← Фикх малики

Фикх малики · id 149697

لوامع الدرر في هتك استار المختصر

محمد بن سالم المجلسي

Полный текст (9 812 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وإسرارهم به؛ يعني أنه يندب للجميع أي الفذ والإمام والمأموم أن يسروا بالتأمين لأنه دعاء، وهو يندب فيه الإسرار، لقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾، ودليل كونه دعاء، قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾؛ لأنه كان موسى يدعو وهارون يؤمن، وهو اسم فعل عربي مشتق من الأمان، بمعنى استجب دعاءنا وَأَمِّنَّا، يمد ويقصر مع التخفيف، وقيل إن: آمين اسم من أسمائه ، قال ابن العربي: ولم يصح نقله، وقيل معناه: كذلك يكون، فتلك أقوال ثلاثة وأصحها الأول. والله سبحانه أعلم. قال ابن عباس: (ما حسدكم أهل الكتاب على شيء ما حسدوكم على آمين (١))، (وسمع رسول الله ﷺ رجلا يدعو، فقال: أوجب إن ختم، فقال: بأي شيء يختم يا رسول الله؟ فقال: بآمين (٢)). وعن وهب ابن عنبسة أن: آمين أربعة أحرف يخلق الله تعالى من كلّ حرف ملكا يقول: اللهم اغفر لمن يقول آمين. وروى الحارث بن أبي أسامة، وابن مردويه عن أنس مرفوعا: (أعطيت ثلاث خصال: أعطيت الصلاة في الصفوف، وأعطيت السلام وهو تحية أهل الجَنَّة، وأعطيت آمين ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم إلَّا أن يكون الله أعطاها -أي الخصلة الثالثة نبيه هارون؛ فإن موسى كان يدعو الله ويؤمن هارون (٣))، فالخصلتان الأوليان من خصائص هذه الأمة مطلقًا، وكذا الثالثة بالنسبة لغير هذين الأخوين. قاله الشيخ إبراهيم. عن النووي. وقنوت؛ يعني أن القنوت مندوب. وهذا هو المشهور. قال ابن الفاكهاني: القنوت عندنا فضيلة بلا خلاف أعلمه في المذهب، وقال يحيى بن عمر: غير مشروع، ومسجده بقرطبة لا يقنت فيه إلى حين أخذها العدو، أعادها الله للإسلام. ولابن زياد ما يدلُّ على وجوبه؛ لأنه قال من تركه فسدت صلاته، أو يكون على القول ببطلان صلاة من ترك السنة عمدا، وقال ابن سحنون: إن القنوت سنة فيسجد له. والقنوت لغة: الطاعة، قال الله تعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾، والسكوت،

стр. 947

قال تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾، وقيل: خاشعين. ويطلق على الدعاء بخير، وهو المراد هنا وسبب مشروعيته أنه ﷺ كان يدعو على مضر في صلاته، فنزل عليه جبريل وأمره بالسكوت، وقال له: إن الله لم يبعثك سبابا ولا لعانا، وإنما بعثك رحمة ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ وعلمه القنوت. سرا؛ يعني أن القنوت مستحب، وكونه سرا مستحب ثان، فلو قال: وسرا بالواو لأفاد ذلك انظر الشبراخيتي. وقوله: سرا هذا هو المشهور، وقيل: يجهر به، وقال التونسي: الجهر بالتشهد والقنوت لا يجوز ويعيد من تعمد ذلك، ويسجد الساهي إلَّا أن يكون خفيفا، وكذلك القراءة. بصبح؛ يعني أن القنوت لا يكون إلَّا في الصبح، فقوله: "بصبح" توقيت للمكان الذي يشرع فيه -كما قررت-، فلا يعد من المندوبات. أشار له الشيخ الأمير. ولهذا قال. فقط؛ أي فلا يشرع في وتر ولا في غيره. والظاهر أن حكم القنوت في غير الصبح: الكراهة؛ لأن الصبح هي التي قنت فيها رسول الله ﷺ حتى فارق الدنيا (١)). وعن الأسود: (صليت خلف عمر ﵁ في السفر والحضر في كان يقنت إلَّا في صلاة الفجر (٢))، ولا ينافي هذا ما جاء أنه ﷺ قنت في صلاة المغرب؛ لأنه لم يستمر على ذلك، وقد جاء عن بعض الصحابة أنه قنت في الوتر في النصف الأخير من رمضان واستمر برهة ثم تركه. وقال أبو حنيفة: يقنت في الوتر، والشافعي: في النصف الأخير من رمضان، وروي هذا عن إمامنا مالك، ولو قنت في غير الصبح لم تبطل صلاته. قاله سند. ابن فرحون: فإن صلى مالكي خلف شافعي جهر بدعاء القنوت، فإنه يؤمن على دعائه، ولا يقنت معه، والقنوت معه من فعل الجهال. انظر مختصر الواضحة في القنوت في رمضان، فلو قنت المالكي عند قول الشافعي: فإنك تقضي ولا يقضى عليك، كان حسنا، ولم أره منصوصا. انتهى. قال الشيخ سالم: وما قاله ابن فرحون غير ظاهر، واستدلالة بكلام الواضحة في قيام رمضان ضعيف للفرق بينه وبين قنوت الفريضة المشروع المأمور به: وإنما أمر بالتأمين على دعائه

стр. 948

في قنوت رمضان، ولا يقنت لعدم مشروعية القنوت بخلافه في الفريضة فليس الجهر به من الإمام بمانع منه للمأموم. انتهى. وفي قول المصنف: "بصبح"، تنبيه على خلاف أهل المذهب في الوتر، وخلاف من أجازه في سائر الصلوات عند الضرورة. قاله الإمام الحطاب. وقبل الركوع؛ يعني أنه يندب أن يكون القنوت في الصبح قبل الركوع، أي ركوع الثانية (لأنه ﷺ سئل: أهو قبل الركوع أو بعده؟ فقال: قبل)، زاد البخاري: قيل لأنس: إن فلانًا يحدث عنك أن النبي ﷺ قنت بعد الركوع، قال: كذب فلان (١)). انتهى. ولما فيه من الرفق بالمسبوق. وقوله: "وقبل الركوع"، فإن نسيه قبل الركوع قنت بعد الركوع، وإن رجع له من الركوع أفسد صلاته، كما في السورة. وقال ابن حبيب: هو بعد الركوع أفضل، وفيها: هما سواء. ونص ابن الجلاب على أنه: لا بأس برفع يديه في دعاء القنوت. قال الحطاب: وظاهر المدونة خلافه، قال فيها: ولا يرفع يديه إلَّا في الافتتاح، والمشهور أنه لا يكبر. وقال الأقفهسي: هل يكبر أم لا؟ وهل يرفع يديه أم لا؟ قولان، وعلى الرفع، فهل راغبا أو راهبا؟ أو يرهب بإحدى يديه، ويرغب بالأخرى؟ خلاف، وفيها: لا يكبر له. وروى علي أنه: كبر حين قنت، وقال في الجواهر لما ذكر القنوت: ثم إن كانت في نفسه حاجة دعا بها حينئذ ابن القاسم: من أدرك القنوت بعد ركوع الإمام قنت إذا قضى، ولو أدرك ركعة معه وقنت لم يقنت في قضائه أدرك قنوت الإمام أم لا. قاله الإمام الحطاب. وقال الشيخ الأمير: والأظهر قنوت المسبوق؛ لأن القول الذي يقضى خصوص القراءة وغيره بناء كالتشهد. انتهى. ولفظه؛ يعني أن لفظ القنوت المتعارف عند المالكية مندوب؛ وهو اللفظ الوارد الذي رواه إمامنا مالك، وإليه أشار بقوله: وهو اللهم إنا نستعينك إلى آخره؛ يعني أن اللفظ المندوب هو اللهم إنا نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونخنع لك ونخلع، ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجوا رحمتك، ونخاف عذابك الجد، إن

стр. 949

عذابك بالكافرين ملحق. انتهى. قوله: اللهم؛ أي يا الله، وقوله: إنا نستعينك، أي نطلب منك الإعانة، أي التقوية على الأمور، وقوله: ونستغفرك؛ أي نطلب منك المغفرة، أي ستر الذنوب؛ أي عدم المؤاخذة بها، وقوله: ونؤمن بك: أي نصدق بوجودك وبوحدانيتك، وبما ظهر من آياتك وبربوبيتك ويدخل في ذلك اتصافه بالصفات الواجبة له، وتنزهه عن الصفات التي لا تليق بجلاله، وقوله: ونتوكل عليك؛ أي نعتمد عليك في جميع أحوالنا لا على من سواك، وقوله: ونخنع بفتح النون وسكون الخاء المعجمة بعدها نون مفتوحة آخره عين مهملة؛ أي نذل ونخضع: وقوله: ونخلع؛ أي نزيل ربقة الكفر من أعناقنا لوحدانيتك، وقوله: ونترك من يكفرك: أي نترك موالاته ونتجنب دينه، فنخلع العابد كما خلعنا المعبود، لقوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾. ولا يعترض بنكاح الكتابية بأننا إن نكحناها ملنا إليها؛ لأن النِّكَاح من باب المعاملات، والمراد الدين. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: إياك نعبد؛ أي لا نعبد إلَّا إياك؛ لأن تقديم المعمول يؤذن بالحصر، وكذا يقال في: "لك من قوله: ولك نصلي ونسجد، وخص الصلاة وإن كانت داخلة في العبادة لشرفها، وكذا يقال في عطف السجود على الصلاة؛ لأن السجود أشرف أحوال الصلاة لخبر: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد (١))، ويحتمل أن يكون من عطف المغايرة، بأن يراد بالصلاة الدعاء، وبالسجود الخضوع. وقوله: وإليك نسعى؛ أي إلى الجمعة، أو بين الصفا والمروة، أو في جميع ما يرضيك؛ وهو أولى لشموله لما ذكر ولغيره، وقد مر أن تقديم المعمول يؤذن بالحصر، وقوله: نحفد: نخدم؛ وهو بكسر الفاء، وقوله: نرجو رحمتك ونخاف عذابك، جمع بين الخوف والرجاء للتنبيه على أنه ينبغي أن يكون المكلف متلبسا بهما، وقال بعضهم: ينبغي تقديم الخوف في الصحة، والرجاء في المرض، وقوله: الجد بكسر الجيم؛ أي الحق، وفي القلشاني أنه بفتح الجيم وكسرها، وقيل: إن معنى الجد الدائم الذي لا يُفَتَّرُ، وقوله: ملحق، بالفتح، بمعنى أن الله يلحقه بهم، وبالكسر: بمعنى لاحق: وهما روايتان،

стр. 950

وقيل: إن الصواب الفتح، ومر أن هذا اللفظ مندوب، فلو أتى بغيره كان آتيا بمندوب ومخلا بآخر، كما لو قال بدله: (اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت (١)). قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: وقنا شر ما قضيت؛ معناه أن الله تعالى يقدر المكروه بعدم دعاء العبد المستجاب، فإذا استجاب دعاءه لم يقع المقضي لفوات شرطه، ومن هذا الباب (صلة الرحم تزيد في العمر والرزق (٢))، وأولوه على هذا؛ لأن القضاء لا يمكن أن يقع غيره. وبما قررت علم أن مندوبات القنوت أربع: أصل القنوت بأي لفظ، وهذا اللفظ المتعارف الذي رواه إمامنا مالك، وكونه سرا، وكونه قبل الركوع. فهذه هي مندوباته، وإنما يكون في ثانية الصبح لا في غيرها. وتكبيره في الشروع يعني أنه يندب لكل مصل إماما أو مأموما أو فذا أن يكون تكبيره في حال شروعه في الأركان معمرا به الركن من أوله إلى آخره ومثل التكبير التسميع لإمام وفذ وتحميد لمأموم، وأما تحميد الفذ فهو بعد تسميعه، والظاهر أن المصنف إنما اقتصر على التكبير لقوله: إلَّا في قيامه من اثنتين يعني أن ما تقدم من أن تكبير المصلي يكون في حال شروعه في الأركان محله في غير القيام من اثنتين، وأما تكبيره في حال قيامه من اثنتين إماما أو مأموما أو فذا، فيؤخره لاستقلاله أي عند تمام قيامه ندبا، ولا يقوم المأموم إلَّا بعد تكبير الإمام، فإذا كبر قام، فإذا استقل المأموم بعده كبر. وظاهره ولو كان الإمام شافعيا يكبر في حال قيامه، فيصبر المأموم حتى يستقل بعده فيكبر. ابن حجر: قال ناصر الدين بن المنير: الحكمة في مشروعية التكبير في الخفض والرفع أن المكلف أمر بالنية أول الصلاة مقرونة بالتكبير، فكان من حقه أن يستصحب النية إلى آخر الصلاة، فأمر أن يجدد العهد في أثنائها بالتكبير الذي هو شعار النية. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ زروق: يستحب أن يبدأ بالتكبيرة في كلّ ركن مع أوله، ولا

