التقويم في المرض وهو قائم من المدونة وعليه فلا ينفذ العتق حتى يصح فيكون من رأس المال أو يموت فتكون القيمة من الثلث ينفذ فيه ما حمل منه ورق الباقي للورثة أو للشريك، وسواء كان له مال مأمون أم لا، وقيل إن هذا إنما يكون إن لم يكن له مال مأمون وإن كان له مال مأمون عتق عليه في المرض جميعه إن كان له، وقوم عليه فيه حظ شريكه إن كان له فيه شريك وهو أحد قولي مالك في المدونة. أهـ.
ولم يقوم على ميت لم يوص يعني أن من أعتق جزءًا له من عبد والباقي لغيره ثمَّ مات المعتق ولم يوص بالتقويم، فإنَّه لا يقوم عليه أي لا يكمل عليه بل يبقى الباقي لشريكه رقيقا، قال البناني مفسرا للمص: أي أعتق شقصا في صحته ثمَّ مات ولم يوص بالتقويم، بهذا صوره المواق أو أوصى بعتق شقص له في عبد ولم يوص بالتقويم وبهذا صوره ابن مرزوق. أهـ. وقال الشبراخيتي: ولم يقوم على ميت ما بقي من رقيق أعتق جزءه في حصته ولم يعلم بذلك حتى مات فيعتق ما أعتقه فقط ولا يقوم عليه؛ لأنَّ المال قد انتقل إلى ورثته ولا تقويم عليهم لأنهم لم يعتقوا. نص عليه في المدونة. وهذا حيث لم يوص بتكميل العتق، فإن أوصى كمل عليه. وقوله: "ولم يقوم على ميت لم يوص" يجري فيه ثلاث صور، وهي: ما إذا أعتق في صحته أو في مرضه واطلع عليه بعد موته، أو أوصى بالعتق بعد موته، وأما ما أعتقه في صحته أو في مرضه واطلع عليه في مرضه فإنَّه يكمل عليه وإن لم يوص، ويعجل التقويم إن كان مال مأمون، وإن كان غير مأمون أخر التقويم بعد موته، وإن لم يطلع عليه إلا بعد موته فإن التكميل لا يكون إلا بوصية. أهـ.
وقال عبد الباقي: ولم يقوم على ميت أعتق في صحته أو مرضه شقصا له في عبد وباقيه لغيره، واطلع عليه بعد موته فيهما ولم يوص بالتكميل لانتقال التركة بمجرد موته للورثة، فصار كمن اعتق ولا مال له ومثله إذا أوصى بعتق جزئه هو بعد موته فلا يقوم الباقي له أو لغيره لصيرورة ما زاد على وصيته للورثة، ومفهوم قوله: ولم يوص أنَّه إن أوصى بتكميل ما أعتقه في صحته أو مرضه واطلع عليه بعد موته فيهما كمل عليه من الثلث فقط.
ومفهومُ قولي: بعد موته أنَّه إن أعتق في صحته واطلع عليه في مرضه فيمضي ما أعتقه في صحته، ولو زاد على الثلث أو كان ماله غير مأمون كما قدمنا وما أعتقه في مرضه يوقف لموته فيخرج ما
стр. 9242
أعتقه من الثلث، ويعجل تكميل الباقي من الثلث وإن لم يوص في عتقه في صحته ومرضه إن كان ماله مأمونا وإلا أخر لبعد موته، ولا يكون التكميل إلا من الثلث، فإن قلت: بين مفهوم قوله: "أمن" وبين منطوق قوله: "ولم يقوم على ميت" نوع تخالف؛ إذ مفاد الأوّل التقويم بعد الموت وإن لم يوص، ومفاد الثاني خلافه مع أن كُلًّا منهما معتبر لأنه نص المدونة كما قال أحمد، قلت: الأوّل فيما إذا اطلع عليه قبل الموت، والثاني فيما إذا اطلع عليه بعد الموت كما قررنا فلا مخالفة. أهـ. ويأتي البحث معه قريبا. أهـ. قوله: ومفهوم قولي بعد موته إن أعتق في صحته لخ، قد مر رد هذا القول وأنه ضعيف مخرج.
تنبيه: الذي يظهر لي من كلامهم أن التحقيق أنَّه إن مات من أعتق جزءًا في صحته والباقي لغيره فإنَّه لا يكمل عليه حيث مات قبل التقويم ولم يوص، اطلع على ذلك قبل موته أو لم يطلع عليه إلا الشهود، قال المواق من المدونة: إن أعتق أحد الشريكين حظه من عبد في صحته فلم يقوم عليه حتى مات لم يعتق منه إلا ما كان عتق ولا يقوم على ميت وكذلك لو فلس. أهـ.
وقال التوضيح: أشهب عن مالك: لو أعتق بعض عبده في صحته فلم يقوم عليه حتى مات مكانه أو فلس لم يعتق عليه إلا ما كان أعتق. سحنون: هذا قول أصحابنا جميعًا، وفي وصايا المدونة: لا يقوم ميت ولا يقوم على ميت، ومثاله إن أعتق أحد الشريكين حصته من عبد فمات العبد أو المعتق قبل التقويم. أهـ. وفي الخرشي: من أعتق شقصا له في عبد وباقيه لغيره فلم يقوم عليه حتى مات ولم يوص بالتقويم، فإنَّه لا يقوم عليه حينئذ. أهـ. وفي الرهوني عن ابن يونس ما نصّه: ومن المدونة قال مالك: وإذا أعتق أحد الشريكين حصته من عبد في صحته فلم يقوم عليه حتى مرض قومنا عليه حصة شريكه في الثلث، وكذلك من أعتق نصف عبده في صحته فلم يستتم عليه حتى مرض فليعتق بقيته في ثلثه. ابن المواز: وقاله ابن القاسم وأشهب، قال أصبغ: وإذا لم يعلم به حتى مرض فليحكم الآن عليه بالتقويم ويوقف المال لحياته وموته وينفذ الحكم عليه في ذلك، فإن صح لزمته القيمة وإن مات أخرجت القيمة من ثلثه أو ما حمل الثلث، ويبدأ على الوصايا وما أعتق أولًا من رأس المال. انتهى. المراد منه.
стр. 9243
أبو الحسن: وما قاله أصبغ تفسيرٌ لقول ابن القاسم، وإنما قال: يقوم وتوقف القيمة هروبا من أن يفوت التقويم بموته. أهـ. وتأمل قوله هروبا من أن يفوت التقويم بموته فإنَّه كالصريح في أن اطلاع الناس عليه والحاكم ولم يحصل التقويم المذكور كالعدم، فحيث مات قبل التقويم ولم يوص لم يكمل عليه وهذا هو مفاد المص، حيث قال: "ولم يقوم على ميت لم يوص" ففيه رد لما قاله عبد الباقي. والله تعالى أعلم. ووقع في المدونة أنَّه إذا لم يعلم الشريك بالعتق إلا بعد موت المعتق لم يعتق إلا ما كان، وكذا وقع في عبارة غير واحد ومعنى ذلك - والله أعلم - أنَّه إن علم بذلك عجل الحاكم عتق الباقي الآن قبل الموت من رأس المال إن اطلع على ذلك في الصحة، وإن اطلع عليه في المرض عجل العتق الآن أو التقويم وتؤخر القيمة للموت ليلًا يفوت التقويم بالموت هذا ما ظهر لمقيده. والله تعالى أعلم.
وقوم كاملا بماله هذا التقويم الكائن بعد امتناع الشريك من العتق المشار إليه بقول المص: "وقوم كاملا بماله" لخ عام في جميع مسائل التقويم على الشريك المعتق في صحته أو مرضه، ومعنى كلامه أن العبد الذي أعتق منه جزء والباقي لغير المعتق بكسر التاء إذا قلنا إنه يعتق عليه باقيه ويغرم قيمة الباقي للشريك الذي لم يعتق، فإنَّه يقوم العبد كاملا ويكون ماله جزءًا منه، فإذا كان قيمة العبد مائتان وماله مائة فقيمته ثلاثمائة، فإذا كان الشريك له النصف وأعتقه فإنَّه يؤدي إلى الشريك مائة وخمسين، ومال العبد يبقى بيده لأنه بعتق بعضه يمنع انتزاع ماله لأنه تبع له؛ إلا أن يستثنيه السيد وتقوم الأمة بمالها وولدها الحادث بعد العتق. وقوله: "وقوم كاملا" أي ولا يقوم على أن البعض الآخر حر وهو يفيد اعتماده، وكذا قول ابن شأس: يقوم كاملا لا عتق فيه، وقيل يقوم نصفه على أن نصفه الآخر حر، وقال الشيخ أبو عمران: وليس بالجيد، والذي اتفق عليه أصحابنا أنَّه إنما يقوم على أن جميعه مملوك. أهـ. وإيضاح هذا أنَّه مختلف على قولين، هل يقوم العبد كاملا ويدفع له نصف القيمة إن كان الباقي النصف وهكذا لأنَّ في تقويم البعض ضررا على الشريك فيقوم على أنَّه قن لا عتق فيه؟ أو يقوم الباقي منه ويدفع له قيمته أي يقوم على أن بعضه قن وبعضه حر؟
стр. 9244
تنبيه: في الرهوني تشهير القول بأنّه يقوم الباقي منه فقط حرا وتشهير القول بأنّه يقوم كاملا الذي مشى عليه المص، لكن معنى يقوم الباقي عنده أنَّه يقوم الباقي على أن العبد كله مملوك لا على أن بعضه الآخر حر، وقال: إن مقابل المشهور هو أن يقوم الباقي على أن البعض الآخر عتيق، وقال عبد الباقي عند قوله "كاملا" ما نصّه: وهذا إن أعتق بغير إذنه يعني بغير إذن شريكه الذي لم يعتق ولم يلتزم النقص الحاصل لحصته مفردة ولم يكن الشريك الذي تقوم حصته على المعتق اشتراها مفردة بأن اشترياه معا، فإن اشترياه في صفقتين لم يقوم كاملا، ومحله أيضًا إن لم يعتق الشريك بعض حصته بعد عتق الأوّل جميع حصته أو بعضها وإلا قوله على الأوّل البعض الباقي من حصة الثاني فقط؛ لأنَّ من حجة الأوّل أن يقول إنما يقوم علي كاملا إذا كان الولاء كله لي، وأما لو كان بعض الولاء لشريكي فلا يقوم كاملا، وهذا إذا تأخر الحكم على الثاني بالعتق حتى حصل له مانع من فلس ونحوه، وإلا لم يقوم البعض الباقي على الأوّل بل يعتق على الثاني بالسراية. اهـ.
قول الزرقاني: وهذا إن أعتق بغير إذنه ولم يلتزم له النقص الحاصل لخ، قال البناني: الصواب إسقاط كل من هذين القيدين، أما الثاني فإنَّه لا فائدة فيه لأنه إذا التزم له النقص الحاصل بالتقويم لحصته مفردة فقد قوله كاملا وأما الأوّل فإنَّه قول ثالث مقابل لما عند المص، ففي التوضيح ما نصّه: حكى أبو عِمْرَانَ في كون العبد يقوم كله على أن جميعه رقيق اتفاقَ الأصحاب عليه، وحكى أحمد بن خالد أنَّه يقوم على أن نصفه الآخر حر وهو خلاف ظاهر قوله ﵊. (فكان له مال يبلغ ثمن العبد (١))، وفصل بعضهم فقال: إن عتق بإذن شريكه فكقول أحمد وإلا فكقول المشهور. أهـ.
لكن رأيت ابن عرفة لما ذكر القولين الأولين، قال: وذكر اللخمي القول الأوّل عن محمَّد وعقبه بقوله: وإن أعتق بإذن شريكه فله قيمته يوم الحكم على أن نصفه حر. أهـ. فظاهر اللخمي أن الثالث تقييد للأول وهو خلاف ما في التوضيح. فتأمله. واعلم أن المص اعتمد القول الأوّل لما تقدم
стр. 9245
عن أبي عمران، ورأيت ابن ناجي في شرح الرسالة ذكر أن القول الثاني هو المشهور وهو للفاكهاني فانظره. أهـ. وبحث فيه الرهوني بأن المشهور ليس هو أن يقوم الباقي على أن الآخر حر، وإنما هو أن يقوم الباقي على أن العبد كله مملوك، وأما على أنَّه حر فهو مقابل للمشهور. فتأمله. والله أعلم. ابن عبد السلام: ينبغي على القول الأوّل يعني تقويمه كاملا أن يكون للشريك الرجوع على المعتق بقيمة نقص العتق إذا منع الإعسار من التقويم عليه. نقله في التوضيح. نقله البناني.
بعد امتناع شريكه من العتق يعني أنَّه إذا أعتق جزءًا من العبد والباقي لغيره، فإنَّه يخير الشريك بين أن يبت عتق نصيبه من الآن وبين أن يغرم له ما ينوب نصيبه من القيمة، فإذا امتنع من أن يبت عتق نصيبه فإنَّه يقوم نصيبه على المعتق على ما مر ويعتق عليه، فقوله: "بعد" متعلق بقوله: "وقوم"، وفي بعض النسخ، بإسقاط قوله من العتق وتركه لوضوحه، قال التتائي: وإنما يكمل عليه بعد امتناع شريكه من عتق نصيبه مالك لا يقوم نصيب الشريك على المعتق إلا بعد تخيير ربه بين العتق والتقويم، فإن أعتق فذلك له وإن أبي قوم على المعتق. أهـ.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي وفي شرح الخرشي شرح: "وقوم كاملا بماله"، وكذا يقوم بولده الذي حدث له بعد العتق وكذا الأمة تقوم بولدها، ويعتبر ماله يوم يقام عليه في المحل الذي وقع فيه العتق. اهـ. قوله وكذا يقوم بولده الذي حدث له بعد العتق، يعني - والله تعالى أعلم - ولد العبد الذكر الذي حدث له من أمته بعد عتق بعضه. قاله مقيده عفا الله عنه.
