← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 9136–9175 · переход к 9141.

стр. 9136

لأنه إنما قصد نفع العليل أو رجا ذلك والأصل عدم العداء إن ادعي عليه العداء. انتهى. وتأمل قوله. في الجاهل أولا حيث لم يقصد الضرر، فإنه قال فيه: إن الضمان عليه وعلى عاقلته، وقال فيه أخيرا: إنه يضمن في ماله ولو بلغ ثلث الدية أو أكثر فتعارض كلامه فيه. قال البناني: قول الزرقاني في الجاهل يضمن عليه وعلى عاقلته مناقض لقوله آخر التقرير: وإنما لم يقتص من الجاهل حيث لم يقصد الضرر، بل ما نشأ من فعله في ماله ولو بلغ ثلث الدية لخ. وهما قولان: الأول لعيسى والثاني للإمام مالك كما يأتي عن ابن رشد، وقول الزرقاني في المقصر: فيضمن ما ذكر في ماله لأنه عمد لا قصاص فيه، فيه نظر، بل ذلك على عاقلته كما ذكر ابن رشد في رسم كتب عليه ذكر حق من سماع ابن القاسم من كتاب السلطان، ونصه: تحصيل القول في هذه المسألة أن الطبيب إذا عالج الرجل فسقاه فمات من سقيه أو كواه فمات من كيه أو قطع منه شيئا فمات من قطعه أو الحجام إذا ختن الصبي فمات من ذلك أو قلع ضرس الرجل فمات من ذلك، فلا ضمان على واحد منهما في ماله ولا على عاقلته إذا لم يخطئا في فعلهما، إلا أن يكون قد تقدم السلطان إلى الأطباء والحجامين أن لا يقدموا على شيء مما فيه غرر إلا بإذنه ففعلوا ذلك بغير إذنه، فأتى على أيديهم فيه بموت أو ذهاب حاسة أو عضو فيكون عليهم الضمان في أموالهم. وقد قال ابن دحون: إن ذلك يكون على العاقلة إلا فيما دون الثلث وذلك خلاف الرواية، وأما إذا أخطأ في فعلهما مثل أن يسقي المريض ما لا يوافق مرضه فيموت من ذلك، أو تزل يد الخاتن أو القاطع فيتجاوز في القطع أو يد الكاوي فيتجاوز في الكي، أو يكوي (١) ما لا يوافقه الكي فيموت منه أو يقلع الحجام غير الضرس التي أمر بها وما أشبه ذلك، فإن كان من أهل المعرفة ولم يغر من نفسه فذلك خطأ يكون على العاقلة، إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون ذلك في ماله، وأما إن كان لا يحسن وغر من نفسه فعليه العقوبة من الإمام بالضرب أو السجن.

стр. 9137

واختلف في الدية فقيل: إنها تكون عليه في ماله ولا يكون على العاقلة من ذلك شيء وهو ظاهر قول مالك في هذه الرواية، وقيل إن ذلك يكون على العاقلة لأنه خطأ إلا أن يكون أقل من الثلث فيكون في ماله وهو قول عيسى بن دينار هنا وظاهر رواية أصبغ عن ابن القاسم. انتهى. وقال ابن عرفة عن ابن رشد في سماع أصبغ: دية من هلك عن فعل الطبيب خطأ على عاقلته اتفاقا وإن غر من نفسه فقيل في ماله وهو ظاهر قول مالك في رسم كتب عليه ذكر حق وقيل على العاقلة وهو قول عيسى بن دينار هناك وظاهر قول أصبغ هنا. انتهى. والحاصل مما مر على سبيل الاختصار أن الطبيب إذا فعل ما يناسب لا ضمان عليه إلا إذا نهى السلطان الأطباء عن فعل ما فيه غرر إلا بإذنه، فمن خالفه ضمن في ماله فإن لم ينههم فمن قصر فعلى عاقلته إن بلغ الثلث، وأما من تطبب ولم يقصد ضررا فهل في ماله أو على عاقلته قولان، فإن قصد كل ممن ذكر الضرر اقتص منه. واللَّه تعالى أعلم. الشبراخيتي: المراد بالطبيب هنا الداوي وفيما مر يعني في باب الدماء المباشر للقصاص. انتهى المراد منه. أو داوى بلا إذن معتبر يعني أن الطبيب إذا داوى بلا إذن معتبر بأن داوى بغير إذن أو بإذن من لا يعتبر إذنه شرعا فنشأ من فعله تلف نفس أو غيرها فإنه يضمن، وقوله: "إذن" الظاهر أنه منون ومعتبر صفة له ويفيده الخرشي. واللَّه تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: أو قدم على فعل وداوى بلا إذن معتبر. انتهى. يعني كإذن الصبي والمجنون وغيرهما ممن لا يعتبر إذنه شرعا، ويضمن من داوى بلا إذن معتبر ما أتلف ولو أصاب وجه العمل والصنعة. ولو أذن عبد بفصد أو حجامة أو ختان يعني أنه يضمن ما أتلف بمداواته حيث لم يأذن له في ذلك من يعتبر إذنه، وإن صدر الإذن من عبد بأن يفصده أو يحجمه أو يختنه فأصابه من ذلك تلف، فإن ذلك الفاصد أو الحاجم يضمن ما سرى لقدومه على أمر لم يؤذن له فيه إذنا معتبرا، وسواء علم أنه عبد أو لا. قاله ابن شأس. وفي التوضيح أنه لو قيل بنفي ضمانه لكان له وجه لأنه كالمأذون له بالعرف إن اشتهر بالطب وخيف الفوات، وذكر أن العرف مطرد بعدم الاحتياج إلى إذن السيد في الفصد والحجامة لا سيما إن ظهر الوجب. قاله في الميسر. وقال المواق: قال مالك: إن أمره عبد أن يختنه أو يحجمه أو يقطع عرقه ففعل فهو ضامن ما أصاب العبد في ذلك إن

стр. 9138

فعله بغير إذن سيده، علم أنه عبد أو لم يعلم وقيل هذا ظاهر بالنسبة للختان لا بالنسبة للحجامة. انتهى. وقال البناني: أو بلا إذن معتبر أي فيضمن صاحب الخطإ يعني على العاقلة. ابن الحاجب: ومن فعل فعلا يجوز له من طبيب أو غيره فتولد منه الهلاك، فإن كان جاهلا له أو لم يؤذن له أو أخطأ فيه أو في مجاوره أو قصر فالضمان كالخطإ. انتهى. وقال الشبراخيتي: ولو أذن عبد بفصد الباء بمعنى في أو حجامة أو ختان فإنه يضمن لأن إذنه غير مفيد. قاله في المجموعة وفي التوضيح. هذا ظاهر في الختان. وأما الحجامة والفصد فالعرف جار بعدم الاحتياج فيهما لإذن السيد لا سيما عند مس الحاجة إلى ذلك، وظاهر كلامه أن الطبيب يضمن ذلك في ماله وهو لمالك في العتبية وقيل على العاقلة، وذكر في الحاشية أن الضمان على عاقلته وظاهر قول مالك في العتبية ضعيف. انتهى. ولو ادعى الطبيب الخطأ وذو الجناية العمد فالقول قول الطبيب، وإذا فقأ الزوج عين زوجته والسيد عين رقيقه وادعت الزوجة والرقيق العمد وادعى الزوج والسيد الأدب، فرجع سحنون إلى أن القول قول مدعي الأدب ويؤدب الجاهل لا المخطئ. قاله التتائي. وكتأجيج نار في يوم عاصف قال الخرشي: يعني أن من أجج نارا أي أشعلها في يوم عاصف أي شديد الريح فأحرقت شيأ فإنه يضمنه إلا أن يكون ذلك في مكان بعيد لا يظن أن تصل إلى الشيء الذي أحرق فإنه لا ضمان عليه حينئذ، ومثل النار الماء. وقال المواق من المدونة من أرسل في أرضه نارا أو ماء فوصل إلى أرض جاره فأفسد زرعه، فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها فتحاملت النار بريح أو غيره فأحرقته فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن ذلك لقربها فهو ضامن. ابن رشد: مثل هذا ما في العتبية في رجل طبخ سكرا (١) في قدر سترها عن أعين الناس بقصب وكان صبي خلف القصب قائما لا علم للطابخ به ففارت القدر بما فيها، فأصاب الصبي ما خرج منها فمات لا شيء عليه. ابن عبد السلام: الضمان في مسألة الكتاب إنما هو فيما قصده بالتعدي حيث أوقد النار عند هبوب الريح. انتهى. وقال عبد الباقي: وكتأجيج أي إشعال نار في

стр. 9139

يوم عاصف أي شديد الريح فأحرقت شيأ فإنه يضمن المال في ماله والدية على عاقلته. قاله التتائي. إلا أن يكون ذلك في مكان بعيد لا يظن أن تصل إلى الشيء الذي أحرقته فلا ضمان عليه حينئذ، ومثل النار الماء والريح يذكر ويؤنث. انتهى. قول الزرقاني: والدية على عاقلته قاله التتائي، قال الرهوني: انظر نسبته للتتائي وهو مصرح به في المدونة، ونصها: ومن أرسل في أرضه ماء أو نارا فوصل (١) إلى أرض جاره فأفسد زرعه، فإن كانت أرض جاره بعيدة يؤمن أن يصل ذلك إليها فتحاملت النار بريح أو بغيرها فأحرقت فلا شيء عليه، وإن لم يؤمن وصول ذلك إليها لقربها فهو ضامن وكذلك الماء، وما قتلت النار من نفس فعلى عاقلة مرسلها. انتهى. ونقله المصنف في التوضيح وغيره. قال أبو الحسن: قال بعض المتأخرين: وحد البعد ثلاثة أميال، ثم قال اللخمي: إن لم يكن وقت إرسالها ريح فجرت أو كانت ريح فتغيرت إلى الناحية التي أحرقت فلا شيء عليه وإن كانت الريح إلى تلك الأرض ضمن؛ لأن الشأن في الريح أنها تحمل النار وإن بعدت إلا أن تكون بعيدة جدا. اللخمي: قال الشيوخ: وكذلك إذا كانت الأعشاب متصلة فإنه ضامن وإن بعدت. انتهى. وقال أبو الحسن إثر قولها السابق: وإن لم يؤمن وصول ذلك لخ ما نصه: قال أبو عمران: ولو وإن قرب أرضه أرض لا يؤمن أن تصل النار إليها فأطلق النار فخرجت من أرضه وترامت إلى الأرض التي يخاف عليها أنه لا ضمان عليه إذا وصلت إلى أرض يؤمن عليها، ولو كان أصل إطلاقه تعديا على جاره اللاصق به. قال ابن كنانة فيمن أرسل نارا في حائط رجل فأحرقته وأحرقت حائطًا آخر لرجل آخر: إنه إنما يضمن ما باشر بالعداء ولا يضمن الحائط الآخر. انتهى. الرهوني: قلت ظاهر قول ابن كنانة: ولا يضمن الحائط الآخر، أنه لا يضمنه ولو كان لا يؤمن عليه، والظاهر حمله على أنه بعيد مما باشر إحراقه، فإن حمل على ظاهره كان شاذا ومخالفا لنص المدونة وغيرها؛ لأنه إذا ضمن في إرسال النار في أرض نفسه فأحرى إذا أرسلها في أرض غيره ظلما وعدوانا. فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى.

стр. 9140

وإذا جهل حال موقد النار فهو محمول على أنه فعل ما لا يوجب ضمانه، ففي آخر نوازل الإجارة من المعيار: وسئلت عمن دخل مجبحة له ولغيره لقطع العسل، فلما أخذ في القطع سمع زفير النار ورآه وعلم أنها سقطت من ناره التي دخل بها المجبحة، ثم لم يتهيأ له الأخذ في إطفائها حتى أكلت المجبحة وما حولها من الدور، فهل ترون الضمان عليه كشرارة الحداد أو يعذر بالغلبة عليه لكونها غالبة عليه ولأن المجبحة لا تدخل إلا بها؟ فأجبت بما نصه: الحمد للَّه تعالى وحده، الجواب -واللَّه سبحانه ولي التوفيق بفضله- أن متوسط المجبحة وموقد النار إليها لقطع ما يتعين له في أجباحه من العسل إن كان دخوله إليها في وقت هدء الريح وسكونه وتناول النار على الوجه المعتاد فلا ضمان عليه، وإن دخل المجبحة وقت هبوب الريح أو تناول النار على غير المعتاد من تناولها فضمان ما احترق مع هذا الوجه لازم لماله وذمته لتفريطه وتغريره والظالم أحق بالحمل عليه، وإن جهلت حالتاه من تفريط أو فعل المعتاد المألوف عند جيرانه في المجبحة فلا ضمان عليه لما أصابت النار من المجبحة والدور؛ لأنه فعل ما العادة أن يفعل النحالون والناس مثله، وقصارى أمره أن يستظهر عليه باليمين باللَّه في قطع الحق أنه ما فرط ولا تعدى المعتاد في تناول النار كيفية وزمانا، ثم لا ضمان عليه إذ الأصل عدم العداء وبراءة الذمة فلا تعمر بالشك والاحتمال. نعم إن قامت بينة مرضية العدالة مقبولة الشهادة عليه في هذا الوجه بالتفريط والعداء وعجز عن الدفع فيها فالضمان بلا إشكال. واللَّه سبحانه أعلم وبه التوفيق. وفي مسائل الجنايات من الدرر المكنونة: وسئل إمام المغرب سيدي سعيد العقباني عن رجل رمى نارا في موضع قصد به حريق ما فيه من العشب لينتفع به بالحرث فيما يأتي وزروعات الناس على وجه الأرض، فجرت النار نحو الميلين أو أقل فأحرقت زرعا لأقوام، فهل عليه غرمه أم لا؟ فأجاب: الحمد للَّه، ليقف على الموضع الذي رميت فيه النار وعلى الموضع الذي أكلت فيه الزرع وينظرون، فإن ظهر لهم بأن لمرسل النار في ذلك الموضع تغريرا بذلك الزرع لقرب الموضع أو ريح كانت في ذلك الوقت يخاف أن تحمل النار لذلك الزرع فهو ضامن، وإلا فلا ضمان عليه والقول قوله في بعد المكان، وفي عدم الريح حتى يشهد الناس بخلاف ذلك. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وفي

