعذر معه الغوث" أي شأنه أن يتعذر معه الغوث حصل غوث بالفعل أم لا.
تنبيه: قال البناني: المراد بقطع الطريق إخافتها لأنه إن أريد به منعها لم يلتئم مع قوله: "لمنع سلوك" انتهى.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: لا يلزم هذا لأن المعنى قطع الطريق لقصده مجرد المنع. واللَّه تعالى أعلم.
стр. 9074
قال عبد الباقي عند قوله: "لمنع سلوك" ما نصه: علة للقطع لأن تعليق الحكم بالوصف مشعر بعليته أي بعلية ذلك الوصف لذلك الحكم. انتهى. قوله: الوصف يعني به منع، وقوله الحكم يعنني به قاطع، ونحو ما لعبد الباقي للخرشي، قال البناني: هو غفلة ظاهرة لأن التعليل في المنصف صريح بالأداة وهي اللام. انتهى. وحينئذ فيفيد أنه لم يقصد غير قطع الانتفاع بها، فيخرج قطعها لطلب إمرة أو لنائرة أو عداوة بينه وبين جماعة فليس بمحارب، وقد مر عن اللخمي أنه إن أخذ بفور خروجه يعاقب لأنه لم يحصل منه إلا النية فلا يجري عليه شيء من أحكام المحارب. قاله في التوضيح. وكلام اللخمي ظاهر في المعنى إلا أن النص بخلافه، قال في المدونة على اختصار ابن يونس: وكذلك إن لم يُخِفْ وأخذ مكانه قبل أن يتفاقم أمره أو خرج بعصا وأخذ مكانه فهو مخير فيه، وله أن يأخذ في هذا بأيسر الحكم. أبو الحسن: وظاهرها أنه مخير فيمن أخذ بالحضرة وإن لم يحصل منه الإخافة، وقال بعض القرويين: لا يجوز قتله إذا خرج ولم تحصل منه إخافة، وكذلك قال اللخمي. انتهى.
وقال عبد الباقي: أو آخذ بالمد اسم فاعل عطف على قاطع مال امرئ مسلم أو غيره من مال محترم، كذمي ومعاهد وإن دون نصاب سرقة والبضع أحرى من المال كما للقرطبي لا مال حربي، وضبط آخذ بالمد يفيد أنه محارب وإن لم يحصل منه قطع طريق، وقيد المسألتين بقوله: على وجه يتعذر معه الغوث أي شأنه تعذر الغوث معه، فإن كان شأنه عدم تعذر الغوث معه فغير محارب بل غاصب ولو سلطانا؛ لأن العلماء -وهم أهل الحل والعقد- ينكرون عليه ذلك ويأخذون عليه، وعرف المنصف المحارب فيعلم منه تعريف الحرابة، وعكس في الردة فعرفها ويعلم منها تعريف المرتد وهو أولى؛ لأن معرفة المشتق متوقفة على معرفة المشتق منه. انتهى كلام عبد الباقي.
قوله: وهم أهل الحل والعقد صحيح، ففي التوضيح: فإن العلماء أهل الحل والعقد يأخذون عليه. انتهى. بغير عطف أهل بواو. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: والبضع أحرى من المال الخ، فمن خرج لإخافة السبيل قصدا للفروج فهي أقبح من الأموال. ابن العربي: رفع إلي في ولايتي القضاء قوم خرجوا محاربين إلى رفقة فَأخذُوا منها امرأة فاحتملوها فأُخذوا، فسألت من كان ابتلاني اللَّه بهم
стр. 9075
من المفتين فقالوا: ليسوا بمحاربين لأن الحرابة في الأموال دون الفروج، فقلت لهم: ألم تعلموا أنها في الفروج أقبح منها في الأموال؟ وأن الحر يرضى بسلب ماله دون الزنى بزوجته أو ابنته، ولو كانت عقوبة فوق ما ذكره اللَّه تعالى لكانت لمن يسلب الفروج، وحسبكم بلاء صحبة الجهلاء خصوصا في الفتيا والقضاء. انتهى. نقله الشيخ أحمد بابا. نقله البناني.
وقال الشبراخيتي: المحارب قاطع الطريق لمنع سلوك وإن لم يقصد أخذ المال أي لأجل قطع الانتفاع بها، سواء كان الممنوع خاصا كفلان أو مصري مثلا أو عامات كقوله: لا أدع أحدا يمر إلى الشام أو مكة مثلا وهذا إذا كان الذي منع سلوكه غير حربي أو آخذ بمد الهمزة، وكسر الخاء على أنه اسم فاعل وهو معطوف على قاطع. انتهى.
وعرف ابن الحاجب الحرابة بقوله: الحرابة كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه تتعذر معه الاستغاثة عادة من رجل أو امرأة أو حر أو عبد أو مسلم أو ذمي أو مستأمن، وقول المنصف: "على وجه يتعذر معه الغوث"، قال الحطاب: أحسن من قول ابن الحاجب: تتعذر معه الاستغاثة؛ لأن المسلوب يستغيث وجد مغيثا أو لا، فهو لا تتعذر عليه الاستغاثة. انتهى. يعني أنه إذا لم يجد مغيثا يقدر أن يذهب أو يرسل إلى مغيث وذلك من طلب الاستغاثة. واللَّه تعالى أعلم. ويشترط في المحارب التكليف، قال الحطاب: قال ابن عرفة: والصبي إن حارب ولم يحتلم ولا أنبت عوقب ولم يقم عليه حد الحرابة. قال: والمجنون يعاقب لينزجر إلا أن يكون الذي به الأمر الخفيف فيقام عليه الحد. انتهى. وفي المدونة: وأما الصبيان فلا يكونون محاربين حتى يحتلموا، قال أبو الحسن: أي حتى يبلغوا، ثم قال عقب كلامه السابق: وإن قطعوا الطريق إلى مدينتهم التي خرجوا منها فهم محاربون، قال أبو الحسن: هذا راجع إلى أهل الذمة لا إلى الصبيان. انتهى.
وإن انفرد بمدينة مبالغة في أنه محارب؛ يعني أنه لا يشترط في المحارب التعدد بل يكون محاربا وهو واحد ليس معه في حرابته أحد ولا يشترط أيضا أن يكون في قفر، بل يكون محاربا وإن كان منفردا بالحرابة وهو ساكن في قرية يأخذ المال من أهل القرية على وجه الحرابة، سواء قصد جميع أهل القرية أو قصد بعضهم. هذا قول ابن القاسم. وقال ابن الماجشون: لا يكون
стр. 9076
محاربا في القرية إلا أن يريد بذلك القرية كلها، فأما المختفي في القرية لا يؤذي إلا الواحد والمستضعف فلا. انظر التوضيح. ووجه الشارح قول ابن الماجشون: بأن الغوث لا يتعذر معه حينئذ. وفي الموازية: قد يكون الواحد محاربا. انتهى.
فتحصل من هذا أنه يكون محاربا وهو منفرد، سواء كان في قفر أو كان في مدينة فيها أهلها، وسواء أراد أهل القرية كلهم أو أراد بعضهم، وَرَدَّ بالمبالغة قول ابن الماجشون القائل: إذا كان في قرية فلا يكون محاربا إلا إذا قصد جميع أهلها، فأما المختفي في القرية لا يؤذي إلا الواحد والمستضعف فلا يكون محاربا. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وإن انفرد بمدينة أي كان واحدا ليس معه أحد وهو في مدينة فيها أهلها، سواء قصد جميع أهل القرية أم لا، وقيل: لا بد أن يقصد الجميع وإلا لم يكن محاربا، ورد به على ابن الماجشون. انتهى. وقال البناني عند قوله: "وإن انفرد بمدينة" ما نصه: استظهر ابن عاشر أن كلام المنصف فيه مبالغتان؛ أي وإن انفرد وإن كان بمدينة. انتهى. وعلم مما قررت أن قوله: "بمدينة" حال، والباء ظرفية أي وإن انفرد بالحرابة حال كونه كائنا في مدينة فيها أهلها وهو يحاربهم أو بعضهم.
كمسقي السيكران لذلك أي لأخذ المال؛ يعني أن من سقى شخصا سيكرانا وهو نبت دائم الخضرة يوكل حبه يُذهِب العقل ليأخذ ماله، فإنه يكون محاربا، وأشد منه -يعني من السيكران في تغييب العقل- البنج بالكسر وهو نبت يشبه البقل، وأشد منه نبت يسمى الداثورة والسيكران بضم الكاف وفتحها كضيمران وفي الصباح والضيمران الريحان الفارسي، والضومران بالواو لغة والميم تضم وتفتح فيهما. قاله الرهوني.
قال مقيده عفا اللَّه عنه: المقصود بالسيكران هنا ما يسكر أيا كان، لقول ابن مرزوق: السيكران ما يسكر من نبات أو غيره بشرب أو أكل، وقوله: "كمسقي السيكران" تشبيه في قوله: "قاطع الطريق" الخ؛ أي أن المحارب هو قاطع الطريق، الخ وكذلك مسقي السيكران لأخذ المال فإنه محارب، وظاهر المنصف أن مسقي السيكران لأخذ المال محارب وإن لم يكن ما سقاه يموت به، وظاهر الموازية أنه لا يكون محاربا إلا إذا سقى ما يُقتل به. وفي المواق بدل الموازية: المدونة: ولعله تحريف. انتهى. انظر شرح عبد الباقي.
стр. 9077
وقال عبد الباقي أيضا: ودخل بالكاف بعض ظلمة بمصر يمنع أرزاق المسلمين ولا يبالون بحكم الباشا عليهم بالرفع، وشمل التعريف النساء والصبيان لكن لا يتعلق بالصبي المحارب أحكامه ولو قتل؛ لأن عمده كالخطإ كما تقدم في الديات ولا بالمرأة صلب، وكذا النفي على أحد قولين. انتهى. قوله: ودخل بالكاف الخ، قال البناني: فيه نظر، بل هذا غاصب لوجود المغيث وإن كان عاجزا. انتهى. وفي المدونة: ساقي السيكران محارب. قاله المواق.
ومخادع الصبي وغيره ليأخذ ما معه عطف على مسقي فهو بالجر داخل في حيز التشبيه يعني من خدع صبيا أو غيره من البالغين؛ بأن تحيل على كل حتى يصل به إلى مَوْضِعِ ليأخذ ماله فيه على وجه يتعذر معه الغوث فإنه يكون محاربا، قال الشبراخيتي: ومخادِعُ الصبي أو غيره من البالغين بأن تحيل على كل حتى يصل به لموضع يتعذر معه؛ الغوث ليأخذ ما معه ولا يعارض ما في السرقة من قوله: "ولا فيما على صبي أو معه"؛ لأن ما تقدم في غير المميز أو فيه وأخذ ما معه على وجه السرقة بأن أخذه على وجه لا يتعذر معه الغوث، وما هنا في المميز. ويتعذر معه الغوث، ولا قوله: أو حمل عبدا لم يميز أو خدعه لأن ذلك خدعه ليأخذ ذاته وهنا خدعه ليأخذ ما معه. انتهى. واللَّه تعالى أعلم.
وقال عبد الباقي: ومخادع الصبي المميز إذ هو الذي يخدع أو غيره أي الصبي، ككبير فقتله كما في الجواهر والمستخرجة ليأخذ ما معه على وجه يتعذر معه الغوث ويسمى قتل غيلة، وبقولي: المميز علم عدم معارضة ما هنا لقوله في السرقة "ولا فيما على صبي أو معه" لأنه في غير المميز أو فيه وأخذ ما معه سرقة، أو ما هنا في المميز وأخذ منه على وجه يتعذر معه الغوث، ومرَّ ذلك أيضا. انتهى. قوله: فقتله كما في الجواهر والمستخرجة تبع في هذا النقل التتائي، وليس في الجواهر اشتراط القتل، وعبارة الجواهر: وقتل الغيلة من الحرابة وهو أن يغتال رجلا أو صبيا فيخدعه حتى يدخله موضعا فيأخذ ما معه فهو كالحرابة. انتهى.
