في الموصى بخدمته يجري في الوصية أيضا؛ لأن الوصية بعد الموت لازمة لزوم الهبة، ويدل على ذلك أن سحنونا سأل ابن القاسم في المدونة عن مسألة الموصى بخدمته فأجابه بمسألة العبد الموهوب خدمته. انظر التتائي.
وقال المواق: قال ابن شأس: الوصية بمنافع عبد صحيحة حتى إذا مات الموصى له ورث عنه إلا أن يظهر أنه أراد حياة المخدم، ونفقة هذا العبد على الموصى له ولا يملك الوارث بيعه إن أوصى بخدمته أبدا، وإن كان مؤقتا بزمن محدود فهو كبيع المستأجر لا يجوز إلا في الزمن اليسير، فإن قتل العبد عمدا فللوارث استيفاء القصاص ويحبط حق الموصى له، وكذلك إن رجع إلي القيمة فإن الوارث يختص بها، وإن جنى هو تعلق الأرش برقبته فإن أسلمه الورثة بطل حق الموصى له، وإن فداه استمر حقه. انتهى. وقال البناني: وفي المدونة: فإذا تمت خدمته، فإن دفع له السيد ما فداه به وإلا أسلمه رقا. انتهى.
وهي ومدبر إن كان بمرض في المعلوم يعني أن الوصية بصحة أو مرض والمدبر إن كان تدبيره في المرض إذا قوما ليعتقا من الثلث إنما يقومان في العلوم للميت قبل موته ولو بعد الوصية، والتدبير لا فيما جهله قبل موته فلا يقومان فيه، وأما مدبر الصحة فيدخل في المعلوم والمجهول، قال التتائي وهي أي الوصية ومدبر عقد تدبيره إن كان العقد بمرض إذا قوما لينظر هل يخرجان من الثلث أم لا؟ إنما يقومان فيما علم السيد من ماله لا فيما لم يعلم على المعلوم المذهب، وعلى هذا ثبت ابن القاسم، ومفهوم بمرض أن مدبر الصحة يدخل فيما علم وفيما لم يعلم، وإليه رجع مالك وكان يقول أولا إنما يدخل فيما علم فقط، والفرق بين المدبرين أن المريض يتوقع الموت من مرضه وهو عالم بماله والصحيح قصد عتقه من مجهول، إذ قد يكون بين تدبيره وموته السنون الكثيرة، ولهذا إذا صح المريض ثم مات كان كمدبر الصحة، وظاهر كلام المصنف كانت الوصية بالثلث أو بغيره كواجبات عليه من زكاة أو عتق عن ظهار أو قتل نفس أو كفارات أو هدي، كانت لواحد أو لمتعدد، معلوم أو مجهول وللخمي في ذلك تفصيل انظره. انتهى.
وقال المواق من المدونة: الوصية لا تدخل إلا فيما علم به الميت. ابن حارث: وكذا يتفق على المدبر في المرض أنه كذلك لا يدخل إلا فيما علم به الميت، قال في المدونة: وأما المدبر في الصحة
стр. 9592
فيما علم به الميت وفيما لم يعلم به. انتهى. وقد مر في نظم قول بأن المدبر في المرض يدخل في المعلوم والمجهول في مسائل التركة فراجعه إن شئت. وقوله: في المعلوم، في بعض النسخ: فيما علم بالبناء للفاعل أي الموصي. قال عبد الباقي: وهي أي الوصية بصحة أو مرض ومدبر إن كان تدبيرد بمرض ومات منه كان كل منهما فيما علم به الموصي قبل موته ولو بعد الوصية، لا فيما جهله قبل موته من ماله فلا يكونان فيه، وأما مدبر الصحة فيدخل في المجهول أيضا، وإنما لم تدخل وصية الصحة في المجهول كمدبر الصحة لأنه عقد لازم بخلافها قال الحطاب: فإن تنازع الورثة والموصى له في العلم فالقول للورثة بيمين، فإن نكلوا فللموصى له بيمين. انتهى. انتهى. ولو نكل الموصى له فلا شيء له إذ ذلك هو الجاري على القواعد المسلمة فلا وجه للتوقف في ذلك. قاله الرهوني.
وقول عبد الباقي وغيره: وأما مدبر الصحة فيدخل في المجهول أيضا لم يذكر عبد الباقي هل يدخل في العلوم والمجهول دخولا واحدا أو يبدأ بالمعلوم؟ وفي التوضيح. ما نصه: وحيث حكمنا للمدبر بدخوله فيما لم يعلم الميت به، فاختلف هل يدخل فيما علم به الميت وما لم يعلم به دخولا واحدا أو يبدأ بما علم به، فإن بقي من المدبر بقية لم يسعها ثلث ما علم به تممت من ثلث ما لم يعلم، وتظهر ثمر هذين القولين عند ضيق الثلث عن الوصايا. انتهى منه بلفظه. قاله الرهوني. وقال عبد الباقي: وأما صداق المريض فيكون في المعلوم والمجهول، ولا يرد على المصنف إذ ليس هذا من الوصايا.
