إن لم يكن للأجنبي أقارب لأب، وإلا لم يدخل أحد من أقارب أمه لشبه الوصية بالإرث من حيث تقديم العصبة على ذوي الأرحام لا من حيث إبطالها للوارث؛ لأنه لا قرابة بينهم وبين الموصي. انتهى.
وقوله: "إن لم يكن له أقارب لأب" اعلم أنه لا خلاف في دخول الأقارب للأم حيث لم يكن له يوم الوصية أقارب لأب، وأما إن كان له يوم الوصية أقارب لأب ففي المسألة أقوال، قال الرهوني عن ابن رشد: إذا كان له يوم الوصية أقارب لأب ففي دخول أقارب الأم ثلاثة أقوال: أحدها أنه لا دخول في ذلك لقرابته قبل النساء بحال وهو قول ابن القاسم، والثاني أنهم يدخلون في ذلك بكل حال وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك، وحكى ابن حبيب أنه قول جميع أصحاب مالك والثالث قول عيسى بن دينار أنه لا يدخل في ذلك قرابته من النساء إلا أن لا يبقى من قرابته من قبل الرجال أحد، وأما إن لم يكن له يوم أوصى قرابة إلا من قبل النساء فلا اختلاف بأن الوصية تكون لهم على ما قاله ابن القاسم في رسم أسلم بعد هذا، وعلى ما قاله أيضا في الواضحة من رواية أصبغ عنه وزاد، قال: وكذلك إن كانوا قليلا الواحدَ والاثنين. انتهى.
وقال ابن رشد أيضا في رسم أسلم من سماع عيسى من كتاب الوصايا ما نصه: لا اختلاف في أنه إذا لم يكن له يوم أوصى قرابة من قبل الأب أن الوصية تكون لقرابته من قبل أمه وإنما اختلف إذا كان له يوم أوصى قرابة من قبل أبيه، هل يدخل معهم قرابته من قبل أمه أم لا؟ فذهب ابن القاسم وروايته عن مالك أنه لا يدخل في ذلك قرابته من قبل الأم، قال في سماع أبي زيد: وإن لم يبق من أهل أمه إلا خال أو خالة فلا شيء لهم. انتهى. ونقله ابن عرفة مختصرا وزاد بعده ما نصه: ابن زرقون: إن أوصى ولا قرابة له من قبل أبيه فالوصية لقرابة أمه اتفاقا، وإن كان له قرابة من قبل الأب فاختلف فيه على ثلاثة أقوال: قال ابن القاسم: لا يدخل فيه القرابة للأم بحال، وروى الأخوان دخولهم بكل حال، وقال عيسى: لا يدخلون إلا أن لا يبقى من قرابة الأب أحد، ولا خفاء في أن كلام ابن رشد الأول يفيد رجحان الثاني، ويفيد ذلك أيضا كلام الباجي في المنتقى ونصه: روى ابن حبيب عن مطرف وابن الماجشون: إذا أوصى لقرابته أو لرحمه أو لذي رحمه أو لأهله أو لأهل بيته، فإن قولنا وقول مالك وأصحابنا أن ذلك لجميع
стр. 9522
قرابته ورحمه وأهله من قبل أبيه وأمه من كل من يرثه، ومن ليس يرثه وعزا هذا قبل لمالك من رواية علي بن زياد، ولأشهب في الواضحة ولابن حبيب عن الأخوين ولابن كنانة في المجموعة. والله أعلم. انتهى كلام الرهوني.
والوارث كغيره يعني أنه إذا أوصى لأقارب أجنبي أو لذوي رحمه أو لأهله فإن الوارث من أقارب الأجنبي تشملهم الوصية كغير الوارث منهم، قال الشبراخيتي: والوارث من أقارب فلان لأبيه أو لأمه إن لم يكن أقارب لأب كغيره ممن لا يرث كالخال والخالة والعمة وأولادهم، فيدخلون كلهم. انتهى بخلاف أقاربه هو يعني أن الموصيَ إذا كانت وصيته لأقارب أو لذوي رحمه أو لأهله فإنه لا يدخل في ذلك ورثته؛ لأنه لا وصية لوارث بل يختص بها أقاربه الذين لا يرثونه من جهة الأب أو من جهة الأم حيث لم يكن له أقارب لأب، قال عبد الباقي: بخلاف إيصائه لذوي رحم نفسه أو أهله أو أقاربه هو فلا يدخل وارثه في لفظ من هذه الألفاظ لأنه لا وصية لوارث. وكذا لا يدخل أقارب أمه حيث كان له أقارب لأب بل تختص بهم حيث كانوا غير ورثة عند مالك وابن القاسم وهو المذهب. انظر ابن عرفة. قاله أحمد. انتهى. وقد مر في النقل ما يفيد أن المشهور دخولهم معهم. والله تعالى أعلم. وقال التتائي: بخلاف ما لو أوصى الموصي لذوي رحمه أو أهله أو أقاربه هو فلا يدخل وارثه في لفظ من هذه الألفاظ على المنصوص لمالك في الموازية لحكم الشرع بأنه لا وصية لوارث، قال ابن حبيب: إذا أوصى لقرابته أو رحمه أو أهله أو أهل بيته فقال مالك وأصحابه: إنه لجميع قرابته من جهة أبيه أو أمه من يرثه ومن لا يرثه، وفائدة دخول الوارث على هذه الرواية أنه يحاص بنصيبه ثم يرجع ميراثا. انتهى.
وأوتر المحتاج الأبعد يعني أنه إذا أوصى لأقارب الأجنبي وأقاربه هو أي الموصي أو لذي رحمه أو أهله فإنه يؤثر أي يفضل ويزاد المحتاج من الأقارب على غير المحتاج ولا يخص بالجميع، قال عبد الباقي: وحيث دخل أقارب فلان أو أهله أو رحمه أو أقاربه هو أو أهله أو رحمه أوثر بمثلثة المحتاج الأبعد بأن يزاد على غيره لا بالجميع، وإذا أوثر الأبعد المحتاج فالأقرب المحتاج أولى. انتهى. وقال الشبراخيتي: وحيث دخل أقارب فلان أو أهله أو رحمه أو أقاربه هو أو أهله أو رحمه أوثر أي فضل وزيد، بدليل قوله: ولا يخص المحتاج الأبعد على غيره،
стр. 9523
وإذا أوثر الأبعد فالأقرب أولى بالإيثار على غيره ممن ليس كذلك. انتهى. وقال البناني: قال الشيخ المسناوي: انظر هذا مع ما ذكروه في مفهوم قول المصنف، ولم يلزم تعميم كغزاة من أنه إذا أوصى لمن يمكن حصره إلا أنه لم يسمهم أنه يسوي بينهم في القسم. انتهى.
قلت: قد يقال محل ما يأتي إذا استووا في الحاجة وإلا أوثر المحتاج كما هنا. والله أعلم. وقد يفرق بين الموضعين بما في المواق عن ابن يونس من أن من أوصى بحبس داره علي بني فلان أُوثِرَ أهل الحاجة: وأما الوصايا فإنها تقسم بالسوية. انتهى.
إلا لبيان يعني أن محل إيثار المحتاج الأبعد إنما هو حيث لم يبين الموصى شيئا، وأما إن بَيَّنَ شيئًا فإنه يعمل عليه كأعطوا فلانا ثم فلانا فإنه يقدم من قدمه، ولو كان غيره أحوج منه، أو يقول: أعطوا الأقرب فالأقرب فيقدم الأخ وابنه على الجد، لأنهما يدليان بالبنوة أي بكونهما أبناء أبيه والجد يدلي بالأبوة وجهة البنوة أقرب، ولا يخص راجع لما قبل الاستثناء ولما بعده؛ يعني أنه إذا أوثر المحتاج الأبعد فإنه لا يخص بجميع الوصية، وإنما يفضل على غيره ممن ليس محتاجا، وكذلك إذا بين تقديم الأقرب فقال أعطوا الأقرب فالأقرب فإنه يقدم الأخ وابنه على الجد، ولا يخص من ذكر بجميع الوصية. وما شرحت به قوله: "ولا يخص" من رجوعه للمسألتين هو الذي جزم به الأجهوري والخرشي ونحوه لابن عاشر، فإنه قال بعد كلام ما نصه: وهذا يدل على أن قوله: "ولا يخص" راجع للمسألتين قبله. انتهى. وسلمه جسوس.
قال الرهوني: وما لهؤلاء هو الصواب، فقد قال ابن الحاجب ما نصه: ولا يعطى الأخ الجميع بخلاف الوقف. التوضيح: هكذا نص عليه ابن القاسم في العتبية في الجد والأخ أن الأخ لا يعطى الجميع. انتهى. وما نسبه هو في أول رسم من سماع أصبغ من كتاب الوصايا، وسلمه ابن رشد لكنه قيد قوله: وإن كان الذي أوصى به على هذه الوصية إنما هو حبس فالأخ أولى وحده، ولا يدخل معه غيره بقوله ما نصه: معناه إذا كانت وصيته لسكنى الأقرب فالأقرب، وأما إن كانت وصية بحبس له غلة لتقسم على الأقرب فالأقرب كل عام، فيدخل الأبعد مع الأقرب بالاجتهاد كما إذا أوصى بوصية مال للأقرب فالأقرب. وبالله تعالى التوفيق. انتهى.
стр. 9524
وأعاد المسألة في العتبية في سماع أبي زيد، ونصه: وسئل عن رجل هلك وترك أبويه وعمه وجده وأخاه وأوصى أن يدفع ثلث ماله إلى أقاربه الأقرب فالأقرب؟ قال: أرى أن يبدأ بأخيه أولا يعطى أكثر من الجد، وإن كان الأخ أيسر من الجد ثم يعطى الجد أكثر من العم وإن كان أيسر منه ثم يعطي العم، قيل: ألا ترى أن يدفع إلى أخيه كله، قال: لا إلا أن يكون ترك دارا أو حائطا فيحبسهما على أقاربه الأقرب فالأقرب فإنها تدفع إلى أخيه، فإذا هلك دفعت إلى جده ثم تدفع بعد موت الجد إلى العم، قال محمد بن رشد: هذه المسألة قد مضى مثلها في الرسم الأول من سماع أصبغ (١) بزيادات على هذا فتكلمنا عليها بما يغني عن الكلام في هذه. وبالله التوفيق. ونقل ابن يونس المسألة عن ابن القاسم في العتبية وكتاب محمد وساق ذلك كله كأنه المذهب ولم يحك خلافه، ونقل ابن عرفة ما في سماع أصبغ وكلامَ ابن رشد عليه مختصرا وسلمه. والله الموفق. انتهى.
وقال عبد الباقي: فيقدم الأخ وابنه على الجد دنية، بخلاف أبي الجد فيقدم عليه العم وابنه، وفي كلام الشارح نظر. انتهى.
والزوجة في جيرانه يعني أنه إذا أوصى لجيرانه فإنه تدخل زوجة الجار في الوصية، قال الشبراخيتي: وإذا أوصى لجيرانه فقال عبد الملك في المجموعة: تدخل الزوجة أي زوجة الجار كانت وارثة أم لا، وأما زوجة الموصي فلا، ولو قام بها مانع من الإرث ككونها أمة أو كافرة لأنها لا يقال فيها جارة له في جيرانه، قال البساطي: والجار حقيقة هو الملاصق من أي جهة من الجهات أو المقابل وبينهما شارع خفيف، فلو كان سوقا أو نهرا لم يكن جارا. انتهى. وقيد في التوضيح السوق بالمتسع ونحوه في الشارح والشامل. انتهى. وقال عبد الباقي: ودخلت الزوجة للجار الساكنة معه والمنفردة عنه بجوار الموصى أيضا في وصيته لجيرانه، فيعطى الجار وزوجته وهم الملاصقون له من أي جهة من الجهات والمقابلون له وبينهما شارع خفيف لا سوق أو نهر متسع أو الذين يجمعهم المسجد أو مسجدان لصيقان أو متقاربان، وهذه التفاسير خاصة بالوصية
стр. 9525
التي الكلام فيها إلا لعرف بأقل من ذلك، وأما حديث: (ألا إن أربعين دارا جار) (١)، ففي التكرمة والاحترام، وتقييد الزوجة بالجار لإخراج زوجة الموصي إذا قام بها مانع الإرث فلا تدخل في الوصية لعدم إطلاق اسم الجوار عليها عرفا كالوارثة لعلة الإرث. وقول التتائي: لا تدخل لأنها وارثة يقتضي أن من قام بها مانعه تدخل وليس كذلك فهي لا تدخل، كانت وارثة أم لا. انتهى. لا عبد مع سيده يعني أنه إذا أوصى للجيران فإنه لا يدخل العبد الساكن مع سيده الجار في الوصية، بخلاف ما لو انفرد عن سيده ببيت مجاور للموصي فإنه يدخل في الجيران وإن لم يكن سيده مجاورا للموصى، قال الشبراخيتي: لا عبد ساكن مع سيده، وأما إن كان منفردا عنه بالسكنى فإنه يعطى وسواء كان سيده جارًا أم لا. انتهى. وقال عبد الباقي: لا يدخل عبد ساكن مع سيده في الوصية للجار، فإن انفرد عنه ببيت مجاور للموصي دخل وإن لم يكن سيده جارا. انتهى. والفرق بين الزوجة لأجنبي والعبد أن الزوج لا يملك ذاتها وإنما يملك عصمتها، فلذا دخلت وإن لم تنفرد، والعبد يملك ذاته فبسكناه معه لا ينسب عرفا لجوار الموصي بخلاف انفراده.
وفي ولد صغير وبكر قولان يعني أنه إذا أوصى للجيران، فإنه اختلف هل يدخل الولد الصغير للجار وابنته البكر في تلك الوصية أو لا يدخلان على قولين؟ القول بالدخول لسحنون وهو الراجح، والقول بعدم الدخول لابن الماجشون. قال عبد الباقي: وفي دخول ولد صغير وبكر لجار في وصيته له وإن كان نفقة كل على أبيه وعدم دخولهما، وظاهره وإن كانت نفقة كل على نفسه قولان، واحترز بالولد الصغير والبكر عن البالغ الذي لا تجب نفقته على أبيه وعن البالغة الثيب بنكاح فكل منهما جار للموصي لجيرانه، والمعتبر في الجار يوم العطاء فإن انتقل بعضهم أو كلهم أو حدث غيرهم أو بلغ صغير فذلك لمن حضر، ولو كانوا يوم الوصية قليلا ثم كثروا يوم القسم
أعطوا. انتهى.