قال مصطفى: فتفسيره للغيلة يدل على أن القتل ليس بشرط فيها، وإنما ذكر أن قتل الغيلة من الحرابة لا أن القتل هو نفس الغيلة، فكلام الجواهر ككلام المؤلف. قاله التتائي. وقال في الميسر: وما للمصنف فسَّرَ به في التوضيح الغيلة ولم يذكر قتله، وفسرها في الدماء بالقتل على المال وفسرها
стр. 9078
غيره بالقتل خفية لأخذ المال، وفي المستخرجة: والمغتال الذي يعرض للصبي أو الرجل فيخدعه حتى يدخله بيتا فيقتله ويأخذ متاعه وماله. انتهى.
والداخل في ليل أو نهار في زُقاق قوله: "والداخل" بالجَرّ عطف على مُسْق فهو بالجر داخل في حيز التشبيه؛ يعني أن الداخل في الزقاق أي السكة في ليل أو نهار، أو الداخل في دار حال كونه قاتل لأجل أن يأخذ المال وأخذه على وجه يتعذر معه الغوث، فإنه يكون محاربا. قال عبد الباقي: واحترز بقوله [ليأخذ] (١) عما لو أخذه ثم علم به فقاتل لينجو به ثم نجا فلا يكون محاربا بل سارقا إن اطلع عليه بعد الخروج من الحرز لا قبله. انتهى. قوله: واحترز بقوله ليأخذ المال عما لو أخذه لخ؛ لا شك أن هذا مراد المنصف، ومعتمَدُه فيه كما يفيده التوضيح كلامُ اللخمي، ونصه: ولو أخذ السارق المال فلما نوزع فيه قاتل حتى يخرج به، فنص اللخمي وغيره على أنه سارق لأن قتاله ليدفع عن نفسه، ونص اللخمي: والذين ينزلون اليوم على الناس فيأخذون المال وينجون سراق، وإن علم به بعد أن أخذ المتاع وخرج به فقاتل حتى نجا سارق أيضا لأن قتاله حينئذ ليدفع عن نفسه، وإن علم به قبل أن يأخذ المتاع فقاتل حتى أخذه كان محاربا، وعند عبد الملك: ليس بمحارب. ونقله ابن عرفة بزيادة، فإنه قال: ومن علم به بعد أن أخذ المتاع وخرج فقاتل حتى نجا به سارق؛ لأن قتاله حينئذ ليدفع عن نفسه، وإن علم به قبل أخذ المتاع فقاتل حتى أخذه فهو محارب عند مالك وعند عبد الملك ليس بمحارب. انتهى.
فزاد عند مالك ولم أجد ذلك في التبصرة في النسخة التي بيدي منها، وحكايته قول عبد الملك في الأخير تفيد أن ما قبله لا خلاف فيه، لكن أبو الوليد الباجي في منتقاه لم يذكر هذا الذي اعتمده المنصف هنا تبعا للخمي، بل اقتصر على خلافه ونصه: مَسْأَلَةٌ: وإذا سرق السارق المتاع ليلا فطلب رب المال المتاع منه فكابره عليه بالسلاح أو بالسكين أو بالعصا حتى خرج به أو لم يخرج حتى كثر عليه الناس، ففي كتاب ابن سحنون: هو محارب، وذلك يقتضي أنه لا يراعى في الحرابة إخراج المتاع من الحرز. انتهى. ونحوه للشيخ ابن أبي زيد، ونقله عنه ابن عرفة،
стр. 9079
ونصه: الشيخ عن سحنون في السارق ليلا يأخذ المتاع فيطلب رب الدار نزعه منه فيكابره بسيف أو عصا حتى خرج به أو لم يخرج وكثر عليه الناس ولم يسلمه: محارب. انتهى.
ونقل نحوه ابن مرزوق عن النوادر، ونصه: ومن كتاب سحنون، قال سحنون في السارق ليلا يأخذ المتاع فيطلب رب الدار نزع المتاع منه فيكابره عليه بسيف أو عصى أو سكين حتى يخرج به، أو لم يخرج وكثر عليه الناس ولم يسلمه، قال: هذا محارب. انتهى. وفي نوازل الدماء والحدود من المعيار أثناء جواب الفقيه أبي عبد اللَّه سيدي محمد بن دافال ما نصه: وإن كان يدخل إلى المنزل بالعصا أو الحديد بحيث لو فطن به صاحب المنزل قاتله، فحكمه حكم المحارب. انتهى. وفي نوازل الجنايات من الدرر المكنونة من جواب لبعضهم ما نصه: الحمد للَّه، سراق اليوم إنما هم محاربون لأنهم إنما يخرجون بالسلاح ومن عارضهم قاتلوه، فلا بأس أن يضرب أحدهم مائة سوط، وقد قال مالك: يضرب المحارب في أول ما أخذ إذا لم يَقْتُلْ ولم يأخذ مالا ولم تطل إقامته ولا اشتهر أمره. انتهى. قاله الرهوني.
مسألة: قال أصبغ في السارق يسرق بعض متاع الرجل فيخرج في أثره حتى إذا أرهقه تحول إليه السارق فدافعه عن نفسه وامتنع منه وقاتله ابتغاء النجاة منه بسيف أو سكين أو عصا أو غير ذلك فقتله الرجل في امتناعه ذلك لم يجد إلى أخذه سبيلا: فإن دمه هدر ولا شيء على قاتله من قود ولا دية وذلك إذا كان معه المتاع الذي سرق، وإن لم يكن معه متاع وإنما أراد النجاة بنفسه فعليه الدية إذا كان قتله إياه بموضعه الذي فيه سرق وما أشبهه، فأما لو كان تباعد منه ولحق بالصحراء ولا متاع معه فاتبعه حتى أدركه فواقفه السارق أو لم يواقفه فقتله فعليه القود، ولو كان معه متاعه كان دمه هدرا. قال: ولو أسره وظفر به ثم بدا له فقتله فعليه القود: كان معه متاعه أو لم يكن، قال: ولو كان حين وَلَّى السارق هاربا قد رماه ليرهقه برمية فيدركه فأصابته الرمية نفسها فقتله فدمه هدر، وإن كان لم يواقفه سواء كان المتاع معه أو لم يكن فعليه الدية إن كان بمَوْضِعِهِ أو بالقرب، وإن كان قد بعد ولحق بالصحراء وما أشبهه ففيه القود. انتهى من التبصرة. فيقاتل بعد المناشدة يعني أن المحارب يقاتل جوازا بعد المناشدة ندبا أي بعد أن يناشده اللَّه ثلاث مرات، يقول له في كل مرة، ناشدتك اللَّه إلا ما خليت سبيلي. انتهى. قال البناني:
стр. 9080
ويجوز قتالهم باتفاق. انتهى. وأم الناشدة فمستحبة صرح بذلك ابن رشد وعزاه لمالك كما في الحطاب، قال في التوضيح: وفي المدونة: جهاد المحاربين جهاد، وفي العتبية: من أعظم الجهاد وأفضله أجرا، ولمالك ﵀ في أعراب قطعوا الطريق: جهادهم أحب إلي من جهاد الروم. مالك: إن طلبوا مثل الطعام والثوب وما خف فليعطوه ولا يقاتلوا، وقال سحنون: لا يعطون شيئا وإن قال ابن عبد السلام: وينبغي قصر الخلاف على ما إذا طلبوه من الرفاق المارة بهم؛ ولو طلبوه من الوالي لم يجز أن يجيبهم إليه لأن فيه وهنا على المسلمين. انتهى. والمعتمد قول ملك في المدونة فيقيد جواز القتال في كلام المنصف بطلب المال الكثير، أما حد الحرابة فيثبت بالقليل والكثير. قال في المدونة: فيما أخذ من المال من قليل أو كثير سواء، وإن كان أقل من ربع دينار. انتهى. بل يثبت حكمها بمجرد الإخافة وإن لم يأخذ شيئا بل بمجرد الخروج لذلك، وإن لم تحصل إخافة كما تقدم. انظر مصطفى. وهذا الجواز لا ينافي ما يأتي من وجوب قتال من تعرض له المحارب لخ عن عبد الباقي؛ لأن الجواز يعم الإذن. وقال في الميسر: فيقاتل جوازا بعد المناشدة يناشده باللَّه ثلاثا ويدعى إلى التقوى، قال ابن جزي: يجب أن يوعظوا أوَّلًا ويقسم عليهم باللَّه ثلاثا، فإن رجعوا وإلا قوتلوا. انتهى.
وفي الكافي: وعلى من خرج عليه لص في طريق أو غيره أن يناشده اللَّه. انتهى. وفي البيان عن مالك أن ذلك مستحب. انتهى. وقال الشبراخيتي: فيقاتل جوازا ويفهم منه أنه يقتل لأن القتال يستلزم القتل غالبا، فاستغنى المنصف عن ذكره فكلامه شامل للعقوبات كلها لا الثلاثة كما قيل وفيه نظر؛ لأن الحدود الأربعة بعد القدرة وهذا غير مقدور عليه، فإن قتل حصل الحد وإن أخذ حيا خير الإمام في واحد من الحدود الأربعة؛ وهي القتل مجردا، والقتل مع الصلب، والنفي مع الضرب، والقطع من خلاف بعد الناشدة ثلاثا استحبابا، بأن يقال له: ناشدتك اللَّه إلا ما خليت سبيلي. انتهى.
وقال التتائي: فيقاتل أتي جوازا، قال في التوضيح: نقل ابن المواز على جوازه اتفاق ملك وأصحابه، وفي الموازية: هو من أعظم الجهاد وأفضله أجرا بعد المناشدة على المشهور من المذهب، بأن يقال له: ناشدتك اللَّه إلاما خليت سبيلي. انتهى. وفي التوضيح: المشهور أنهم يدعون.
стр. 9081
مالك في الموازية: يناشده اللَّه ثلاثا، وقال عبد الملك وسحنون: لا يدعوه وَلْيُبَادِرْ لقتله، ونحوه لابن عرفة. وفي دعوى اللص إلى التقوي قبل قتاله إن أمكن قولان لجهادها مع الشيخ عن رواية كتاب ابن سحنون وابن الماجشون معه. انتهى. ولم ينسبه في المنتقى إلا لعبد الملك، ونصه: قال مالك: ويناشده اللَّه ثلاثا فإن عاجله قاتله، وقال عبد الملك: لا يدعوه وليبادر إلى قتله، ووجه قول مالك أنه يوعظ ويذكر فعسى أن يتوب وينصرف عما هو عليه، فيكون ذلك أولى من معاجلته بالمقاتلة التي ربما أدت إلى قتل أحدهما وربما غلب المحارب فاستأصل النفس ولمال، ووجه قول عبد الملك أنه قد استحق حكم الحرابة بخروجه، فالصواب إذا وثق بالظهور عليه أن يعاجل مدافعته والقتل له. انتهى. واللَّه أعلم. انتهى. وقال المواق: قال ابن القاسم: لا يتبع المحارب إذا لم يكن قتل، وقال سحنون: يتبع، قيل له: فلو أن لصا عرض لي فضربته بشيء وأسقطته أترى أن أجهز عليه؟ قال: نعم، فأعلمته بقول ابن القاسم: إنه لا يجهز عليه فلم يره شيئا. انتهى.