стр. 951

يختمه إلَّا مع آخره، ويجوز قصره على أوله أو آخره، ولكنه خلاف الأولى، وكذا سمع الله لمن حمده. انتهى. ومثله لابن المنير وعياض، وقوله: "إلَّا في قيامه من اثنتين"، يشمل المقتدي الذي أدرك مع الإمام ثانية الظهر مثلا، أو أدركه في التشهد الأول، أو قبله مما دون ركعة، فلا يكبر إلَّا بعد استقلاله، ولا يستقل إلَّا بعد استقلال إمامه وتكبيره. ويشمل من أدرك ركعتين مع الإمام، فإنه إذا سلم الإمام يقوم ليأتي بما عليه، ولا يكبر إلَّا بعد استقلاله، بخلاف من أدرك ركعة واحدة أو ثلاثًا، فإنه لا يكبر كما يأتي، والله سبحانه أعلم. وإنما كبر من أدرك ثانية الظهر مثلا بعد استقلاله، ومن أدرك مع الإمام ركعة واحدة أو ثلاثًا لا يكبر؛ لأن الأول لم يفارق الإمام فيفعل ما يفعله إمامه، وإنما قام من أدرك اثنتين أو التشهد الأخير بالتكبير؛ لأنه كمفتتح صلاة، وقوله: "فلاستقلاله"، أي لا يكبر حتى يستقل قائما على المشهور، هذا هو السنة. قال الشبيبي: فإن كبر قبل الاستقلال ففي إعادة التكبير قولان. وروي عن مالك أنه: يكبر في حال قيامه، وليس بالمشهور. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "فلاستقلاله" قال الشيخ إبراهيم: إما للعمل وكفى به، أو لأنه كمفتتح صلاة. انتهى. والجلوس كله الاسم الأول على خذف مضاف، أي هيئة، والثاني توكيد؛ يعني أن الهيئة المعهودة في الجلوس مندوبة، سواء كان الجلوس واجبا كجلوس السلام والجلوس بين السجدتين، أو سنة كجلوس التشهد، أو مندوبا كجلوس الدعاء في التشهد الأخير. وبما قررت علم أن قوله: والجلوس، عطف على المندوب، وقوله: "كله"، رد به على ابن العربي اختار في جلوس التشهد غير الأخير كون أليتيه على رجله اليسرى، والمرأة كالرجل -كما هو ظاهر المصنف- لإطلاقه هنا، وتقييده المجافاة بالرجل؛ وهي رواية ابن القاسم عن مالك، وروى ابن زياد عنه أنَّها تركب فخذها على الأخرى، وتشد لحمها ولا ترخيه، فجلوسها ليس كجلوس الرجل. وبين المصنف الجلوس، أي هيئته بقوله: بإفضاء اليسرى: الباء للتصوير، يعمي أن هيئة الجلوس المندوبة هي أن يفضي المصلي في جلوسه برجله اليسرى للأرض؛ أي يوصلها إليها، فيلصق الرجل اليسرى بساقها، وطرف وركها بالأرض.

стр. 952

والحال أن الرجل اليمنى تكون عليها؛ أي على الرجل اليسرى؛ أي تكون اليمنى منصوبة وساقها فوق الرجل اليسرى. كما قاله غير واحد. بحيث يصير الورك الأيمن مرتفعا عن الأرض، ويفضي أيضًا بباطن. إبهامها؛ أي الرجل اليمنى للأرض فتصير رجلاه إلى الجانب الأيمن وقعوده على طرف وركه الأيسر وقوله وإبهامها للأرض، وكذلك بقية أصابعها كما صرح به الشبراخيتي، ونصه: ولا مفهوم لإبهامها؛ إذ بطن بقية الأصابع كذلك، وما قررته من أنه يفضي بباطن إبهام اليمنى للأرض هو الراجح، وقيل يفضي بجانب الإبهام للأرض. واعلم أن الرجل يجافي في جلوسه بين فخذيه، وقد مر الكلام على المرأة فإن لم يكن الجلوس على هذه الهيئة حصل هو في نفسه واجبا أو سنة أو مندوبا وفات ندب الهيئة المذكورة. وبما قررت علم أن المفضى به إلى الأرض هو الألية اليسرى، أي طرفها -كما مر- ورواية: وأليتيه بالتثنية خطأ. قاله الجزولي. نقله الشيخ محمد بن الحسن. وقول المصنف: واليمنى عليها يستلزم وضع الألية اليسرى على الأرض. واعلم أن التفرش خلاف الأولى؛ وهو كون أليتيه على رجله اليسرى. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "والجلوس كله" الخ، لا يتناول من يصلي جالسا، فإنه يتربع في جلوسه الذي هو بدل من القيام والركوع. كما يأتي. وهنا تم الكلام على صفة الجلوس المندوبة. فقوله: ووضع يديه على ركبتيه بركوعه ليس من تتمة ما قبله؛ يعني أن وضع اليدين على الركبتين في الركوع مندوب، وهو تكرار مع قوله: وندب تمكينهما منهما، ويندب في الجلوس وضع اليدين بقرب الركبتين كما في الجواهر، واقتصر عليه الفاكهاني. وقال القرافي: على فخذيه، وعليه اقتصر ابن عرفة، وفرق في الرسالة بين الجلوس بين السجدتين فيضعهما على ركبتيه، وبين الجلوس في التشهد فيضعهما على فخذيه. انتهى. والمعتمد إما بقربهما فيهما أو على فخذيه فيهما. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: هذا كله متقارب. وفي بعض النسخ إسقاط لفظ ركوعه (١))، وجر لفظ

стр. 953

وضعها (١) عطف على قوله: "بإفضاء اليسرى"، فهو من تمام صفة الجلوس. قاله ابن غازي. ونقل الحطاب عن ابن بشير استحباب وضع اليدين على الركبتين في الجلوس. ووضعهما حذو أذنيه؛ يعني أنه يندب للمصلي في السجود أن يضع يديه حذو أذنيه يتوجه بهما إلى القبلة، وقوله: "حذو أذنيه"، أي إزاءهما، ودليله (أنه ﷺ كان يسجد بين كفيه (٢)). أو قربهما؛ يعني أنه قيل إن المندوب في السجود وضع اليدين قرب الأذنين بحيث تكون أطراف أصابع اليدين محاذية للأذنين، ويحتمل غير ذلك "فأو" إشارة لقول آخر قاله الشيخ إبراهيم، وعلل قوله: "أو قربهما"، بأن ما قارب الشيء له حكمه. انتهى. ومعنى المصنف على ما قال الشيخ إبراهيم أن الندب إنما يحصل بوضع اليدين حذو الأذنين لا قربهما، وقيل: يحصل بوضع اليدين قرب الأذنين؛ كما يحصل بوضعهما حذو الأذنين لأن ما قارب الشيء له حكمه. وقوله: بسجود "متعلق" بوضع والله سبحانه أعلم. ومجافاة رجل فيه بطنه فخذيه ومرفقيه ركبتيه؛ يعني أنه يندب للرجل في السجود أن يجافي؛ أي يبعد فخذيه من بطنه، ومرفقيه من ركبتيه. فقوله: "بطنه" بالنصب: مفعول مجافاة المضاف إلى فاعله لا بالجر بدل من "رجل" لعدم صحة حلوله محله، "وفخذيه" منصوب بنزع الخافض، "ومرفقيه ركبتيه" عطف على الاسمين قبلهما لأنهما معمولا عامل، واحترز المصنف بالرجل من المرأة فإنها تكون منضمة منزوية في سجودها. وقال الش: وأما المرأة فتكون في صلاتها منزوية منضمة، وقيل: هي كالرجل. وقد مر بعض الكلام عليها في الجلوس. وقال الشيخ عبد الباقي: ثم ندب ما ذكر المصنف في الفريضة والنافلة التي لا يطول (٣) فله وضع ذراعيه على فخذيه لطول السجود في النوافل. تنبيه. اعلم أن للسجود سبع مندوبات ذكر المصنف منها اثنتين: أولهما وضع اليدين حذو الأذنين أو قربهما، الثاني مجافاة الرجل بطنه عن فخذيه، ومرفقيه عن ركبتيه. وبقي عليه

стр. 954

خمسة: أحدها مجافاة الذراعين عن الفخذين، الثاني مجافاة الضبعين عن الجنبين، الثالث التفريق بين الركبتين، الرابع رفع الذراعين عن الأرض، الخامس تجنيحه بهما تجنيحا وسطا. ومن فضائل الصلاة ومستحباتها أن يجافي في ركوعه وسجوده بضبعيه عن جنبيه، ولا يضمهما ولا يفترش ذراعيه. وقوله: ومجافاة رجل، أي تفريجا مقاربا. وفي الرسالة: في الركوع تجنيحا وسطا انظر شرح الشيخ ميارة. والرداء؛ يعني أن الرداء يندب لكل مصل إماما أو مأموما أو فذا فرضا أو نفلا إلَّا المسافر؛ وهو الثوب الذي يضعه على عاتقيه وبين كتفيه فوق ثوبه دون أن يغطي به رأسه، فإن غطى به رأسه، ورد على أحد كتفيه صار قناعا، وهو مكروه للرجل لأنه من سنة النساء إلَّا من ضرورة حر أو برد. نقله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ محمد بن الحسن: وينبغي أن الكراهة ما لم يكن شعارا لقوم وإلا لم يكره. انتهى. وقوله: "والرداء"، طوله ستة أذرع، وعرضه ثلاثة. وفي المدخل: وطوله أربعة أذرع ونصف، وقال الشيخ الأمير: وندب مع الإمكان ستة أذرع في ثلاثة. انتهى. ولندبه مراتب أوكدها لأئمة المساجد، ويليها صلاة منفرد بمساجد الجماعات والقبائل، ويليها صلاة إمام بداره أو فنائه، ويلي هذه المرتبة صلاة منفرد بداره أو فنائه، ويقوم مقامه في كلّ من هذه ما في معناه من الغفائر والبرانس. والظاهر أن المأموم فوق الفذ ودون الإمام، ويكره تركه لأئمة المساجد -كما يأتي-، ويتأكد للأئمة ندب ستر الرأس، ويندب لغيرهم، ويطلب من المصلي أخذ عمامة سقطت في الصلاة وأمكنه أخذها؛ بأن لا ينحط لها إلَّا أن يكون في أخذها كثير شغل كشد تحنيكها، فانحطاطه لها فعل كثير كشد تحنيكها، ولبس العمامة بغير عذبة ولا تحنيك ليس ببدعة خلافا لابن الحاج، فقد اعتُرض عليه (بأنه ﷺ لبس العمامة بعذبة وبغير عذبة، وبالتحنيك وغيره، وبالقلنسوة وغيرها، ولبس القلانس وحدها (١)) أخرجه السيوطي. ومثله ذكره الشعراني في آخر كتابه: كشف الغمة. ونقل عن القوري أن: لبس العمامة بغير عذبة

стр. 955

ولا تحنيك ليس ببدعة، وما مشى عليه المصنف في الرداء هو الراجح عند جماعة من الشيوخ. وقال الأبهري: هو سنة. قاله الشارح. وقال الحطاب: وأما القناع للمرأة فعده في المدخل من سنن الصلاة، وعد الرداء في الفضائل، وفي الحطاب أن: العذبة صارت من شعائر السادة الصوفية وكبار العلماء، فإذا تلبس بشعارهم ظاهرا من ليس منهم حقيقة لقصد التعاظم على غيره أثم باتخاذها بهذا القصد. وذكر السخاوي عن معجم الطبراني الكبير: (أنه ﷺ بعث عليا إلى خيبر فعممه بعمامة سوداء، ثم أرسلها من ورائه، أو قال على كتفه الأيسر (١))، وتردد فيه راويه وجزم بالثاني. وصرح الحنفية باستحباب إرسال العذبة، وعن النووي أنه: لا كراهة في إرسال العذبة ولا في عدم إرسالها. وتعقبه ابن أبي شريف بأن الإرسال مستحب وتركه خلاف الأولى. وسدل يديه يعني أنه يندب لكل مصل ولو نفلا أن يسدل يديه أي يرسلهما إلى جنبه، وظاهره صلى قائما أو جالسًا. وهل يجوز القبض في النفل يعني أنه وقع في المدونة، وكره مالك وضع اليمنى على اليسرى في الفريضة، وقال: لا أعرفه في الفريضة، ولا بأس به في النافلة لطول القيام يُعينُ به نفسَه، واختلف في تأويل ما في المدونة فحملها غير صاحب البيان على أن مذهب مالك فيها جواز القبض في النفل مطلقًا طول أم لا لجواز الاعتماد فيها من غير ضرورة، وحملها صاحب البيان على ظاهرها من أنه يكره في الفرض والنفل إلَّا أنه إن أطال في النافلة جاز، وإلى تأويل صاحب البيان أشار بقوله: أو إن طول؛ أي أن ابن رشد قال: محل جواز القبض في النفل إن طول، وأما إن قصر فإن القبض يكره. والله سبحانه أعلم. وتقدم عن الإمام أن القبض مكروه في الفرض. وإلى علة كراهته فيه أشار بقوله: وهل كراهته في الفرض لاعتماد؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في علة كراهة القبض في الفرض، فذهب القاضي عبد الوهاب إلى أن: العلة في كراهته فيه الاعتماد فلو فعله تسننا لم يكره قال الشيخ عبد الباقي والشيخ إبراهيم: المراد بالقبض ما عدا السدل لا ما سبق فقط. انتهى. وأنت إذا