ودخلت فيه فاعل دخلت ضمير يعود على الوصايا، والضمير المجرور عائد على مدبر المرض يعني أن الوصايا المقدمة في الرتبة على مدبر المرض إذا ضاق الثلث عنها وعنه يبطل تدبيره ويصير رقا لا تدبير فيه، وإذا بطل تدبيره فإنه تدخل فيه الوصايا المقدمة عليه بمعنى أنها تقوم فيه وفي غيره، فيخرج منها ما حمله ثلث ذلك ومثل هذا يقال في مدبر الصحة حيث ضاق الثلث عنه وعن فك الأسير، فيقدم فك الأسير الموصى به فإن لم يف به ثلث مال السيد من دون المدبر في الصحة، فإنه يبطل تدبيره ويجعل من جملة الذي يخرج فك الأسير أي يبطل من تدبيره ما
стр. 9593
احتيج إليه. قال الشبراخيتي: ودخلت وصية فيه أي في المدبر مطلقا سواء كان في الصحة أو في المرض كما في الشيخ عبد الرحمن.
واعلم أن دخول الوصية في مدبر الصحة وفي مدبر المرض ظاهر، وذلك فيما إذا كان المقدم على كل كفك الأسير يزيد على ثلث مال الميت الذي من جملته قيمة المدبر، بأن كان ثلث مال الميت الذي من جملة قيمة المدبر مائة وكان فك الأسير مائة أو أكثر، فإنه يبطل تدبير المدبر ويدخل ما زاد من فك الأسير في ثلث قيمته أيضا، وحينئذ فلا إشكال وبه تعلم أن كلام الحطاب غير ظاهر. انتهى. قال البناني: أي لأن الحطاب استشكل دخول الوصية في مدبر المرض بأنه لا يتصور بوجه؛ لأن الأشياء التي تخرج من الثلث منها ما يتقدم على مدبر المرض، فإذا ضاق الثلث بأن استغرقه ما يقدم على التدبير بطل التدبير وبطلت الوصايا التي بعده، وإن كان مع المدبر وصايا تتأخر عند وضاق الثلث عنها بطلت الوصايا وصح التدبير، وإن كان مع المدبر ما هو في رتبته وقع الحصاص عند ضيق الثلث وعلى كل حال من الأحوال الثلاثة فلم تتصور صورة يمكن فيها دخول الوصايا في مدبر المرض. انتهى باختصار. وأجاب جد علي الأجهوري بما ذكر الزرقاني أي وغيره كالشبراخيتي، ونحوه لابن عاشر ورده مصطفى، وصوب ما للحطاب قائلا: لأن الكلام في الوصايا في المال وما ذكره الأجهوري ينبو عنه كلام المصنف لا في التوضيح ولا في المختصر، قال: ولا فائدة لما حمل عليه كلام المصنف لعلم ذلك مما تقدم من الترتيب؛ إذ لا شك أن القدم يدخل فيما بعده ولا يحتاج المؤلف للتنبيه على كل ما تقدم من المراتب ولا خصوصية للمدبر فالحمل على ذلك تهافت، فترك الكلام على إشكاله أو دعوى السهو أو الغلط أولى من التهافت. انتهى.
قلت: وفيه نظر إذ لا يعلم من الترتيب المتقدم أن المقدم يدخل فيما بعده، وإنما يعلم منه بطلان المتأخر إن ضاق عنه الثلث، وأما الدخول فيما بطل فشيء آخر لا يعلم إلا من ها هنا، فما حمله عليه الأجهوري وغير متعين ولا تهافت فيه. والله تعالى أعلم. انتهى المراد منه.
стр. 9594
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: ولا يخفى عدم ظهور كلام الحطاب ومصطفى. والله تعالى أعلم. واعلم أن كل وصية مقدمة على ما بعدها تدخل فيما بعدها حيث بطلت الوصية فيه لضيق الثلث، فقوله: "ودخلت فيه"، فيه تنبيه على ذلك.
وفي العمرى يعني أن الوصايا تدخل في المال الراجع من العمرى فيباع كما يباع المدبر لأجلها حيث ضاق الثلث، قال الشبراخيتي: ودخلت الوصايا في الراجع إليه من العمرَى والحبس المؤقت على ما مشى عليه المصنف من أنه لا يشترط تأبيد الوقف. انتهى. وقال عبد الباقي: وتدخل في الراجع إليه من العمرى أي في الشيء العمر لا المصدر ولو بعد موته بسنين، وكذا تدخل في الحبس يعني المؤقت والبعير الشارد والعبد الآبق الراجع كل من الثلاثة بعد موته.