إن أمكن شرط في المناشدة يعني أنه إنما يناشد المحارب إن أمكن أن نناشده، واحترز بذلك عما إذا عاجل بالقتال فإنه لا يناشد، قال الشبراخيتي: إن أمكن مناشدته، وذكَّر الفعل لأنها بمعنى الدعاء، واحترز به عما إذا عاجل بالقتال فإنه لا يناشد. وقوله: "إن أمكن" راجع لهما. انتهى. وقال عبد الباقي: إن أمكن لا إن عاجل بالقتال فيعاجل بالقتال بالسيف ونحوه مما يسرع به إلى الهلاك: فعلم من قوله: فيقاتل أنه يقتل لأنه لا فائدة لقتاله إلا قتله وهو أحد حدوده الأربعة، وهو فرض على من تعرض له المحارب وخاف على نفسه أو أهله القتل أو الجرح والفاحشة. انتهى. وقال التتائي: إن أمكن ذلك بأن لا يعاجل وإن عاجل بالقتال فلا مناشدة، وإطلاق أخذ المال يشمل القليل وهو قول سحنون، وذكر ابن يونس عن كتاب الجهاد: إن طلبوا مثل العلف من العامة والمسافرين أحب إلي أن يعطوا ولا يقاتلوا. ابن عبد السلام: ينبغي قصر الخلاف على ما إذا لخ.
وتَحَصَّل من كلام المنصف أنه قسم المحارب إلى خمسة أقسام: قاطع الطريق لقصد مجرد منع الانتفاع بها، ثانيها: آخذ المال المحترم من مال مسلم أو ذمي أو معاهد، ثالثها: مسقى السيكران لأخذ المال، رابعها: مخادع الصبي وغيره ليأخذ ما معه، خامسها: الداخل في ليل أو
стр. 9082
نهار في زقاق أو دار قاتل ليأخذ المال. وتحقيق الحرابة أن تقول هي كل فعل يقصد به أخذ المال على وجه يتعذر معه الغوث والخروج بمجرد منع الانتفاع بالطريق. وحدودها أربعة بينها اللَّه تعالى في كتابه العزيز، بقوله جل وعز: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾، ولم يبين المنصف القتل اكتفاء عنه بذكر القتال.
وأشار للحد الثاني بقوله: ثم يصلب فيقتل يعني أنه إذا قدر على المحارب فإن الإمام يخير فيه بين أربعة أمور، إما أن يقتله وإما أن يصلبه حيا على خشبة يربط جميعه بها لا من أعلاه فقط وبعد الصلب يقتل مصلوبا قبل نزوله على المعتمد، وقوله: "يصلب" أي حيا غير منكس، وثُمَّ هنا للترتيب الإخباري لا الرتبي قال عبد الباقي: ثم يصلب حيا على خشبة يربط جميعه بها لا من أعلاه فقط، كابطيه وَوَجْهُهُ أو ظَهْرُه لها غيرَ منكوس، فيقتل مصلوبا قبل نزوله على المعتمد، وإذا مات قبل أن يصلب لم يصلب، ولو قتله إنسان قبل صَلْيه صَلَبَه، وإنما ترك صلبه إذا مات قبله لأنه قبل فعل شيء من الحد، وفي قتله قد فعل معه بعضه، وثم في قوله: "ثم يصلب" لترتيب الإخبار، ولو قال: أو يصلب لكان أحسن، وهو عطف على مقدر بعد قوله: "فيقاتل بعد المناشدة" أي ويقتل أو يصلب فيقتل.
تَتِمَّةٌ: قال في غاية الأماني: لو قتل المحاربَ أَحَدُ ورثته، فقيل يرثه وقيل لا يرثه. انتهى. قلت: ينبغي أن يكون الراجح الأول قياسا على ما تقدم في الباغية، من قوله: "وكره للرجل قتل أبيه وورثه". انتهى. وقال الشبراخيتي: ما أفاده من تأخير القتل عن الصلب هو المعتمد، وظاهر كلام ابن فرحون أنه يربط جميعه لا من أعلاه فقط كإبطيه، وظاهره سواء قتله الإمام أو غيره وهو كذلك، ولو حبسه الإمام ليصلبه فمات لم يصلبه، ولو قتله إنسان في السجن فله صلبه. قال التتائي: وسكت عن كونه ينزل بعد ثلاثة أيام أو من ساعته أو يترك إلى أن يفنى أو تأكله الكلاب وعن الصلاة عليه وعدمها، وهل ينزل لها أو يصلى عليه مصلوبا؟ وعلى أنه ينزل هل يعاد للصلب أو لا؟ وفي كل خلاف. انتهى.
стр. 9083
قال في الشرح: لكن الراجح من الخلاف في الصلاة وعدمها القول بالصلاة، وتقدم الخلاف في أنه هل يصلى عليه وهو مصلوب من غير إنزال أو ينزل ويصلى عليه؟ وعلى الأول فانظر هل يغسل وهو مصلوب أيضا وهو الظاهر؟ وقال في الحاشية: والراجح من الخلاف أنه ينزل من الخشبة قبل التغير ويغسل ويصلي عليه غير أهل الفضل والصلاح ويدفن في مقابر المسلمين، وقوله: "ثم يصلب" خاص بالرجال، وأما المرأة فلا تصلب لأن في صلبها كشف عورتها. قال اللخمي: أما المرأة فحدها صنفان؛ القطع من خلاف والقتل، ويسقط عنها ثالث وهو الصلب ويختلف في رابع وهو النفي. انتهى. وأما الصبي فلا يفعل معه شيء من هذه الحدود ولو حارب بالسيف والسكين وإنما يعاقب. انتهى المراد منه.
وقوله: "ثم يصلب فيقتل" قد مر أن ما أفاده من تأخير القتل عن الصلب هو المعتمد وهذا الذي ذكره هو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: يقتل ثم يصلب وهذا يدل على أن الصلب ليس حدا قائما بنفسه بل يضاف للقتل، وظاهر القرآن أنه حد مستقل. انتهى. قاله التتائي. وقال الرهوني: قال اللخمي: وظاهر القرآن أن الصلب حد قائم بنفسه كالنفي، والمذهب أنه مضاف إلى القتل، ووقع لمالك في بعض المواضع أنه يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفى مثل ظاهر القرآن. انتهى. ونقله ابن عرفة وسلمه، وفي التوضيح: وهل يصلى عليه؟ أما على مذهب من رأى أنه يقتل ثم يصلب، فيصلى عليه قبل الصلب، واختلف في الصلاة عليه على مذهب من رأى أنه يقتل على الخشبة، فقال ابن الماجشون في الواضحة: لا ينزل من على الخشبة حتى تأكله الكلاب والسباع، ولا يترك أحد من أهله ولا من غيرهم ينزله ليدفنه ولا ليصلي عليه. وقال أصبغ: لا بأس أن يخلى بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه ويدفنونه، ولابن الماجشون في الثمانية: يصف خلف الخشبة ويصلى عليه وهو مصلوب خلاف ظاهر قوله في الواضحة، وقال سحنون: إذا قتل على الخشبة أنزل عنها وصلي عليه، واختلف قوله: هل يعاد إليها ليرتدع أهل الفساد أم لا على قولين. هكذا نقل صاحب المقدمات. ونقل ابن عبد السلام أنه اختلف قوله: إذا مات هل ينزل من ساعته ويدفع إلى أهله للصلاة عليه وإذا صلوا عليه يعيده الإمام إلى الخشبة اليومين والثلاثة ليرتدع أهل الفساد؟ انتهى. قلت: غاير بين النقلين لأن ظاهر نقل
стр. 9084
المقدمات أنه إذا أعيد للخشبة لا ينزل عنها، وظاهر نقل ابن عبد السلام أنه ينزل عنها بعد اليومين والثلاثة، ونقل ابن عبد السلام موافق لنقل اللخمي، ونصه: وقال سحنون في كتاب ابنه: إذا قُتِلَ وَصُلِبَ أُنزِلَ من ساعته فيدفع إلى أهله للصلاة عليه ولدفنه، وقال أيضا: إن للإمام أن يبقيه اليومين والثلاثة، ولكن ينزله فيغسله أهله ويكفن ويصلى عليه، ثم إن رأى إعادته إلى الخشبة فعل. انتهى.
وأشار إلى الحد الثالث بقوله: أو يُنفى الحر كالزنى يعني أن المحارب يخير فيه الإمام إما أن يقتله أو يصلبه فيقتله أو ينفيه أي يخرجه إلى غير بلده، وهذا النفي خاص بالحر البالغ الذكر ويكون كالنفي المتقدم في الزنى كفدك وخيبر من المدينة، قال عبد الباقي: وذكر الحد الثالث بقوله: أو ينفى الحر البالغ العاقل الذكر كالزنى، التشبيه في مسافة البعد كفدك وخيبر من المدينة لا تام لأنه هنا يسجن حتى تظهر توبته أو يموت، وفي الزنى يسجن سنة، قال في تحقيق المباني: اللخمي: ولا يكفي في ظهور توبته مجرد ظاهره لأنه كالمكره لكونه في السجن فهو يظهر التوبة والكسر والخير ليخلص مما هو فيه. انتهى.
وتقدم أن أجرة حمله في النفي عليه وكذا نفقته، فإن لم يكن له مال فمن بيت المال، فإن لم يكن فعلى المسلمين ويكون النفي بعد الضرب باجتهاد الإمام، ولعل القتل مع الصلب إنما أخذ من القرآن من المعنى، وكذا الضرب مع النفي وإلا فظاهر القرآن خلافه. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو ينفى الحر أخرج به العبد فحده ثلاثة، والمتبادر منه كونه صفة لوصوف محذوف تقديره الذكر لا الشخص الشامل للذكر والأنثى، كالزنى تشبيه في أنه إنما ينفى الرجل دون المرأة، وأنه ينفى إلى موضع كفدك وخيبر من المدينة، والتشبية ليس بتام لأنه هنا يسجن في البلد الذي ينفى إليه خشي هروبه أو لا حتى تظهر توبته أو يموت، وفي الزنى يسجن سنة، ولم يذكر مع النفي ضربا ولابد منه كما في المدونة، وذكره بعد ذلك بقوله: ولمن وقعت منه فلتة النفي والضرب وقدره موكول إلى اجتهاد الإمام كما في المدونة. انتهى.
وقال المواق: ابن الحاجب: أما النفي فللحر لا العبد كما ذكر في الزنى إلى أن تظهر توبته. ابن رشد: النفي أن ينفى من بلده إلى بلد آخر أقله ما تقصر فيه الصلاة فيسجن فيه إلى أن تظهر
стр. 9085
توبته، بخلاف الزنى فقد تقدم أن سجنه سنة. انتهى. وقال الحطاب: وقال أبو الحسن في شرح قوله: "ولكن يجتهد الإمام في ضربه ونفيه": أما في ضربه فعلى قدر جرمه وكثرة مقامه في فساده، وأما في نفيه فإن كان كثير الفساد نفاه إلى بلد بعيد، وإن كان قليل الفساد فإلى بلد قريب وأقله ما تقصر فيه الصلاة وهو يوم وليلة. انتهى. ونصوص المذهب صريحة في أن المحارب إذا نفي سجن في البلد الذي نفي إليه، سواء كان يخشى هروبه أو لا، وما حكاه الشيخ عبد الرحمن الثعالبي في تفسيره لما تكلم على آية المائدة [من] (١) التفصيل بين ما يخاف هروبه، أو لا يخاف هروبه خلاف المعروف من المذهب. واللَّه تعالى أعلم. انتهى.