стр. 956

تأملت علمت أن سياق المصنف إنما هو في الصفة السابقة، وهي التي يتمشى عليها التعليل؛ لأنه قد تقدم أنه لو فعله تسننا؛ أي لكونه ﷺ فعله لم يكره. أو خيفة اعتقاد وجوبه؛ يعني أن من الأشياخ من ذهب إلى أن العلة في كراهة القبض في الفرض خوف أن يعتقد الجاهل وجوبه؛ وهو للباجي، واستبعده ابن رشد، وضعفه بعضهم، بأنه يؤدي إلى كراهة كلّ المندوبات عند خوف اعتقاد الجاهل وجوبها. أو إظهار خشوع؛ يعني أن من الأشياخ من ذهب إلى أن علة الكراهة هي مخافة إظهار خشوع ليس في الباطن؛ وهو لعياض، قال أبو هريرة: أعوذ بالله من خشوع النفاق، قيل: ما هو؟ قال: أن يرى الجسد خاشعا، والقلب غير خاشع. وعليه فلا تختص الكراهة بالفرض. تأويلات؛ أي في ذلك تأويلات خمس: اثنان في النفل، وثلاثة في الفرض، والتعليل الأول في الفرض بغير المظنة -كما مر- بخلاف الأخيرين، وفي القبض ثلاثة أقوال غير الكراهة، أحدها: يستحب في الفرض والنفل، وهو لمالك في رواية مطرف وابن الماجشون وقول المدنيين، واختاره غير واحد من المحققين منهم، اللخمي وابن عبد البر، وأبو بكر بن العربي، وابن رشد، وابن عبد السلام، وعده ابن رشد في مقدماته من فضائل الصلاة، وتبعه عياض في قواعده، ونسبه في الإكمال إلى الجمهور، ونسبه أيضًا الحفيد لهم، وهو أيضًا قول الأئمة الثلاثة الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد وغيرهم، وكلام الموطإ يقتضي ندبه أيضًا. الثاني: أنه يباح في الفرض والنفل، الثالث: يمنع فيهما، وهو من الشذوذ بمكان، قال المسناوي: وإذا تقرر الخلاف في أصل القبض وجب الرجوع إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. وقد حكمت السنة بمطلوبيته في الصلاة بشهادة ما في الموطإ والصحيحين وغيرهما من الأحاديث السالمة من الطعن فالواجب الانتهاء إليها والوقوف عندها والعمل بمقتضاها. نقله العلامة بناني. وقال التتائي: لم يذكر المصنف من علل الكراهة كونه مخالفا لعمل أهل المدينة. انتهى. قال مؤلفه عفا الله عنه: ويكفي هذا شاهدا للمصنف.

стр. 957

وتقديم يديه في سجوده؛ يعني أنه يندب للمصلي أن يقدم يديه في السجود على ركبتيه؛ أي يندب أن يضعهما بالأرض قبل أن يضع ركبتيه بها. ابن الحاجب: وتقديم [يديه قبل] (١) ركبتيه أحسن. وتأخيرهما عند القيام؛ يعني أنه يندب للمصلي أن يؤخر يديه عند القيام من السجود؛ بأن يرفع ركبتيه عن الأرض قبل أن يرفع يديه: وفي الحديث: (لا يبركن أحدكم كما يبرك البعير ولكن يضع يديه ثم ركبتيه). وفي أبي داوود والترمذي: (كان ﷺ إذا سجد وضع يديه قبل ركبتيه)، وروى ابن عبد الحكم عن مالك: التخيير. قاله الحطاب. وروي عن مالك: تقديم ركبتيه في السجود وتأخيرهما عند القيام. كما روي عنه الأول. فهي أقوال ثلاثة. وحجة الأخير: (كان ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه)، والجواب أن الأول أمر لأمته واتَّصل به العمل بالمدينة، والثاني صفة فعله ﷺ فيحمل على أنه فعله لعذر. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله في الحديث: (لا يبركن أحدكم كما يبرك البعير ولكن يضع يديه قبل ركبتيه)، أي لا يقدم ركبتيه عند السجود كالبعير عند بروكه، ولا يؤخرهما في القيام كما يؤخرهما البعير في قيامه، والمراد بركبتيه ركبتاه اللتان في يديه؛ لأنه يقدمهما في بروكه، ويؤخرهما في قيامه، عكس المصلي. وقوله: "وتأخيرهما عند القيام"؛ الظاهر شموله للقيام من التشهد لإطلاق غير واحد من الشراح، قاله مؤلفه عفا الله عنه. وعقده يمناه في تشهديه الثلاث؛ يعني أنه يندب للمصلي إذا كان في التشهد واحدا أو أكثر أن يعقد أصابع يمناه الثلاث؛ أعني الخنصر والبنصر والوسطى وأطرافها على اللحمة التي تلي الإبهام، حال كونه مادًا الاثنتين الباقيتين: السبابة ويجعل جنبها إلى السماء، والإبهام واضعا لها على الوسطى. قال عبد الباقي عقب قول المصنف والإبهام: بجانبها أي السبابة فيصير هيئة تسع وعشرين، وهو قول الأكثر قال محمد بن الحسن بناني: قوله بجانبها لم يكن في ابن الحاجب، ولا في ابن شأس، ولا في التوضيح، ولا ابن عبد السلام، ولا ابن عرفة، ولا الشراح لفظ بجانبها. ووقع في

стр. 958

التتائي تبعا للشارح يضم الإبهام إلى السبابة تحتها. قاله ابن شأس. قال الرماصي: لفظ ابن شأس يمد السبابة ويضع الإبهام على الوسطى، ولم يكن لفظ تحتها في واحد ممن وقفت عليه. ونقل الحطاب كلام التوضيح بلفظ تحتها، ولم أره في النسخة الصحيحة منه. وتأول الحطاب قوله: تحتها؛ يعني إلى جانبها، ولا شك أنه منخفض عن السبابة. فقد علمت أن تقييد عبد الباقي بجانبها أصله للحطاب، وأنه لا أصل له في كلام الأئمة. انتهى كلام الشيخ محمد بن الحسن. وقال الشيخ عبد الباقي: وقيل يجعلها؛ يعني الثلاث المعقودة وسط الكف؛ وهو ثلاث وعشرون، وقيل: يجعلها وسط الكف مع وضع الإبهام على أنملة الوسطى؛ وهو صفة ثلاث وخمسين، وقوله: مع وضع الإبهام الخ. قال بناني: فيه نظر، إذ صورة الخمسين مد السبابة، وجعل الإبهام إلى جانبها كالراكع. كما في ابن عرفة. الجزولي: هي وضع رأس الإبهام على وسط الأنملة الوسطى من السبابة، وهو قريب من الأول لأنك إذا جعلتها على السبابة منعطفة كالراكع يمس رأسها الأنملة الوسطى من السبابة، وهذا القول الثالث لا يلائمه قول المصنف: "مادا السبابة والإبهام"، إلَّا أن يحمل المد على ما خالف العقد، وقوله: الثلاث، بدل بعض من يمناه، وقوله: وعقده يمناه في تشهديه الخ، في الحطاب عن ابن عرفة: وصورة ما يفعل أن يقبض ثلاث أصابع، وهي الوسطى والخنصر وما بينهما، ويبسط المسبحة، ويجعل جانبها مما يلي السماء، ويمد الإبهام على الوسطى، وهو كالعاقد ثلاثة وعشرين. النووي: لو قطعت اليمنى لم ينتقل لليسرى؛ لأن شأنها البسط. التادلي: فيه مجال، إذ يقال إن شأنها البسط مع وجود اليمنى لا مع فقدها. انتهى. ومفهوم قوله: في تشهديه، أنه يضع يديه في جلوسه بين السجدتين على فخذيه، أو قرب ركبتيه مبسوطتين ولا يقبض منهما شيئًا. فائدة: الواحد: ضم الخنصر لأقرب باطن الكف منه، والاثنان: ضمه مع البنصر كذلك، والثلاثة: ضمهما مع الوسطى كذلك، والأربعة: ضمهما برفع الخنصر، والخمسة: ضم الوسطى فقط، والستة: ضم البنصر فقط، والسبعة: ضم الخنصر فقط على لحمة أصل الإبهام، والثمانية: ضمها والبنصر عليها، والتسعة: ضمهما والوسطى عليها، والعشرة: جعل السبابة على نصف

стр. 959

الإبهام: والعشرون: مدهما معا، والثلاثون: إلزاق طرف السبابة بطرف إبهامه، والأربعون: مد إبهامه على جانب السبابة، والخمسون: عطف إبهامه كالراكع إلى جانب السبابة ممدودة، والستون: تحليق السبابة على أعلى إبهامه، والسبعون: وضع طرف إبهامه على وسطى أنامل السبابة مع عطف السبابة إليها قليلا، والثمانون: وضع طرف السبابة على ظهر إبهامه، والتسعون: عطف السبابة حتى تلقى الكف وضم الإبهام إليها، والمائة: فتح اليد بها. انتهى. نقلته من ابن عرفة. والحطاب. والشبراخيتي. وتحريكني دائما -يعني أنه يندب للمصلي تحريك السبابة دائما في تشهديه يمينا وشمالا ناصبا حرفها إلى وجهه كالمدية، وما مر من أنه يحركها في تشهديه هو للتتائي، وآخر التشهد: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وهو يقتضي أنه لا يحركها في الدعاء، والذي شاهدنا عليه علماء عصرنا تحريكها للسلام؛ وهو مقتضى التعليل بأنها مقمعة أي مطردة للشيطان لتذكره بالتحريك ما يمنعه عن السهو في الصلاة والشغل عنها قاله الشيخ عبد الباقي. واختصت السبابة بذلك؛ لأن عروقها متصلة بنياط القلب، فإذا تحركت انزعج فينتبه وما ذكره المصنف من ندب تحريك السبابة هو الروي عن مالك، وهو الذي صدر به ابن الحاجب، وابن شأس. وجعل ابن رشد التحريك سنة، قال ابن عرفة: وهو ضد قول. ابن العربي: إياكم وتحريك أصابعكم في التشهد، ولا تلتفتوا لرواية العتبية فإنها بلية. انتهى. وسميت هذه الإصبع سبابة، وهي التي تلي الإبهام؛ لأن العرب كانت تشير بها للسب، وقيل: لأن آدم لا دخل الجَنَّة صار نور محمد ﷺ في جبهته، ثم انتقل إلى كتفه الأيمن، ثم إلى رأس سبابته، فرفع آدم سبابته ورأى النور فسميت بذلك لأنَّها سبب رؤية ذلك النور، ويقال لها: السبعة؛ لأنَّها يشار بها للتوحيد. قاله الشيخ إبراهيم. وتيامن بالسلام؛ يعني أنه يندب التيامن بالسلام، أي الالتفات قليلا إلى جهة اليمين في تسليمة التحليل عند النطق بالكاف والميم من "عليكم"، إماما أو مأموما أو فذا. قاله ابن يونس، وابن سعدون؛ وهو ظاهر العزية وغيرها. والمعتمد أن المأموم يوقعها بتمامها عن يمينه من غير إشارة بها إلى قبالة وجهه؛ إذ هو الذي عليه أهل المذهب، والإمام والفذ يوقعانه قبالة الوجه إلى النطق