واعلم أن دخول الوصية في مدبر الصحة أو المرض ظاهر وذلك إذا كان المقدم على كل كفك الأسير يزيد على ثلث الميت الذي من جملته قيمة المدبر، يعني أو يبلغه فإن كان ثلث الميت الذي من جملته قيمة المدبر مائة، وكان فك الأسير مائة أو أكثر فإنه يبطل تدبير مدبر الصحة ويدخل ما زاد من فك الأسير في ثلث قيمته أيضا، ومثله يقال في مدبر المرض وحينئذ فلا إشكال، وبه يعلم أن كلام الحطاب غير ظاهر. انتهى. ونحوه للخرشي وفيه عند قوله: "ودخلت فيه وفي العمرى" في نصه: تقدم أن الوصايا لا تدخل إلا فيما علم به الموصي وذكر هنا أنه تدخل في المدبر في المرض إذا بطل بعض تدبيره لضيق الثلث. انتهى المراد منه. وقال التتائي: ودخلت وصية فيه أي في المدبر إذا لم يخرج من الثلث ورق بعضه. انتهى.
وفي سفينة وعبد شهر تلفهما ثم ظهرت السلامة قولان مبتدأ وخبره الجار والمجرور، ومعنى كلامه أن من له سفينة أو عبد اشتهر عند الناس تلفهما ثم أوصى بعد أن اشتهر تلفهما بوصية ثم ظهرت سلامتهما، اختلف على قولين رواهما أشهب عن مالك، هل تدخل الوصية فيهما أو لا تدخل؟ واعلم أنه وقع في العتبية ما يفيد دخول الوصية فيما ذكر، ووقع فيها ما يفيد عدم الدخول فيما ذكر، وحمل ذلك قوم من الأشياخ على الخلاف كالشيخ أبي محمد وابن الحاجب والمصنف وابن عرفة، وجزم ابن رشد بأنه لا اختلاف فيما وقع في العتبية، ففي سماع القرينين ما نصه: سئل مالك عمن نعيَ له عبد آبق أو ذكر له غرق سفينة ثم مرض فأوصى بثلث ماله ثم
стр. 9595
مات وجاء العبد الآبق وسلمت السفينة، أيدخل ذلك في ثلثه؟ فقال: نعم، ليس يشبه هذا الذي يكون له مال لم يعلم به. قال: ينعى للرجل العبد وهو يرجوه وهو يائس منه، فهذا يدخل في الثلث. وفي كتاب الوصية للصغير (١) من سماع أشهب وابن نافع، قال: فأما الذي له العبد الآبق والجمل الشارد والذي قد كان له أصله وعلمه، فإنه إذا رجع رجع في الثلث، فقيل له أرأيت الذي يكون له المال الغائب مثل السفينة والعبد؟ فيقال قد غرقت السفينة أو مات العبد حتى يتيقن ذلك، فقال: إذا علم أنه لم يرده فلا يدخل في الثلث، فقيل له: مثل السفينة يقال له قد غرقت، فقال: إذا كان هكذا فنعم، ولم ير أن ذلك يرجع في الثلث إذا جاءت سلامته من جهة أنه كان منه آيسا. وفي رواية عيسى من كتاب المكاتب من سماعه، قال ابن القاسم: إن كانت قامت عنده البينة وشهد عنده قوم قبل الوصية أو بعدها أن العبد مات والسفينة غرقت والفرس مات أو بلغه ذلك فطال زمانه ويئس منه، ثم جاء خبر ذلك من بعد موته أنه لم يذهب منه شيء فلا يدخل فيه شيء من الوصايا وهو كمال طارئ لم يعلم به، وإن كان ذلك لشيء بلغه فلم يلبث إلا يسيرا حتى مات ولم يشهد عنده أحد بهلاكه إلا خبر بلغه فإن الوصايا تدخل: ولم يذكر في أول المسألة إباق العبد وإنما ذكر هكذا قلت، فالعبد يابق. قال تدخل فيه الوصية متى ما رجع. انتهى.
قال محمد بن رشد: في ظواهر ألفاظ هذه الروايات اضطراب، ولا ينبغي أن يحمل شيء منها على التعارض والاختلاف لأنها ترجع كلها عند التحصيل إلى ما كان أصله قد علمه، فإن الوصايا تدخل فيه وإن غاب عنه فطال زمانه وبلغه هلاكه حتى كان الغالب عليه اليأس منه من أجل ما بقي له فيه من الرجاء حتى إذا تحقق عنده هلاكه بالشهادة والاستفاضة حتى تحقق ذلك وتيقنه فلم يبق فيه رجاء، فلا تدخل الوصايا فيه إن جاء بعد ذلك، وإن كانت المدة لم تطل ولا فرق في شيء من ذلك كله بين المال الغائب والعبد الآبق والسفينة الغائبة. وبالله التوفيق. انتهى. وقد أغفله المحققون الحفاظ. والله تعالى أعلم. قاله الرهوني.
стр. 9596
وقال عبد الباقي: وفي دخول الوصية في سفينة وعبد للموصي شهر تلفهما، ثم ظهرت السلامة لهما بعد موت الموصي وعدم دخولها قولان وغير السفينة والعبد مثلهما في ذلك كبضاعة أو قراض إن أسلمهما وشهر تلفهما ثم ظهرت السلامة. انتهى. وقال التتائي: واختلف هل تدخل في سفينة أو عبد شهر تلفهما بغرق السفينة وموت العبد قبل الإيصاء ثم ظهرت السلامة وعدم دخولها فيهما قولان رواهما أشهب عن مالك. انتهى. وقال المواق: ابن عرفة: اختلف إذا قيل له غرقت سفينتك وأيس منها ثم جاءت سالمة، فروى محمد: لا تدخل فيها وصاياه، وقال: تدخل فيها ولا يشبه ما لم يعلم به، وقال ابن الحاجب: وفي العبد الآبق والبعير الشارد إن اشتهر موتهما ثم ظهر السلامة قولان، وذكرهما ابن شأس روايتين عن مالك. انتهى.