стр. 9526
وقال الرهوني: القول بعدم الدخول لابن الماجشون والقول بالدخول لسحنون، قال شيخنا الجنوي: وهو الراجح، قلت: قد صرح بترجيحه ابن مرزوق قائلا في آخر كلامه: فكان من حق المؤلف أن يعتبر هذا القدر من الترجيح فيقتصر على مذهب سحنون، فيقول: وزوجة وصغير وبكر في جيرانه. انتهى منه بلفظه. انتهى. وقال الشبراخيتي: وفي إعطاء ولد صغير للجار ذكر أو أنثى وبكر وإن كبيرة كما في كتاب ابن سحنون عن أبيه وعدم إعطائهما وهو قول عبد الملك قولان، وظاهره ولو كان كل من الصغير والبكر نفقته على نفسه، وأما الكبير فإن كان بائنا عنه نفقته على نفسه فإنه من الجيران وإلا ففيه الخلاف كما يفيده كلام الشارح، والمعتبر في كونه جارا يوم الإعطاء فلو انتقل الجار بعد الإعطاء وسكن موضعه آخر أعطي الثاني، ولو كانت الدار كبيرة ذات مساكن كثيرة، فإذا أوصى بعضهم لجيرانه اقتصر على أهل الدار وإن كان ربها ساكنا بها، فإن شغل أكثرها كانت وصية لجيرانه لمن خرج عنها، وإن شغل أقلها فالوصية لمن في الدار خاصة، وينبغي أن يكون مثل الأقل ما إذا شغل النصف. انتهى. وقال المواق: عبد الملك: إن أوصى لجيرانة أعطي الجار الذي اسم المنزل له ولا يعطي أتباعه ولا الصبيان ولا ابنته البكر ولا خدمه. انتهى.
والحمل في الجارية إن لم يستثنه يعني أنه إذا أوصى لزيد مثلا بجارية وهي حامل فولدت بعد موت الموصي: فإنه يدخل الحمل في الوصية مع أمه فتكون الجارية وولدها للموصى له، هذا إن لم يستثن الموصي الحمل فإن اشثناه فهو للورثة لا للموصى له، ولا بد من جمعهما، وقولي: الموصى بها لزيد احترازا عما لو أوصى بعتقها فإنه لا يتأتى فيه قول المصنف إن لم يستثنه بل يكون بمنزلتها موصى بعتقه، قال عبد الباقي: وإن أوصى لشخص بجارية حامل من زوج دخل الحمل في الجارية الموصى بها لزيد مثلا لأنه جزء منها حيث وضعته بعد موت السيد إن لم يستثنه، فإن استثناه فهو له، وإنما صح استثناؤه هنا ولم يصح استثناؤه مع عتقها لأن الشرع كمل عليه العتق إذا أعتق جزءا منها والوصية كالهبة، وأما لو وضعته في حياته فإن الوصية لا تتضمنه عند أهل المذهب، ولعل الفرق بين الهبة والصدقة وبين البيع أنه جرى خلاف في المستثنى من المبيع هل هو مشترى أو مبقي ولم يجر مثل ذلك من الموصى به ونحوه. انتهى. وقال
стр. 9527
التتائي: ودخل الحمل في الجارية إن وضعته بعد موت سيده لأنه كجزء منها إلا أن يستثنيه بأن يوصي بها دونه فلسيدها، ولا يدخل كما لو وضعته في حياته. انتهى. وقال البناني على قول عبد الباقي: الموصى بها لزيد مثلا ما نصه احترز به عن الموصى بعتقها لأنه لا يتأتى فيها قول المصنف: "إن لم يستثنه". انتهى.
والأسفلون في الموالي يعني أنه إذا قال هذا وصية لموالي أو لموالي زيد مثلا فإنه يدخل في تلك الوصية الموالي الأسفلون، فيشتركون مع الأعلين وهذا قول أشهب، والذي لابن القاسم في المدونة أنه للأسفلين فقط، وسواء قال لمواليه هو أو لموالي زيد كما في المدونة. قاله البناني. قال: ونص المدونة: من أوصى بثلثه لموالي بني فلان وله موالي نعمة أنعموا عليه وموالي أنعم هو عليهم كان لمواليه الأسفلين دون الأعلين. انتهى. أي لغلبة إطلاق لفظ الموالي على الأسفلين، وإذا قال: هذا وقف على موالي، ففي قصره على موالي الموصي وأولادهم وعمومها فيهم وموالي أبيه وولده وإخوته وأعمامه روايتا العتبية والمجموعة يدخل هؤلاء وموالي الموالي وأولادهم ولا يدخل موالي بني الإخوة والعمومة والأول أحسن. انظر حاشية الشيخ بناني.
والحمل في الولد يعني أنه إذا أوصي لزيد مثلا بأولاد أمته أو بما تلده أمته أو بما ولدت وهي حامل فإنه يدخل في ذلك الحمل، قال الشبراخيتي: وإذا أوصى بأولاد أمته لزيد أو بما تلد أو بما ولدت دخل في الوصية بالولد، وظاهر كلامه ولو وضعته قبل موت الموصي وهو الذي جزم به المواق عن ابن رشد. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن أوصى لرجل بأولاد أمته أو بما تلد أو بما ولدت دخل في ذلك الحمل منها ولو بعد الوصية في الولد، ولو وضعته في حياة الموصي عند ابن رشد كما في المواق وما تقدم أوصى بذات الجارية، فإن أوصى بعتقها لم يدخل ما ولدته في حياته كما قال أبو محمد صالح كما في صغير الشادلي، وهذا مستثنى من قول الرسالة: كل ذات رحم فولدها أي جنينها بمنزلتها من مكاتبة أو مدبرة أو معتقة لأجل أو مرهونة أي أو أم ولد كما فيها أو مبعضة كما في الحطاب. انتهى. أي وأما لو ولدته بعد موت الموصي فإنه يكون بمنزلتها كما مر أنه موصى بعتقه عند قول المصنف: "والحمل في الجارية إن لم يستثنه" وقوله: أو بما ولدت، قال البناني: هذا ظاهر إذا أتى مع لفظ الماضي بقرينة تدل على قصد الاستقبال، مثل أن
стр. 9528
يقول بما ولدت جاريتي أبدا كما في المواق والتوضيح، وإلا لم يدخل في لفظ الماضي إلا ما ولدته قبل الوصية. والله أعلم. وقوله: ولو وضعته في حياة الموصى عند ابن رشد لخ انظر هذه المبالغة، فالظاهر أنها مقلوبة والذي يفيده كلام ابن رشد أن الحمل الموجود يوم الوصية يكون للموصى له مطلقا وضعته في حياة الموصي أو بعد موته، وما ولدته بعده من الأولاد لا يكون له نهم إلا ما ولدته في حياة الموصى، ونص ابن رشد إن لم يمت حتى ولدت أولادا فله كل ما ولدت في حياته، كانت حاملا يوم أوصى أو لم تكن، فإن مات وهي حامل فحملها الثلث وقفت حتى تضع فيأخذ الموصى له بالجنين الولد ثم يتقاومون الأم والجنين لا يفرق بينهما ولم يجز أن يعطي الورثة الموصى له شيئا على أن يترك وصيته في الجنين. قاله في المدونة وغيرها. وإن لم يحملها الثلث فللورثة أن يوقفوها حتى تضع وإن كرهوا لم يجب ذلك عليهم، وسقطت الوصية لأنها وصية فيها ضعف. قاله ابن حبيب. واختلف إذا أعتق الورثة الأمة والثلث يحملها، قيل يعتق ما في بطنها بعتقها وتبطل الوصية به وهو الذي في المدونة، وقيل لا عتق عليهم حتى تضع وهو قول أصبغ في الواضحة وإن لم يحملها الثلث فعتقهم فيها جائز. انتهى. نقله ابن عرفة.
والمسلم يوم الوصية في عبيده المسلمين يعني أنه إذا أوصى لعبيده المسلمين بالعتق وله عبيد مسلمون وكفار، فإنه يدخل في تلك الوصية المسلمون منهم يوم الوصية أي حين الوصية أي لا تتناول الوصية إلا من كان مسلما منهم وقت الوصية، فهو الذي يعتق لا من أسلم بعد ذلك فلا يعتق، ففي الدخول تجوز لأن المراد اختصاص المسلم بالوصية حين الوصية، قال المواق من المدونة: إن قال إذا مت فكل مملوك لي مسلم حر وله عبيد مسلمون ونصارى ثم أسلم بعضهم قبل موته لم يعتق منهم إلا من كان يوم الوصية مسلما لأنه لا أراه أراد غيرهم. قال المصنف في التوضيح: استشكلت المسألة لمخالفتها لا علم من أصلهم أن الوصية إنما يعتبر فيها يوم التنفيذ فيما ينطبق عليه الاسم من الخروج من الثلث، ولهذا قال التونسي: لعله فهم منه إرادة عتق عبيد بأعيانهم. قال: وإن لم يكن له قصد في ذلك فالأشبه دخول من أسلم في الوصية على الأصل. واختلف فيمن اشتري من المسلمين بعد الوصية، فقال ابن القاسم: يدخلون، وقال أصبغ: لا يدخلون. انتهى ومثله لابن عرفة. قاله البناني وغيره.
стр. 9529
وقال الشبراخيتي قال المصنف: وهو يعني قوله "والمسلم يوم الوصية" الخ مشكل لمخالفته لما علم من أصلهم أن المعتبر في الوصية يوم التنفيذ فيما ينطلق عليه الاسم من الخروج من الثلث، وأجيب بما قاله التونسي لعله فهم عنه عتق هؤلاء بأعيانهم، قال في الحاشية: ويتعين حمله على ما قال التونسي وظاهر كلام المصنف أنه لا يدخل من أسلم بعد الوصية أو اشتراه مسلما بعدها ولو لم يكن له حين الوصية عبد مسلم، وهو خلاف ما لابن المواز من أنه يدخل كما نقله الشارح عنه. انتهى. وقال عبد الباقي: والمسلم يوم أي حين الوصية في وصيته إلى عبيده المسلمين وله عبيد مسلمون وكفار. قاله الشارح والتتائي. فمن أسلم بعد الوصية في يومها لا يدخل وأولى من أسلم يوم التنفيذ وإن لم يكن له حينها عبيد أصلا فاشترى مسلمين أو كان له حينها كفار فقط، فأسلموا دخلوا كما في الشارح عن ابن المواز؛ لأن فيه إعمال الوصية ما أمكن وإن كان خلاف ظاهر المصنف: وقرر بعض المصنف بأنه إذا أوصى لزيد مثلا بعبيده المسلمين فإنما يدخل في الوصية من كان من عبيده مسلما يومها لا من أسلم. قوله: والمسلم أي واختص أو تعين المسلم لا دخل - انتهى - وقررته أنا أو لا يدخل. تبعا لغيري وهو ظاهر المصنف، لكن لابد من تأويل دخل. والله تعالى أعلم. لا الموالي في تميم أو بنيهم يعني أنه إذا قال: أوصيت بكذا لتميم أو لبني تميم فإنه لا يدخل في ذلك موالي بني تميم أي المعتقون، قال عبد الباقي: لا يدخل الموالي عتاقة وأولى حلفا في وصيته إلى تميم أو بنيهم، وأما أرقاؤهم كتزوج تميمي أمة آخر منهم فتأتي بولد فالظاهر دخولهم. قاله الوالد. والظاهر أنه إن أوصى لرجال بني تميم أو نسائهم دخل الصغير من النوعين كما في الوقف، وإن أوصى لمساكين من بني تميم دخل مواليهم. انتهى. قوله: "وإن أوصى لمساكين الخ هذا مستأنف، ولا يندرج تحت الاستظهار الذي قبله لأنه منصوص ابن عرفة وإن أوصى لمساكينهم دخل فيهم مواليهم. قاله ابن القاسم وابن وهب. انتهى. انظر البناني. وقال الشبراخيتي: لا يدخل الموالي في تميم أو بنيهم. عند مالك وابن القاسم: وقال أشهب: يدخلون لخبر: مولى القوم منهم (١)، وظاهر كلام المصنف أنه في موالي العتق وأولى موالي الحلف؛ لأن
стр. 9530
ولاءهم ليس بلحمة كلحمة النسب. وانظر إذا أوصى لرجال بني تميم أو نسائهم هل يدخل الصغير في النوعين كما في الوقف وهو الظاهر أم لا؟ انتهى. وقال المواق من المدونة: من أوصى بثلثه لبني تميم أو قيس جازت وصيته وقسمت على الاجتهاد؛ لأنا نعلم أنه لم يرد أن يعم قيسا كلهم ولا شيء فيها للموالي. أشهب: أما إن قال لتميم فيعطى مواليهم، وأما إن قال لبني فلان فلابن الماجشون ذلك سواء.
ولا الكافر في ابن السبيل يعني أنه إذا أوصى لابن السبيل فإنه لا يدخل في ذلك ابن السبيل الكافر، وقال التتائي: ولا يدخل الكافر في ابن السبيل وإن كان ابنَ سبيلٍ لأن المسلم لا يقصده. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يدخل الكافر في وصيته إلى ابن السبيل الغريب المحتاج لما يوصله لبلده وإن كان الكافر غريبا؛ لأن المسلمين إنما يقصدون بوصاياهم المسلمين ويؤخذ من التعليل أن الموصي لو كان كافرا اختصت بهم؛ لأن الكافر في الغالب لا يقصد إلا الكفار. انتهى. ونحوه لغيره.
ولم يلزم تعميم كغزاة يعني أنه إذا أوصى لمجهول غير محصور كالغزاة والفقراء والمساكين أو قبيلة كثيرة كبني تميم أو بني زهرة ممن لا يمكن الإحاطة بهم، فإنه لا يلزم تعميمهم ولا التسوية بينهم بلا خلاف، وإنما يقسم بينهم بالاجتهاد كما قال: واجتهد أي إنما يقسم بينهم باجتهاد الوصي وإنما تكون الوصية لمن حضر القسم، فمن ولد قبله أو قدم قبله استحق إن حضر القسم، وتحرير هذه المسألة أن تقول: اعلم أنه إذا كان الموصى له معينا كفلان وفلان أو أولاد فلان ويسميهم فلا خلاف أنه يقسم بين الجميع بالسوية ومن مات فلوارثه حصته، ومن ولد بعد الإيصاء لم يدخل، وإن كان الموصى لهم مجهولين غير محصورين كالفقراء والمساكين والغزاة وبني تميم وبني زهرة ونحوهم ممن لا يمكن الإحاطة بهم فلا خلاف أنه لا يلزم تعميمهم ولا التسوية بينهم، بل يقسم بينهم باجتهاد الوصي ويكون لمن حضر القسم ولا شيء لمن مات قبله. ومن ولد أو قدم قبله استحق وإن كان الموصى لهم يمكن حصرهم ولكن الميت لم يعينهم، كقوله: لأولاد فلان أو لإخوتي وأولادهم ونحو ذلك، فاختلف فيه على قولين، فقيل: كالمجهولين من مات منهم قبل القسم لم يستحق ومن ولد استحق ويقسم بينهم بالاجتهاد، وقيل إنهم كالمعينين يقسم
стр. 9531
بينهم بالسوية ومن مات قبل القسم فنصيبه لوارثه، ومن ولد بعد موت الموصي لم يدخل. قاله الحطاب.
