والحاصل أن الخمر حرام عنده ما أسكر منها وما لم يسكر كمذهبنا فيها، وأما النبيذ المسكر فحرام عندنا ما أسكر منه وما لم يسكر ويحد عندنا في الوجهين، وعند الحنفي: يجوز منه ما لا يسكر ويحرم ما يسكر فيحد عنده فيما يسكر دون ما لم يسكر. قال الشبراخيتي: ولو حنفيا بشرب النبيذ أتي نبيذ غير العنب الذي دخلته الشدة المطربة فإن قليله وكثيره عندنا حرام وفيه الحد، وعند الحنفي إنما يحرم منه القدر المسكر فقط كما لو كان، إنما يسكر بعد قدحين أو يسكر بأربعه أو يسكر بثلاثة فالمحرم القدح الأخير فقط وما قبله جائز، فالمحرم في الأول قدح واحد، فإن شرب واحدا فقط فلا حد ولا حرمة وهكذا في الثلاثة والأربعة وعندنا يحد بالواحد وغيره قليلا أو كثيرا ويحرم، وأما نبيذ العنب فالحد والحرمة باتفاق منا ومنه. انتهى.
وصحح نفيه يعني أنه صحح القول بنفي الحد عن الحنفي الشارب لنبيذ غير العنب حيث لم يشرب منه القدر المسكر، والقول بنفي الحد للباجي في المنتقى، فإنه قال: الصواب لا حد عليه حتى يسكر وصححه غير واحد من المتأخرين، وقال عبد الباقي: ولو حنفيا بشرب النبيذ وهو ما اتخذ من زبيب ولم يسكر لجوازه عنده فيحد إذا رفع لمالكي، وأما ما يغيب منه فيحرم ويحد عندد أيضا، وأما الخمر فحرام عنده أيضا وإن لم يسكر، وإنما حد عندنا بالنبيذ لضعف مدرك حله وإذا حد لم تقبل شهادته على المشهور، وإن تاب قبلت في غيره كما تقدم في قوله: "أو من حد فيما حد فيه"، وقيل: لا يحد وتقبل شهادته، وإليه أشار بقوله: "وصحح نفيه"أي الحد. انتهى.
وقال الرهوني: رد المنصف بلو قول الباجي في المنتقى: الصواب أنه لا حد عليه إلا أن يسكر كما في التوضيح؛ ونص المنتقى: ومن تأول في المسكر من غير الخمر أنه حلال فلا عذر له في ذلك وعليه الحد. رواه ابن المواز عن مالك وأصحابه. ولعل هذا إنما هو فيمن ليس من أهل الاجتهاد، وأما من كان لمن أهل الاجتهاد والعلم فالصواب أن لا حد عليه إلا أن يسكر منه، وقد جالس مالك سفيان الثوري وغيره من الأئمة ممن كان يرى النبيذ مباحا فما أقام على أحد منهم حدا ولا دعا إليه مع إقراره بشربه وتظاهرهم ومناظرتهم فيه، وقد روي عن مالك أنه قال: ما ورد علينا مشرقي مثل سفيان الثوري؛ أما إنه آخر ما فارقني على أن لا يشرب النبيذ وهذا يقتضي أنه لم
стр. 9102
يفارقه قبل ذلك علي هذا لكن لما تكررت مناظرته له فيه وتبين له وجه الصواب فيما قاله مالك اعتقد أنه لا يعاود شربه. انتهى. ونقل في التوضيح بعضه عند قول ابن الحاجب: والصحيح أنه لا حد على المجتهد يرى حلية النبيذ ومقلده، وزاد ما نصه: وصحح هذا القول غير واحد من المتأخرين؛ لأنا إذا قلنا كل مجتهد مصيب فواضح وإن كان المصيب واحدا فلا أقل أن يكون ذلك شبهة؛ وأُورِدَ على قول مالك بحده أنه قد نفى الحد عن المتزوج بلا ولي، وَأُجِيبَ بأن مفسدة النكاح يمكن تلافيها بالإصلاح ورده إلى العقد الصحيح كغير هذه الصورة من النكاح الفاسد، ولا يحكن ذلك في الأشربة فلا بد من الزجر عنها وهو الحد وفيه نظر. انتهى.
قُلْتُ: إنما فرق الإمام وأصحابه بين النكاح بغير ولي وبين شرب النبيذ، لضعف قول أبي حنيفة جدا في الثاني بخلاف الأول، وقد وقع للباجي نفسه ما يشهد لما قلناه ويفيد أن ما صوبه غير صواب: وأن الحق ما قاله مالك وأصحابه، فإنه قال بعد ما قدمناه عنه بيسير عند قول الموطإ: قال مالك: السنة عندنا أن كل من شرب شرابا مسكرا فسكر أو لم يسكر فقد وجب عليه الحد. انتهى. ما نصه: وهذا كما قال إن من شرب مسكرا أي نوع كان من الأنواع المسكرة من عنب كانت أو من غير عنب مطبوخا، كان أو غير مطبوخ قليلا شرب منه أو كثيرا: فقد وجب عليه الحد، سكر أو لم يسكر. هذا مذهب أهل المدينة، مالك وغيره. وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة: ما خرج من النخل والكرم فقليله وكثيرد حرام ما لم يطبخ، وطبخه أن يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه، وما عدا ما يخرج من النخل والكرم فهو حلال من غير طبخ إلا أن المسكر منه حرام، وهذه المسألة قد كاد أصحاب أبي حنيفة يجحدونها ولا يرون المناظرة فيها، ويقولون: إن السائل عنها إنما يذهب إلى التشنيع والتوبيخ، وذلك أنه لطول الأمد ووصول الأدلة إليهم وتكررها عليهم تبين لهم ما فيها، إلا أنهم مع ذلك يدونونها في كتبهم بألفاظ ليس فيها ذلك التصريح، ويتأولونها على أوجه تخفف أمرها عندهم، ولنا في هذه المسألة طريقان: أحدهما إثبات اسم الخمر لكل مسكر، والثاني تحريم كل شراب مسكر، فأما الأول فإن مذهب مالك والشافعي أن اسم الخمر يقع على كل مسكر شراب من عنب كان أو من غيره.
стр. 9103
وقال أبو حنيفة: إنما الخمر اسم المسكر من عصير العنب ما لم يطبخ الطبخ المذكور، والدليل على ما نقوله ما روي عن ابن عمر أنه قال: (خطب عمر على منبر رسول اللَّه ﷺ ، فقال: نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء: العنب والتمر والحنطة والشعير والعسل، والخمر ما خامر العقل) (١). ووجه الدليل من هذا الخبر أن عمر بن الخطاب، قال: إن الخمر يكون من هذه الأشياء الخمسة، وعمر بن الخطاب من أهل اللسان، فلو انفرد بهذا القول لاحتج بقوله كيف وقد خطب بذلك بحضرة قريش والعرب؛ فلم ينكر ذلك عليه فثبت أنه إجماع، ووجه آخر وهو أنه قال: والخمر ما خامر العقل وكل ما خامر العقل فإنه يسمى الخمر وأنها بذلك تسمى خمرا، والدليل أن كل مسكر حرام، قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فلنا من الآية أدلة فبينها وأنهاها إلى خمسة، وقال متصلا بذلك ما نصه: ودليلنا من السنة ما رواه أبو داوود عن أبي الفرات عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه، قال: قال رسول اللَّه ﷺ : (ما أسكر كثيره فقليله حرام) (٢) ودليلنا من جهة القياس أن هذا شراب فيه شدة مطربة، فوجب أن يكون قليله حراما أصله عصير العنب. واللَّه أعلم. انتهى. فانظر كيف جعل قول أبي حنيفة مخالفا للكتاب والسنة والإجماع والقياس؟ وانظر ما قاله عن أصحاب أبي حنيفة وما وَجَّهَ به ما حكاه عنهم يتبين لك صحة ما قلناه.
وقال أيضا في المنتقى عند قول الموطإ: عن عائشة ﵂: سئل رسول اللَّه ﷺ عن البتع، فقال: (كل شراب أسكر حرام). انتهى. ما نصه: فسألوه عن البتع وهو شراب العسل وذلك لما نزل تحريم الخمر وعلموا تحريمها بنص الكتاب، فسألوه عما يقع عليه هذا الاسم ليعلموا أن الذي ورد من ذلك محمول على عمومه أو مخصوص ببعض يتناوله اللفظ، فَإن قِيلَ: لو كان اسم الخمر يقع على البتع وغيره من الأشربة لما سألت العرب، إذ سمعت تحريم
стр. 9104
الخمر عن البتع لأن البتع هو الخمر؟ فالجواب عنه من وجهين: أَحَدُهُمَا أنه يسأل عن ذلك من لم يبلغه تحريم الخمر وإن بلغه تحريم النبيذ أو بلغه تحريم الخمر باسم خاص، مثل أن يبلغه تحريم خمر العنب أو تحريم خمر التمر، وَالْوَجَهُ الثَّانِي أن يكون نوع من الخمر غالبا على بلد من البلاد فيكون خمر التمر غالبا على بلد ما، وخمر العنب غالبا على بلد آخر، وخمر الذرة أغلب في بلد آخر فيكون لفظ الخمر إذا أطلق في ذلك البلد كان أظهر فيما هو الأغلب عندهم لكثرته وكثرة استعمال هذا الاسم فيه دون غيره مما هو معدوم عندهم، فيسأل أهل كل بلد عن غير ما هو الأغلب عندهم؟ لتجويز أن يكون الحكم مقصورا على ما هو الأغلب عندهم، ثم ذكر وجهين آخرين، ثم قال: وقد روي عن أبي موسى أنه سأل عن ذلك، فقال: (بعثني رسول اللَّه ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول اللَّه إن بها أشربة يقال لها البتع والمزر، قال: وما البتع؟ قلت: شراب يكون م العسل والمزر يكون من الشعير، فقال: كل مسكر حرام). وقوله ﷺ : (كل شراب أسكر حرام)، وقد سئل عن البتع دليل على أنه أجاب عن جنس الشراب لا مقدار ما حرم منه، ثم قال: فلما كان السؤال عن البتع يقتضي أن السؤال عن جميعه ثبت أنه سؤال عن جنسه وجوابه ﷺ : (كل شراب أسكر حرام) يقتضي الجواب عن أجناس الشراب ليكون مقابلا للسؤال؛ ولأنه ﷺ علق الحكم على الجنس، فقال: (كل شراب أسكر حرام) فكان ذلك جوابا عنه وعن غيره، ولو أراد الإخبار عن أبعاضه وأن بعض مقاديره حرام وبعضها حلال لقال: كل مقدار أسكر حرام، أو لقال: كل ما أسكر منه فهو حرام، واستغنى عن إعادة لفظ الشراب لأنه لا خلاف أن اسم الشراب واقع على الجنس دون بعض مقاديره، فإذا علق الحكم بالجنس ولم يعلقه بالقدر كان الظاهر أنه أراد به الجنس دون القدر. واللَّه أعلم. انتهى. فأنت تراد سلم أن حديث عائشة هذا حجة على أبي حنيفة، وإذا سلم ذلك فهي حجة قوية قاطعة للنزاع لأن هذا الحديث متفق على صحته، ورد معناه عن النبي ﷺ من طُرُق صحاح، ففي الجامع الصغير: (كل مسكر حرام) (١).
стр. 9105
الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبو داوود والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر والإمام أحمد والنسائي وابن ماجه عن أبي هريرة وابن ماجه عن ابن مسعود؛ (كل مسكر خمر وكل مسكر حرام). الإمام أحمد ومسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه عن ابن عمر. انتهى. قال المنوي عقب الحديث الأول ما نصه: قال المؤلف وهو متواتر، وقال عقب قوله في الحديث الثاني: كل مسكر خمر ما نصه: أي مخامر للعقل ومغطيه؛ يعني الخمر اسم لكل ما يوجد فيه الإسكار، وللشرع أن يحدث الأسماء بعد أن لم تكن، كما له وضع الأحكام كذلك أو أنه كالخمر في الحرمة وفيه رد على أبي حنيفة في قوله: الخمر ماء عنب أسكر فغيره حلال طاهر. انتهى.
ويأتي أيضا رد الباجي على أبي حنيفة فيما طبخ من العصير حتى ذهب ثلثاه الذي هو مساو عنده للنبيذ وما في معناه بأنه مخالف إجماع الصحابة ﵃، ومن تأمل ذلك كله وأنصف تبين له صحة ما قلناه وعلم صحة قول الزرقاني، وإنما حد عندنا بالنبيذ لضعف مدرك حله، وقول الزرقاني: وأما الخمر فحرام عنده وإن لم يسكر ظاهره ولو طبخ حتى ذهب ثلثاه وليس كذلك، بل هذا حكمه عنده حكم النبيذ كما مر، ويأتي كلام الباجي.
وحاصل مذهب الإمام أبي حنيفة ﵁ أن ما يسكر من عصير العنب والنخل ولم يطبخ أو طبخ فلم يذهب منه ثلثاه فهو خمر يحرم قليله وكثيره، ويحد شاربه مطلقا قليلا كان أو كثيرا أسكر أم لا، وما كان من غير عصير العنب والنخل أو منهما وطبخ حتى ذهب ثلثاه وهو يسكر فالقليل منه الذي لا يسكر حلال فلا حد على من شربه وما يسكر حرام ويحد شاربه، حتى إنه نقل عنه أنه قال: إذا شرب منه تسعة أجزاء ولا يسكر ويسكر إذا أتم العشرة فالعاشر هو المحرم هذا لفظ الشيخ يوسف بن عمر عنه في شرح الرسالة، وقد نقل هذا في مسنده عن إبراهيم أراه النخعي حسبما نقله عنه بعض خواص الأحبة من السادات الأشراف من أعيان علماء العصر مما ناولنيه بخط يده وشافهني بأنه نقله من كتاب أبي حنيفة المسمى بمسند أبي حنيفة، ولفظه: أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم أنه قال في الرجل يشرب النبيذ حتى يسكر منه، قال: القدح الأخير الذي سكر منه هو الحرام. من خطه.