وأشار إلى الحد الرابع بقوله: أو تقطع يمينه ورجله اليسرى ولاء يعني أن الإمام مخير في أربعة أمور يصنعها في شأن المحارب، إما القتل وإما الصلب فالقتل وإما النفي والضرب وإما قطع يمينه أي يده اليمنى وقطع رجله اليسرى ولاء في فور واحد، وقد قال تعالى: ﴿أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ﴾، والقطع من خلاف يحصل بقطع اليد اليمنى مع قطع الرجل اليسرى، وقوله: "ولاء" بكسر الواو، قال عبد الباقي: وتقطع يمينه أي يده اليمنى ورجله اليسرى الصحيحتان ولاء ولو خيف عليه الموت؛ لأن القتل أحد حدوده، فإن كان أشل اليد اليمنى أو مقطوعها في جناية أو قصاص أو [شبهة] (٢) قطعت يده اليسرى ورجله اليمنى ليكون القطع من خلاف عند ابن القاسم وكذا إن كان أقطع الرجل اليسرى فتقطع رجله اليمنى ويده اليسرى، فإن لم يكن له إلا يد أو رجل واحدة قطعت، وإن كان له يدان قطعت اليمنى وحدها فإن لم يكن له إلا رجلان قطعت اليسرى وحدها. انظر الشارح. وهذه الحدود الأربعة يخير فيها الإمام باعتبار المصلحة في حق الرجال، وأما المرأة فلا تصلب ولا تنفى وإنما حدها القطع من خلاف أو القتل المجرد، وأما العبد فحده ثلاثة وهي ما عدا النفي كما قال المنصف: "أو ينفى الحر". انتهى. وقال المواق: ابن رشد: القطع، قال ابن القاسم: هو قطع يده اليمنى ورجله اليسرى، ثم إن عاد قطع ما بقي. انتهى. وقال الشبراخيتي: أو تقطع يمينه ورجله اليسرى ليكون القطع من
стр. 9086
خلاف، "ولاء" بكسر الواو أي متتابعا في فور واحد ولو خيف عليه الموت؛ لأن القتل أحد حدوده، وحينئذ فلا يؤخر للاندمال أي البرء، قال في الحاشية: الظاهر أن قوله: "ولاء" ليس شرطا وإنما هو مسقط للإثم عن الإمام، وإلا لو فرق القطع سقط الحد. انتهى. وقال التتائي: والصبي إذا حارب لا حد عليه بل يعاقب، وكذا المجنون وإن خف جنه حد، وإن حارب وقت إفاقته ثم جن أخر حتى يُفيق كالسكران. انتهى.
وبالقتل يجب قتله يعني أن تخيير الإمام في أحد الحدود الأربعة إنما هو حيث لم يحصل من المحارب قتل، وأما إن حصل منه قتل فإنه يجب قتله ولو كانت المصلحة في إطلاقه ولا تشترط المكافأة بل يقتل؛ ولو كان قتله المذكور حاصلا بقتله لكافر أو عبد، ومقتضى كلام المنصف أنه إذا لم يقتل لا يجب قتله ولو عظم فساده وطال أمره وأخذ الأموال، قال الشبراخيتي: وليس كذلك بل يجب قتله كما أشار له ابن مرزوق، ونحوه لعبد الباقي، قال البناني: ما ذكره تبع فيه الأجهوري في اعتراضه به على المنصف معتمدا على كلام ابن مرزوق، واعترضه مصطفى بأن ابن مرزوق لم يتعقب المنصف، وإنما أراد أنه كان حق المؤلف أن ينبه عليه بأن يشير إليه بلو، وإلا فما ذكره المنصف هو المعتمد والأقوى إذ ما في الموازية غير مشهور، وجعله اللخمي مخالفا لما في المدونة من تخيير الإمام فيه، ولذا قال عياض في التنبيهات: إن الأكثر تأولوا المدونة على التخيير وحملها الأقل على تحتم قتله، وقد نقله في التوضيح، وكذا أبو الحسن نقل عن ابن رشد وابن يونس حمل المدونة على التخيير واقتصر على ذلك. انتهى. قوله: "وبالقتل يجب قتله" لم يختلف فيه قول مالك، وقوله: "ولو بكافر" أي أو عبد هو المشهور، وقال أبو مصعب: التخيير باق. انتهى. قاله التتائي.
أو بإعانة يعني أن المحارب يجب قتله إن قتل أحدا ولا يشترط في ذلك مباشرته للقتل بل يقتل ولو شارك في القتل بإعانة أي التَّقَوَي به، وقول الخرشي: ولا تشترط مباشرته للقتل فيقتل ولو شارك فيه بضرب أو إمساك، بل ولو لم يُعِن بما ذكر بل بممالأة، بحيث لو استعين به لأعان. انتهى. وقول الشبراخيتي: أو شارك بإعانة بضرب أو إمساك بل ولو لم يُعن بهما بل بممالأة كما في المدونة، ومن الإعانة التقوي به وإن لم يعن على القتل.
стр. 9087
قال مقيده عفا اللَّه عنه: الظاهر تفسير الإعانة هنا بالتقوي به كما سترى قريبا، والظاهر أن قوله: "أو بإعانة" عطف على قوله: "والقتل". واللَّه تعالى أعلم.
وقوله: ولو جاء تائبا مبالغة في قوله: "أو بإعانة" يعني أنه يجب قتل المحارب إذا أعان على قتل أحد ولو كان ذلك المحارب المعين على القتل جاء تائبا قبل القدرة عليه، ورد بلو قول أشهب قال الرهوني: قول المنصف: "وبالقتل يجب قتله" مراده أنه بذلك يسقط تخيير الإمام، فهو كقوله على قول ابن الحاجب: ويتحتم قتله إذا قتل ولو غير كفؤ. انتهى. ما نصه: يعني أن الإمام إنما يخير فيه على ما تقدم إذا لم يكن قتل، وأما إن قتل ولو غير كفؤ كما لو قتل كافرا أو عبدا فيتحتم قتله لتناهي فساده وهذا هو المشهور. وقال أبو مصعب: بل له فيه التخيير أيضا. انتهى منه بلفظه.
وقوله: "ولو جاء تائبا" أي قبل القدرة عليه، وهو مبالغة في قوله: "أو بإعانة"، ومراده الإعانة بالتقوي، فإنَّ وليَّ المقتول إذا أراد القصاص بعد توبتهم قبل القدرة عليهم فله قتل الجميع عند ابن القاسم، خلافا لأشهب. وأشار المنصف بذلك إلى قوله في التوضيح عند قول ابن الحاجب: وأما إن لم يتسبب فقال ابن القاسم: يقتل، وقال أشهب: يضرب مائة ويحبس سنة. انتهى. ما نصه: أي لم يتسبب في قتله ولكن التقوي به حاصل، ووافق أشهب ابن القاسم إذا أخذوا قبل التوبة، قال: وأما إن تابوا قبل أن يقدر عليهم فقد سقط عنهم حكم الحرابة ولا يقتل منهم إلا من ولي القتل أو من أعان عليه أو من أمسك له وهو يعلم أنه يريد قتله ولا يقتل الآخرون، ولكن يضرب كل واحد منهم مائة ويحبس سنة. انتهى. ونحوه لابن عرفة نقلا عن الباجي، ونص الباجي في المنتقى: ففي الموازية عن مالك وابن القاسم وأشهب: إذا ولي أحد المحاربين قتل رجل ولم يعاونه أحد من أصحابه قتلوا أجمعين ولا عفو فيهم لإمام ولا لولي، قال ابن القاسم: ولو تابوا كلهم فإن للولي قتلهم أجمعين وله قتل من شاء، والعفو عمن شاء وعلى دية أو دون دية. وقال أشهب: إن تابوا قبل القدرة عليهم سقط عنهم حد الحرابة ولم يقتل منهم إلا من ولي القتل أو أعان عليه أو أمسكه لمن يعلم أنه يريد قتله ولا يقتل الآخرون ويضرب كل واحد منهم مائة ويسجن عاما. انتهى.
стр. 9088
قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه عنه: تأمل هذا التحرير البديع: والتبيان العجيب الرفيع، الذي حادت عنه أفكار الفحول، من كل من بَرَّزَ في المعقول والمنقول. واللَّه تعالى أعلم. أعني هذا التحرير.
الرهونيَّ: فرع قال عبد الباقي: ثم محل وجوب قتله فيما ذكره المنصف ما لم تكن المصلحة في إبقائه بأن يخشى بقتله فساد أعظم فلا يجوز قتله ارتكابا لأخف الضررين، كما أفتى به الشبيبي وأبو مهدي وتلميذهما ابن ناجي.
وليس للولي العفو هذا راجع لما قبل المبالغة، أعني قوله: ولو جاء تائبا يعني أن المحارب يجب قتله بالقتل أو بالإعانة عليه، ولا يجوز للولي العفو عن المحارب الفاعل لذلك، وأما لو جاء تائبا قبل القدرة عليه فإنه يسقط عنه حد الحرابة فيجوز للولي العفو عنه، فإن جاء تائبا قبل القدرة عليه وقد كان قتل من لا يقتل به كذمي وعبد، فإنه لا يقتل به عند مجيئه تائبا بل عليه دية الذمي وقيمة العبد، وفي التتائي عند قوله: "وليس للولي العفو" ما نصه: لأن قتله ليس قصاصا. اللخمي: يقتل المحارب بالسيف أو الرمح لا بصفة تعذيب ولا برمي من مكان مرتفع ويُصْلَب قائما لا منكوسا وتطلق يداه. انتهى.
وإذا لم يقتل المحارب أحدا وظفر به الإمام خير الإمام فيه بين الأمور الأربعة، لكن ندب له النظر في حاله فيراعي الأصلح فيه، فالنظر للمحارب ذي التدبير أي الرأي ومعرفة المكايد والنظر في عواقب الأمور القتل، وقال المواق: ابن رشد: إن كان المحارب ممن له الرأي والتدبير فوجه الاجتهاد فيه قتله أو صلبه لأن القطع لا يدفع ضرره. انتهى. وقال الشبراخيتي: وندب للإمام مراعاة حال المحارب الذي لم يقتل فَيُجْعَل لذي التدبير في الحروب والخلاص من شدائدها حيث يصير مرجعا في ذلك القتل؛ وقال عبد الباقي: وندب للإمام النظر في حال المحارب حيث لم يظهر منه قتل فهو لذي التدبير في الحروب، وفي الخلاص منها القتل لا القطع من خلاف لأنه لا يدفع ضرره والبطش القطع يعني أنه يندب للإمام في حق ذي البطش والشجاعة وليس له تدبير القطع من خلاف لأنه يدفع ضرره بذلك.
стр. 9089
ولغيرهما ولمن وقعت منه فلتة النفي يعني أنه يندب للإمام في حق صنفين من المحاربين النفي والضرب باجتهاد الإمام، والصنفان المذكوران أحدهما من لا تدبير له ولا بطش، لكن ظاهر حاله موافقة المحاربين، كما لو كثر خروجه وظهر منه الرضى بحال المحاربين ثانيهما من وقعت منه الحرابة فلتة بأن كان ظاهر حاله عدم موافقة المحاربين على الحرابة ولم تكن من شأنه، قال الشبراخيتي: ولغيرهما مِمَّن كثر خروجه ولم يظهر بطشه ولا رأيه ولمن وقعت منه فلتة مخالفة لظاهر حاله؛ بل موافقة لغيره نادما على ذلك، وفسر عبد الباقي وقوعها فلتة بأن أخذ من فور خروجه ولم يقتل ولا أخذ مالا وعزاه للنكت، والمذهب أنه يضرب ثم ينفى؛ وقيل ينفى ثم يضرب، وما ذكره المنصف من الندب خلاف ما ذكره القرافي في ذخيرته وقواعده، من أنه إذا تعين الأصلح وجب عليه ولا يجوز له العدول عنه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب. انتهى. ويفيده كلام ابن رشد. قاله الشبراخيتي. قال: وأما إن قتل فلا بد من قتله. انتهى المراد منه.