ونقض له بيع منه الضمير في "له" عائد على التقويم، واللام للتعليل والضمير في قوله: "منه" عائد على الشريك الذي لم يعتق، يعني أن الشريك الذي لم يعتق نصيبه إذا باع ماله من العبد المذكور فإنَّه ينقض لأجل تقويمه على الشريك المعتق البيع الذي صدر من الشريك الذي لم يعتق، قال عبد الباقي: ونقض له أي لأجل التقويم بيع صدر منه أي من الشريك الذي لم يعتق، وكذا ممن بعده ولو تعددت البياعات فيه سواء علم الشريك بالعتق أم لا إلا أن يعتقه المشتري وتنظير أحمد في ذلك غير ظاهر، أو يفوت بيده بمفوت البيع الفاسد أو بيعه للمعتق بالكسر لأنه بدخوله في ملكه لزمه عتقه للتكميل، وأما الهبة والصدقة فلا ينقضان ويقوم على المعتق ويكون الثمن
стр. 9246
للمعطى بالفتح إلا أن يحلف الواهب أنَّه إنما وهب لتكون للموهوب القيمة، فإن حلف كان أحق بها كذا قالوا هنا، وانظر ما الفرق بينه وبين قوله في الشفعة: "والثمن لمعطاه إن علم شفيعه" بل مقتضاه أن يكون قيمة الشقص المأخوذ للعتق للمعطى بالفتح إن علم المعطي أن له شريكا يقوم عليه. أهـ. وقال البناني: علة النقض يعني في قوله ونقض له بيع منه ما فيه من الغرر، قال في التوضيح: لأنَّ التقويم قد وجب فيه قبل البيع فدخل المشتري على قيمة مجهولة. أهـ.
وقال التتائي: قال ابن المواز: وإنما نقض البيع لأنَّ المشتري أعطى عينا أو عرضا في شيء وجبت فيه القيمة وهي مجهولة. أهـ. وحيث نقض البيع نقض جميع ما بعده من البياعات، ولا يقال أن البيع من مفوتات البيع الفاسد لأنا نقول: لا يكون البيع فوتا إلا إن كان صحيحا، وهنا لا يكون إلا فاسدا، وعورض التعليل بالغرر بقوله في المدونة: وإن ابتعت أنت وأجنبي أباك في صفقة جاز البيع وعتق عليك وضمنت للأجنبي قيمة نصيبه. أهـ. فقد دخل الأجنبي على قيمة مجهولة، وأجاب بعض شيوخ عبد الحق بأن المشتري دخل في المسألة الأولى على الفساد لوجوب القيمة قبل الشراء، بخلاف المشتري هو وأجنبي أباه لم يجب التقويم قبل الشراء ولا ثبت في ذلك عتق إلا بعد حصول الشراء، على أن سحنونا غمز مسألة شراء الأب، وقال: لم يجز هذا الشراء والأجنبي لا يدري ما يشتري، وقيد أشهب ما في المدونة من نقض البيع، فقال: إلا أن يكون المعتق معسرا فلا يرد بيعه إذ لا يرد إلى تقويم. أهـ باختصار من التوضيح وكذا يقال فيما بعد البيع. اهـ. قاله البناني. وقال المواق من المدونة: إن أعتق أحد الشريكين حصته وهو موسر ثمَّ باع الآخر نصيبه نقض البيع وقوم على المعتق. أهـ.
وتأجيل الثاني يعني أن الشريك الذي لم يعتق حصته، إذا أعتق حصته لأجل فإنَّه ينقض عتقه المؤجل لأجل التقويم على الشريك الذي أعتق، أو تدبيره يعني أن الشريك الذي لم يعتق حصته إذا دبرها فإنَّه ينقض لأجل التقويم المذكور تدبيره، ومن المدونة: إذا أعتق الملي شقصا له في عبد فليس لشريكه أن يعتق نصيبه إلى أجل، إما أعتق بتلا أو قوم على شريكه. أهـ. قاله المواق. وقال أيضًا ما نصّه: من المدونة: إن أعتق الملي شقصا له في عبد وأعتق الشريك حصته إلى أجل أو دبر أو كاتب رد إلى التقويم إلا أن يبتله. أهـ.
стр. 9247
قال مقيده عفا الله عنه: كلام المدونة هذا صريح أو كالصريح في أن له أن يبتله بعد أن دبر أو أعتق لأجل أو كاتب، ولا يعارضه قوله: ولا ينتقل بعد اختياره أحدهما كما هو ظاهر، ومعنى كلام المص أن الشريك الذي لم يعتق حصته يخير بين أن يعتق وبين أن يأخذ قيمة نصيبه كما عرفت، فإذا اختار أحد الأمرين فليس له أن ينتقل إلى غيره، فإذا اختار العتق فليس له الانتقال عنه وإذا اختار التقويم فليس له أن ينتقل إلى غيره. قال عبد الباقي: ولا ينتقل بعد اختياره أحدهما معينا لغيره ما لم يرض الآخر. أهـ. قوله: لغيره متعلق "بينتقل"، وقوله: ما لم يرض الآخر قال الرهوني: هو ظاهر إن كان اختار التقويم وإن كان اختار العتق، فإن كان قد وعد به فظاهر أيضًا على المشهور في الوعد من أنَّه لا يلزمه الوفاء به إن لم يقع توريط، وأما إن كان أوقع العتق بالفعل فلا يصح الرجوع للتقويم ولو رضي المعتق تأمل. أهـ.
وقال المواق من المدونة: إن أعتق نصيبه في يسره فقال شريكه أنا أقوم عليه نصيبي، ثمَّ قال بعد ذلك: أنا أعتق لم يكن له إلا التقويم. أهـ. وقوله: "ولا ينتقل بعد اختياره أحدهما" قال التتائي: وظاهره أنَّه لا فرق بين اختياره ذلك من قبل نفسه أو تخيير المعتق له أو الحاكم. أهـ. وقال الشبراخيتي: ومعنى كلامه أن الشريك الذي لم يعتق إذا خير بين العتق والتقويم على المعتق فاختار أحدهما فليس له الانتقال بعد ذلك إلى غير ما اختاره، وظاهره أنَّه لا فرق بين اختياره ذلك من قبل نفسه أو تخيير المعتق له أو الحاكم. أهـ.
وإذا حكم بمنعه لعسر مضى الضمير في منعه للتقويم؛ يعني أنَّه إذا حكم بمنع التقويم لأجل عسر الشريك المعتق فإن ذلك الحكم يمضي فلا يقوم عليه إن أيسر بعد ذلك، فقوله: "بمنعه" بالنون قال عبد الباقي: وإذا حكم أي حكم الحاكم أو الشرع وإن لم يكن حكم حاكم بمنعه بنون أي بمنع تقويم حصة الشريك على المعتق لعسر مضى الحكم، فلا يقوم بعد يسره، والنون هي التي في النسخة الصحيحة كما قال ابن غازي، وفي نسخة الشارح: ببيعه بياء موحدة قبل العين وهي صحيحة؛ أي إذا حكم الحاكم ببيع الشريك حصته لغير المعتق لعسره مضى ولا ينقض ليسره بعد الحكم، وإن لم يحصل بالفعل والحكم بجواز البيع مستلزم لمنع التقويم فهو بمثابة الحكم بمنع التقويم فلا فرق بين النسختين كما قاله أحمد. أهـ.
стр. 9248
قوله: أو الشرع وإن لم يحكم لخ فيه نظر، بل المراد هنا إنما هو حكم الحاكم كما يدلّ عليه ابن الحاجب والتوضيح، وأيضًا حكم الشرع دون حاكم هو قوله: بعده كقبله لخ، فيتوقف فيه المضي على الشرطين. أهـ من البناني. وقال الشبراخيتي: وإذا حكم ببيعه أي بجواز بيع حصة الشريك المعتق، وفي بعض النسخ بمنعه أي حكم بمنع تقويم حصة الشريك الذي لم يعتق على الشريك المعتق ومعناهما واحد، لأنه إذا حكم بمنع التقويم حكم بجواز البيع، وإذا حكم بجواز البيع حكم بمنع التقويم لعسره أي لعسر المعتق، سواء أعتق وهو معسر واستمر عسره إلى يوم الحكم أو هو موسر ثمَّ أعسر. أهـ. وقال المواق: ابن الحاجب: إذا حكم بسقوط التقويم لعسره فلا تقويم بعد، ولو لم يحكم فأيسر ففي إثباته روايتان. أهـ.
كقبله ثمَّ أيسر هذه ليس فيها حكم حاكم، والتي قبلها فيها حكم حاكم، والضمير في قبله يرجع للعتق يعني أنَّه إذا كان معسرا قبل عتقه لنصيبه، ومعنى ذلك أنَّه معسر حين العتق ثمَّ أيسر بعد ذلك ولم يحكم بمنع التقويم حاكم، فإنَّه يسقط عن المعتق تقويم نصيب الشريك الذي لم يعتق فلا يقوم عليه بل يبقى رقيقا للشريك الذي لم يعتق، فقوله: "ثم" أي بعد العتق أيسر الشريك المعتق، فيفيد أن اليسر إنما حصل بعد العتق فالتشبيه في قوله: "مضى"، وفاعل مضى هو الحكم بسقوط التقويم كما سقط في التي قبلها.
إن كان بين العسر يعني أنَّه إذا كان معسرا حين العتق ثمَّ أيسر بعد العتق والحال أنَّه لم يحكم حاكم بسقوط التقويم، فقد علمت أنَّه لا يقوم عليه نصيب شريكه، وذلك بشرطين أحدهما هذا وهو أن يكون المعتق بين العسر للناس والعبد والشريك الذي لم يعتق، والشرط الثاني أن يكون العبد حاضرا وقت عتق المعتق نصيبه كما أشار إليه بقوله: وحضر العبد فإن لم يكن بين العسر أو كان بين العسر ولكن لم يحضر العبد بل كان غائبا حين العتق فإنَّه يقوم على المعتق نصيب الشريك، قال عبد الباقي: إن كان بين العسر للناس والعبد والشريك الذي لم يعتق وحضر العبد وقت عتق المعتق لنصيبه، فإن لم يكن بين العسر قوم لاحتمال أن يكون هذا اليسر هو الذي كان حين العتق؛ لأنَّ الفرض أنَّه أيسر. أهـ. قال الشبراخيتي ما معناه: وإنما اشترط حضور العبد لأنه
стр. 9249
إذا كان غير حاضر حين العتق فمن حجته أن يقول لو كنت حاضرا لأظهرت ملاءه. أهـ كلام الشبراخيتي.
وقال عبد الباقي: وإنما اشترط حضور العبد لأنه إذا كان حاضرا حين العتق علم أن عدم التقويم إنما هو للعسر لا لتعذر التقويم؛ لأنَّ الحاضر لا يتعذر تقويمه بخلاف الغائب فيقوم بعد حضوره، فكأنه أعتقه الآن في حال يسره، ومثل الحاضر قريب الغيبة يجوز النقد فيها بالشرط. أهـ. قال البناني: وإنما تعذر تقويم الغائب لأنه لا بد من نقد قيمته والنقد في الغائب لا يجوز سواء علم موضعه أو صفته أو كان مفقودا، وهذا ما لم يكن قريب الغيبة مما يجوز في مثله اشتراط النقد فهو كالحاضر كما نقله الزرقاني، وكما في التوضيح. فانظره. أهـ. وقال المواق من المدونة: إن أعتق معسر شقصا له في عبد فلم يقوم عليه حظ شريكه حتى أيسر، فقال مالك: قديما يقوم عليه، ثمَّ قال: إن كان يوم أعتق يعلم الناس والعبد والمتمسك بالرق أنَّه إنما ترك القيام لأنه إن خوصم لم يقوم عليه لعدمه فلا يعتق عليه، وإن أيسر بعد ذلك وإن كان العبد غائبا فلم يقوم عليه حتى أيسر المعتق بنصيبه يقوم عليه بخلاف الحاضر. أهـ.
وأحكامه قبله كالقن يعني أن أحكام العبد المعتق بعضه الذي يدخله التقويم في الشهادة والميراث والحدود وغيرها قبله أي قبل التقويم كالقن أي كالعبد الذي لا شائبة حرية فيه فترد شهادته، وهو على النصف من الحر في حدّ الزنى والقذف والشرب والجناية عليه كالجناية على القن أي الخالص الرقية، بناء على أنَّه إنما يعتق بالحكم فإذا مات ورثه المتمسك بالرق دون المعتق ودون ورثته الأحرار؛ لأنه رق حتى يعتق جميعه. قاله الشبراخيتي، وقال عبد الباقي: والعبد المعتق بعضه وباقيه له أو لغيره أحكامه قبله أي قبل الحكم بعتق الباقي أو تكميله أو قبل تمام عتقه، وهذا أولى من عوده على التقويم لأنه قد يقوم ويمنع من التقويم مانع كالقن؛ أي كأحكام القن الذي لا عتق فيه أصلًا من شهادة وميراث وحد وغيرها لافتقار العتق والتكميل للحكم وهذا ما عدا العتق والوطء لأنثى فلا يجوز له وطؤها لأنها مبعضة وإذا مات يكون ماله لمالك البعض. أهـ.
قوله: وهذا ما عدا الوطء قد مر عنه أنَّه لا يجوز انتزاع ماله، قوله: وإذا مات يكون ماله لمالك البعض، قال البناني: أي ولا شيء للمعتق ولا لورثته كما في المدونة، قال ابن عرفة فيها: إن
стр. 9250
أعتق أحد شريكين وهو موسر فلم يقوم عليه حتى مات العبد عن مال فالمال للمتمسك بالرق دون المعتق؛ لأنه يحكم له بحكم الأرقاء حتى يعتق جميعه. أهـ. وبه تعلم ما وقع للمواق من الغلط في نقله، ونصه يعني المواق: ابن القاسم: إن مات العبد عن مال قبل التقويم أو قتل فقيمته وما ترك بينهما لأنَّ العتق لم يتم. أهـ. لأنَّ هذا الكلام وقع في المدونة في عتق أحدهما حصته إلى أجل فوضعه المواق في غير محله، ونص ما فيها: وإن أعتق أحد الشريكين حظه إلى أجل قوم عليه الآن ولم يعتق حتى للأجل. ابن القاسم: وإن مات العبد عن مال قبل التقويم أو قتل فقيمته وما ترك بينهما لأنَّ العتق لم يتم. أهـ.
وقوله: فلا يجوز له وطؤها لخ يعني وإذا وطئها لا يحد كما في المدونة في كتاب القذف، ونصها: وإذا أعتق أحد الشريكين في الأمة حصته وهو ملي ثمَّ وطئها المتمسك بالرق قبل التقويم لم يحد؛ لأنَّ حصته في ضمانه قبل التقويم، ثمَّ قال: وإن أعتق أحدهما جميعها وهو ملي فوطئها الآخر بعد علمه يحد إن لم يعذر بجهل. أهـ. انظر التوضيح. أهـ.