стр. 9106
وقد ذكر عنه بعض أحاديث وبعض آثار عن بعض الصحابة وعن بعض التابعين تؤيد مذهبه، ولكن من تأملها وجدها لا تقوم له بها حجة، فمن ذلك ما [رواه عبد اللَّه] (١) بن شداد عن النبي ﷺ أنه قال: (حرمت الخمر لعينها القليل منها والكثير [والمسكر] (٢) من كل شراب) (٣). انتهى. وهذا الحديث على تقدير صحته معارض بأقوى منه من الأحاديث التي قدمناها وغيرهات وقد مر أنها متواترة، ومنها قوله عن علقمة: قلنا لابن مسعود: لعمرك تشرب النبيذ والأمة تقتدي بك، فقال ابن مسعود: رأيت رسول اللَّه ﷺ يشرب النبيذ ولولا أني رأيته يشرب ما شربته. انتهى. وهذا لا شاهد فيه أصلا، فعلى تقدير صحته ليس فيه تصريح بأن النبيذ الذي رآه يشربه يسكر كثيره؛ وعلى تقدير أنه كذلك فهو معارض بحديث ابن مسعود وغيره من الأحاديث التي قدمناها، ومنها قوله عن سيدنا عمر أنه قال: لا يقطع لحوم هذه الإبل في بطونها إلا النبيذ الشديد، وهذا لا شاهد فيه على تقدير صحته إذ ليس فيه أنه أراد النبيذ المسكر ولا يؤخذ ذلك من قوله: الشديد لاحتمال أن المراد بشدته قوته فقط؛ لأن النبيذ منه الضعيف والقوي والمتوسط لاختلافه بقلة الماء الذي نبذ فيه الزبيب مثلا وكثرته وتوسطه مع قصر مدة الزبيب مثلا في الماء وطولها وتوسطها، وعلى تسليم أنه أراد المسكر فهو معارض بحديثه الصحيح المتفق علي صحته الذي خطب به على المنبر بحضرة الناس حتى صار ذلك إجماعا كما تقدم في كلام الباجي.
ومنها قوله عن حماد عن إبراهيم أن عمر بن الخطاب ﵁ أُتِيَ بأعرابي قد سكر فطلب له عذرات فلما أعياه قال: احبسوه فإن صحا فاجلدوه، ودعا عمر بماء فصبه عليه فكسره: ثم شرب وسقى جلساءه؛ ثم قال: هكذا فاكسروه بالماء إذا غلبكم شيطانه، قال: وكان يحب الشراب الشديد. انتهى. وهذا لا شاهد فيه أيضا لأن هذا الذي سكر به لم يبين هل كان مما يسمى خمرا عند أبي حنيفة أم مما لا يسمى عنده خمرا كالنبيذ وما طبخ حتى ذهب ثلثاه من
стр. 9107
عصير العنب والنخل؟ فإن كان الأول كان حجة على أبي حنيفة فيما قاله في الخمر مما وافق فيه غيره وأجمع عليه الناس؛ إذ لا يسوغ عند أبي حنيفة ولا عند غيره شرب الخمر التي صب فيها شيء من الماء، أما إذا بقي فيه بعد الصب النشوة المطربة فلا إشكال، وكذا إذا زالت منه لإجماعهم على أن الخمر نجس ولا يجوز شرب النجاسة بإجماع، وإنما يبقى الكَلَامُ في حد شاربه كما يأتي للزرقاني عند قوله: "لا دواء".
وقد حكى الأئمة المالكية وغيرهم الإجماع على أن الماء إذا حلت فيه نجاسة يسيرة غيرت لونه أو طعمه أنه نجس ولو كان أكثر منها بأضعاف مضاعفة؛ فكيف إذا وضع يسير من الماء في الخمر الغالبة على الماء، وإن كان الثاني كان مخالفا لما صح عن سيدنا عمر من أن الخمر عنده ما خامر العقل، كان من عنب أو غيره كما هو صريح حديثه الذي خطب به على الناس كما في البخاري وغيره، فالنبيذ عنده وعصير العنب الذي لم يطبخ سواء، فلا يستقيم للحنفية الاحتجاج على مذهبهم بهذا الأثر الذي رووه عنه كما لا يستقيم لهم الاستدلال بأثره، هذا على ما قالوه من أن ما طبخ حتى ذهب ثلثاه ليس بخمر؛ لأن هذا النوع داخل في حديثه المتفق على صحته الذي خطب به حتى صار إجماعا ومخالف أيضا لما ورد عنه فيما طبخ من العصير بخصوصه، ففي الموطإ ما نصه: مالك عن داوود بن الحصين عن واقد بن عمر بن سعيد بن معاذ أنه أخبره عن محمود بن لبيد الأنصاري أن عمر بن الخطاب ﵁ حين قدم الشام شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها، وقالوا: لا يصلحنا إلا هذا الشراب، فقال عمر بن الخطاب: اشربوا العسل، فقالوا: لا يصلحنا العسل، فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر؟ قال: نعم فطبخوه حتى ذهب منه الثلثان وبقي الثلث، فأتوا به عمر بن الخطاب فأدخل فيه عمر إصبعه ثم رفع يده فتبعها يتمطط، فقال: هذا الطلاء هذا مثل طلاء الإبل فأمرهم عمر أن يشربوه، فقال له عبادة ابن الصامت: أحللتها واللَّه. فقال عمر: كلا واللَّه اللَّهم إني لا أحل لهم شيئا حرمته عليهم ولا أحرم عليهم شيئا أحللته لهم. انتهى. قال في المنتقى: قوله: شكا إليه أهل الشام وباء الأرض وثقلها يريد أنهم شكوا إليه من ذلك ما أحوجهم إلى شرب شراب يزيل عنهم وباء الأرض ويبعد عنهم ثقلها وأمراضها المعتادة عندهم وقد اعتادوا بشراب،
стр. 9108
وأخبروا عمر أنه لا يصلحهم إلا ذلك يريد أن أبدانهم لا تألف غيره فأمرهم عمر أن يشربوا العسل وذلك أنه لم يكن علم أن يتخذ من العصير ما يبقى ويسلم من الشدة المطربة، وعلم أن العسل يبقى المدة الطويلة فعدل بهم إليه ليقتنوه فمتى أرادوا شربه خلطوه بالماء، فقالوا إنه لا يصلحنا العسل وهذا يقتضي أنه لم يبح لهم شرب ذلك الشراب المسكر للتداوي، وقد تقدم ذكره. ولما توقف عمر ﵁ عن إجابتهم إلى ما أرادوه من شرب شراب العنب لاعتقادهم أنه لا يمكن ادخاره، قال له [رجل] (١) من أهل الأرض: -يريد ممن نشأ فيها- هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا يسكر لعلمه بذلك أنه يمكن أن يدخر ولا يتغير ويتوصل إلى ذلك يصنعة قد علمها، فقال له عمر: نعم فإنه إنما منعهم منه لما علم من التغيير وتعذر عنده من بقائه دون أن يفسد، وقوله: فطبخه حتى ذهب منه الثلثان معنى ذلك أنه ذهب منه المائية التي تحدث إفساده ويسع بها تغييره وبقيت عسيلته خالصة، وإنما خص ذلك بذهاب الثلثين وبقاء الثلث لأن هذه كانت صفة عصير ذلك العنب في ذلك البلد، وقد روى ابن المواز في طبخ العصير: لا أحُدُّ بذهاب ثلثيه وإنما أنظر إلى المسكر، قال أشهب: وإن نقص تسعة أعشاره بذلك، قال ابن المواز: وليس ذهاب الثلثين في كل بلد ولا من كل عصير، فأما الموضع المختص بذلك فلا بأس به، وقول ابن حبيب: من تحفظ في خاصته فعمل الطبيخ فلا يعمله إلا باجتماع وجهين؛ أن يذهب ثلثاه ويوقن أنه لا يسكر: فأما أحد الوصفين من أنه لا يسكر فصحيح ولا يحتاج إلى سواه؛ لأنه إذا لم يسكر فسواء ذهب ثلثه أو ربعه أو أكثر أو أقل؛ ثم قال: ويتحرر بتيقن سلامته من الفساد في سائر البلاد، وإذا اعتبر السلامة من أن يسكر استغنى عن سائر الأوصاف، وجعل أبو حنيفة ذهاب الثلثين حدا في جواز شرب ما يبقى وإن كان يسكر من كثيره، والدليل على ما نقوله أن هذا شراب فيه شدة مطربة فوجب أن يكون قليله حراما. وقوله: فأتوا به عمر بن الخطاب فأدخل فيه إصبعه ثم رفع يده فتبعها يتمطط اختبار من عمر ﵁ لما أخبره به وإشراف عليه بالمشاهدة والمباشرة واعتناء بأمور المسلمين ومصالح دينهم ودنياهم، فأدخل إصبعه ليختبر
стр. 9109
ثخانته وهي التي تمنع التغيير، ثم رفع أصبعه التي أدخلها في الطلاء فتبعها الطلاء يتمطط لثخانته ولو كان رقيقا في حكم الشراب لم يتبع يده ولا إصبعه منه شيء ويجعل يقطر ما يتعلق بإصبعه منه إن كان تعلق منه شيء. انتهى.
وقوله: يتمطط أي يتمدد، وقول عمر: هذا الطلاء يريد أنه يسمى بالطلاء على معنى التشبيه بذلك، ولذلك قال: هذا مثل طلاء الإبل في ثخانته وبعده عن التغيير ثم أمرهم بشربه ولو راعى أبو حنيفة أن يعود إلى مثل هذا من القوام والثخانة لما أباح للناس إلا شرب ما يؤمن فساده، فإن هذا في قوام العسل ولا يمكن شرب مثله إلا أن يمزج بالماء فلا يخاف على مثل هذا التغييرُ أبدا، وأما ما كان من عصير يذهب ثلثاه ويبقى ثلثه رقيقا يسرع إليه التغيير ويطرأ عليه الفساد فليس له حكم هذا الذي قد صار في قوام العسل الذي لا يتغير ولو أمسك أعواما، ولو كان ذهاب الثلثين منه يجزئ على كل حال لما احتاج عمر إلى أن يراه ويختبره ويدخل إصبعه فيه ويرفعه ليعلم بذلك ثخانته؛ ولقال للذي قال له: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب مالا يسكر؟ أنا أعلم بذلك منك أطبخه حتى يذهب منه الثلثان، ولا يراعى أيسكر أم لا. ولما قال له افعل علم أنه إنما أمره أن يعمل منه ما لا يسكر وأنه اختبر صدقه وعلم صحة قوله بما شاهد من ثخانته وأنه في قوام طلاء الإبل ثم أظهر تصديق قول الصانع وإجابته إلى ما سأل بأن يكون على مثل هذد الصفة التي ادعى أنها لا تسكر، فمن أباح شرعا ما يسكر من ذلك بذهاب الثلثين فقد خالف إجماع الصحابة لأنهم بين قائلين، قائل يقول بمثل قول عمر إنها إذا لم تسكر لما عادت إليه من القوام أنه مباح عملها واتخاذها، وقائل أنكر على عمر ﵁ إباحتها مع ذلك كله خوفا من الذريعة بإباحته إلى شرب المسكر منها، فمن أباح شرب المسكر منها على ما أفتى به أبو حنيفة فقد خالف إجماعهم. وقد روي أن علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه كان يرزق الناس طلاء يقع فيه الذباب فلا يستطيع أن يخرج منه. انتهى.
وبتأمل كلام الموطإ والباجي يعلم أنَّ مَا شاع على ألسنة كثير من الناس أنَّ ما اشتد طبخه من العصير إنما في شربه الضرر ولا نفع فيه للأبدان غير صحيح، وبتأمل ذلك يعلم ما في مدحهم لما خفَّ طبخه فلم تذهب مائيته، ويتنافسون في ذلك جدا حتى أدى ذلك إلى فساد عظيم وضرر في
стр. 9110
الذين جسيم، فعظمت رغبة النساء في ذلك والرجال وآل إلى شربهم المسكر مع اعتقادهم أنه حلال، وقد شاع على ألسنة كثير أن مستندهم في ذلك ومعتمدهم على فتوى شيخنا الجنوي، فإنه سُئِلَ بما نصه: جوابكم عن شرب الصامت المطبوخ الذي فيه قوة يحس بها من شربه بحيث يجد في نفسه سرورا وكثرة الكلام وسخانة في جوفه فقط، هل ذلك مما يوجب تحريمه أم لا؟ فَأَجَابَ بقوله: حقيقة المسكر هو ما غيب العقل دون الحواس مع نشوة وفرح كما في التوضيح وغيره، وعليه إن كان العصير المذكور إن ترك بلا ماء وشرب يفعل ما يفعله الخمر فلا إشكال في كونه خمرا، وإن كان إنما يسخن ويحصل فرحا إلا أنه لما يغيب العقل فليس بمسكر وكثير من المعاجين تفرح وكذا الزعفران، وعند الفرح يحدث كثرة الكلام لأن المهموم كثير الصمت، فإذا لم يقع تغييب للعقك فليس بمسكر. واللَّه أعلم.
وكتب محمد بن الحسن الجنوي الحسني لطف اللَّه به آمين انتهى: فتأمل كيف يكون هذا حجة لهم وهو قد صرح أولا ووسطا وآخرا بأن ما يسكر منه خمر فلا يحل شربه؛ فأعرضوا عن ذلك وتمسكوا بقوله: وكثير من المعاجين تفرح الخ، وليس في السؤال ولا في الجواب أن كثرة الكلام الذي يحدث عند شربه من الكلام الساقط الذي يشبه الهذيان، ومع ذلك فقد حدثني الثقة عن الفقيه المحدث الصالح سيدي الصادق بن ريسون الحسني أنه كان ينكر هذا الجواب عن شيخنا ولا يقول به، وما ذلك واللَّه أعلم إلا لأنه رأى أنه ينافي ما بني عليه مذهب مالك ﵁ من سد الذرائع مع أنه عالم كبير، فتكون فتواه شبا لإباحة شرب المسكر، فهو كقول عبادة بن الصامت ﵁ لسيدنا عمر ﵁: أحللتها واللَّه، ومن تأمل جميع ما قدمناه من الأحاديث وكلام الأئمة وكان معه قلامة ظفر من الإنصاف تبين له صحة جميع ما قلناه، والعلم كله للَّه. انتهى كلام الرهوني. والصامت: الخاثر. واللَّه تعالى أعلم.