وقال عبد الباقي: ومفهوم قوله: "كغزاة" قسمان أحدهها الإيصاء لمعين كفلان وفلان أو أولاد فلان ويسميهم فيقسم بينهم بالسوية، ومن مات منهم قبل القسم فنصيبه لوارثه ومن ولد بعد موت الموصي لا يدخل معهم، ثانيهما أن يوصى لمن يمكن حصره ولكن لم يسمهم كقوله: أوصيت لأولاد فلان أو لأخوتي أو أولادهم فلمالك يقسم بينهم بالسوية ولا شيء لمن مات قبله وهو قول ابن القاسم في المدونة، فاستفيد مما ذكرنا أن من ولد بعد موت الموصي لا يدخل في قسم من الأقسام الثلاثة، وأن من حضر القسم يدخل في جميعها وإن من مات قبله استحق وارثه نصيبه فيما إذا عين ولا يستحق في القسمين الباقيين، وأنه يقسم بالسوية فيما إذا كان على معين أو من يمكن حصره، والظاهر أن فقراء الرباط والمدارس والجامع الأزهر من القسم الثالث. انتهى. قوله: من ولد بعد موت الموصى لا يدخل في قسم من الأقسام الثلاثة غير صحيح، بل يدخل في القسم الأول والثالث على ما قرره فيه. قاله البناني. وقوله: وأن من حضر القسم يدخل في جميعها يريد ممن تناوله لفظ الموصي، وعلى هذا فهو صحيح. قاله الرهوني.
كزيد معهم يعني أنه إذا قال أوصيت لزيد والفقراء فإنه يعطي لزيد بالاجتهاد أي باجتهاد المتولي من وصي أو قاض أو وارث في التقويم والتأخير: وفي قدر ما يعطى كما يعطى لأحد الفقراء لأن القرينة هنا دلت على أن الموصي أعطى المعلوم حكم المجهول وألحق به وأجري على حكمه حيث ضمه إليه، فلا يقال إنه إذا اجتمع معلوم ومجهول جعل لكل منهما النصف. قاله عبد الباقي. وقال المواق من المدونة: من قال ثلث مالي لفلان وللمساكين أو قال في السبيل والفقراء واليتامى قسم بينهم بالاجتهاد لا أثلاثا ولا أنصافا. انتهى. وقال البناني: ونص الحطاب في القسم الثالث: وإن كان الموصى لهم يمكن حصرهم ولكن الميت لم يعينهم كقوله لأولاد فلان أو لإخوتي أو لأخوالي وأولادهم ونحو ذلك، فاختلف فيه على قولين، فقيل إنهم كالمعينين يقسم بينهم بالسوية ومن مات قبل القسم فنصيبة لوارثه ومن ولد بعد موت الموصي لم يدخل، وقيل كالمجهولين ومن مات قبل القسم لم يستحق ومن ولد استحق ويقسم بينهم بالاجتهاد، وذكر ابن
стр. 9532
القاسم في المدونة أنه لمن حضر القسم ولا شيء لمن مات قبله ومن ولد قبله دخل، ثم ذكر أنه يقسم بينهم بالسوية، ففهم سحنون أن لابن القاسم قولين وجعله خلافا، وقال ابن يونس: ليس بخلاف بل مذهبه أنه لمن حضر القسم وأنه يقسم بينهم بالسوية، قال: وهو قول مالك وهذا هو الظاهر. انظر ابن يونس، وأبا الحسن. انتهى. وعلى ما استظهره ابن يونس جرى الزرقاني في تقريره أولا. والله أعلم. انتهى.
ولا شيء لوارثه قبل القسم يعني أنه إذا مات أحد من كغزاة قبل القسم أو مات زيد الذي معهم قبل القسم فإنه لا شيء لوارث من ذكر، قال الشبراخيتي: ولا شيء لوارثه أي وارث من ذكر من كغزاة وزيد إن مات قبل القسم لأنه لم يمت عن حق وصار الموصى به كله للفقراء، وأما من ولد أو قدم قبله وحضره فإنه يستحق. انتهى. وقوله: "قبل القسم" أي قسم المال الموصى به، وقال المواق: ولا شيء لوارثه قبل القسم. ابن الحاجب: إن أوصى بثلثه لزيد والفقراء أعطى زيد بالاجتهاد، فإن مات قبل القسم فلا شيء لورثته ويكون جميع الثلث للمساكين، ومن المدونة أيضا: من قال ثلث مالي لفلان وفلان وأحدهما غني والآخر فقير، فالثلث بينهما نصفين وإن مات أحدهما بعد موت الموصِي ورث نصيبه ورثته. انتهى.
وضرب لمجهول فأكثر بالثلث يعني أنه إذا كان في الوصية مجهول واحد أو أكثر كإيصائه بوقيد مصباح لمسجد على الدوام بكذا أو مع تسبيل ماء على الدوام كل يوم بكذا وفيها معلوم أيضا كإيصائه لزيد بخمسة وسبعين ولعمرو بمثلها، فإنه يضرب أي يسهم للمجهول فأكثر بالثلث أي يجعل الثلث كله سهم المجهول واحدا أو أكثر ثم يضم إليه المعلوم، فإذا كان الثلث ثلاثمائة جعل كله للمجهول ثم يضاف إليه المعلوم، فإذا كان المعلوم ثلاثمائة فيكون ذلك كفريضة عالت بمثلها فيعطى المعلوم نصف ثلاثمائة ويعطى نصفها للمجهول فأكثر، ولو كان المعلوم مائة لزيدت على الثلاث مائة فكأنها عالت بمثل ثلثها وهو ربع المجموع فيعطى المعلوم ربع الثلاث مائة واحدا أو أكثر ويبقى الثلاثة الأرباع للمجهول، قال الشبراخيتي: وضرب لمجهول فأكثر بالثلث أي جعل جميعه للمجهول أو أكثر ويضاف إليه المعلوم ويجعل كفريضة عالت، فإذا كان ثلثه ثلاثمائة وأوصى بمجهولات ومعلومات فيجعل الثلث كله للمجهولات، ثم يضاف إليها المعلومات
стр. 9533
فإذا كانت المعلومات ثلاثمائة فكأنها عالت بمثلها فتعطى نصف الثلاث مائة فتفض عليها ويعطى نصفها للمجهولات، ولو كانت المعلومات مائتين لزيد وعمرو زيدتا على الثلاثمائة وكأنه أوصى بخمس مائة فيكون للمجاهيل ثلاثة أخماس وهي مائة وثمانون ولزيد خمس وهو ستون وكذا لعمرو، ولو كانت المعلومات مائة لزيدت على الثلاث مائة وكأنها عالت بمثل ثلثها. انتهى. فيعطى المعلوم ربع الثلاث مئين وهو خمس وسبعون وللمجهول واحدا أو أكثر الأرباع الباقية.
وهل يقسم على الحصة؟ قولان يعني أنه اختلف فيما ناب المجهول حيث تعدد، فقيل يقسم بينهما على الحصة أتي على قدر ما لكل، فإذا أوصى بتسبيل ماء على الدوام كل يوم بدرهمين مثلا وتفرقة خبز على الدوام كل يوم بدرهم، فعلى هذا القول يقسم ما ناب المجهول من الثلث على الثلث والثلثين فللماء ثلثاه وللخبز ثلثه، وإذا أوصى لو قيد مسجد وتسبيل ماء من غير تعيين قدر لكل منهما فينظر لقيمة ما يوقد به ولقيمة الماء، فإذا كان قيمة ما يوقد به درهما وقيمة الماء نصف درهم جعل للوقيد مما ناب المجهول الثلثان وللماء الثلث، وقيل يقسم ما ناب المجهولين أو المجاهيل على عدد الجهات فيقسم نصفين في المجهولين أو أثلاثا أو نحوها في أكثر من اثنين. قال عبد الباقي: واستشكل القول الثاني بأن الموصى قد جعل له أقل مما للآخر فكان ينبغي عدم التسوية بينهما، وأجيب بأنه لا كان له الثلث مع الانفراد كان للجميع الثلث مع التسوية. انظر أحمد. وقوله: "قولان" القول بالتسوية لابن الماجشون في المجموعة، والقول بأنه يقسم على الحصة في الموازية وذهب إليه التونسي وإليه مال اللخمي، قال البناني: ابن الحاجب: فإن اجتمع منها أجناس ضرب لها كالواحد وقسم على عددها. التوضيح: قوله وقسم على عددها نحوه لابن الماجشون في المجموعة، وفي الموازية قول آخر يفاضل بين هذه المجهولات على قدرها، وذهب إليه التونسي. انتهى. زاد ابن مرزوق: وإليه مال اللخمي وبه يسقط قول المواق إن القول الثاني في كلام المصنف معزو وموجه، بخلاف القول الآخر. قاله علي الأجهوري. انتهى. وقال الشبراخيتي: وكان المناسب لاصطلاحه - يعني المصنف - أن يعبر بخلاف لأن كلا من القولين رجح. انتهى.
стр. 9534
والموصى بشرائه للعتق يزاد لثلث قيمته يعني أنه إذا أوصى بشراء عبد معين كاشتروا عبد فلان وأعتقوه فإنه يشتري بقيمته، فإن أبى سيده من بيعه بقيمته فإنه يزاد على ذلك تدريجا إلى ثلث القيمة أي يعطى له قيمته مع زيادة ثلثها، فإذا كانت قيمته ستين فإنه تدفع له ثمانون. قال عبد الباقي: والعبد العين الملك لأجنبي الموصى بشرائه للعتق أي قال: اشتروا عبد فلان وأعتقوه وأبى ربه من بيعه لوصي الميت لا بخلا يزاد لسيده تدريجا لثلث قيمته أي يزاد على قيمته ثلثها؛ لأن الناس لما كانوا يتغابنون في المبيع ولم يحد الميت شيئا يوقف عنده وجب أن يقتصر على ثلث ذلك لأن الثلث حد بين القليل والكثير، فإذا كانت قيمته ثلاثين فإنه يزاد عليها عشرة، فقط فإن باعه فواضح.
ثم إن لم يرض بزيادة الثلث استؤني بالثمن وبالزيادة لتشوف الشارع للحرية، وهل سنة أو بالاجتهاد؟ قولان. قاله ابن مرزوق. وقال أحمد: استؤني للإياس كما في الوصايا الثاني من المدونة أو للفوات بعتق أو موت كما في رواية ابن وهب، وقد حمل ذلك ابن يونس على الوفاق. أبو الحسن: وهو أولى أي أن الإياس يحصل بالفوات بعتق أو موت: ثم إن لم يبعه بعد الاستيناء بطلت الوصية، وورث المال الذي أوصى أن يشترَى به ثم محل الزيادة إلى ثلث قيمته ما لم يكن العبد لابن الموصي، فإن كان لابنه أي أو لوارثه غير ابن فإنه لا يزاد أي على قيمته بشيء. قاله في المدونة. أي وتبطل الوصية كما تبطل إن أبى الأجنبي بخلا فيما يظهر قياسا على ما يأتي قريبا للمصنف. انتهى كلام عبد الباقي.
قوله: وقد حمل ذلك ابن يونس على الوفاق. أبو الحسن: وهو أولى الخ، قال الرهوني: ما نسبه لهما هو كذلك فيهما، ونص ابن يونس: وروى ابن وهب وغيره عن مالك أن الثمن يوقف ما رجيَ العبد إلا أن يفوت بعتق أو موت، قال سحنون: وعليه أكثر الرواة. محمد بن يونس: وهذا وفاق لقول ابن القاسم، وكذا روى عنه ابن المواز مثل رواية ابن وهب أنه يستأنى إلى موته أو عتقه بثمنه وثلث ثمنه أو ما حمل منه الثلث وإن قل، وقاله محمد وقاله أشهب عن مالك وخالفه وقال لا يستأنى به إذا أبى ربه البيع. انتهى.
стр. 9535
ولما ذكر أبو الحسن قوله: وهذا وفاق قال عقبه ما نصه: وخالفه، وحمله اللخمي على الخلاف. الشيخ: وحمله على الوفاق أولى لما قال في الوصايا الثاني: فيحمل عليه ما قال هنا، وأيضا فإن فائدة الاستيناء رجاح بيع العبد فيوقف الثمن ما رجي بيعه. انتهى. قلت: وعلى الخلاف حمله ابن رشد في رسم أول عبد أبتاعه فهو حر في شرحه، قوله في السماع قلت: وترى انتظاره السنة يجزئ؟ قال: ذلك ونحوه وأكثر أحب إلي ونصه: محمد بن رشد: هذه مسألة صحيحة بينة على ما في المدونة وغيرها لا اختلاف فيها إلا في وجه واحد منها، وهو إذا أبى سيده أن يبيعه بما سمى الموصي بثمنه أو بزيادة مثل ثلث ثمنه على قيمته، فقال في هذه الرواية إنه يستأتى به ونحو ذلك، فإن أيس منه رجع الثمن ميراثا ولم يلزم الورثة أن يجعلوه في عتاقة إلا أن يشاءوا وهو ظاهر ما في كتاب الوصايا الأول من المدونة أن الثمن يرجع ميراثا بعد الاستيناء، وروى ابن وهب وغيره عن مالك فيه أن المال يوقف ما كان يرجى أن يشترى العبد إلا أن يفوت بموت أو عتق، قال سحمون: وعليه أكثر الرواة ومثله في الثاني من الوصايا لابن القاسم، لأنه قال فيه: الاستيناء والإياس من العبد. انتهى. ومع هذا فالظاهر ما لابن يونس وأبي الحسن، وقد خالف ابن رشد ﵀ هنا ما قاله ونقلناه عنه فيما مر من أن التوفيق بين كلام الأئمة مطلوب ما أمكن إليه سبيل، وقد اعترف هو هنا بأن ما في الكتاب الأول ظاهر فقط، فكيف لا يرد؟ هذا الظاهر إلى الصريح ثم لا يخفى أن الذي يجب التعويل عليه هو الموقف إلى اليأس بالموت أو العتق، أما على ما لابن يونس ومن وافقه فلا إشكال، وأما على ما لابن رشد فلأنه جعل مقابله ظاهرا فقط مع تأييده الصرح به فيها بأنه رواية ابن وهب وغيره عن مالك، ونقله عن سحنون وعليه أكثر الرواة مع تسليمه ذلك. والله أعلم.
وقوله: "ثم ورث" ظاهره الإرث مطلقا، وقد أطلق أيضا في العتبية والمدونة وغير واحد ولم يتعرض ابن رشد لذلك، وكذا المصنف في توضيحه ولا الزرقاني ولا غيره ممن تكلم على هذا المختصر ووقفنا عليه، وقال أبو الحسن في كتاب الوصايا الأول ما نصه: لم يبين هل هو عتق واجب أو تطوع؟ فقال ابن أبي زمنين: معناه تطوع ولو كان واجبا لم يرد ميراثا ويشترى غيره. قاله ابن القاسم في الوصايا الثاني في باب الوصية بالحج. أنتهى. ونحوه للمتيطي. وما أشار إليه ابن أبي
стр. 9536
زمنين هو قولها بعد أن ذكرت أنه إن أوصى أن يحج عنه معين فأبى أنه يرجع ميراثا إن كان تطوعا وإن كان واجبا حج به غيره ما نصه: كمن أوصى بشراء عبد بعينه للعتق في غير عتق عليه واجب فأبى أهله أن يبيعوه فالوصية ترجع ميراثا بعد الاستيناء والإياس من العبد. انتهى منها بلفظها. ونحوه في ابن يونس عنها.