стр. 960

بالكاف والميم فيتيامنان به قليلا. ولو سلم الفذ والإمام على اليمين ولم يسلما تلقاء الوجه فالمشهور الإجزاء، وقيل: لا يجزئه، ويعيد السلام انتهى. قاله. الأقفهسي. وقال الشيخ يوسف بن عمر: قال في كتاب ابن سحنون: تبطل صلاته، وقال ابن المنير: ثم يسلم عن يمينه بالتفات يسير غير مقدم على ذلك شيئًا، لا كما يفعل العامي ينحني قبالة وجهه، ثم ينتقل للسلام، فذلك بدعة، وزيادة هيئة جهلا. والله الموفق. قاله الإمام الحطاب. ودعاء بتشهد ثان؛ يعني أنه يندب في التشهد الثاني، وأرإد به تشهد السلام، كان أولا كالصبح، أو ثانيا أو ثالثا أو رابعا كمسائل البناء والقضاء، ولا يدخل في الدعاء الصلاة على النبي ﷺ والباء في قوله: "بتشهد"، بمعنى "مع". قاله الشيخ إبراهيم. ومن نسي التشهد حتى سلم الإمام فليتشهد ويسلم، ولا يدعو بعد تشهده. قاله الإمام الحطاب عن مالك في العتبية. واحترز بقوله: "ثان" عن التشهد الأول، فإن الدعاء معه مكروه. كما سيذكره المصنف. ولما قدم أن التشهد بأي لفظ كان سنة، وكان الناس مختلفين في لفظه المختار لتعارض الآثار فيه بَيَّن مختار إمام الأئمة بقوله: وهل لفظ التشهد؛ يعني أن الشيوخ اختلفوا في لفظ التشهد المروي عن عمر هل هو سنة؟ أعني اللفظ الذي اختاره إمامنا مالك لجريه مجرى الخبر المتواتر؛ لأنه ذكره بحضرة جمع من الصحابة، ولم ينكروه عليه، ولا خالفوه فيه، ولا قالوا إن غيره من التشهد جرى مجراه، وعلى هذا القول من أتى به أتى بسنتين، وشهره ابن بزيزة أو هو فضيلة، وعليه فمن أتى به أتى بسنة وفضيلة. وبهذا قرره الشيخ إبراهيم. واعلم أن الإمام مالكا صرح في المدونة باستحباب اللفظ المذكور، واختلف المتأخرون في معنى اختيار الإمام للفظ المذكور، هل هو على وجه السنية؟ وهو قول بعض البغداديين، أو الاستحباب؟ وهو قول الداوودي، ولا يفسر المصنف بهذا الخلاف؛ إذ لو قصده المصنف لقال تفسيران وتردد. قاله الشيخ محمد بن الحسن. وحمل الش كلام المصنف على أن الخلاف في أصل التشهد بأي لفظ كان، واعترضه الشيخ بناني، بأنه خلاف ظاهر المصنف، ويحتاج إلى تشهير القول بأن التشهد فضيلة، ولم يحكه المصنف في التوضيح، ولا غيره انتهى.

стр. 961

والحاصل أن أصل التشهد بأي لفظ كان سنة قطعا أو على الراجح، وخصوص اللفظ مندوب قطعا أو على الراجح. انظر كتاب الشيخ الأمير. ولفظ التشهد المذكور: (التحيات لله، الزاكيات لله الطيبات الصلوات لله، السلام عليك أيها النبيء ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له (١))، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (٢)). انتهى. واختار الإمام أبو حنيفة والإمام أحمد تشهد ابن مسعود؛ وهو: (التحيات لله، والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبيء ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له: وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (٣)). واختار الإمام الشافعي تشهد ابن عباس ﵄؟ وهو (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله: سلام عليك أيها النبيء ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله (٤)). وليس في الصحيحين إلَّا ما اختاره الإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد، وهو تشهد ابن مسعود. الترمذي: هوأصح حديث في التشهد، روي من نيف وعشرين طريقًا، ولا أعلم في التشهد أثبت منه ولا أصح أسانيد، ولا أشهر رجالا. قال الحافظ: ولا خلاف بين أهل الحديث في ذلك. وممن جزم بذلك البغوي، ومن مرجحاته أنه متفق عليه. قاله محمد بن عبد الباقي. الشيخ زروق: نص الشافعي ﵁ على بطلان الصلاة بزيادة الألف بعد التاء من "التحيات لله"، ولم أقف لأهل المذهب على شيء فيه الشبراخيتي: يحتمل إجراءه على اللحن في القراءة. والصلاة على النبي ﷺ يعني أن الشيوخ اختلفوا في الصلاة على النبي ﷺ ، هل هي سنة؟ وشهره صاحب الجواهر، أو فضيلة؟ وشهره ابن عطاء الله. وبما قررته علم أن قوله: سنة. خبر عن قوله: "لفظ"، وقوله: أو فضيلة. عطف عليه؛ أي على الخبر،

стр. 962

وقوله: خلاف، مبتدأ خبره محذوف، أي في ذلك خلاف. وهو راجع للمسألتين: أي اختلف في اللفظ المذكور، وفي أصل الصلاة على النبي ﷺ ، هل كلّ منهما سنة، أو كلّ منهما فضيلة؟ وفي اللباب: من الفضائل إسرار التشهدين. وقال في الاستذكار: وإخفاء التشهد سنة عند جميعهم، وإعلانه بدعة وجهل، ولا خلاف فيه. قاله الحطاب. وقال: والصلاة على النبي ﷺ محلها، بعد التشهد وقبل الدعاء. قاله في الشفاء: وقال في النوادر: قال الحسن وغيره: ويدخل في الصلاة على آل محمد: أزواجه، وذريته، وكل من تبعه. وقيل: آل محمد: كلّ تقي. انتهى. ويندب في الصلاة على النبي ﷺ هذا اللفظ: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد. انتهى. قاله الشيخ الأمير. تنبيهات: الأول: قال الشيخ أبو محمد عند آخر التشهد الروي عن عمر ﵁؛ أعني قوله: "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله": فإن سلمت بعد هذا أجزأك، ومما تزيده إن شئت: وأشهد أن الذي جاء به محمد حقٌّ، وأن الجَنَّة حقٌّ، وأن النار حقٌّ، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، وارحم محمدا وآل محمد، وبارك على محمد وعلى آل محمد، كما صليت ورحمت وباركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد، اللهم صل على ملائكتك والمقربين، وعلى أنبيائك والمرسلين، وعلى أهل طاعتك أجمعين، اللهم اغفر لي ولوالدي ولأئمتنا، ولمن سبقنا بالإيمان مغفرة عزما، اللهم إني أسألك من كلِّ خير سألك منه محمد نبيك، وأعوذ بك من كلِّ شر استعاذك منه محمد نبيك، اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أسررنا وما أعلنا، وما أنت أعلم به منا، ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات، ومن فتنة القبر، ومن فتنة المسيح الدجال، ومن عذاب النار وسوء المصير، السلام عليك أيها النبيء ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين انتهى قوله: السلام عليك أيها النبيء لخ؛ يعني به أنك إذا فرغت من الدعاء لا تسلم تسليمة التحليل

стр. 963

حتى تقول هذا على جهة الاستحباب. قاله ابن عمر. وهو خلاف المشهور. وظاهره أنه مطلوب في حقّ كلّ مصل، وليس كذلك. قال القرافي: المشهور أنه لا يعيد التسليم على النبي ﷺ إذا دعا، وعن مالك يستحب للمأموم إذا سلم إمامه أن يقول: السلام عليك أيها النبيء ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. أشار له الحطاب، وغيره. وتقدم أن التشهد يجزئ بأي لفظ كان، فلو قال: لا إله إلَّا الله مرّة واحدة لكفى ذلك في حصول السنة، ولكن الأكمل أن يأتي باللفظ المخصوص، فقول الرسالة: فإن سلمت بعد هذا أجزأك؛ أي على جهة الكمال، وأما أصل السنة فيحصل بأقل من ذلك -كما عرفت-. وأتى به أيضًا للرد على من يقول: لا بد من الإتيان بالصلاة على النبي ﷺ ، وقوله: التحيات لله؛ أي الألفاظ الدالة على الملك مستحقة لله تعالى، جمع تحية، وذلك أنهم كانوا لا يحيون إلَّا الملك نحو: انعم صباحا، وأبيت اللعن. وعش كذا سنة؛ ولما لم يكن في تحياتهم شيء يصلح للثناء على الله تعالى، أبهمت ألفاظها واستعمل منها معنى التعظيم؛ أي أنواع الثناء والتعظيم، مما يدلُّ على أن الملكية ثابتة لله تعالى. قاله غير واحد. وقوله: الزاكيات؛ أي الناميات، وهي الأعمال الصالحات أي الأعمال التي تنمو ويكثر أجرها، إنما هي الأعمال التي لله، فمن عمل لغيره لا ينمو عمله، ولا يكون له ثواب زاك: وقوله: الطيبات: أي الكلمات الطيبات: وهي ذكر الله وما والاه؛ يعني أن الله تعالى هو الذي يستحق أن يذكر بما يليق بصفاته، ويطيب ويحسن أن يثنى به عليه مما يدلُّ على تعظيمه من تكبير وتنزيه وتهليل وتحميد وغير ذلك. والله سبحانه أعلم. وقوله الصلوات، أي الصلوات الخمس وكذا غيرها؛ أي لا يستحق أن يعبد بالصلوات إلَّا الله ، وغيره لا حظ له في ذلك. وقوله: السلام عليك؛ أي أمان الله عليك، وقوله: أيها النبي، مفعول بفعل محذوف؛ أي أخصك بهذا التبجيل العظيم، وقوله: ورحمة الله، الرحمة كلّ ملائم، وقوله: وبركاته، البركة الخير الكثير، وعلى هنا للاستعلاء المعنوي كما قال الهلالي عند قول المصنف: والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وقوله: السلام علينا، أي أمان الله علينا، وقوله: وعلى عباد الله الصالحين؛

стр. 964

أي المؤمنين من الجن والإنس والملائكة، وينوي بقوله: وعلى عباد الله الصالحين، كلّ عبد أطاع الله، وفي الحديث عنه ﷺ : (أن العبد إذا قال ذلك أصابت دعوته كلّ عبد صالح من الجن والإنس (١))، وأقيم منه أن القائل لغيره: فلان يسلم عليك، ولم يأمره بذلك، أنه غير كاذب؛ لأن المراد بعباد الله الصالحين، المؤمنون. واستظهره ابن ناجي: إن كان المنقول عنه يفهم معنى ما يتكلم به. ابن العربي: ينبغي أن يقصد الروضة الشريفة حين يقول: السلام عليك أيها النبيء، وقوله: أشهد، أي أتحقق وأتيقن. واعلم أن قوله التحيات لله إلى قوله: الصلوات لله، هو للنبي ﷺ حَيَّا به ربَّه، وقوله: السلام عليك أيها النبيء ورحمة الله وبركاته، هو لله تعالى حيا به نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام. واعلم أن الله تعالى هو الذي بدأ النبي ﷺ بالتحية، وقوله: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، هو للنبي ﷺ ، قاله ليعم الأمان جميع عباد الله الصالحين، ولا يختص به هو وحده، وقوله: أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، هو للملائكة. وفي التنبيه: اللهم صل وسلم على سيدنا ومولانا محمد، وعلى آل سيدنا محمد الذي بادرت الملائكة بقولهم لما علموا أنه حبيبه وخليله: أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وقوله: حقّ، أي ثابت، وقوله: وأن الجَنَّة حقٌّ وأن النار حقٌّ، أي وأتحقق وأتيقن أنهما مخلوقتان، الآن وهذا مما يحب اعتقاده، وقوله: وأن الساعة، أي القيامة، وقوله: لا ريب فيها، أي لا شك فيها، وقوله: يبعث من في القبور، أي يحييهم ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ وذكر القبور إما لأن القبر هو الأغلب، وإما لأن قبر كلّ شيء بحسبه، وقوله: اللهم؛ أي يا الله. وقوله: كما صليت على إبراهيم؛ خص إبراهيم بالذكر في الصلاة لأنه دعا أن يجري ذكره على لسان أمة محمد ﷺ ، ولأنه سلم على أمته ﷺ ليلة المعراج، ولم يسلم غيره من الأنبياء عليهم، بل سلموا كلهم عليه صلى