ثمانون مبتدأ أو فاعل كما مر، وتمييزه محذوف يعني أنه يجب على الحر المسلم المكلف بسبب شربه المار ثمانون جلدة، ذكرا كان أو أنثى، بعد صحره يعني أن الجلد المذكور إنما يكون بعد الصحو والصحو نقيض المسكر، قال عبد الباقي: فإن جلد قبل صحوه اعتد بذلك إن كان عنده ميز وإن كان طافحا أعيد عليه الحد، وإن لم يحس في أوله وحس في أثنائه حسب له من أول ما
стр. 9111
حس. نقله أحمد عن اللخمي. ونحوه لأبي الحسن، وصنيع التوضيح يقتضي أن تفصيله تقييد للمذهب خلافا لما للشارح في شرحه وشامله والتتائي من اقتضاء ضعفه، زاد اللخمي: وحد الزنى في البكر كذلك. انتهى. أي في التفصيل [وإن كان] (١) مائة وينبغي أن التعزير كذلك؛ وهذا بخلاف قطع السارق وهو طافح فإنه يكتفى به لأن القصد نكاله وهو حاصل، وأيضا ألم القطع وأثره يبقيان بعد صحوه، بخلاف الجلد للسكران قبل صحوه. وظاهر كلام المنصف كالمدونة أنه لا يزاد مع الحد سِجْنٌ ولا غيره. ابن ناجي: وبه العمل، وفي أحمد: ابن عرفة: الشيخ عن ابن حبيب: ليس مع الضرب سواه من حلاق أي لرأس أو لحية ولا سجن ولا طواف إلا المؤذي المعتاد المشهور بالفسق، فلا بأس أن ينادى به ويشهر، واستحب مالك أن يلزم السجن. انتهى.
وقال الشبراخيتي: "بعد صحوه"، فإن كان قبله، فقال اللخمي وصاحب البيان: فإن جلد في حال سكره اعتد بذلك إن كان عنده ميز، وإن كان طافحا أعيد عليه الحد، وإن لم يحس في أوله بالألم وأحس في أثنائه لقرينة حسب من أول ما أحس به، وأما لو ادعى الإحساس ولا قرينة تصدقه ولا تكذبه فالظاهر أنه يعمل به حيث كان مأمونا لما يتهم. وقوله: وإن كان طافحا أعيد عليه الحد هذا واضح في حد السكر، وأما القطع فإنه يجزئه ولو كان طافحا لأن المقصود منه النكال، ومثل هذا حد الفرية إن رضي من له الحد. انتهى المراد منه. وقال التتائي: بعد صحوه اتفاقا لما قبله، فإن أخطأ الإمام فحَدَّه قبله أعاده بعده، وقيل إن حس بألمه أجزأ أو في أثنائه حسب من أول ما حس. انتهى.
وقال: الخرشي: أي يجب بشرب المسلم ما يسكر جنسه ثمانون جلدة على الحر وأربعون جلدة على الرقيق؛ ذكرا كان أو أنثى بعد صحوه لانعقاد إجماع الصحابة على ذلك بعد عثمان ﵁، فلو جلده الإمام قبل صحوه فإن الحد يعاد عليه ثانيا، لعدم فائدة الحد وهو التألم والإحساس وهو منتف في حال سكره. انتهى. وقال المواق من المدونة: لا يحد السكران حتى يصحُوَ، زاد في سماع أبي زيد: ولو خاف أن يأتيه بشفاعة تبطل حده، ونقل ابن سلمون
стр. 9112
يخفف بعض التخفيف في الشارب، (روى أن رجلا شرب فانطُلِقَ به إلى رسول اللَّه ﷺ فلما حاذى دار العباس انفلت فدخلها فذكر ذلك لرسول اللَّه ﷺ فضحك فقال: (أفعلها)؟ ولم يأمر فيه بشيء) (١). انتهى. وقد مر عن المازري وعياض أنه أجمع المسلمون على وجوب الحد في الخمر. انتهى.
وتشطر بالرق يعني أن الجلد المذكور يتشطر بالرق فيكون على العبد ذكرا أو أنثى قنا أو ذا شائبة أربعون جلدة بعد صحوه، فإن جلد قبله إلى آخر ما مر، قال الشبراخيتي: وتشطر أي تنصف حد الشرب بالرق قنا أو ذا شائبة ذكرا كان أو أنثى. المواق من المدونة: لا يحد السكران حتى يصحو. ابن عرفة: حده ثمانون فيها ويتشطر بالرق. انتهى. إن أقر يعني أثه يثبت الشرب المذكور بالإقرار، فإذا أقر شخص بأنه شرب ما يسكر جنسه فإنه يحد على ما مر، أو شُهِدَ يشرب يعني أنه إذا شهد عدلان على شخص بمعاينة شرب الخمر؛ أي شهدا على أنهما عايناه يشرب ما يسكر جنسه فإنه يثبت عليه الشرب بذلك، فيترتب عليه الجلد المذكور على ما مر وثبوت الشرب بالإقرار وبالبينة المعاينة للشرب متفق عليه. قال الشبراخيتي: ثم أشار إلى شرط الحد على من اجتمعت عليه الشروطء السابقة بقوله: "إن أقر بشرب أو شهد عليه بشرب ما يسكر جنسه معاينة اتفاقا فيهما، فإن رجع عن إقراره لشبهة أو غيرها فكالزنى. انتهى. ونحوه للتتائي.
أو شم يعني أنه لو شهد عدلان على شخص برائحة الخمر في فمه فإنه يثبت عليه بذلك أنه شربها فيترتب عليه الحد على ما مر، قال المواق: قال ابن عرفة: يثبت بالبينة والإقرار كسائر الحقوق ويثبت بثبوت رائحته. أبو عمر: الحد بالرائحة هو قول مالك وجمهور أهل الحجاز، خلافا للشافعي وغيره. وقال ابن القاسم: إذا رأى الحاكم من رجل تخليطا في قول أو مشي شبه السكران أمر باستنكاهه لأنه قد بلغ إلى الحكم فلا يسعه إلا تحققه، وإذا لم يظهر عليه شيء من الأحوال لم يستنكهه ولا يتجسس عليه. انتهى من المنتقى. وقال الشبراخيتي: أو شهد على شم
стр. 9113
للسكر منه ولا يشترط في الشاهد بالرائحة أن يشربها في كفره أو عصيانه لأنه يحصل برؤيتها مُرَاقةً أو رؤية من يشربها، ويحكى عن القباب أنه كان يقول: واللَّه إني لأعرف رائحتها وما شربتها قط. انتهى.
وقال عبد الباقي: أو شم لرائحتها في فم [وعلم] (١) رائحتها لما يتوقف على شربها؛ إذ قد يحصل العلم بها لمن لم يكن شربها قط برؤية شاربها أو برؤيتها مراقة مع علمه بهات وقولُ ابن القصار: وصفة الشاهدين بالرائحة أن يكونا خبراها بشربها حال كفرهما أو شرباها مسلمين [وحدا ثم تابا] (٢) حتى يكونا ممن يعرف ريحها قاصر وأيضا في قبول شهادتهما نظر لقول المصنف: "أو من حد فيما حد فيه"، إلا أن يقول ابن القصار بقبول شهادة من حد فيما حد فيه، ولا يحمل كلامه على ما إذا شهدا بعد توبتهما وقبل حدهما، لمنافاته لقوله: "وحدا"، ولو شهد واحد بشرب وآخر بشم ضما لاستلزام أحدهما الآخر، وما تقدم من عدم ضم الفعلين محله ما لم يستلزم أحدهما الآخر كما في الأبي، ومنه: "ولفق شاهد بالغصب لآخر على إقراره بالغصب". انتهى. وقال التتائي: أو شم للمسكر منه، وهو قول مال وجمهور أهل الحجاز خلافا للإمام الشافعي منهم وجمهور أهل العراق.
وإن خولفا يعني أنه إذا شهد اثنان عدلان بشم رائحة ما يسكر في فم شخص وشهد غيرهما بمخالفتهما بأن شهد أنها رائحة خل مثلا: فإنه يعمل بشهادة من شهدا بأنه رائحة الخمر فيحد لذلك. واللَّه تعالى أعلم. قال عبد الباقي: وإن خولفا أي خالفهما غيرهما بأن قال: رائحة خل أو شرب خلا لأن الشهادة بشرب الخمر أثبتت حكما والمخالِفَةُ نفته والمثبتة مقدمة على النافية أو خالفهما الشارب، ولو حلف بالطلاق ما شربها فيحد ولا طلاق عليه إن حلف باللَّه أنه ما حلف بالطلاق كاذبا. انتهى. ونحوه للشبراخيتي.
стр. 9114
وقال التتائي: وإن خولفا في ذلك بأن قال غيرهما: ليست برائحة خمر أو لا رائحة له وصححه ابن عبد السلام، وقال: وهي تشبه ما لو اختلفوا في قيمة المسروق هل يساوي ربع دينار أو أقل، ومذهب المدونة إعمال شهادة من شهد أنها ربع دينار ولا بد أن يكونا ممن يعرف الخمر، سواء تقدم لهما شربها أو لا لمعرفة ذلك بوجوه كثيرة غير الشرب، خلافا لابن القصار ولو شك شاهدا الرائحة هل هي رائحة خمر أو لا فالمنصوص النظر لحال المشهود عليه، فإن كان من أهل السفه نكل أو من أهل الخير ترك، وظاهر كلامه أنه لا بد في الشم من اثنين سواء طلبها القاضي أو قام بها محتسب وهو كذلك خلافا لأصبغ في الاكتفاء بوَاحِدٍ في الثاني واستبعد، والشهادة على القيء كالشهادة على الشرب بل هي أقوى من الشهادة على الشم. انتهى. وقال في الميسر: وإذا رأى الحاكم من رجل تخليطا في قول أو مشي أمر باستنكاهه وإلا فلا يتجسس عليه. قاله ابن القاسم كما في المواق. وأجاز أصبغ الاكتفاء بشاهد واحد في الاستنكاه، واستبعده ابن عبد السلام لأنه يؤول إلى حكم القاضي بعلمه. نقله في التوضيح. وذكر أن من شهد عليه أنه قاء خمرا حد وهو أقوى من الشم، وحكم به عمر بن الخطاب وعثمان رضي اللَّه تعالى عنهما. انتهى.
وجاز لإكراه يعني أنه يجوز شرب المسكر لأجل الإكراه على شربه، قال عبد الباقي: وجاز شربها لإكراه علي شربها وأراد بالجواز لازمه وهو عدم الحد، فكأنه قال: لا حد في إكراه، فعبر بالملزوم وأراد لازمه وإلا ففعل المكره لا يوصف بحكم من الأحكام إذ لا يوصف بها إلا أفعال المكلفين، والمكره غير مكلف، والإكراه يكون بقتل، وهل كذا بقطع عضو أو ضرب يخاف منه تلف بعض أعضائه أو بقيد أو سجن أولا؟ قولان لسحنون، والفرق بين جوازه لإكراه وعدم جوازه لخوف موت أو عطش كما قدمه في المباح عدم دفعهما به بل يزيدان به. انتهى. وقال التتائي: وجاز شرب المسكر لإكراه. البساطي: استدل أهل المذهب على ذلك بقوله ﵊: (وما استكرهوا عليه) فإنه صريح في نفي الإثم وكل فعل نفي عن فاعله الإثم استلزم كونه جائزا. انتهى. قال الشبراخيتي: وقولُ البساطي: استدل أهل المذهب على ذلك بقوله ﵊: (وما استكرهوا عليه) فإنه صريح في نفي الإثم فاسدٌ على القاعدة الأصولية. انتهى. وقال
стр. 9115
المواق: أما جواز شرب الخمر إذا أكره على شربها، فقال [ابن العربي (١): اختلف في التهديد (٢)] هل هو إكراه؟ والصحيح أنه إكراه، فإذا قال له الظالم: إن لم تفعل كذا سجنتك أو أخذت مالك ولم يكن له ما يحميه من ذلك إلا اللَّه فله أن يقدم إلا على قتل غيره فلا يفدي نفسه بقتل غيره؛ واختلف في الزنى والصحيح أنه يجوز له الإقدام على الزنى ولا حد عليه، خلافا لابن الماجشون فإنه ألزمه الحد لأنه رأى أنها شهوة لا [يتسور] (٣) عليها إكراه ولكنه غفل عن السبب في باعث الشهوة، وإنما وجب الحد على شهوة بعث عليها سبب اختياري فقاس الشيء على [غيره] (٤)، ويجوز أن يلفظ بالكفر للإكراه بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان من غير خلاف، ولما سامح اللَّه في الكفر عند الإكراه حمل العلماء عليه فروع الشريعة كلها، وقال ابن عرفة: المكره لما يحد لوضوح الشبهة أو عدم تكليفه وهو الأظهر لعمومه في الطلاق وغيره. انتهى.
أو إساغة يعني أنه يجوز شرب الخمر لإساغة الغصة صونا لإحياء النفس، ومراده بالجواز نفي الحرمة فيصدق بالوجوب، فلا ينافي أنه يجب إذا خاف على نفسه الهلاك ولم يجد غيره، وتقدم الإساغة بالنجس على الإساغة بالخمر لشدة حرمته، قال التتائي: وتخصيصه الإساغة مشعر بمنع شرب المسكر لجوع أو عطش وهو كذلك على المشهور المنصوص، وأجازه ابن العربي إذ لابد من كفايته لذلك ولو لحظة. ابن عبد السلام: وهو التحقيق. انتهى. وما ذكره المنصف من الجواز للإساغة خالفه فيه ابن عرفة كما عرفت، ومثله لابن شأس وابن الحاجب، قال ابن الحاجب: ولا حد على مكره ولا مضطر إلى الإساغة وإن قلنا إنه حرام. ابن عبد السلام: والظاهر أن الضمير في إنه عائد على الإساغة وحدها دون الإكراه، والخلاف في الصورتين ولكن التحقيق أنه ليس بحرام فيهما. انتهى. وقال المواق عند قوله: "أو إساغة" ما نصه: أما الجواز فقال ابن حبيب: إن غص بطعام فله أن يجوزه بالخمر، وقال مالك: لا يزيده الخمر إلَّا شرا. ابن رشد:
стр. 9116
تعليله هذا يدل علي أنه لو كان له في شربها منفعة لجاز له شربها، وأما سقوط الحد فقال ابن عرفة: المضطر للإساغة لا يحد لوضوح الشبهة. انتهى.