لا فيما أقر به في مرضه يعني أن المريض إذا أقر في مرضه لمن يتهم عليه، فإن إقراره يبطل وإذا بطل فلا تدخل الوصايا فيه. قال الخرشي: وأما ما أقر به في مرضه وبطل إقراره كما إذا أقر في مرضه أنه كان أعتقه في صحته فإن الوصايا لا تدخل في ذلك، ومعنى ذلك أن الرد وقع بعد الموت، أما لو حصل قبل موت الموصي وعلم بذلك فإن الوصايا تدخل فيه على المعروف من المذهب. قاله الخرشي والشبراخيتي. وقال عبد الباقي: لا تدخل الوصية فيما أقر به كدين لم يتهم عليه كصديقه الملاطف، ويبطل إقراره به كإقراره في مرضه أنه أعتقه في صحته. انتهى. وقال الشبراخيتي: لا فيما أقر به لأحد مما يبطل إقراره به، كإقراره لمن يتهم عليه وإن كان لمن لا يتهم عليه أخذه، وإذا كان الإقرار باطلا فإن القوله يحاص أرباب الديون وما نابه يرجع ميراثا يقسم على فرائض الله تعالى، وليس لأرباب الديون فيه شيء. انتهى.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: تأمل هذا الكلام فإنه غير ظاهر إذ لا إرث مع استغراق الديون، وإن تأولنا كلامه على أن المراد بالديون الوصايا ففيه نظر أيضا؛ لأن قدر الدين الذي أقر به يكون ميراثا كله، ولا تدخل فيه الوصايا كما مر عن القلشاني. والله تعالى أعلم.
أو أوصى به لوارث يعني أن ما أوصى به لوارث إذا لم يجزه بقية الورثة فإنه تبطل الوصية به، وإذا أبطلوه فلا تدخل فيه الوصايا فيضرب به مع الوصايا ثم يقسم عليه وعلى غيره على فرائض الله تعالى كما مر عن المدونة، ففيها: ومن أوصى لوارث وأجنبي تحاصا وعاد حظ الوارث ميراثا.
стр. 9597
انتهى على نقل البناني. وقال الشبراخيتي: لا فيما أقر به في مرضه أو أوصى به لوارث ورد إقراره أو وصيته بعد موته، وأما لو ردا قبل موته وعلم بذلك فإن الوصية تدخل فيهما. انتهى. وقال عبد الباقي: أو أوصى به لوارث ولم يجزه بقية الورثة، وإذا لم تدخل الوصية في ذلك بطل ورجع ميراثا، ومعنى ذلك أن رد بقية الورثة ما وقع بعد الموت، وأما لو حصل قبل الموت وعلم بذلك فتدخل الوصايا فيه، ولا مفهوم لقوله: "في مرضه" لأن إقراره في صحته قد يكون باطلا فالمراد لا في إقراره الباطل، وأما مدبر الصحة فيدخل في هذين كما يفيده ابن يونس. واستظهر الحطاب أن فك الأسير كذلك بالأولى لتقدمه على مدبر الصحة، وبحث فيه الأجهوري بأنه من الوصايا التي صريح المصنف عدم دخولها فيه إلا أن يحمل على ما تعين عليه قبل موته فكه وأوصى به. انتهى. قوله لأن إقراره في صحته قد يكون باطلا الخ، قال الرهوني: انظر هل يرد عليه ما في طرر ابن عات عن ابن زرب، فإنه لما ذكر عنه مسألة المصنف هذه قال متصلا بها ما نصه: ومن أقر لمن يجب إقراره له به فكلف المقر له أن يحلف يمين القضاء فنكل عن اليمين، فإن الوصايا تدخل فيه إذ قد يمكن أن يكون قبضه ذكره عنه ابن مغيث. انتهى منها بلفظها.
ونحوه في نوازل الوصايا من المعيار عن ابن زرب أيضا وسلمه، والظاهر أنه لا يرد عليه تأمل. وقوله: وأما مدبر الصحة، فيدخل في هذين يعني ما بطل من الإقرار وما أوصى به لوارث ولم يجزه بقية الورثة ودخوله فيما بطل من الإقرار مصرح به في كلام ابن يونس، ونصه: فإن كان الدين ممن يجوز إقراره له أخذه، وإن كان ممن لا يجوز إقراره له عزل وورث وكانت الوصايا في ثلث ما بقي. محمد بن يونس: لأنه كذلك أراد أن تكون الوصايا في ثلث ما بقي، وإن الدين فارع من رأس المال يعني بالعين المهملة خارجا، فلما منع منه للتهمة نفذت الوصايا على ما أراده الإصداق المنكوحة في المرض والمدبر في الصحة. انتهى منه بلفظه. وبحث الأجهوري مع الحطاب متجه كما قاله التاودي، وقال جسوس: إنه هو الظاهر، وقال الرهوني: إنه هو الصواب وردوا كلهم على مصطفى الصوب لكلام الحطاب وما قالوه واضح لا غبار عليه، ففي كلام الحطاب ومصطفى والبناني نظر ظاهر. والله تعالى أعلم.