ولا يلزم استسعاء العبد يعني أن أحد الشريكين إذا أعتق جزءه من عبد بينه وبين شريكه ومنعه عسره من أن يقوم عليه الباقي، فإنَّه لا يلزم العبد أن يسعى بأن يعمل عملا ينال به ما يخلصه من الرقية، قال الشبراخيتي مفسرا للمص: أي أنَّه إذا أعتق شخص حصة له في عبد ولم تقوم عليه حصة شريكه لفقد شرط من شروط التقويم، فإنَّه لا يلزمه أن يسعى في قيمة بقيته ليدفعها لمالكها خلافا لأبي حنيفة، والسين ليست للطلب أي سعى العبد أي ليخلص نفسه من الرق، وقوله: ولا يلزم أي لا يلزم العبد السعي ولو طلبه سيده بذلك، وكذا لا يلزم العبد الدفع من ماله إلا برضاه لأنه مبعض والمبعض لا ينتزع ماله. أهـ. وقال عبد الباقي: وإذا أعتق شخص حصة له في عبد ولم تقوم عليه حصة شريكه الذي لم يعتق لفقد شرط من شروط التقويم المتقدمة، فإنَّه لا يلزمه استسعاء العبد أي لا يلزمه السعي أي لا يطلب منه أن يسعى في قيمة بقيته ليدفعها لسيده المتمسك بالرق ليخرج بسعيه حرا إن طلب سيده منه ذلك، خلافا لقول أبي حنيفة: يسعى. وكذا إن طلب العبد السعي لا يلزم سيده إجابته لذلك، لكن يندب للسيد إجابة العبد إلى ذلك إن طلبه، كما يندب للعبد إجابة السيد إلى ذلك حيث طلبه. قاله البساطي بحثا في هاتين الصورتين.
стр. 9251
والخبر الذي أخذ به أبو حنيفة زيادة السعاية فيه شاذة، وهو: (من أعتق شقصا له في عبد فخلاصه في ماله إن كان له مال وإن لم يكن له استسعي غير مشقوق عليه (١)) وتمسك مالك بخبر الموطإ عن ابن عمر وكذا في الصحيحين: (من أعتق شركا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل وأعطى شركاؤه حصصهم وأعتق عليه العبد وإلا فقد عتق منه ما عتق (٢)). أهـ. وأما المالك لجميع العبد إذا أعتق بعضه ولم يعتق باقيه عليه لكدين فلم يقل أبو حنيفة ولا غيره بسعايته، وإنما لم يلزم العبد السعاية في مسألة المص عند طلب السيد، ولزمه المال إن أيسر وتبعه به إن أعسر في قوله: أنت حر على أن عليك ألفا أو وعليك ألف لزم العتق والمال كما يأتي للمص؛ لأنه يعتق ناجزا ويلزمه المال أيسر أو أعسر، وهنا لا يعتق ناجزا قبل السعي. أهـ.
وقوله: "استسعاء" فاعل "يلزم" على كلا الوجهين المتقدمين عن عبد الباقي، والمفعول على الأوّل العبد وعلى الثاني السيد.
ولا قبول مال الغير يعني أنَّه لا يلزم المعتق المعسر قبول مال الغير ليقوم فيه حصة الشريك الذي لم يعتق، وكذا لا يلزم الشريك الذي لم يعتق قبول مال الغير في قيمة حصته، كما أنَّه لا يلزم العبد قبول مال الغير فيدفعه في قيمة بقيته. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي نحوه.
ولا تخليد القيمة في ذمة المعسر برضى الشريك يعني أنَّه لا يلزم الشريك المعتق حصته من العبد إذا كان معسرا تخليد القيمة في ذمته في حال رضى شريكه باتباع ذمته بقيمة نصيبه إلى أجل معلوم؛ لأنَّ من شرط وجوب التقويم أن يكون المعتق موسرا والجارُّ والمجرور في قوله "برضى الشريك" حَالٌ من "تخليد" أي حال كون التخليد برضى الشريك إلى أجل معلوم، وأما إذا لم يسموه فلا يتوهم لأنه بيع إلى أجل مجهول. قاله الخرشي. ولا يلزم الشريك المعتق حصته تخليد القيمة لنصيب الذي لم يعتق إلى أجل معلوم في ذمة المعسر المعتق حال كون التخليد برضى الشريك لخ، وقال التتائي: ولا يلزم تخليد القيمة في ذمة المعتق المعسر برضى الشريك حتى
стр. 9252
يحصل له اليسار على الأصح عند ابن الحاجب. أهـ. وقوله: حتى يحصل له اليسار هو الذي رده غير واحد، وقالوا: إن الأجل معلوم. والله أعلم.
ومن أعتق حصته لأجل قوم عليه ليعتق جميعه عنده يعني أن الشريك إذا أعتق حصته لأجل كشهر مثلا فإنَّه يقوم عليه الآن ويدفع قيمة الحصة الآن للشريك الذي لم يعتق، ولا يعجل عتق الحصة الآن بل ينتظر بها الأجل الذي أعتق إليه المعتق نصيبه فيعتق جميعه حينئذ، قال عبد الباقي: ومن أعتق حصته لأجل قوم عليه الآن ويدفع قيمة حصة شريكه الآن ليعتق جميعه عنده أي الأجل لأنَّ المقصود تساوي الحصتين، فلا يعجل عتق نصيب المعتق الآن لأنه خلاف الواقع، ولا نصيب شريكه لأنه تابع وظاهره كظاهر المدونة ولو بعد الأجل. وقال أصبغ عن ابن القاسم وأشهب: إن بعد الأجل. أخر التقويم إلى انتهائه. قاله التتائي. وانظر هل هو وفاق فيقيد به ظاهر المص والمدونة أم لا. أهـ. ونحوه لغير واحد، وقوله: "لأجل" قال الشبراخيتي: قوله لأجل يدخل فيه الكتابة.
إلا أن يبت الثاني فنصيب الأوّل على حاله يعني أن محلّ تقويم حصة الثاني في مسألة ما إذا أعتق الأوّل نصيبه لأجل إنما هو حيث لم يبت الثاني عتق نصيبه، وأما إن بت الثاني عتق نصيبه بأن أعتقه ناجزا فإنَّه لا تقويم حينئذ، ويبقى نصيب الأوّل على حاله أي معتقا إلى أجله، كما أنَّه لا تقويم إن أعتق الثاني حصتة لأجل قبل الأجل الأوّل أو لمثله، بل يبقى نصيب الأوّل على حاله أيضًا ويكون نصيب الثاني معتقًا إلى ذلك الأجل، وأما لو أعتق الثاني نصيبه لأجل أبعد من أجل الأوّل فيبطل تأجيله خلافا لأحمد. أهـ. قال البناني: بل الظاهر أنَّه يبطل تأجيله ويقوم على الأوّل الآن. أهـ. يعني فيما إذا كان أجل الثاني أبعد من الأوّل. والله أعلم. وقال المواق سمع عيسى ابن القاسم: من أعتق حظه من عبد إلى سنة وأعتق الآخر بتلا رجع ابن القاسم، فقال: أحسن ما فيه أن يكون على حاله. ابن رشد: هو المنصوص عليه في المدونة. أهـ. وعلم مما قررت أن معنى قوله: "فنصيب الأوّل على حاله" باق على تأجيله ولا يقوم على الثاني ليبتله. والله تعالى أعلم.
стр. 9253
وإن دبر حصته تقاوياه يعني أن أحد الشريكين إذا دبر حصته وهو موسر فإنهما يتقاويانه أي الشريك المدبر والشريك الذي لم يدبر، وفسر مطرف المقاواة بأن يقوم قيمة عدل، ثمَّ يقال للمتمسك بالرق: أتسلمه بهذه القيمة أم تزيد؟ فإن زاد قيل لمن دبر: أتسلمه بهذه القيمة أم تزيد؟ وهكذا حتى يقف على حدّ ليرق كله أو يدبر يعني أنهما يتقاويانه ليكون كله رقيقا أو يكون كله مدبرا، فإذا وقف على الشريك الذي لم يدبر فإنَّه يكون كله رقيقا، ويجوز لمن دبر حصته أن يأخذ ثمنها فيفعل به ما شاء، وإذا وقف على من دبره فإنَّه يكون كله مدبرا. ومعنى وقوفه على أحدهما أن يبذل فيه ما لم يبذله الآخر، فالباذل أكثر هو الذي وقف عليه. وقولي: وهو موسر تحرزٌ عما لو كان الذي دبر معسرا ففيه حينئذ أربعة أقوال، والمناسب قول ابن الماجشون وسحنون وصدر به الشارح، وهو: إن شاء الشريك أمضى له صنعهُ وإن شاء رد تدبيره. وقوله: "تقاوياه" في المدونة: كانت المقاواة عند مالك ضعيفة لأنَّ فيها نقض التدبير إذا وقف على تدبير، ولكنها شيء جرى في كتبه. اللخمي: وفيه جنوح لمن أجاز بيع المدبر. أهـ.
تنبيهات: الأوّل: قال البناني عند قوله "تقاوياه" ما نصّه: مأخوذ من القوة. ابن عبد السلام: كأنه أظهر كل واحد قوته وما درج عليه المص من المقاواة، قال في التوضيح: هو المشهور. قال: وروي أنَّه يقوم على المدبر فيكون مدبرا كله تنزيلا للتدبير منزلة العتق. أهـ. قال مصطفى: وانظره مع قول المدونة في كتاب العتق الأوّل: إن دبره بإذن شريك جاز وبغير إذنه قوم عليه نصيب شريكه ولزمه تدبير جميعه ولا يتقاويانه، وكانت المقاواة عند مالك ضعيفة ولكنه شيء جرى في كتبه. أهـ. والمص جرى على قول الأخوين في تحتم المقاواة. ابن عرفة: الصقلي في كتاب المدبر: لابن حبيب عن الأخوين: من دبر حصته بإذن شريكه أو بغير إذنه ليس لشريكه الرضى بذلك والتمسك بحظه، ولا بد من المقاواة وأخذ بها ابن حبيب، وكذا روى محمَّد عن أشهب عن مالك. أهـ. قلت: في كتاب المدبر من المدونة: وإن كان العبد بين ثلاثة فدبر أحدهم حظه ثمَّ أعتق آخر وتماسك الآخر بالرق، فإن كان المعتق مليا قوم عليه حظ شريكه وعتق عليه جميعه، وإن كان معسرا فللمتمسك مقاواة الذي دبر إلا أن يكون العتق قبل التدبير والمعتق عديما فلا يلزم الذي دبر
стр. 9254
مقاواة المتمسك؛ إذ لو أعتق بعد عتق المعدم لم يقوم عليه وإن كان مليا. أهـ. وبه تعلم أن كلا من التقويم والمقاواة في المدونة. أهـ.
الثاني: قال عبد الباقي: وكلام المص مقيد بما إذا دبر بغير إذن شريكه وإلا جاز ولا تقويم ولا مقاواة. أهـ. قال البناني: فيه نظر لما علمت من أن القول الذي درج عليه المص هو قول الأخوين، وهما صرحا فيه كما تقدم بأنّه لا بد من المقاواة دبر بغير إذن شريكه أو بأذنه، وإنما ذكر هذا القيد في المدونة كما تقدم في النص الأوّل والمص لم يجر عليه. أهـ.
الثالث: فهم من قول المص: "حصته" أنَّه مشترك وأما لو كان يملك جميعه ودبر بعضه فإنَّه يسري التدبير في باقيه، ويجري مثل ذلك في المعتق لأجل فإذا أعتق بعض عبده لأجل سرى العتق في باقيه.
الرابع: لو دبر كل من الشريكين حصته فإنهما يتقاويان فيه ليكون مدبرا لأحدهما. قاله الشبراخيتي. وما ذكره المص هنا هو قول الأخوين كما عرفت، وقد صرح في التوضيح بأنّه المشهور، وروي عن مالك أنَّه يقوم على المدبر فيكون مدبرا كله تنزيلا للتدبير منزلة العتق، وقد مر هذا القول أيضًا، وروى مطرف وابن الماجشون: إن شاء الشريك قوم أو قاوى، وروى أنَّه بالخيار في هذين وفي ترك الجزء مدبرا. فتلك أربعة أقوال. انظر التتائي. وهذه الأقوال الأربعة فيما إذا كان المدبر موسرا، فإن كان معسرا ففيه أيضًا أربعة أقوال قد مر المناسب منها، وهو قول ابن الماجشون وسحنون. والله تعالى اعلم.
وإن ادعى المعتق عيبه فله استحلافه يعني أن الشريك الذي أعتق حصته إذا ادعى أن العبد الذي أعتق حصته منه معيب ولم يصدقه الشريك الذي لم يعتق نصيبه فإن للشريك المعتق أن يحلفه أنَّه لا يعلم به عيبا، وقررت المص على حسب ظاهره فإن ظاهره أن للمعتق تحليف الشريك الذي لم يعتق، سواء ادعى المعتق علمه بالعيب أم لا، وهو ظاهر ابن عرفة، وقرره عبد الباقي بأنّه ادعى عليه أنَّه يعلم بالعيب، فإنَّه قال: وإن ادعى المعتق لحصته عيبه أي العبد المعتق عيبا خفيا كسرقة وإباق لتقل قيمته ولا بينة له على ذلك، وقال: شريكي يعلم ذلك ولم يصدقة فله - أي للمعتق - استحلافه أنَّه لا يعلم ذلك لأنها دعوى بمال، فإن نكل حلف الآخر أنَّه معيب بما
стр. 9255
عينه فيه ويقوم معيبا، ولا يخالف المص هنا قوله: والقول للبائع في نفي؛ لأنه بائع وما هنا شريك. أهـ.
قوله: وقال شريكي يعلم ذلك ولم يصدقه لخ، قال البناني: هكذا فرض المسألة في التوضيح وتبعه الشارح، وكذا هي في الجواهر ولم يفرضها ابن عرفة كذلك، بل ظاهره كظاهر المص سواء ادعى علم شريكه بالعيب أم لا، ونصه: الباجي: لو ادعى المعتق عيبا بالعبد وأنكره شريكه ففي وجوب حلفه قولان: الأوّل هو ثاني قولي ابن القاسم مع أصبغ وابن حبيب، والثاني هو أول قوليه. اهـ. وبه شرح المواق. انظر مصطفى. أهـ.
قول البناني: هكذا فرض المسألة في التوضيح لخ، هكذا هي مفروضة في العتبية أيضًا، ففي أول رسم العتق من سماع القرينين من كتاب العتق ما نصّه: وسئل عمن أعتق شركا له في عبد، فلما أرادوا أن يقوموا عليه قال إنه سارق آبق وشريكي يعلم ذلك فاستحلفوه؟ قال: ليس ذلك على شريكه، ولكن يسئل شريكه عما ذكر، فإن أقر له بذلك فذلك وإن أنكر لم يكن عليه يمين ويقوم على المعتق صحيحا سالما. قال القاضي: مثل هذا حكى ابن حبيب عن ابن القاسم أنَّه يقوم صحيحا سالما لا عيب فيه، ولا يحلف بدعواه إلا أن يقيم شاهدًا، قال أصبغ: ثمَّ رجع فقال: بل يحلف، وبه أقول إنه يحلف. قال القاضي: ولا وجه لإسقاط اليمين عنه إذا حقق عليه الدعوى إلا أنَّه لم يجعل شركتهما في العبد شبهة وخلطة تجب بها اليمين، وقد رأيت عن محمَّد بن يحيى بن عمر بن لبابة أنَّه روى عن عيسى بن دينار عن ابن القاسم أنها خلطة وعليه اليمين، قال: وقال محمَّد بن عبد الحكم: عليه اليمين، وأي خلطة أبين من هذا؟ وأما إذا لم يحقق عليه الدعوى فينبغي أن يجرى الخلاف في لحوق اليمين في ذلك. انظر الرهوني. وقال التتائي: وإن ادعى المعتق لحصته عيبه أي عيب العبد المعتق عيبا خفيا كالسرقة والإباق لتقل قيمته ولا بينة له على ذلك، وقال: شريكي يعلم ذلك ولم يصدقه فله - أي للمعتق استحلافه - واختاره أصبغ وابن حبيب قال المص: وهو الظاهر لأنه دعوى بمال، ورجع إليه ابن القاسم بعد أن كان يقول: لا يمين. أهـ.