لا دواء يعني أنه لا يجوز التداوي بالخمر، قال التتائي عند قوله "لا دواء" ما نصه: فلا يجوز بالمسكر لخبر: (من تداوي بالخمر فلا شفاه اللَّه). انتهى. وقال الشبراخيتي: لا دواء، لخبر: (من تداوى بالخمر فلا شفاه اللَّه)، وعليه الحد إذا شربه للتداوي على المعتمد. انتهى. وقال عبد الباقي: لا دواء فلا يجوز ولو فعله لخوف الموت ويحد إن تداوى به شربا، قال التتائي في شرحه على الإرشاد: ابن العربي: تردد علماؤنا في دواء فيه خمر والصحيح المنع والحد. انتهى. وهذا إذا أسكر بالفعل وإلا لم يحد، ولا يرد عليه قول المنصف: ما يسكر جنسه لأنه في غير المخلوط بالدواء، ثم ظاهر المنصف حرمة المخلوط سواء غلب على الدواء أو قل عنه أو ساواه: استهلك فيه أو طبخ، ولا يفصل فيه كما في الرضاع المحرِّم وفي محرَّماتِ الإحرام في المسك مطبوخا وانظر لو خلط بماء حتى زالت منه الشدة المطربة. انتهى.
وقوله: والصحيح المنع والحد الخ، قال الرهوني: مثله للأجهوري عن شرح الإرشاد، وزاد عقبه ما نصه: ونقله في الجواهر أيضا وهذا إذا كان يسكر وإلا فلا حد من غير نزاع. انتهى. وهو ظاهر ويفهم من نفيه الحدَّ فقط أن المنع ثابت وهو كذلك بلا إشكال، وقول الزرقاني: وانظر لو خلط بماء حتى زالت منه الشدة المطربة الخ توقفه إنما هو في الحد، وأما حرمة شربه فلا إشكال فيها وقد تقدم في أول الكتاب "وينتفع بمتنجس لا نجس في غير مسجد وآدمي" والظاهر فيما نظر فيه هو السقوط فلا حد على نتاربه ويعزر لفعله معصية، فَإن قُلْتَ: تقدم للزرقاني وغيره عند قوله: "وإن قل" أنه يحد من غمس إبرة في الخمر ووضعها على لسانه فابتلع ريقه، ولا شك أن ما بتعلق بالإبرة من الخمر أقل مما خالط الماء منها بكثير، قلتُ: ما تعلق بالإبرة من خمر حين وضعها علي اللسان بخلاف ما اختلط بالماء قبل أن يجعل في الفم حتى ذهبت منه الشدة المطربة، فإنما هو ماء متنجس لا عين النجاسة، ولذلك ناقشوا المنصف في قوله: "وحكمه كمغيره". انتهي.
стр. 9117
ولو طلاء يعني أنه لا يجوز التداوي بالخمر لا في باطن الجسم، كالشرب ولا في ظاهره كما لو طلى به ظاهر جسده أي لطخه به، يقال: طلى البعير بالهناء يطليه أي لطخه به، والطلاء كسماء: القطران وكل ما يطلى به. قال التتائي: ولو طلاء لظاهر الجسد على الأصح عند ابن الحاجب: وعبر عنه ابن شأس بالمشهور، وأشار بلو للخلاف في الطلاء وللاتفاق على منعه في الباطن وهو كذلك. قاله الباجي وغيره. وما وقع في سماع أشهب: التداوي في القرحة بالبول أخف من التداوي فيها بالخمر لا يلزم منه جوازه به، وعلل ابن رشد الخفة وعدمها بأنه جاء في الخمر أنها رجس من عمل الشيطان، ولم يثبت في البول إلا أنه نجس. انتهى. وقال عبد الباقي: ولو طلاء ولكن لا يحد، وينبغي أن محل المنع إلا أن يخاف الموت بتركه وإنما امتنع الطلاء به للتداوي ولم يمتنع التلطخ بالنجاسة بل كره فقط على المعتمد؛ لأن طلاءه به للتداوي مخالف للنهي المستفاد من خبر: (من تداوى بالخمر فلا شفاه اللَّه)، فَإن قِيلَ: قد ورد أيضا ما يدل على النهي عن التداوي بالنجس، كخبر: (لم يجعل اللَّه شفاء أمتي فيما حرم عليها) (١) فهو كالخمر في التداوي به طلاء، قُلتُ: نلتزم ذلك فالتلطخ بالنجاسة بقصد التداوي حرام ولا بقصده مكروه. انتهى.
قال الرهوني: ظاهر كلام الزرقاني أن "طلاء" في كلام المنصف المراد به الحدث، وأبين منه في الدلالة على ذلك كلام الأجهوري والخرشي وما فهموه منه هو المتبادر منه، وسلموا له ورود هذه اللفظة مصدرا، مع أن ابن مرزوق اعترضه بأنه إن أراد به الحدث بمعنى دهن الجسد به فهو موافق للنقل ولكنه مخالف للغة، لقول الجوهري: طليته بالدهن وغيره طليا وإن أراد به التداوي بالنوع المسمى من المسكر بالطلاء بأنه لم يقف على الخلاف فيه هكذا وما قاله ظاهر: وقد راجعت الجوهري والقاموس والمصباح والمشارق والنهاية فما وجدت ما يوافق المنصف على أن اللفظة مصدر. واللَّه أعلم. انتهى.
стр. 9118
وقال الشبراخيتي: ولو طلاء لظاهر الجسد، وفي التضَمُّخِ بالنجاسة قولان بالحرمة والكراهة، ومحلهما في غير الخمر، وأما هي فحرام. انتهى. وقال المواق: ابن شعبان: لا يتعالج بالمسكر وإن غسل بالماء ولا يداوى به دبر الدواب. انتهى. وفي الميسر: لا دواء فلا يجوز التداوي بالخمر شربا ويحد: بل ولو طلاء للجسد ولا حد فيه، وفي الخبر: (من تداوى بالخمر فلا شفاه اللَّه). وذكر ابن العربي في التداوي بما استهلك منها قولين وصحح عدم الجواز. نقله ابن شأس. وفي التوضيح عن الباجي. أن الخلاف إنما هو في ظاهر الجسد، وفي مسلم (أنه ﷺ سئل عن جعلها في الدواء فقال: إنه ليس بدواء ولكنه داء)، وعدم جوازها لدواء يفيد أنها لا تجوز لجوع أو عطش وهو قول مالك، قال: ولا تزيده إلا عطشا، وقيل بالجواز واختاره ابن العربي وغيره لأن في ذلك تخفيفا ولو لحظة. ابن العربي: وقد قال اللَّه تعالى في الخنزير إنه رجس ثم أباحه للضرورة. نقله بهرام. انتهى.
ولما بين قدر الجلد بين صفته بقوله: والحدود بسوط وضرب معتدلين يعني أن الحد في الزنى والقذف والشرب إنما تكون بضرب معتدل أي ليس بمُبَرِّحٍ ولا خفيف، ولا يكون ذلك الضرب المعتدل إلا بسوط معتدل أي لا حديد ولا خلق، بل يكون بسوط قد ركب به ولان وصفة السوط أن يكون من جلد واحد له رأس لين ولا يكون له رأسان، ويقبض عليه بالخنصر والبنصر والوسطى ولا يقبض عليه بالسبابة والإبهام، ويعقد عليه عقد التسعين، ويقدم رجله اليمنى ويؤخر اليسرى، وصفة عقد التسعين أن يعطف السبابة حتى تلقى الكف ويضم الإبهام إليها. قاله الخرشي. وقال الحطاب: قوله: "معتدلين" قال في الموطإ أنه ﵊ أتِيَ بسوط مكسور، فقال: فوق هذا، فأتى بسوط حديد، فقال: دون هذا، فأتى بسوط قد رُكِب به ولان فأمر به أي بالشخص المحدود فَحُدَّ، وقوله: حديد يريد أن طرفه محدد ولم تنكسر حدته، فقال: فوق هذا فأتى بسوط قد ركب به ولان يريد أنه قد انكسرت حدته ولم يخلق ولم يبلغ [مبلغا] (١) لا يألم من ضرب به، فاقتضى ذلك أنه يحد بسوط بين سوطين. انتهى. يعني وضرب بين ضربين،
стр. 9119
وفي المدونة: صفة الضرب في الزنى والشرب والفرية والتعزير ضرب واحد ضرب بين ضربين ضرب ليس بالمبرح ولا بالخفيف، ولم يحد مالك ضم الضارب يده إلى جنبه ولا يجزئ الضرب في الحدود بقضيب وشراك ودرة. انتهى. وهي بكسر الدال.
وقال عبد الباقي: بسوط جلد له رأس ليس له رأسان، ويقبض عليه بالخنصر والبنصر والوسطى لا بالسبابة والإبهام، ويقدم رجله اليمنى ويؤخر رجله اليسرى. قاله الجزولي. وقال الشبراخيتي: والحدود كلها بضرب، ويشترط في كل ضارب أن يكون عدلا وسوط لا عصا، قال الجزولي: وإنما يضرب بالسوط، وصفة السوط أن يكون من جلد واحد ولا يكون له رأسان وأن يكون رأسه لينا: ويقبض عليه بالخنصر والبنصر والوسطى ولا يقبض عليه بالسبابة والإبهام، ودرة عمر كانت للتأديب. انتهى.
وقال التتائي عند قوله: "وجلد البكر الحر مائة" ما نصه: قال اللخمي: بسوط بين سوطين لا جديد ولا بال لا بالدِّرة، ودرة عمر إنما كانت للتأديب وضرب بين ضربين في زمان بين زمانين من رجل بين رجلين لا بالقوى ولا بالضعيف، ولا يضع سوطا فوق سوط. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: ولا يجوز الضرب في الحدود بقضيب ولا شراك ولا درة ولكن السوط، وإنما كانت درة عمر للأدب فإذا وقعت الحدود قُرِّب السوط، ثم قال بعد كلام: لا يتعلق بالسوط، ولأبي زيد عن ابن القاسم: إن ضرب على ظهره بالدرة أجزأه وما هو بالبين، وفي سماع عيسى: وسألت ابن القاسم عن رجل زنى عبده فضربه خمسين ضربة بغير سوط، هل يجزئه من الحد؟ فلم يجبه على ذلك، وحكى له ما قال مالك من أن الحدود لا تضرب إلا بالسياط، وقال في سماع أبي زيد بعد هذا أنه إن ضرب بالدرة في الزنى في ظهره أجزأه، قال: وما هو بالبين فيحمل قوله في سماع أبي زيد علي التفسير، لقوله في هذه الرواية لأنه وإن كان الواجب أن يضرب الحدود بالسياط كما قاله مالك فلا يجب أن يعاد عليه الضرب بالسياط إذا ضرب بالدرة؛ إذ قد يكون من الدّرَرِ ما هو أوجع من كثير من السياط فلا يجمع عليه حدان إلا أن تكون الدرة التي ضرب بها لطيفة لا تؤلم ولا توجع، فلا بد من إعادة الحد بالسوط. انتهى. وفي الخرشي: قال محمد: ولا يتولى ضرب الحد قوي ولا ضعيف، ولكن وسط من الرجال. انتهى.
стр. 9120
قاعدا يحتمل أن يكون حالا من معمول ضَرْب وأن يكون العامل فيه ويضرب ويكون حالا من معموله؛ يعني أن المحدود يضرب الحد حال كونه قاعدا لا قائما ولا ممدودا، بلا ربط يعني أن المحدود لا يربط في شيء إلا أن يضطرب اضطرابا لا يصل معه الضرب لمحله فإنه يربط، وبلا شَدِّيَدٍ يعني أن المحدود ومن في حكمه تخلى له يداه فلا تشدان. قاله المواق. بظهره وكتفيه متعلق بضرب أو يضرب يعني أن الحد يكون ضربه في الظهر والكتفين، قال المواق: قال محمد: لا يتولى ضرب الحد قوى ولا ضعيف ولكن وسط من الرجال ويضرب على الظهر والكتفين دون سائر الأعضاء والمحدود قاعد لا يربط ولا يمد وتخلى له يداه، وقال الشبراخيتي: وصفة التعزير كصفة الحد لكن يكون التعزير بالدرة دون الحد. انتهى.
وقال عبد الباقي عند قوله: "بظهره وكتفيه" لا على غيرهما وإن تعذر فيهما لمرض ونحوه أخِّر، فإن تعذر جملة سقط، وأما التعزير فينبغي أن يوكل محله للإمام. انتهى. وفي الميسر: وذكر ابن شأس أنه يوالى الضرب ولا يفرق على الأيام إلا أن يخشى من تواليه هلاك، ويؤخر لمرض أو برد إن خيف هلاكه. قال في التوضيح: فإن كان هرما أو شبهه ويخشى عليه الهلاك بسببه ولا ترجي له صحة فإنه يفرق عليه الضرب في أوقات، وقال التتائي: بظهره وكتفيه دون غيرهما واستحسنه اللخمي وتقدم أنه لا يضع سوطا على سوط، وأشار لخلاف قول ابن شعبان: يعطي كل عضو حقه من الضرب إلا الوجه والفرج. انتهى.