قوله: "النفي" والضرب أي لأن ذلك كاف في ردعه، قال التتائي: والواو لا تقتضي ترتيبا فيضربه وينفيه. انتهى. يعني أن المنصف لا ينافي تقدم الضرب على النفي والتعيين للإمام يعني أن التعيين فيما يندب فعله مما تقدم من قوله: "وندب لذي التدبير" الخ إنما هو للإمام، فالذي عين من ذلك هو الذي يفعل فإذا عين القتل قتل والقطع قطع ونحو ذلك، وفي التتائي ما نصه: وهذا خلاف قول القرافي في ذخيرته وقواعده: إذا تعين له الأصلح وجب عليه ولا يجوز له العدول عنه فهو أبدا ينتقل من واجب إلى واجب. انتهى. وما قاله هو الذي ذكر عياض أن أبا الحسن الماوردي أي الشافعي حكاه عن مالك، ثم قال: لا يقوله مالك ولا أصحابه. انتهى.
لا ممن قطعت يده ونحوها يعني أن التعيين في ذلك إنما هو للإمام، وليس لمن قطعت يده ونحوها -كمن قطعت رجله أو فقئت عينه أو جرح أي فعل به المحاربون ذلك- كلام فلا تعيين له؛ لأن ما يفعله الإمام بالمحارب ليس عن شيء معين، وإنما هو عن جميع ما فعله في حرابته من إخافة وأخذ مال وجرح، وأما لو قتل المحارب أحدا فإنه لا يجوز للإمام فيه إلا، القتل ليس إلا ولهذا قال عبد الباقي: والتعيين فيما يندب فعله مما تقدم لا فيما يجب مما قدمه. انتهى. وفي نسخة:
стр. 9090
ونحوه بالتذكير، وقال الشبراخيتي عند قوله: "لا لمن قطعت يده ونحوه" ما نصه: وهذا في غير الحالة التي يجب فيها القتل كما يدل عليه قوله: "وبالقتل يجب قتله". انتهى.
وعزم كل عن الجميع مطلقا يعني أن المحاربين كالحملاء، فمن أخذ منهم فإنه يغرم جميع ما أخذه هو وأصحابه، سواء كان ما أخذه أصحابه باقيا أم لا، وسواء جاء المحارب تائبا أم لا؛ لأن كل واحد منهم إنما يقوى بأصحابه فكانوا كالحملاء، وكذا اللصوص والغصاب والبغاة. قاله الخرشي. وقال عبد الباقي: وعزم أي كل واحد بانفراده من المحاربين إذا ظفر به وكانوا أخزوا شيئا من أموال المسلمين عن الجميع بطريق الضمان عنه فيما لزمهم من نهب أموال الناس مطلقا، أي سواء كان ما أخذه أصحابه باقيا أم لا، وسواء جاء المحارب تائبا أم لا، نابه شيء مما نهبوه أم لا، وإنما غرم عن من عداه حيث لزم من عداه الغرم؛ لأنه يغرم بطريق الضمان كما مر؛ لأن كل واحد إنما تقوى بأصحابه، ومثله البغاة واللصوص والغصاب كما في الرسالة. انتهى.
وقال الرهوني: قال ابن رشد في شرح المسألة الثانية من رسم استأذن من سماع عيسى من كتاب الغصب عند قول ابن القاسم: قال مالك: لو أن رجلا أقر بغصب عبد رجل زعم أنه غصبه هو ورجلان سماهما معه وصدقه صاحب العبد الذي غصبوه ثلاثتهم، قال: عليه غرم قيمته كله ولم ينظر إلى من غصبه إلا أن يكونا يقران كما أقر أو تقوم عليهم بينة، فأما إذا لم يقرا ولم تقم عليهم بينة فهو ضامن لجميع العبد، ولو أقر جميعهم أو قامت عليهم بينة فوجد بعضهم معدمين وبعضهم أملياء فإنه يأخذ جميع قيمته من اللي ويطلب هو أصحابه ما نصه: قال القاضي: هذه مسألة صحيحة بينة لا شك فيها ولا موضع للقول؛ لأن القوم إذا اجتمعوا في الغصب أو السرقة أو الحرابة فكل واحد منهم ضامن لجميع ما أخذوه؛ لأن بعضهم قوي ببعض فهم كالقوم يجتمعون على قتل الرجل فيقتل الجميع به وإن ولي القتل أحدهم. وقد قال عمر بن الخطاب: لو تمالآ عليه أهل صنعاء لقلتهم به جميعا. وباللَّه التوفيق. انتهى.
فظاهره أنه لا خلاف فيه، وقد نقله ابن يونس عن الأخوين وأصبغ وسلمه ولم يحك غيره، ونصه: قال مطرف: وإذا أخذ أحد من الغيرين ضمن جميع ما أغاروا عليه لأن بعضهم قوي ببعض كالسراق والمحاربين، ولو أخذوا كلهم أملياء لم يضمن كل واحد إلا ما ينوبه. وقاله ابن
стр. 9091
الماجشون وأصبغ. انتهى. واللَّه الموفق. انتهى. وقال المواق: قال ابن شأس: لو ولي واحد من المحاربين أخذ المال ثم ظفرنا بغيره فإنه يلزمه غرم جميع ذلك المال، كان قد أخذ من ذلك حصة أم لم يأخذ، ومن المدونة: إذا ولي أحدهم أخذ المال وكان الباقون له قوةً ثم اقتسموا فتَابَ أحدهم ممن لم يل أخذ المال فإنه يضمن جميع المال ما أخذ في سهمه وما أخذ أصحابه. انتهى.
واتبع كالسارق يعني أن المحارب يتبع بما أخذ كاتباع السارق أي يضمن المحارب ما أخذ من المال، كضمان السارق لما سرق التقدم في قول المنصف: "ووجب رد المال إن لم يقطع مطلقا أو قطع إن أيسر إليه من الأخذ"، فإذا لم يقم على المحارب الحد بأن جاء تائبا قبل القدرة عليه فإنه يغرم ما فوته من المال موسرا حين الأخذ أو معسرا، استمر ذلك أم لا، وإن أقيم عليه الحد فإنه يغرم ما فوته بشرط أن يكون موسرا من حين الأخذ واستمر يساره إلى أن أقيم عليه الحد بإدخال الغاية، فإن أعسر في أحد الوقتين أو أيسر حين الأخذ وانقطع قبل إقامة الحد عليه لم يتبع بما فوته، وأما إن كان ما أخذه باقيا فإنه يؤخذ مطلقا، موسرا حين الأخذ أو معسرا، استمر ذلك أم لا، أقيم عليه الحد أم لا. قال عبد الباقي: واتبع المحارب كالسارق، فإن سقط عنه الحد بمجيئه تائبا غرم مطلقا، وإن قطع أو قتل استقلالا أو مع الصلب غرم أن أيسر من الأخذ إلى القطع أو القتل فيوخذ من تركته، والنفي كالقطع على الراجح لأن النفي حد من حدوده وقيل كسقوط الحد. انتهى. ونحوه للشبراخيتي. وقال المواق من المدونة: إذا أخذ المحاربون المال ثم تابوا وهم عدماء فذلك عليهم دينا، وإن أخذوا قبل أن يتوبوا فأقيم عليهم الحد قطعوا أو قتلوا ولهم أموال، أُخِذَتْ أموال الناس من أموالهم، يريد ويسرهم متصل من يوم أخذوه وإن لم يكن لهم يومئذ مال لم يتبعوا بشيء، فما أخذوا كالسرقة. انتهى نص ابن يونس. انتهى. وقال التتائي ما معناه: واتبع إن لم يتب إن كان موسرا من يوم حرابته ليوم أخذه بجميع ما جنى من أخذ مال أو صداق امرأة أكرهها أو قيمة عبد أو دية ذمي، وإن كان معسرا وقت الحرابة أو موسرا ثم أعسر فلا يتبع، وإن جاء تائبا اتبع موسرا أو معسرا. انتهى.
ودفع ما بأيديهم لمن طلبه يعني أن ما بيد المحاربين من المال يدفع لمن طلبه إذا أقام عليه بينة شرعية، فإن لم يقمها دفع له بعد الاستيناء أي يؤخر دفعه لمن طلبه من غير طول خوف أن يأتي
стр. 9092
أحد ببَيِّنَةٍ، واليمين أي إنما يدفع لمن طلبه بعد أمرين؛ أحدهما الاستيناء من غير طول، ثانيهما اليمين ممن طلبه، فيحلف الطالب أنه له ويُشْهَد عليه بينة عند دفعه [ويضمنه] (١) إياه ليلا يثبته غيره ببينة، وقوله: "ودفع ما بأيديهم لمن طلبه بعد الاستيناء واليمين" محله إذا أقر اللصوص بأنه ليس من أموالهم؛ فإن قالوا هو من أموالنا كان لهم، وإن كان كثيرا لا يملكون مثله. قاله ابن شأس عن أشهب. ونقله ابن عرفة مقتصرا عليه. قاله مصطفى. قاله البناني.
وَالْحَاصِلُ أن المسألة على ثلاثة أقسام: أن يقيم الطالب بينة فإنه يدفع له ما بأيديهم على الوجه المقرر في ذلك، الثاني أن لا يقيم الطالب بينة به وأقر اللصوص أنه ليس من مالهم فإنه يدفع لمن طلبه بعد الاستيناء واليمين، ثالثها أن يدعوه لأنفسهم ولم يقم الطالب بينة فهو للصوص وإن كثر.
تنبيهات: الأول: ظاهر المنصف أنه يدفع ما بأيديهم لمن طلبه بعد الاستيناء واليمين وإن لم يصفه وهو ظاهر المدونة أيضا، قال المواق من المدونة: إذا أخذ المحاربون ومعهم أموال فادعاها قوم ولا بينة لهم، دفعت إليهم بعد الاستيناء في استبراء ذلك من غير طول، فإن لم يأت من يدعيها بشيء دفعت إليهم بعد أيمانهم بغير حَميل، ويضمنهم الإمام إياها إن جاء لذلك طالب ويشهد عليهم. انتهى. وقال عبد الباقي: إنه إنما يدفع ممن طلبه حيث لم يأت ببينة بعد أن يصفه كما توصف اللقطة. انتهى. قال البناني: هكذا قال اللخمي إنما تدفع له إذا وصفه كاللقطة وذكره المصنف في التوضيح وأهمله هنا، وقد ذكره ابن عرفة وأقره واعتمده أبو الحسن في شرح المدونة، قائلا: يدفع إليهم بثلاثة شروط، بعد الاستيناء وبعد اليمين وبعد الصفة. انتهى.
الثاني: من انتهب صرة بحضرة شهود لم يعرفوا عدة ما فيها إن القول للمنتهب مع يمينه. نقله ابن فرحون. قاله في الميسر.
стр. 9093
الثالث: قد مر عن المدونة أنه إن لم يأت الطالب ببينة يدفع له بعد الاستيناء واليمين بغير حميل، [وقال سحنون] (١) بل بحميل، وفي مختصر الوقار: إن كان من أهل البلد فبحميل، وإن كان من غيرهم فبغير حميل لأنه لا يجد حميلا. انتهى. قاله البناني.