стр. 9598
وفي المدونة: وكل وصية لا تدخل إلا فيما علم به الميت، فأما المدبر في الصحة فيدخل فيما علم به وفيما لم يعلم به من غائب أو حاضر. انتهى منها بلفظها. ونحوه لابن يونس عنها، ونصه: وكل وصية فلا تدخل إلا فيما علم به الموصي، إلا المدبر في الصحة فإنه يدخل فيما علم به وفيما لم يعلم من غائب أو حاضر. انتهى منه بلفظه. قال أبو الحسن ما نصه: قوله فأما المدبر في الصحة فيدخل الخ، عياض: ظاهره أن المبتل في المرض والمدبر فيه خلافه لا يدخلان فيما لم يعلم به، وعليه حمل مذهب الكتاب محققوا شيوخنا. وفي كتاب محمد والعتبية أن المدبر في الصحة والمرض سواء يدخلان فيما علم وفيما لم يعلم، واختلف في المبتل في المرض، ففي العتبية والمدونة لابن القاسم: لا يدخل وكذلك في كتاب محمد، وخرج الشيوخ على ما في كتاب محمد والعتبية من دخول المدبر في المرض دخول المبتل لأنه أقوى، لكن ذكر هذا التخريج يبعد فإنه نص على الفرق بينهما، فكيف يقاس على كلامه خلاف ما نص عليه الشيخ فالمدبر في الصحة لا خلاف أنه يدخل فيما علم به. وفيما لم يعلم والوصية لا خلاف أنها لا تدخل إلا فيما علم والمدبر في المرض والمبتل فيه قولان، وحكى ابن حارث رواية شاذة عن ابن سحنون عن ابن القاسم عن مالك أن المدبر في الصحة لا يدخل إلا فيما علم ابن سحنون وعمل بها سحنون على شذوذها، وفي الوصية أيضا قول شاذ أنها تدخل فيما علم وفيما لم يعلم. انتهى.
وقال ابن ناجي ما نصه: ووجه ما في الكتاب أن التدبير عقد لازم علقه بمجهول والوصية عقد جائز إنما تنفذ بالموت فلما لم يغيرها حتى مات دَلَّ أنه قصد تعليقها بمعلوم، والفرق بين مدبر الصحة والمرض أن المدبر في الصحة قصد إلى عتقه من مجهول ما يكون في ملكه يوم يموت، وقد يكون بين تدبيره وموته عشر سنين، والذي في المرض يتوقع موته من مرضه ذلك وهو عالم بماله، وإنما يجوز أن تجري أفعاله فيما علمه. انتهى منه بلفظه. وما ذكره من الفرق بين المدبرين سبقه إليه اللخمي، ونصه: واختلف في المدبر في المرض، والذي ثبت عليه ابن القاسم أنه لا يدخل إلا فيما علم، والفرق بين المدبر أن الصحيح قصد إلى عتقه من مجهول ما يكون في ملكه يوم يموت، وقد يكون بين تدبيره وموته العشرون سنة أو أكثر. والمدبر في المرض يتوقع الموت من مرضه ذلك وهو عالم بماله، وإنما يقصد أن تجري أفعاله فيما علمه. انتهى منه بلفظه.
стр. 9599
وقد نقل ابن عرفة عن المدونة ما قدمناه عنها، وسلمه وقال في التوضيح عند ابن الحاجب: ولا مدخل للوصية فيما لم يعلم به الخ ما نصه: يعني أن وصايا الميت لا تدخل إلا فيما علم به أي الميت وهذا هو المعروف من المذهب. انتهى. وفي المفيد ما نصه: وإن كانت الوصية وهو غير عالم بما طرأ له من ماله فطرأ له من ماله ما لم يعلمه إلى أن مات فلا يجوز فيه ثلثه، إلا المدبر في الصحة فإنه يدخل فيما لم يعلم وفيما علم. انتهى. وتتبع النصوص بذلك يطول بنا، وفي بعض ما ذكرناه كفاية فكيف بجميعه؟ فهذه النصوص تدل على أن فك الأسير لا يدخل فيما لم يعلم به الموصي، وتعليلهم دخول المدبر في الصحة وحده بما تقدم يفيد ذلك لانتفاء تلك العلة في فك الأسير قطعا، وإذا سلم أنه لا يدخل فيما جهل لزم عدم دخوله فيما بطل من الإقرار بالأحرى؛ لأنهما اشتركا في أنه كشف الغيب أنهما كانا على ملكه يوم مات وزاد ما بطل من الإقرار به يوم مات كان جازما بأنه لا حق له فيه ولا يتوقف منصف في أن ما يجزم الموصي بأنه لا ملك له عليه أولى بعدم دخول الوصايا فيه مما يجهل ملكه، فتأمله بإنصاف. وقول عبد الباقي: إلا أن يحمل على ما تعين عليه لخ تبع فيه الأجهوري وفيه نظر؛ لأن ما تعين عليه فكه من رأس المال لا في الثلث، وقد تقدم لعبد الباقي نفسه الجزم بذلك فلا يصح ما قالاه. والله أعلم. انتهى. قال جميعه الرهوني.