стр. 965

الله عليه وسلم، ولأنه قال حين فرغ من بناء الكعبة: اللهم من حج هذا البيت من شيوخ أمة محمد ﷺ فهبه مني السلام، فقال أهل بيته: آمين، ثم قال ابنه إسحاق: اللهم من حج هذا البيت من شبان أمة محمد ﷺ فهبه مني السلام، فقالوا: آمين، ثم قالت سارة: اللهم من حج هذا البيت من نساء أمة محمد ﷺ فهبها مني السلام، فقالوا: آمين. ثم قالت هاجر: اللهم من حجه من الموالي والموليات من أمة محمد ﷺ فهبه منى السلام فقالوا: آمين. فلما سبق منهم السلام قابلناهم في الصلاة مجازاة لهم على حسن صنيعهم: وقوله: كما صليت على إبراهيم، ورد فيه سؤال وهو أن المشبه بالشيء لا يقوى قوته، وقد قال ﷺ : (أنا سيد ولد آدم ولا فخر (١))، فالجواب أن التشبيه في أصل الصلاة، لا في القدر، كما في قوله تعالى ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾؛ إذ ليس كإحسانه تعالى إحسان، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾؛ إذ ليس قدر الإيحاء إليه ﷺ قدر الإيحاء إلى غيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقيل: التشبيه بين آل محمد وإبراهيم وآله، وقيل معناه: تقدمت منك الصلاة على إبراهيم وآله فصل على محمد وعلى آل محمد بطريق الأحرى، إذ ما ثبت للفاضل يثبت للأفضل بالأحرف: وقوله: وارحم محمدا رواية، وارحم ضعيفة جدا. وفي كتاب الشيخ الأمير المحقق: وندب لفظه؛ يعني التشهد، كفي الصلاة: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد ((٢)). انتهى. ونحوه في شرح الشيخ عبد الباقي، فإنه قال: والأفضل فيها ما في الخبر: (اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم إنك حميد مجيد (٣)). ابن العربي، لا تكون بغير لفظ مروي عنه صلى الله عليه

стр. 966

وسلم، وقوله: حميد؛ أي محمود أي موصوف بصفات الكمال، وقوله: مجيد؛ أي ذو مجد أي جلال وعظمة فهو من الصفات الجامعة، وقوله: والمقربين من عطف الخاص على العام، وكذلك قوله: والمرسلين وذلك للتفضيل وهو غير خاص بالواو. كما قال الدماميني، خلافا لما قاله الشيخ الجكني رحمه الله تعالى: واعطف بها لا غير ما عم على … ما خص والعكس أجز مفضلا وقوله وعلى أهل طاعتك؛ أي المؤمنين، وقوله: أجمعين؛ أي ولو كانوا عصاة، وقوله: ولأئمتنا، هم العلماء، وقوله: عز ما؛ أي عاجلة، وقيل قطعا واحترز بذلك من أن يقول: إن شئت، (لأنه ﷺ نهى أن يقال: اللهم اغفر لي إن شئت (١)). قاله الشادلي. وقوله: سألك منه محمد نبيك هذا عام أريد به الخصوص؛ إذ الشفاعة العظمى مخصوصة به ﷺ لا يشاركه غيره فيها. قاله الشادلي. وقوله: أعوذ؛ أي أتحصن أي أتمنع وأتحفظ، وقوله: ما قدمنا وما أخرنا؛ قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾؛ أي بما عمل وما لم يعمل، أو بما قدم: ما عمل في أول عمره؛ وما أخر: ما عمل في آخره، أو بما قدم: ما عمل من السيئات، وما أخر: ما عمل به غيره بعد مماته. (فإن من سن سنة سئية عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، كما أن من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة (٢))، فتأتي هذه التأويلات الثلاث في قول الشيخ هنا. والله سبحانه أعلم. وقوله: وما أسررنا؛ أي ما أخفينا من المعاصي عن الخلق، وما أعلنا؛ أظهرنا من المعاصي للخلق، وقوله: وما أنت أعلم به منا؛ أي ما وقع منا ونحن جاهلون بحكمه، أو وقع منا عمدا ونسيناه، وقوله: في الدنيا حسنة، قيل: هي العلم وقيل: هي المال الحلال، وقيل الزوجة الحسنة، وقيل: العافية، وقوله: وفي الآخرة حسنة؛ هي الجَنَّة، وقوله: وقنا؛ أي اجعل بيننا وبين النار وقاية،

стр. 967

وقوله: ومن فتنة المحيا، هي الكفر، وقيل: العصيان، وقوله: المات، هي التبديل عند الموت. والعياذ بالله تعالى، وقوله: ومن فتنة القبر، هي عدم الثبات عند سؤال الملكين، وقوله: ومن فتنة المسيح بالحاء المهملة، هي فتنة عظيمة (أمر ﷺ بالتعوذ منها (١))، أعاذنا الله منها؛ لأنه يدعي الربوبية، والأرزاق تتبعه، فمن تبعه كفر، وهو يسلك الدنيا كلها إلَّا مكة والمدينة، ويبقى في الدنيا أربعين يومًا. وسمي مسيحا؛ لأنه ممسوح القدمين لا أخمص لهما، وقيل: لمسحه الأرض أي طوافه بها في أمد يسير، ووصفه بقوله: الدجال؛ لأنه يغطي الحق بالباطل، وللفرق بينه وبين المسيح: رسول الله عيسى ابن مريم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه. وسمي السيد عيسى مسيحا لأنه ما مسح على ذي عاهة إلَّا برئ بإذن الله تعالى. وقيل: لسياحته في الأرض فعيسى النبي مسيح الهدى والخير، والدجال لعنه الله تعالى مسيح الضلال والشر. وقيل: سمي الدجال مسيحا؛ لأن إحدى عينيه ممسوحة لا يبصر بها، والأعور يسمى مسيحا. واستنصت النبي ﷺ الناس يوم حجة الوداع فحمد الله وأثنى عليه، ثم ذكر المسيح الدجال وأطنب في ذكره وقال: (ما بعث الله من نبيء إلَّا أنذره منه ((٢))، أنذره نوح ﵇ أمته والنبيئون بعده، وإنه يخرج فيكم في خفي عليكم من شأنه فليس يخفى عليكم أن ربكم ليس بأعور، وإنه أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية (٣))، رواه في التيسير، عن مسلم والبخاري. والطافية من العنب: التي خرجت عن حد نبات أخواتها من العنقود ونتأت. وقال ﷺ : (إن مع الدجال إذا خرج ماء ونارا، دأما الذي يرى الناس أنه نار فإنه ماء عذب، وأما الذي يرى الناس أنه ماء فنار تحرق فمن أدرك ذلك منكم فليقع في الذي يرى أنه نار فإنه ماء بارد عذب (٤)). رواه في التيسير عن الشيخين وأبي داوود، وقال ﷺ : (يأتي الدجال وهو محرم عليه أن يدخل نقاب المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ فيخرج إليه

стр. 968

رجل هو يومئذ خير الناس أو من خير الناس، فيقول أشهد أنك الدجال الذي حدثنا عنك رسول الله ﷺ حديثه، فيقول الدجال أرأيتم إن قتلت هذا ثم أحييته هل تشكون في الأمر فيقولون لا، فيقتله ثم يحييه الله فيقول حين يحييه والله ما كنت قط أشد بصيرة مني اليوم، فيقول الدجال أقتله ولا يسلط عليه (١))، رواه في التيسير عن الشيخين. وفي الحديث: (أن عيسى ﵇ يقتل الدجال بباب لدٍّ (٢))، وفي الحديث (إن الدجال إذا رأى السيد عيسى ذاب كما يذوب الملح في الماء، فلو تركه لذاب حتى يهلك ولكن يقتله الله بيده؛ أي بيد عيسى حتى يريهم دمه في حربته (٣)). رواه في التيسير عن مسلم، وقوله: وسوء المصير، قيل أراد به سوء الخاتمة أعاذنا الله منه فهو تكرار مع قوله: "والممات"، وإن أراد به سوء المنقلب فهو تكرار مع قوله من عذاب النار. الثاني: بقي على المصنف استحباب الذكر عقب الصلوات، قال القلشاني في شرح الرسالة روي عنه ﷺ أنه كان إذا سلم قال: (أستغفر الله أستغفر الله أستغفر الله، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك يعود السلام حينا ربنا بالسلام تباركت ذا الجلال والإكرام، لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كلّ شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد (٤)). قال النووي: الصحيح المشهور الذي عليه الجمهور أن الجد بالفتح وهو الحظ في الدنيا بالمال أو الولد أو العظمة أو السلطان، والمعنى لا ينجيه حظه منك وإنما ينجيه فضلك ورحمتك. قاله ابن حجر. وروى مالك عن يحيي بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: قال رسول الله ﷺ : (من قرأ آية الكرسي دبر كلّ صلاة أدخله الله الجَنَّة)، قال: وتقدم في العقيدة: (من قرأ آية الكرسي في دبر كلّ صلاة

стр. 969

لم يمنعه من دخول الجَنَّة إلَّا الموت (١))، ولا يواظب عليها إلَّا صديق أو عابد وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄: (من قرأ آية الكرسي دبر كلّ صلاة مكتوبة كان الذي يتولى قبض نفسه ذا الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى استشهد)). وفي الرسالة: ويستحب الذكر إثر الصلوات، يسبح الله ثلاثًا وثلاثين، ويحمد الله ثلاثًا وثلاثين، ويكبر الله ثلاثًا وثلاثين: ويختم المائة بلا إله إلَّا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كلّ شيء قدير. ابن ناجي: الأصل فيما ذكر الشيخ (أن فقراء المهاجرين أتوا رسول الله ﷺ فقالوا يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك فقالوا يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون ولا نتصدق ويعتقون ولا نعتق. فقال رسول الله ﷺ : أفلا أعلمكم شيئًا تدركون به من سبقكم وتسبقون به من بعدكم [ولا يكون أحد أفضل منكم] (٢) إلَّا من صنع مثل ما صنعتم قالوا بلى يا رسول الله، قال: تسبحون وتحمدون وتكبرون دبر كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين مرّة وتختمون المائة بلا إله إلَّا الله وحده لا شريك له. فرجع فقراء المهاجرين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله سمع إخواننا أهل المال بما فعلنا ففعلوا مثله. فقال رسول الله ﷺ : ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء (٣)). فقال الفقهاء: لا خصوصية للفقراء في هذا الحديث لقوله ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وقال الصوفية: بل قوله ذلك فضل الله، يدلُّ على أن هذا الفضل مخصوص بهم لا يلحقهم غيرهم فيه. انتهى. الثالث: يتعلق بهذا الذكر؛ أعني الوارد في حديث الفقراء مسائل الأولى: محل هذا الذكر إثر الفرائض دون النوافل، فإن كان الفرض مما يتنفل بعده قدم هذا الذكر. الثانية: اختلف هل يجمع هذا الذكر فيقول: سبحان الله والحمد لله والله أكبر ثلاثًا وثلاثين مرّة مجموعة؛ وهو

стр. 970

اختيار جماعة، أو يفصل فيقول: سبحان الله ثلاثًا وثلاثين وكذا ما بعده واختاره جماعة أيضًا. الثالثة: وقع في الصحيحين تقديم التحميد على التكبير (١))، وفي الموطإ تقديم التكبير على التحميد ((٢)). الرابعة: وقع في رواية لمسلم: (يكبر أربعًا وثلاثين (٣))، فالأحوط أن يفعل ذلك فيكون لا إله إلَّا الله زائدًا على المائة. الخامسة: ليس في الحديث زيادة: يحيي ويميت، وقيل: إنه ورد في رواية. سادستها: لا ينبغي الزيادة على هذا العدد الوارد كما هو الشأن فيما حده الشارع لعل لتلك الأعداد خاصية تفوت بمجاوزة ذلك العدد. سابعتها: قال الشيخ زروق: وقد صح الترغيب في ذلك عشرا، عشرا فكان شيخنا أبو عبد الله القوري يأخذ به إن أعجله أمر. ثامنتها: روى أصحاب السنن (أنه ﷺ كان يعقد التسبيح بيمينه (٤))، وروى الديلمي بسند ضعيف: (نعم المُذكِّرُ السبحة (٥)). قال بعض الشيوخ: وقد اتخذ السبعة سادة يؤخذ عنهم ويعتمد عليهم، قاله الشيخ ميارة. ولا بسملة فيه أي في التشهد يعني أنه لا بسملة في التشهد؛ أي يكره فيما يظهر ولو بنفل، وصرح غير واحد بعدم صحة المروي في البسملة على أنه لو ورد لم يصحبه عمل. وجازت يعني أن البسملة تجوز قراءتها في النافلة قبل الفاتحة أو بعدها وقبل سورة سرا أو جهرا. كتعوذ يعني أن التعوذ يجوز في النافلة قبل الفاتحة أو بعدها وقبل السورة ويسر التعوذ على المنصوص لمالك، ويكره الجهر به. قاله في العتبية وأجاز في المدونة الجهر به، قاله الشيخ إبراهيم. وعن مالك أنه لا يقرأ البسملة في النفل. وبما قررت علم أن قوله: بنفل متعلق بجاز فهو راجع للأمرين؛ أي تجوز البسملة في النفل كما يجوز التعوذ به. والله سبحانه أعلم.