أو بشهادة رجلين من الرفقة يعني أنه إذا شهد عدلان من الرفقة الذين أخذ المحاربون منهم مالا بأن ذلك الشيء مما بأيديهم لفلان الطالب له، فإنه يدفع لمن طلبه بشهادة ذينك العدلين وكذا تقبل شهادتهما على المحاربين بقتل، وذكر هذا ليلا يتوهم عدم قبول شهادة الرفقة على من حاربهم. قال المواق من المدونة: تجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدو لا شهدوا بقتل أو مال، ولا تقبل شهادة أحدهم في نفسه وتقبل شهادة بعضهم لبعض. انتهى. وقال الشبراخيتي: وشهادة رجلين من الرفقة على من حاربهم بقتل أو أخذ مال أو غيره إن كانا عدلين إذ لا سبيل إلى غير ذلك فشهد بعضهم لبعض. وانظر لو شهد رجل وامرأتان أو أحدهما مع اليمين هل يثبت المال دون الحد وهو الظاهر أم لا؟ انتهى.
لا لأنفسهما يعني أنه إذا شهد عدلان من الرفقة على المحاربين لأنفسهما بشيء فإنه لا يقبل ذلك، قال الشبراخيتي: لا إن شهد اثنان لأنفسهما فلا تقبل الشهادة، وإذا شهدا لأنفسهما ولغيرهما بطلت الشهادة كلها وسواء، كان ما شهدا به لأنفسهما يسيرا بالنسبة لما شهدا به لغيرهما أم لا، خلافا لما في الشارح وهذا هو المشهور، وكما لا تقبل شهادة الإنسان لنفسه لا تقبل شهادته لولده أي وإن سفل، ولا تقبل شهادة الولد لأبيه كها في غاية الأماني، فلو قال: لا لأصلهما بدل قوله: "لا لأنفسهما" لأفاد منع شهادته لفرعه ولنفسه بالأولى مع أنه أخصر، وكذا لا تقبل شهادته لعبده ولو مكاتبا لأنه من معنى الشهادة لنفسه، وظاهر كلامهم أنه لا تمنع شهادته لزوج أصله وفرعه. وقوله: "لا لأنفسهما" لا حاجة له مع قوله: "أو بشهادة رجلين" إذ ما يصدر منهما لأنفسهما ليس بشهادة وإنما هو دعوى. ذكره ابن مرزوق. انتهى. وقال عبد الباقي: أو بشهادة رجلين عدلين من المرفقة المقاتلين للمحاربين أي يشهد عدلان منهما لغيرهما لا
стр. 9094
لأنفسهما ولو مع غيرهما ولو بقليل لهما وبكثير لغيرهما لأنه غير وصية، ولا لأصلهما ولا لفرعهما على المذهب كما في غاية الأماني ولا بعبد الشاهد مكاتبا أم لا، وأشعر قوله: "رجلين" عدم العمل بشهادة عدل وامرأتين لغيرهما بشيء، ولعله غير مراد إذ يثبت بذلك المال دون الحرابة وكذا الشاهد واليمين، فلعله احترز عن الواحد دون اليمين. انتهى.
وقال التتائي: أو بشهادة رجلين من الرفقة على من حاربهم بقتل أو أخذ مال أو غيره إن كانا عدلين إذ لا سبيل إلى غير ذلك، فيشهد بعضهم لبعض ما لم يشهد الشخص لابنه، قال المنصف: وهذه الشهادة خارجة عن الأصل إذ فيها العداوة. انتهى المراد منه. وقال التتائي أيضا: لا إن شهد الاثنان لأنفسهما فلا تقبل كما في المدونة؛ لأنهما يتهمان، أما لو قالوا كلهم عند الحاكم: قتل منا كذا وكذا رجلا وسلب منا كذا وكذا ثوبا وكذا وكذا حملا وكذا وكذا جارية، والأحمال لفلان والثياب لفلان والجواري لفلان فذلك جائز ويجب به حد الحرابة. قاله مالك وابن القاسم وأشهب. انتهى. وقال التتائي: وعورضت -يعني هذه المسألة يعني قوله: "أو بشهادة رجلين من الرفقة"- بشهادة المحمولين إذ لم يميزوا فيها إلا كعشرين، وفرق ابن سهل بأن شهادة المحمولين ليس فيها حق للَّه تعالى. انتهى. وقوله: "أو بشهادة رجلين" الخ، قال البناني: اشترط في المدونة عدالتهما كما في المواق وغيره، وقول التحفة:
ومن عليه وسم خير قد ظهر … زُكَيَ إلا في ضرورة السفر
يقتضي أن العمل على الاكتفاء بالتوسم، وانظر ما مر في باب الشهادات، وقوله: "لا لأنفسهما" في الجنان إلا أن يكون ما لهم يسيرا فتجوز لهم ولغيرهم ولعله قياس على الوصية. انتهى.
ولو شهد اثنان أنه المشتهر بها ثبتت يعني أنه إذا اشتهر شخص بالحرابة ثم رفع للحاكم فشهد رجلان عدلان بأنه أي هذا الشخص الذي رفع إلى الحاكم هو المشتهر عند الناس بالحرابة، فإنه تثبت حرابته فيجري فيه الإمام حكم الحرابة، وهذا حيث عاين الشاهدان حرابته بأن عايناه يقتل أو يسلب أو يقطع الطريق على الوجه المقرر، بل وإن لم يعايناها أي الحرابة وإنما شهدا بأنه الشخص المشتهر بها عند الناس فقط، وكذا تثبت الحرابة إن شهد عدلان بأن هذا فلان بن
стр. 9095
فلان ولم يَعْرِفَا شُهرته بالحرابة وعرفها الناس، قال الشبراخيتي: ولو شهد اثنان على شخص يعرفانه بعينه أنه فلان المشتهر بها أي بالحرابة ثبتت الحرابة عليه، وإن لم يعايناها أي الحرابة في القتل والسلب وقطع الطريق، ومثل ذلك لو شهد اثنان أنه هو هذا ولم يشهدوا أنه مشتهر بالحرابة ولا عرفوا ذلك فإنه يعمل بشهادتهما. انتهى. ونحوه لعبد الباقي. وقال التتائي: ولو شهد اثنان على شخص يعرفانه بعينه أنه فلان المشتهر بالحرابة أقام عليه الإمام حدها، وإن لم يشهدا عليه بمعاينة القتل والسلب وقطع الطريق. انتهى.
وسقط حدها بإتيان الإمام طائعا يعني أن حد الحرابة يسقط بإتيانه للإمام طائعا بأن يأتيه قبل القدرة عليه وإن لم تظهر توبته، وأما من تاب قبل القدرة عليه فلا يسقط عنه شيء. قاله عبد الباقي. ومفهوم قوله: "حدها" أي الحرابة أن ما تعلق به من حقوق الآدميين من قتل أو مال أو جرح لا يسقط عنه، فإذا قتل من يقتل به قصاصا قتل به، وكذا الجرح ويؤخذ منه المال، فإن قتل من لا يقتل به كما لو قتل الحر المسلم عبدا أو ذميا فإنه يغرم قيمة العبد ودية الذمي. فقوله: "بإتيان الإمام طائعا" أي قبل القدرة عليه لمواء جاء تائبا أم لا. قاله الشبراخيتي. الحطاب: وإذا سقط [حد] (١) الحرابة بالتوبة لم يسقط حق الآدميين من قتل أو جرح أو مال على المعروف. واللَّه أعلم. وقال الشبراخيتي: وسقط حدها أي الحرابة دون ما عليه من حقوق الآدميين من قتل أو جرح أو مال، فإذا قتل من يقتل به قصاصا فإنه يقتص منه، وإذا قتل من لا يقتل به كما لو قتل الحر المسلم عبدا أو كافرا فإنه يغرم قيمة العبد ودية الكافر. انتهى. وقال عبد الباقي: وسقط حدها دون غيرها مما هو للَّه أو لآدمي، كالزنى وقذف وقتل مُكَافِئٍ وقيمة رقيق ومتاع انتهى.
أَوْ تَرْك مَا هُو عليه يعني أن المحارب يسقط عنه حد الحرابة بأحد أمرين، أحدهما أن يأتي الإمام طائعا أي يأتيه قبل الظفر به، ثانيهما أن يترك ما عليه من الحرابة وإن لم يأت الإمام؛ بأن لا يقطع الطريق ولا يأخذ المال على وجه يتعذر معه الغوث إلى غير ذلك من أنواع الحرابة.
стр. 9096
وفي المواق: ابن رشد: قول جل أهل العلم أن توبة المحارب تقبل منه، ومذهب ابن القاسم أن توبته تكون بوجهين، أن يترك ما هو عليه وإن لم يأت الإمام، والثاني أن يتوب ويأتي الإمام طائعا. انتهى. وفي الميسر: وسقط حدها دون غيره من حقوق اللَّه كالزنى وشرب وحق غيره بالتوبة، وتكون توبته بإتيان الإمام طائعا ملقيا سلاحه قبل القدرة عليه، وأما توبته بعدها فلا تسقط شيئا أو ترك ما هو عليه من الحرابة وإن لم يأت الإمام عند ابن القاسم، وقيل: لا تتم إن لم يأته، وأما فراره فلا يدل على توبته، فإن فر في القتال اتبع إن كان قتل أحدا وإلا فلا. قاله ابن القاسم. وعن سحنون: يتبعون ولو بلغوا برك الغماد ويقتلون مقبلين ومدبرين، وأما جريحهم فيجهز عليه إن لم تحقق هزيمتهم وخيفت كرتهم، وإلا فهو أسير يحكم فيه الإمام ولا يجوز تأمين المحارب، بخلاف المشرك لأنه يقر على حاله وبيده أموال الناس ولا يجوز تأمين الأول على ذلك. قاله عبد الملك. وقال محمد: إذا امتنع حتى أُعْطِيَ الأمان فقيل يتم له ذلك، وقال أصبغ: ليس له ذلك لأنه حق للَّه تعالى لا يزول إلا بالتوبة قبل أخذه. هذا كله في التوضيح. وباللَّه التوفيق. انتهى. وقال الشبراخيتي: واسْتُشْكِلَ التفريق بين حد السرقة وحد الحرابة بأن الأول لا يسقط بتوبة وعدالة، والثاني يسقط بالتوبة، والْجَوَابُ أن اللَّه تعالى قال في الثاني: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾، ولم يقل ذلك في حق السارق. انظر ابن غازي. انتهى.
ولما أنهى الكلام على السرقة أتبعه بالكلام على الشرب، فقال:
стр. 9097
باب: ذكر فيه الشرب
وأشياء توجب الضمان ودفع الصائل وغير ذلك، قال النخعي: كانت الخمر أول الإسلام حلالا كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾، ثم حرمت في وقت دون وقت آخر كما يدل له قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، ثم حرمت في كل وقت، لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. انتهى. نقله الشبراخيتي. وقال البناني: قال المازري في العلم ونحوه لعياض: أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر. انتهى. ابن عرفة: الشرب الموجب للحد: شرب مسلم مكلف ما يسكر كثيره مختارا لا لضرورة ولا عذر، فلا حد على مكره ولا ذي غصة وإن حرمت ولا غالط. انتهى. وقوله: وإن حرمت، فيه خلاف يأتي إن شاء اللَّه تعالى. وقال الرهوني: ابن عرفة: روى النسائي بسنده عن سعيد عن النبي ﷺ ، قال: (أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره) (١). رواه الشيخ تقي الدين. ولم يتعقبه، وقال ورد: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) (٢) من حديث جماعة منهم جابر وعائشة وأخرجهما أبو داوودت وفي الأول داوود بن بكر بن الفرات، وقال أبو حاتم: ليس بالبين؛ وأخرج الثاني ابن حبان في صحيحه من حديث أبي عثمان، وزعم ابن القطان أنه لا يعرف حاله. انتهى. قلت في الجامع الصغير: (كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف مه حرام) (٣). أبو داوود والترمذي عن عائشة بإسناد صحيح. انتهى.