وقال الحطاب: وسئل مالك عن عذاب اللصوص بالدهن وبهذه الخنافس التي تحمل على بطونهم، فقال: لا يحل هذا إنما هو السوط أو السجن إن لم يجد في ظهره مضربا فالسجن، قيل له: أرأيت إن لم يجد في ظهره مضربا أترى أن يبطح فيضرب في أليتيه؟ فقال: لا واللَّه ما أرى ذلك إنما عليك ما عليك، وإنما هو الضرب بالسوط والسجن. أرأيت إن مات؟ قال: فقيل له أرأيت إن مات أيضا بالسوط؟ قال: إنما عليك ما عليك، قال ابن رشد: هذا بين على ما قاله لأنه لا يصح أن يعاقب أحد فيما يلزمه فيه العقوبة إلا بالجلد أو السجن الذي جاء به القرآن، وأما تعذيب أحد بما سوف ذلك فلا يحل ولا يجوز، وقد قال رسول اللَّه ﷺ :
стр. 9121
(إن اللَّه ليعذب في الآخرة الذين يعذبون الناس في الدنيا) (١). انتهى. والحديث رواه مسلم وفي مختصر الوقار: والأدب أن يقنع بالسوط على رأسه أو يضرب بالدرة على ظهره أو على قدمه؛ ولا يبطح أحد على بطنه في أدب ولا غيره. انتهى.
وجرد الرجل يعني أن الرجل يجرد في الحد مطلقا أي مما يقي الضرب إلا من ساتر عورته، قال الشبراخيتي: وجرد الرجل مما عليه مطلقا وهو ظاهر المدونة ما عدا ساتر العورة فيباشر الضرب لَحْمَهُ. انتهى. وقال عبد الباقي: وجُرِّدَ الرجل مطلقا إلا عورته والمرأة مما يقي الضرب يعني أن المرأة تجرد في الحد مما يقي الضرب، قال المواق من العتبية: ويجرد الرجل للضرب ويترك للمرأة ما يستر جسدها ولا يقيها الضرب. انتهى. وقال الحطاب: قال ابن عرفة: وسمع أبو زيد ابن القاسم في المرأة يكون عليها ثوبان في الحد، قال: لا بأس بهما وينزع ما سوى ذلك. انتهى. وقال الشبراخيتي. والمرأة مما يقي الضرب من الثياب، فقوله: مما يقي الضرب خاص بالمرأة على حد قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾، فينبغي للقارئ أن يقف على قوله: "الرجل" ثم يبتدئ بقوله: "والمرأة مما يقي الضرب". انتهى. يعني أن قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً﴾ راجع ليعقوب لأنه ولد لولد إبراهيم وليس عائدا على إسحق؛ لأن النافلة ولد الولد وإسحق ولد ابراهيم.
وندب جعلها في قفة يعني أنه يستحب أن تجعل المرأة عند إقامة الحد عليها في قفة، قال التتائي: وإذا جلدت المرأة ندب جعلها في قفة حين الضرب، ولما بلغ مالكا أن بعض الأمراء فعله أعجبه ذلك؛ زاد اللخمي: ويجعل تحتها تراب وماء للستر، وظاهره أنه إذا أقيم الحد على الشارب خلى سبيله ولو كان مشهورا بالفسق وهو كذلك، وقيل يطاف بالمشهور ويسجن. انتهى. وقوله: "في قفة"، قال في القاموس: والقفة كهيئة القرعة يتخذ من الخوص، وقال في مادة قرع: والقرعة بالضم معروفة وخيار المال والجراب، أو الواسع الصغير وبالتحريك الجراب والجراب الصغير أو الواسع الأسفل يلقى فيه الطعام. انتهى.
стр. 9122
ولما فرغ من الجنايات التي رتب الشارع عليها عقوبة معلومة مع تساوي الناس فيها، شَرَعَ فيما ليس فيه عقوبة معلومة بل يختلف باختلاف الناس فيها وأقوالهم وأفعالهم، فقال: وعزَّرَ الإمام التعزير لغة نوع من الضرب، والمراد به هنا ما يعم العقوبة بضرب وحبس ولوم وغير ذلك؛ يعني أن التعزير أي التأديب أمره إلى الإمام. قال البناني: فرق القرافي بين التعزير والحد بستة أشياء، وهي أن الحد مقدر والتعزير بالاجتهاد، وأن الحد تجب إقامته بخلاف التعزير وأن الحد تعبد فمن سرق ربع دينار أو مائة ألف دينار وَاحِدٌ، والتعزير بحساب الجناية وأن الحد في مقابلة المعاصي والتعزير يكون لغير المكلف وللبهيمة والمجانين، وأن الحد لا يسقط بالتوبة إلا حد الحرابة والتعزير يسقط بها، وأن الحد يقام وإن لم يُوَثِرْ، والتعزير يسقط لعدم تأثيره. انظر المواق. انتهى.
وقال المواق من المدونة: أما النكال والتعزير فيجوز فيه العفو والشفاعة وإن بلغ الإمام، ثم ذكر عن القرافي ما عزاه له البناني إلى أن قال: والحد يقام وإن لم يؤثر، بخلاف التعزير فإن اليسير يسقط لعدم تأثيره والكثير يسقط لعدم موجبه. قاله ابن العربي. وقال عبد الباقي: وعزر الإمام أو نائبه أو السيد لعبده في مخالفته للَّه أوله أو الزوج للنشوز أو والد لصغير فقط أو معلم. انتهى.
قال الرهوني: قول الزرقاني: ووالد الصغير فقط احترز به من والد الكبير فليس له أن يؤدب. وعَوَّل الزرقاني في ذلك على ما لابن شأس وابن الحاجب، إذ قال: ويؤدِّب الأب والمعلم بإذنه الصغير لا الكبير. انتهى. وقد نقل ابن عرفة كلام ابن شأس وقبله ولم يعترض كلام ابن الحاجب، ونص ابن عرفة: ابن شأس: والأب يؤدب ابنه الصغير دون الكبير ومعلمه بإذنه، قلت: لأن ترك تأديبه يكسبه فسادا. انتهى منه بلفظه. لكن في التوضيح عقب كلام ابن الحاجب السابق ما نصه: هكذا قال ابن شأس: وظاهر قول مالك في الذي شتمه خاله أو عمه أو جده لا أرى عليه في ذلك شيئا إذا كان على وجه الأدب؛ لأن للأب ونحوه تأديب الكبير.
وقد طعن أبو بكر ﵁ في خاصرة عائشة ﵂ ورأسه ﷺ في حجرها وكذا مخاطبته لعبد الرحمن في حديث الضيفان. انتهى.
стр. 9123
لمعصية اللَّه وهي ما ليس للآدمي إسقاطه كالأكل في نهار رمضان لغير عذر إلا أن يجيء تائبا أو لحق آدمي وهو ماله إسقاطه كشتم آخر وضربه أو أذاه بوجه لا ما ليس للَّه فيه حق؛ لأنه ما من حق لآدمي إلا وللَّه فيه حق إذ من حق اللَّه تعالى على كل مكلف ترك أذاه لغيره، ومعنى كلام المؤلف أن الإمام يعزر لمعصية اللَّه تعالى، وكذا يعزر أيضا لحق الآدمي. وقد علمت أن المراد بالمعصية هنا ما تمحض حقه للَّه تعالى، فإن كان ليس للآدمي إسقاطه وأن المراد بحق الآدمي ما للآدمي إسقاطه مع أن فيه معصية للَّه تعالى.
تنبيهات: الأول: قال الحطاب: قال ابن ناجي في شرح المدونة في كتاب القذف: الأدب يتغلظ بالزمان والمكان، فمن عصى اللَّه في الكعبة أخص ممن عصاه في الحرم، ومن عصاه في الحرم أخص ممن عصاه في مكة، ومن عصاه في مكة أخص ممن عصاه خارجها. انتهى. وقال في المسائل الملقوطة: يلزم التعزير من سرق مالا قطع فيه والخلوة بالأجنبية ووطء المكاتبة ونحو ذلك من الاستمناء وإتيان البهيمة واليمين الغموس والغنتى في الأسواق والعمل بالربى وشهادة الزور والتحليل والشهادة على نكاح السر، وكذلك الزوجان والولي إلا أن يعذروا بجهل فيجب على هؤلاء التعزير فقط، وتلزم العقوبة من حمى الظلمة وذب عنهم ومن دفع عن شخص وجب عليه حق ومن يحمي قاطع الطريق أو سارقا أو نحو ذلك، فإن من يحميه ويمنعه عاص للَّه وتجب عقوبته حتى يحضره إن كان عنده وينزجر عن ذلك إلا أن يكون إحضاره إلى من يظلمه ويأخذ ماله أو يتجاوز فيه ما أمر به شرعا، فهذا لا يحضره ولكن يتخلى عنه ويرتدع عن حمايته والدَّفْع عنه. انتهى. ومنه: ويؤدب من حلق شاربه ومن طلق ثلاثا في كلمة واحدة ومن نكح بين الفخذين ومن قام بشكية باطل فينبغي أن يؤدب، وأقل ذلك الحبس ليندفع بذلك أهل الباطل واللدد. من أحكام ابن سهل. قاله في شهادة السماع والأحباس. واللَّه أعلم. انتهى.
الثاني: ظاهر كلام المنصف أن المكروه لا أدب فيه، وصرح بذلك في باب الأيمان من التوضيح قال: وقد نصوا على تأديب الحالف بالطلاق والعتاق ولا يكون الأدب في المكروه. انتهى. وقال في المدخل في فصل اللباس: وقد قال علماؤنا في تارك شيء من السنن والآداب إن الواجب أن يقبح له فعله وأن يذم علي ذلك، فإن أبى أن يرجع هجر من أجل ما أتى من خلاف السنة. انتهى.
стр. 9124
وقد نقل في رسم الجنائز والصيد من سماع أشهب من كتاب الذبائح عن سيدنا عمر التأديب في المكروه، وذلك أنه مر بشخص أضجع شاذ يذبحها وجعل يحد الشفرة فعلاه بالدرة، وقال: هلَّا حددتها أولا أو كما قال. وقد قال أصبغ: من ترك الوتر يؤدب. وقال سحنون: يجرح، والظاهر أنه لا يعارضة وأن من واظب على ترك السنن أو على فعل المكروه هو الذي يؤدب ويجرح ومن كان منه مرة لم يؤدب. واللَّه أعلم.
الثالث: قال في المسائل اللقوطة: قال القرافي: الحدود واجبة الإقامة على الأئمة، واختلفوا في التعزير فقال مالك وأبو حنيفة رحمهما اللَّه: إن كان الحق للَّه وجب كالحدود إلا أن يغلب على ظن الإمام أن غير الضرب مصلحة من الملامة والكلام، وقال الشافعي: غير واجب على الإمام. انتهى. ثم قال: ويجوز العفو عن التعزير والشفاعة فيه إن كان لحق آدمي فإن تجرد عن حق آدمي، وانفرد به حق السلطة كان لولي الأمر مراعاة حكم الأصلح في العفو والتعزير وله التشفيع فيد. انتهى. وقال القاضي عياض في الإكمال في شرح قوله: (لتشفعوا ولتوجروا) (١): الشفاعة لأصحاب الحوائج والرغبات عند السلطان مشروعة محمودة مأجور عليها صاحبها بشهادة هذا الحديث؛ وشهادة كتاب اللَّه بقوله: ﴿مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً﴾ الآية على أحد التأويلين، وفيه أن معونة المسلم في كل حال بقول أو فعل فيها أجر وفي عمومه الشفاعة للمذنبين وهي جائزة فيما لا حد فيه عند السلطان وغيره، وله قبول الشفاعة فيه والعفو إذا رأى ذلك كما له العفو ابتداء وهذا فيمن كانت منه الفلتة والزلة، وفي أهل الستر والعفاف أو من طمع بالعفو عنه أن تكون له توية، وأما المصرون على فسادهم المشهورون في باطلهم فلا تجوز الشفاعة لأمثالهم ولا ترك السلطان عقوبتهم ليزدجروا عن ذلك وليرتدع غيرهم بما يفعل بهم وقد جاء الوعيد في الشفاعة في الحدود (٢) انتهى. نقله الحطاب.
الرابع: قال المواق: ابن عرفة: موجب العصية غير الموجبة حدا عقوبة فاعلها. ابن شأس: والسيد يعزر في حق نفسه وفي حق اللَّه والزوج يعزر في النشوز وما أشبهه والأب يؤدب الصغير
стр. 9125
دون الكبير ومعلمه أيضا يؤدبه. ابن سلمون: إذا رفع للوالي أن في بيت فلان خمرا، فإن أتاه بذلك رجل واحد ممن لا تجوز شهادته فلا يكشف عن ذلك ولا يهتك ستر مسلم بذلك، وإن أتاه بذلك عدول فشهدوا عنده على البت كشف عن ذلك وهراقها وضرب المشهود عليه إلا أن يكون ممن له حرمة وليس بمشهور بالسوء فيتركه ولا يكشفه، وإذا مشت امرأة مع أهل الفساد ثم يؤتى بها لم ينبغ للإمام أن يكشفها عما كانت فيه، هل زنت أو كانت خرجت عن طوع ويؤدبها الإمام ولا يكشفها عن شيء؟ ونقل هذه المسألة بنصها وشرحها بقوله ﷺ (لعلك قبلت، لعلك لمست) (١). ومن تغامز مع امرأة أجنبية أو ضحك معها ضرب عشرين سوطا والمرأة كذلك، ومن جس امرأة ضرب أربعين سوطا وإن طاوعته هي فكذلك، وإن قبلها ضرب خمسين سوطا وهي كذلك إن طاوعته، وإذا قال رجل لآخر: سرقت متاعي فإن كان المدعى عليه ممن يتهم وإلا لزم القائل لذلك الأدب، وإذا شهد على رجل أنه يؤذي الناس بلسانه حبس ثلاثة أيام ويؤدب على قدر جرمه، وإن زاد شره أمر بالكف عن الجيران وإلا بيعت عليه داره أو أكريت عليه، وأفتى بعض الفقهاء في الذي يؤذي الناس في المسجد بإخراجه من المسجد.