стр. 9141

نوازل الشريف من جواب لسيدي محمد ميارة: فيغرم إذا ثبت ببينة عادلة أنه أوقدها في يوم ذي ريح عاصفة وإن لم يثبت فلا غرم عليه. واللَّه أعلم. انتهى وعقبه المفتي سيدي محمد بن سوادة: الجواب أعلاه صحيح يجب العمل به لموافقته نصوص المذهب المالكي. انتهى. تنبيه: قوله: "في يوم عاصف" هو كذلك في القرآن العزيز أي شديد هبوب الريح، فهو إما من باب النسب كرجل تأمر أي ذي ريح عاصفة، وإما من باب المجاز. واللَّه تعالى أعلم. وكسقوط جدار عطف على قوله: "كطبيب" كالذي قبله يعني أن من سقط جداره على شيء وأتلفه يضمنه بثلاثة شروط أشار إليها بقوله: مال يعني أنه إنما يضمن ما وقع عليه الجدار وأتلفه من نفس أو مال إنما هو حيث مال الجدار فيخاف من سقوط، واحترز بذلك -واللَّه أعلم- مما إذا بناه مستقيما وانهدم بعد ذلك من غير ظهور ميلان، بدليل قوله: وأنذر صاحبه إذ الإنذار لا يتأتى فيما انهدم من جدار لم يخف سقوطه، فمحل ضمان ما وقع عليه الجدار من نفس أو مال إنما هو إذا خيف من سقوطه بأن مال، وأنذر صاحبه أي الجدار بأن يقال له: أصلح جدارك ويشهد عليه بذلك عند حاكم أو نائبه كجماعة المسلمين. وأمكن تداركه أي الجدار يعني أن صاحب الجدار إنما يضمن ما وقع عليه الجدار من نفس أو مال باجتماع هذه الشروط الثلاثة: أن يميل بعد أن كان مستقيما، وأن ينذر صاحب الجدار، وأن يمكن تدارك الجدار بالإصلاح أو بالهدم قبل أن يسقط، فإن اختل واحد منها أو اثنان لم يضمن صاحب الجدار ما وقع عليه الجدار. قال عبد الباقي: وكسقوط جدار على شيء فأتلفه فيضمن بثلاثة شروط ذكرها بقوله: مال بعد أن كان مستقيما، فلو بناه مائلا لضمن من غير تفصيل، والثاني أنذر صاحبه بأن يقال له أصلح جدارك ويشهد عليه بذلك عند حاكم أو نائبه كجماعة المسلمين ولو مع إمكان حاكم على ما للجيزي. قال كريم الدين: فينبغي التعويل عليه. انتهى. قوله: وينبغي التعويل عليه، قال الرهوني: يجب التعويل عليه لما أفاده كلام ابن رشد الذي نقله المصنف في التوضيح مختصرا وابن عرفة كذلك وسلماه، وكلام ابن رشد في سماع يحيى وكتاب السلطان، ففي أول رسم من سماع يحيى من كتاب السلطان ما نصه: قيل لابن القاسم فإن شكى إليه ما يخاف من انهدام الدار؟ قال: نعم يضمن كل ما أصاب الجدار بعد الشكية إليه والبيان

стр. 9142

له. قال يحيى: وإن لم يكن ذلك بسلطان فإنه ضامن إذا تقدم إليه وأشهد عليه، قال محمد بن رشد: وقول يحيى إنه ضامن لا أفسد الحائط إن انهدم بعد التقدم إليه والإشهاد عليه وإن لم يكن ذلك بسلطان مفسر، لقول ابن القاسم: ومثل ما في المدونة وقد قيل إنه لا ضمان عليه إلا فيما أفسد بإنهدامه بعد أن قضى عليه السلطان بهدمه ففرط في ذلك، وهو قول عبد الملك وقول ابن وهب في سماع زونان بعد هذا من هذا الكتاب، وقد قيل إنه ضامن لما أصاب إذا تركه بعد أن بلغ حدا كان يجب عليه هدمه وإن لم يتقدم إليه في ذلك ولا أشهد عليه وهو قول أشهب وسحنون. انتهى. وكلام المدونة هو في أواخر كتاب الدِّيات ونصها: والحائط الخوف إذا أشهد على ربه ثم عطب تحته أحد فهو ضامن وإن لم يشهد عليه لم يضمن وإن كان مخوفا. انتهى. ونحوه لابن يونس عنها مع زيادة بيان، ونصه: قال مالك: والحائط الخوف إذا أشهد على ربه ثم عطب به أحد فربه ضامن. قال ابن القاسم: وإن لم يشهدوا عليه لم يضمن وإن كان مخوفا. انتهى. انتهى كلام الرهوني. وقال عبد الباقي بعد قوله في تفسير الإنذار: بأن يقال أصلح جدارك ويشهد عليه بذلك إلى آخره، ما نصه: فإن لم يشهد عليه لم يضمن وإن كان مخوفا ما لم يقر بذلك فيكتفَى بالإشهاد عليه حتى عند من شرط الإنذار عند حاكم. انتهى. قوله: ما لم يقر بذلك، قال البناني: يعني أن ما ذكر من قيد الإشهاد بالإنذار عند الحاكم على خلاف فيه محله إذا كان منكر الميَلان، أما إن أقر به فإنه يكفي الإشهاد عند غير الحاكم وما ذكره المصنف هو مذهب المدونة، وقيل لا يضمن إلا إذا قضى عليه الحاكم بالهدم فلم يفعل، وهذا قول عبد الملك وابن وهب، وقيل إذا بلغ حدا كان يجب عليه هدمه لشدة ميلانه فتركه فهو ضامن وإن لم يكن إشهاد ولا حكم، وهو قول أشهب وسحنون، وبه تعلم أن قول الزرقاني: ومثله إذا طرأ عليه ميلانه وكان ظاهرا فيضمن أنذر أم لا الخ غير ظاهر؛ لأن هذا هو القول الثالث المنسوب لأشهب وسحنون، وقد علمت أنه مقابل لذهب المدونة الذي درج عليه المصنف فتأمل. نعم. ما ذكره فيما بني مائلا من أصله أنه يضمن وإن لم يكن إنذار صحيح كما ذكره ابن شأس وأقره ابن عرفة والمصنف في التوضيح. انتهى.

стр. 9143

يعني أن عبد الباقي قيد قول المصنف مال الخ بأن لا يكون ظاهر الميلان ويظهر له وإلا ضمن أنذر أم لا، قال: وينبغي مع إمكان التدارك. انتهى. وذلك لا يحسن لأن هذا قول أشهب وسحنون وهو مقابل لما درج عليه المصنف الذي هو مذهب المدونة. واللَّه أعلم. قال عبد الباقي: وفائدة الإشهاد مع إنذاره أنه قد ينكر. وقوله: وأنذر صاحبه، خرج بصاحبه: المرتهن والمستعير والمستأجر، فلا يعتبر الإشهاد عليهم إذ ليس لهم الهدم، والثالث أمكن تداركه فيضمن المال والدية في ماله كما رواه عيسى عن ابن القاسم، وروى زونان عن ابن وهب أن العاقلة تحمل من ذلك ما بلغ الثلث وهو قول مالك ورواه عنه أشهب وابن عبد الحكم واقتصر عليه الجزيري، ودل قوله: قال على طرو ذلك، فإن كان مائلا من أصله ضمن أنذر أم لا كما مر وينبغي حيث أمكن تداركه: وأراد بصاحبه مالكه المكلف أو وكيله الخاص ومنه ناظر وقف أو العام وهو الحاكم فيمن لا وكيل له خاص ووصى صغير أو مجنون، فإن سقط مع وجود الشروط الثلاثة ضمن وصي غير المكلف في ماله ولو كان لغير المكلف مال وضمن ناظر وقف ووكيل خاص أو عام مع غيبة صاحبه حيث كان له مال يصلح منه لتقصيرهما، فإن لم يكن له مال وأمكنهما السلف على ذمته وهو ملي وترك حتى سقط ضمنا فيما يظهر. انتهى. وقال التتائي: وأمكن تداركه بهدم أو تدعيم فتراخى حتى سقط، أما لو بادر لذلك فسقط قبل التمكن من إزالته لم يضمن ولو تقدم إليه، وفي المدونة: والحائط المخوف إذا أشهد على ربه ثم عطب بد أحد فربه ضامن، فإن لم يشهدوا عليه لم يضمن، وإن كانت الدار مرهونة أو مكتراةً لم ينفعهم الإشهاد إلا على ربها، فإن غاب رفع أمرها إلى الإمام ولم ينفعهم الإشهاد على الساكن إذ ليس له هدم الدار. انتهى. أو عضه فسل يده فقلع أسنانه يعني أن الشخص إذا عضه شخص آخر فسل المعضوض يده من فم العاض قاصدا قلع أسنان العاض فقلعت، فإنه يضمن دية الأسنان في ماله، وأما لو قصد تخليص يده أو لا قصد له فلا ضمان وهو محمل الحديث ويصدق فيما ادعاه، والحديث في مسلم (أن أجيرا ليعلى بن أمية عض رجل ذراعه فانتزع يده فنزع ثنيته فاختصما إلى النبي ﷺ ، فقال: (أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟ لا دية له). قال الشبراخيتي: أو عضه في يدد فسل المعضوض يده من العاض قاصدا قلع أسنانه، وأما لو قصد تخليص يده أو لا

стр. 9144

قصد له فلا ضمان وهو محمل الحديث: ويصدق فيما ادعاه كذا في الحاشية والحديث ما في مسلم: إن أجيرا ليعلى بن أمية عض رجل ذراعه فانتزع يده فنزع ثنيته فاختصما إلى النبي ﷺ فقال: أيعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل؟ لا دية له فقلع أسنانه فإنه يضمن دية الأسنان وينبغي في ماله. انتهى. وقال التتائي: أو عضه في يده فسل المعضوض يده من العاض فقلع أسنانه أو بعضها ضمن ديتها، قال المازري: على المشهور وبه قال الإمام الشافعي، وحملوا حديث صحيح مسلم: (أن أجيرا ليعلى بن أمية عض رجل ذراعه فانتزع يده فنزع ثنيته فاختصما إلى رسول اللَّه ﷺ ، [فقال] (١): (أيعض أحدكم كما يعض الفحل؟ لا دية له) (٢) على من لم يمكنه النزع إلا كذلك؛ أي وأما من أمكنه النزع برفق بحيث لا تنقلع أسنان العاض وضارَّ في الزيادة متعديا فالضمان، وقال محمد: الحديث لم يروه مالك ولو ثبت عنده لم يخالفه، وقال بعض أصحابنا: ليس عليه الضمان. ابن عبد السلام: وهو الجاري على دفع الصائل. انتهى. وقال عبد الباقي: وقال بعض فسل يده قاصدا قلع أسنانه. وأما لو قصد تخليص يده أو لا قصد له فلا ضمان وهو محل (٣) الحديث. انتهى. وقال المواق: ابن الحاجب: لو عضه فسل يده، ضمن أسنانه. ابن عرفة: قال غير واحد: إن هذا هو المشهور. المارزي عن بعض شيوخه المحققين: إنما ضمنه من ضمنه لإمكان النزع برفق، وحملوا الحديث في مسلم: لا دية له على هذا. انتهى. وقال في الميسر: أو عضه فسل يده فقلع أسنانه فإنه يضمن ديتها عند مالك، وحمله أصحابه على أنه كان قادرا على نزعها من غير قلع سن وضارَّ في الزيادة متعديا ولذلك ضمن، وقيل لا يضمن وهو الأظهر لما في الصحيح أنه ﷺ أنه قال: (يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك) (٤) كذا في التوضيح، وفي

стр. 9145

الكافي أنه قال: (أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل؟ لا دية لك) (١)، وتأوله بعض الأشياخ على أنه لا يمكنه النزع إلا بذلك. انتهى. وقال الحطاب عند قوله: "أو عضه فسل يده فقلع أسنانه" هذا معطوف على ما فيه الضمان، ولم يعين ما الذي يضمن هل دية الأسنان أو القود، وقال في التوضيح في قول ابن الحاجب: ولو عضه فسل يده ضمن أسنانه على الأصح يعني دية أسنانه، والأصح عبر عنه المازري وغيره بالمشهور، ونقل مقابله عن بعض الأصحاب وهو أظهر لما في الصحيحين أن رجلا عض يد رجل فنزع يده عن فيه فوقعت ثنيتاه فاختصما إلى رسول اللَّه ﷺ ، فقال: (يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل لا دية لك) (٢)، زاد أبو داوود: (وإن شئت أن تمكنه من يدك فيعضها ثم تنزعها من فيه) (٣)، وقال ابن المواز: الحديث لم يروه مالك ولو ثبت عنده لم يخالفه، وتأوله بعض شيوخ المارزي على أن المعضوض لا يمكنه النزع إلا بذلك، وحمل تضمين الأصحاب على أنه لا يمكنه النزع برفق بحيث لا تنقلع أسنان العاض فصار متعديا في الزيادة فلذلك ضمنوه. انتهى. وقال القرطبي في شرح مسلم في قوله ﷺ : (لا دية لك) (٤). وفي رواية: فأبطله. انتهى. قوله: هذا نص صريح في إسقاط القصاص والدية في ذلك ولم يقل أحد بالقصاص فيما علمت، وإنما الخلاف في الضمان فأسقطه أبو حنيفة وبعض أصحابنا وضمنه الشافعي وهو مشهور مذهب مالك، ونزل بعض أصحابنا القول بالضمان على ما إذا أمكنه النزع برفق فانتزعها بعنف، وحمل بعض أصحابنا الحديث على أنه متحرك الثنايا، وهذا يحتاج إلى خطم وأزمة ولا ينبغي أن يعدل عن صريح الحديث. انتهى. وما ذكره من مذهب الشافعي خلاف ما ذكره النووي من موافقة أبي حنيفة وهو أعرف بمذهبه، وفي مسلم: (ادفع يدك حتى يقضمها ثم انتزعها) (٥)، وقد مر لأبي داوود نحو ذلك (وإن شئت أن تمكنه من يدك فيعضها ثم تنزعها من فيه)، قال القرطبي