стр. 971

وكرها بفرض يعني أن البسملة والتعوذ يكرهان في صلاة الفريضة. ودليل كراهة البسملة في الفرض ما في صحيح مسلم، ولفظه قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل، فإذا قال الحمد لله رب العالمين، قال الله حمدني عبدي، وإذا قال الرحمن الرحيم قال الله تعالى أثنى علي عبدي وإذا قال ملك يوم الدين قال الله مجدني عبدي، وقال مرّة فوض إلي عبدي، وإذا قال إياك نعبد وإياك نستعين قال هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، وإذا قال اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال هذا [لعبدي] (١))، ولعبدي ما سأل) (٢) ودليله أيضًا حديث أنس: (أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعليا ﵃ كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين (٣)). وفي حديث آخر: (كانوا لا يقرؤن ببسم الله الرحمن الرحيم (٤))، ودليله أيضًا حديث عبد الله بن مغفل، فإنه قال لابنه: (بني حدث إياك والحدث فإني صليت خلف رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلم يكن واحد منهم يقرؤها (٥))، وحجة المخالف إجماع الصحابة على كتبها في المصحف، وما رواه النسائي عن نعيم قال: (صليت وراء أبي هريرة ﵁ فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ (٦)). وما في الترمذي عن ابن عباس أنه: (كان ﷺ يفتتح القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم (٧))، والجواب عن الأول أنَّها لما نزلت في النمل أمر رسول الله ﷺ (أن لا يكتب كتاب إلَّا ابتدئ بها، فجرى الصحابة رضوان الله عليهم

стр. 972

على ذلك كما هو اليوم). ولذلك روي عن ابن عباس قال: (قلت لعثمان ما بالكم كتبتم بسم الله الرحمن الرحيم، وأسقطتموها من براءة، فقال: ما تحققت أنَّها سورة على حدتها أم هي والأنفال سورة (١))، وعن الثاني أنه لم يخرجه أحد ممن اشترط الصحة، وحديثه في الموطإ يوهن هذا الحديث، وعن الثالث أنه ضعفه الترمذي، والتعوذ أثقل من البسملة لقوة الخلاف فيها، وخروجه عن القرآن بلا ريب، وكراهة التعوذ في الفرض هي المشهورة. ومن قرأه في النافلة أو كان ممن يراه في الفريضة فهل يسره أو يجهر به؟ قولان، وكان ابن عمر يسره، وأبو هريرة يجهر به. وهل يتعوذ في جميع الركعات؟ وهو رأي ابن حبيب والشافعي؛ لأنه من توابع القراءة، أو يختص بالركعة الأولى؟ وهو رأي أبي حنيفة؛ لأنه لافتتاح الصلاة. خلاف. وفي تفسير ابن جزي: يتعوذ في أول كلّ ركعة عند الشافعي وأبي حنيفة، وفيه أن: القارئ يؤمر بالتعوذ على جهة الندب في ابتداء القراءة؛ يعني في غير الصلاة. ولفظ التعوذ: (أعوذ بالله من الشيطان الرجيم (٢))، وهذا اللفظ هو المختار عند القراء؛ وهو مروي عنه ﷺ ، وروى عنه أيضًا: (أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم (٣)). وفي الحطاب أنه: لا يقرأ البسملة في الفرض، فإن قرأها فلا يجهر بها، فإن جهر بها فذلك مكروه. وقال الشيخ عبد الباقي: إن محل كراهة البسملة في الفرض إذا اعتقد أن الصلاة لا تصح بتركها ولم يقصد الخروج من الخلاف، فإن قصده لم تكره قال الشيخ محمد بن الحسن: فيه نظر؛ إذ لم أر من قيد الكراهة بهذا. والظاهر من كلام المازري أنه يعترف بفعل المكروه لتكون صلاته صحيحة اتفاقا. انتهى. وأشار الشيخ بناني بهذا إلى ما نقلوه عن المازري أنه كان يبسمل سرا، فقيل له في ذلك، فقال: مذهب مالك على قول واحد: من بسمل لم تبطل صلاته، ومذهب الشافعي على قول واحد: من تركها بطلت صلاته.

стр. 973

انتهى؛ أي وصلاة يتفقان على صحتها خير من صلاة يقول أحدهما ببطلانها، وقال القرافي وغيره: الورع البسملة للخروج من الخلاف البقاعي: ولابن حجر في البسملة بحث مرقص مطرب حاصله: أن من تواترت في حرفه تجب عليه القراءة بها وتبطل الصلاة بتركها، ومن لا فلا سواء قلنا إنها آية من كلّ سورة أو من الفاتحة فقط. ولذا أوجبها الشافعي؛ لأن قراءته قراءة ابن كثير، ولا ينظر لكون الذي تواترت عنده شافعيا أو مالكيا أو غيرهما. فمن حصل له ذلك أتى بها ومن لا فلا؛ بهذا يرتفع الخلاف بين أئمة الفروع. انتهى. وفيه بحث واضح كما قاله المحقق الأمير. وفي البسملة في المذهب أربعة أقوال: الكراهة للمدونة، والفرض لابن نافع، والندب لابن مسلمة، والإباحة لمالك في المبسوط. والمشهور من هذه الأقوال الأول: وهو الكراهة. نقله ابن الفرات. وقد مر الكلام على البسملة من أوجه ثمانية: معنى مفرداتها، ومعنى تركيبها، وإعرابها، وحكمها، وسبب الابتداء بهات وفائدتها، وقرآنيتها، وكتابتها. فراجع ذلك إن شئت أول الكتاب. والله الموفق للصواب. كدعاء قبل قراءة يعني أنه يكره للمصلي الدعاء وغيره من ذكر بعد إحرامه وقبل أن يقرأ في الفرض والنفل: وعن مالك استحباب قوله قبل القراءة: (سبحانك اللهم وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك) (١) (وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (٢))، (اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد (٣)). انتهى. وهذا هو دعاء الافتتاح. وبعد فاتحة يعني أنه يكره للمصلي أن يدعو بعد الفاتحة وقبل السورة ليلا يشتغل عن قراءة السورة، وهي سنة بما ليس بسنة، والحق بذلك المأموم. وبما قررت علم أن هذا خاص بالأولى والثانية؛ لأن الدعاء بعد القراءة وقبل الركوع جائز باتفاق. انظر حاشية الشيخ بناني. وقوله:

стр. 974

وبعد فاتحة في الطراز ويدعو بعد الفراغ من الفاتحة إن أحب قبل السورة، وقد دعا الصالحون. ونقل كراهته في التوضيح عن بعضهم والظاهر ما في الطراز، وفي شرح الجلاب أن الدعاء بعد الفاتحة وقبل السورة مباح ليس بمكروه. قاله الحطاب. وقوله: وبعد فاتحة، قال الشيخ محمد بن الحسن: هكذا نقل في التوضيح كراهته عن بعضهم وفي الطراز: وشرح الجلاب خلافه، قال الحطاب وهو الظاهر. انتهى. وقوله: وبعد فاتحة هذا في الفرض، وأما في النفل فجائز. قاله الشيخ عبد الباقي. وأثناءها يعني أنه يكره للمصلي أن يدعو في أثناء الفاتحة؛ أي خلال قراءتها لأنَّها مشتملة على الدعاء؛ فهي أولى. وقوله: "وأثناءها"، هذا في الفرض. وأما في النفل فجائز، كما في الطراز. قاله الشيخ عبد الباقي. وأثناء سورة يعني أنه يكره للمصلي أن يدعو في أثناء السورة، قال غير واحد هذا في الفرض، وأما في النفل فمباح. وقوله: "وأثناء سورة"، قال الشيخ عبد الباقي: هذا في حق من يقرأ كالفذ والإمام، وأما المأموم ففي المدونة: ولا يتعوذ المأموم إذا سمع ذكر النار، وإن فعل فسرا في نفسه. وفي الشامل: مالك وإن سمع مأموم ذكره ﵊ فصلى عليه أو ذكر الجَنَّة فسألها أو النار فاستعاذ منها فلا بأس ويخفيه ولا يكثر منه كسماع خطبة. انتهى. وفي المسائل الملقوطة: ويكرر ذلك المرة بعد المرة، وكذا لا بأس أن يقول المأموم عند قراءة الإمام: قل هو الله أحد إلى آخر السورة: الله كذلك، وكذا قول المأموم: بلى إنه أحكم، أو قادر عند قراءة الإمام: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾، أو بلى إنه على كلّ شيء قدير، وما أشبه ذلك. وقولي: وكذا لا بأس أن يقول المأموم الخ قاله الشيخ محمد بن الحسن، عن الحطاب، عن المسائل الملقوطة. ونسب الشيخ عبد الباقي والشيخ إبراهيم لها ذلك في الإمام. والله سبحانه أعلم. وقال ابن رشد: خفف مالك ﵀ التعوذ للقارئ في الصلاة إذا أخطأ في قراءته؛ لأن ذلك من الشيطان، لما روي (أن النبي ﷺ عَرض له شيطان في صلاته، فقال: أعوذ بالله منك (١)). قاله الحطاب.

стр. 975

وركوع يعني أنه يكره للمصلي أن يدعو في ركوعه لكونه محل تعظيم الرب لخبر: (أما الركوع فعظموا فيه الرب (١))، فهم العلماء منه الأمر بقول: سبحان ربي العظيم وبحمده، وإن كان الدعاء لا ينافي التعظيم لا رفع منه فيندب للآثار المذكورة في هذا الباب إلَّا أنه خاص بربنا ولك الحمد. قاله الشيخ عبد الباقي. وانظره مع ما يأتي إن شاء الله قريبا عند قول المصنف: "وسمى من أحب": وقوله: "وركوع" خلافا لأبي مصعب، ولا يرد ما في الصحيح عن عائشة ﵂ أنه ﷺ (كان يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم وبحمدك اللهم اغفر لي ((٢))، لأنه في حقه ﷺ وذلك في حقِّ الأمة. ويحتمل أن يكون قد أمر فيه بتكثير الدعاء بدليل لفظ: (اجتهدوا (٣))، وأما ما وقع في الركوع من قوله: (رب اغفر لي)، فليس بكثير. قاله الشيخ إبراهيم. وقبل تشهد؛ يعني أنه يكره للمصلي أن يدعو قبل تشهده وسواء في ذلك التشهد الأول وغيره. وبعد سلام الإمام؛ يعني أنه إذا سلم الإمام فإنه يكره للمأموم الذي لم يسلم أن يدعو قبل سلامه، وقال التلمساني في شرح الجلاب: لا يجوز الاشتغال بعد سلام الإمام بدعاء ولا بغيره قاله الحطاب. وقال عبد الباقي عند قوله: "وبعد سلام إمام": ولو في مكانه بخلاف التشهد، فإنه يفعل بعد سلام الإمام إن بقي في مكانه أو تحول تحولا يسيرا. كما مر. انتهى. وقد تقدم هذا مع زيادة. وتشهد أول؛ يعني أن المصلي يكره له الدعاء بعد التشهد الأول، وصرح في العتبية في سماع أشهب؛ بأنه جائز لا كراهة فيه، ولم يحك في ذلك خلافا فانظره. وفي المجموعة عن مالك: ليس في التشهد الأول موضع للدعاء، قال في الكبير: لم أر من تعرض لتشهير أحد القولين غير الشيخ، قال الظاهر الكراهة. انتهى. قاله الإمام الحطاب. وقوله: "وتشهد أول"، قال الشيخ عبد الباقي: ويتأكد فيه الصلاة على النبي ﷺ كما ذكره الرصاع، وهذا يدلُّ على