وإن ثبت أن عقدها خطه العقد هو الورقة التي كتبت فيها الوصية، يعني أنه إذا وجدت ورقة مكتوبة بخط الميت وثبت عند الحاكم بالبينة الشرعية أنها خطُّه أي الموصي، والحال أن الموصي لم يشهد أنها وصية ولم يقل أنفذوها، فإن الوصية لا تنفذ أي لا تفيد شيئا أي لا يعمل بها وتبطل، أو قرأها يعني أن الموصي إذا قرأ الوصية على الشهود ولم يشهدهم على أنها وصية ولم يقل أنفذوها فإنها لا تفيد أي تبطل.
وعلم مما قررت أن قوله: ولم يشهد قيد في الصورتين، ومفهوم المصنف أنه إن أشهد في الصورتين نفذت وعمل بها، أو يقل أنفذوها عطف على يشهد فهو في حيز النفي. وعلم مما قررت أن قوله: لم تنفذ جواب الشرط فهو راجع للمسألتين، والحاصل أنه إذا لم يشهد ولم يقل أنفذوها لا تفيد ولا يعمل بها بل تبطل، فإن أشهد في الصورتين أنها وصيته أنفذت وكذا تنفذ أيضا في الصورتين
стр. 9600
إذا قال أنفذوها، قال عبد الباقي: وإن ثبت أن عقدها أي وثيقة الوصية خطه أو قرأها ولم يشهد غيره أنها وصيته في الصورتين أو لم يقل فيهما أنفذوها لم تنفذ، فلا يعمل بها بعد موته لاحتمال رجوعه، ولو كتب أنفذوها؛ لأن كلا من هذين لا يفيد عزمه عليها؛ إذ قد يكتب غير عازم بل يتروى. ومفهوم المصنف أنه إن أشهد في الصورتين أو قال بلفظه أنفذوها نفذت وعمل بها. انتهى.
وقال الخرشي: المراد بالعقد الورقة التي يكتب فيها الوصية. انتهى. وقال الشبراخيتي: وإن وجدت وصية مكتوبة وثبت عند القاضي أن عقدها أي وثيقتها خطُّه ولم يشهد عليها ولم يقل أنفذوها لم تفد، أو قرأها ولم يشهد راجع لهما أو لم يقل أنفذوها معطوف على المنفى أي أو لم يقل أنفذوها في المسألتين أيضا، فإن قلت قوله أنفذوها في معنى الإشهاد أيضا، فالجواب أن قوله: "أنفذوها" للورثة، وأما الإشهاد فهو لغيرهم. انتهى. وقول عبد الباقي: فلا يعمل بها بعد موته لاحتمال رجوعه، ولو كتب أنفذوها لخ قال البناني: هذا هو الذي استقرَ به في التوضيح في قول عياض وأما إذا كتبها بخطه وقال إذا مت فينفذ ما كتبت بخطي فلينفذ ذلك إذا عرف أنها خطه كما لو أشهد. انتهى. ونص التوضيح: وانظر قوله وقال إذا مت هل المراد شهد على قوله من غير خط، أو المراد أنه وجد ذلك بخطه وشهد عليه والأول أقرب إلى حقيقة اللفظ؟ إذ القول حقيقة إنما هو في الملفوظ به. انتهى. قلت: والظاهر من جهة المعنى هو الثاني. والله تعالى أعلم. قول البناني: والظاهر من جهة المعنى هو الثاني في استظهره هو الظاهر، ويظهر من كلام أبي الحسن أنه على ذلك فهم كلام عياض؛ لأنه قال عقبه في نصه: أبو محمد في النوادر والباجي وابن رشد: وأما إن كتبها ولم يشهد عليها ووجدت عنده بعد موته فلا ينفذ ما فيها، وإن كانت بخط يده لاحتمال أن يكون كتبها ليؤامر نفسه فيها ولم يعزم بعد على تنفيذها. الشيخ: وقول عياض: إذا كتبها بخطه وقال إذا مت الخ، فليس بخلاف في قال أبو محمد والباجي وابن رشد، وكأنهم يقولون الإشهاد أو ما يقوم مقامه. انتهى. فإن قوله الإشهاد أو ما يقوم مقامه يدل على أنه فهم كلام عياض على ما ذكرنا، إذ لو كان قال ذلك نطقا لكان إشهادا لا قائما مقامه، ومما يعين حمله على ذلك قول عياض نفسه: فلينفذ إذا عرف أنه خطه كما لو أشهد؛ لأن قوله: كما
стр. 9601
لو أشهد تشبيه، فلو فهم ما فهمه في التوضيح لكان فيه تشبيه الشيء بنفسه؛ لأن قوله بلسانه للعدلين: أنفذوا ما في هذا الكتاب إشهاد حقيقة. فتأمله. والله تعالى أعلم.