стр. 9146

في حديث مسلم: هو أمر على جهة الإنكار كما قال ﷺ في الرواية الأخرى: فما تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك كما يقضم الفحل، فمعناه أنك لا تدع بدك في فيه يقضمها ولا يمكن أن يؤمر بذلك، زاد النووي: فكيف تنكر عليه أن ينزع يده من فيك وتطلبه بما جنى في جبذته؟ قال القاضي: ويقضمها بفتح الضاد مضارع قضم بكسرها، يقال قضمت الدابة شعيرها إذا أكلت بأطراف أسنانها وخضمت بالخاء المعجمة إذا أكلت بفيها كله، ويقال الخضم أكل الرطب والقضم أكل اليابس، ومنه قول الحسن: يخضمون ويقضم والموعد القيامة. الفحل: ذكر الإبل. انتهى. أو نظر له من كوة فقصد عينه يعني أنه إذا نظر شخص إلى آخر في داخل الدار مثلا من كوة فحذفه الداخل بحصاة مثلا قاصدا لفقء عينه فإنه يضمن: بمعنى أنه عليه القود وإلا يقصد فقء عينه بأن قصد زجره فلا ضمان عليه، بمعنى أنه لا قود عليه وأما دية العين فواجبة عليه. قال الشبراخيتي: أو نظر له أي لصاحب الدار من كوة أو نحوها فقصد المنظور إليه عينه أي عين الناظر وهو على حذف مضاف أي فقأ عينه بحصاة فعليه القود، وإلا أي بأن لم يقصد فقأ عينه بل قصد زجره فلا قود والدية على العاقلة كما ذكره الهاروني. وقول الشارح: فلا شيء عليه، فيه نظر. انتهى. وقال عبد الباقي: أو نظر له من كوة أو غيرها فقصد عينه أي قصد المنظور إليه عين الناظر ورماها بحجر أو غيره، ففقأها ضمن بمعنى اقتص منه على المعتمد لا ضمان الدية كما يوهمه عطفه على ما قبله وإلا يقصد عينه أي فقأها، وإنما قصد زجره بحجر مثلا فلا ضمان بمعنى لا قود ودية العين واجبة على العاقلة على المعتمد كما يفيده الحطاب. وفي كلام الشارح والتتائي نظر، وإذا ادعى المرمي أنه قصد عينه وادعى الرامي عدم قصدها ولا بينة ولا قرينة تصدق الرامي فإنه يعمل بدعواه؛ لأن القصد لا يعلم إلا من جهته ولأنه لا قصاص بالشك. انتهى. وقال المواق: ابن بشير: ومن هذا المعنى لو رمى إنسان من ينظر إليه في بيته فأصاب عينه. فأكثر أصحابنا على إثبات الضمان وأقلهم على نفيه للحديث الصحيح، قال ابن شأس: ولو نظر له من كوة لم يجز أن يقصد عينه بمدرة أو غيرها وفيه القود إن فعل. انتهى.

стр. 9147

وقال الحطاب: أو نظر له من كوة فقصد عينه وإلا فلا، هذا أيضا عطف على ما فيه الضمان ولم يبين المضمون أيضا هل هو القود أو الدية. واعلم أن الذي يقتضي كلام المازري وغيره من الأشياخ أن هذه المسألة كالتي قبلها، قال المازري في شرح الحديث الأول من هذا المعنى: لو رمى أحدا ينظر إليه في بيته فأصاب عينه فاختلف أصحابنا أيضا في ذلك، فالأكثر منهم على إثبات الضمان والأقل منهم على نفي الضمان، وبالأول قال أبو حنيفة وبالثاني قال الشافعي، فأما نفي الضمان فلقوله ﷺ : (لو [أن امرأ] (١) اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح) (٢)، وأما إثبات الضمان فلأنه لو نظر إنسان إلى عورة إنسان بغير إذنه لم يستبح ففقأ عينه، فالنظر إلى الإنسان في بيته أولى أن لا يستباح به، ومحمل الحديث عندهم على أنه رماد لينبهه على أنه فطن به أو ليدافعه عن ذلك غير قاصد فقأ عينه فانفقأت عينه خطأ فالجناح منتف وهو الذي نفي في الحديث، وأما الدية فلا ذكر لها. وذكر القرطبي في شرح مسلم نحوه فدل هذا الكلام على أن القائلين بالضمان يقولون به سواء قصد فقأ عينه أو لا، إلا أنه إن لم يقصد فقأ عينه ففعله جائز وإنما يضمن الدية، وإن قصد فقأ عينه فلا يجوز فعله ويضمن. والظاهر أن المراد حينئذ بالضمان القود وصرح به ابن شأس والقرافي وابن الحاجب، قال في الجواهر: ولو نظر إلى حريم إنسان من كوة أو صير باب لم يجز أن يقصد عينه بمدرة أو غيرها، وفيه القود إن فعل ويجب تقديم الإنذار في كل دفع وإن كان الباب مفتوحا فأولى أن لا يجوز قصد عينه، والذي نفى بقوله: "وإلا فلا" هو القود أيضا دون الدية. واللَّه أعلم. قال في التوضيح: والصير بكسر الصاد شق الباب. قاله الجوهري. انتهى. قاله في التوضيح. وعلى هذا فيكون الضمان الذي أثبت المصنف أولا بقوله: "أو نظر له من كوة فقصد عينه" هو القود والذي نفى بقوله: "وإلا فلا" هو القود أيضا دون الدية. واللَّه أعلم. انتهى.

стр. 9148

كسقوط ميزاب وهو خشبة تنجر وتجعل على ظهر البيت ملزقة فيه يجتمع فيها الماء وتلقيه خارج الدار، قال الخرشي: يعني أن من اتخذ ميزابا للمطر فسقط على شيء فأتلفه من نفس أو مال لا ضمان عليه بل هو هدر، ومثله: وحفر البير والسرب للماء في داره حيث يجوز له اتخاذه. وعلم مما قررت أن قوله: "كسقوط ميزاب" تشبيه في مطلق النفي لا في نفي القود مع ثبوت الدية كالذي قبله، وهو قوله: "وإلا فلا" قال عبد الباقي: وشبه في النفي من حيث الجملة لا نفي القود وثبوت الدية، قوله: "كسقوط ميزاب" اتخذ لمطر فسقط على شيء فأتلفه من نفس أو مال فلا ضمان على ربه أصلا مطلقا، بل هو هدر كما هو نص الرواية. قال المصنف: ينبغي أن عدم الضمان حيث انتفى بعض شروط الضمان المعتبرة في سقوط الجدار، وقوله: "كسقوط ميزاب" مثله المظلة وحفر البير والسرب للماء في داره وأرضه حيث يجوز له اتخاذه. انتهى. وقال الشبراخيتي: كسقوط ميزاب لمطر على شخص أو مال فلا شيء فيه؛ لأنه اتخذه حيث يجوز له اتخاذه. انتهى. قال الشبراخيتي: كسقوط ميزاب لمطر على شخص أو مال فلا شيء فيه؛ لأنه اتخذه حيث يجوز له ولو قال: كسقوط كميزاب كان أحسن ليدخل الروتس والساباط ونحوهما. قال في الرواية: ومن سقط ميزابه على رأس رجل فلا ضمان عليه وظاهرها الإطلاق، وقال المصنف: ينبغي أن تقيد هذه بما في مسألة الجدار. انتهى. وحينئذ فقوله: "كسقوط ميزاب" أي فلا ضمان حيث انتفى بعض شروط الضمان المعتبرة في ضمان سقوط الجدار، فإن وجدت فإنه يضمن. انتهى. وقال المواق: ابن شأس: من سقط ميزابه على رأس إنسان فلا ضمان عليه. اننهى. وقال في الميسر: كسقوط ميزاب اتخذ للمطر والتشبيه في نفي ضمان ما أتلفه لأنه اتخذ حيث يجوز اتخاذه وجعله في التوضيح كالجدار، فإذا تزحزح وخيف سقوطه وأنذر ربه وأمكنه التدارك وتراخى حتى سقط ضمن ما اتلفه. انتهى. أو بغت ريح لنار يعني أنه إذا أوقد إنسان نارا في وقت لا تسري فيه لعدم الريح، فبغتت ريح عاصفة أي فجأت فاحرقت النار لأجلها شيئا من نفس أو مال فإنه لا ضمان على من أوقدها لأنه غير متعد. قال عبد الباقي: أو بغت بغين معجمة أي فجإ ريح لنار أوقدها إنسان في وقت لا تسري فيد لعدم ريح فعصفت فأتلفت نفسا أو مالا فلا ضمان؛ لأنه غير متعد. انتهى. وقال

стр. 9149

الشبراخيتي: "أو بغت ريح لنار" يعني بعد أن أوقدها ولم يكن ريح ثم حدثت فجأة فحملتها فأحرقت نفسا أو مالا فلا ضمان؛ لأنه غير متعد. انتهى. وقال التتائي: "أو بغت ريح" أي مجيئها لنار أوقدها إنسان في وقت لا تسري فيه لعدم الريح فعصفت الريح، وأتلفت نفسا أو مالا فلا ضمان لأنه غير متعد. انتهى. كحرقها قائما لطفئها يعني أن من قام إلى النار ليطفئها فاحترق فيها فإن دمه يكون هدرا فلا شيء على موقدها، وظاهره سواء كان موقدها يضمن ما أتلفت أم لا. قال الشبراخيتي: كحرقها شخصا قائما لطفئها خوفا على نفسه أو داره فهدر، وظاهره سواء كان مما يضمن فاعله ما أتلفته كما إذا أججها في يوم عاصف أم لا، وهو ظاهر حل البساطي. انتهى. ونحوه لغير واحد. وجاز دفع صائل يعني أنه يجوز لمن صال عليه شيء يريد نفس المصول عليه أو ماله أن يدفع ذلك الشيء عنه بما يندفع به، وسواء كان الصائل مكلفا أم لا، قال الحطاب: انظر هل مراده بالجواز مستوي الطرفين كما هو اصطلاحه هو وغيره من المتأخرين؟ أو مراده بالجواز جواز الإقدام حتى يشمل الوجوب، وظاهر كلام ابن العربي فيما نقل عنه في الذخيرة في هذا المحل وفي الفروق الجواز المستوي الطرفين. وذكر القرطبي وابن الفرس في الوجوب قولين، قالا: والأصح الوجوب. انتهى. وقال عبد الباقي: وجاز دفع صائل مكلفا أو صبيا أو مجنونا أو بهيمة أي أراد الصول كلى نفس أو مال أو حريم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وجاز دفع صائل مكلف أو صبي أو مجنون أو بهيمة، والمراد بالجواز الإذن الصادق بكون دفعه واجبا، والذي ينبغي إذا خاف هلاكا أو شديد أذى بجرح لنفسه أو لأحد من أهله وجب الدفع وإلا جاز. وقوله: "وجاز دفع صائل" سواء صال على النفس أو الأهل أو لأخذ المال كما يأتي. بعد الإنذار للفاهم يعني أن الصائل إذا كان فاهما أي عاقلا فإنما يجوز للمصول عليه دفعه بعد أن ينذره والإنذار للفاهم واجب، قال ابن شأس: ويجب تقديم الإنذار في كل من دفع ووعظه وزجره إلا أن يعاجل بالقتال، وأما من لا فهم له كصبي ومجنون وبهيمة فإنذاره لا يمكن. قاله في الميسر. الشبراخيتي: بعد الإنذار ما لم يعاجل بالقتال وإلا فلا خلاف في عدم الإنذار. انتهى. وقال عبد الباقي: بعد الإنذار ندبا قياسا على مناشدة المحارب أي التخويف للفاهم من إنسان

стр. 9150

بوعظه وزجره وإشهاد اللَّه عليه لعله يرجع، فإن أبى إلا الصول دفعه بالقتل عما قصده من قتل أو هتك حرمة بزنى بل. وإن عن مال أي يجوز للمصول له أن يدفع الصائل عن نفس أو بضع أو عن مال، قال عبد الباقي: وبالغ عليه ليلا يتوهم أن مقاتلة المعصوم لعظمها لا تباح إلا للدفع عن النفس أو الحريم، فدفعه لحديث: (من قتل دون ماله فهو شهيد) (١). قاله ابن مرزوق. انتهى. وقوله: "صائل" أصل الصول في اللغة: الوثوب، قال في القاموس: صال على قرنه صولا وصيالا وصئولا وصولانا وصاوله مصاولة وصيالا وصيالة واثبه وتصاولا تواثبا، والمراد به هنا التسلط على ما لا يجوز من قتل أو جرح أو هتك حريم أو أخذ مال. واللَّه تعالى أعلم. قوله: "وجاز دفع صائل" أي ويدفعه بالأخف فالأخف ولا يقصد قتله ابتداء، فإن أدى إلى القتل قتله بقصد. كما قال: وقصد قتله إن علم أنه لا يندفع إلا به يعني أنه يجوز للمصول عليه أن يقصد قتل الصائل إذا علم أن الصائل لا يندفع عنه إلا بالقتل، قال الشبراخيتي: وجاز قصد قتله أولا إن علم أنه لا يندفع إلا به، وقد يقال: ينبغي أن يكون القتل هنا واجبا لأنه به يتوصل إلى إحياء نفسه لا سيما إن كان الصائل غير آدمي. انتهى. وقال عبد الباقي: وجاز قصد قتله ابتداء إن علم المصول عليه أنه لا يندفع إلا به وثبت ذلك ببينة لا بمجرد قول المصول عليه. تنبيهات: الأول: قال الرهوني عند قول المصنف "وجاز دفع صائل" الخ ما نصه: هذا مقيد بما إذا لم يكن فاعل ذلك الإمام أو نائبه، وإلا فيجب أن يسلم له ما طلب. راجع ما قدمناه أول الباغية. انتهى. الثاني: قوله: "إن علم أنه لا يندفع إلا به" قال البناني: ظاهره كابن الحاجب أنه إذا لم يعلم لا يجوز، وأصل المسألة لابن العربي وهو إنما عبر بينبغي كما في ابن عرفة وابن شأس. انظر كلامه في المواق.