فرع: قال ابن يونس ما نصه: قال بعض الفقهاء: وانظر هل يدخل في ذلك الوصايا أو يدفع إلى الورثة كالذي رد الوصية وهو أشبه. انتهى منه بلفظه. ونقله أبو الحسن وسلمه.
مسألة: قال أبو الحسن بعد ما قدمناه عنه ما نصه: قوله: وإلا رد ثمنه ميراثا، بهذا يحتج من أفتى من الشيوخ المتأخرين فيمن أوصى بفك أسير معين فوجد قد مات أن الوصية ترجع ميراثا وهي مسألة ذات قولين. انتهى كلام الرهوني.
تنبيه: قال البناني: قال في التوضيح: اختلف هل لا يعلم ربه يعني رب العبد الموصَى بشرائه للعتق بالوصية وهو قول ابن القاسم؟ أو يعلم بها وهو قول أشهب، وكذلك اختلف في الإعلام إذا قال بيعوا عبدي فلانا من فلان، بخلاف ما إذا لم يمين العبد ولا بائعه ولا مشتريه فإنه لا يعلم بالوصية. انتهى. قوله: وكذا اختلف في الإعلام إذا قال إلخ القول بالإعلام هو الذي جزم به ابن رشد وساقه غير معزو كأنه المذهب. انظر الرهوني.
وقال البناني: ذكر المصنف للوصية بالشراء صورتين إما للعتق أو لفلان وبالبيع ثلاث صور، إما ممن أحب أو للعتق أو لفلان وكان من حقه أن يجمع كل شكل إلى شكله. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإذا أوصى بشراء عبد فلان للعتق طلب العبد الموصَى بشرائه للعتق، فإن باعه مالكه بمقدار ثمنه فواضح وإن أبي فإنه يزاد على ذلك لثلث قيمته أي قيمة العبد على المشهور، لا لثلث الميت خلافا لأصبغ، فإن قيل لم لم يقل يزاد ثلث قيمته ويسقط اللام؟ فالجواب أنه لو فعل ذلك لدل على أن الثلث يزاد دفعة وليس كذلك، بل الزيادة على التدريج وهي منتهية للثلث.
وببيع ممن أحب الظاهر أن الواو داخلة على محذوف معطوف على الضمير في ورث وببيع مصدر مجرور متعلق بالموصى المحذوف، والعامل في المعطوف يتعلق به الظرف أعني قوله: بعد النقص
стр. 9537
والإباية ونحو هذا للخرشي ولِعبدِ الباقي، وتقرير الكلام على هذا أن تقول وورث العبد الموصى ببيعه ممن أحب بعد النقص للثلث من ثمنه للمشتري الذي أحب أن يباع له وإباية من اشترائه، وصورة المسألة أن زيدا مثلا أوصى أن يباع عبده ميسرة ممن أحب العبد لا من شخص بعينه، فإذا أحب أن يباع لفلان وأعطى فلان مثل ثمنه فواضح، فأن أبي فإنه يحط عنه ثلث الثمن، فإن اشتراه فواضح فإن أبى بطلت الوصية وورث، وقضية كلام الشبراخيتي أن قوله: "بعد" متعلق بمحذوف تقديره: ورث، جواب شرط يتعلق به المجرور أعني قوله: "ببيع" فإنه قال: وإن أوصى ببيع أي بيع العبد نفسه ممن أحب العبد لا من شخص بعينه، فإنه إذا أحب أن يباع لفلان وأعطى فلان مثل ثمنه فواضح، وإن أبى من شرائه رجع ميراثا بعد النقص للثلث من ثمنه للمشتري الذي أحب أن يباع له، "والإباية" بالواو معطوف على "النقص". انتهى. وقال عبد الباقي: وكذا تبطل الوصية ببيع لعبده العين ممن أحب العبد وأحَبَّ شخصا ولم يرض بشرائه، ورجع العبد ميراثا بعد النقص لثلث قيمته والإباية من شرائه مع نقص ثلث قيمته ممن أحب العبد ولا استيناء هنا خلافا لأحمد لأنه لا تتشوف حريته كالسابقة، فالظرف متعلق بمقدر وهو رجع ميراثا. انتهى.
وقال البناني عند قوله: "وببيع ممن أحب بعد النقص والإباية" ما نصه: قال في التوضيح: هذا إذا لم يوجد من يشتريه بالكلية، وأما لو أحب العبد شخصا وأبى الورثة فله أن ينتقل إلى ثان وإلى ثالث ما لم يطل ذلك حتى يضر بالورثة. قاله أشهب. انتهى. وقال الرهوني عند قوله: "وببيع ممن أحب" ما نصه: لم يتعرض الزرقاني ولا البناني لإعلام من أحبه العبد، وفي التوضيح عن ابن أبي زمنين أنه لا قيام له بعد الشراء إذا لم يُعلموه وقال متصلا به: ورواه أشهب عن مالك، قلت: رواية أشهب هي في رسم الوصايا الثاني من سماع القرينين من كتاب الوصايا الأول، ونصه: وسمعته يسأل عمن أوصى فقال بيعوا غلامي ممن أحب فقال أحب أن تبيعوني من فلان فباعوه منه بستين دينارا وهي قيمة العبد ولم يعلموه ما أوصى به الميت، ثم علم فقال لم تعلموني بما أوصى به الميت ولو أعلمتموني ما اشتريت بهذا الثمن، أترى له أن يرده؟ فأطرق فيها طويلا، ثم قال: ما أرى له شيئا إنما قيل للعبد ممن تحب أن نبيعك، فقال: بيعوني من
стр. 9538
فلان ولا أحب فلانا ولا فلانا فلا أرى له شيئا، قال محمد بن رشد: لأصبغ في الواضحة مثل قول مالك، وقال: إنما هذا وصية للعبد، وأما لو فال بيعوه من فلان فباعوه منه ولم يخبروه وكتموه ذلك فله الرجوع بثلث ثمنه لأنها ها هنا وصية للذي اشتراه، بخلاف قوله: "ممن أحب". وقال ابن نافع في المجموعة: ولو أوصى ببيع عبده ممن أحب فأحب العيد من هو وارث الميت فليوضع عنه ثلث الثمن. وبالله التوفيق.
ابن يونس: ولو أحب العبد أن يشتريه رجلان، قال أبو محمد: هذا أو هذا فليتزايدا عليه، فمن وقع له وضع عنه ثلث ذلك الثمن، قال أبو محمد: أراه يريد أن يتزايدا على أن يحط الثلث وإلا فلم يحط وقد تطوعا بالزيادة؟ انتهى.
تنبيه: في اختصار المتيطية لابن هارون والمعين ما نصه: وإن أحب العبد أن يباع من ابن الميت لم يوضع له شيء. انتهى منهما بلفظهما. زاد في المعين لأنه وصية لوارث. انتهى منه بلفظه. وفيما قالا نَظرٌ لمخالفته لما قدمناه من كلام ابن رشد عن ابن نافع ولم يحك غيره، ولقوله عن أصبغ: إنما هذا وصية للعبد لخ، ولمقتضى قول الإمام لا أرى له شيئا. فتأمله بإنصاف. انتهى كلام الرهوني.
واشتراء لفلان وأبى بُخْلًا بطلت يعني أنه إذا أوصى بأن يشترى عبد زيد من ماله ويعطى لفلان وأبى زيد من بيع عبده بُخْلا به أي غبطة به لا لزيادة الثمن، فإن الوصية تبطل ويرجع الثمن ميراثا، قال عبد الباقي: وإن أوصى باشتراءٍ أي قال اشتروا عبد زيد من مالي وأعطوه لفلان، فإن باعه ربه بثمنه أو بزيادة ثلثه حيث أبي من بيعه لا بُخلًا بل للزيادد دفع للموصى له، وإن أبى ربه من أول طلبه بثمنه أو بعد زيادة ثلثه وليس قاصرا على هذا الثاني كما يوهمه الشارح بخلا ببيع عبده بطلت الوصية ويرجع الثمن ميراثا، وتردد الأشياخ في دخول الوصايا في هذا الراجع وعدم دخولها فيه. انتهى.
ولزيادة فللموصي له هذا مفهوم قوله: "بخلا" يعني أنه إذا أوصى بأن يشترَى عبد زيد مثلا ويعطى لعمرو وأبي زيد من بيع عبده بقيمته والثلث الزائد عليها، فإنه يكون للموصى له الثمن والثلث الزائد، قال عبد الباقي: وإن أبى لِزيادةٍ على ثلث الثمن فللموصى له الثمن والثلث
стр. 9539
الزائد، "وبخلا" مفعول لأجله ولزيادة مفعول لأجله جر باللام عطف على بخلا، وإنما لم يصرح المصنف بالزيادة اتكالا على ما قدمه وهو الثلث ولا استيناء وهذه المسألة بقسميها. انتهى. وقال البناني: ولزيادة فللموصى له أي القيمة وثلثها من غير استيناء لأنه يرجى شراؤه لذلك العبد، ولذا بطلت إذا أبى بخلا لأنه لا يرجى بيعه، انظر التوضيح. وبذلك تعلم ما في الفرق الذي ذكره الزرقاني وغيره. انتهى.
وقول عبد الباقي: فللموصى له الثمن والثلث الزائد اعلم أنه عبر في المدونة بالثمن، والمراد القيمة خلاف ما لعبد الباقي. والله تعالى أعلم. وقوله:. "واشتراء لفلان وأبى بخلا بطلت ولزيادة فللموصى له" هذا قول ابن القاسم في المدونة، وقال غيره فيها: يوقف الثمن حتى يؤيس من العبد، فإن أيس منه رجع، ميراثا ولا فرق بين أن يمتنع من بيعه لزيادة أو بخلا، وزاد ابن يونس ما نصه: سحنون، هذا أصح. انتهى. ثم وجه قول ابن القاسم فانظره. والله أعلم. انتهى.
وقال المواق من المدونة: إن قال اشتروا عبد فلان فامتنع ربه من بيعه غبطة به، وعبارة ابن شأس ضنا به عاد ذلك ميراثا وبطلت الوصية، وإن امتنع ربه بمثل ثمنه زيد في ثمنه ما بينه وبين ثلث ثمنه، فإن امتنع ربه من بيعه بذلك ليزاد ثمنا دفع ثمنه وثلث ثمنه للموصى له. انتهى. وقد مر أن المراد بالثمن في كلام المدونة القيمة. والله تعالى أعلم. وقال الشبراخيتي: فللموصى له من غير استيناء في هذه المسألة بقسميها لأن قصد الموصي نفع الموصى له بالعبد: وقد جعل الثمن وسيلة إليه فإذا تعذر العبد أعطى ما هو وسيلة إليه. انتهى. قوله: "لأن قصد الموصى" الخ علة وقوله: "فللموصى" وببيعد لعتق نقص ثلثه يعني أنه إذا أوصى بأن يباع عبده لمن يعتقه، فإن اشتراه أحد بقيمته فلا كلام وإن لم يوجد من يشتريه بقيمته فإنه ينقص عن المشتري ثلث قيمته فإن اشتراه بذلك فالأمر واضح وكذا الحكم فيما إذا أوصى أن يباع عبده من فلان، فإن اشتراه فلان بقيمة فلا كلام، فإن لم يوجد من يشتريه بقيمته فإنه ينقص ثلث قيمته عمن يشتريه، فإن اشتراه بثلثي قيمته، فلا كلام.
وعلم مما قررت أن في كلام المصنف حذف عاطف مع معطوف، أي وإن أوصى ببيعه لعتق أو ببيعه لفلان، فإن وجد من يشتريه بقيمته في المسألتين فلا كلام وإلا نقص ثلث قيمته فيهما، وإن
стр. 9540
اشترى بذلك فلا كلام وإلا يوجد من يشتريه بنقص ثلث قيمته خير الوارث في بيعه بما قاله المشتري في الصورتين أو عتق ثلثه أي ثلث العبد بتلا في الصورة الأولى وهي صورة الإيصاء ببيعه للعتق، أو القضاء به أي بثلث العبد أي إعطائه لفلان في صورة قول الموصي: بيعوه له أي لفلان وهي الصورة الثانية المقدرة وهذا إذا حمل الثلث جميع العبد الموصى ببيعه للعتق أو لفلان، وإلَّا خيرُوا بين بيعه بوضيعة ثلث الثمن وبين أن يعتقوا منه مبلغ ثلث الميت من جميع ما ترك في مسألة العتق لأن الوصية به، وأما في مسألة المبيع لفلان فيخيرون بين بيعه بوضيعة ثلث الثمن وبين إعطاء فلان ثلث جميع ما ترك الميت من العبد وغيره مما يملكه من عرض ودار وغيرهما؛ لأنه يقول أوصى لي بثلثه وأملك الثلثين بالبيع ولي غرض في ملك جميعه، وهذا التقييد بحمل الثلث جميع العبد ذكره الطخيخي عن العوفي. قاله البناني. قال: ونصه: قال العوفي إذا أوصى ببيعه للعتق أو من فلان، فإن لم يحمله الثلث فالورثة بالخيار بين بيعه بوضيعة ثلث ثمنه أو يعتقوا منه مبلغ ثلث الميت كله في مسألة العتق؛ لأن الوصية به أو يعطوا لفلان ثلث مال الميت من كل شيء في مسألة بيعوه من فلان. انتهى. وقال الرهوني: ذكر هذا القيد ابن يونس عن مالك عن رواية ابن القاسم وأشهب فيهما معا؛ يعني في مسألتي: بيعه للعتق وبيعه من فلان، وذكره عن مالك من رواية أشهب في مسألة العتق، وذكره فيها أيضا عن أشهب وسحنون. انتهى المراد منه.
وبعتق عبد لا يخرج من ثلث الحاضر وقف إن كان لأشهر يسيرة يعني أنه إذا أوصى بعتق عبد للموصي مال حاضر ومال غائب والعبد الموصى بعتقه لا يخرج من ثلث المال الحاضر أي لا يحمله، فإنه يوقف عتق العبد بعد موت الموصي إن كان يرجى حضور المال الغائب عند مضي أشهر يسيرة فيعتق العبد كله، وإن قال العبد أعتقوا مني ثلث الحاضر لم يجب إلى ذلك، قال عبد الباقي: وإن أوصى بعتق عبد معين وله مال غائب وكان لا يخرج من ثلث الحاضر أي لا يحمله وإنما يحمله مع الغائب لو حضر وقف عتقه بعد موته إن كان يرجى حضور الغائب لأشهر يسيرة كأربعة حتى يحضر، فيعتق كله ولو طلب العبد عتق ما يحمله ثلث الحاضر من المال ويؤخر عتق بقيته لم يجب إلى ذلك، وحينئذ فيجري عليه أحكام الرق إلى أن يعتق.