стр. 9256
وإن أذن السيد وأجاز عتق عبده جزءًا قوم في مال السيد يعني أن السيد إذا أذن لعبده في عتق جزء من عبد مشترك بين العبد وشخص فأعتقه أو أعتقه العبد بغير إذن السيد فأجاز السيد عتقه لذلك الجزء، فإنَّه يكون السيد هو المباشر لعتق ذلك الجزء فيقوم في مال السيد ويدفع الشريك القيمة للشريك ويعتق عليه على السيد، قال الشبراخيتي: وإن أذن السيد لعبده في عتق جزء من عبد مشترك بينه وبين غيره أو لم يأذن له لكن أجاز السيد عتق عبده يتنازعه أذن، وأجاز لكن أذن يطلبه على أنَّه غير متعد له بنفسه جزءًا قوم نصيب الشريك في مال السيد الأعلى لأنه المعتق حقيقة لأنَّ الولاء له، فإن كان عند السيد ما يوفي بقيمة الجزء فواضح.
وإن احتيج لبيع المعتق بيع يعني أنَّه إذا احتيج لبيع العبد المعتق لتوفَّى به القيمة للشريك الذي لم يعتق، فإنَّه يباع ليأخذ الشريك ماله لأنَّ العبد الأعلى مال من أموال السيد، وقوله: "وإن احتيج لبيع المعتق" يقتضي أنَّه لا يباع إلا إذا احتيج لبيعه بأن لم يوجد غيره للسيد، مع أن العبد من جملة أموال السيد، فلا فرق بينه وبين غيره فله بيعه سواء احتيج لبيعه أم لا. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وإن احتيج لبيع المعتق بكسر التاء لعدم ما يوفي به القيمة عند سيده بيع ليكمل منه الجزء الباقي، فلو قال السيد: قوموه في مال العبد فإنَّه لا يجاب إلى ذلك. قاله ابن القاسم. ولا مفهوم لاحتيج لأنَّ العبد المعتق من جملة أموال السيد، فلا فرق بينه وبين غيره. أهـ. قوله: فلو قال السيد قوموه لخ هكذا في التوضيح عن ابن القاسم وسحنون، وهو مشكل لأنه يقال لم لا يكون قول السيد هذا انتزاعا لمال عبده إلا أن يكون مراده العبد الذي لا ينتزع ماله، وهو بعيد إذ العبد الذي لا ينتزع ماله لا يباع فلا يكون فيه التقويم إلا أن يكون مبعضا، وقال بعض: لعل معناه أن السيد قال قوموه فيما بيد العبد فقط، فإن حمله عتق وإلا فلا يتعدى لمالي، وبهذا يظهر عدم إجابته لذلك، وأما إن قال قوموه في مال العبد وكان ماله يفي بالقيمة أو كان لا يفي وكمل السيد فعدم إجابته لذلك مشكل. أهـ. وهو ظاهر. أهـ. قاله البناني.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: قول ابن القاسم وسحنون: لو قال السيد قوموه في مال العبد فإنَّه لا يجاب إلى ذلك، معناه عندي - والله اعلم - بحيث يكون المعتق هو العبد والولاء له. والله تعالى أعلم. وقوله: "بيع" كذا هي في نسخة عبد الباقي، وفي كثير من النسخ بإسقاط بيع
стр. 9257
فيكون جواب الشرط محذوفا أي بيع أو تكون إن للمبالغة؛ أي يقوم في مال السيد وإن أدى ذلك إلى بيع المعتق وقولي: وإن احتيج لبيع المعتق بيع، قال غير واحد: وهذه المسألة كثيرًا ما تقع في المعاياة، فيقال: في أي موضع يباع السيد في قيمة عبده، ونظمها بعضهم فقال:
يحق لجفن العين إرسال دمعه … على سيد قد بيع في عتق عبده
وما ذنبه حتى يباع ويشترى … وقد بلغ المملوك غاية قصده
ويملكه بالبيع إن شاء فاعلمن … كذا حكموا والعقل قاض برده
فهذا دليل أنَّه غير مدرك … بحسن ولا قبح فقف عند حده
وإن أعتق أول ولد لم يعتق الثاني ولو مات يعني أن الشخص إذا قال لأمته: أول ولد تلدينه - يعني من غيري حر - فإنَّه يعتق أول ولد ولدته ولا يعتق الثاني، ولو ولدت الأوّل من التوأمين ميتا، ورد المص بلو قول ابن شهاب الزهري: إنها إن ولدت أول التوأمين ميتا يعتق الثاني، وابن شهاب الزهري المذكور من أشياخ مالك وخلافه خارج المذهب، وإنما أشار لِرده بلو لأنه مذكور في المدونة والقاعدة أن لا يذكر في المدونة إلا ماله أصل في المذهب، وقد قال ابن حبيب: ارتضاه غير واحد من أشياخ المذهب. أهـ. قاله البناني.
وقال عبد الباقي: وإن أعتق شخص أول ولد تلده أمته من غيره، فولدت ولدا ثمَّ آخر عقبه لم يعتق الثاني، ولو مات الأوّل فضمير مات عائد على الأوّل، فإن خرجا معا عتقا لوصف كل بالأولية كما إذا لم يعلم الأوّل منهما دفعا للترجيح بلا مرجح. أهـ. ونحوه للخرشي، فإنَّه قال: فلو خرجا متساويين عتقا معا، ولو شككنا في أولهما خروجا عتقا معا أيضًا. أهـ. وقال الشبراخيتي: وإن أعتق شخص أول ولد تلده أمته فولدت ولدين في بطن غلامين أو جاريتين أو غلاما وجارية عتق أولهما خروجا حيا أو ميتا ولم يعتق الثاني ولو مات الأوّل في حال الخروج من بطن الأم، ومقابل لو قول ابن شهاب بعتقه كما في المدونة، فإن خرجا معا عتقا كما إذا لم
стр. 9258
يعلم الأوّل منهما، ولو قال إن ولدت غلاما فهو حر فولدت اثنين فإنَّه يعتق الأوّل إن كان ذكرا حيا وإلا فالثاني أو ما بعده إن كان ذكرا حيا وعند الشك يعتقان. أهـ.
وقال التتائي عند قوله: "وإن أعتق أول ولد لم يعتق الثاني ولو مات" ما نصّه: وأما لو كانا حيين ولم يعلم الأوّل: فقال مالك: يعتقان معا للشك وشهادة النساء في ذلك جائزة، وأشعر قوله: "أول ولد" إنه لو أعتق أول بطن تضعه لعتق ما تضعه واحدا أو أكثر. ابن شعبان: ولا ينوى. اللخمي: يريد أنَّه لا ينوى أنَّه أراد واحدا، وأرى أن ينوى إن قال أردت أول ولد فيكون الثاني رقيقا لأنَّ الغالب ولادة واحد ولا يعتق عليه اثنان. أهـ. الشارح: ولو قال: إن ولدت غلاما فهو حر فولدت اثنين عتق الأوّل وإن ولد ميتا عتق الحي، وإن عاشا فأشكل الأوّل عتقا وشهادة النساء في ذلك جائزة. أهـ. وقال المواق من المدونة: إن قال لأمته ما تلدينه حر فولدت ولدين في بطن واحد عتق أولهما خروجا، فإن خرج الأوّل ميتا فلا عتق للثاني. أهـ.
وإن أعتق جنينا أو دبره فحر يعني أنَّه إذا أعتق جنينا في بطن أمته أو دبره فهو حر في الأولى ومدبر في الثانية، وإن لأكثر الحمل يعني أنَّه إذا قال لها: ما في بطنك حر أو مدبر فولدت، فإن ذلك الولد يكون حرا في قوله ما في بطنك حر، ويكون مدبرا في قوله: ما في بطنك مدبر حيث وضعته لدون أقصى أمد الحمل بل وإن وضعته لأكثر أمد الحمل، وهل هو أربع أو خمس؟ فيه الخلاف المار، وفهم من هذا أنها لو أتت به لأكثر من أمد الحمل كست سنين مثلا لم يعتق على ما مر.
إلا لزوج مرسل عليها يعني أن ما تقدم من أنَّه يعتق ما وضعته لأكثر أمد الحمل فدون إنما هو فيما إذا لم يكن لها زوج مرسل عليها أو سيد مرسل عليها فيعتق ما أتت به وإن لأكثر الحمل من يوم انقطاع الوطء عنها، وأما لو كان لها زوج مرسل عليها أو سيد مرسل عليها فإنما يعتق ما وضعته لأقله أي أقل أمد الحمل بإخراج الغاية أي فيعتق ما ولدته لأقل من أقل أمد الحمل من يوم قال لها ذلك، فالمعتبر في المسألة الأولى أعني ما قبل الاستثناء في المدة المذكورة وقت انقطاع الوطء عنها، وفيما بعد الاستثناء قوله لها ذلك. والله أعلم.
стр. 9259
والحاصل أن الصور أربع لأنها إما أن يكون لها زوج مرسل عليها أو سيد مرسل عليها أولًا، وفي كل إما أن تكون ظاهرة الحمل أم لا، فإن كانت ظاهرته مطلقا أو خفيته وليس لها زوج أو سيد مرسل عليها بأن مات أو كان غائبا فإنَّه يلزمه العتق والتدبير فيما تلده ولو لأقصى أمد الحمل، وأما إن كانت خفية الحمل ولها زوج أو سيد مرسل عليها فلا يلزمه العتق إلا فيما تلده لأقل أقله، وهذه الصورة هي التي استثناها المص. قاله البناني.
قال: وبه تعلم أن الاستثناء متصل لا منقطع خلافا لما في الزرقاني والخرشي، وأن ما قبل إلا لا يقيد بظاهرة الحمل خلافا لما فيهما أن ما بعدها يجب أن يقيد بخفية الحمل. والله أعلم. وقوله: "إلا لزوج مرسل عليها" أي حاضر متمكن منها، وقوله: لأقلها أي فلا يعتق ولا يدبر إلا ما وضعته لأقل من أقله، فأقل الحمل ستة أشهر وما في حكمها كنقص الخمسة الأيام إذا نقصها المذكور تعطى معه حكم الكاملة وهي إذا أتت به لستة وما في حكمها لا يكون حرا ولا مدبرا، لاحتمال أن لا يكون حال قوله المذكور موجودا وإنما يتحقق وجوده حال قوله المذكور إذا أتت به لأقل من الستة وما في حكمها، كما إذا أتت به لأقل من ستة أشهر بستة أيام، ولذا لو مات رجل وولدت أمه بعد موته من غير أبيه ولدا فهو أخوه لأمه، فإن وضعته لستة أشهر من موته لم يرثه وإن كان لأقل ورثه لتحقق وجوده حال حياة أخيه في هذه دون الأولى. قاله عبد الباقي قال: ولا مفهوم لزوج إذ مثله سيد مرسل عليها. أهـ. وقوله: فحر إما أن يكون المعطوف محذوفا (١) أي فحر في الأولى ومدبر في الثانية، أو يكون استعمل الحر في حقيقته ومجازه. انظر الشبراخيتي.
وبيعت وإن سبق العتق دينا وَرَقّ صورتها أن السيد أعتق ما في بطن أمته في صحته وعليه دين استحدثه قبل العتق أو بعده، ولهذا قال: وإن سبق العتق دينا برفع العتق على الفاعلية ونصب دينا على المفعولية وفعلهما مقرون بواو النكاية، ثمَّ قام الغرماء عليه، فإن كان قيامهم عليه قبل الوضع وقد استحدث الدين قبل العتق فإنها تباع للغرماء قولا واحدا، وإن كان استحدثه بعد العتق فإنها تباع للغرماء على المشهور، وفي الحالتين يباع ولدها معها إذ لا يجوز استثناؤه، وإن
стр. 9260
قاموا بعد الوضع فإن كان الدين سابقا على العتق فإنها تباع أيضًا هي وولدها إن لم تف بحقهم، وإن كان العتق هو السابق فإنها تباع وحدها والولد حر يعتق من رأس المال، سواء ولدته في مرض السيد أو بعد موته ولكن لا يفارقها.
وقوله: "ورق" جواب عن سؤال مقدر؛ أي كيف يقال إن الأم تباع مع أن جنينها قد تحرر؟ فأجاب بقوله: "ورق" أي وإذا بيعت الأمة رق الولد حيث كان لا يتناوله البيع، قال البناني: تحصيل المسألة أن الغرماء إما أن يقوموا قبل الوضع أو بعده، فإن قاموا قبل الوضع بيعت بجنينها إذا لم يكن له مال غيرها مطلقا، سواء سبق الدين العتق أو تأخر عنه والجنين رقيق في الحالتين، وإن قاموا بعد الوضع فإن كان العتق سابقا على الدين بيعت الأم وحدها وولدها حر سواء، وفي ثمنها بالدين أم لا لكن لا يفارقها وإن سبق الدين على العتق بيع الولد في الدين معها إن لم يوف ثمنها بالدين هذا الذي في المدونة. أهـ.
وحاصل هذا باختصار أنها حيث بيعت قبل الوضع رق الولد مطلقا وبعده يرق إن لم يوف ثمنها بالدين في سبق الدين للعتق، وفي سبق العتق هو حر ولا يفارقها. وقوله: "وإن سبق العتق دينا" هذه نسخة المواق وهي الصواب، وفي بعض النسخ بإسقاط الواو وترك الألف في دين، ومعناها يظهر باعتبار أن لفظ دين منصوب، ووقف عليه على لغة ربيعة ورفع العتق على الفاعلية ومن باب أولى لو سبق الدين العتق. والله تعالى أعلم. وقوله: "ورق" أي ورق جنين الأمة الذي أعتقه أو دبره حيث بيعت في الدين قبل الوضع مطلقا أو بعده، ولم يوف ثمنها بالدين فيما إذا سبق الدين العتق لا إن سبق العتق الدين فهو حر من رأس المال.