стр. 9151

الثالث: قال عبد الباقي عند قول المصنف "إن علم أنه لا يندفع إلا به" ما نصه: وثبت ذلك ببينة لا بمجرد قول المصول عليه إلا أن لا يحضره أحد فقيل قوله بيمينه، والمراد بالجواز أولا وثانيا الإذن؛ لأن الدفع قد يجب كخوف على نفسه أو عضوه أو على أهله أو قرابته. وانظر في المال الذي له بال هل الدفع عنه بما ذكر واجب أم لا؟ انتهى. قال البناني: قول الزرقاني إلا أن لا يحضره أحد فيقبل قوله بيمينه ظاهره تقدم منه إنذار أم لا، والذي لابن عرفة ما نصه: ولعيسى عن ابن القاسم أنه إن قتل رجل الجمل الصئول بعد التقدم لربه، وذكر أنه أراده وصال عليه فلا غرم عليه، ويقبل قوله في ذلك يريد مع يمينه بغير بينة إذا كان بموضع ليس يحضره الناس. انتهى. وقال ابن يونس في كتاب محمد وغيره: الجمل إذا صال على الرجل فخافه على نفسه فقتله فلا شيء عليه إن قامت له بينة أنه صال عليه، وإن لم تقم له بينة ضمن. ابن عرفة: مسألة عيسى بعد التقدم وظاهر هذه أنه دون تقدم، وقوله: لأن الدفع قد يجب نحوه في الشارح والتتائي تبعا للتوضيح، ونصه: ويقال ينبغي أن يكون القتل هنا واجبا لأنه يتوصل به إلى إحياء نفسه لا سيما إن كان القاتل غير آدمي. انتهى. وذكر القرطبي وابن الفرس في الوجوب قولين، قالا: والأصح الوجوب، وأما ابن العربي فصرح بأن الدفع عن النفس جائز لا واجب ونصه المدفوع عنه كل معصوم من نفس وبضع ومال وأعظمها حرمة النفس وأمره بيده، إن شاء أسلم نفسه أو دفع عنها، لكن إن كان زمن فتنة فالصبر أولى وإن قصد وحده فالأمر سواء، ونقله ابن شأس والقرافي قائلا: الساكت عن الدفع عن نفسه حتى يقتل لا يعد آثما ولا قاتلا لنفسه. انظر مصطفى. انتهى. وقال المواق: قال ابن العربي: لا يقصد المصول عليه القتل إنما ينبغي أن يقصد الدفع، فإن أدى إلى القتل فذاك إلا أن يعلم أنه لا يندفع إلا بالقتل فجائز قصد قتله ابتداء. انتهى. لا جرح إن قدر على الهروب منه أي من المائل بلا مضرة يعني أن المصول عليه إذا كان يقدر على الهروب عن الصائل بنفسه وأهله وماله ولا مضرة تلحقه في الهروب، فإنه لا يجوز له أن يدفع الصائل بالجرح فضلا عن القتل، قال المواق: قال ابن العربي: إن قدر المصول عليه على الهروب من غير ضرر يلحقه لم يجز له الدفع بالجراح، فإن لم يقدر فله دفعه بما يقدر. ابن

стр. 9152

عرفة: هذا كقول ابن رشد وغيره: إذا تعارض ضرران ارتكب أخفهما. انتهى. وقال عبد الباقي: وعطف بالرفع على دفع قوله: "لا جرح" أي لا يجوز للمصول عليه فعله في الصائل إن قدر على الهروب بنفسه وأهله وماله منه أي من الصائل بلا مضرة. مسألة: من قتل من وجد مع زوجته قتل به إن لم يكن إلا قوله: فإن شهد له أربعة بالزنى لم يقتل به كان الزاني ثيبا أو بكرا. ابن القاسم: وديته على عاقلته، وقال غيره: فإن لم تشهد بينة وأتى بلطخ لم يقتل به كأن يرى ينقب داره وزعم ذلك، وكذلك إذا شهد عدلان أنه وجد معها في لحاف واحد، وإن لم يعاينا الزنى. نقله بهرام عن اللخمي. انتهى. نقله في الميسر. وما أتلفته البهائم ليلا فعلى ربها يعني أن الحيوان الذي تمكن حراسته ولم يكن معروفا بالعداء سواء كان مأكول اللحم أم لا، إذا أتلف شيئا من الزرع أو الحوائط أو الكروم ليلا فإن ضمان ذلك على رب الحيوان فيغرم عوض ذلك، وإن زاد على قيمة الحيوان قال عبد الباقي: وما أتلفته البهائم ليلا من زرع وحوائط وهي غير معروفة بالعداء ولم تربط ولم يقفل عليها بما يمنعها منعا كليا، وكانت مما يمكن التحرز منها كدجاج لا طير فعلى ربها واحدا أو متعددا على عدد الرؤوس أو على عدد المواشي. قاله الاقفهسي. وإن زاد ما أتلفته من زرع أو حوائط على قيمتها أي قيمة البهائم. انتهى. وقال الشبراخيتي: وما أتلفته البهائم المأكولة اللحم وغيرها من الحوائط أو الزروع ليلا فعلى ربها ضمانه إذا نقص عن قيمتها أو ساواها، بل وإن زاد عوض ما أتلفته على قيمتها والعوض شامل لقيمة المقوم ومثل المثلي، وظاهره سواء كانت مربوطة أم لا، وليس كذلك بل محل الضمان كما قال الأقفهسي إذا تركوها من غير ربط، أما إذا ربطوها وحفظوها فلا ضمان عليهم. واعلم أن الماشية إذا ربطت الربط الذي يمنعها عادة أو قفل عليها القفل الذي يمنعها عادة فإنه لا ضمان على ربها، سواء كانت عادية أم لا وإن لم تربط الربط المذكور ولا قفل عليها القفل المذكور، فإن كانت عادية فإنه يضمن ربها ما أتلفته ليلا أو نهارا، وإن كانت غير عادية فإنه يضمن ما أتلفته ليلا دون ما اتلفته نهارا وهذا فيمن تمكن الحراسة منه، وأما ما لا يمكن فيه ذلك كالحمام والنحل فهل يمنع أربابها من اتخاذها إذا آذت الناس وهو رواية مطرف عن مالك أولا، وعلى أرباب الزرع والشجر حفظها وهو قول ابن القاسم وابن كنانة وابن حبيب، وفي الطراز عن بعضهم

стр. 9153

أن الدجاج الذي يطير حكمه حكم الحمام، وما لا يطير حكمه حكم الماشية. انتهى. وقال المواق: قال الباجي: قال مالك والشافعي: وما أصابته الماشية بالنهار فلا ضمان على أربابها وما أصابت بالليل ضمنوه، قال مالك: وسواء كان محظرا عليه أو غير محظر عليه. ابن القاسم: جميع الأشياء في ذلك سواء. الباجي: وهذا في موضع تتداخل فيه الزارع والمراعي، وروى ابن القاسم أن الواجب في ضمانه قيمته وإن كانت أكثر من قيمة الماشية. ابن رشد: وليس له أن يسلم الماشية في قيمة ما أفسدت، بخلاف العبد الجاني لأنه مكلف والماشية ربها هو الجاني. انتهى. وقوله: وإن زاد على قيمتها رد به قول يحيى بن يحيى، قال التتائي: وإن زاد على قيمتها على المشهور وهو قول ابن القاسم ومثله في سماع أشهب، قال في الذخيرة: وإن كانت أضعاف قيمتها كان محجورا عليه أو لا محروسا أو لا. انتهى. وظاهره أنه ليس له أن يسلم الماشية في قيمة ما أفسدت. وقال يحيى بن يحيى: إنما يلزمه إذا نقص أو ساوى، وأما إذا زاد فله دفع الماشية كالعبد الجاني، وفرق للمشهور بأن العداء منسوب للعبد فلا يلزم ربه أكثر من قيمته والماشية لا تعقل، فالعداء منسوب لربها حيث لم يحرسها، وبأن الأصل تعلق الجناية برقبة العبد لعقله وتخيير السيد رفق به ولا كذلك السيد. انتهى. وقال في الميسر: وما أتلفته البهائم التي يمكن التحرز منها ليلا من زرع وحوائط، كان محظرا عليها أم لا، انفلتت أو أرسلت مع القدرة على منعها، ولا يضمن ربها غير ذلك من آدمي أو متاع كما في الكافي وغيره، فعلى ربها إن لم تربط ولم يغلق عليها ما يمنعها وإن تعدد أهلها فهل على أهلها، أو على عددهم قولان، وإن زاد ذلك على قيمتها وليس له إسلامها فيما أتلفت، بخلاف العبد الجاني لأنه مكلف بخلافها فالجاني حقيقة ربها. انتهى. بقيمته يعني أن ما أتلفته البهائم من الزرع والحوائط يقوم على البت إن بدا صلاحه وأما إن لم يبد صارحه، فإنه يقوم على الرجاء والخوف، ومعنى ذلك أن يقال ما قيمة هذا الزرع لمن يشتريه؟ أن لو جاز بيعه على رجاء تمامه وخوف عدم تمامه، فهو إنما يقوم تقويما واحدا ولا شك أن هذا خطر تنقص القيمة بسببه، وهكذا عبارة أهل المذهب وهذا هو الأصل في تقويم ما رجي تمامه وما يخاف عليه من الزرع والثمار وغيرهما، كأم الولد والمدبر ونحو ذلك، قال في رسم

стр. 9154

حلف ليرفعن أمره إلى السلطان من كتاب الغصب، قال مالك في الزرع تأكله الماشية: يقوم على حال ما يرجى من تمامه ويخاف من هلاكه لو كان يحل بيعه؛ وعليه اقتصر ابن عرفة تبعا لابن الحاجب وابن شأس، ونصه: على أربابها قيمة ما أفسدت على الرجاء والخوف أن يتم أو لا يتم، وبه تعلم أن ما ذكره ابن مرزوق غير صواب. واللَّه أعلم. قال ابن رشد في الرسم المتقدم: ولا اختلاف في وجوب تقويمه إذا أيس من أن يعود لهيئته، وأما إن رعي صغيرا أو رجي أن يعود ليهئته فاختلف فيه هل يستأنى به أم لا؟ فقال مطرف: إنه لا يستأنى به، وذهب سحنون إلى أنه يستأنى به. قاله في الشجرة. وهو في الزرع أحرى، واختلف إن حكم بالقيمة فيه ثم عاد لهيئته، فقال مطرف: مضت القيمة لصاحب الزرع وقيل ترد كالبصر يعود، واختلف أيضا إن لم يحكم به حتى عاد لهيئته، فقال مطرف: تسقط القيمة ويؤدب المفسد، وقال أصبغ: لا تسقط. انتهى. قاله البناني. وقال: وربما يستروح من كلام المصنف في التوضيح أن الراجح هو قول مطرف في الجميع. واللَّه أعلم. انتهى كلام البناني. فتحصل أن الصواب أنه يقوم تقويما واحدا، فيقال ما قيمته لمن يشتريه أن لو جاز بيعه على رجاء تمامه وخوف عدم تمامه: فيقال مثلا يشترى بدينار فيعطيه دينارا، وقول ابن مرزوق الذي هو غير صواب معناه أنه يقوم مرتين مرة على فرض تمامه ومرة على فرض عدم تمامه، ويجعل له قيمة بين القيمتين، فيقال لو بقي حتى تم فقيمته دينار، فإن لم يتم ورعي فقيمته للرعي على نصف دينار، فاللازم فيه ثلاثة أرباع الدينار. انتهى. واللَّه تعالى أعلم. وقول البناني: وربما يستروح من قول التوضيح أن الراجح هو قول مطرف، قال الرهوني: انظر من أين يستروح ذلك من كلام التوضيح؟ نعم كلام ابن سلمون يفيد أن قول مطرف هو الراجح في الجميع، ونصه في الواضحة: قال ابن حبيب سألت مطرفا عما أفسد من الزرع أخضر كيف يقوم؟ فقال لي: سمعت مالكا يقول: يقوم على الرجاء أن يتم وعلى الخوف أن لا يتم فيغرم المفسد القيمة لصاحب الزرع، ولا يستأنى بالزرع أن ينبت كما يصنع بسن الصغير، قال ابن حبيب: فإن عاد الزرع بعد ذلك الحكم لهيئته وإلى حالته الأولى تمضي القيمة لصاحب الزرع، قال: نعم

стр. 9155

لأنه حكم قد نفذ ومضى. قال ابن حبيب قلت لمطرف: فلو لم يحكم به حتى عاد لهيئته؟ فقال: إذا تسقط القيمة التي وضعت ولا يكون على المفسد شيء إلا الأدب من السلطان بقدر تعديه وإفساده إلا أن يكون ما أفسد من ذلك كأن يرعى وينتفع به فيكون عليه قيمته ناجزا، وليس قيمته على الرجاء والخوف مع الأدب له في ذلك كله. قال ابن حبيب: فسألت عن ذلك أصبغ، فقال عن ابن القاسم عن مالك في صدر المسألة مثل قول مطرف، قال لي أصبغ: وإذا عاد لهيئته قبل الحكم فهو عندي مثله ويقوم على الرجاء والخوف نبت أو لم ينبت، كان ذلك قبل الحكم أو بعده. قال ابن حبيب: وقول مطرف فيه أحب إليَّ وبه أقول وهو الحق إن شاء اللَّه. انتهى منه بلفظه. فتأمله تجده يفيد أن الراجح قول مطرف في الفرعين جميعا. تنبيهات: الأول: انظر لمن يكون الزرع على قول مطرف؟ والمتبادر من كلامهم أنه لصاحب الماشية، وصرح بذلك في المقصد المحمود ويأتي لفظه قريبا إن شاء اللَّه. الثاني: قول ابن سلمون عن الواضحة إلا أن يكون ما أفسد من ذلك كان يرعى الخ نحود لابن عرفة عن ابن حبيب عن مطرف، وقد بين في المقصد المحمود صورة ذلك ونصه: ثم ينظر إلى الزرع فإن كان المرعي منه أوراقه دون أسوقه وأصوله ورجي خلفه رجاء ظاهرا، فإنما يقوم ما يساوي قصيلا على صفته، وإن كان لا يرجى خلفه قوم على ما تقدم في السجل على الرجاء والخوف، فإن ظهرت له بعد ذلك خلفة فهي لرب الماشية لأن القيمة كثمن الزرع ولو جاز بيعه. انتهى منه. الثالث: قال ابن سلمون: فإن كان الزرع أخضر قوم على الرجاء أن يتم وأخذ صاحبه قيمته دراهم، ولا يجوز أن يأخذ فيه طعاما، ثم قال: وإن كان الزرع قد يبس واستحصد فيلزم أن يدفع مكيلته طعاما في الحب ومكيلة التبن تبنا إن كان استهلك التبن. انتهى منه بلفظه. قال شيخنا الجنوي: فيه نظر، بل الصواب أن يقوم بالدراهم كما قالوا فيمن استهلك صبرة مجهولة العدد من المثلي عليه قيمتها دراهم؛ لأنه لو غرم مثلها ربما كانت إحداهما أكثر من الأخرى فيؤدي إلى المفاضلة. انتهى.