стр. 9541
وإلا أي وإن لم يخرج حضور الغائب لأشهر يسيرة بل كثيرة عجل عتق ثلث الحاضر أي يعجل عتق ما حمله ثلث المال الحاضر من العبد، ثم إذا حضر المال الغائب رمم عتق العبد منه أي من الغائب إذا قدم ولو تدريجا، فيعتق مما قدم منه محمله ثم كذلك إلى أن يكمل عتقه. انتهى كلام عبد الباقي. وقال الخرشي: يعني أن الإنسان إذا أوصى بعتق عبده وله مال حاضر ومال غائب والحال أن العبد لا يخرج من ثلث المال الحاضر ويخرج من ثلث الجميع، فإن كان المال الغائب يأتي بعد أشهر يسيرة كالأربعة فإن العبد يوقف عتقه إلى حضور الغائب ويعتق كله منه، وإن كان المال الغائب لا يأتي إلا بعد أشهر كثيرة فإنه يعجل عتق ما قابل ثلث الحاضر، ثم كلما قدم شيء من المال الغائب فإنه يعتق ما قابل ثلثه إلى أن يكمل عتق العبد. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن أوصى بعتق عبد معين وله مال حاضر ومال غائب لو حضر الجميع لخرج العبد من ثلثه ولكنه لا يخرج من ثلث المال الحاضر وقف عتقه إن كان يرجى اجتماع المال لأشهر يسيرة خمسة فأقل، وعتق العبد كله لأن التبعيض خلاف الوصية واغتفر ذلك في الطول للضرورة، قال في المدونة: وليس للعبد أن يقول أعتقوا مني ثلث الحاضر الآن أي وإذا طلب ذلك لم يجب، وإلا بأن لم يخرج اجتماعه إلا لأشهر كثيرة سنة فما فوقها عجل عتق ثلث الحاضر أي محمل ثلث الحاضر ثم تمم عتقه من المال الغائب، فكلما حضر منه شيء عتق من العبد مقدار ثلثه. انتهى. وقال البناني: لم يُحَدَّ مالك الأشهر الكثيرة، وحدها ابن المواز بستة.
ولزم إجازة الوارث بمرض لم يصح بعده يعني أن الوارث إذا أجاز في مرض الموصي مرضا مخوفا وصية أكثر من الثلث أو لوارث، فإن تلك الإجازة تلزمه بشرط أن يموت الموصِي من ذلك المرض الذي أجاز فيه الوارث وصيته، ومفهومه أنه لو لم يمت الموصي من ذلك المرض الذي أجاز فيه الوارث وصيته بل صح بعده ثم مات فإنه لا يلزم الوارث إجازته، قال عبد الباقي: "ولزم إجازة الوارث" ليس المراد أنه يلزمه أن يجيز، وإنما مراده أنه إذا أجاز وصية موروثه قبل موته فيما له رده بعده كما لو كانت لوارث أو بأزيد من الثلث، فإن ذلك يلزمه سواء تبرع بالإجازة أو طلبها منه الموصي كما ذهب إليه غير واحد من شيوخ عبد الحق، فليس له بعد موته رده تمسكا بأنه من إسقاط الشيء قبل وجوبه، وإنما تلزمه إجازته بشروط: أحدها كون الإجازة بمرض للموصي
стр. 9542
سواء كانت الوصية فيه أو في الصحة، ولا بد من كون المرض مخوفا، واستغنى عن تقييده بذلك لفهمه من الشرط الثاني وهو قوله: "لم يصح بعده" أي بعد مرضه الذي أجاز فيه الوارث، فإن أجاز في صحته أو في مرض صح منه صحة بينة ثم مرض لم يلزم الوارث ما أجازه في الصحة أو في المرض الأول. انتهى كلام عبد الباقي.
قوله: سواء تبرع بالإجازة أو طلبها منه الموصي إلخ، قال ابن عرفة: عياض: أجاب في المدونة عن مسألة طلب ذلك منهم ولم يفسر ما إذا تبرعوا به، فقال بعض الصقليين: جوازه في الوجهين سواء لأنهم يقولون بادرناه بالإجازة لتطيب نفسه وخفنا منه إن لم نبادر، وقال بعض القرويين: إن أجازوا قبل استيذانهم لم يكن لهم رجوع كان في عياله أو لم يكن، وإليه نحا التونسي وغيره. انتهى. قاله البناني. وقول عبد الباقي: أو في مرض صح منه صحة بينة ثم مرض لم يلزم الوارث الخ، قال الرهوني: صحيح وظاهره أنه لا يمين، وفي المنتقى ما نصه: وهل يلزمهم اليمين أنهم ما سكتوا رضى بذلك؟ قال ابن كنانة: يلزمهم ذلك، ووجهه أن صورة السكوت عن التغيير صورة استدامة الرضاء فيلزمهم اليمين أنهم لم يرضوا به في المرض الثاني. انتهى.
وكلامه يفيد أن هذا هو المذهب، ويظهر من كلام ابن يونس أيضا أنه المذهب لأنه ذكر المسألة، وقال عقبها ما نصه: وقال ابن كنانة ولكن يحلفون ما سكتوا عن تغيير ذلك رضا به. انتهى. وقد ساقه في التقييد أيضا على أنه تقييد، ونصه: وكذلك نص عليه ابن القاسم، قال: لأنه صح واستغنى عن إذنهم فلا يلزمهم حتى يأذنوا له في المرض الثاني. ابن كنانة: ولكنهم يحلفون أنهم ما سكتوا رضى بذلك. انتهى. وكلام ابن مرزوق يفيد هذا أيضا، فإنه ذكر كلام ابن يونس مقتصرا عليه مسلما له، لكن ابن رشد استبعده، فقال في شرح أول مسألة من رسم أول عبد أبتاعه فهو حر من سماع يحيى ما نصه: وقال ابن كنانة: بعد أن يحلفوا ما سكتوا إلا عن غير رضى ولا يلزمهم ذلك وهو بعيد. وبالله التوفيق. انتهى. ونقله الحطاب في التزاماته. وقال عقبه ما نصه: وجعل الرجراجي قول ابن كنانة مخالفا لقول ابن القاسم. انتهى. ولكنه أغفل كلام من قدمنا ذكرهم ويد الله مع الجماعة. والله أعلم. انتهى كلام الرهوني.
стр. 9543
وأشار إلى الشرط الثالث وهو أن لا يكون له عذر بقوله: إلا لتبين عذر مستثنى من اللزوم، يعني أن محل لزوم الإجازة المذكورة للوارث إنما هو حيث لم يتبين أن له عذرا، وأما إن تبين عذره فلا تلزمه الإجازة فله أن يرد الوصية بكونه في نفقته يعني أن العذر يتبين بكون الوارث في نفقة الموصي سواء كانت النفقة واجبة أو متطوعا بها، فإذا أجاز الوارث وصية الموصى لوارث أو بأكثر من الثلث في مرض الذي مات منه وهو في نفقته فإن تلك الإجازة لا تلزمه وله أن يرد الوصية، قال الشبراخيتي: إلا لتبين عذر من الوارث في إجازته بكونه في نفقته أي نفقة الموصي، والباء بمعنى من، وسواء كانت النفقة واجبة أو متطوعا بها لأنهم قالوا كنفقة أبكار بناته وزوجاته، وهذه واجبة فالتطوع بها أحرى. انتهى.
قال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن الباء سببية والمجرور متعلق بتبين عذر. والله تعالى أعلم. وقال عبد الباقي: وأشار للشرط الثالث وهو أن يكون له عذر بقوله إلا لتبين عذر من الوارث في إجازته بكونه أي الوارث مندرجا في نفقته أي نفقة الموصي واجبة أو متطوعا بها، وخاف قطعها عنه إذا لم يجز وصيته أو دينه عطف على "بكونه" يعني أن إجازة الوارث للوصية لا تلزم فيما إذا كان للموصي دين على الوارث، لأنه يخاف أن يطالبه به ويسجنه إن لم يجز وصيته فهو معذور. قال عبد الباقي: أو لأجل دينه الذي له عليه فيطالبه به ويسجنه إن لم يجز. انتهى. وهو صريح فيما ذكرت من أن الباء للسببية.
أو سلطانه يعني أنه إذا كان للموصي سلطان وجاه فإن ذلك عذر للوارث، فلا تلزمه الإجازة المذكورة.
وأشار للشرط الرابع وهو أن لا يكون المجيز ممن يجهل أن له الرد والإجازة، بقوله: إلا أن يحلف من بجهل مثله أنه جهل أن له الرد مستثنى من مقدر، أي فإن لم يكن له عذر بأحد هذه الأمور لزمته الإجازة إلا أن يدعى الجهل ويكون ممن يجهل مثله أن له الرد والإجازة، فلا تلزمه الإجازة حيث حلف أنه جهل أن له الرد فإن نكل لزمته الإجازة، قال عبد الباقي: وأشار للشرط الرابع وهو أن لا يكون المجيز ممن يجهل أن له الرد والإجازة، بقوله: إلا أن يحلف من يجهل مثله لزوم الإجازة كالجافي المتباعد عن الفقهاء. انتهى. قوله: لزوم الإجازة فيه نظر؛ إذ فرض
стр. 9544
المسألة أنه قال: لم أعلم أن لي الرد بدليل تصريح المصنف بمفعول جهل وما قاله مثله في التتائي وهو فرض آخر، وهو ما إذا أجاز ثم قال جهلت لزوم الإجازة والحكم واحد. قاله البناني. وقال الشبراخيتي: مستثنى من محذوف تقديره: فإن لم يكن له عذر بأحد هذه الأمور فإن الإجازة تلزمه إلا أن يحلف إلخ، ثم بين معمول يحلف بقوله: أنه جهل أن له الرد لوصية موروثه، فإذا حلف لم تلزمه الإجازة. انتهى.
لا بصحة عطف على قوله: "بمرض" وهو مفهوم "بمرض" يعني أن الوارث لا تلزمه الإجازة للوصية حيث كانت في صحة الموصي حيث كان بغير سبب من كسفر، بل ولو أوصى للأمر عرض له كسفر أو حج أو غزو فإن الإجازة لا تلزم الوارث نظرًا لصحة الموصى وهو قول ابن وهب الذي رجع إليه وصوبه أصبغ، فلذا اقتصر عليه المصنف فلا يعترض عليه بمخالفته قول ابن القاسم وروايته اللزوم عن مالك. قاله الشبراخيتي. وقال عبد الباقي: وذكر مفهوم الشرط الأول ليرتب عليه المبالغة، فقال: لا تلزم الوارث إجازة وصية الموصي بصحة للموصي سواء كانت الإجازة لوارث أو لأجنبي بأكثر من الثلث، ولو لأمر عرض للموصي لكسفر لحج أو غزو أو مرض خفيف فله الرد بعد موت الموصي لعدم جريان السبب ولا غيره بقول الشاهد، واطلع الوارث على ذلك وأجازه والكلام في الوصية التي هي تمليك مضاف لا بعد الموت، وأما لو مللث في صحته وارثا من الآن وأشهد به وحازه في صحته فلا كلام للوارث الآخر. انتهى.
وقال البناني: لا بصحة هذا قول مالك في الموطأ والعتبية، قال: لا يلزمهم ذلك لأنهم أذنوا في وقت لا منع لهم فيه. أبو عمر: هذا مشهور مذهب مالك، وخرج ابن الحاج عليه في نوازله أن من رد ما أوصي له به في صحة الموصي ثم قبله بعد موته صح قبوله لأنه لم تجب له الوصية إلا بموت الموصي. انتهى من ابن عرفة. انتهى. وقوله: "ولو لكسفر" قال الرهوني مقويا لما مر عليه المصنف ما نصه: فالصنف لم يخالف قول ابن القاسم، بل تبع أحد قوليه ويظهر من كلام المتيطي أنه قول لمالك أيضا، ونصه على اختصار ابن هارون، وكذلك اختلف إذا أذن للمسافر ورثته في الوصية بأكثر من الثلث عند سفره، فقال مالك في العتبية: يلزمهم ذلك إن مات في سفره كالمرض، وقال في الموازية: لا يلزمهم وبالأول أخذ ابن القاسم، وقال ابن وهب كنت أقول:
стр. 9545
يلزمهم ثم رجعت إلى أنه لا يلزمهم. أصبغ: وهو الصحيح. انتهى. وفي المعين ما نصه: إذا استأذن الصحيح المريد للسفر ورثته في الوصية بأكثر من الثلث فأجازوا ذلك، فقال مالك في العتبية: يلزمهم ذلك كالمريض، وقال في كتاب محمد: لا يلزمهم ذلك. وقاله ابن وهب في العتبية. وبالقول الأول قال ابن القاسم. انتهى. وكلامهما صريح فيما قلناه، على أنا لو سلمنا أنه ليس لمالك إلا قول واحد فلا يتوجه الاعتراض على المصنف؛ إذ كم من مسألة المشهور فيها خلاف قول مالك، ثم قال: فالحق ما قاله المصنف. والله الموفق. انتهى.
تنبيه: قد مر لي تبعا للشبراخيتي أن قوله: "إلا أن يحلف" مستثنى من مقدر، ولا مانع من كونه مستثنى مما استثني منه الأول؛ لأن استثناء شيئين أو أشياء من واحد بدون عطف جائز في العربية، نحو: قام القوم إلا زيدا إلا عمرا كما يعلم من قول الخلاصة:
كلم يفوا إلا امرء إلا علي … .....................
وبهذا تعلم ما في كلام عبد الباقي في أجوبته مع أن قوله: إن إلا الأولى بمعنى غير لا يصح. والله تعالى أعلم. انظر حاشية الشيخ البناني.
والوارث يصير غير وارث وعكسه المعتبر مآله يعني أنه إذا أوصى لوارث حين الوصية أي لو مات لورثه كأخ أوصى له في الصحة أو في المرض ثم حدث ابن للموصي فصار الأخ غير وارث، فإن الوصية تصح للأخ اعتبارا بما آل إليه الأمر، وكذا يعتبر المآل فيما إذا أوصى لأخيه وله ابن حين الوصية فمات الابن قبل موت الموصي وصار الأخ وارثا فلا تصح الوصية له؛ لأن المعتبر المآل. قال الحطاب: مثال الصورة الأولى إذا أوصى لأخيه ولا ولد له ثم ولد له أو أوصت المرأة لزوجها ثم أبتها، ومثال العكس أن يوصى للمرأة ثم يتزوجها أو أوصى لأخيه وله ولد فيموت الولد فيصير الأخ وارثا.