وندب فيه تقديم التشهد يعني أنه يندب في الإيصاء تقديم التشهد أي يستحب للإنسان إذا كتب وصيته أن يبدأ بالشهادة، بأن يكتب: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، ثم يذكر ما يوصي به، فقوله: "تقديم التشهد" أي على المقصود بالذات فلا ينافي أنه يقدم البسملة على التشهد وقررته بالكتب لما ستراه، ولا مانع من شموله للكتب والقول. الخرشي: وظاهره أنه يندب البدءُ بالتشهد سواء كانت الوصية باللسان أو مكتوبة. انتهى. وقال الشبراخيتي: وندب فيه أي في الإيصاء تقديم ذكر التشهد، ظاهره سواء كانت مكتوبة أو باللسان فقط، قال ابن مرزوق: ولم أره إلا في الكتب وهو من فعل الصالحين، فيقول قبل الوصية: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله. ولم يذكر مالك خصوص في يذكره. قال أنس بن مالك: ويوصي أهله بتقوى الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وظاهره أنه لا يندب التسمية ولا التحميد، لكن حديث البسملة والحمدلة يدل على تقديمهما. انتهى. وقال عبد الباقي: وندب في الإيصاء تقديم التشهد قولا، فيقول قبل إيصائه: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، كما في التتائي والشادلي والشيخ خضر. وفي أبي الحسن على المدونة: يكتب.
ونحوه قول الهاروني عقب المتن أي ندب أن يكتب الشهادتين قبل الوصية، وقال علي الأجهوري: وظاهر المصنف كغيره أنه لا يندب فيه البداءة بالبسملة والحمدلة ولم أر من تعرض له، ولكن حديثهما يدل على تقديمهما وهو الذي رأيته في وصايا من يعتد به من العلماء. انتهى. وعليه فالمراد بتقديم التشهد على المقصود بالذات فلا ينافي أنه يقدم البسملة والحمدلة على ذلك. انتهى.
تنبيهان: الأول: قال عبد الباقي: وندب فيه أي في الإيصاء تقديم التشهد قولا الخ، قال الرهوني: انظر تردده في ذلك ومراد المصنف كتبا، ونص المدونة كاد أن يكون صريحا في ذلك، وفي المنتقى ما نصه: وفي المجموعة والعتبية من رواية ابن القاسم عن مالك: كان من أدركت
стр. 9602
يكتبون التشهد قبل ذكر الوصية وما زال ذلك من شأن الناس بالمدينة، وإنه ليعجبني وأراه حسنا. انتهى منه بلفظه. وفي ابن عرفة ما نصه: وفيها من كتب وصيته فليقدم ذكر التشهد. الشيخ: روى ابن القاسم في العتبية والموازية والمجموعة، قال: كان من أدركت يكتبون التشهد قبل ذكر الوصية وما زال ذلك من أمر الناس بالمدينة، وإنه ليعجبني وأراه حسنا ورواه أشهب. انتهى منه بلفظه. وكلام العتبية هو في أول مسألة من رسم الشجرة من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا الأول، ونصه: قال سحنون: أخبرني ابن القاسم، قال: سئل مالك عن الوصية التي يوصي بها الناس ويتشهدون فيها قبل أن [يوصوا] (١)، قال: ذلك يعجبني وأراه حسنا وما زال ذلك من شأن الناس: والذي أدركتهم عليه أن يكتبوا التشهد قبل أن يوصوا. قال مالك في إثر الوصية في التشهد حين قال هو الذي أدركت عليه الناس، قال: قال أبو بكر بن محمد بن عمرٍو بن حزم: ما أدركت عليه الناس بهذه البلدة يعني المدينة فلا شك فيه أنه الحق، وروى أشهب في كتاب الوصية الذي فيه الحج والزكاة مثل هذا في التشهد، وزاد: قال فقيل له: فإن رجلا عندنا كتب وصيته وكتب فيها: أومن بالقدر خيره وشر حلوه ومره، فقال: لا والله لا أراه، أفلا كتب والصفرية والأباضية؟ ليس هذا بشيء، وقد كتب من مضى وصاياهم فلم يكتب أحد منهم هذا في وصيته.
قال محمد بن رشد: هذا كله بين على ما قاله؛ لأن الرشد في الاتباع ويكره في الأمور كلها الابتداع: فلن يأتي آخر هذه الأمة بأهدى مما كان عليه أولها، والمدينة دار الهجرة وبها توفي النبي ﷺ والصحابة خير الأمة الذين اختارهم الله لصحبة نبيه وتبليغ دينه وإقامة شرعه بها متوافرون، فما عملوا به ودرجوا عليه هو الهدي الذي لا ينبغي العدول عنه. وبالله التوفيق. انتهى منه بلفظه. والنصوص الصريحة في ذلك غير ما قدمناه كنص اللخمي وغيره كثيرة وفيما ذكرناه كفاية. والله أعلم.