الخامس: قد مر عن أبي زيد أنه إن ضرب في الزنى بالدرة في ظهره أجزأه، وقد مر عن ابن رشد أنه تفسير لأنه وإن كان الواجب ضربه بالسياط كما قال مالك فلا يجب أن يعاد عليه الضرب بالسياط إذا ضرب بالدرة إلا أن تكون الدرة التي ضرب بها لطيفة لا تؤلم. الرهوني: وهو يفيد أن هذا هو المذهب وإن كان ابن يونس نقل كلام المدونة ولم يقيده بشيء الخ.
السادس: قال الرهوني في المعيار من جواب لمؤلفه ما نصه: والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا يتعلقان إلا بواجب أو حرام عند المحققين. انتهى. وقد يظهر ما قاله على أنه لا أدب في فعل المكروه وترك السنن، وأما على أنه يؤدب على ذلك فلا؛ لأن الأمر والنهي باللسان أخف من التأديب؛ مع أن كلام العلامة الأبي يفيد أنه لا خلاف أن ذلك مطلوب فإنه إنما حكى الخلاف
стр. 9126
في الوجوب فقط. وقد وقع المنهي عن المكروه وتكرر في زمن الصحابة فمن بعدهم، (ففي الصحيحين أن أبا سعيد الخدري ﵁ أنكر على مروان تقديمه الخطبة قبل الصلاة في العيد) (١)؛ قال في الإكمال ما نصه: وقوله لا تأتون بخير مما أعلم تصريح بالحق وإن لم يكن في الواجبات. انتهى بلفظه. ونقله الأبي في إكمال الإكمال، وقال عقبه: قلت اختلف في وجوب التغيير لمخالفة المندوب. انتهى. (وقد أمر النبي ﷺ حسبما في أصح الصحيح أن يقال لمن ينشد الضالة في المسجد: لا ردها اللَّه عليك) (٢)، وفي الصحيحين وغيرهما أن سيدنا عمر قال لسيدنا عثمان ﵄ حين تأخر يوم الجمعة: (أي ساعة هذه؟ ثم قال له ثانيا في الوضوء أيضا) (٣) وفي الصحيحين أيضا عن ابن عباس ﵄: (كنت أضرب الناس مع عمر على الصلاة بعد العصر) (٤)، وفيهما أيضا قول سيدنا عمر للرجلين الذين كانا يرفعان أصواتهما في المسجد: ولولا أنكما غريبان لأوجعتكما ضربا وفي الصحيح أيضا قول سيدنا عمر لسيدنا عبد الرحمن بن عوف ﵁ عند لبسه وهو محرم ثوبا مصبوغا بما يكره للمحرم لبسه: إنكم أيمة يقتدف بكم، وفي المعيار عن المدخل: وردت السنة أن من إكرام الميت تعجيل الصلاة عليه ودفنه، وقد كان بعض العلماء رحمه اللَّه تعالى يحافظ على السنة إذا جاءُوا بالميت إلى المسجد صلي عليه قبل الخطبة، ويأمر أهله أن يخرجوا إلى دفنه، فجزاه اللَّه تعالى خيرا عن نفسه على محافظته على السنة، فلو كان العلماء ماشين على ما مشى عليه هذا السيد انسدت هذه الثلمة التي وقعت وهي من أحدث شيئا سكت عنه فتزايد الأمر لذلك فإنا للَّه وإنا إليه راجعون. انتهى. وقد نقل كلام المدخل هذا غير واحد من شراح المختصر وسلموه كما سلمه صاحب المعيار، وبه تعلم ما في كلامه المتقدم. واللَّه الموفق.
السابع: في الحديث أنه سئل عن حريسة الجبل، فقال فيها: غرم مثلها وجلدات نكالا، فإذا آواها المراح ففيها القطع. قال في النهاية: لا قطع في حريسة الجبل أي ليس فيما يحرس بالجبل
стр. 9127
إذا سرق قطع لأنه ليس بحرز، والحريسة فعيلة بمعنى مفعولة أي أن لها من يحرسها ويحفظها، ومنهم من يجعل الحريسة السرقة نفسها، يقال حرس يحرس حرسا إذا سرق فهو حارس أي ليس فيما يسرق من الجبل قطع. انتهى. انظر الرهوني.
الثامن: قال الرهوني: وعزر الإمام لمعصية اللَّه تعالى؛ أي إذا فعله معتقدا أنه معصية (١) وإن كان في نفس الأمر ليس كذلك كمن شرب مثلا ما يعتقد حرمته فتبين أنه حلال. انتهى. ثم قال: وقال عياض: لا ينبغي للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر أن يحمل الناس على اجتهاده ومذهبه، وإنما يغير منه ما اجتمع على إحداثه وإنكاره، ورشح هذا محيي الدين النووي مرجحا كلام عياض، قائلا: أما المختلف فيه فلا إنكار، وليس للمفتي ولا للقاضي (٢) على من خالفه إذا لم يخالف نص القرآن أو السنة أو الإجماع. انتهى. نقله المواق. وزاد: وقال القرافي وعز الدين بن عبد السلام؛ من أتى شيئا مختلفا فيه يعتقد تحريمه أنكر عليه لانتهاكه الحرمة، فإن اعتقد تحليله لم ينكر عليه إلا أن يكون مدرك المحل ضعيفا ينقض الحكم بمثله لبطلانه في الشرع. انتهى. فإن حمل على أن المراد المجتهد أو من قلده فهو واضح وإلا فهو مشكل غاية؛ لأن في المذهب مسائل صرحوا فيها بالأدب مع شهرة الخلاف فيها، بل قد تقدم التأديب في المكروه. وذكره الحطاب فقال بعد ذكره الخلاف: فالظاهر أنه لا معارضة وأن من واظب على ترك السنن وعلى فعل المكروه فهو الذي يؤدب ويجرح، ومن كان ذلك منه مرة لم يؤدب. واللَّه أعلم. انتهى. حبسا ولو ما يعني أن الإمام يعزر لمعصية اللَّه تعالى أو لحق الآدمي بالحبس وباللوم وذلك موكول إلى اجتهاده بقدر القائل والمقول له والقول، فإن أداه اجتهاده إلى الحبس حبسه وإلى اللوم بأن يوبخه بالكلام. قال التتائي: هما منصوبان على المصدرية أو على نزع الخافض أي عزر بالحبس واللوم. انتهى. وقال الشبراخيتي: مفعول مطلق أي يحبسه حبسا ويلومه لوما لا منصوب بنزع الخافض لأنه سماعي. انتهى. وقال المواق: مالك: من قال لرجل يا كلب فذلك يختلف إن كانا
стр. 9128
معا من ذوي الهيئة عوقب القائل عقوبة خفيفة يهان ولا يبلغ به السجن، وإن كان القائل من ذوي الهيئة والمقول له من غير ذوي الهيئة عوقب بالتوبيخ ولا يبلغ به الإهانة ولا السجن، وإن كان القائل من غير ذوي الهيئة والمقول له من ذوي الهيئة عوقب بالضرب. انتهى.
وبالإقامة يعني أن الإمام له أن يعزر بالإقامة بأن يوقف المعزر على قدميه في الملإ ثم يقعده أو يقام من المجلس بأن يؤمر بالذهاب من المجلس إذا أدى الإمام اجتهاده إلى ذلك. قال البناني مفسرا لقوله: "وبالإقامة" على ما لعبد الباقي ما نصه: يعني أن الحاكم يوقفه على قدميه ثم يقعده أو يأمره بالذهاب من المجلس. انتهى. وفسر المواق المنصف بالإقامة على القدمين في المحافل، فإنه قال ابن شأس: كانوا يعاقبون الرجل على قدره وقدر جنايته، منهم من يضرب ومنهم من يحبس ومنهم من يقام واقفا على قدميه في المحافل ومنهم من تنزع عمامته ومنهم من يحل إزاره. انتهى. ونزع العمامة يعني أن الإمام إذا أداه اجتهاده إلى نزع العمامة أي عمامة الذي يريد تعزيره فله أن يفعل ذلك كما قال ابن شأس، ومنهم من تنزع عمامته. قال المواق: قال ابن عرفة: ومما جرى به العمل من أنواع التعزير ضرب القفا مجردا عن ساتر بالأكف. عياض: وحلف رجل بالطلاق في مجلس سحنون وأمر سحنون بصفع قفاه. انتهى.
تنبيه: قول المنصف: "وبالإقامة ونزع العمامة" يرشح كون قوله: "حبسا ولوما" منصوبا على نزع الخافض. واللَّه تعالى اعلم.
وضرب بسوط أو غيره يعني أن التعزير أي الأدب يكون بالضرب بالسوط وبغير السوط كالعصا، فإذا أدى الإمام اجتهاده إلى شيء من ذلك فعله، فقوله: "أو غيره" أي غير السوط بخلاف الحد فإنه لا يكون إلا بالسوط كما مر. قال الشبراخيتي: وسكت المنصف عن التعزير بالنفي كما ذكر فيمن يزور الوثائق وعن التعزير بالمال أي بأخذه كأخذ أجرة العون من المطلوب المظالم أو بإخراجه من ملكه، كتعزير الفاسق ببيع داره على ما تقدم في قوله: "وفسق مستأجر وآجر الحاكم إن لم يكف وبالتصدق عليه به"، كما أشار له المنصف بقوله: "وتصدق بما غش ولو كثر". انتهى. ونحوه لعبد الباقي وفيه متصلا بهذا ما نصه: وبإتلافه كإراقة اللبن على من غشه حيث كان يسيرا. وتقدم في القضاء وعزر شاهد زور بملإ وهل يكون التعزير بأخذ المال في معصية لا تعلق لها
стр. 9129
بالمال أم لا والأول مذهب الحنفية. قاله الأجهوري. وتوقفه في مذهبه قصور فإن المنهي (١) مختصر البحر للحنفية عزا للأئمة الثلاثة والصاحبين أنه لا يكون بالمال. ونصه: وما في الخلاصة سمعت من ثقة أنه يكون بأخذ المال أيضا إن رأى القاضي ذلك. ومن جملة ذلك من لا يحضر الجماعة فمبني على اختيار من قال بذلك، لقول أبي يوسف: إنه مروي عنه أنه يجوز للسلطان التعزير بأخذ المال. كذا في الفتح، ومعناه كما قال البرزلي (٢) أن إمساكه (٣) عنده مدة لينزجر ثم يعيده إليه، لا أنه يأخذه لنفسه أو لبيت المال كما يتوهمه الظلمة؛ إذ لا يجوز أخذ مال مسلم بغير سبب شرعي أي كشراء أو هبة. انتهى.
ثم إنها ترد إليه إذا تاب فإن أيس من توبته صرفه الإمام إلى ما يرى. وفي شرح الآثار: التعزير بالمال كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ كذا في المجتبى، وعندهما وباقي الأئمة الثلاثة لا يجوز التعزير به. انتهت عبارة النهى. (٤) وانظر قوله: وعندهما مع نقله قبل عن أبي يوسف. انتهى. قوله: عن الأجهوري وهل يكون التعزير بأخذ المال؟ الخ قال البناني: يدل على قصوره ما ذكره ابن رشد في رسم مساجد القبائل من سماع ابن القاسم من كتاب الحدود في القذف، ونصه: مالك: لا يرى العقوبات في الأموال، وإنما ذلك في أول الإسلام، من ذلك ما روي عن النبي ﷺ في مانع الزكاة (أنه تؤخذ منه وشطر ماله عَزمة من عزمات ربنا) (٥)، وما روي عنه ﵊ في حريسة الجبل (أن فيها غرامة مثليها وجلدات نكال) (٦)، وما روي عنه ﵊ أن سلب من أخذ وهو يصيد في الحرم لمن أخذه، كان ذلك كله في أول الاسلام وحكم به عمر بن الخطاب ثم انعقد الإجماع أن ذلك لا يجب وعادت العقوبات على الجرائم في الأبدان. انتهى. وفي نظم صاحب العمل:
стр. 9130
ولم تجز عقوبة بالمال … أو فيه عن قول من الأقوال
لأنه (١) منسوخة إلا أمور … ما زال حكمها على اللسن يدور
كأجرة الملد في الخصام … والطرح للمغشوش من طعام
انتهى. وفي الميسر عند قول المنصف: "وعزر الإمام لمعصية اللَّه تعالى أو لحق آدمي حبسا ولَوْمًا وبالإقامة" الخ ما نصه: وذلك كله باجتهاد الإمام فيعاقب الرجل على قدره وقدر جرمه، ويخفف أو يجافي عن الرفيع وذي الهيئة ويثقل على ذي الشر والمعتبر في الرفعة الصيانة والخير. وذكر في التوضيح عن ابن رشد أن من قال لرجل: يا كلب، إن كانا من ذوي الهيئة خفف في عقوبته ولا يبلغ به السجن وإن لم يكونا كذلك سجن، وإن كان القائل فقط ذا هيئة عوقب بتوبيخ ولا يسجن وبالعكس عوقب بالضرب. وفي الواضحة عن مطرف: أقصى ما يبلغ به الأدب في الجرم ثلاثمائة. وقال أشهب: لا يزيد السلطان في الأدب على عشرة أسواط ولا المؤدب على ثلاث.
وذكر الحطاب أن من تغامز مع أجنبية أو تضاحك معها ضرب عشرين وإن حبسها (٢) ضرب أربعين وإن قبلها ضرب خمسين وإن طاوعته في الأمرين ضربت مثله، وأن من أتى بهيمة ضرب مائة، ومن سرق دون نصاب من الغنيمة ضرب خمسين، وإذا ارتفع كلام الخصمين عند القاضي ضربا عشرة، ومن سل سيفا على وجه القتال ضرب أربعين وكان السيف فيئا، وإن هدد به على وجه المزاح ضرب عشرين، ومن سل سكينا على وجه المزاح ضُرِب عشرة. وذكر ابن سلمون أن من تكلم في عالم بما لا يجب فيه حد: ضرب أربعين. انتهى.