ولو لم يعلم مبالغة في الأولى؛ يعني أنه إذا أوصى لوارث حين الوصية ثم صار غير وارث فإن الوصية صحيحة، ولا فرق في صحتها بين أن يعلم الموصي بأنه صار غير وارث وأن لا يعلم، ورد بلو القول بأنه إذا لم يعلم الموصي بأنه صار غير وارث تبطل الوصية. قال الحطاب عند قول
стр. 9546
المصنف ما نصه: هذا الخلاف في الصورة الأولى وهي ما إذا أوصى لوارث، ثم صار غير وارث، وأما الثانية فلا يتصور فيها وجود الخلاف. انتهى. وقال عبد الباقي: والوارث كأخ يوصي له موروثه في صحته أو مرضه ثم يصير عند الموت غير وارث بحدوث ابن للموصي وكزوجة توصي لزوجها ثم يطلقها البتة قبل موتها، وعكسه كوصية امرأة لأجنبي ثم تزوجها المعتبر مآله أي ما يؤول إليه حال الموصى له في الصورتين، فإذا مات لم تصح وصيته في الثانية وصحت في الأولى، ولو لم يعلم الموصي فيها بصيرورة الوارث غير وارث حين الموت ولم يغير، وأما قبله فلا يعلمه إلا الله، فالمبالغة راجعة للصورة الأولى وقصد بها رد قول ابن القاسم: لا يلزم ورثة الزوجة الموصية لزوجها ثم يبتها حيث لم تعلم قبل موته، وإنما يلزمها إذا علمت بطلاقها ولم تغير ولا يصح رجوعها للثانية لعدم وجود الخلاف فيها. انتهى المراد منه.
وقال المواق من الموطأ: قال مالك: السنة التي لا اختلاف فيها أنه لا تجوز وصيته لوارث إلا أن يجيز له ذلك ورثة الميت. الباجي: إنما يراعى في ذلك أن يكون وارثا يوم الموت، فلو أوصى لوارث ثم كان غير وارث لصحت له الوصية، ولو أوصى لغير وارث ثم كان وارثا بطلت الوصية، قال ابن القاسم فيمن أوصت لزوجها ثم أبانها ثم ماتت: إن علمت بطلاقها فالوصية جائزة وإن لم تعلم بطلاقها فلا شيء له، وقال أيضا: علمت أو لم تعلم الوصية نافذة، ووجه الباجي كلا القولين. ومن المدونة قال مالك: من أوصى لأخيه بوصية في مرض أو صحة وهو وارثه لم يجز، فإن ولد له ولد بحجبه جازت الوصية إن مات إذا علم بالولد؛ لأنه قد تركها بعد ما ولد فصار مجيزا لها، وقال أشهب: الوصية للأخ جائزة علم الموصي بها، ولد له أو لم يعلم. انتهى.
واجتهد في ثمن مشترى لظهار أو تطوع يعني أنه إذا أوصى بأن يشترى عبد يعتق عن ظهار عليه أو تطوعا، فإن الموصي أو من يقوم مقامه من قاض أو وارث أو مقدم قاض يشترى عبدا يجتهد في قدر ثمنه مسلما فيهما لا عيب به حيث كان عن ظهار، قال عبد الباقي: وإن أوصى بشراء عبد يعتق عن ظهار أو تطوع ولم يسم ثمنا اشتري واجتهد الموصي في ثمن عبد مسلم لا عيب فيه مشترى لظهار على الموصي بشرائه ليعتق عن ظهاره، أو مشترى لتطوع أوصى بعتقه عنه ولم يسم ثمنا في الحالتين، ولا بد من كونه مسلما وإن ظهر به عيب في هذه لا غير مسلم فيهما، وإن لم
стр. 9547
يظهر كفره إلا بعد شرائه، فيرد بقدر المال أي يراعى في الاجتهاد كثرة المال وقلته، قال الخرشي: يعني أنه إذا أوصى بشراء رقبة للعتق عن كظهار عليه أو أوصى بشرائها للعتق تطوعا عنه ولم يسم الموصي ثمنا في الحالين، فإن من يتولى تفرقة ثلث الميت من وصي أو قاض أو وارث أو مقدم قاض يجتهد في شراء الرقبة المذكورة كثرة وقلة بقدر المال، فليس من ترك مائة دينار كمن ترك ألف دينار. انتهى.
وقال الشبراخيتي: أي أن من أوصى بشراء رقبة تعتق عن ظهاره أو تطوعا ولم يسم ثمنا فإن الموصَى أو من يقوم مقامه يشتري له رقبة بالاجتهاد، فليس من ترك مائة دينار كمن ترك ألف دينار، ومعنى الاجتهاد في ذلك أنه إذا نظر إلى المال فيوجد كثيرا يجتهد فيما يناسب صاحبه من العتق بحسب كثرة المال، وإذا وجده قليلا اجتهد فيما يناسب صاحب القليل. انتهى. وإيضاح هذا أن تقول: واجتهد أي من له التصرف في ثلث مال الميت من وصي أو قاض أو مقدم أو وارث في قدر ثمن عبد مشترًى لظهار، وينبغي أن يكون باقي الكفارات كذلك أو تطوع بقدر قلة المال وكثرته. انتهى. وقال التتائي: واجتهد الموصي في قدر ثمن عبد مشترى لظهار عليه أو تطوع بقدر قلة المال وكثرته على المشهور. أشهب: يشتري وسطا واستحسنه اللخمي حيث لا وصايا، وأما إن كانت وضاق الثلث رجع لأدنى الرقاب. انتهى. والظاهر أن الباء في قوله: "بقدر" للملابسة أو الآلة. والله تعالى أعلم.
فإن سمي في تطوع يسيرا أو قل الثلث شورك به في عبد قد علمت أن قوله: "واجتهد في ثمن" الخ محله حيث لم يسم ثمنا، وأما إن سمَّى ثمنا فإن كان كثيرا يبلغ شراء رقبة ويسعه الثلث فلا كلام، وإن كان يسيرا في تطوع أو كثيرا لكن ثلث ماله لا يسع ما سماه ولا يسع رقبة فإنه يشارك بالثلث أو بما سماه في شراء رقبة للعتق، وأما في الظهار فلا يشارك بذلك في شراء عبد لأنه لا يعتق فيه إلا رقبة كاملة، لكن يطعم بما لم يبلغ شراء رقبة، فإن فضل عن الإطعام شيء ورث. وذكر اللخمي أن كفارة القتل كالتطوع كما ذكره الحطاب وهو خلاف ظاهر كلام المؤلف، إلا أن يحمل على كفارة قتل العمد لأنها مندوبة فيتضح. قاله الخرشي. ونحوه للشبراخيتي، قال عبد الباقي: ومفهوم "في تطوع" أن الظهار لا يشارك فيه، إذ لا يعتق فيه إلا رقبة كاملة وغيره من
стр. 9548
الكفارات مثله كما مر، وقول اللخمي كما في الحطاب: كفارة القتل كالتطوع ضعيف لمخالفته تقييد المصنف كابن يونس بالتطوع، أو يحمل على كفارة القتل عمدا لأنها فيه مندوبة. انتهى. وإلا يوجد عبد يشارك فيه في مسألة التطوع، فآخر نجم مكاتب يعان فيه، قوله: "فآخر" إما مبتدأ وخبره يعان فيه أو خبر مبتدأ محذوف أي العان فيه آخر نجم مكاتب. انظر الشبراخيتي. وقوله: يعان فيه فعل ونائبه الجار والمجرور، وقوله: "فآخر نجم" أي يندب ذلك، فلو جعل الثلث أو ما سمى في أول نجم أو وسطه لكفى ذلك. وقال التتائي: وأراد بقوله: وإن سمَّى في تطوع تقييد ابن يونس وغيره قول المدونة، فإن سمى ونصها ومن أوصى بعتق نسمة تشترى ولم يسم ثمنا أخرجت بالاجتهاد بقدر قلة المال وكثرته، وكذلك إن قال عن ظهاري وإن سمي ثمنا لا يسعه الثلث اشترى بثلثه إن كان فيه ما يشترى به رقبة، فإن لم يبلغ شورك به في رقبة فإن لم يبلغ أعين به مكاتب في آخر نجومه. انتهى.
وقوله: أو قل المعطوف محذوف أي أو كثير أو قل الثلث، وقوله: "فآخر نجم مكاتب" قد علمت أنه على جهة الندب فلو وضعه في أول نجم كفى كما مر، فإن عجز أخذ ذلك من سيده لأنه إنما دفع للمكاتب لقصد العتق لا لقصد الصدقة.
تنبيهان: الأول: قد مر عن الخرشي وعبد الباقي عن اللخمي تبعا للأجهوري أن كفارة القتل كالتطوع واعترضاه، وقالا: إلا أن يحمل على كفارة القتل عمدا. قال البناني: هو غير صحيح، لأن في كلام اللخمي ما يمنعه، ونصه: إن لم يبلغ العتق عن ظهار أطعم عنه إن وفى بالإطعام أو ما بلغ منه: وإن كان فوق الإطعام ودون العتق أطعم وكان الفضل لهم هذا القياس والاستحسان أن يتصدق به، وإن كان العتق عن قتل شورك به في عتق عبد، وكذا إن كان تطوعا، قال مالك: أو يعان به في مكاتب. انتهى على نقل ابن عرفة. فقوله: وكذا إن كان تطوعا يمنع ما حمله عليه الأجهوري؛ لأن كفارة العمد تطوع. انتهى.
الثاني: قال الرهوني: كلام الأجهوري يوهم أنه لا قائل بذلك إلا اللخمي، فإذا حعل كلامه على ما ذكر ارتفع الخلاف وليس كذلك فقد نقله عبد الحق في النكت عن بعض القرويين ولم يتعقبه. انظر نصه في المواق عند قوله ثم عتق ظهار وقتل وتأمله، ونحوه في المنتقى وأوضح من ذلك كلام
стр. 9549
المتيطي، ونصه: ثم العتق في الظهار وقتل النفس خطأ، فإن لم يحملهما الثلث، فقال ابن القاسم: يقرع بينهما، قال أبو العباس الأبياني: وهو مذهب المدونة، وقيل يبدأ بكفارة القتل ثم الظهار، وقال بعض القرويين: يتحاصان فما وقع للظهار أطعم به وما وقع للقتل شورك به في رقبة. انتهى بلفظه على اختصار ابن هارون، فقد صرح بأن القتل خطأ وإن كان مأخوذا من قوله تحاصا فتأمله. انتهى.
وإن عتق فظهر دين يرده أو بعضه رق المقابل يعني أنه لو سمى في التطوع ثمنا فيه وفاء بثمن عبد فاشتري وعتق ثم ظهر أن على الموصي دينا يرده كله أو يرد بعضه فإنه تبطل الوصية في الأولى، فيرق كله ويبطل بعضها في الثانية فيرق بعضه، فإذا رد الدين نصفه مثلا فإن كان نصفه يفي بالدين فإنه يرق نصفه للدين ويبقى ثلث النصف الآخر على حريته، فقوله: "رق المقابل" راجع للمسألتين أي المقابل للدين كلا أو بعضا، قال الشبراخيتي: وإن سمى ما فيه كفاف ثمن عبد فاشتراه وعتق عن الموصي وظهر عليه دين يرده كله رق جميعه وبطلت الوصية، أو يرد بعضه رق المقابل راجع لهما أي رق المقابل للدين كلا أو بعضا وعتق ثلث ما بقي منه في الثانية. انتهى. وقال البناني: يرده أو بعضه أي يرده كله بأن أحاط الدين بمال الموصي أو يرد بعضه بأن كان الدين يستغرق جميع المال غير العبد ونصف العبد مثلا، فيرق نصفه للغرماء ولا إشكال ثم يعتق ثلث النصف الباقي ويرق ثلثاه للورثة؛ لأن الوصية إنما تكون في الثلث. هكذا في المدونة كما في المواق. انتهى.
وقال عبد الباقي عند قوله: "رق المقابل" للدين وهو جميعه في الأولى وبعضه في الثانية في التطوع بخلاف الظهار، فيرق جميعه لأنه لا يعتق عن ظهار بعض رقبة ويطعم عن الميت بما زاد على الدين. انتهى. وقال المواق عن المدونة: وإن سمى ثمنا فيه كفاف الثلث فاشتراها الموصى به فأعتقها عنه ثم لحق الميت دين يغترق جميع ماله رد العبد رقا وإن لم يغترق الدين جميع ماله رد العبد وأعطي صاحب الدين دينه، ثم عتق من العبد مقدار ثلث ما بقي من مال الميت بعد قضاء الدين ولا يضمن الموصي إذا لم يعلم بالدين. انتهى.
стр. 9550
وإن مات بعد اشترائه ولم يعتق اشتري غيره نبلغ الثلث يعني أنه إذا أوصى بشراء عبد ليعتق عن ظهار أو تطوعات فاشترى الموصي أو من يقوم مقامه عبدا فمات العبد قبل أن يعتق كما في عبارة غير واحد أو قبل الحكم بعتقه كما في المواق عن عبد الوهاب، فإنه يشتري عبدا ثانيا، فإذا اشترى ومات قبل الحكم بعتقه اشتري ثالث أيضا وهكذا إلى أن ينفد الثلث، والحاصل أنه لا يزاد على الثلث كما علمت، فمهما أنفد الثلث لم يشتر شيء أي ثلث جميع مال الميت، قال الشبراخيتي: وإن أوصى بشراء رقيق للعتق ومات المعتَق الموصى بشرائه للعتق بعد اشترائه لذلك ولم يعتق اشتري غيره لأنه مات رقا، والوصية باقية إذ لا يعتق بنفس الشراء وإذا اشتريَ غيره فمات اشتريَ آخر وهكذا لمبلغ الثلث أي لمبلغ تمام الثلث أو لمبلغ تمام مرتبته من الثلث إن كان هناك وصايا تزاحمه، وإذا قتل أو استحق فقيمتة وثمنه حيث أمكن أخذهما يقومان مقامه في اعتبار ذلك من الثلث.
وقوله: "وإن مات" يجري فيما اشترى للعتق عن الظهار أو تطوعا غير أن قوله: "لمبلغ الثلث" يجري فيما اشتريَ للعتق تطوعا مطلقا، وأما فيما اشتري للظهار فلا بد أن يكون مبلغ الثلث يشترى به رقبة كاملة. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن مات العبد بعد اشترائه ليعتق ولم يعتق بالفعل اشترى غيره لمبلغ الثلث للميت بتمامه، ولو قسمت التركة على المشهور وقيل ثلث ما بقي، وقيد بقوله: "ولم يعتق" لأنه لا يعتق بمجرد الشراء لأن أحكامه في أحواله أحوال عبد حتى يعتق، ولهذا لو قتله شخص كان عليه قيمته تجعل في عبد آخر، فإن قصرت عن قيمة رقبة تممت بقيته من ثلث الميت أو ثلث ما بقي وهذا ما لم يعلق الموصي عتقه على مجرد الشراء، كاشتروا بعد موتي عبدا وإن اشتريتموه فهو حر، فإن مات لم يلزم شراء غيره لحصول الحرية، وشمل قوله: "وإن مات" ما اشتري ليعتق عن ظهار أو تطوع، غير أن قوله: "لمبلغ الثلث" يجري في الثاني مطلقا، وفي الأول إن كان مبلغ الثلث يشترى به رقبة كاملة. انتهى. وتحقيق كلامه هو ما قال البناني اشتري غيره لمبلغ الثلث أي ثلث جميع مال الميت، وقيل ثلث ما بقي أبدا وكأنه لم يكن له مال إلا ما بقي وهو لابن القاسم في الموازية، فإذا اشتري العبد الأول بالثلث كاملا فعلى المشهور لا شيء عليهم وعلى مقابله يشترون آخر من ثلث ما بقي وعن ابن
стр. 9551
القاسم أيضا: الفرق بين أن يكون المال قد قسم أو لم يقسم وهو قول أصبغ، ورده ابن رشد بأن الحقوق الطارئة على التركة لا يسقطها قسم المال. انظر الحطاب. انتهى.