стр. 976

أنَّها ليست من الدعاء. انتهى. وهو يخالف ما للشيخ الأمير، فإنه قال: وكرها بفرض كصلاة على النبي ﷺ بتشهد أول. انتهى. لا بين سجدتيه؛ أي المصلي؛ يعني أنه لا يكره للمصلي أن يدعو بين السجدتين على الصحيح، وأما في السجود فمندوب. كما مر ما يفيده، ومن أحسن ما يقوله الإنسان في سجوده ما علمه رسول الله ﷺ لأبي بكر: (اللهم ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلَّا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم (١)). قاله الشيخ إبراهيم ولا يكره الدعاء بعد القراءة وقبل الركوع، ولا في رفع منه. كما مر. وكان ﷺ يقول بين سجدتيه: (اللهم اغفر لي وارحمني واسترني واجبرني وارزقني واعف عني وعافني). قاله الشيخ عبد الباقي. وتحصل مما مر أن الدعاء يندب في سجود، ورفع منه، ورفع من ركوع. قال الشيخ عبد الباقي: بخاص (٢) بربنا ولك الحمد، وسيأتي البحث معه، وأنه يجوز بعد تمام القراءة أي بعد السورة في الأولى والثانية، وبعد الفاتحة في الأخيرة أو الأخيرتين. كما نص عليه الشيخ محمد بن الحسن. ودعا بما أحب يعني أنه حيث قلنا بندب الدعاء للمصلي أو جوازه، فإن له أن يدعو بما أحب من ممكن شرعا وعادة، فيحرم بممتنع شرعا وعادة وهل تبطل به مطلقًا أو بالممتنع شرعا لا عادة؟ واحترزت بقولي: حيث قلنا بندب الخ عن المواضع الثمانية المكروه فيها الدعاء التي أولها كدعاء قبل قراءة. (وإن لدنيا) يعني أنه إذا جاز للمصلي الدعاء أو استحب، فإنه يجوز له أن يدعو بما شاء من أخروي أو دنيوي كتوسعة رزق: وزوجة حسنة وغير ذلك مما يجوز الدعاء به خارج الصلاة لما في المدونة عن عروة بن الزبير ﵁: إني لأدعو الله في حوائجي كلها في الصلاة حتى بالملح

стр. 977

وفاقا للشافعي، وخلافا لأبي حنيفة وأحمد القائلين بأنه: لا يجوز الدعاء في الصلاة إلَّا بالأدعية المأثور أو الموافقة للقرآن العظيم، فإذا دعا بغير ذلك مما يسأله الناس بطلت صلاته. وسمى من أحب يعني أنه يجوز للمصلي إذا جاز له الدعاء أو استحب أن يسمي شخصا -أي يذكر اسمه- أحب تسميته للدعاء له أو عليه؛ لأنه ﷺ قال بعد رفعه من الركوع: (غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله ودعا على آخرين، فقال: عصية عصت الله ورسوله، اللهم العن بني لحيان والعن رعلا وذكوان (١)). ثم سجد كما في صحيح مسلم. قاله الشيخ إبراهيم. وانظره مع ما تقدم عن الشيخ عبد الباقي من أن الدعاء بعد الرفع من الركوع إنما هو بربنا ولك الحمد. تنبيه قال ابن زكري: أخرج الإمام أحمد وأبو داوود والديلمي عن سعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ قال: (سيكون أقوام يعتدون في الدعاء والطهور) (٢) قالوا: الاعتداء في الأول الدعاء بما لا يجوز ورفع الصوت وتكلف السجع، وفي الثاني صب الماء فوق الحاجة والمبالغة في استعماله حتى يفضي إلى الوسواس، قال الطيسي: ينبغي أن يكون الطهور بضم الطاء ليعم الأمرين. انتهى. وقال الشبراخيتي: قال ﷺ : (لعن الله السارق (٣))، ففيه جواز لعن الجنس لنفوذ الوعيد على من شاء الله منهم، وإنما يكره وينهى عن لعن العين، وقول من قال: معنى الحديث يلعن العاصي ما لم يحد؛ لأن الحدود كفارات غير سديد ولا صحيح، لنهيه ﷺ عن اللعن في الجملة (٤)). فَحَمْلُ النهي على العين جمع بين الأحاديث، ويجوز الدعاء على الظالم بعزله ظلمه أو ظلم غيره، والأولى عدم الدعاء على من لم يعم ظلمه، فإن عم فالأولى الدعاء، وينهى عن الدعاء عليه بذهاب أولاده وأهله أو بالوقوع في معصية لأن إرادة المعصية معصية. انتهى.

стр. 978

ولو قال يا فلان فعل الله بك كذا لم تبطل قال عبد الباقي: إن غاب فلان مطلقًا أو حضر ولم يقصد خطابه، فإن قصده بطلت. انتهى. ومعنى كلام المصنف أن المصلي إذا قال: اللهم افعل بفلان كذا من غير نداء فإنه لا تبطل صلاته اتفاقا، وكذا لو أتى بحرف النداء بأن قال: يا فلان فعل الله بك كذا فإنها لا تبطل على المذهب خلافا لابن شعبان. وقال الإمام الحطاب: وفي المدونة قال مالك: لا بأس أن يدعو الله في الصلاة على الظالم، قال ابن ناجي: أراد بلا بأس صريح الإباحة، وظاهره وإن لم يظلمه بل ظلم غيره، وهو كذلك باتفاق، وظاهره أنه يدعو عليه بالموت على غير الإسلام، وبه قال بعض شيوخنا، وكان شيخنا يعجبه ذلك ويفتي به، والصواب عندي تحريمه. انتهى. وقال في شرح قول الرسالة: وتقول في سجودك، وأفتى بعض شيوخنا غير ما مرّة بأن يدعو على المسلم العاصي بالموت على غير الإسلام، واحتج بدعاء موسى على فرعون بذلك. والصواب أنه لا يجوز ولا دليل في الآية لأنه فرق بين الكافر المأيوس منه كفرعون، وبين المسلم العاصي المقطوع له بالجنة. إما أولا وإما ثانيا. انتهى. كلام الحطاب. وفيه ما نصه: وقد ذكر القرافي أن الدعاء بسوء الخاتمة اختلف في تكفير الداعي به، وقال المصنف الأصح أنه لا يكفر. انتهى. وكره سجود على ثوب يعني أنه يكره السجود بالوجه واليدين على ثوب منفصل من قطن أو كتان أو صوف؛ لأن الثياب مظنة الرفاهية، فلا تنتفي الكراهة بانتفاء الرفاهية منها، خلافا لابن بشير. وكره أيضًا على بساط لم يعد لفرش بمسجد في صف أول، وإلا لم يكره كان من الواقف، أو من ريع وقفه، أو من أجنبي وقفه ليفرش بصف أول للزوم وقفه واتباعه إن جاز أو كره. والمزاحمة على الصف الأول مطلوبة لندب إيقاع الفرض به. قاله الشيخ عبد الباقي. وقال الشيخ إبراهيم عند قوله: "وكره سجود على ثوب"، وهذا ما لم يعد للفرش في المسجد كالبسط التي تشترى لتفرش في الصف الأول؛ لأن التزاحم على الصف الأول مطلوب، ويفهم منه أن ما فرش في غير الصف الأول يكره السجود عليه، وأشعر قوله: "سجود"، أنه لو وقف أو جلس عليها وسجد على غيرها فلا كراهة وهو كذلك. كما في المدونة. انتهى. واحترزت بقولي: بالوجه

стр. 979

واليدين، عن السجود بالركبتين والرجلين على الثوب فيه رفاهية أم لا، فإنه لا يكره. كما نص عليه غير واحد. ابن الحاجب: وتستحب مباشرة الأرض بالوجه واليدين، وفي غيرهما يخير، وقال ابن عرفة: ابن حبيب تستحب مباشرة الأرض بالوجه واليدين. انتهى. قال الإمام الحطاب: فظاهر هذا أن ما عدا الوجه واليدين لا تستحب مباشرة الأرض به؛ وهو خلاف ما قال اللخمي: يستحب للمصلي أن يقوم على الأرض من غير حائل، وأن يباشر بجبهته الأرض، وما قاله ابن الحاجب وابن حبيب موافق لما في المدونة، ففيها: ويكره أن يسجد على الطنافس: وثياب الصوف، والكتان، والقطن، وبسط الشعر، والأدم، وأحلاس الدواب، ولا يضع كفيه عليها؛ ولكن يقوم عليها ويجلس ويسجد على الأرض. انتهى. قال الإمام الحطاب: وإلى هذا القسم أشار المؤلف بقوله: "وسجود على ثوب"، وأطلق في الثوب ليشمل ثوب الكتان والقطن والصوف والوبر، وكذلك بسط الشعر والأدم وأحلاس الدواب -كما تقدم عن المدونة- انتهى. ولو قال المصنف: كثوب لشملها، وقد تقدم أن ابن بشير علق الكراهة على الرفاهية فما فيه رفاهية كره عنده، وما لا يقصد للرفاهية لا يكره ولو صوفا. وقوله: "ثوب منفصل" مثله التصل. كما يأتي للمصنف. ومحل الكراهة للسجود على الثوب في غير الضرورة: وأما لحر أو برد أو خشونة أرض فلا كراهة، وقوله: "وسجود على ثوب"؛ يعني لكل مصل ولو امرأة. لا حصير؛ يعني أن الحصير لا يكره السجود عليه، والمراد به كل ما تنبته الأرض إلا أن تكون الحصر مما يشترى بالأثمان العظام، ويقصد به الكبر والترفه والزينة والجمال، فيكره السجود عليها حينئذ. ويتحصل من كلامهم هنا أن السجود باعتبار محله على ثلاثة أقسام: قسم مستحب؛ وهو مباشرة الأرض بالوجه والكفين، وقسم مكروه، وهو السجود على الثياب وما أشبهها؛ فإنه مكروه لغير عذر، ولا تنتفي الكراهة بانتفاء الرفاهية، والفرش التي لا تنبت الأرض لها حكم الثياب، وعلق ابن بشير الكراهة على الرفاهية -كما مر-. وقسم جائز؛ وهو السجود على ما تنبته الأرض كالحصر التي لا يقصد بها الترفه، كحصر الحلفاء والدوم؛ لأنها تشاكل الأرض من حيث إنها لا يقصد بها الترفه والكبر والزينة، ولذلك ما يقصد به الترفه من الحصر كالحصر التي تشترى

стр. 980

بالأثمان العظام، ويقصد بها الكبر والترفه والزينة، والجمال يكره السجود عليه. وأجاز ابن مسلمة الصلاة على ثياب القطن والكتان؛ لأنها مما تنبته الأرض؛ والأظهر ما ذهب إليه مالك، لأن ذلك مما فيه الترفه والأرض لا تنبته بطبعها، وإذا كانت العلة القصد إلى التواضع وترك ما فيه الترفه فالصلاة فيها مكروهة. قاله ابن رشد. ووقع في عبارة ابن عرفة: ويجوز على حائل من نبات لا يستنبت، وفي عبارة ابن رشد: الصلاة على حائل مكروهة إلا أن يكون الحائل مما يشاكل الأرض، ولا يقصد به الترفه والكبر كحصر الحلفاء والدوم وشبه ذلك مما تنبته الأرض بطبعها. قال الإمام الحطاب: ما ذكره؛ يعني ابن رشد وابن عرفة من تقييد النبات بما لا يُستَنْبَت لم أره لغيرهما، وعبارة المدونة: ولا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما تنبت الأرض، ويضع كفيه عليها. انتهى. وعبارة ابن عرفة وابن رشد تقتضي أن السجود على الخمرة ليس بجائز؛ لأنها من النخل، وهي مما يستنبت، وقد أجاز ذلك في المدونة فعلى هذا فينبغي أن يقيد كلامهما بما عدا ما يستعمل من النخل. وإذا كان السجود على ما تنبته الأرض مما لا رفاهية فيه ولا زينة غير مكروه، فتركه أحسن؛ أي أفضل فهو خلاف الأولى لخبر: (يا رباح عفر وجهك بالأرض) (١)؛ (ولأنه ﷺ كان يسجد على الأرض، وقد يصبح على جبهته وأنفه أثر الماء والطين (٢)). وكان عمر بن عبد العزيز يؤتى بالتراب فتوضع على الخمرة بضم الخاء: حصير صغير من جريد، قدر ما يضع الرجل عليه وجهه في سجوده. سمي بذلك لأنه يخمر وجه الصلي أي يغطيه، ولذلك لم يفرش المسجدان الشريفان إلا بالرمل، فلو كان الفراش مستحسنا لفرشا بأحسنه. وقد علمت أن السجود على الثوب ونحوه مكروه، وأن السجود على الحصير الذي لا رفاهية فيه خلاف الأولى، والفرق بينه وبين المكروه أن تركه فيه ثواب أكثر من ترك خلاف الأولى.