وإن زاد على الحد يعني أن الإمام إذا أداه اجتهاده في التعزير إلى أن يزيد على جلد الحد فإن ذلك له، وأما ما ثبت في صحيح مسلم عنه ﷺ : (لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود اللَّه تعالى) (٣)، فقال المازري: تأول أصحابنا الحديث على قصر ذلك في زمنه
стр. 9131
عليه الصلاة والسلام؛ لأنه كان يكفي ذلك القدر، وإلا فقد ضرب عمر ﵁ معن بن زائدة الذي نقش على خاتمه وأخذ شيئا من بيت المال مائة وضرب صيفيا (١) أكثر من الحد ونفاه إلى البصرة والكوفة وأمر بهجره، وكان لا يكلمه أحد لأنه كان يسأل عن مشكلات القرآن والتفقه فيها حتى تاب وكتب عامل البلد إلى عمر بتوبته. قاله الشبراخيتي.
أو أتى على النفس يعني أن للإمام أن يفعل في التعزير ما أداه إليه اجتهاده، وإن كان الذي أداه إليه اجتهاده يزيد على الحد كما عرفت أو أتى على النفس، ففي العتبية عن مالك أنه أمر صاحب الشرطة بضرب شخص وجد معه صبي فوق ظهر المسجد وقد جرده وضمه إلى صدره أن يضربه ضربا مبرحا ويسجنه طويلا وضربه أربعمائة سوط فانتفخ ومات ولم يستعظم ذلك مالك وما أنكره: وفي النوادر عن الواضحة قال مطرف: أُتِيَ قاضي المدينة وهو هشام بن عبد اللَّه المخزومي -وكان صالحا- برجل خبيث يعرف باتباع الصبيان قد لصق بغلام في زحام حتى أمنى فبعث به هشام إلى مالك وقال: أترى أن أقتله؟ قال لا ولكن أوجعه عقوبة، فأمر بجلده أربعمائة وسجن فما لبث أن مات، وما أنكره مالك. قاله الشبراخيتي. وإذا فعل الإمام ما أداه إليه اجتهاده وأتى على النفس ولم يتبين له أنه أخطأ فيما أداه إليه اجتهاده، فإنه لا ضمان عليه.
وأما قوله: وضمن ما سرى فمعناه أنه إذا فعل به ما أداه إليه اجتهاده كمائتي جلدة مثلا فمات من ذلك، فتبين له أنه لا يستحق ذلك وإنما يستحق أقل من ذلك فإنه يضمن ما سرى إليه ذلك الفعل فعليه الدية. قال الرهوني: التعزير جائز بالاجتهاد مطلقا وإن زاد على الحد أو أتى على النفس، وقوله: "وضمن ما سرى" فيما إذا تبين خطؤه، كضربه أربعمائة فمات منها ثم تبين أنه لا يستحق ذلك فيضمن ديته، ولا ترد مسألة الإمام لأنه لم يتبين له خطأ، كما أشار إليه ابن مرزوق ويستروح من تقرير الطخيخي. قال الرهوني: وهذا هو الحق الذي لا محيد عنه، وعليه عول سيدي عبد الواحد ابن عاشر ونصه: ابن مرزوق: معناه إذا اجتهد وأخطأ فيضمن وكأنه
стр. 9132
عنده -واللَّه أعلم- بمثابة الخطإ والعمد في أموال الناس، والضمان على هذا لا ينافي أن لا إثم فيه؛ لأن الشخص يقتل آخر خطأ ولا إثم عليه ويعطي ديته. انتهى.
وقال عبد الباقي مفسرا للمصنف: وإن زاد على الحد أو أتى على النفس وله الإقدام إن ظن السلامة، فإن ظن عدمها أو شك منع وإن فعل مع الشك ضمن دية ما سرى لنفس أو عضو على العاقلة والإمام كواحد منهم ولا قصاص عليهم، قالت أهل المعرفة: ينشأ عن فعله تلف أو عيب أم لا إذ لا قصاص بالشك، فإن فعل مع ظن عدم السلامة اقتص منه. قال العرف ينشأ ذلك عنه أم لا كما في ابن مرزوق، وكلام التتائي كما يأتي يقتضي أنه يضمن في هذه الحالة دية خطأ، وفيه نظر كما نبه عليه الشيخ أحمد بابا. وأما إن فعل مع ظن السلامة فلا ضمان عليه إذا خاب ظنه وحصل منه تلف. قالت أهل المعرفة: ينشأ عنه تلف أم لا كما في النوادر وكذا في العتبية عن مالك، قال في التوضيح: وهو قول الجمهور وقيل يضمن مطلقا وهو ظاهر الجواهر وابن الحاجب، وقيل يضمن إن قال العرف ينشأ عنه ذلك وإلا فلا وهو لابن مرزوق وانظر مستنده فيه. ونص التتائي عقب "أو أتى على النفس": معناه مع ظن السلامة وإلا ضمن ما سرى، ولا مناقضة حينئذ بين كلاميه وبه يندفع استصعاب ابن عبد السلام. انتهى.
وفيه نظر لأنه يدخل تحت قوله: وإلا ما إذا ظن عدم السلامة مع أنه يقتص منه، لا أنه يضمن الدية. وحمل الضمان في كلامه على القصاص في ظن عدم السلامة خلاف عرفهم. انتهى المراد منهم. وقال البناني: وضمن ما سرى يعني فإن سرى التعزير حتى أتى على النفس ضمن ذلك الإمام، قال ابن عبد السلام: وفي هذا صعوبة إذ الولاة مأمورون بالتعزير فتضمينهم ما سرى إليه التعزير مع أمرهم به تكليف ما لا يطاق وأشد من ذلك الإقادة منهم. انتهى. وعلى إشكاله كان بعضهم ينشد:
ألقاه في اليم مكتوفا فقال له … إياك إياك أن تبتل بالماء
وأجاب عنه التتائي تبعا للشيخ داوود شيخه بما قرره به الزرقاني من حمل الضمان على عدم ظن السلامة وحمل الجواز على ظنها، وهو خلاف النقل المفيد جواز التعزير مع عدم ظن السلامة،
стр. 9133
كما استظهره في التوضيح معترضا تقييد ابن الحاجب تبعا لابن شأس الجواز بشرط السلامة، وأيضا حمل الضمان على عدم ظن السلامة خلاف ظاهر كلام المؤلف وخلاف كلام ابن الحاجب وابن رشد في ترتيبهم الضمان على فعل ما يجوز له، ولكونه مرتبا عندهم على فعل الجائز أتى إشكال ابن عبد السلام وسلمه الشارح وابن غازي وغير واحد، ولا مساعد من النقل لما قاله التتائي. فالصواب ابقاء كلام المؤلف على ظاهره من غير تقييد وترتيب الضمان على ذلك الظاهر وسلف المؤلف في ذلك ابن شأس وابن الحاجب. قاله مصطفى.
ثم قال: والظاهر أن مراد ابن الحاجب وابن شأس بقولهما: التعزير جائز بشرط السلامة أي جائز ولا ضمان بشرط السلامة، بدليل قولهما بفاء التفريع فإن سرى فعلى العاقلة. انتهى. قال الرهوني: قول محمد بن الحسن البناني: ثم قال والظاهر أن مراد ابن الحاجب الخ سلم كلام مصطفى، وقال التاودي بعد أن ذكره ما نصه: وهو غير ظاهر أيضا وبحث ابن عبد السلام قائم كما هو بين، وأقرب منه أن يقال: التعزير جائز بالاجتهاد مطلقا وإن زاد على الحد أو أتى على النفس. وقوله: "وضمن ما سرى" فيما إذا تبين خطؤه كضربه أربعمائة فمات منها ثم تبين أنه لا يستحق ذلك فيضمن ديته، ولا ترد مسألة الإمام لأنه لم يتبين فيها خطأ كما أشار له ابن مرزوق. ويستروح من تقرير الطخيخي أيضا فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى منه بلفظه.
قال الرهوني: قلت وهو الحق الذي لا محيد عنه إلى آخر ما مر في أول الحل، ثم قال: قال ابن مرزوق: ولا يصح أن يقال معنى كلامه -يعني المصنف- أن الإمام إذا عزر باجتهاده ولم يظهر خطؤه، فتولد من تأديبه هلاك أن يضمن لأن هذا يناقض قوله: "أو أتى على النفس". انتهى. وما نسباه لابن مرزوق هو كذلك فيه، وزاد بعد ذلك ما نصه: ولا يحمل كلام ابن الحاجب إلا على هذا المعنى وإلا كان مخالفا للنقل؛ لأن فعل الإمام إذا كان على الصواب فيما يجتهد فيه أو على الوجه الذي حد له فيما لا يجتهد فيه ثم نشأ عنه تلف فلا ضمان فيه كما ترى. وقد بان
стр. 9134
أن كلام ابن الحاجب مخالف لما نقلنا عن مالك من انتهاء التعزير إلى الموت في الحكاية المذكورة، ونظيرها في العتبية أيضا [في رجل] (١) خلا بصبي وجرده من ثيابه. انتهى.
يشير إلى ما في النوادر من كتاب ابن حبيب، قال مطرف: أتي هشام بن عبد اللَّه قاضي المدينة -وهو من صالحي قضاتها- برجل خبيث يعرف باتباع الصبيان لصق بغلام في زحام الناس الخ، ثم قال: أما ضمان الإمام والطبيب في خطئهما على الجملة فقال في القطع في السرقة من المدونة: وما بلغ من خطإ الإمام ثلث الدية فأكثر فعلى عاقلته مثل خطإ الطبيب والمعلم والخاتن، ثم قال: وأما أن خطأهما لا يكون إلا مع مخالفة وجه الصواب فيما شرع لهما فعله، فقال في آخر أحكام الدماء من النوادر: قال ابن حبيب قال أصبغ: وروى ابن وهب عن يحيى بن سعيد: كل حاكم بين المسلمين من أمير أو قاض أو صاحب شرطة، فما كان من عقوبتهم من موت عن جد أو أدب فهدر، وما كان من ظلم بين فالقود في عمده والعقل في خطئة، قال: قال أصبغ: وهو قولنا وجماعة علمائنا. انتهى.
وقال أبو الوليد بن رشد: والعقوبات على الجرائم عند مالك على قدر اجتهاد الوالي وعظم جرم الجاني وإن تجاوز الحد، وقد أمر مالك صاحب الشرطة في الذي وجد مع صبي في سطح وقد جرده وضمه إلى صدره وغلق على نفسه معه فلم يشكو في المكروه فأمره أن يضربه ضربا مبرحا ويسجنه طويا، حتى تظهر توبته وتتبين، فسجنه صاحب الشرطة أياما قبل أن يضربه فكان أبوه يختلف إلى مالك ويتردد إليه ويقول له: اتق اللَّه يا مالك فما خلقت النار باطلا، فيقول له مالك: أجل وإن الذي ألفي عليه ابنك لمن الباطل ثم ضربه صاحب الشرطة أربعمائة سوط فانتفخ فمات فما أكبر ذلك مالك ولا بالى به، فقيل له: يا أبا عبد اللَّه إن هذا من الأدب والعقوبة لكثير فقال: هذا بما أجرم، وما رأيت أنه مسه من العقوبة إلا بما اجترم. انتهى.
وفي الرهوني بعد جلب نقول ما نصه: وقد خفيت هذه النصوص القاطعة والحجج البينة الساطعة على مصطفى وبناني كما خفيت أيضا على جسوس، فنظر في كلام ابن عاشر ولا نظر فيه والكمال
стр. 9135
للَّه تعالى. ومما يشهد لما قاله ابن مرزوق ومن تبعه أيضا ما نص عليه غير واحد من أن تأديب الزوج زوجته على وجه يجوز له إذا نشأ عنه الموت لا ضمان فيه، وتأديب الحكام بهذا أولى لأنه آكد من تأديب الزوج لوجوبه على الحكام، بخلاف الزوج واللَّه أعلم. انتهى.
والحاصل أن التحقيق عند الرهوني تبعا لابن مرزوق وابن عاشر والتاودي أن المعزر الذي له التعزير إن فعل ما أداه إليه اجتهاده ولم يتبين خطؤه لا ضمان عليه وإن أتى على النفس، ويجوز له الإقدام على ما أداه إليه اجتهاده وإن ظن عدم السلامة، فإن فعل ما أداه إليه اجتهاده ومات من ذلك أو تلف به عضو وتبين له خطؤه فإنه يضمن، ولو فعل به الظلم البين بأن فعل به ما لا يستحق متعمدا ذلك فالقود. هذا هو تحرير المسألة عند هؤلاء. ورد كلام ابن شأس وابن الحاجب ومصطفى والتتائي وعبد الباقي ومن وافق أحدا منهم، وقد مر كلام الجميع متمما فراجعه إن شئت. واللَّه تعالى أعلم.
كطبيب جهل تشبيه في الضمان؛ يعني أن الطبيب إذا جهل علم الطب فإنه يضمن ما نشأ عن فعله أو قصر؛ أي وكذلك يضمن الطبيب إذا لم يجهل علم الطب لكنه قصر بأن أخطأ في فعله، كان أراد قلع سن فقلع غيرها خطأ أو تجاوز بغير اختياره الحد المعلوم في الطب عند أهل المعرفة، كأن زلت يده أو ترامت يد خاتن أو سقى عليلا دواء غير مناسب للداء معتقدا أنه يناسبه وقد أخطأ في اعتقاده فيضمن ما ذكر. وقوله: "كطبيب" معناه مدع للطب أو في زعمه، فلا ينافي قوله: "جهل". قال عبد الباقي: كطبيب أي مدع أو في زعمه فلا ينافي قوله: "جهل" علم الطب في تجربة علاج شخص ولم يقصد ضررا فيضمن موجب فعله عليه وعلى عاقلته، أو لم يجهله لكن قصر كأن أراد قلع سن فقلع غيرها خطأ، أو تجاوز بغير اختياره الحد المعلوم في الطب عند أهل المعرفة، كأن زلت أو ترامت يد خاتن أو سقى عليلا دواء غير مناسب للداء معتقدا أنه يناسبه وقد أخطأ في اعتقاده، فيضمن ما ذكر في ماله لأنه عمد لا قصاص فيه.