وقول أصبغ: هو أنه إذا لم يقسم المال رجع في ثلث ما بقي أبدا، فإن كان قد قسم لم يرجع على الورثة إلا بما بقي في أيديهم من ثلث التركة (١) أن يكون معه في الثلث أهل وصايا قد أخذوا وصاياهم، فيأخذ مما أخذوا ما يبتاع به رقبة. انتهى. وقال المواق: عبد الوهاب: إذا أوصى بعتق نسمة لم تعتق بنفس الشراء حتى يحكم بالعتق، وإذا أوصى بأن يشترى أحد ممن يعتق عليه عتق عليه بنفس الشراء والكل وصية تخرج من الثلث. انتهى.
وبشاة يعني أنه إذا أوصى له بشاة من غنمه أو ببعير من إبله أو ببقرة من بقره أو عبد من عبيده أو فرس من خيله أو نحو ذلك، فإن الموصى له يشارك الورثة بالجزء أي بنسبة تلك الشاة لما عنده من الغنم، فإذا كان له خمس شياه وأوصى له بشاة منها مبهمة فإنه يكون الموصى له مشاركا للورثة بالجزء أي بالخمس في هذا المثال، وأربع شارك بالربع فله من الشياه بقدر تلك النسبة كما يأتي ما يدل عليه؛ لأن له من كل شاة ربعها وثلاثة أعبد شارك بالثلث، وعلى هذا فقس أو عدد سماه يعني أنه إذا أوصى له بعدد من ماله سماه كثلاث من غنمه أو من إبله أو من حميره، فإنه يشارك الموصى له الورثة بالجزء أي يكون له جزء من ذلك المال بنسبة العدد الذي سماه إلى ماله، فإن سمى ثلاثة وله تسعة كان شريكا بالثلث، وإن سمى ثمانية وله اثنا عشر فإنه يكون شريكا بالثلثين، وعلى هذا فقس.
وعلم مما قررت أن قوله: من ماله راجع للأمرين قبله أي بشاة من ماله أي من غنمه أو إبله أو غيرهما أو عدد من ماله أي من خيله أو عبيده أو غيرهما، وقوله: شارك بالجزء جواب الشرط أي وإن أوصى له بشاة أو بعدد شارك بالجزء. قال الشبراخيتي: وإن أوصى بشاة لو قال بكشاة كان أحسن لتدخل البقرة والفرس والعبد وغير ذلك أو عدد سماه من الشياه وغيرها من ماله وله شياه أو خيل أو عبيد شارك الموصى له الورثة بالجزء أي بتلك النسبة، فإذا أوصى له بشاة أو
стр. 9552
فرس أو عبد وله من كل واحد عشرة كان شريكا بالعشر وباثنين كان شريكا بالخمس، وقس على ذلك. ويراعى في إعطاء العدد قيمته كما يفيده كلام الحطاب والمواق، أي فيراعى في النسبة العدد الموجود ويراعى في الإعطاء القيمة. قال ابن غازي: لام له يحتمل الجر على أنه واحد الأموال، قال: ولا يبعد فتحها على أنها موصولة أي من الذي له من ذلك الجنس. انتهى. وقوله: "من ماله" أي قال من مالي والمال موجود. انتهى المراد منه.
وقال عبد الباقي: وإن أوصى لشخص بشاة واحدة من غنم أو عبد من عبيده أو بعير من إبله أو أوصى له بعدد من ماله، أي قال: أعطوه عددا من غنمي أو عبيدي أو إبلي أو نحو ذلك فلام مال مكسورة على أنه واحد الأموال، ولا يبعد فتحها على أن ما موصولة وله صلتها أي من الذي له من ذلك الجندى وملكه متعدد يوم التنفيذ، زاد على العدد الموجود يوم الوصية أو نقص عنه شارك الموصى له الورثة بالجزء أي بنسبة الجزء الذي أوصي به إلى الموصى فيه من غنم وعبيد أو إبل، سواء كان جميع ذلك باقيا أو زاد على العدد يوم الوصية والموت أو نقص عنه بأن هلك بعضه وكان الفاضل أكثر مما سمى، فإذا أوصى له بشاة مثلا وله ثلاث شياه كان شريكا بالثلث أو له مائة كان شريكا بعشر العشر وكذا يقال في العبيد والإبل، وإذا أوصى له بعشرة وكان عنده مائة يوم الوصية أو الموت إلى يوم التنفيذ فهو شريك بالعشر، فإن هلك منها خمسون وبقي خمسون إلى يوم التنفيذ كان له عشرة أجزاء من خمسين لأن الذاهب كالعدم، وإن بقي ثلاثون إلى يوم التنفيذ كان له عشرة أجزاء من ثلاثين جزءا، وإن بقي عشرون كان له عشرة أجزاء من عشرين وذلك نصف، وكلام المدونة يدل على ذلك كما في أحمد وقوله: "أو عدد" أي بمتعدد، وحذف تمييزه ليعم الشياه وغيرها، ومعنى مشاركته بالجزء أنه يعطى من الشياه عددا بقدر تلك النسبة وليس معناه أنه يكون شريكا في كل جزء من العدد المذكور بتلك النسبة كما هو المتبادر من لفظه، وحينئذ فيحتاج [في] (١) تمييز ذلك العدد إلى القرعة ثم يراعى في الإعطاء القيمة، فعلم أنه يراعى في العدد حال المال يوم التنفيذ وفي الإعطاء القيمة كما في الحطاب. انتهى كلام عبد الباقي.
стр. 9553
وقال البناني: وإن أوصى بعشرة من غنمه أو عبيده مثلا فإن الموصى له يكون شريكا بنسبة هذا العدد مما يكون موجودا يوم التنفيذ من الغنم أو العبيد. هذا قول ابن القاسم في المدونة وغيرها. فهو لم يراع الجزء يوم الموت مطلقا، وإنما راعاه بشرط أن تبقى الغنم إلى يوم التنفيذ، فإن لم تبق الغنم على عددها بل نقصت فله نسبة ذلك العدد من الباقي إن حمله الثلث، قال في المدونة: قال غير ابن القاسم: ما مات أو تلف قبل النظر في الثلث فكأن الميت لم يتركه. أبو الحسن: قول الغير تفسيرٌ وتتميم. ابن عبد السلام: والحاصل أن ابن القاسم اعتبر الشركة بالجزء مع الالتفات إلى العدد، يريد: وإن لم يبق إلا ذلك العدد. قال: واعتبر ابن الماجشون الجزء مطلقا فلا فرق عنده بين أن يوصيَ له بشاة من غنمه وهي عشرة، وبين أن يوصيَ بعشرها فيكون له عشرما بقي مطلقا. انتهى، ونحوه في التوضيح. انتهى.
وقال الحطاب: ومعنى يشارك بالجزء يعني أنه يكون شريكا بنسبة تلك الشاة من الغنم أو بنسبة ذلك العدد من الغنم، فإن أوصى له بشاة ومات عن خمس فله الخمس، وإن أوصى له بثلاث فله ثلاثة أخماس الغنم فتقوم ويأخذ الموصى له بذلك الجزء من الغنم سواء كان عدده قدر القدر الذي أوصى به الميت أو أكثر أو أقل بالقرعة. هذا قول ابن القاسم. لكنه لم يراع بالجزء يوم الموت مطلقا: بل راعاه بشرط أن تبقى الغنم إلى يوم التنفيذ، فإن لم يبق إلا ذلك أخذه الموصى له إن حمله الثلث، ثم قال الحطاب: فلو أوصى له بعشرة من غنمه وهي خمسون ثم تلف منها عشرون فله ثلث الثلاثين، وإن بقي عشرون فله نصفها وإن بقي خمسة عشر فله ثلثاها، فإن بقي عشرة أخذها إن حمل ذلك الثلث، فإن لم يبق من الغنم شيء أو استحقت كلها فلا شيء له. نص عليه ابن عرفة ونحوه في التوضيح، وفي المدونة أول الوصايا ما يدل كالصريح لمن تأمل. انتهى.
وإن لم يبق إلا ما سمى فهو له إن حمله الثلث يعني أنه إذا لم يبق من الغنم أو غيرها فيما مر إلا شاة في المسألة الأولى أو ما سماه من العدد في المسألة الثانية فهو للموصى له يختص به دون الورثة بشرط أن يحمله الثلث، فإن لم يحمل الثلث إلا بعضه فله ما حمله. قاله عبد الباقي. ومر عن الحطاب أنه إذا لم يبق من الغنم شيء أو استحقت كلها لم يكن للموصى له شيء، وقال عبد الباقي: فإن لم يكن عنده أكثر مما سماه فهو قوله: "وإن لم يبق إلا ما سمى" إلخ. انتهى.
стр. 9554
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: علم من قول عبد الباقي هذا أنه إن بقي أقل مما سمى فهو للموصى له. والله تعالى أعلم.
لا ثلث غنمي فتموت يعني أنه إذا قال: أوصيت لفلان بثلث غنمي فهلك بعضها، أو قال أعطوا فلانا ثلث غنمي فهلك بعضها فإنه يعطى ثلث ما بقي سواء كان قليلا أو كثيرا، بخلاف التي قبلها فإن له العدد كله، وإن لم يبق إلا ما سمى على ما مر، قال الشبراخيتي: لا إن قال له ثلث غنمي أو بقري فتموت أي يموت بعضها فليس له إلا ثلث ما بقي حتى يغاير ما قبله، وأما لو ماتت كلها فلا شيء له ولو كان المال باقيا ومثل الموت الاستحقاق والغصب كذا ينبغي. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن قال له ثلث إبلي أو أوصى له بثلث غنم فاستحق ثلثاها فله ثلث ما بقي من الإبل والغنم. انتهى.
وقال عبد الباقي: لا إن قال في وصيته له ثلث غنمي أو بقري فتموت أي يموت بعضها فليس له إلا ثلث ما بقي، فإن لم يبق إلا شاة أعطى ثلثها وإن لم يبق شيء فلا شيء له لأنها شركة صحيحة؛ إذ هي بجزء معين بخلاف السابقة فبعدد معين، قال التتائي: والاستحقاق كمالوت وقال الأجهوري: ينبغي أن الغصب مثله. انتهى. أي إذا لم يقدر على الغاصب فإن قدر عليه نفذت الوصية به لبقائه على ملك ربه، بخلاف الاستحقاق. انتهى.
تنبيه: قال مقيده عفا الله عنه علم من كلام غير واحد أن قوله: "وبشاة أو بعدد سماهُ" الخ لا فرق فيه بين أن يقول: شاة من غنمي أو ثلاثة من ابلي أو مالي، أو يقول: له شاة فقط أوله ثلاثة من الإبل فقط. والله تعالى أعلم.
وإن لم تكن له غنم فله شاة وسط يعني أنه إذا قال: أوصيت له بشاة من مالي أو بثلاث شياه من مالي ولم تكن له غنم فإنه يكون للموصى له شاة وسط لا علية ولا دنية ونحوه لابن الحاجب، قال في التوضيح وفي الموازية: قيمة شاة وسط، واقتصر عليه المواق. قاله غير واحد. وقال الشبراخيتي: والظاهر أنه يعطى قيمة شاة وسط من الغالب إن غلب الضأن أو المعز وإلا أعطي نصف قيمة شاة وسط من كل من الصنفين. انتهى.
стр. 9555
وإن قال من غنمي ولا غنم له بطلت يعني أنه إذا قال أوصيت لفلان بشاة من غنمي والحال أنه لا غنم له فإن الوصية تبطل، قال عبد الباقي: لأن مراد الموصي أن يعطوا له بشرط أن يكون لي غنم عند موته ولتلاعبه، وأما التي قبلها فغرضه تحصيل شاة له من ماله. انتهى. انظر تعليله الأول فإنه، يوهم أنه لو حدثت له غنم لم تبطل الوصية فالصواب التعليل الثاني، وقد صرح الشبراخيتي بالبطلان في ذلك وهو ظاهر المصنف إن لم يكن صريحه، ففي الشبراخيتي ما نصه: وإن قال أوصيت له بشاة من غنمي والحال أنه لا غنم له حال الإيصاء بطلت وصيته وإن حدث له غنم لم يكن له فيها شيء. انتهى.
كعتق عبد من عبيده فماتوا تشبيه في البطلان يعني أنه إذا أوصى بعتق عبد من عبيده ثم ماتوا كلهم أو استحقوا، فإن الوصية تبطل، فإن لم يبق منهم إلا عبد واحد تعين عتقه تنفيذًا لِغرض الموصى، ومثل الموت إذا لم يكن له عبيد أصلا. قاله الخرشي. وهذه هي قول المصنف، وإن قالَ من غنمي ولا غنم له بطلت. والله تعالى أعلم.
تنبيه: قال عبد الباقي: واعلم أن الوصية بالعتق يجري فيها جميع ما مر في قوله: "وبشاة" إلخ. انتهى. وهذا الذي أشار إليه نحوه في المواق حيث، قال: من أوصى بعتق عشرة من عبيده ولم يعينهم وعبيده خمسون فمات منهم عشرون قبل التقويم عتق ممن بقي منهم عشرة أجزاء من ثلاثين جزءا بالسهم، خرج عدد ذلك أقل من عشرة أو أكثر، ولو هلكوا إلا عشرة عتقوا إن حملهم الثلث، وكذا من أوصى لرجل بعبد من رقيقه أو بعشرة من إبله. انتهى. وفيه مخالفة لما مر عند قوله: "أو بعدد سماه من أكثر أقرع كالقسمة". والله تعالى أعلم.
وقدم لضيق الثلث فك أسير يعني أنه إذا اجتمعت الوصايا وأمور غيرها تخرج من الثلث وضاق الثلث عن إخراج جميعها، فإنه يبدأ بفك الأسير الذي أوصى بفكه على ما بعده أي ما يفك به، ثم مدبر صحة هذا ليس من الوصايا وإنما هو مما يخرج من الثلث، يعني أنه يبدأ بعد فك الأسير بعتق المدبر الذي دبره في صحته على ما بعده، ثم صداق مريض هذا أيضا ليس من الوصايا وإنما هو مما يخرج من الثلث، أي لا فرق بين أن يوصى به وأن لا يوصى؛ يعني أنه يبدأ بعد من ذكر بصداق المريض على ما بعده، وصورة ذلك أنه تزوج امرأة وهو مريض وبنى بها ثم مات أوصى
стр. 9556
به أم لا، قال الشبراخيتي: وقدم لضيق الثلث عما يخرج منه كان وصية أو غيرها، كصداق المريض والدبر وغير ذلك مما ذكره المصنف، فك الأسير أي ما يفك به الأسير وظاهره عين الموصي قدرا أم لا. انتهى.