стр. 9156

قلت: نحو ما لابن سلمون في المقصد المحمود إلا أنه جعل ذلك جائزا لا متحتما كما هو ظاهر ابن سلمون، ونص المقصد المحمود: وإن كان قد يبس واستحصد أو كان محصودا فيجوز تقويمه بالعين وبمكيلته من الطعام بعد أن يختبر بالخرص. انتهى بلفظه. وكأن ابن سلمون اعتمد فيما قاله على ما نقله قبل ذلك عن الاستغناء، ونصه: وفي الاستغناء: إن عمل رجل نار الرماد أو غيره بقرب فدان رجل أو أندره فاحترق الزرع، فإن عليه ضمانه على الحزر والتقدير للفشاقير وغرم التبن على الحزر والتوسط من ذلك بعد أن يحلف صاحب الزرع على عدد الفشاقير التي تكون في أندره؛ لأن القول قوله إلا أن يأتي بما لا يشبه. انتهى. فظاهره أنه يغرمه حبا، ومع ذلك فلا يجوز التعويل عليه وإن كان غير واحد ممن يتصدى للفتيا من معاصرنا يعتمدون كالأم ابن سلمون، بل يجب التعويل على ما قاله شيخنا للقاعدة المقررة في المذهب المسلمة عند أهله، وهو أن المثلي إذا جهل قدره فالواجب فيه قيمته لا قدره: واستدلال شيخنا بمسألة الصبرة واضح وهو من القياس الجلي؛ لأن الصبرة يمكن حزرُها، ولذلك يجوز بيعها إذا توفرت شروط الجزاف بلا خلاف، بخلاف الزرع في الفشاقير ونحوها ولا يشك منصف أن ضرم مثله تحزيرا مود للشك في التماثل بينهما، ومن القواعد المقررة في المذهب التي لا نعلم فيها خلافا أن الشك في التماثل في الربويات كتحقق التفاضل فلا يصح ما قاله ابن سلمون. واللَّه اعلم. انتهى كلام الرهوني. لا نهارا هذا مفهوم قوله: "ليلا" يعني أن ما أتلفته البهائم غير العادية من الزرع والحوائط والكروم نهارا لا ضمان فيه، بل هو هدر بشرطين أحدهما قوله: إن لم يكن معها راع أي إنما يكون ما أتلفته البهائم هدرا حيث لم يكن معها راع، أو كان وعجز عن دفعها كما في أحمد. قاله عبد الباقي. والشرط الثاني قوله: وسرحت بُعْد الزارع بأن يخرجها عن الزرع إلى موضع يغلب على الظن أنها لا ترجع لذلك الزرع. قاله الأقفهسي. قاله عبد الباقي. وإلا أي وإن لم يكن الأمر كذلك بأن كان معها راع وسرحها بعد المزارع أو سرحها قرب المزارع بحيث يغلب على الظن عودها لها، فعلى الراعي أي فضمان ما أتلفت من ذلك على الراعي مكلفا أو صبيا مميزا يقدر على منعها، وحينئذ فعليه قيمته على الرجاء والخوف إن فرط في حفظها وإلا فلا شيء عليه،

стр. 9157

فإذا سرحت قرب المزارع نهارا بلا راع فعلى ربها. وإيضاح معنى المصنف أن ما أتلفته البهائم نهارا من الأمور المذكورة لا يضمنه أحد، بل هو هدر بشرطين: أحدهما إن لم يكن معها راع، فإن كان معها راع قادر على حفظها ضمن ما أتلفته من ذلك سرحت بعد المزارع أو قربها، فإن لم يكن معها راع فإن سرحها ربها بعد المزارع فلا ضمان عليه وهو الشرط الثاني، فإن سرحها قرب المزارع فضمان ما أتلفت من ذلك على ربها. فقوله: "وإلا" تصريح بالمفهوم الأول أي وإن كان معها راع فعلى الراعي ما أتلفته، سرحها قرب المزارع أو بعدها، وسكت عن مفهوم الشرط الثاني وهو إذا سرحت قرب المزارع وليس معها راع فالضمان على ربها، قال الشبراخيتي: لا ما أتلفته نهارا من المزارع والحوائط فلا ضمان فيه على ربها ما لم تكن عادية وإلا ضمن ما أتلفته ولو نهارا. وفي الموطإ وغيره عنه ﵊ أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه ﵊ أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن ما أفسدته المواشي باليل ضمانه على أهلها. انتهى. وعدم الضمان مشروط بشرطين: أحدهما إن لم يكن معها راع شرط في قوله: نهارا يريد أو كان معها وهو عاجز عن دفعها عن الزرع كما ذكره الزرقاني، وثانيهما وسرحت بعد المزارع، المراد بتسريحها بعد المزارع أن تسرح بمكان يغلب على الظن أنها لا ترجع عنه للزرع، فإذا أطلقت بعد مجاوزتها المزارع مجاوزة بينة ورجعت لها وأتلفت منها فلا ضمان وصرح بمفهوم الشرط الأول بقوله: وإلا فإن كان معها راع فعلى الراعي الضمان، ولو سرحت بعد المزارع وهو الموافق لظاهر ما لابن ناجي ومقتضى ما لغيره كالأقفهسي أن فعلها حيث سرحت بعد المزارع هدر، سواء كان معها راع أم لا، وسكت عن حكم مفهوم الشرط الثاني وهو أن الضمان على ربها، ولو قال: وإلا فعلى الراعي أو على ربها كان أولى، وتكون أو للتنويع. وقوله: "فعلى الراعي" إن كان مكلفا وفرط بأن نام مضطجعا، وأما لو نام مستندا فليس بمفرط وإن اختلفا في التفريط وعدمه فالأصل عدم التفريط حتى يتبين خلافه، وإن كان غير مكلف فهدر. انتهى. وقال التتائي: لا ما أتلفته البهائم نهارا فلا ضمان فيه على ربها إن لم يكن معها راع يحفظها، والحال أنها سرحت بعد موضع المزارع بل أخرجها ربها عن مزارع القرية وتركها بالمسرح فلا

стр. 9158

ضمان عليه، وإن أطلقها قبل خروجها عن مزارع القرية فهو ضامن وإن كان معها راع أي فالضمان على الكل. واللَّه تعالى أعلم. وإلا بأن كان معها راع فعلى الراعي الضمان إن فرط أو ضيع. ابن رشد: وعلى هذا حمل أهل العلم الحديث، وأشار لخبر الموطإ (أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه، فقضى رسول اللَّه ﷺ أن على أهل الحوائط حفظها نهارا وما أفسدته ليلا فعلى أربابها) (١)، ولم يسلك المصنف هنا طريق الباجي، وهو أن الموضع ثلاثة أضرب: ضرب يكون فيه المزارع والمراعي وهو الذي تقدم ذكره، وضرب تنفرد فيه المزارع والحوائط وليس بمكان مسرح وهذا لا يجوز إرسال المواشي فيه، وما أفسدت ليلا أو نهارا فعلى أربابها ضمانه، وضربٌ جرت عادة الناس بإرسال مواشيهم فيه ليلا ونهارا فأحدث فيه رجل زرعا من غير إذن الإمام في إحيائه فلا ضمان على أهل المواشي فيه ليلا ولا نهارا. انتهى. تنبيهات: الأول: قال التتائي: لو أفسدت البهائم غير الزرع والحوائط بأن وطئت آدميا أو غيره ليلا أو نهارا فلا ضمان على أربابها وكذا سائر الأمتعة والأموال. وفي الطرر: سئل بعضهم الذي يؤذيه دجاج جاره في مزرعته، فقال: على الجيران أن يمنعوا دجاجهم ويقصروها عنه، وهذا إذا كانت الدجاجة طائرة مما لا يستطاع الاحتراس منها، وإن كانت مقصوصة فهي كالماشية، وأصبغ يقول غير هذا عن ابن القاسم، قيل له: فإن فتح الباب على الدجاج وسيَّبها؟ فقال: يضمن ما أفسدت، واختلف في الحيوان الذي لا تمكن حراسته كالحمام والنحل، هل يمنع أربابه من اتخاذه إذا آذى الناس وهو رواية مطرف عن مالك أو لا يمنعون وعلى أرباب الزرع والشجر حفظه وهو قول ابن القاسم وابن كنانة وابن حبيب. انتهى. وقال المواق: ابن سلمون: وإذا عدت بهيمة على أخرى أو قتلتها فلا شيء في ذلك. أبو عمر: وكذا إذا انفلتت ليلا أو نهارا فركبت على رجل نائم فجرحته أو قتلته لأن جرح العجماء جبار. أبو عمر: يسقط الضمان نهاها عن أرباب الماشية إذا أطلقت دون راع وإذا كان معها راع، ولم يمنعها فهو كالقائد والراكب، وقد

стр. 9159

ضمن مالك القائد والسائق والراكب. انتهى. وقال ابن القاسم: النحل والحمام والدجاج كالماشية لا يمنع من اتخاذها وعلى أهل القرية حفظ زرعهم، قال ابن عرفة: والصواب خلاف قول ابن القاسم. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "وسرحت بعد المزارع وإلا فعلى الراعي" ما نصه: فإن سرحت قرب المزارع بلا راع فعلى ربها وكذا إن كانت عادية يعني عادية على الزرع؛ أي شأنها ذلك كما في الخرشي فعلى ربها ما أتلفته نهارا أو ليلا، إلا لراع مكلف قادر على منعها فعليه حيث فرط، فإن ربطت وقفل عليها ما يمنعها منعا كليا لم يضمن ربها ما أتلفته ليلا أو نهارا، عادية أم لا، كما إذا سرحت بعد المزارع بلا راع فإن كانت مما لا يمكن التحرز منه ولا الحراسة كحمام ونحل ودجاج يطير، ففي منع أربابها من اتخاذها إن آذت الناس وهو رواية مطرف عن مالك وعدم منعهم، وعلى أرباب الزرع والشجر حفظها وهو قول ابن كنانة وابن حبيب قولان. قاله التتائي. وصوب ابن عرفة الأول لاستغناء ربها عنها وضرورة الناس للزرع والشجر، ويؤيده قاعدة ارتكاب أخف الضررين عند التقابل، وقول التتائي وابن حبيب خلاف عزو الباجي له موافقة مالك وعزا لأصبغ موافقة ابن القاسم كما في ابن عرفة، ثم مثل ما ذكر المصنف في الراعي في النهار ما لو كان لها راع في الليل فالضمان عليه مع قدرته على دفعها كما أشار له أحمد، ومحل تفصيل المصنف حيث المزارع والمراعي بموضع واحد، فإن انفردت المزارع بموضع فلا يجوز إرسال المواشي فيه وإلا غرموا ما أفسدت ليلا أو نهارا، كما أن موضع المواشي التي جرت العادة بإرسالها فيه إذا أحدث فيه رجل زرعا بلا إذن إمام لا ضمان على أهل المواشي التي جرت العادة بإرسالها فيه مطلقا. قاله الباجي. وقولي: وما أتلفته اليهائم من زرع وحوائط تحرز عما أتلفته من غيرهما كآدمي أو بعضه فلا ضمان على ربها إن أتلفته ليلا كما في العتبية؛ أي حيث لم يقصر في حفظها. انتهى. قول عبد الباقي: وصوب ابن عرفة الأول وهو أنه يمنع من اتخاذها إن آذت الناس، قال الرهوني: صرح أبو علي بأنه الراجح ويأتي لفظه وأطلق غير واحد الخلاف في ذلك، وفي أجوبة سيدي عبد القادر الفاسي بعد ذكره هذا الخلاف ما نصه: وهذا إذا كانت الأشياء حادثة، وأما إن تقدمت فليس بضرر. واللَّه أعلم. انتهى منها بلفظها. ونقله الشريف الشفشاوي

стр. 9160

في نوازله في مسائل الغصب والتعدي وسلمه، وقال أبو علي في فصل القيام بالضرر من حاشية التحفة ما نصه: والراجح وهو الذي يفتى به هو المنع من اتخاذ الحمام ونحوه إن كان يضر بالناس وهو قول مطرف وقول ابن القاسم في ذلك مرجوح، وهذا إذا كان اتخذ بعد زرع الزارع مثلا، وأما إن تقدم اتخاذ الحمام مثلا فجاء رجل فزرع بإزائه فإنه لا كلام له لدخوله على الضرر. انتهى. الثاني: قال عبد الباقي: ما كدمته الدابة بفمها أو رمته برجلها إن لم يكن بفعل من معها لا ضمان فيه. وإن كان بفعل من معها ضمن، ففي المدونة: من قال قطارا فهو ضامن لما وطئ البعير في أول القطار أو آخره، وإن نفحت رجلا أي ضربته بيدها أو رجلها لم يضمن القائد إلا أن يكون ذلك من شيء فعله بها. انتهى. فقول الرسالة: والسائق والقائد والراكب ضامنون لما وطئت الدابة أي كل واحد ضامن، معناه إن جاء العطب من فعل المذكورين فيوافق ما مر عن المدونة من أن ما ضربته بيدها أو رجلها يضمنه مسيرها إن كان من فعله، وقوله: برجلها ظاهر في رفسها بنفس رجلها، وأما إن طارت حصاة فأتلفته، فقال ابن زرب: لا يضمن، وذهب بعض المتأخرين إلى أنه يضمن إن طارت بطرف حافرها، ولعدمه إن طارت من تحته. الثالث: إذا اجتمع سائق وقائد وراكب، فما وطئت على سائق وقدم على قائد إلا أن يكون ما أتلفت من فعل الراكب كنخسها فعليه فقط إن لم يعيناه، وإلا اشترك الثلاثة في الضمان ولو ركبها اثنان ضمن المقدم ولو صبيا يقدر على إمساكها؛ لأن لجامها بيده فلو حركها المؤخر كما في الميسر أو ضربها فعليهما كزميلين بمحمل بلا قائد إلا أن يفعل الرديف ما لا يقدر المقدم على دفعه أو يكون صبيا عاجزا عن إمساكها فعلى المؤخر، ولا ينفع الإنذار مع سماع المنذر بالفتح عند مالك، فيضمن مسيرها ما أتلفته لعدم لزوم التنحي؛ إذ من سبق إلى مباح كطريق لا يلزمه التنحي لغيره وقيل ينفعه، فإن انفلتت الدابة فنادى ربها رجلا بإمساكها فأمسكها أو أمره بسقيها ففعل فقتلته أو قطعت له عضوا لم يضمن ربها، كعدم ضمان راكب وسائق وقائد ما حصل من فلوها، فإن نادى صبيا أو عبدا بإمساكها أو سقيها فأتلفته ضمن قيمة العبد ودية الصبي على عاقلة الآمر، كناخس دابة فقتلت رجلا فعلى عاقلة الناخس، فإن قتلت رجلا في مسك الصبي أو العبد