ومفهوم "جهل أو قصر" أنه إن علمه ولم يقصر بل فعل ما يناسب المرض في الطب ولكن نشأ عنه عيب أو تلف فلا ضمان عليه إلا أن يقصد هو أو الجاهل أو المقصر الضرر فيقتص منه، وإنما لم يقتص من الجاهل حيث لم يقصد الضرر بل ما نشأ عن فعله في ماله ولو بلغ ثلث الدية أو أكثر؛
стр. 9136
لأنه إنما قصد نفع العليل أو رجا ذلك والأصل عدم العداء إن ادعي عليه العداء. انتهى. وتأمل قوله. في الجاهل أولا حيث لم يقصد الضرر، فإنه قال فيه: إن الضمان عليه وعلى عاقلته، وقال فيه أخيرا: إنه يضمن في ماله ولو بلغ ثلث الدية أو أكثر فتعارض كلامه فيه. قال البناني: قول الزرقاني في الجاهل يضمن عليه وعلى عاقلته مناقض لقوله آخر التقرير: وإنما لم يقتص من الجاهل حيث لم يقصد الضرر، بل ما نشأ من فعله في ماله ولو بلغ ثلث الدية لخ. وهما قولان: الأول لعيسى والثاني للإمام مالك كما يأتي عن ابن رشد، وقول الزرقاني في المقصر: فيضمن ما ذكر في ماله لأنه عمد لا قصاص فيه، فيه نظر، بل ذلك على عاقلته كما ذكر ابن رشد في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، ونصه:
تحصيل القول في هذه المسألة أن الطبيب إذا عالج الرجل فسقاه فمات من سقيه أو كواه فمات من كيه أو قطع منه شيئا فمات من قطعه أو الحجام إذا ختن الصبي فمات من ذلك أو قلع ضرس الرجل فمات من ذلك، فلا ضمان على واحد منهما في ماله ولا على عاقلته إذا لم يخطئا في فعلهما، إلا أن يكون قد تقدم السلطان إلى الأطباء والحجامين أن لا يقدموا على شيء مما فيه غرر إلا بإذنه ففعلوا ذلك بغير إذنه، فأتى على أيديهم فيه بموت أو ذهاب حاسة أو عضو فيكون عليهم الضمان في أموالهم. وقد قال ابن دحون: إن ذلك يكون على العاقلة إلا فيما دون الثلث وذلك خلاف الرواية، وأما إذا أخطأ في فعلهما مثل أن يسقي المريض ما لا يوافق مرضه فيموت من ذلك، أو تزل يد الخاتن أو القاطع فيتجاوز في القطع أو يد الكاوي فيتجاوز في الكي، أو يكوي (١) ما لا يوافقه الكي فيموت منه أو يقلع الحجام غير الضرس التي أمر بها وما أشبه ذلك، فإن كان من أهل المعرفة ولم يغر من نفسه فذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون ذلك في ماله، وأما إن كان لا يحسن وغر من نفسه فعليه العقوبة من الإمام بالضرب أو السجن.
стр. 9137
واختلف في الدية فقيل: إنها تكون عليه في ماله ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية، وقيل إن ذلك يكون على العاقلة لأنه خطأ إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون في ماله وهو قول عيسى بن دينار هنا وظاهر رواية أصبغ عن ابن القاسم. انتهى. وقال ابن عرفة عن ابن رشد في سماع أصبغ: دية من هلك عن فعل الطبيب خطأ على عاقلته اتفاقا وإن غر من نفسه فقيل في ماله وهو ظاهر قول مالك في رسم كتب عليه ذكر حق وقيل على العاقلة وهو قول عيسى بن دينار هناك وظاهر قول أصبغ هنا. انتهى.
والحاصل مما مر على سبيل الاختصار أن الطبيب إذا فعل ما يناسب لا ضمان عليه إلا إذا نهى السلطان الأطباء عن فعل ما فيه غرر إلا بإذنه، فمن خالفه ضمن في ماله فإن لم ينههم فمن قصر فعلى عاقلته إن بلغ الثلث، وأما من تطبب ولم يقصد ضررا فهل في ماله أو على عاقلته قولان، فإن قصد كل ممن ذكر الضرر اقتص منه. واللَّه تعالى أعلم. الشبراخيتي: المراد بالطبيب هنا الداوي وفيما مر يعني في باب الدماء المباشر للقصاص. انتهى المراد منه.
أو داوى بلا إذن معتبر يعني أن الطبيب إذا داوى بلا إذن معتبر بأن داوى بغير إذن أو بإذن من لا يعتبر إذنه شرعا فنشأ من فعله تلف نفس أو غيرها فإنه يضمن، وقوله: "إذن" الظاهر أنه منون ومعتبر صفة له ويفيده الخرشي. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: أو قدم على فعل وداوى بلا إذن معتبر. انتهى. يعني كإذن الصبي والمجنون وغيرهما ممن لا يعتبر إذنه شرعا، ويضمن من داوى بلا إذن معتبر ما أتلف ولو أصاب وجه العمل والصنعة.
ولو أذن عبد بفصد أو حجامة أو ختان يعني أنه يضمن ما أتلف بمداواته حيث لم يأذن له في ذلك من يعتبر إذنه، وإن صدر الإذن من عبد بأن يفصده أو يحجمه أو يختنه فأصابه من ذلك تلف، فإن ذلك الفاصد أو الحاجم يضمن ما سرى لقدومه على أمر لم يؤذن له فيه إذنا معتبرا، وسواء علم أنه عبد أو لا. قاله ابن شأس. وفي التوضيح أنه لو قيل بنفي ضمانه لكان له وجه لأنه كالمأذون له بالعرف إن اشتهر بالطب وخيف الفوات، وذكر أن العرف مطرد بعدم الاحتياج إلى إذن السيد في الفصد والحجامة لا سيما إن ظهر الوجب. قاله في الميسر. وقال المواق: قال مالك: إن أمره عبد أن يختنه أو يحجمه أو يقطع عرقه ففعل فهو ضامن ما أصاب العبد في ذلك إن
стр. 9138
فعله بغير إذن سيده، علم أنه عبد أو لم يعلم وقيل هذا ظاهر بالنسبة للختان لا بالنسبة للحجامة. انتهى.
وقال البناني: أو بلا إذن معتبر أي فيضمن صاحب الخطإ يعني على العاقلة. ابن الحاجب: ومن فعل فعلا يجوز له من طبيب أو غيره فتولد منه الهلاك، فإن كان جاهلا له أو لم يؤذن له أو أخطأ فيه أو في مجاوره أو قصر فالضمان كالخطإ. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولو أذن عبد بفصد الباء بمعنى في أو حجامة أو ختان فإنه يضمن لأن إذنه غير مفيد. قاله في المجموعة وفي التوضيح. هذا ظاهر في الختان. وأما الحجامة والفصد فالعرف جار بعدم الاحتياج فيهما لإذن السيد لا سيما عند مس الحاجة إلى ذلك، وظاهر كلامه أن الطبيب يضمن ذلك في ماله وهو لمالك في العتبية وقيل على العاقلة، وذكر في الحاشية أن الضمان على عاقلته وظاهر قول مالك في العتبية ضعيف. انتهى. ولو ادعى الطبيب الخطأ وذو الجناية العمد فالقول قول الطبيب، وإذا فقأ الزوج عين زوجته والسيد عين رقيقه وادعت الزوجة والرقيق العمد وادعى الزوج والسيد الأدب، فرجع سحنون إلى أن القول قول مدعي الأدب ويؤدب الجاهل لا المخطئ. قاله التتائي.
وكتأجيج نار في يوم عاصف قال الخرشي: يعني أن من أجج نارا أي أشعلها في يوم عاصف أي شديد الريح فأحرقت شيأ فإنه يضمنه إلا أن يكون ذلك في مكان بعيد لا يظن أن تصل إلى الشيء الذي أحرق فإنه لا ضمان عليه حينئذ، ومثل النار الماء. وقال المواق من المدونة من أرسل في أرضه نارا أو ماء فوصل إلى أرض جاره فأفسد زرعه، فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها فتحاملت النار بريح أو غيره فأحرقته فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن ذلك لقربها فهو ضامن. ابن رشد: مثل هذا ما في العتبية في رجل طبخ سكرا (١) في قدر سترها عن أعين الناس بقصب وكان صبي خلف القصب قائما لا علم للطابخ به ففارت القدر بما فيها، فأصاب الصبي ما خرج منها فمات لا شيء عليه. ابن عبد السلام: الضمان في مسألة الكتاب إنما هو فيما قصده بالتعدي حيث أوقد النار عند هبوب الريح. انتهى. وقال عبد الباقي: وكتأجيج أي إشعال نار في
стр. 9139
يوم عاصف أي شديد الريح فأحرقت شيأ فإنه يضمن المال في ماله والدية على عاقلته. قاله التتائي. إلا أن يكون ذلك في مكان بعيد لا يظن أن تصل إلى الشيء الذي أحرقته فلا ضمان عليه حينئذ، ومثل النار الماء والريح يذكر ويؤنث. انتهى. قول الزرقاني: والدية على عاقلته قاله التتائي، قال الرهوني: انظر نسبته للتتائي وهو مصرح به في المدونة، ونصها: ومن أرسل في أرضه ماء أو نارا فوصل (١) إلى أرض جاره فأفسد زرعه، فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها فتحاملت النار بريح أو بغيرها فأحرقت فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن وصول ذلك إليها لقربها فهو ضامن وكذلك الماء، وما قتلت النار من نفس فعلى عاقلة مرسلها. انتهى. ونقله المصنف في التوضيح وغيره. قال أبو الحسن: قال بعض المتأخرين: وحد البعد ثلاثة أميال، ثم قال اللخمي: إن لم يكن وقت إرسالها ريح فجرت أو كانت ريح فتغيرت إلى الناحية التي أحرقت فلا شيء عليه وإن كانت الريح إلى تلك الأرض ضمن؛ لأن الشأن في الريح أنها تحمل النار وإن بعدت إلا أن تكون بعيدة جدا. اللخمي: قال الشيوخ: وكذلك إذا كانت الأعشاب متصلة فإنه ضامن وإن بعدت. انتهى.
وقال أبو الحسن إثر قولها السابق: وإن لم يؤمن وصول ذلك لخ ما نصه: قال أبو عمران: ولو وإن قرب أرضه أرض لا يؤمن أن تصل النار إليها فأطلق النار فخرجت من أرضه وترامت إلى الأرض التي يخاف عليها أنه لا ضمان عليه إذا وصلت إلى أرض يؤمن عليها، ولو كان أصل إطلاقه تعديا على جاره اللاصق به. قال ابن كنانة فيمن أرسل نارا في حائط رجل فأحرقته وأحرقت حائطًا آخر لرجل آخر: إنه إنما يضمن ما باشر بالعداء ولا يضمن الحائط الآخر. انتهى. الرهوني: قلت ظاهر قول ابن كنانة: ولا يضمن الحائط الآخر، أنه لا يضمنه ولو كان لا يؤمن عليه، والظاهر حمله على أنه بعيد مما باشر إحراقه، فإن حمل على ظاهره كان شاذا ومخالفا لنص المدونة وغيرها؛ لأنه إذا ضمن في إرسال النار في أرض نفسه فأحرى إذا أرسلها في أرض غيره ظلما وعدوانا. فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى.
стр. 9140
وإذا جهل حال موقد النار فهو محمول على أنه فعل ما لا يوجب ضمانه، ففي آخر نوازل الإجارة من المعيار: وسئلت عمن دخل مجبحة له ولغيره لقطع العسل، فلما أخذ في القطع سمع زفير النار ورآه وعلم أنها سقطت من ناره التي دخل بها المجبحة، ثم لم يتهيأ له الأخذ في إطفائها حتى أكلت المجبحة وما حولها من الدور، فهل ترون الضمان عليه كشرارة الحداد أو يعذر بالغلبة عليه لكونها غالبة عليه ولأن المجبحة لا تدخل إلا بها؟ فأجبت بما نصه: الحمد للَّه تعالى وحده، الجواب -واللَّه سبحانه ولي التوفيق بفضله- أن متوسط المجبحة وموقد النار إليها لقطع ما يتعين له في أجباحه من العسل إن كان دخوله إليها في وقت هدء الريح وسكونه وتناول النار على الوجه المعتاد فلا ضمان عليه، وإن دخل المجبحة وقت هبوب الريح أو تناول النار على غير المعتاد من تناولها فضمان ما احترق مع هذا الوجه لازم لماله وذمته لتفريطه وتغريره والظالم أحق بالحمل عليه، وإن جهلت حالتاه من تفريط أو فعل المعتاد المألوف عند جيرانه في المجبحة فلا ضمان عليه لما أصابت النار من المجبحة والدور؛ لأنه فعل ما العادة أن يفعل النحالون والناس مثله، وقصارى أمره أن يستظهر عليه باليمين باللَّه في قطع الحق أنه ما فرط ولا تعدى المعتاد في تناول النار كيفية وزمانا، ثم لا ضمان عليه إذ الأصل عدم العداء وبراءة الذمة فلا تعمر بالشك والاحتمال. نعم إن قامت بينة مرضية العدالة مقبولة الشهادة عليه في هذا الوجه بالتفريط والعداء وعجز عن الدفع فيها فالضمان بلا إشكال. واللَّه سبحانه أعلم وبه التوفيق.
وفي مسائل الجنايات من الدرر المكنونة: وسئل إمام المغرب سيدي سعيد العقباني عن رجل رمى نارا في موضع قصد به حريق ما فيه من العشب لينتفع به بالحرث فيما يأتي وزروعات الناس على وجه الأرض، فجرت النار نحو الميلين أو أقل فأحرقت زرعا لأقوام، فهل عليه غرمه أم لا؟ فأجاب: الحمد للَّه، ليقف على الموضع الذي رميت فيه النار وعلى الموضع الذي أكلت فيه الزرع وينظرون، فإن ظهر لهم بأن لمرسل النار في ذلك الموضع تغريرا بذلك الزرع لقرب الموضع أو ريح كانت في ذلك الوقت يخاف أن تحمل النار لذلك الزرع فهو ضامن، وإلا فلا ضمان عليه والقول قوله في بعد المكان، وفي عدم الريح حتى يشهد الناس بخلاف ذلك. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وفي