وقال البناني: إنما قدم فك الأسير لأنه مخاطب به في الصحة، والدبر وصداق المريض إنما ينظر فيهما بعد الموت فكان كل منهما أضعف مع ما في الفك من التخليص من الإذاية التي ليست في غيره. ابن عرفة: قال ابن رشد في المقدمات: كان أبو عمر الإشبيلي يرى تبدئة الوصية بفك الأسير على كل الوصايا المدبر في الصحة وغيره، ويحتج برواية أشهب في كتاب الجهاد وحكاه عنه ابن عتاب، وقال: أجمع الشيوخ على ذلك وهو صحيح. انتهى. وقوله: "ثم مدبر صحة ثم صداق مريض" هذا هو المشهور من أقوال ثلاثة، قال عبد الحق: قدم مدبر الصحة لأن النكاح محدث اختيار أبعده في المرض وهو ليس له أن يحدث في المرض شيئا يبطله أو ينقصه، والقولان الآخران أحدهما أنه يبدأ بالصداق، قال عبد الحق: لأنه أشبه بالمعاوَضة، ومن الناس من يراه من رأس المال. الثاني: أنهما يتحاصان لأن لكل واحد منهما وجها يترجح به. قاله البناني.
وقوله: "فك أسير" ظاهر المصنف الإطلاق، وقيده أحمد بالمسلم، قال: فإن أوصى بفك أسير ذمي كان من جملة الصدقة. انتهى. أي ويأتي حكمها في قوله: "ومعين غيره وجزئه". قاله عبد الباقي.
وإن دبر اثنين في الصحة أو في المرض وكان ذلك بكلمة تحاصا وإلا قدم السابق، قال الحطاب في كتاب المدبر منها: ومن مات وترك مدبرين فإن كان دبر واحدا بعد واحد في صحة أو مرض أو دبر في مرض ثم مح ثم دبر في صحة، فيبدأ بالأول إلى مبلغ الثلث، ولو دبرهم في كلمة في صحة أو مرض عتق جميعهم إن حملهم الثلث وإن لم يحملهم لم يبدأ أحد منهم على صاحبه، ولكن يفض الثلث على جميعهم بالقيمة فيعتق من كل واحد حصته منه، وإن لم يدع إلا هم عتق ثلث كل واحد ولا سهم بينهم، بخلاف المبتلين في المرض، قال في هذا المحل من التوضيح: وهذا هو المشهور، وقيل: يقرع بينهم. انتهى. قوله: "صداق مريض" قد تقدم أن لها الأقل من المسمى وصداق المثل والثلث ويكون في المعلوم والمجهول. والله تعالى أعلم.
стр. 9557
ثم زكاة أوصى بها يعني أنه بعد ما تقدم يبدأ بالزكاة التي فرط في إخراجها، وأوصى أن تخرج عنه: قال عبد الباقي: ثم زكاة لمعين فرط فيها وأوصى بها. انتهى. قال البناني: أخرت لأن طالبها غير معين وطالب ما قبلها معين. انتهى. وقال الشبراخيتي: ثم زكاة كان فرط فيها بدليل ما بعده، يعني قوله: "إلا أن يعترف بحلولها" الخ، وسواء كانت لمعين أو حرث أو ماشية. وقول التتائي: لعين غير ظاهر؛ لأن الفرض أنه فرط فيها فلا فرق بين المعين وغيرها. انتهى.
قال مقيده عفا الله عنه: علم من هذا أن معنى فرط فيها أنها زكاة عام قبل عامه هذا، ولهذا قال الحطاب مفسرا للمصنف: يعني ثم زكاة فرط فيها وأوصى بها في مرضه، أما لو لم يفرط فيها فهي المسألة الآتية في قوله: "إلا أن يعترف بحلولها" الخ، وأما لو أقر بها في صحته وأشهد بها فإنها من رأس ماله كما يأتي في أول باب الفرائض، ولو فرط فيها ولم يوص بها في مرضه فلا تخرج من ثلث ولا غيره. قال في التوضيح: ولو قال في مرضه سأخرجها. انتهى. ومراد المؤلف زكاة الأموال سواء كانت عينا أو حرثا أو ماشية، قال في المنتقى: قال في كتاب المواز: زكاة المال والحب والماشية سواء يحاص بينها عند ضيق الثلث. انتهى.
تنبيه: اعلم أنه إذا لم ينص الموصي على تبدأة فإنه يبدأ بالآكد فالآكد كما ذكر المصنف، فإن نص على التبدئة بديء بما أمر بالتبدئة به، ولو كان غيره آكد منه اتباعا لوصيته ما لم يكن الآكد مما لا يجوز الرجوع عنه، كالمبتل في المرض والمدبر فيه أو في الصحة.
إلا أن يعترف بحلولها ويوصى فمن رأس المال يعني أنه إذا لم يفرط في إخراج الزكاة بأن كانت زكاة عامه واعترف بحلولها وأوصى بإخراجها، فإنها تخرج من رأس المال حيث كانت عينا، قال الحطاب هنا: هذه هي الزكاة التي لم يفرط فيها، وفرق المؤلف فيها بين المعين وغيرها، فشرط في المعين أن يعترف بحلولها ويوصي بالمال، أما اشتراط الاعتراف فتبع فيه ابن الحاجب، وقد اعترضه في توضيحه وكذلك ابن عبد السلام وابن عرفة، ونص ابن عرفة: قول ابن الحاجب إن اعترف بحلولها حينئذ وأنه لم يخرجها فمن رأس المال خلاف اقتضاء ظاهر الروايات شرط علم حلولها حينئذ من غيره ولصحة تعليل الصقلي ما أخرج منها في الثلث بكونه لم يعلم إلا من قبله. انتهى. وقال عبد الباقي: ومفهوم المصنف أنه إن مات ولم يعترف بحلولها ولم يوص بها
стр. 9558
لم تخرج، ويحمل على أنه كان أخرجها وأنه إن اعترف بحلولها ولم يوص لم تجبر الورثة على الإخراج ولم تكن في ثلث ولا في رأس مال. انتهى.
كالحرث والماشية يعني أن زكاة الحرث والماشية ليست كالعين فيما إذا حلتا، فالعين إن اعترف بحلولها وأوصى أخرجت من رأس المال، وأما إن لم يوص بإخراجها فلا تكون في ثلث ولا في رأس مال، وأما زكاة الحرث والماشية التي حلت فإنها تخرج من رأس المال، وإن لم يوص بإخراجها والحاصل أن الزكاة التي فرط فيها أي كانت لغير عامه هذا، فإنه إن أوصى بها تتلو صداق المريض هذا إذا لم يقر بها في صحته ويشهد بها، وأما إن أقر بها في صحته وأشهد بها فإنها تخرج من رأس المال، وسواء فيما ذكر كانت زكاة عين أو غيرها كالحرث والماشية، فإن لم يفرط فيها بأن كانت للعام الحاضر، فإما أن تكون زكاة عين أو غيرها فإن كان زكاة عين أخرجت من رأس المال بشرط أن يعترف بحلولها ويوصيَ، فإن لم يعترف بحلولها ولم يوص لم تخرج ويحمل على أنه أخرجها، فإن اعترف بحلولها ولم يوص لم تكن في ثلث ولا في رأس مال، وإن كانت زكاة حرث أو ماشية فإنها تخرج من رأس المال وإن لم يوص، هذا على ما قال المصنف وهو معترض لأن الشرط في إخراج الزكاة من رأس المال أن يعلم حلولها من غير الموصي، وما يخرج من الثلث هو ما كان عن علم الموصي، وأما من له ساع وأوصى بإخراجها والحال أنه مات قبل مجيء الساعي فهي حينئذ من جملة قوله: "ومعين غيره" إلخ.
ثم الفطر يعني أن زكاة الفطر الماضية إذا أوصى بها فإنها تكون في الثلث تالية للزكاة التي فرط فيها من عين أو حرث أو ماشية، وأما من مات يوم الفطر أو ليلته، فقال ابن يونس: من مات يوم الفطر أو ليلته فهي من رأس المال عند ابن القاسم، فإن لم يوص بها أمر الورثة بإخراجها ولم يجبروا، وقال أشهب: هي من رأس المال أوصى بها أم لا، كمن مات وقد أزهى حائطه وطاب كرمه وأفرك زرعه واستغنى عن الماء فذلك زكاته على الميت إن بلغ الزكاة أوصى أو لم يوص. قاله المواق. وقال عبد الباقي: ثم زكاة الفطر الماضية وأوصى بها فإن لم يوص بها أمر ورثته بإخراجها من غير جبر، وأما من مات في زمنه كليلة الفطر أو يومه فإن أوصى أو أشهد في صحته أنها في ذمته فمن رأس المال في الأولى خلافا لأشهب، وباتفاق في الثانية. انتهى. قوله: خلافا
стр. 9559
لأشهب يعني أن أشهب، قال: تخرج من رأس المال أوصى أم لا، وقوله: أو أشهد عطف على مات أي، وأما إن أشهد بها في صحته فإنها في ذمته وهي ماضية فإنها تكون من رأس المال كما مر قريبا في الزكاة التي فرط فيها لمعين أو غيرها. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه. والله تعالى أعلم.
ثم كفارة ظهار وقتل يعني أنه يلي زكاة الفطر في الإخراج عند ضيق الثلث كفارة الظهار وكفارة القتل فيقدمان على ما بعدهما، وهما في مرتبة واحدة عند ابن القاسم لكن في قتل الخطأ لا في العمد؛ لأن الكفارة فيه مستحبة والكلام في ترتيب الواجبات فتكون في العمد آخر المراتب وتدخل في قوله الآتي: "ومعين غيره"
وأقرع بينهما يعني أن كفارة الظهار وكفارة القتل في مرتبة، ولذلك إذا ضاق الثلث عن إخراجهما معا فإنه يقرع بينهما. قال عبد الباقي: وأقرع بينهما عند الضيق في تقديم أيهما بأن لم يحمل الثلث إلا كفارة واحدة، ومحل إخراجهما من الثلث إذا فرط في إخراجهما بمضي مدة بعد تحتم كفارة الظهار وبعد وجوب كفارة القتل، ولم يعلم هل أخرجهما أم لا؟ ولم يشهد في صحته أنهما في ذمته، فإن علم أنه لم يخرجهما أو شك ولكن أشهد في صحته ببقائهما عليه فمن رأس المال. انتهى. وقال المواق: النكت: ثم بعد الزكاة العتق في الظهار والقتل لأن الزكاة لا عوض عنها فهي أقوى، فإن ضاق الثلث عن عتق الظهار والقتل ولم يحمل إلا كفارة واحدة فرأيت للأبياني أن معنى المدونة أنه يقرع بينهما، وذهب بعض القرويين إلى أنه يحاص بينهما فما وقع للظهار أطعم به وما وقع للقتل شورك به في رقبة. ابن رشد: إن وسع الثلث رقبة وإطعام ستين مسكينا فيعتق الرقبة في القتل ويطعم عن الظهار باتفاق. انتهى.
ثم كفارة يميله يعني أنه يلي كفارتي الظهار والقتل في الإخراج عند ضيق الثلث كفارة اليمين بالله لأنها على التخيير وهما على الترتيب، قال المواق: النكت: يبدأ عتق الظهار والقتل على كفارة اليمين، لأن كفارة اليمين هو مخير فيها في ثلاثة والظهار والقتل كفارتهما مقصورة على شيء واحد لا ينتقل عنه إلا بالعدم. الباجي: وقال مالك: إنما تبدأ كفارة الأيمان إن كانت عليه فيما علم، فأما إن أوصى بها تحنثا وتحرجا فلا تبدأ وهي كالوصايا بالصدقة.
стр. 9560
انتهى. وقال الشبراخيتي: وإنما قدمت على كفارة الفطر والتفريط لأنها واجبة بكتاب الله تعالى بخلافهما. انتهى.
ثم لفطر رمضان يعني أنه يلي ما تقدم في الإخراج عند ضيق الثلث الكفارة لفطر رمضان بجماع أو أكل أو شرب. ثم للتفريط يعني أنه يلي الكفارة لفطر رمضان الكفارة لتفريط في قضاء رمضان حتى دخل عليه رمضان آخر وأخر عما قبله لأنه للتأخير فقط والأول خلل في ذات الصوم، ثم محل الثلاثة التي ذكر المصنف إذا لم يعلم هل أخرجه أولا ولم يشهد في صحته أنه في ذمته؟ فإن علم أنه لم يخرجه أو أشهد في صحته أنه في ذمته فمن رأس المال. قاله عبد الباقي.
ثم النذر يعني أنه يلي كفارة التفريط عند ضيق الثلث النذر فيقدم على ما بعده، قال الشبراخيتي: ظاهره في الصحة أو في المرض وإنما أخر النذر عن كفارة فطر رمضان والتفريط لتعلقهما بالصوم الذي أوجبه الله من غير أن يكون له سبب في إيجابه، بخلاف النذر فإنه الذي تسبب في إيجابه على نفسه. قال عبد الباقي: وما ذكرناه من أن نذره في صحته أو مرضه نحوه للتتائي قائلا إنه ظاهر المصنف، والذي لأبي الحسن والمواق وابن مرزوق أن محل ذلك في نذر الصحة وإلا فمرتبته ما يليه وهو قوله: ثم المبتل ومدبر المرض يعني أن العتق المبتل في المرض والمدبر في المرض يليان المنذر عند ضيق الثلث فيقدمان على ما بعدهما. قال الحطاب: يعني أنهما في مرتبة واحدة، فإن لم يحملهما الثلث تحاصا. قال في التوضيح: وهذا إذا كانا في فور واحد، ولو بدأ بأحدهما ثم ذكر الآخر بدئ بالأول. أشهب: والكلام المتصل لا صمات فيه كاللفظ الواحد. وقال ابن القاسم: ما كان في كلمة واحدة وفور واحد فهما معا، وما كان في فور بعد فور فالأول مبدأ. وفي الموازية والمجموعة: إن كانا في كلام واحد أو في حكم اللفظ الواحد، وفي الموازية والعتبية والمجموعة: إن كانا في كلام واحد في مرضه فقال هذا حر بتلا وهذا مدبر، تحاصا. وقاله ابن القاسم.
تنبيه: وقع في كلام غير واحد ما معناه: وأما الصدقة والهبة والحبس والعطية المبتلات فإنها مقدمة على الوصايا، وهل تقدم على الموصى بعتقه؟ اختلف في ذلك والذي اختاره ابن القاسم أنه يقدم عليها، وأما العتق المبتل في المرض فهو مقدم عليها أي على المبتل من هبة ونحوها.