ولا يستثنى لبيع أو عتق قال الخرشي: يعني أن الجنين لا يجوز استثناؤه في بيع كهذه المسألة ولا في عتق، كما إذا أعتق حاملًا فإن جنينها يكون حرا معها، وهذا بخلاف الوصية كما يأتي في بابها في قوله: "والحمل في الجارية إن لم يستثنه والصدقة والهبة كالوصية" أهـ. وقال عبد الباقي: ولا يستثنى لبيع أو عتق أي لا يصح بيع حامل في دين أو غيره ويستثنى جنينها، ولا أن يعتقها ويستثني جنينها كما إذا أعتق حاملًا فإن جنينها يكون حرا معها، وهذا بخلاف الوصية كما يأتي في بابها، والصدقة والهبة كالوصية فإذا أوصى أو تصدق بها على شخص أو
стр. 9261
وهبها له فيصح استثناء جنينها، فإن أعتقها المعطى بفتح الطاء فحرة حامل بعبد في الصور الثلاث كما تقدم. أهـ.
تنبيه: إذا وقع هذا الذي لا يجوز بأن باع الأمة الحامل واستثنى جنينها فقد مر أنَّه بيع فاسد ويرد فإن وضعت أو فات بحوالة سوق فأعلى فعلى المشتري القيمة يوم القبض على أنها حامل، وأما إذا وقع العتق للحامل مع استثناء جنينها فالذي يفيده ما هو كالصريح من كلامهم أو ما هو صريح أنهما يعتقان معا. والله أعلم.
ولم يجز اشتراء ولي من يعتق على ولد صغير بماله يعني أنَّه لا يجوز للولي أبا كان أو وصيا أو غيرهما أن يشتري بمال الصغير في حجره من يعتق على الصغير ومثل الصغير السفيه في ولايته لأنَّ ذلك إتلاف لمال المحجور، فإن وقع الشراء المذكور فقيل لا ينعقد وقيل ينعقد. الرهوني: وظاهر كلام عياض في التنبيهات أن الخلاف في الانعقاد وعدمه محله إذا اشتراه مع علمه، وكلامه يدلّ أيضًا على أن المختار عنده الانعقاد، وبه تعلم ما في كلام الزرقاني. فتأمله. والله أعلم. أهـ.
يعني قوله عند قول المص: "ولم يجز اشتراء" لخ فإن وقع لم يتم البيع سواء علم الوليّ أنَّه يعتق على محجوره أم لا. أهـ. وقضية كلام الرهوني أن محلّ الخلاف في الانعقاد وعدمه إنما هو مع علم الوليّ بأنّه يعتق عليه، وأما إن لم يعلم بذلك فإنَّه ينعقد الشراء المذكور وليس هو من محلّ الخلاف.
قال مقيده عفا الله عنه: الذي يظهر أن معنى الانعقاد هنا اللزوم، فإن فرعنا على القول بعدم الانعقاد فالأمر ظاهر؛ لأنَّ البيع قد رد وإن فرعنا على انعقاد البيع، فقال البناني: قال عياض: مذهبه في الكتاب أن ذلك لا يجوز ابتداء، واختلف إذا وقع فأشار بعضهم إلى أن مذهب مالك وابن القاسم أنهم يعتقون على الابن إذا لم يعلم الأب أو علم وجهل لزوم العتق ولا يعتقون على الابن إذا كان الأب عالما، وأنه يختلف في عتقه هنا على الأب أو يبقى رقيقا، وأجرى الأب مجرى الوكيل وإلى هذا نحا اللخمي، وذهب غيره من القرويين إلى أن الأب بخلاف الوكيل وأنه سواء كان عالما أو غير عالم أنَّه لا يعتق على الأب، ولا على الابن لأنه لو أعتق عبد ابنه عنه لم
стр. 9262
يعتق، وإلى هذا أشار ابن يونس وعبد الحق. نقله مصطفى. أهـ. وفي الشبراخيتي: ولو قال: على محجوره، لكان أشمل.
ولا عبد لم يؤذن له من يعتق على سيده يعني أن العبد غير المأذون له لا يجوز له أن يشتري من يعتق على سيده إذا ملكه؛ لأنَّ ذلك إتلاف لمال السيد، فإن وقع لم يعتق عليه ولا على سيده إلا أن يُجيز البيع ومفهوم قوله: "لم يؤذن له" أنَّه إذا كان مأذونا له واشترى من يعتق على سيده أنه كالوكيل عنه، فتارة يكون الإذن في اشترائه بعينه وهذا يعتق على سيده، وتارة يكون الإذن له في التجارة، فإن اشتراه غير عالم بعتقه على سيده ولا دين على المأذون محيط بماله عتق على سيده وإلا فلا، وتارة يكون مأذونا له في شراء عبد من غير تعيين، وينبغي أن يفصل فيه كما في الذي قبله، وأما المكاتب فلا يعتق من اشتراه ممن يعتق على سيده ولا يعتق على السيد إلا أن يعجز المكاتب، كما يأتي في الكتابة أنَّه ليس له انتزاع ماله بخلاف المأذون. قاله الخرشي.
وقال عبد الباقي: ولا عبد لم يؤذن له في التجارة من يعتق على سيده لو ملكه؛ لأنَّ ذلك إتلاف لمال السيد، فإن اشتراه لم يعتق عليه ولا على سيده، سواء علم بقرابته لسيده وبعتقه أم لا، كان على العبد دين أم لا، إلا أن يجيزه فيعتق على السيد. ومفهوم: "لم يؤذن له" أن شراء المأذون له من يعتق على سيده جائز ويعتق على السيد إن عين له شراءه من غير تفصيل، وكذا يعتق على السيد إن لم يعينه له واشتراه غير عالم بعتقه على سيده ولا دين على المأذون يحيط بماله، وإلا لم يعتق على سيده لتعلق حق الغرماء بما دفع من المال في ثمنه، فإن اشتراه عالما لم يعتق أيضًا على السيد، كان على العبد دين مستغرق أم لا كما هو ظاهر ما في العتق الأوّل من المدونة، وظاهر أبي الحسن أن عليه المعول دون ظاهر ما في العتق الثاني منها من عتقه على السيد وإن اقتصر عليه ابن المواز، ثمَّ إنه على ما لأبي الحسن لا يعتق على المأذون أيضًا على ما يتبادر منه، وأما إن أذن له في شراء عبد من غير تعيين فينبغي أن يفصل فيه كما في الذي قبله. أهـ.
والذي قبله هو الذي أذن له في عموم التجارة وهذا في شراء عبد غير معين بخصوصه، وما قبل المأذون له في التجارة في خصوص شراء عبد معين، فالأقسام أربعة اشتمل عليها كلام المص منطوقا ومفهوما. والله تعالى أعلم. وقول عبد الباقي: وإن اقتصر عليه ابن المواز، قال الرهوني: ما اقتصر
стр. 9263
عليه ابن المواز عزاه لمالك واستحسنه أصبغ كما في التنبيهات، ونصها: وقوله في العبد المأذون إذا اشترى من يعتق على سيده أنَّه يعتق عليه، قال ابن القاسم: وذلك إذا اشتراهم وهو لا يعلم ثبت هذا في الكتاب الأوّل من المدونة وبينه هنا، وأطلق في الثاني عتقه وحمله سحنون أن معنى ذلك اشتراه بإذن السيد، وقد اختلف في مراعاة علمه. وفي كتاب الرهون في بعض الروايات: يعتقون علم أو لم يعلم، وفي الوكالات والقراض: مراعاة العلم من غيره، واستحسن أصبغ قول ابن القاسم: إنهم يعتقون علم أو لم يعلم. أهـ. وما عزاه لبعض روايات كتاب الرهون خلاف ما نقله ابن يونس، ونصه: وإن اشتراهم له وهو يعلم بهم لم يجز ذلك على السيد؛ إذ ليس له أن يتلف مال سيده. انتهى.
تنبيه: قال الشارح: وليس في كلام المؤلف دلالة على العتق وعدمه. البساطي: قلت لا معنى لقولهم يجوز شراء أو لا يجوز؛ إلا أنَّه يرد ويلزمه ويعتق. انتهى.
وإن دفع عبد مالًا لمن يشتريه يعني أنَّه إذا دفع عبد مالًا لشخص أجنبي أي ليس مالك له يشتريه به من سيده، فإن ذلك على ثلاثة أقسام: إما أن يقول اشتر لنفسك أو اشترني لتعتقني أو اشترني لنفسي، فإن قال: اشترني لنفسك وفعل فالبيع لازم، وذكر ما يفرع عليه بقوله: فلا شيء عليه أي على المشتري أي لا يغرم ثمنا ثانيا للبائع إن استثنى المشتري أي اشترط ماله أي مال العبد، وفسرت استثنى باشترط؛ لأنَّ الاستثناء الحقيقي إنما يكون للبائع لأنَّ له ملكا سابقا وهذا مريد شراء، وإلا أي وإن لم يستثن المشتري ماله غرمه أي الثمن أي غرم المشتري للبائع ثمن العبد ثانية، لأنه لما لم يستثن مال العبد فقد اشترى بمال السيد؛ لأنَّ العبد لا يتبعه ماله في البيع بخلاف العتق قال أبو الحسن: وهذا إذا كان الثمن عينا، وأما إن كان الثمن عرضا فلسيد العبد أن يرجع في عين عبده إن كان قائما، فإن فات فعلى المشتري قيمته. أهـ. وبيانه أن المشتري اشترى سلعة بسلعة فاستحقت السلعة التي دفعها للسيد، فله أن يرجع في عين عبده إن كان قائما وبقيمته إن فات، وتكون هذه من أفراد قوله فيما مر: "وفي عرض بعرض بما خرج من يده أو قيمته". أهـ.
стр. 9264
قال الشيخ عبد الباقي وغير واحد قوله: كلتعتقني هو القسم الثاني؛ يعني أنَّه إذا قال العبد الذي دفع مالًا لمن يشتريه: اشترني لتعتقني فإن الحكم فيها ما ذكر أي فلا شيء عليه إن استثنى ماله: وإلا غرمه وبيع فيه يعني إنه إذا لزم المشتري غرم الثمن مرة ثانية للبائع، وذلك إذا لم يشترط ماله فإن العبد يباع في إمضاء الثمن الذي أخذ به العبد في المسألتين؛ لأنه للبائع سيد العبد ولا بد من البيع إذا لم يكن عند المشتري إلا العبد، قال عبد الباقي: وإذا لزم المشتري غرمه - يعني الثمن - ولم يوجد معه بيع العبد فيه أي في الثمن، فإن تساوى الثمنان فواضح، وإن وفي بعضه بقي الباقي ملكا للمأمور بالشراء، وإن بقي من الثمن شيء بعد بيع جميعه كان في ذمته يعني في ذمة المشتري.
وقال الشبراخيتي: وبيع العبد فيه أي في الثمن الذي اشتراه به حيث قال له: اشترني لنفسك، أو قال: لتعتقني، وأعتقه فإنَّه يباع فيه. أهـ. وهو ظاهر لأنه أعتقه وهو مدين، وقوله: "كلتعتقني" هذه النسخة أثبتها المواق وعليها شرح الخرشي، فإنَّه قال ما نصّه التشبيه تام والمعنى أن العبد إذا دفع مالا لآخر ليشتريه من سيده ويعتقه ففعل فالبيع لازم، فإن كان المشتري استثنى مال العبد فإنَّه يعتق ولا يغرم الثمن ثانية للبائع، وإن لم يستثنه فإنَّه يغرم الثمن ثانية للبائع. اهـ. وفي الشبراخيتي أنَّه إن لم يعتقه فهو رق.
ولا رجوع له على العبد يعني أنَّه إذا غرم الثمن للسيد فإنَّه لا رجوع له أي للمشتري على العبد الذي أعتق بما غرمه للسيد مرة ثانية، فهو راجع لقوله: "كلتعتقني" وكذا قوله: والولاء له يعني أن العبد إذا دفع مالًا لمن يشتريه به ليعتقه؛ بأن قال: اشترني لتعتقني، فإنَّه إذا اشتراه وأعتقه فإن الولاء له أي ولاء العبد المعتق لمن اشتراه وأعتقه.
تنبيه: قد مر أنَّه إذا تساوى الثمنان فالأمر واضح، وإن نقض الثاني اتبع البائع ببقية الثمن الأوّل المشتري، وإن زاد الثمن الثاني ملكه المشتري، وهذا في مسألة اشترني لنفسك. وأما في مسألة اشترني لتعتقني فكذلك إلا فيما إذا زاد العبد فإنَّه يعتق من العبد ما زاد. قاله عبد الباقي. فإن كان الثمن الأوّل عشرة وثلثا العبد يباعان بعشرة فإنَّه يعتق منه ما زاد على العشرة وهو الثلث. والله تعالى أعلم.
стр. 9265
وأشار للقسم الثالث بقوله: وإن قال: لنفسي، فحر يعني أنَّه إذا دفع عبد مالًا لمن يشتريه، وقال. العبد للمدفوع له: اشترني لنفسي وفعل، فالعبد حر بمجرد الشراء لملكه لنفسه بعقد صحيح، وولاؤه - أي ولاء هذا العبد الذي قال اشترني لنفسي - لبائعه لا لمشتريه؛ لأنه اشتراه لغيره وغيره هو العبد والعبد لا يستقر ملكه على نفسه، فلذا كان الولاء للبائع إن استثنى ماله شرط في قوله: "فحر" يعني أن محلّ كونه حرا في مسألة اشترني لنفسي إنما هو حيث استثنى المشتري ماله أي مال العبد عند الشراء، وإلا يستثنى ماله، رق العبد أي بقي على رقه لبائعه لأنَّ المال ماله، فإن قيل هذه وكالة من العبد وتوكيله باطل فيبطل الشراء من أصله، فالجواب أن توكيل العبد ليس باطلا مطلقا بل هو صحيح فيما تصح مباشرته له كما هنا، وذلك أن العبد يجوز أن يشتري نفسه من سيده فيجوز توكيله على ذلك. والله تعالى أعلم. قاله البناني. وفي التتائي ما نصّه: وقد ظهر لك أن المص أحسن سياق هذه المسألة وأجاد، فلعل من قال لم يحسن سياقها لم يثبت في نسخته كلتعتقني. أهـ. يعني لما تقدم من أن قوله: "ولا رجوع له على العبد والولاء له" خاص بقوله: "لتعتقني".