بشرب المسلم المكلف ما يسكر جنسه قوله: "بشرب" خبر مقدم، والمبتدأ: "ثمانون" الآتية. قاله الشبراخيتي. وقال الخرشي: قوله: "بشرب" متعلق بمحذوف تقديره: يجب "وثمانون" فاعله، أو مبتدأ وخبره: "بشرب" يعني أن الحر المسلم الكلف إذا شرب ما يسكر جنسه وإن لم يسكر الشارب بالفعل يجب أن يجلد ثمانين جلدة؛ والشرب مختص بالمائعات. واحترز بذلك من اليابسات التي تؤثر في العقل فليس فيها إلا الأدب، كما أنه لا يحرم منها إلا القدر الذي يؤثر في
стр. 9098
العقل لا ما قل، كما أنها طاهرة قليلها وكثيرها، بخلاف الخمر في جميع ذلك. انتهى. قاله البناني. واحترز بالمسلم من الكافر فإنه لا يحد حربيا أو غيره، واحترز بالمكلف من الصبي والمجنون فإنه لا حد عليهما، وأسند الفعل إلى الجنس إشارة إلى عدم اشتراط السكر بالفعل، بل الشرط أن يكون جنسه يسكر، فلو شرب قليلا منه حد لأن جنسه مسكر، وقد بالغ على الحد بقوله: وإن قل، وهذا يشمل ما إذا شرب لبنا مسكرا لأن جنسه وهو الحامض مسكر، ولا يقال جنسه اللبن من حيث هو وهو غير مسكر، واحترز بقوله: "ما يسكر جنسه" عما إذا شرب ما لا يسكر جنسه فإنه لا حد عليه، ولو اعتقد أنه مسكر، فإذا شرب شيئا يعتقد أنه خمر فتبين أنه غير خمر فلا حد عليه ولكن عليه إثم الجرءة.
وقوله: "بشرب" الباء سببية أي يجب ثمانون جلدة على الشخص بسبب وصول من فم لحلق الشخص الحر المسلم المكلف ذكرا أو أنثى، وإن رُدَّ قبل وصول جوفه لا من أنف أو أذن أو عين قال عبد الباقي: وإن وصل للجوف فيما يظهر ولا من حقنة لدرء الحد بالشبهة والفطر بهذه الأمور في الصوم للاحتياط في العبادة، وقد مر أن الكافر لا يحد بشربه المسكر حربيا أو غيره، ومر في الجهاد أنه يعزر لظهور السكر ويؤدب الصبي للزجر. وقوله: "ما يسكر" "ما" مفعول شرب؛ وفي الشبراخيتي: والمراد بالشرب وصوله لحلقه إذا كان من الفم ولو رده قبل وصول جوفه، وأما ما وصل من غير الفم كالأنف والأذن والحقنة للجوف لا حد فيه كما يفيده النقل.
طوعا العامل فيه "شرب"؛ وهو إما حال أو مفعول مطلق؛ يعني أن الشارب المذكور إنما يحد إذا شرب ما يسكر جنسه طائعا، وأما إن شربه مكرها فإنه لا حد عليه. قال الشبراخيتي: متعلق "بشرب"، وخرج به المكره فلا يحد وهو مستغنى عنه بقوله: "المكلف" إذ المكره ليس بمكلف. انتهى. وقال البناني: قال في المدونة: ما أسكر كثيره من الأشربة فقليله حرام. انتهى. وخرج أبو داوود عن عائشة ﵂، قالت: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: (كل مسكر حرام وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام). اللخمي: وقال أنس: حرمت الخمر وما نجد خمر الاعناب إلا قليلا وعامة خمرنا البسر والتمر، وفي البخاري: (أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب على المنبر، فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب
стр. 9099
والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خمر العقل) (١) يريد أنه ليس مقصورا على هذه الخمسة التي كانت وأن العلة الشدة وما خامر العقل. انظر أبا الحسن. انتهى.
بلا عذر يعني أنه إنما يحد إذا شرب الخمر طائعا بلا عذر، واحترز بذلك عما إذا شربه لإساغة غصة، فإن شربه للغصة جائز خلافا لابن عرفة في قوله إن الإساغة بها حرام ومثله لابن الحاجب وابن شأس؛ قال ابن الحاجب: ولا حد على مكره ولا مضطر إلى الإساغة وإن قلنا إنه حرام. وبلا ضَرُورَةٍ يعني أنه إنما يحد إذا شرب الخمر بغير ضرورة، وأما إن شربه لضرورة فإنه لا حد عليه بأن شربها لخوف موت من جوع أو عطش، وقد تقرر للمصنف في باب المباح أن شربه لإساغة الغصة غير حرام، وأن شربه لدفع عطش أو جوع يخاف منه الموت غير جائز، كما أشار له هناك بقوله: وللضرورة ما يسد غير آدمي وخمر إلا لغصة، قال ابن القاسم: من اضطر إلى شربها لا يشرب بها ولا يزيده الخمر إلا شرا. انتهى. ومن العذر ما إذا شرب الخمر غلطا فلا حد عليه. كما قال: وبلا ظنه غيرا يعني أنه إنما يحد إذا لم يظن الخمر غيرها وأما إذا ظن الخمر غيرها، فشربها فإنه لا حد عليه، كما لو وطئ أجنبية يظنها زوجته أو أمته، فإذا ظن الخمر لبنا أو عسلا مثلا فشربها ثم ظهر أن ذلك مسكر فلا حد عليه.
قال عبد الباقي: وصدق إن كان مأمونا لا يتهم، والظاهر كراهة إقدامه على شربه مع ظنه غيرا، وأما مع شكه غيرا فيحرم والظاهر أنه لا يحد لدرئه بشبهة الشك. انتهى. وقال الشبراخيتي: "وبلا ظنه غيرا" أخرج به الغالط. انتهى. وقوله: "بلا عذر" يغني عن القيد قبله وعن القيدين يعده، وأما طوعا فلا يغني عن القيود بعده لكن يغني عَنْهُ المكلف لإخراجه المكره. قاله البناني.
وإن قل مبالغة في وجوب الحد يعني أن شارب المسكر يحد وإن قل ما شرب منه وإن لم يسكره لقلته؛ للحديث النتمهور: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) (٢)، ويشمل ذلك ما إذا غمس ابرة في الخمر ووضعها على لسانه وابتلع ريقه فيحد على ما للحطاب على الرسالة عن الفاكهاني في شرح
стр. 9100
العمدة، ولكن لم يقل: وابتلع ريقه، وإنما زاده على الأجهوري غير معزو، قال عبد الباقي: ومثل نقل الحطاب عن الفاكهاني لا يُرَدُّ عليه بظاهر المنصف أنه لا يشمل غمس الإبرة فيه وأنه من التعمق في الدين. انتهى المراد منه. وفي المواق: ولا حد أيضا على من شرب مباحا ظانا أنه خمر لكن تسقط عدالته. قاله عز الدين. انتهى. وقوله: "وإن قل"، راجع إلى قوله: "ما يسكر"، قال التتائي: "وإن قل"، متعلق بقوله: "ما يسكر" أي إذا أسكر جنسه حد بشرب ما قل منه.
ولا يشترط ظهور السكر منه ولا علمه بوجوب الحد فيه، ولهذا قال: أو جهل وجوب الحد مع علمه بالحرمة أو الحرمة يعني أنه لا يسقط الحد عن شارب الخمر بسبب جهله لحرمة الخمر لأجل قرب عهد منه بالإسلام، أو لكونه بدويا لم يقرأ الكتاب ولم يعلمه ويجهل مثل ذلك فلا يرفع عنه الحد بذلك، قال ملك: لأن الإسلام فشا ولا أحد يجهل شيئا من الحدود، وخالف ابن وهب، وأما لو علم بالتحريم وجهل وجوب الحد لَحُدَّ اتفاقا. قاله التتائي. وقال المواق: قال ابن شأس: أما لو علم التحريم وجهل وجوب الحد لحد قولا واحدا، وقال ابن المواز: من شربه ممن لا يعلم تحريمه كالأعجمي الذي دخل دار الإسلام فلا عذر لأحد بهذا في سقوط الحد. انتهى.
تنبيه: قال الحطاب: قال في المسائل الملقوطة: قال مطرف: وكان مالك يرى إذا أخذ السكران في الأسواق والجماعات قد سكر وتسلط بسكره وآذى الناس أو روعهم بسيف شهره أو حجارة رماها وإن لم يضرب أحدا أن تعظم عقوبته بضرب حد السكران ثم يضرب الخمسين وأكثر على قدر جرمه؛ وقد حكى مطرف عن مالك في الواضحة أنه يضرب الخمسين ومائة ومائتين ونحو ذلك، ويكون الحد منهما وفيهما. انتهى. وقوله: "أو جهل" عطف على "قل" فهو داخل في حيز المبالغة.
ولو حنفيا بشرب النبيذ يعني أن من شرب النبيذ المسكر أي نبيذ غير العنب يحد ولو كان الشارب له حنفيا يرى جواز ما لا يسكر منه فيحد إذا رفع لمالكي، وأما ما يغيب العقل منه فحرام عند الحنفي ويحد عنده، وأما الخمر فحرام عنده أيضا وإن لم يسكر.
стр. 9101
والحاصل أن الخمر حرام عنده ما أسكر منها وما لم يسكر كمذهبنا فيها، وأما النبيذ المسكر فحرام عندنا ما أسكر منه وما لم يسكر ويحد عندنا في الوجهين، وعند الحنفي: يجوز منه ما لا يسكر ويحرم ما يسكر فيحد عنده فيما يسكر دون ما لم يسكر. قال الشبراخيتي: ولو حنفيا بشرب النبيذ أتي نبيذ غير العنب الذي دخلته الشدة المطربة فإن قليله وكثيره عندنا حرام وفيه الحد، وعند الحنفي إنما يحرم منه القدر المسكر فقط كما لو كان، إنما يسكر بعد قدحين أو يسكر بأربعه أو يسكر بثلاثة فالمحرم القدح الأخير فقط وما قبله جائز، فالمحرم في الأول قدح واحد، فإن شرب واحدا فقط فلا حد ولا حرمة وهكذا في الثلاثة والأربعة وعندنا يحد بالواحد وغيره قليلا أو كثيرا ويحرم، وأما نبيذ العنب فالحد والحرمة باتفاق منا ومنه. انتهى.
وصحح نفيه يعني أنه صحح القول بنفي الحد عن الحنفي الشارب لنبيذ غير العنب حيث لم يشرب منه القدر المسكر، والقول بنفي الحد للباجي في المنتقى، فإنه قال: الصواب لا حد عليه حتى يسكر وصححه غير واحد من المتأخرين، وقال عبد الباقي: ولو حنفيا بشرب النبيذ وهو ما اتخذ من زبيب ولم يسكر لجوازه عنده فيحد إذا رفع لمالكي، وأما ما يغيب منه فيحرم ويحد عندد أيضا، وأما الخمر فحرام عنده أيضا وإن لم يسكر، وإنما حد عندنا بالنبيذ لضعف مدرك حله وإذا حد لم تقبل شهادته على المشهور، وإن تاب قبلت في غيره كما تقدم في قوله: "أو من حد فيما حد فيه"، وقيل: لا يحد وتقبل شهادته، وإليه أشار بقوله: "وصحح نفيه"أي الحد. انتهى.