стр. 981

وحاصل ما مر من التحصل أن مباشرة الأرض في السجود بالوجه واليدين مندوبة، وأن السجود بالوجه واليدين على حائل مكروه إلا أن يكون الحائل مما تنبته الأرض ولم يقصد للزينة، فترك السجود عليه أحسن: وليس السجود عليه بمكروه بل هو خلاف الأولى. والثوب مظنة الترفه فيكره السجود عليه مطلقا كان مما تنبته الأرض أولا، انتفت منه الرفاهية أولا، وأن محل الكراهة إذا لم يكن ذلك لعذر، وأما إن كان لعذر كحر أو برد أو خشونة أرض فجائز، وأن المكروه على مذهب المدونة ما لا تنبته الأرض مطلقا فيه رفاهية، أولا وما تنبته مما فيه رفاهية. والله سبحانه أعلم. تنبيه: الأدم الجلود المدبوغة جمع أديم، وأحلاس الدواب بفتح الهمزة والحاء والسين المهملة ما يلي ظهور الدواب وما يجعل تحت اللبود، والسروج وأصله من اللزوم، والطنفسة بكسر الطاء وفتح الفاء وهو أفصحها وبضمهما وكسرهما؛ بساط صغير كالنمرقة. وفي القاموس: مثلث الطاء والفاء وبكسر الطاء وفتح الفاء وبالعكس، وفي الذخيرة قال صاحب الطراز: فإن فرش خمرة فوق البساط لم يكره، وفي صحيح مسلم عن أنس ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقا فربما تحضر الصلاة وهو في بيتنا، قال: فيأمر بالبساط الذي تحته فيكنس ثم ينضح ثم يقوم رسول الله ﷺ ونقوم خلفه فيصلي بنا، وكان بساطه من جريد النخل (١)). واعلم أن الوجه آكد في الكراهة من اليدين، وفي الحطاب: واليدان يليان الوجه في التأكيد، وفي المدونة: وإن كان حر أو برد جاز أن يبسط ثوبا ويسجد عليه، ويجعل عليه كفيه. انتهى. ورفع مومئ ما يسجد عليه؛ يعني أنه يكره للمصلي إذا كان شرعه الإيماء أن يرفع شيئا إلى جبهته أو ينصبه ويسجد عليه سواء اتصل بالأرض أم لا، قال فيها: ولا يرفع إلى جبهته أو ينصب بين يديه شيئا يسجد عليه. انتهى. قاله المواق. أبو الحسن: قال أشهب في المجموعة: وذلك إذا أومأ إلى ذلك الشيء برأسه حتى يسجد عليه، وأما إن رفعه إليه حتى أمَسَّه جبهته

стр. 982

وأنفه من غير إيماء لم يجزه ذلك وأعاد أبدا. انتهى. انتهى. وساق ابن يونس قول أشهب مساق التفسير، وعليه يدل قوله: في الكتاب ليسجد عليه. انتهى. وفي المواق عن اللخمي: هذا إن نوى حين إيمانه الأرض، وأما إن كانت نيته الإشارة إلى الوسادة التي رفعت له دون الأرض لم يجزه، ويؤيد هذا قول مالك إنه: يحسر العمامة عن جبهته حين إيمائه. انتهى. قاله الشيخ محمد بن الحسن بناني، قال: والحاصل أن السجود على شيء مرتفع منفصل عن الأرض مبطل، والسجود على أرض مرتفعة مكروه فقط. انتهى. وقال الشيخ الأمير: ورفع مومئ ما يسجد عليه وبطلت إن لم يتصل بالأرض. انتهى. وقد مر أن السجود على أرض مرتفعة مكروه، وحينئذ فلا يشترط ارتفاع الأسافل على الأعالي وإن نظر فيه الحطاب. انظر الشبراخيتي. وللشافعية أنه: يشترط التنكيس وهو ارتفاع الأسافل على الأعالي، فلو ارتفعت أعاليه أو استويا لم يصح. انظر شرح الشيخ عبد الباقي، وفيه عن الجزولي أن الفراش الطاهر لا يخلو من وجهين: إما أن يكون محشوًّا أولا، فإن كان غير محشو صلى عليه بلا تفصيل كالقطيفة ونحوها. انتهى. قال الشيخ بناني: ينبغي أن يقيد بغير التي لها وبر كثير، وإلا فهي كالمحشو ومثلها الهيدورة الكثيرة الصوف. والله أعلم. انتهى قال الشيخ عبد الباقي: وإن كان محشوا فإن امتهن واندك صُلِّيَ عليه، وإن كان بحدثان حشوه أعاد من صلى عليه أبدا. انتهى. ولا يجوز السجود على الفراش المرتفع عن الأرض، كما في حاشية الشيخ بناني. وفي مختصر الواضحة: وإذا شق على المريض النزول عن فراشه إلى الأرض للصلاة، وكان ممن لا يقدر على السجود بالأرض لشدة مرضه، صلى على فراشه، فإن كان غير طاهر ألقى عليه ثوبا كثيفا طاهرا، وإن كان ممن يقدر على السجود في الأرض فلينزل إلى الأرض فيصلي جالسا بالأرض. انتهى. ومفهوم قول المصنف: "مومئ"، بطلان صلاة صحيح فعل ذلك ولو جهلا، وهو الذي تفيده المدونة خلافا لقول غير واحد: إنه مكروه. انتهى. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: "ما يسجد عليه"، ما هذه نكرة موصوفة؛ أي شيئا يسجد عليه.

стр. 983

وسجوده على كور عمامته؛ يعني أنه يكره السجود على كور العمامة بفتح فسكون؛ مجتمع طاقاتها مما شد على الجبهة إن كان قدر الطاقتين؛ أي التعصيبتين، ولا إعادة إن كان خفيفا لا كثيفا؛ أي أزيد من الطاقتين أو برز عن الجبهة فيمنع، فإن فعل أعاد. قاله الشيخ عبد الباقي. وقوله: أعاد، قال الشيخ بناني: قوله: "أعاد"؛ أي في الوقت كما في ابن يونس وأبي الحسن وغيرهما. وقال الأمير: فإن زاد على الطاقتين وما قاربهما، أعاد بوقت حيث التصق على الجبهة وإلا بطل. وقال الشيخ إبراهيم: أما ما برز عنها حتى منع لصوقها فإنه لا يجزئ اتفاقا. انتهى. والطاقة: هي اللية برمتها، وليس المراد بها الحاشية الواحدة؛ لأن اللية هي التي يحصل منها الكور. حرره الوانشريسي. انظر شرح الشيخ ميارة. وقال الإمام الحطاب: ويكره ستر اليدين بالكمين في السجود، إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة حر أو برد. انتهى. أو طرف كم؛ ما تقدم من قوله: "وسجود على ثوب"، في المنفصل، وما هنا في المتصل؛ يعني أنه يكره للمصلي أن يسجد على طرف كمه أو غيره من ملبوسه إلا لضرورة كحر أو برد. وقالت الشافعية بالبطلان في السجود على المتصل، ويكره أن يروح على نفسه في المكتوبة، وخفف في النافلة، وكره الترويح في المسجد بالمرواح. (١) ومر قريبا أنه يكره ستر اليدين بالكمين في السجود إلا أن تدعو إلى ذلك ضرورة حر أو برد، ومن صلى في جبة أكمامها طويلة لا يخرج يديه منها لإحرام ولا ركوع ولا سجود، صلاته صحيحة مع الكراهة؛ لأن عدم مباشرته بيديه الأرض فيه ضرب من التكبر. انتهى. ونقل حصباء المسجد من موضعه؛ يعني أن نقل حصباء المسجد من موضع منه مظلل لأجل أن يسجد عليه من يصلي في الشمس مكروه؛ لأنه يؤدي إلى تحفير المسجد، وقوله: "لسجد"، متعلق بنقل: وأولى بالكراهة النقل المؤدى للتحفير لغير سجود، والكراهة للتحفير لا للنقل من موضع لآخر؛ إذ لا كراهة في ذلك. ولو خرج بالحصباء في يده ناسيا أو في نعله، فإن رد ذلك فحسن وليس بواجب؛ لأنه أمر غالب. انظر أبا الحسن. قاله الشيخ أحمد. نقله الشيخ عبد الباقي وقوله:

стр. 984

"حصباء"؛ يعني أو تراب، وقوله: "من ظل"، وكذا نقل حصباء شمس مسجد. كما قاله غير واحد. وعلم مما قررت أن: محل الكراهة إنما هو في النقل حيث كان يؤدي إلى تحفير المسجد، وإلا فلا كراهة كما نص عليه الشيخ إبراهيم، واحترز بقوله: "بمسجد"، عن غير المسجد، فإنه لا كراهة فيه. قاله غير واحد. وعبارة الشيخ الأمير: ونقل حصباء ظل أو شمس مسجد. انتهى. قال في الشرح: بحذف تنوين ظل وشمس للإضافة، وإنما يفعل هذا فيما شأنهما الاصطحاب كيد ورجل، وكل وبعض، لا دار وغلام. انتهى. ومن هذا قول الشاعر: سقى الأرضين الغيث سَهْلَ وحزنها … فنيطت عرى الآمال بالزرع والضرع وقراءة بركوع؛ يعني أنه يكره للمصلي أن يقرأ في حالة ركوعه. أو سجود يعني أنه يكره للمصلي أن يقرأ في حالة سجوده، والأصل في ذلك ما رواه ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: (نهيت أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه بالدعاء لأنفسكم فقمن أن يستجاب لكم) (١)؛ أي حقيق. وعللت الكراهة بأن الركوع والسجود حالتا ذل، فيكره أن يجمع بين كلام الله وهذه الحالة. قاله الشيخ إبراهيم. وقوله: "وقراءة بركوع أو سجود"، وكذا في التشهد. قاله في اللباب. والله أعلم قاله الحطاب. ودعاء خاص؛ يعني أنه يكره للقادر على الدعاء العام أن يدعو في الصلاة وخارجها بدعاء خاص، قال الإمام الحطاب: يحتمل أن يريد بقوله: "خاص"، أن الدعاء خاص بنفسه لم يشرك المسلمين فيه، وهذا خلاف المستحب، ويتأكد في حق الإمام، وقد روي في الحديث أنه خانهم (٢))، ذكره صاحب المدخل وغيره. انتهى المراد منه. ويحتمل أيضا أن يريد بقوله: "خاص". باللفظ، وعليه فلا كراهة بدعوات متعددة وإن لم تكن عامة للناس. نعم، التعميم أفضل. قاله عبد الباقي. قال:

стр. 985

ولعل الكراهة في الخاص الذي لا يدعو بغيره ما لم يكن متعلقة عاما كسعادة الدارين مع كفاية همهما فلا كراهة، ويحتمل العموم وهو صريح المصنف، وإنما كرهوا الدعاء الخاص باللفظ لأن الأدعية فيها أسرار، فقد يكون السر في بعضها دون بعض ولذلك كانت أسماء الله تعالى متعددة مع أن المسمى واحد لأجل أن يتسع مجال الداعين وتفتح لهم أبواب الخيرات كالأبواب والطرقات؛ إذ بعضها أقرب في الوصول من بعض لاختلافها باختلاف أحوال الداعين، فربما صلح الدعاء ببعضها لشخص دون آخر. انتهى. قاله الشيخ إبراهيم. وقال هو وغيره: إنه على الاحتمال الأول تتأكد الكراهة في حق الإمام، فقد ورد في الحديث: أن ذلك يعني عدم إشراك المؤمنين معه في الدعاء خيانة للمؤمنين. انتهى. وقال الشيخ عبد الباقي: ولعل كراهة الخاص الذي لا يدعو بغيره ما لم يكن متعلقة عاما كسعادة الدارين مع كفاية همهما، فلا كراهة في ملازمة ذلك كما شاهدت الأجهوري يدعو به في سجوده غالبا. انتهى. أو بعجمية لقادر؛ يعني أن الدعاء في الصلاة بالعجمية مكروه لقادر على العربية، ومفهوم في الصلاة الجواز خارجها. قال الشارح: منهم من منع ذلك مطلقا، وكذا يكره الحلف بالعجمية، قال فيها: وما يدريه أن الذي حلف به هو الله؟ وأخذ منه اللخمي الجواز لمن علم أنه من أسماء الله في تلك اللغة: ومفهوم لقادر: عدم الكراهة لغيره، وهو كذلك، ففي سماع ابن القاسم عن الأعجمي يدعو في صلاته بلسانه، فقال: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، وانظر هذا مع ما في الذخيرة عن الطراز من بطلان صلاة من دعا أو سبح أو كبر بالعجمية ولو غير قادر، ولم يحك فيه خلافا. قاله الشيخ إبراهيم. (ونهى رسول الله ﷺ أن يتكلم بالفارسية في المسجد الحرام) (١) وسمع عمر بن الخطاب ﵁ رجلين يتكلمان بالفارسية في الطواف، فقال: ابتغيا إلى العربية سبيلا. قاله الإمام الحطاب. وقال الشبراخيتي: ويكره الكلام بالعجمية في المساجد لمن كان قادرا على العربية لنهي عمر عن رطانة الأعاجم، وقال: إنها خب؛ أي مكر وخديعة. ابن يونس: نهي عمر عنها إنما هو في
следующие страницы →