وإن أعتق عبيدا في مرضه يعني أن الشخص إذا أعتق عبيده في مرضه أي بتلهم والحال أنهم لم يحملهم الثلث سماهم، كأعتقوا فلانا وفلانا وفلانا، أو لم يسمهم كأعتقت عبيدي فإنَّه يقرع بينهم كالقرعة المتقدمة في باب القسمة. أو أوصى بعتقهم يعني أنَّه إذا أوصى بعتق عبيدٍ سماهم كفلان وفلان وفلان مثلا، أو لم يسمهم كما إذا أوصى بعتقهم ولم يحملهم الثلث فإنَّه يقرع بينهم كالقرعة المتقدمة في باب القسمة.
وأشار "بلو" في قوله: ولو سماهم لرد قول من يقول: إنه إذا سماهم ولم يحملهم الثلث فإنَّه يعتق من كل واحد بقدر محمل الثلث دون قرعة، وعلم مما قررت أن قوله: "ولو سماهم" راجع للمسألتين، وهما ما إذا بتل عتق عبيده أو أوصى بعتقهم، وكذا قوله: ولم يحملهم الثلث كما قررت، وأما لو حملهم الثلث فإنهم يعتقون من دون قرعة كما هو ظاهر، وقضية كلام غير واحد أنَّه في الصورتين أعتق جميع عبيده أو أوصى بعتقهم.
стр. 9266
قال الخرشي عقب قوله: كالقسمة ما نصّه: هذه الجملة على أربع مسائل: الأولى إذا بتل عتق عبيده في مرضه ولم يحملهم الثلث، الثانية: إذا أوصى بعتقهم ولم يحملهم الثلث. أهـ المراد منه. وقال المواق: قال أبو عمر: لم يختلف قول مالك فيمن أوصى بعتق عبيده ولا مال له غيرهم أنَّه يقرع بينهم، فيعتق ثلثهم بالسهم ولم يختلف أكثرهم أن هذا حكم من أعتق عبيده في مرضه بتلا ولا مال له غيرهم، إلا أشهب وأصبغ قالا: إنما القرعة في الوصية. أهـ. وما ذكره المواق من قوله في المسألتين ولا مال له غيرهم بيان للوجه المعتق عليه والذي عليه الأكثر. وقال المغيرة: إنما القرعة فيمن أعتق عبيده عند موته ولا مال له غيرهم وهو خلاف المشهور، والمشهور أنَّه يسهم ولو كان له مال غيرهم إذا لم يحملهم الثلث، كما أشار المص إلى ذلك بقوله: "ولم يحملهم الثلث" فإنَّه يقتضي أنَّه لا فرق في ذلك بين أن يكون له مال غيرهم أم لا.
أو أوصى بعتق ثلثهم يعني أنَّه إذا أوصى بعتق ثلث عبيده ولم يعين من يعتق أو بتل عتق ثلث عبيده في مرضه كما في المدونة: فإنَّه يقرع بينهم كالقرعة المتقدمة في باب القسمة. أو بعدَدٍ سماه من أكثر يعني أنَّه إذا أوصى بعتق عدد سماه من عبيده كأعتقوا عشرة وهم ثلاثون مثلا، فإنَّه يقرع بينهم كالقرعة المتقدمة في باب القسمة.
وعلم مما قررت أن قوله: أقرع كالقسمة جواب الشرط، فهو راجع للمسائل الأربع، وصفة القرعة فيما عدا المسألة الأخيرة أن يقوم كل واحد منهم ويكتب اسمه في ورقة مفردة وتخلط الأوراق بحيث لا تتميز واحدة من البقية ثمَّ تخرج واحدة ويفتح، فمن وجد اسمه فيها عتق بأن ينظر إلى قيمته، فإن كانت قدر ثلث الميت فواضح وإن زادت عتق منه بقدر ثلثه وإن نقصت أخرجت أخرى وعمل فيها كما عمل في الأولى وهكذا. وصفة القرعة في المسألة الأخيرة مختلفة فإن عين العدد الذي سماه من أكثر باسمه المعين وحمله الثلث فواضح، وإن لم يحمله سلك فيه ما تقدم وإن لم يعين اسمه وإنما سمى العدد فقط فإنَّه ينسب عدد من سماه إلى عدد جميع رقيقه، وبتلك النسبة يجزءون حيث أمكن تجزئتهم فإن أعتق عشرة من رقيقه وهم أربعون فتنسب العشرة للأربعين، وبتلك النسبة تقع التجزئة فتجعل كل عشرة منهم جزءًا على حدته من غير نظر لقيمة كل جزء، ويكتب في ورقة حر وفي ثلاث ورقات رقيق، ثمَّ تخلط الأوراق وترمى كل ورقة منها
стр. 9267
على جزء، فمن وقعت عليه ورقة الحرية من الأجزاء عتق كله إن حمله الثلث، فإن لم يحمله الثلث عتق منه بقدر محمل الثلث بالطريق المتقدمة، فيكتب اسم كل واحد من العشرة في ورقة وتخلط الأوراق ثمَّ تخرج ورقة ورقة على نحو ما تقدم، وإن كان عدد رقيقه خمسة وثلاثين وقد أعتق عشرة منهم فيجزءون سبعة أجزاء لأنَّ نسبة العشرة من الخمسة والثلاثين سبعان، ويكتب في ورقتين حر وفي خمسة أوراق رقيق وترمى الأوراق على الأجزاء، فإن حمل الثلث الجزءين الذين وقعت عليهما ورقتا الحرية فواضح، وإن لم يحملهما الثلث فإنَّه يعتق منهما محمل الثلث بالطريق المتقدمة.
وقولي: إن أمكن تجزئتهم فإن لم تمكن تجزئتهم علمت قيمة كل واحد وكتبت أسماؤهم في أوراق ثمَّ تخرج ورقة بعد أخرى على نحو ما تقدم. انظر ابن عرفة. ونصه: وفيها إن انقسم العبيد على الجزء الذي يعتق منهم جزأتهم وأسهمت بينهم وعتق ما أخرجه السهم، وإن لم ينقسموا على الأجزاء علمت قيمة كل واحد في بطاقته وأسهمت بينهم. انتهى. انظر حاشية الشيخ البناني.
تنبيهات: الأوّل: علم مما قررت أن قوله: "وإن أعتق عبيدا في مرضه أو أوصى بعتقهم" هو في المسألتين أنَّه بتل عتق جميعهم في مرضه أو أوصى بعتقهم بعد موته، سواء كانت صيغة ذلك أعتقت عبيدي أو أوصيت بعتقهم أو أعتقت جميع عبيدي أو أوصيت بعتق جميعهم أو غير ذلك من الصيغ مما يدلّ على استغراق عبيده، ومثل ذلك ما إذا قال في مرضه أعتقت عشرة من أكثر، ويجري فيه قوله: "ولو سماهم ففيه الخلاف كما في التوضيح، كما يجري ذلك في قوله: "أو بعدد سماه" لخ.
الثاني: قوله: "أو أعتق عبيدا في مرضه أو أوصى بعتقهم" لخ الأصل في ذلك ما في مسلم عن عمران بن حصين (أن رجلًا أعتق ستة أعبد عند موته ولم يكن له مال غيرهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال له قولًا شديدا ثمَّ دعاهم فجزأهم ثلاثة أجزاء فأقرع بينهم فأعتق اثنين وأرقّ أربعة (١))، وفي رواية: (أوصى بعتقهم (٢)) والقول الشديد، قال عبد الحق: هو والله أعلم ما
стр. 9268
ذكره النسائي من حديث عمران بن حصين (أنَّه ﵊ قال في هذه القضية: (لقد هممت أن لا أصلي عليه (١))، قال: ويحتمل أن يريد به ما رواه أبو داود أنَّه ﵊، قال: (لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين (٢))، ويحتمل أن يريد مجموع الأمرين. انظر التوضيح. قاله البناني.
الثالث: قول المص: "في مرضه" احترز به عما إذا بتل عتق عبيده في صحته، فإنهم يعتقون إلا لمانع من إحاطة دين ونحوها، وقد مر عند قول المص: "أو أوصى بعتق ثلثهم" أن مثل ذلك ما إذا بتل عتق ثلثهم في مرضه كما في المدونة، وأما إن بتل عتق ثلثهم في صحته فله الخيار في التعيين ولا قرعة، كما إذا أعتق عددا من أكثر في صحته فإن لم يعين حتى مات انتقل الخيار لورثته كما كان له وقيل يعتق ثلثهم بالقرعة. انظر التوضيح. نقله البناني.
الرابع. قد مر قول المص: "لو سماهم" وأنه راجع للمسألتين قبله، قال ابن الحاجب: ولو نص على أسمائهم فكذلك، وقال سحنون: يعتقون بالحصص، قال في التوضيح: أي لو قال في مرضه: فلان وفلان أحرار أو أوصى بعتقهم فكذلك أي يسهم بينهم، ورأى سحنون أن التسمية قرينة في إرادة العتق من كل واحد بالحصص كما لو قال ثلث كل رأس. أهـ. وفهم من هذا أنَّه لو سماهم فلا فرق بين أن يسمي جميع عبيده وأن يسمي بعضا كما مر في الحل عند قوله: "أقرع كالقسمة". والله تعالى أعلم.
الخامس: قال في التوضيح: ما ذكره يعني ابن الحاجب من جريان القرعة في الوجوه الأربعة يعني هذه التي الكلام فيها هنا نص عليه ابن القاسم في الموازية، وقال أشهب وأصبغ وأبو زيد والحارث: إنما السهم في الوصية، وأما في المبتلين في المرض فيعتق كل واحد بغير سهم، قال في الاستذكار: وهو خلاف السنة، وقال المغيرة: إنما القرعة فيمن أعتق عبيده عند موته ولا مال له غيرهم للحديث، وروى عن ابن نافع أنَّه لا يسهم في الرقيق في العتق إذا كان للمالك شيء من
стр. 9269
المال إلا أولئك الرقيق فقط. ونقله ابن مزين عن مطرف ومطرف عن مالك وابن المواز عن ابن القاسم والمشهور خلافه وأنه يسهم، ولو كان له مال غيرهم إذا لم يحملهم الثلث. واتفقت هذه الأقوال على أنَّه لا يدخل السهم في عتق الصحة.
وحكى اللخمي في الوجه الرابع - أعني إذا أوصى بعدد سماه وعبيده أكثر - خمسة أقوال، فقال: إن قال في صحته: عشرة من عبيدي أحرار وهم خمسون هو بالخيار في عتق عشرة أيهم شاء، واختلف إذا أوصى بذلك في مرضه على خمسة أقوال: الأوّل لمالك في المدونة: يعتق خمسهم بالسهم خرج ذلك خمسة أو خمسة عشرة، الثاني لمالك أيضًا في المدونة والواضحة: إن خرج في الخمسين أكثر من عشرة أعتقوا وإن خرج أقل ضرب بالسهم على الباقي حتى يستكمل عشرة ما لم يجاوز ثلث الميت، الثالث لأشهب في كتاب محمَّد، قال: واسع أن يعتق منهم بالسهم أو بالحصص، الرابع للمغيرة: يعتق جميعهم بالحصص إذا كان العتق من الميت وإن أوصى ورثته أن يعتقوا كانوا بالخيار يعتقوا من شاءوا، الخامس: يأتي على قول محمَّد في الواضحة؛ لأنه قال فيمن قال رأس من رقيقي حر وهم ثلاثة يعتق ثلثهم بالسهم، ثمَّ رجع وقال: ما هذا الذي أراد الميت وإنما أراد أن يعتق واحد فأرى أن يسهم بينهم، فإن خرج واحد وهو أدنى من ثلث قيمتهم عتق كله إذا حمله الثلث. مطرف: وبه أقول، فعلى هذا إذا قال عشرة وهم خمسون أعتق منهم تلك التسمية، وسواء كانت قيمتهم أقل من الخمس أو أكثر إذا حملهم الثلث. أهـ.
السادس: قد مر أنَّه إذا أوصى بعدد سماه من أكثر يجزءون إن أمكن تجزئتهم، ومثل ذلك ما إذا بتل عتقهم في مرضه وأما في صحته فله الخيار في تعيين من يعتق، فإن مات ولم يبين فالخيار لورثته، وقيل إن لم يبين حتى مات فعلى ما مر من التجزئة.
السابع: قال التتائي: هذه الصور يعني الصور الأربعة في كلام المص في معنى الصورة الواردة في الحديث، وعرف ابن عرفة القرعة فقال: القرعة هنا لقب لتعيين مبهم في العتق له بخروج اسمه له من مختلط به بإخراج يمتنع فيه قصد عينه. أهـ.
إلا أن يرتب يعني أن محلّ القرعة فيما تقدم إنما هو حيث فعل ذلك في مرة وأما إن رتب عتقهم فلا قرعة، بل يتبع المعتق في ترتيبه أو يتبع ترتيبه، والترتيب إما بالأداة كأعتقوا فلانا ثمَّ فلانا
стр. 9270
وهكذا، أو بالزمان كأعتقوا فلانا يوم الخميس وفلانا يوم الجمعة وهكذا، أو بالوصف كأعتقوا الأعلم فالأعلم أو الأصلح فالأصلح، وهكذا فيعتق الأوّل جميعه إن حمله الثلث أو قدر محمل الثلث منه إن لم يحمل الثلث جميعه، ثمَّ إذا زاد الثلث فإنَّه يعتق من الثاني إما جميعه إن حمله الثلث أو ما حمله الثلث منه وهكذا.
تنبيهان: الأوّل: ما قررت به المص من أن الاستثناء راجع للمسائل الأربع هو ظاهر كلام غير واحد، وقال البناني: قال ابن عاشر ما نصّه: الظاهر أنَّه راجع إلى الصورة الأولى والثانية.
الثاني: قال عبد الباقي هنا ما نصّه: فإن رتب فلا قرعة، والترتيب إما بالزمان ثمَّ قال أو بأداة الشرط، كأعتقوا فلانا إن أدى كذا وفلانا إن أدى كذا. أهـ. قال البناني: فيه نظر؛ لأنَّ أداة الشرط لا ترتب بل الظاهر بعد أداء كل أن ينظر، إما حملهم الثلث أو ضربت القرعة. أهـ.
أو يقول ثلث كل عطف على المستثنى؛ يعني أنَّه إذا قال في وصيته أعتقوا ثلث كل واحد من عبيدي فإنَّه لا قرعة بل يعتق من كل واحد ثلثه. أو أنصافهم يعني أنَّه إذا قال في وصيته أعتقوا أنصاف عبيدي فإنَّه يعتق من كل واحد منهم نصفه. أو أثلاثهم يعني أنَّه إذا قال في وصيته أعتقوا أثلاث عبيدي فإنَّه يعتق من كل واحد منهم ثلثه كالمسألة الأولى، قال المواق من المدونة: من قال عند موته: أثلاث رقيقي أو أنصافهم أحرار أو ثلث كل واحد أو نصف كل رأس عتق من كل واحد منهم ما ذكر إن حمل ذلك ثلثه ولا يبدأ بعضهم على بعض، قال ابن القاسم: وإن لم يحمل ذلك ثلثه عتق ما حمله ثلثه مما سمى بالحصص من كل واحد بغير سهم، يريد ولو وسعهم الثلث عتق جميعهم إلا أن يكون وصية. ابن يونس: ويفترق في هذا الصحة من المرض أو الوصية، فإن قال: ذلك صحيح، عتق عليه ثلث كل رأس واستتم عليه ما بقي من كل رأس، وإن قاله مريض فمات عتق ما سمى واستتم عليه ما بقي من ثلثه، وإن قاله في وصية عتق من كل واحد منهم ثلثه فقط؛ لأنه أوقعه في حال صار ماله لوارثه، كما لو أعتق شقصا حينئذ. أهـ.