وقال الرهوني: رد المنصف بلو قول الباجي في المنتقى: الصواب أنه لا حد عليه إلا أن يسكر كما في التوضيح؛ ونص المنتقى: ومن تأول في المسكر من غير الخمر أنه حلال فلا عذر له في ذلك وعليه الحد. رواه ابن المواز عن مالك وأصحابه. ولعل هذا إنما هو فيمن ليس من أهل الاجتهاد، وأما من كان لمن أهل الاجتهاد والعلم فالصواب أن لا حد عليه إلا أن يسكر منه، وقد جالس مالك سفيان الثوري وغيره من الأئمة ممن كان يرى النبيذ مباحا فما أقام على أحد منهم حدا ولا دعا إليه مع إقراره بشربه وتظاهرهم ومناظرتهم فيه، وقد روي عن مالك أنه قال: ما ورد علينا مشرقي مثل سفيان الثوري؛ أما إنه آخر ما فارقني على أن لا يشرب النبيذ وهذا يقتضي أنه لم
стр. 9102
يفارقه قبل ذلك علي هذا لكن لما تكررت مناظرته له فيه وتبين له وجه الصواب فيما قاله مالك اعتقد أنه لا يعاود شربه. انتهى. ونقل في التوضيح بعضه عند قول ابن الحاجب: والصحيح أنه لا حد على المجتهد يرى حلية النبيذ ومقلده، وزاد ما نصه: وصحح هذا القول غير واحد من المتأخرين؛ لأنا إذا قلنا كل مجتهد مصيب فواضح وإن كان المصيب واحدا فلا أقل أن يكون ذلك شبهة؛ وأُورِدَ على قول مالك بحده أنه قد نفى الحد عن المتزوج بلا ولي، وَأُجِيبَ بأن مفسدة النكاح يمكن تلافيها بالإصلاح ورده إلى العقد الصحيح كغير هذه الصورة من النكاح الفاسد، ولا يحكن ذلك في الأشربة فلا بد من الزجر عنها وهو الحد وفيه نظر. انتهى.
قُلْتُ: إنما فرق الإمام وأصحابه بين النكاح بغير ولي وبين شرب النبيذ، لضعف قول أبي حنيفة جدا في الثاني بخلاف الأول، وقد وقع للباجي نفسه ما يشهد لما قلناه ويفيد أن ما صوبه غير صواب: وأن الحق ما قاله مالك وأصحابه، فإنه قال بعد ما قدمناه عنه بيسير عند قول الموطإ: قال مالك: السنة عندنا أن كل من شرب شرابا مسكرا فسكر أو لم يسكر فقد وجب عليه الحد. انتهى. ما نصه: وهذا كما قال إن من شرب مسكرا أي نوع كان من الأنواع المسكرة من عنب كانت أو من غير عنب مطبوخا، كان أو غير مطبوخ قليلا شرب منه أو كثيرا: فقد وجب عليه الحد، سكر أو لم يسكر. هذا مذهب أهل المدينة، مالك وغيره. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ما خرج من النخل والكرم فقليله وكثيرد حرام ما لم يطبخ، وطبخه أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وما عدا ما يخرج من النخل والكرم فهو حلال من غير طبخ إلا أن المسكر منه حرام، وهذه المسألة قد كاد أصحاب أبي حنيفة يجحدونها ولا يرون المناظرة فيها، ويقولون: إن السائل عنها إنما يذهب إلى التشنيع والتوبيخ، وذلك أنه لطول الأمد ووصول الأدلة إليهم وتكررها عليهم تبين لهم ما فيها، إلا أنهم مع ذلك يدونونها في كتبهم بألفاظ ليس فيها ذلك التصريح، ويتأولونها على أوجه تخفف أمرها عندهم، ولنا في هذه المسألة طريقان: أحدهما إثبات اسم الخمر لكل مسكر، والثاني تحريم كل شراب مسكر، فأما الأول فإن مذهب مالك والشافعي أن اسم الخمر يقع على كل مسكر شراب من عنب كان أو من غيره.
стр. 9103
وقال أبو حنيفة: إنما الخمر اسم المسكر من عصير العنب ما لم يطبخ الطبخ المذكور، والدليل على ما نقوله ما روي عن ابن عمر أنه قال: (خطب عمر على منبر رسول اللَّه ﷺ ، فقال: نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل) (١). ووجه الدليل من هذا الخبر أن عمر بن الخطاب، قال: إن الخمر يكون من هذه الأشياء الخمسة، وعمر بن الخطاب من أهل اللسان، فلو انفرد بهذا القول لاحتج بقوله كيف وقد خطب بذلك بحضرة قريش والعرب؛ فلم ينكر ذلك عليه فثبت أنه إجماع، ووجه آخر وهو أنه قال: والخمر ما خامر العقل وكل ما خامر العقل فإنه يسمى الخمر وأنها بذلك تسمى خمرا، والدليل أن كل مسكر حرام، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فلنا من الآية أدلة فبينها وأنهاها إلى خمسة، وقال متصلا بذلك ما نصه: ودليلنا من السنة ما رواه أبو داوود عن أبي الفرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام) (٢) ودليلنا من جهة القياس أن هذا شراب فيه شدة مطربة، فوجب أن يكون قليله حراما أصله عصير العنب. واللَّه أعلم. انتهى. فانظر كيف جعل قول أبي حنيفة مخالفا للكتاب والسنة والإجماع والقياس؟ وانظر ما قاله عن أصحاب أبي حنيفة وما وَجَّهَ به ما حكاه عنهم يتبين لك صحة ما قلناه.
وقال أيضا في المنتقى عند قول الموطإ: عن عائشة ﵂: سئل رسول اللَّه ﷺ عن البتع، فقال: (كل شراب أسكر حرام). انتهى. ما نصه: فسألوه عن البتع وهو شراب العسل وذلك لما نزل تحريم الخمر وعلموا تحريمها بنص الكتاب، فسألوه عما يقع عليه هذا الاسم ليعلموا أن الذي ورد من ذلك محمول على عمومه أو مخصوص ببعض يتناوله اللفظ، فَإن قِيلَ: لو كان اسم الخمر يقع على البتع وغيره من الأشربة لما سألت العرب، إذ سمعت تحريم
стр. 9104
الخمر عن البتع لأن البتع هو الخمر؟ فالجواب عنه من وجهين: أَحَدُهُمَا أنه يسأل عن ذلك من لم يبلغه تحريم الخمر وإن بلغه تحريم النبيذ أو بلغه تحريم الخمر باسم خاص، مثل أن يبلغه تحريم خمر العنب أو تحريم خمر التمر، وَالْوَجَهُ الثَّانِي أن يكون نوع من الخمر غالبا على بلد من البلاد فيكون خمر التمر غالبا على بلد ما، وخمر العنب غالبا على بلد آخر، وخمر الذرة أغلب في بلد آخر فيكون لفظ الخمر إذا أطلق في ذلك البلد كان أظهر فيما هو الأغلب عندهم لكثرته وكثرة استعمال هذا الاسم فيه دون غيره مما هو معدوم عندهم، فيسأل أهل كل بلد عن غير ما هو الأغلب عندهم؟ لتجويز أن يكون الحكم مقصورا على ما هو الأغلب عندهم، ثم ذكر وجهين آخرين، ثم قال: وقد روي عن أبي موسى أنه سأل عن ذلك، فقال: (بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول اللَّه إن بها أشربة يقال لها البتع والمزر، قال: وما البتع؟ قلت: شراب يكون م العسل والمزر يكون من الشعير، فقال: كل مسكر حرام). وقوله ﷺ : (كل شراب أسكر حرام)، وقد سئل عن البتع دليل على أنه أجاب عن جنس الشراب لا مقدار ما حرم منه، ثم قال: فلما كان السؤال عن البتع يقتضي أن السؤال عن جميعه ثبت أنه سؤال عن جنسه وجوابه ﷺ : (كل شراب أسكر حرام) يقتضي الجواب عن أجناس الشراب ليكون مقابلا للسؤال؛ ولأنه ﷺ علق الحكم على الجنس، فقال: (كل شراب أسكر حرام) فكان ذلك جوابا عنه وعن غيره، ولو أراد الإخبار عن أبعاضه وأن بعض مقاديره حرام وبعضها حلال لقال: كل مقدار أسكر حرام، أو لقال: كل ما أسكر منه فهو حرام، واستغنى عن إعادة لفظ الشراب لأنه لا خلاف أن اسم الشراب واقع على الجنس دون بعض مقاديره، فإذا علق الحكم بالجنس ولم يعلقه بالقدر كان الظاهر أنه أراد به الجنس دون القدر. واللَّه أعلم. انتهى. فأنت تراد سلم أن حديث عائشة هذا حجة على أبي حنيفة، وإذا سلم ذلك فهي حجة قوية قاطعة للنزاع لأن هذا الحديث متفق على صحته، ورد معناه عن النبي ﷺ من طُرُق صحاح، ففي الجامع الصغير: (كل مسكر حرام) (١).
стр. 9105
الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر والإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة وابن ماجه عن ابن مسعود؛ (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام). الإمام أحمد ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر. انتهى. قال المنوي عقب الحديث الأول ما نصه: قال المؤلف وهو متواتر، وقال عقب قوله في الحديث الثاني: كل مسكر خمر ما نصه: أي مخامر للعقل ومغطيه؛ يعني الخمر اسم لكل ما يوجد فيه الإسكار، وللشرع أن يحدث الأسماء بعد أن لم تكن، كما له وضع الأحكام كذلك أو أنه كالخمر في الحرمة وفيه رد على أبي حنيفة في قوله: الخمر ماء عنب أسكر فغيره حلال طاهر. انتهى.
ويأتي أيضا رد الباجي على أبي حنيفة فيما طبخ من العصير حتى ذهب ثلثاه الذي هو مساو عنده للنبيذ وما في معناه بأنه مخالف إجماع الصحابة ﵃، ومن تأمل ذلك كله وأنصف تبين له صحة ما قلناه وعلم صحة قول الزرقاني، وإنما حد عندنا بالنبيذ لضعف مدرك حله، وقول الزرقاني: وأما الخمر فحرام عنده وإن لم يسكر ظاهره ولو طبخ حتى ذهب ثلثاه وليس كذلك، بل هذا حكمه عنده حكم النبيذ كما مر، ويأتي كلام الباجي.
وحاصل مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ أن ما يسكر من عصير العنب والنخل ولم يطبخ أو طبخ فلم يذهب منه ثلثاه فهو خمر يحرم قليله وكثيره، ويحد شاربه مطلقا قليلا كان أو كثيرا أسكر أم لا، وما كان من غير عصير العنب والنخل أو منهما وطبخ حتى ذهب ثلثاه وهو يسكر فالقليل منه الذي لا يسكر حلال فلا حد على من شربه وما يسكر حرام ويحد شاربه، حتى إنه نقل عنه أنه قال: إذا شرب منه تسعة أجزاء ولا يسكر ويسكر إذا أتم العشرة فالعاشر هو المحرم هذا لفظ الشيخ يوسف بن عمر عنه في شرح الرسالة، وقد نقل هذا في مسنده عن إبراهيم أراه النخعي حسبما نقله عنه بعض خواص الأحبة من السادات الأشراف من أعيان علماء العصر مما ناولنيه بخط يده وشافهني بأنه نقله من كتاب أبي حنيفة المسمى بمسند أبي حنيفة، ولفظه: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال في الرجل يشرب النبيذ حتى يسكر منه، قال: القدح الأخير الذي سكر منه هو الحرام. من خطه.