стр. 9161

أو أمرهما بسقيها فعلى عاقلة الصبي ولا رجوع لهم على عاقلة الآمر، وخير سيد العبد بين إسلامه فلا رجوع له على الآمر وبين فدائه بدية الحر، ومعلوم أن ضمان جميع ما مر معناه المال في مالك كعقل لم يبلغ الثلث وإلا فعلى العاقلة، ولو انهارت بير أو معدن بمن يعمل في أحدهما فهذا (١) لم يضمن مستأجره إذ لا صنع له فيه حيث حفره بموضع يجوز له، لحديث الموطإ والصحيحين مرفوعا: (العجماء جبار والبير جبار والمعدن جبار وفي الركاز الخمس) (٢). انتهى. فإن حفره اثنان فماتا فنصف دية كل على عاقلة الآخر وثلاثة فثلث دية كل على عاقلة الآخر، وهكذا لو كثروا فبالنسبة لتسبب كل في قتله وقتل من معه فما نابه ساقط بقتله نفسه وتؤخذ عاقلته بما تسبب في غيره، ولا شيء على هارب خائف صدم أو وطئ شيئا، بل على من تسبب في هروبه أو خوفه. انتهى كلام عبد الباقي. وفي الميسر: ما جنته الدابة غير زرع وحائط جبار أي هدر سواء لم يكن معها أحد أو كان معها راكب أو قائد أو سائق وتبين أن ذلك من غير فعله، وإن تبين أنه من فعله فكالخطإ تحمل منه العاقلة ثلث الدية فأكثر، ولا يضمن ما أصابت برجلها إلا أن يفزعها ويضمن بكل حال ما أصابت بمقدمها كذا في الكافي. انتهى. ومر أنه إنما يضمن من ذلك ما كان من فعله. واللَّه تعالى أعلم. ثم قال: وقال الفاكهاني لا يضمن الراكب ما كدمت الدابة إلا أن يكون بسببه، قال ابن فرحون: إن أصابت بفمها فرآها ولم يمنعها أو كان ذلك شأنها ولم يحفظ فمها ضمن، وإن لم يرها ولا كان ذلك شأنها ولا فعل بها ما أوجب ذلك لم يضمن، وإن لم يعلم هل فعل ما يوجب ضمانه حمل على أنه جناية منها حتى يعلم غيره. انتهى. وإذا اجتمع سائق وقائد وراكب فما وطئت فعلى السائق والقائد إلا أن يكون فعلها بسبب الراكب فعليه خاصة إن لم يعيناه، وإن طارت حصاة ضمن ما أتلفته إن دفعته بحافرها لا إن طارت تحته. قاله محمد. ونقله ابن فرحون وذكر أن الراكب إذا انفرد يضمن ما وطئت ولو كان نائما أو مريضا، ولا يضمن ما أتلفه ولدها التابع لها،

стр. 9162

وإن جمحت به فعطبت شخصا ضمن وإن نخسها غيره ضمن الناخس والدية في ذلك على العاقلة، وكذا لو صدم هارب خائف شيئا أو وطئه لم يضمنه وضمنه من تسبب في هروبه. ذكره ابن فرحون. وإن ركبها اثنان ضمن المتقدم ولو صبيا يقدر على منعها إلا أن يحركها المؤخر فيضمنان وإن ضربها المؤخر فرمحت رجلا فمات ضمن المؤخر خاصة، وإن كانا متزاملين في محمل ضمنا ما وطئت، ولو أنذر الراكب أو السائق في طريقه لم ينفعه ذلك؛ لأن من سبق لمباح كطريق لا يلزمه التنحي لغيره وقيل ينفعه، ومن قال قطارا ضمن ما وطئه بعير في أوله أو آخره وإن كان معه سائق اشتركا في ما وطئ الأخير خاصة. ذكره ابن فرحون. ولو نفحت دابة من القطار رجلا أي ضربته لم يضمن القائد ذلك إن لم يفعل بها شيئا ولو نخسها غيره ضمن الناخس ومن حمل على بعير لغيره بإذنه فقاده في سوق فسقط الحمل على رجل وقتله ضمن دون رب البعير: ومن سقط عن دابته على رجل فقتله ضمن ديته. ذكره الفاكهاني. ومن انفلتت دابته فأمر من يحبسها له فقتلته لم يضمن إلا أن يأمر صبيا أو عبدا لغيره، فدية الصبي على عاقلته وقيمة العبد في ماله، ولو ركبها الصبي أو العبد فجنت في غيرهما لم يضمنه الآمر بل هو على عاقلة الصبي وفي رقبة العبد، وذكر ابن فرحون عن محمد أن من انفلتت دابته من يده فعلى عاقلته دية من قتلته، وإن انفلتت من قيدها فهدر. انتهى كلام الميسر. ولو وقع الذباب على دابة فنفحت لم يكن على راكبها شيء قاله ابن فرحون. وفي الموطإ أن من حفر بيرا في الطريق أو ربط دابة أو نحو ذلك مما لا يجوز له فهو ضامن لما أصيب في ذلك من جرح أو غيره في ماله إن كان دون ثلث الدية، وإن بلغه فعلى عاقلته وما صنع من ذلك مما يجوز له على الطريق فلا غرم عليه، كبير حفرها للمطر ودابة نزل عنها لحاجة أو أوقفها على الطريق، وقال فيمن نزل في بير فيدركه آخر فيجذبه الأسفل فخرا في البير وماتا إن على عاقلة الأسفل الدية كاملة. وقال في صبي أمره رجل أن ينزل في بير أو يرقى نخلة فهلك في ذلك: إن الآخر ضامن لا أصابه. انتهى باختصار وباللَّه التوفيق. انتهى. أبو عمر: روي عن عمر وعلي أنهما قضيا في قتيل الزحام بالدية في بيت المال وقال الرهوني: هو على من حضره في جمعة أو غيرها ولا شيء فيه عند مالك والشافعي. قاله القلشاني.

стр. 9163

الرابع: قال الرهوني: قال في أواخر طرر ابن عات ما نصه: وليحيى بن عمر في رجل كان مع غنم بين زرع وخاف فوت وقت الصلاة إنه يصلي ويغرم قيمة الزرع إن أفسدته الغنم. منها بلفظها. ونقله ابن مرزوق هنا وسلمه. واللَّه أعلم. انتهى. الخامس: إذا أخذ الماشية من وجدها في ملكه فهلكت أو تعيبت فهو ضامن، ففي سماع عبد الملك بن الحسن من كتاب السلطان من العتبية ما نصه: قال وسألت ابن وهب عن رجل وجد في زرعه بقرتين فساقهما إلى داره فأدخلهما داره، فلما كان من جوف الليل خرقا داره أو خرقا زرب الدار فخرجا منه فعقرتهما السباع، فهل يضمنهما الذي ساقهما إلى داره؟ أو إن كانا في داره وعقرهما السبع الذي في داره يضمنهما صاحب الدار؟ قال: أراه ضامنا إذا عقرا أو أصيبا في الأمر الذي بسنببه وأصله منه، ولم يكن له سوقهما وحبسهما في داره وإنما له إتيان السلطان إن كان السلطان قريبا والانتهاء إلى صاحبهما أو ردهما عن زرعه، فإذا ترك ذلك وساقهما إلى داره وربطهما وحبسهما فأراد متعديا، وأرى عليه ضمانهما إن أصيبا في ذلك. وقال أشهب: هو ضامن لهما أبدا حتى يرجعا إلى صاحبهما، ماتا في داره أو عقرا خارجا عن داره قال محمد بن رشد: قول أشهب مثل قوله ابن وهب، فلو قال: قال أشهب مثله لكان أحسن، والمسألة كلها بينة إلا قوله إنما له إتيان السلطان إن كان السلطان قريبا، فمعناه إن كان الأذى والرعي في الليل أو في النهار في موضع لا يصلح إهمال الأنعام والمواشي فيه دون راع يذودها، وأما إن كان ذلك بالنهار في موضع لأصحاب المواشي فيه إهمال مواشيهم دون رعاة يرعونها فليس له إتيان السلطان ولا رفع الأمر إليه. انتهى محل الحاجة منه بلفظه. ونقله مؤلف المغارسة وما معها في الشرح بالمعنى، وزاد عقبه ما نصه: وقال في المذهب: ولو أخرج من زرعه ماشية فعطبت، فإن ساقها سوقا عنيفا كإشلائه عليها الكلاب ورميها بالحجارة أو غير ذلك ضمن ما عطب، وإن أخرجها برفق فلا شيء عليه. انتهى. وقال الإمام ابن مرزوق في اختصاره الحاوي على الفتاوي: وسئل ابن أبي زيد ضمن وجد في الزرع دابة مقيدة فحلها فذهبت وضاعت أو ذهب بها لداره فهلكت، فأجاب بأنه ضامن في الوجهين إلا أن يعلم أهل القرية أن فاعل ذلك من عادته سجن الدواب أو حبسها وأنهم على ذلك حرسوه فلا شيء عليه. انتهى.

стр. 9164

وقوله: وعلى ذلك حرسوه أي جعلوه حارسا وكلامه هذا في حاكم الفحص، لكن تعليله يدل على تعميم الحكم فيه وفي غيره من أهل الزرع، وبه يقيد ما تقدم من كلام غيره في المسألة؛ لأن عادة بعض البلدان سيما بلدتنا هذه التي لا حاكم فيها أن يأتي صاحب الزرع بالدواب التي يجدها في زرعه لبيته إلى أن يأتي ربها ويتكلم معه في ذلك واللَّه الموفق للصواب. انتهى منه بلفظه. قلت: قوله لكن تعليله يدل على تعميم الحكم الخ إن عنى أنه انضم إلى عادتهم تلك إذن جميعهم بعضهم لبعض في ذلك فما قاله مسلم، وإن عنى أن مجرد عادتهم تلك فغير مسلم؛ لأن الشيخ أبا محمد لم يسقط عنه الضمان بمجرد العادة بل بذلك، وبقوله: وإنهم على ذلك حرسوه ووجه سقوط الضمان إذ ذاك ظاهر؛ لأن إتيانه بالماشية إذ ذاك إنما هو بإذن سابق من ربها وليس تعديا. فتأمله بإنصاف. وكلام أبي محمد إنما هو باعتبار سقوط الضمان، وأما جواز ذلك فلم يتعرض له والمتعين منع ذلك على الوجه الذي يقع في هذه الأزمنة لا يحصل للماشية من الضرر بالجوع والعطش، ومن التوله إذا كان لها أولاد فحبست هي فقط أو أولادها فقط. واللَّه سبحانه أعلم انتهى كلام الرهوني. ولما أنهى الكلام على الجنايات أتبعه بالكلام على العتق؛ لأن الجناية سبب في الإثم والعتق من أقوى الأسباب في الخلوص من ذلك، فقال:

стр. 9165

باب: في العتق وما يتعلق به والعتق لغة: الخلوص، ومنه عتاق الخيل والطير أي الخالص منها، وسمى البيت الحرام بالعتيق لخلوصه من أيدي الجبابرة إذ لم يملكة جبار أو عتق من الطوفان وعتق العبد لحق بالأحرار وتم فضله. قاله التتائي. وقال الشبراخيتي: والعتق لغة الكرم والجمال وقيل الخلوص ومنه عتاق الخيل والطير، وسمى به البيت الحرام لخلوصه من أيدي الجبابرة إذ لم يملكه جبار، ويقال عتق من باب ضرب ومن باب دخل. انتهى. وقال التتائي: ولا يقال عتق العبد بضم العين بل أعتق بهمز التعدية في أوله فهو عتيق وعتق العبدُ فهو عتيق، وقيل سمع عتق العبدَ ثلاثيا متعديا. انتهى. وقال الحطاب: قال في الصحاح: العتق الكرم، يقال ما أبين العتق في وجه فلان يعني الكرم، والعتق الجمال والعتق الحرية وكذلك العتاق بالفتح والعتاقة، تقول منه عتق العبد يعتِق بالكسر عتقا وعتاقا وعتاقة فهو عتيق وعاتق وأعتقه. انتهى. ثم قال: وعَتُق الشيء بالضم عتاقة أي قدُم وصار عتيقا، وكذلك عتق يعتُق مثل دخل يدخل وهو عاتق. انتهى. ثم قال: وعتاق الطير الجوارح منها، ولأرحبيات العتاق النجائب منها، ويعني أنه بكسر العين، والأرحبيات: الإبل، قال في الصحاح: وأرحب قبيلة من همدان تنسب إليها الأرحبيات من الإبل. انتهى. وقال في التنبيهات: ومعنى العتق ارتفاع الملك، ثم قال الحطاب بعد كلام كثير ما نصه: فتحصل من هذا أنه يقال العتق بكسر العين وفتحها والعتاق والعتاقة بفتحهما فقط، وأنه يقال عتق يعتق كضرب يضرب ولا يقال عتق بضم العين. واللَّه أعلم. وفي الذخيرة: والعتق في الشرع خلوص الرقبة من الرق. انتهى. وعرف ابن عرفة العتق بقوله: رفع ملك حقيقي لا بسباء محرم عن آدمي حي. الخرشي: خرج بآدمي حيوان غير آدمي، وأخرج بقوله ملك رفع غيره كرفع الحكم بالفسخ ووصفه بقوله حقيقي ليخرج به استحقاق العبد بحرية؛ لأن المستحق من يده بحرية لم يكن ملكا حقيقة وقوله: لا بسباء عطف على مقدر أي بغير سباء لا بسباء، ليخرج به فداء المسلم من حربي سباه وكذلك ممن وصل له من حربي. وقوله: عن آدمي متعلق بقوله رفع، وقوله: حي يخرج به من ارتفع الملك عنه بالموت. انتهى. قوله: كرفع الحكم من إضافة المصدر لفاعله، وقوله: بالفسخ متعلق بالحكم يعني أن الحكم يفسخ النكاح أو البيع أو الإجارة مثلا برفع