وقال التتائي عند قوله: "أو ثلث كل" ما نصّه: يحتمل ثلث كل واحد منهم أو كلهم. أهـ. وقال عبد الباقي: وما تقدم صيغته عبيدي أوصيت بعتق ثلثهم. أهـ. قوله: "أو أنصافهم أو أثلاثهم" بعد قوله: "أو ثلث كل" إنما هو واحد في المعنى فلا فرق بين الثلث والربع والنصف، فأتى به
стр. 9271
إشارة إلى تعدد الصيغ، أو يقال أتى به ليفيد أنَّه لا فرق بين أن يضيف الجزء إلى مفرد وبين أن يضيف الأجزاء إلى جمع فلا تكرار، ولو أضاف الجزء للجمع فالقرعة كما مر. والله تعالى أعلم. ومحل عتق ما ذكر من الأجزاء في المسائل الثلاث حيث حمل الثلث ذلك فإن لم يحمل الثلث ذلك، فإنَّه يعتق من كل محمل الثلث وإن كان أقل مما سمى الموصي كما إذا كان الثلث يحمل عشر قيمهم فإنَّه يعتق من كل عشرهُ.
مسألة: قال الحطاب: قال أبو الحسن في أول كتاب الوصايا: قال عبد الحق: لو قال: أثلاث رقيقي لفلان فإن لفلان ثلثهم بالقرعة، بخلاف ما لو قال: ثلث رقيقي أحرار لأنه في الوصية يكون شريكا في كل واحد، ومن له شريك في رقيق جمع نصيبه في شيء بعينه عند التقاسم، فليس كالعتق الذي لا بد أن يكون في جميعهم؛ إذ لا يستبد به بعضهم دون بعض والوصية لهم واحدة، وقال في المدونة: ومن قال عند موته ثلث رقيقي أو أنصافهم أحرار أو ثلث كل رأس أو نصف كل رأس أعتق من كل واحد منهم ما ذكر إن حمل ذلك ثلثه، ولا يبدأ بعضهم على بعض. أهـ.
وتبع سيده بدين إن لم يستثن ماله يعني أن السيد إذا أعتق عبده وللعبد دين على السيد، فإن العبد لا يتبعه بذلك الدين بمعنى أنَّه يلزمه غرمه له وهذا إن لم يستثن السيد مال العبد حين العتق، فإن استثنى ماله فإن العبد لا يتبعه بذلك الدين لدخول الدين في جملة مال العبد الذي استثناه السيد، قال عبد الباقي: ومن أعتق عبدا أو أعتق عليه وللعبد دين على سيده تبع العبد سيده بدين له عليه إن لم يستثن السيد ماله، لما مر من أنَّه يتبعه جميع ماله في العتق دون البيع، فإن استثناه كاشهدوا أني قد انتزعت هذا الدين الذي لعبدي أو على أن ماله لي بقي لسيده وسقط الدين. أهـ.
وقال المواق من المدونة: من أعتق عبده وللعبد على السيد دين، فله أن يرجع به على سيده إلا أن يستثنه السيد أو يستثني ماله مجملا فيكون ذلك له؛ لأنَّ العبد إذا عَتَق تبعه ماله. أهـ. وقال الشبراخيتي: ومن أعتق عبده أو أعتق عليه وللعبد دين على سيده تبع العبد سيده بدين له عليه إن لم يستثن السيد ماله؛ لأنَّ المال يتبعه في العتق ما لم يستثنه السيد. أهـ. ونحوه للتتائي.
стр. 9272
قال مقيده عفا الله عنه: صريح كلام التتائي ومن تبعه ممن ذكرته أو ما هو كالصريح أن له أن يستثني ماله إذا أعتق عليه. فتأمله. والله تعالى أعلم.
ورق إن شهد شاهد برقه يعني أنَّه إذا ادعى شخص على شخص الحرية وادعى شخص أنَّه ملكه وشهد له بالملك شاهد واحد، فإنَّه يحلف من شهد له الشاهد ويكون رقا له. قال عبد الباقي: وإن ادعى شخص على آخر أنَّه عبده وادعى أنَّه حر أو عتيق لغير رق إن شهد للمدعي شاهد واحد برقه وحلف المدعي أنَّه عبده لأنه مال يثبت بشاهد ويمين. أهـ. وقال المواق من المدونة: من ادعى على رجل أنَّه عبده لم يحلفه وإن جاء بشاهد حلف معه واسترقه. أهـ. ونحو هذا لغير واحد، وقال الشبراخيتي: ورق إن ادعى شخص أنَّه رقيقه إن شهد للمدعي شاهد واحد برقه أي رق من ادعى الحرية وحلف من شهد له الشاهد، فإن نكل حلف العبد فإن نكل رق، ومفهوم قوله: "إن شهد شاهد" أنَّه إذا لم يشهد الشاهد وإنما كان منه في ذلك مجرد الدعوى فإنَّه لا تتوجه يمين على العبد. قاله ابن القاسم. وهذه تخصص مفهوم قاعدة: كل دعوى لا تثبت إلا بعدلين. لخ. أهـ.
أو تقدم دين صادق بصورتين: إحداهما أن يكون الدين ثابتا فيشهد شاهد واحد بتقدمه على العتق فيحلف معه الغريم ويرق العبد، الثانية أن يشهد شاهد بدين لزيد على عمرو فحلف زيد عليه فوجد عمرو قد أعتق عبدا بعد استحداث هذا الدين، فإنَّه يرق العبد. وعلم مما قررت أن قوله: "وحلف راجع للصورتين، والفاعل في الأولى هو السيد، وفي الثانية الغريم. فإن نكل في الأولى حلف العبد وبقي حرا، فإن نكل العبد رق كما مر وهذا حيث لم يكن أعتقه آخر، وإلا فاليمين على المعتق عند نكول مدعي الرق، فإن نكل المعتق رد العتق كما في ابن مرزوق، وظاهره أنَّه لا يحلف العبد وإن نكل في الثانية يعني في مسألة ما إذا أعتقه شخص آخر، قال عبد الباقي: وإن نكل في الثانية وهو من قام له شاهد بتقدم الدين جرى فيه ما تقدم.
واستؤني بالمال إن شهد بالولاء واحد يعني أنَّه إذا ادعى شخص إرث آخر بالولاء أو النسب وشهد له بالولاء أو بالنسب شاهد واحد على البت، فإن مقيم الشاهد يحلف على ما قام له به
стр. 9273
شاهده من النسب أو الولاء، ويستأنى بدفع المال فإن لم يأت من يستحقه قضي له بدفعه إليه بعد ذلك الاستيناء.
أو اثنان أنهما لم يزالا يسمعان أنَّه مولاه أو وارثه يعني إنه إذا ادعى شخص على آخر أنَّه وارثه بالولاء أو بالنسب وقام له شاهدان بالسماع يشهدان أنهما لم يزالا يسمعان أنَّه مولاه أي أعتقه مثلا أو وارثه بالنسب، فإنَّه يحلف على ذلك ويستأنى بدفع المال ليلًا يأتي من يستحقه، فإذا لم يأت أحد بعد مضي مدة الاستيناء دفع له.
وعلم مما قررت أن قوله: وحلف راجع للمسألتين، قوله: "واستؤني بالمال" قال البناني: هذا قول ابن القاسم، وقال أشهب: لا يدفع إليه بالشاهد الواحد. التوضيح: وهما مبنيان على القاعدة المختلف فيها بينهما وهي الشهادة على ما ليس بمال إذا أدى إليه كما لو أقامت بعد الموت شاهدا واحدا على الزوجية. أهـ.
وقال المواق من المدونة: إن شهد شاهد واحد أن هذا الميت مولى فلان أعتقه استؤني بالمال، فإن لم يستحقه غيره قضي له مع يمينه ولا يجر بذلك الولاء، ومن المدونة إن شهد شاهدان أنهما سمعا أن هذا الميت مولى فلان لا يعلمون له وارثا غيره استؤني بالمال، فإن لم يستحقه غيره قضي له به مع يمينه ولا يجر بذلك الولاء، وقال أشهب: يكون له ولاؤه بشهادة السماع. ابن رشد: ويتخرج فيها قول ثالث أنَّه لا يثبت بها نسب ولا يستحق بها مال؛ لأنه لا يستحق إلا بعد ثبوت النسب أو الولاء. أهـ. وقوله: "أو وارثه" بنسب أو زوجية. وقال البناني في بعض النسخ بعد قوله: "وحلف": ولا يجر بذلك الولاء وحينئذ يكون قد صرح هنا بعدم ثبوت الولاء، كما صرح به في باب الولاء. وما ذكره المص هنا وفي باب الولاء من عدم ثبوت الولاء والنسب بشهادة السماع هو تابع فيه للمدونة، وحملها ابن رشد على ظاهرها وأنه مذهبها، وقيدها بعض القرويين بما إذا كانت الشهادة بغير بلد الميت، قال: لاحتمال أن يستفيض ذلك عن رجل واحد، وأما في البلد فيبعد استفاضة ذلك عن رجل واحد فيقضى بذلك في المال والولاء، وهذا موافق لما في كتاب محمد والمشهور. أهـ. نقله مصطفى.
стр. 9274
وأشار بما في كتاب محمَّد لقول ابن المواز: أكثر قول مالك وابن القاسم وأشهب أنَّه يقضى بالسماع في الولاء والنسب. أهـ. وقال عبد الباقي: وصرح في الولاء بعدم ثبوت النسب والولاء، ولم يصرح به هنا لكنه مستفاد من كلامه وكلاهما مخالف لما قدمه في باب الشهادات من ثبوت العتق بشهادة السماع، وما يثبت به العتق يثبت به الولاء وعكسه، ولما في الشارح هناك تبعًا للتوضيح من أن المشهور ثبوت النسب والولاء بشهادة السماع وهو المعتمد وأجيب بحمل ما هنا، وما في الولاء على ما إذا قالت بينة السماع سمعنا ممن شهد له بالولاء أو النسب فقد نسبت لمعين، وما تقدم فيما إذا كان السماع فاشيا وبأن ما هنا وما في الولاء فيما إذا كان السماع ببلد غير بلد المشهود عليه لاحتمال الاستفاضة عن واحد، وما تقدم فيما إذا كان السماع ببلده لبعد الاستفاضة عن واحد، وكذا جمع الشارح وهو الصواب في هذا الثاني. أهـ.
قوله: وأجيب بحمل ما هنا، إلى قوله: فقد نسبت لمعين لخ فيه نظر إذ على هذا الجواب تخرج عن شهادة السماع إلى شهادة النقل وتحتاج إلى شروطها وذلك خلاف موضوع المسألة، وليس هذا الجواب. هكذا في التوضيح. ونصه: أو يقال: قوله في الشهادات المشهور جريها في النسب، معناه إذا كان السماع فاشيا وليس هو هنا كذلك لأنه إنما هو على المولى وابن العم. أهـ. ولفظ ابن الحاجب في باب الولاء لو شهد شاهدان أنهما لم يزالا يسمعان أن فلانا يقول إن فلانا ابن عمه أو مولاه كانا كشاهد (١) واحد. أهـ. وقال في التوضيح: ولا خلاف في ثبوت الولاء بالشاهدين وكذلك أيضًا يثبت بالإقرار، ففي المدونة: ومن أقر أن فلانا أعتقه وفلان يصدقه فإنَّه يستحق بذلك ولاءه، وإن كذبه قومه إلا أن تقوم بينة بخلاف ذلك فيؤخذ بها، وكذلك إن أقر بذلك عند الموت فإنَّه يصدق، واختلف إذا قال فلان، أعتقني فكذبه فلان، فقال ابن القاسم: لا يثبت له الولاء إلا أن تقوم بينة. اللخمي: وهو المعروف، وقال أصبغ في الواضحة: يكون مولاه وإن أنكره، ونقل سحنون إجماع العلماء على أن الإقرار بالولاء ثابت، وقال أبو أيوب: لا يثبت الولاء بالإقرار إلا عند البصريين، وذكر ابن رشد أن في المذهب ما يدلّ على خلاف ذلك. أهـ.
стр. 9275
وإن شهد أحد الورثة أو أقر أن أباه أعتق عبدا لم يجز يعني أنَّه إذا شهد أحد الورثة عند الحاكم أو أقر عند غيره أو شهد وهو عدل أو أقر وهو غير عدل أن أباه أعتق عبدا معينا من عبيده في صحته أو مرضه والثلث يحمله وأنكر غيره من الورثة، فإن شهادة الشاهد أو إقرار المقر لم يجز أي يلغى شهادته وإقراره، ولأجل إلغاء ذلك الإقرار أو الشهادة لم يقوم العبد المشهود بعتقه أو المقر به عليه أي على الشاهد، أو المقر في المسألتين، وحصته من العبد تكون رقا له لأنه ليس هو المعتق حتى يقوم عليه، وإنما هو مقر على غيره ولا يمين على العبد مع شهادة هذا المقر، ولا يعتق من العبد شيء كما في المدونة، فإن ملكه الشاهد بعد ذلك أو قسمت العبيد فناب ذلك الشاهد أو المقر عتق عليه، كما يفيده قوله في الاستحقاق: كشاهد وردت شهادته. أهـ. قاله عبد الباقي.
قوله: كما يفيده قوله في الاستحقاق لخ بل جميع ما ذكره هو في نص المدونة. قاله البناني. وقال عند قوله: "لم يجز ولم يقوم عليه" ما نصّه: قال في المدونة: وجميع العبد رقيق، ويستحب للمقر أن يبيع حصته من العبد فيجعل ثمنه في رقبة يعتقها ويكون ولاؤها لأبيه ولا يجبر على ذلك، وما لم يبلغ رقبة أعان به في رقبة، فإن لم يجد ففي آخر نجم مكاتب. أهـ. قوله: بل جميع ما ذكره هو في نص المدونة، قال الرهوني: نص المدونة: فإن وقع العبد الذي أقر الوارث أن أباه أعتقه في سهمه عتق كله بالقضاء، كما لو اشترى عبدا ردت شهادته في عتقه أو ورثه عتق عليه. أهـ منها بلفظها على اختصار أبي سعيد. ونحوه لابن يونس عن المدونة، ونحوه لابن أبي زمنين في (١) المنتخب.