стр. 9166

المحكوم بفسخه من ذلك ليس برفع ملك، قال البناني: وأورد عليه أن قوله: لا بسباء محرم مستغنى عنه بقوله: ملك حقيقي لأن محترزه ليس فيه ملك حقيقي، وأورد عليه أيضا أنه غير مانع لصدقه ببيعه العبد فإنه رفع ملك أيضا، فلو قال: رفع الملك بأل التي للحقيقة لخرج ما ذكر: لأن رفع الحقيقة يستلزم (١) جميع أفرادها، وأورد عليه أيضا أنه غير مانع لصدقه فيما إذا أسلم عبد الحربي وبقي بيد الحربي حتى أسر، فإنه حر لتقدم إسلامه على سبائه لأنه بمجرد إسلامه ارتفع ملك الكافر عنه أي حكم الشرع بارتفاعه عنه مع أنه لا عتق هنا. انتهى المراد منه. وقال الشبراخيتي: واعترض حد ابن عرفة بأنه يصدق على عبد الحربي إذا أسلم قبل إسلام سيده وبقي حتى غنم أوفر إلينا. تنبيهات: الأول: قال الشبراخيتي: في جعل العتق وما بعده قبل الوصية وبعد الجنايات. مناسبة لطيفة؛ لأن الجنايات آثام موجبة لدخول النار فيجب السعي في الخلاص منها، ومن أقوى أسبابه العتق لما ورد فيه من أنه مكفر للذنوب، ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة أنه ﷺ قال: (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه تعالى بكل إرب منها إربا منه من النار) (٢)، زاد البخاري: (حتى الفرج بالفرج) (٣)، والإرب بكسر الهمزة: العضو. انتهى المراد منه. وقال البناني: ذكره -يعني العتق- عقب أبواب الجناية لأنه سبب في العتق من النار، وروى مسلم عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: من أعتق رقبة مؤمنة أعتق اللَّه بكل إرب منها إربا منه من النار، وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ عنه ﵊ أنه قال: (من أعتق رقبة أعتق اللَّه بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه) (٤). انتهى. وقال التتائي: قال صاحب المخبر الفصيح: يريد أن من أعتق خصيا أو مقطوع اليد أو غير ذلك يبعض في النار ويصح التبعيض فيها لأنه ﵊، قال: حرم اللَّه على النار أن تأكل موضع السجود. انتهى. ونحوه قول اللخمي: ظاهر الحديث أنه إذا أعتق ناقص عضو لا

стр. 9167

يحجب النار من العضو الذي يقابله وهو ممكن لأن الألم يخلقه اللَّه تعالى في أي عضو شاء، لما في الصحيح (أن اللَّه حرم على النار أن تأكل أثر السجود) (١) انتهى. وظاهر ما في الصحيحين أن عتق الذكر للأنثى يجزي كل عضو منها عن عضو منه، لكن روى الترمذي وصححه أنه ﵊ قال: (أيما امرئ مسلم أعتق امرءا مسلما كان فكاكه من النار يجزي كل عضو منه عضوا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار يجزئ كل عضو منهما عضوا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار يجزي كل عضو منها عضوا منه) (٢) انتهى. الثاني: قال الإمام التتائي ما نصه: وقد عاش رسول اللَّه ﷺ ثلاثا وستين سنة، ونحر بيده الشريفة في حجة الوداع ثلاثا وستين بدنة، وأعتق ثلاثا وستين نسمة وعدها الكمال الدميري في شرح المنهاج له فانظره إن شئت. انتهى. وقال الإمام الحطاب عن التنبيهات: والعتق مندوب إليه بالجملة ويجب أحيانا بإلزام الرجل ذلك نفسه وتبتيله عتق مملوكه ابتداء وبنذره ذلك لأمر كان أو يكون، وبالحنث في يمين بذلك أو بحمل مملوكته منه أو لعتقه بعضه فيبتل عليه باقيه أو بالتمثيل به أو بشرائه من يعتق عليه أو بقتل النفس خطأ أو وطء الظاهر أو مكاتبته العبد أو مقاطعته على مال أو خدمته بذلك، ويلحق بذلك وجهان آخران [وهما] (٣) كفارة اليمين باللَّه وكفارة الفطر في رمضان، إلا أن الفرض في هذين موضع (٤) للتخيير بينه وبين غيره وإنما يتعين بتعين الكفر. انتهى. قال في اللباب عقب ذكره الأسباب المتقدمة: ويجب أن يعلم أن ما كثرت أسبابه كان إلى الوقوع أقرب، ألا ترى أنه جل وعلا قرب المغفرة على أسباب كثيرة تكاد تخرج عن الحصر، فقال ﷺ : صوم يوم عرفة يكفر السنة الماضية والآتية، وصوم عاشوراء يكفر الماضية،

стр. 9168

ورمضان إلى رمضان يكفر ما بينهما، والصلوات الخمس تكفرن (١) ما بينهما وإذا توضأ خرجت الخطايا من أشفار عينيه. وقد قلت لشيخنا شهاب الدين: إذا كان يوم عرفة يكفر الماضية والآتية فأيَّ شيء يكفر يومُ عاشوراء وكذلك ما ذكرناه؟ فقال لي: ذلك دليل على أنه تعالى يريد المغفرة لعباده، فإن العبد إذا أخطأه سبب لا يخطئه غيره وما كثرت أسبابه كان إلى الوقوع أقرب فتنبه لذلك. انتهى. وحكمة مشروعيته قال في اللباب هي التنبيه على شرف الآدمي وكرامته: فإن الرق إذلال له والترغيب في مكارم الأخلاق وتعاطي أسباب النجاة من النار. انتهى. الثالث: قال ابن سلمون في وثائقه: سئل ابن رشد في عتق الإماء والعبيد أيهما أفضل؟ فقال: اختلف العلماء في ذلك، فمنهم من قال إن عتق الأكثر ثمنا منهم أعلى في الأجر ذكرا كان أو أنثى؛ لأن رسول اللَّه ﷺ سئل أي الرقاب أفضل؟ فقال: (أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها) (٢) ولم يخص ذكرا من أنثى، وأما إذا استوى الذكر والأنثى فعتق الذكر أفضل: كما أن عتق الأفضل في الدين من العبدين والأمتين أفضل وهذا مما لا اختلاف فيه، وإنما اختلف في الأفضل من عتق الكافر أو المسلم إذا كان الكافر أكثر ثمنا، فقيل إن عتق الأكثر ثمنا أفضل وإن كان كافرا لعموم الحديث، وقيل إن عتق المسلم أفضل وإن الحديث إنما معناه مع استواء الرقاب وكذلك الأفضل من عتق الكفار من كان منهم أكثر ثمنا، قال: وإن استووا في الأثمان فالذي أقوله أن عتق الأنثى منهم أفضل: لأن عتقها يُحل للمسلمين نكاحها ولا منفعة في عتق الكافر الذكر. انتهى. نقله الحطاب. الرابع: قال الرهوني: قال ابن مرزوق: وجه تأخير أحكام العبيد إلى هنا وجعلها متصلة بالوصايا والفرائض أن الجنايات التي فرغ منها موجبة للإثم الذي هو دخول النار، ويجب أن يسعى في الخلاص منها والعتق أقوى الأسباب في ذلك لما ورد فيه، وأيضا رغبة غالب الناس في العتق

стр. 9169

وشوائبه إنما تكون عند إياسهم من الحياة وقربهم من الموت؛ لأن حب الإنسان في المال شديد لا يسمح في إخراجه حال الصحة إلا الصابرون. ولما فرغ من جميع ما يحتاج إليه من الأحكام، عبادات ومعاملات حال الصحة لم يبق إلا ذكر ما يحتاج إليه عند الموت. انتهى. وقال المتيطي في نهايته: اعلم وقفنا اللَّه وإياك أن العتق عمل من الأعمال ومن إحدى القرب التي يتقرب بها إلى اللَّه تعالى، قال اللَّه سبحانه: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾، والمن العتاقة الخ. قال: وهو مندوب إليه لقوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ الآية، وعتق الذكران أفضل من عتق الإناث؛ لأن الرجل إلى العتق أحوج وكثير من الإناث من لا يرغب في العتق وترى أن كونها مملوكة أحسن لها وإن عتقت ضاعت، وأعلى الرقاب ثمنا أعظمها أجرا لقول النبي ﷺ حين سئل أي الرقاب أفضل؟ قال: (أعلاها ثمنا). انتهى. وما جزم به من أن عتق الذكران أفضل من عتق الإناث سبقه إليه اللخمي، وظاهر كلام اللخمي والمتيطي إن عتق الذكر أفضل مطلقا. وفي ابن سلمون عن أجوبة ابن رشد أنه سئل في عتق الإماء والعبيد أيهما أفضل؟ فقال: اختلف العلماء في ذلك إلى آخر ما مر، وقد أجمل في الخلاف وبينه في المقدمات، فقال فيها ما نصه: وقد اختلف في هذا التفضيل هل هو على عمومه في جميع الرقاب مسلمين كانوا أو كافرين، أو إنما ذلك عند استوائهما في الكفر والإسلام، فروى زياد عن مالك أنه قال: أفضل الرقاب أعلاها ثمنا وأنفسها عند أهلها ولا أبالي يهوديا كان أو نصرانيا أو ولد زنى وقال أصبغ: عتق المسلم أفضل من عتق الكافر وإن كان أقل ثمنا منه، وإنما يكون الأعلى ثمنا أفضل عند استوائهما في الكفر والإسلام. انتهى. ومثله للمتيطي وظاهر قول ابن رشد في الأجوبة، كما أن عتق الأفضل في الدين الخ، ولو كان الآخر أعلى ثمنا والمتعين حمله على أنهما استويا ثمنا لحكاية الاتفاق، ولا يصح ذلك إلا بالقيد المذكور؛ لأنه إذا قال مالك في رواية زياد وكتاب ابن حبيب: إن عتق الكافر إذا كان أعلى ثمنا أفضل من عتق المسلم، فكيف لا يقول ذلك في المسلمين مع اشتراكهما في الإسلام وتفاوتهما فيه؟ فتأمله. واللَّه أعلم. انتهى. وأركان العتق ثلاثة: المعتِق بكسر التاء والمعتَق بفتح التاء والصيغة، وأشار المصنف إلى الأول بقوله: إنما يصح اعتاق مكلف يعني أنه لا يصح إلا إعتاق المكلف، واحترز بذلك من الصبي

стр. 9170

والمجنون فلا يصح عتقهما، قال عبد الباقي: إنما يصح أي ينفذ ويتم صحة تامة، بمعنى يلزم إعتاق مكلف مسلم ولو سكرانا على المشهور لتشوف الشارع للحرية إلا الطافح فكالبهيمة كما لأبي الحسن، وينبغي أن يقيد بما إذا كان سكره بحلال وإلا لزمه في هذه الحالة أيضا قياسا على ما مر في البيع، وتقدم أنه يلزمه طلاقه ولا تصح هبته. انتهى. قوله: بمعنى يلزم، قال البناني: دفع به بحث ابن مرزوق حيث قال: لو قال إنما يلزم كان أولى لصحة عتق بعض المحجور عليهم إذا أجازه من له الحق ولو كان غير صحيح ابتداء لما تم. انتهى. فلذا حمل الزرقاني وغيره من المتأخرين يصح على معنى يلزم وإن كان بعيدا من اللفظ؛ إذ ليس في كلامه ما يدل عليه غير قوله: "ولغريمه رده" ففيه إشارة إليه، مع أن الحطاب قال: يرد على كونه بمعنى يلزم الكافر فإنه إذا أعتق عبده الكافر لا يلزمه عتق، مع أنه يصدق عليه، مكلف لا حجر عليه لأن الصحيح أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة. انتهى. وقوله: وينبغي أن يقيد بما إذا كان سكره بحلال الخ هذا غير صحيح، وقد نقل الحطاب أول البيوع عن ابن رشد في أثناء كلامه ما نصه: أما سكران لا يعرف الأرض من السماء ولا الرجل من المرأة فلا اختلاف في أنه كالمجنون في جميع أحواله وأقواله فيما بينه وبين اللَّه وفيما بينه وبين الناس، إلا ما ذهب وقته من الصلوات فإنه لا يسقط عنه بخلاف المجنون. انتهى المراد منه. وأما التفصيل الذي في قوله: لا يلزم السكران إقرار عقود … بل ما جنى عتق طلاق وحدود فإنما ذكره ابن رشد في السكران المختلط الذي معه ضرب من العقل، قال: وهو مذهب مالك وعامة أصحابه وهو أظهر الأقوال وأولاها بالصواب. انظر البناني. وقال الحطاب عند قوله "إنما يصح إعتاق مكلف" ما نصه: فلا يصح عتق الصبي ولو علقه بيمين فحنث فيها بعد البلوغ كان بإذن وليه أو بغير إذن وليه. قاله في المقدمات وغيرها. وقال في العتق الثاني من المدونة: ولا يجوز عتق المعتوه إذا كان مطبقا ولا الصبي، وإن قال صبي كل مملوك لي حر إذا احتلمت فاحتلم فلا شيء عليه وكذا المجنون، قال في عتقها الثاني: ومن حلف بعتق عبده إن فعل كذا فجن ثم فعل ذلك في حال جنونه فلا شيء عليه، قال أبو الحسن: قال أصبغ: ومن حلف ليفعلن فعلا إلى

стр. 9171

أجل كذا ثم جن فانقضى الأجل وهو مجنون فهو حانث. وقال غيره: لا يحنث لأنه مضى الأجل وهو في حال لا تنعقد فيه اليمين. انتهى. ويدخل السكران قال في عتقها الثاني: وعتق السكران وتدبيره جائز إذا كان غير مولى عليه، قال أبو الحسن: أما الطافح فكالبهيمة لا خلاف أنه لا يلزمه شيء. انتهى كلامه بالمعنى. انتهى. وقال غير واحد: وإنها صح عتق السكران دون عتقه لتشوف الشارع للحرية. انتهى. يعني غير الطافح كما مر. واللَّه تعالى أعلم. بلا حجر يعني أن المكلف الذي يصح إعتاقه أي يلزم إنما هو المكلف الذي لا حجر عليه، واحترز بذلك من السفيه المولى عليه فلا يصح عتقه ويصح عتقه لأم ولده لأنه غير محجور عليه في عتقها، وخرج أيضا الزوجة والمريض بزائد الثلث بخلاف الثلث فلا حجر عليهما فيه. واعلم أن بين مفهوم قوله: "مكلف" وقوله: "بلا حجر" عموما وخصوصا، فلا يغني أحدهما عن الآخر إذ يخرج بقوله: "مكلف" المكره ولا يخرج بقوله: "بلا حجر"، ويخرج بقوله: "بلا حجر" السفيه المولى عليه والزوجة والمريض في زائد الثلث دون قوله "مكلف" فتبين أنه لا يغني أحدهما عن الآخر. واللَّه تعالى أعلم. تنبيهات: الأول: قال في المدونة: ولا يجوز للمولى عليه عتق ولا صدقة ولا هبة ولا بيع ولا يلزمه ذلك بعد بلوغه ورشده إلا أن يجيزه الآن وأستحب له إمضاءه ولا أجبره عليه. انتهى. قال في المقدمات: كان الولي رده أولم يرده، واختلف إذا كان بيمين فحنث فيها بعد ولايته نفسه، واختلف أيضا إن لم يعلم بذلك حتى مات محل للورثة رد ذلك على قولين حكاهما ابن حبيب في الواضحة والقول بلزوم الحنث لأشهب والقول بعدمه لابن القاسم. الثاني: قال في رسم قطع الشجرة وهو أول رسم من سماع ابن القاسم من كتاب العتق: لو قال لمملوك من مماليك أبيه إن ملكتك فأنت حر فمات أبوه وملكه، فإن كان يوم قاله سفيها (١) فلا

стр. 9172

يلزمه عتق، وإن كان رشيدا عتق عليه، قال ابن رشد: واختلف هل هو محمول في حياة أبيه على الرشد أو السفه، والمشهور أنه محمول على السفه. انتهى. ونقله أبو الحسن. الثالث: قال أبو الحسن: وفي الأمهات: لا يجوز له يعني المولى عليه في ماله بيع ولا شراء ولا هبة ولا صدقة والصدقة والهبة لغير ثواب كالعتق، واستحب له أن يمضيه فظاهره أنه راجع إلى العتق وما أشبهه من الصدقة والهبة لغير الثواب. انتهى. قال أبو الحسن: قال عياض: ظاهر التهذيب أنه راجع إلى الجميع وعليه اختصر المختصرون وأنه يستحب له إمضاء جميع ما فعله وفيه نظر، والصحيح أنه لا يستحب له أن يمضي إلا ما كان للَّه قربة، وأما ما بينه وبين العباد فأي استحباب في هذا، وكذا جاء منصوصا في سماع أشهب على ما تناولناه، قال الشيخ أبو الحسن: وقد يكون أيضا فيه قربة بإسعاف أخيه المسلم بإمضاء صفقته لغبطته بها كما يكون قربة في الإقالة والتولية. انتهى. وهو ظاهر فتأمله. واللَّه أعلم. نقله الحطاب. الرابع: قول المصنف: "بلا حجر" يخرج العبد أيضا، قال في المدونة: ولا يجوز عتق المكاتب ولا العبد بغير إذن سيده، فإن أعتق أو دبر أو تصدق بغير إذنه فللسيد رد ذلك، فإن رده بطل ولم يلزم العبد والمكاتب ذلك إن أعتقا، وإن لم يعلم بذلك السيد حتى عتقا مضى ذلك وما أعتقا بإذن السيد جاز، وعتق أم الولد لعبدها على ما وصفنا من عتق العبد عبده. انتهى. وقد علم أن أم الولد والمكاتب كالعبد وكذا من بعضه حر وصرح به في أول رسم من سماع عيسى من العتق، والظاهر أن المدبر والمعتق إلى أجل كذلك. انتهى. قاله الحطاب. وفي المقدمات من كتاب المأذون: وأما العبد فما أعتق أو وهب، فإذا لم يعلم السيد بذلك أو علم ولم يقض برد ولا إمضاء حتى عتق العبد والمال بيده، فإن ذلك لازم له ولا أعلم في ذلك نص خلاف وهو دليل على أن فعله على الإجازة: فإن فوت العبد المال بيده قبل أن يعتق ببيع أو هبة بطلت الصدقة والعتق، وإن رد السيد ذلك وبقي بيده حتى عتق ولم يفوته لم يلزمه شيء، ويخرج بقوله: "بلا حجر" أيضا المرتد قال في الشامل: ولا ينعقد تصرف مرتد. انتهى. وظاهره ولو أسلم بعد ذلك، وفي المدونة: وإذا أسلم عبد النصراني ثم أعتقه قضي عليه بعتقه لأنه حكم بين ذمي ومسلم ولو دخل إلينا حربي بأمان وكاتب عبدا له أو دبره أو أعتقه ثم أراد بيعه

стр. 9173

فذلك له الخ. نقله الحطاب. ثم قال بعد كلام يتعلق بهذا ما نصه: وقد حصل اللخمي جميع ذلك، فقال: إذا أعتق النصراني عبده المسلم لزمه ذلك؛ لأنه حكم بين مسلم ونصراني فيجري على حكم الإسلام، ولو أعتق عبده النصراني ثم أسلم العبد، فإن أسلم بعد أن رجع عن عتقه واسترقه لم يلزمه ذلك العتق، وإن أسلم بعد أن حاز نفسه لم يكن ذلك للسيد، وإن أسلم قبل أن يحوز نفسه وقبل أن يرجع عن العتق فقولان، والقياس أنه لا شيء عليه لأنه لو رجع قبل إسلام العبد كان ذلك له ولم يؤخذ بما عقد وإسلام العبد لا يوجب عليه ذلك. انتهى. ثم قال اللخمي: وكذلك إن أسلم السيد وحده أو أسلم السيد ثم العبد، فإذا كان الإسلام -يعني إسلام السيد واللَّه تعالى أعلم- بعد أن رجع في العتق لم يلزمه، وإن كان بعد أن حاز نفسه لزمه، وإن كان بقرب العتق قبل أن يرجع وقبل أن يحوز نفسه كان على الخلاف، وإن حلف بعتق عبده ثم حنث لم يلزمه، وسواء حنث بعد الإسلام أو قبله لأن عقد الكفر غير لازم، وإذا أعتق النصراني عبده النصراني ثم امتنع من إنفاذ العتق لم يجبر عليه ولو حوزه نفسه لم يكن له أن يرجع فيه. انتهى. وإحاطة دين أي وبلا إحاطة دين فهو معطوف على حجر يعني أنه إنما يصح إعتاق المكلف الذي لا حجر عليه ولم يحط الدين بماله، وأما من أحاط الدين بماله فلا يصح إعتاقه، بمعنى أنه لا يلزم. قال الشبراخيتي: وإحاطة دين بكله أو بعضه بدليل ما بعده وبهذا يشمل الصورتين، ويندفع اعتراض البساطي. فقوله: بلا حجر وإحاطة دين لا يغني أحدهما عن الآخر؛ لأنه قد يكون محجورا عليه وليس عليه دين محيط، وقد يكون عليه دين محيط ولا حجر عليه فلذلك جمع بينهما. انتهى. يعني أن المراد بقول المصنف: "وإحاطة دين" مجرد الإحاطة بلا فلس أعم وهو قيام الغرماء عليه ولا أخص وهو حكم الحاكم عليه بخلع ماله لغرمائه؛ لأن هذين خرجا بقوله: "بلا حجر" وحينئذ ينتفي التكرار، وأصل هذا لابن عبد السلام وبحث معه الحطاب بأن من أحاط الدين بماله ولم يقم عليه الغرماء محجور عليه أيضا شرعا بالنسبة للعتق وغيره من التبرعات. وقد تقدم للمصنف للغريم منع من أحاط الدين بماله من تبرعه. الخ. والمقصود بقول المؤلف وابن الحاجب

стр. 9174

بلا حجر نفي مطلق الحجر لا نفي الحجر من بعض الوجوه، وإلا لخرج حجر الزوجة والمريض وحينئذ فالتكرار باق، وأما ما ذكره الزرقاني عن أحمد والتتائي وهو ما في الشبراخيتي في دفع التكرار فغير صواب فتأمل. انتهى. انظر البناني. تنبيه: قال ابن رشد: فإن كانت الديون التي استغرقت ذمته من تباعات لا يعلم أربابها فإن العتق يمضي ولا يرد ويكون الأجر لأرباب التباعات والولاء لجماعات المسلمين. قاله البناني. ولغريمه رده هذا يدل على أن المراد بالصحة اللزوم؛ يعني أنه إذا أحاط الدين بمال شخص فإن لغرمائه أن يردوا عتقه ولهم أن يجيزوه، فهو مفرع على مفهوم قوله: "وإحاطة دين" ومعنى هذا أنه إذا كان للمدين عبد أحاط به الدين الذي عليه، كما لو كان العبد يساوي عشرين دينارا والدين الذي عليه عشرون دينارا وليس للمدين غير العبد المذكور وأعتقه أو كان له غيره معه والدين يستغرق الجميع، فإن للغريم أن يرد عتقه. أو بعضه يعني أنه إذا أحاط الدين ببعض العبد المذكور كما لو كان الدين خمسة عشر دينارا في المثال الأول وأعتقه الدين، فإن للغريم رد عتق بعضه مما يفي بالدين، فيباع بقدره إن وجد من يشتريه ولا يرد عتق الباقي، فإن لم يوجد من يشتريه مبعضا رد عتقه كله وبيع جميعه، وكذا لو كان له مال مع العبد واغترق الدين المال وبعض العبد كما في المثال الثاني، فقد اتضح لك أنه إذا أحاط الدين ببعض العبد المذكور لا يرد منه إلا قدر ما يفي بالدين من ثلث أو نصف مثلا، ويمضي عتق الجزء الباقي وهذا إن وجد من يشتريه مبعضا، فإن لم يوجد من يشتريه مبعضا بيع كله، فعلم من هذا أن قول المصنف: "بلا إحاطة دين" معناه بالعبد أو ببعضه كما قاله ابن عرفة، ونصه: الركن الأول المعتق وهو كل من لا حجر في متعلق عتقه طائعا، فيخرج من أحاط دينه بما أعتق أو ببعضه وذات الزوج فيما حجره فيه عليها لا السفيه في أم ولده. انتهى. ويوافقه ما مر في أول الفلس عن ابن رشد فيما هو صريح في منع الغريم من كل تبرع ينقص ماله عما عليه من الدين، وإن كان الدين لا يحيط إلا ببعض ماله ويشهد له ما يأتي قريبا من كلام المدونة. انتهى. وقوله: "وإحاطة دين" اعلم أن المعتبر في الإحاطة وعدمها هو وقت العتق كما يفيده قول المدونة ولو أعتق عبده وله مال سواد يغترقه الدين ويغترق نصف العبد فلم يقم عليه

стр. 9175

حتى أعدم لم يبع لغرمائه من العبد إلا ما كان يباع لهم لو قاموا يوم أعتق. انتهى. وهو صريح في أن المعتبر وقت العتق لا يوم الرد، ولهذا قال الحطاب: تقدم في باب الفلس أن العتق محمول على الجواز حتى يتحقق أنه وقت العتق عليه ديون تستغرق ما بيده. انتهى. وقوله: "أو بعضه" يتصور أيضا فيما إذا حصل الرد من بعض الغرماء دون بعض والدين محيط حتى في حال الرد بالفعل، ولا يقال ينافيه قول المصنف في الفلس بطلبه وإن أبى غيره، فإذا طلبه البعض وفلسه القاضي له كان تفليسا للجميع فعتقه باطل وإن لم يطلب الآخرون دينهم؛ لأنا نقول: الرد هنا لمن قام وطلب الرد لا لمن أبى، وما في الفلس إنما هو شرط في صحة التفليس فقط. انتهى. نقله عبد الباقي. وهذا الجواب ظاهر ويتصور أيضا رد بعضه فيما إذا كان الدين محيطا بالعبد حين العتق وغير محيط حين الرد لغلو العبد. واللَّه تعالى أعلم. وقوله: "وله رده" أي العتق، وقوله: "أو بعضه" أي بعض العتق، وقوله: "أو بعضه" يصح جره عطفا على الضمير المجرور من غير إعادة الخافض، ويحتمل نصبه عطفا على محل الهاء من حيث الفعولية أي للغريم أن يرد العتق أو بعضه. قاله الشبراخيتي. وقد مر أنه إذا لم يوجد من يشتري العبد مبعضا يباع كله، وإذا بيع جميعه فهل يستحب جعل باقيه في عتق أو يصنع به ما شاء؟ قولان: الأول ذهب إليه اللخمي، والثاني لابن حبيب ولو أعتق عبدين أكثر من الدين وليس له غيرهما ولو بيع من كل حصة لم يفيا بالدين، فإنه يقرع عليهما أيهما يباع. نقله التتائي وغيره. تنبيهات: الأول: قول المصنف: "ولغريمه رده ظاهره" أن ذلك للغريم دون الإمام والذي في المدونة، ونقله ابن عبد السلام وابن عرفة أن العتق لا يرده إلا الإمام. قال ابن عبد السلام: واختلف في عتق الديان هل هو موقوف على إجازة الغرماء وهو مذهب مالك وأكثر أهل المدينة، أو هو جائز ما لم يفلس أو يحجر عليه الحاكم وهو مذهب جماعة خارج المذهب؟ وعلى الأول لا يرده الغرماء إن أرادوا ذلك حتى يرفعوا إلى الحاكم فهو الذي يحكم بالرد بعد إثبات موجب ذلك عنده، فإن ردوه وباعوه فإن الإمام يرد بيعهم وينظر في أمرهم، فإن ثبت عنده موجب بيعه باعه وإلا تمم عتقه. انتهى.
следующие страницы →