تنبيه: ظاهر كلام المدونة أنَّه إنما يعتق عليه إذا ملك جميعه وهو أحد قولين منصوصين خارجها، ففي ابن يونس إثر نقله كلام المدونة ما نصّه: قال ابن المواز: ولو لم يملكه كله ولكن ملك مُصابُه وكل وارث مصابه فليتورع عن خدمته في يومه. وروى أصبغ عن ابن القاسم نحوه، وفي العتبية وكتاب ابن حبيب لا تجوز شهادة أحد الورثة أن الميت أعتق هذا، ولا يعتق منه
стр. 9276
شيء إلا أنَّه إن ملكه يوما ما أو ملك منه شيئًا عتق عليه ما ملك منه ولم يجز له ملكه. قاله مالك. ثمَّ قال بعد كلام ما نصّه: محمَّد بن يونس: ظاهر العتبية أنَّه إذا قاسم الورثة فوقع له بعض ذلك العبد أنَّه يعتق عليه ما ملك منه؛ لأنه مقر أنَّه حر فلا يجوز له استخدامه وهو قول حسن وهو خلاف المدونة وكتاب محمَّد، ولا يعتق عليه حصته منه قبل القسم؛ إذ قد لا يصير له منه في المقاسمة شيء؛ لأنَّ له أخذ عوضه وذلك جائز له. أهـ منه بلفظه. أهـ. نقله الرهوني.
وإن شهد على شريكه بعتق نصيبه فنصيب الشاهد حر يعني أن الشريك في عبد إذا شهد على أن شريكه أعتق نصيبه من العبد والشريك يكذبه، فإن نصيب الشاهد من العبد المذكور يكون حرا بشرط أن يكون الشريك الذي لم يعتق موسرا، كما أشار إليه بقوله: إن أيسر شريكه أي شريك الشاهد لاعترافه أنَّه لا يستحق على شريكه إلا القيمة وقد ظلمه فيها حيث أنكر العتق، ولا شيء للشاهد على الشريك الذي لم يعتق لأنه لم يثبت ما ادعاه وإنما أخذ بإقراره على نفسه. قال عبد الباقي: وإن شهد شريك فقط على شريكه في عبد بعتق نصيبه أي نصيب المشهود عليه والشريك يكذبه، فقد تضمنت شهادته شيئين: إقراره بعتق نصيبه نفسه وإنه يستحق قيمته على شريكه إن أيسر، فألغي الثاني وعمل بالأول فقط فيعتق نصيب الشاهد مجانا، ولذا قال: فنصيب الشاهد حر إن أيسر شريكه ولا يرجع بقيمته ولا يعتق نصيب المشهود عليه بل يستمر رقا له، فإن قلت إذا كان لا يرجع الشاهد بقيمة نصيبه فلم اشترط يسر الشريك المشهود عليه بعتق نصيبه؟ قلت: هو شرط في عتق نصيب الشاهد لا في رجوعه بقيمته. اهـ كلام عبد الباقي.
وقال الشبراخيتي: وإن شهد شخص على شريكه في رقيق بعتق نصيبه أي نصيب المشهود عليه فنصيب الشاهد حر إن أيسر شريكه، لتضمن شهادته إقراره بحرية نصيبه وشهادة الشاهد إذا تضمنت حكمًا يلزمه فإنما يعتبر ذلك في حصته، وحينئذ فالمشهور أنَّه يلزمه عتق نصيبه مجانا. وقوله: "فنصيب الشاهد حر" أي من غير تقويم لأنه اعترف بحرية نصيبه غايته أنَّه يدعي استحقاق القيمة على شريكه، واستحقاق القيمة فرع ثبوت العتق والعتق لم يثبت. أهـ. وقوله: "فنصيب الشاهد حر" أي من غير تقويم خلاف ما في التتائي، فإنَّه قال: فنصيب الشاهد حر بعد تقويمه صلى شريكه. انتهى.
стр. 9277
والأكثر على نفيه يعني أكثر رواة المدونة على نفي حرية نصيب الشاهد مع يسر الشريك، قال التتائي: والأكثر من الرواة على نفيه أي نفي العتق على الشاهد والشريك موسر، وشبه ذلك بما هو متفق عليه في أنَّه لا يعتق فيه نصيب الشاهد، فقال: كعسره أي عسر المشهود عليه بالعتق وهو قول أشهب: لا فرق بين عسره ويسره. أهـ. وقال عبد الباقي: والأكثر على نفيه أي عتق نصيب الشاهد مع يسر الشريك، فلا يعتق من العبد شيء كعسره أي كما اتفق على عدم عتق نصيب الشاهد في عسر المشهود عليه، وقولي: شريك فقط، تحرز عن شهادته مع عدل آخر على شريكه يعتق نصيبه فيعتق نصيب المشهود عليه ونصيب الشاهد الشريك، ولا يرجع بقيمته لإقراره لنفسه أنَّه [يستحق] (١) قيمته على المشهود عليه. أهـ.
وقال الشبراخيتي: والأكثر من الرواة على نفيه أي نفي كون نصيب الشاهد حرا لما تقدم أنَّه لا يعتق إلا بالحكم ودفع القيمة وليس واحدا منهما. أهـ باقتصار. وقال المواق من المدونة: قال ابن القاسم: إن شهد رجل بأن شريكه في العبد أعتق حصته والشاهد موسر أو معسر، فإن كان المشهود عليه موسرا فنصيب الشاهد حر لأنه أقر أنما له على المشهود عليه قيمته، وإن كان معسرا لم يعتق من العبد شيء. قال غيره: ذلك سواء ولا يعتق عليه منه شيء كان المشهود عليه موسرا أو معسرا، قال سحنون: وهذا أجود وعليه جميع الرواة. وقاله ابن القاسم أيضًا. إذ لو جاز هذا لم يشأ شريك أن يعتق حصته بغير تقويم إلا فعل. أهـ.
ولما أنهى الكلام على العتق أتبعه بالكلام على التدبير، فقال:
стр. 9278
باب: ذكر فيه التدبير وهو العتق عن دبر وهو أن يعتق العبد بعد موت صاحبه فهو مدبر، والتدبير في الأمر أن ينظر ما يؤول إليه عاقبة الأمر والتدبير التفكر فيه. قال القرافي في التنبيهات: التدبير مأخوذ من إدبار الحياة، ودبر كل شيء ما وراءه بسكون الباء وضمها، والجارحة بالضم لا غير، وأنكر بعضهم الضم في غيرهما. أهـ. وفيه نظر، ففي القاموس أنَّه بالوجهين في كل من المعنيين. قاله البناني.
وأصله الكتاب والسنة والإجماع، فالكتاب قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾، والسنة قوله ﷺ : (المدبر من الثلث (١))، وانعقد الإجماع على أنَّه قربة. وعرفه ابن عرفة بقوله: عقد يوجب عتق مملوك من ثلث مالكه بعد موته بعقد لازم. قوله: بعد موته، يخرج به العتق الملتزم في المرض والمبتل فيه لأنه لازم إذا لم يمت، وقوله: بعقد لازم، متعلق بيوجب أخرج به الوصية. قاله الخرشي. وقوله: من ثلث مالكه، قال الشبراخيتي: يخرج به المعتق لأجل وأم الولد. انتهى. أي لأنهما من رأس المال. وهنا أمور مشتبهة: العتق لأجل والتدبير والوصية، فالمعتق لأجل من رأس المال، والمدبر من الثلث وعقده لازم، والوصية من الثلث وعقدها غير لازم. أهـ. وعرف المؤلف التدبير بقوله: التدبير تعليق مكلف رشيد - وإن زوجة في زائد الثلث - العتق بموته "التدبير" مبتدأ، وخبره "تعليق" وهو مصدر أضيف إلى فاعله وهو "مكلف"، و"العتق" مفعول "تعليق"، و"بموته" متعلق "بتعليق"؛ يعني أن التدبير هو أن يعلق مكلف رشيد نفوذ عتق عبده على موته أي موت السيد، ويصح تعليق المكلف الرشيد العتق على موته سواء كان ذلك المكلف الرشيد زوجة وعلقت في زائد الثلث أو غيرها. وقولي: نفوذ العتق أما إنشاء العتق فهو من الآن، والتعليق جعل الشيء معلقا على الشيء أي محمولا عليه وهو هنا معنوي؛ إذ معناه حصول العتق بالموت على ما يأتي. وقوله: "مكلف" احترز به من المجنون والصبي ولو مميزا، فإن تدبيرهما لا يصح لكن الصبي المميز يكون تدبيره وصية ولا يصح على أنَّه تدبير ومثل الصبي المميز السفيه، فإن تدبيره يكون وصية. قال عبد الباقي: وشمل مكلف السكران ولو طافحا بحرام
стр. 9279
لا بحلال فلا يلزم الطافح كذا ينبغي. انتهى قال البناني: فيه نظر أنظر ما قدمناه أول باب العتق. انتهى.
وقد قدم أول باب العتق أن الطافح ولو بحرام لا يلزمه شيء من العقود ولا من الحدود ولا من الجنايات وأنه كالبهيمة، قال الرهوني: اعتراضه لما قاله من لزوم العتق للسكران بحرام إذا كان طافحا صحيح، وسكت عما أفاده كلامه من لزومه للسكران بحلال إذا لم يكن طافحا مع أنَّه ليس بصحيح؛ إذ هذا لا يلزمه عتق ولا طلاق ولا غيرهما، وقد صرح بأنّه كالمجنون غير واحد، وفي كلام الحطاب في التنبيه الثاني عند قوله صدر البيوع: "وشرط عاقده تمييز" لخ ما يكفي، ولا يصح أن يحمل ذلك على أنَّه في الطافح فقط كما قاله الزرقاني هنا؛ لأنه يلزم عليه مساواته للسكران لا على طريق القاضيين ابن رشد والباجي، ولا على طريقة ابن شعبان واللخمي وابن بشير؛ إذ الطافح بحرام كالمجنون اتفاقا على طريقة الأولين وعلى المشهور على طريقة الآخرين، وتوجيه ابن بشير القولين في الطافح بحرام يدلّ على أن الطافح لا يلزمه شيء باتفاق الطريقين. قال أبو الحسن عند قول المدونة في كتاب العتق الثاني: وعتق السكران وتدبيره جائز إذا كان غير مولى عليه أهـ ما نصّه: وهذا إذا كان نشوان، وأما إذا كان طافحا فحكى أبو الوليد الإجماع على أنَّه لا يلزمه شيء، وحكى ابن بشير في الطافح قولين سببهما النظر إلى تعديه أو إلى عدم فهمه. أهـ منه بلفظه. فتأمله بإنصاف.
تنبيه: بكلام المدونة هذا اعترض مصطفى على ابن عبد السلام والتوضيح ومن تبعهما كالشارح والتتائي من أن تدبير السكران لا نص فيه، وإنما هو مقيس على عتقه. والله أعلم. أهـ. وقوله: "رشيد" احترز به من السفيه المولى عليه فإنَّه لا يصح منه التدبير على أنَّه تدبير بل يكون وصية كما مر قريبا. انظر البناني. وقال عبد الباقي عند قوله: "رشيد" ما نصّه: لا عبد لأنه محجور عليه بالأصالة ولا سفيه مولى عليه ولو اتسع ماله ولا مهمل عند ابن القاسم، وأما عند مالك فيصح؛ لأنَّ تصرفه قبل الحجر محمول على الإجازة عنده. أهـ. وقد علمت أن معنى ذلك أنَّه لا يصح تدبيره على أنَّه تدبير لكنه يكون وصية. والله تعالى أعلم.
стр. 9280
وقوله: "وإن زوجة" اعلم أن المرأة الرشيدة كالرجل الرشيد إن لم تكن ذات زوج، وكذا إن كانت ذات زوج ودبرت في زائد الثلث وهو قول ابن القاسم خلافا لسحنون وعليه رد المصنف بالمبالغة، قال سحنون: قول ابن القاسم يصح من الزوجة في زائد الثلث خطأ. ابن رشد: روى عن مالك مثل قول سحنون. أهـ. انظر البناني.
وقال عبد الباقي عند قول المص: "وإن زوجة في زائد الثلث" ما نصّه: وإن لم يكن لها مال غيره وإنما لزمها التدبير في زائد الثلث، بخلاف عتقها ولو لأجل لأنه يخرج بالعتق عن تمتع الزوج، بخلاف التدبير فلا يخرجه من يدها ولها فيه الخدمة والتحمل وكذا الزوج. أهـ. وقال الرهوني: ابن يونس: ومن العتبية قال ابن القاسم: وإن دبرت ذات الزوج ثلث جاريتها لزمها تدبير جميعها، وقد قال مالك: إذا دبرت أمتها وليس لها غيرها فذلك جائز ولا قول للزوج لأنه لم يخرج من يدها شيء، بخلاف عتقها وهذا كالوصية في هذا المعنى. وقال سحنون ومطرف وابن الماجشون: لا يجوز ذلك إلا بإذن زوجها. أهـ منه بلفظه. ونحوه عن النوادر، وكذلك في كتاب ابن سحنون عن عبد الملك وسحنون وهذا أحسن وأتم مما في البناني، وقوله: "وإن زوجة" إغياء أي أن الرشيد يلزم تدبيره، وإن كانت المدبرة الرشيدة زوجة دبرت عبدا لها هو أكثر من ثلثها أي ثلث مالها. أهـ بتغيير قليل. وقوله: "بموته" أخرج به العتق الناجز ولأجل، ومنه تعليقه على موت شخص كما يأتي آخر الباب، فلا يسمى تدبيرا بل عتقا لأجل.
لا على وصية يعني أن التعليق المذكور إنما يكون تدبيرا إذا كان على جهة الانبرام واللزوم، وأما إن كان على وجه الانحلال أي عدم اللزوم فإنَّه يكون حينئذ وصية، فقوله: "لا على وصية" من تتمة التعريف، فلما اشتمل تعريفه الوصية أخرجها بقوله: "لا على وصية". قال عبد الباقي: ولما شمل تعريفه الوصية أخرجها بقوله: "لا على وصية"، فهو من تتمة التعريف ليلًا يكون غير مانع فخرج ما علقه على موته على وجه الوصية، فإنَّه عقد غير لازم، بخلاف التدبير فإنَّه عقد لازم.
تنبيه: قال جسوس: لم يتعرض الشراح لما يحصل به التمييز بين حقيقتي التدبير والوصية، وإنما فرقوا بينهما باللزوم وعدمه والتفريق بينهما بذلك فرع معرفة حقيقة كل واحد منهما؛ إذ