الثاني: قال الرهوني: قوله في الرواية، لا أراه أفلا كتب والصفرية لخ كذلك وجدته فيها، ونحوه لابن يونس ونصه: وروى أشهب عن مالك في العتبية والمجموعة وكتاب محمد، قيل له: إن
стр. 9603
رجلا كتب في وصيته: أومن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، قال: ما أرى هذا، أفلا كتب والصفرية والأباضية قد كتب من مضى وصاياهم فلم يكتبوا مثل هذا؟ انتهى منه بلفظه. ونقله ابن مرزوق بلفظ: ما أرى هذا، ويكتب أيضا والصفرية لخ، ثم قال بعده ما نصه: قوله ويكتب أيضا الصفرية والأباضية هكذا وجدته في نسخة ابن يونس وله وجه لأن ما ذكر من بعض القدر الذي يؤمن به وهو وجود هذه الفرق. وفي النوادر وغيرها: ما أرى هذا إلا كتب الصفرية والأباضية والمعنى فيهما على الإنكار. انتهى منه بلفظه. وقد رأيت أن الذي في ابن يونس موافق لما في النوادر وغيرها.
وفي التوضيح: وروى أشهب أن رجلا كتب في وصيته: أومن بالقدر خيره وشره حلوه ومره، فقال: ما أرى هذا إلا من الصفرية والأباضية الخ، قال جسوس بعد أن نقله ما نصه: زاد ابن عرفة: ومثله في سماع ابن القاسم. انتهى. وهو يوهم أن ابن عرفة ذكر رواية أشهب بنحو ما ذكرها في التوضيح وليس كذلك، وإنما قال. ابن عرفة ما نصه: وروى أشهب أن رجلا كتب في ذلك أومن بالقدر كله خيره وشره حلوه ومره، قال: ما أرى هذا إلا كتب الصفرية والأباضية لخ هذا لفظه، وهو موافق لما وجدناه في العتبية ومخالف لما في التوضيح. فتأمله. والأباضية قد تقدم ضبطه ومعناه عند قوله: "كحروري" في فصل الجماعة فراجعه. والصفرية، قال في القاموس ما نصه: والصفرية بالضم ويكسر: قوم من (١) الحرورية نسبوا إلى عبد الله بن صفار، ككتان، أو إلى زياد بن الأصفر أو إلى صفرة ألوانهم أو لخلوهم من الدين. انتهى كلام الرهوني.
ولهم الشهادة وإن لم يقرأه ولا فتح يعني أنه يجوز للشهود أن يشهدوا على الموصي بما انطوت عليه وصيته أي وثيقته المشتملة على الوصية وإن لم يقرأها عليهم وإن لم يفتح الكتاب، وتنفذ الوصية بمعنى الكتاب أي يعمل بما فيها، ولو كانت أي بقيت عنده إلى أن مات إذا قال لهم اشهدوا بما في هذه الوصية. وعلم مما قررت أن الضمير في قوله: "كانت" للوصية بمعنى الوثيقة أي الكتاب. قال عبد الباقي: ويجوز لهم الشهادة حيث أشهدهم بما في كتاب وصيته، أو قال:
стр. 9604
أنفذوها وإن لم يقرأه ولا فتح لأنه لا يلزم الشاهد قراءة الوثيقة إلا في الاسترعاء، فيلزم قراءة جميعه لأنه يخبر عن جميع ما فيه أنه في علمه. قاله الباجي. وتنفذ وثيقته ولو كانت الوصية بمعنى الكتاب الذي هي فيه عنده لموته حيث لا ريبة في الكتاب أو محو وتقديرنا يجوز لهم الشهادة بمعنى الإقدام عليها لا ينافي وجوب الشهادة عليهم إن لم يقم غيرهم مقامهم، فالوجوب لأمرٍ عارض وهذا أولى من جعل اللام بمعنى على. انتهى. قوله: "ولو كانت" قال التتائي: نحوه في المدونة وهو قول ابن القاسم، وأشار "بلو" لمخالفة قول أشهب: ليس لهم أن يشهدوا إلا أن تكون الشهادة عندهم قاله عياض وغيره.
وإن شهد بما فيها وما بقي فلفلان، ففتحت فإذا فيها وما بقي فللمساكين قسم بينهما يعني أن الشاهدين إذا شهدا على مجرد قول الموصي أشهَدا بما في هذه الوثيقة، بأن كذا صدقة على زيد مثلا وما بقي من ثلثي فهو لفلان أي لعمرو مثلا ففتحت فإذا فيها وما بقي فهو للمساكين، فإن ما بقي من الثلث يقسم بين عمرو والمساكين نصفين فهذا كمسألة إيصاء بشيء لزيد ثم به لعمرو، وليس بمنزلة هذا لزيد والفقراء لأن ذلك يكون زيد كواحد من الفقراء كما مر. قال عبد الباقي: وإن شهدا بما فيها على مجرد قول الموصي: اشهدا بما في وصيتي من الصدقة بكذا بعدي وما بقي من ثلثي فلفلان المعين، فشهدا بذلك ثم مات ففتحت فإذا فيها وما بقي من الثلث فللمساكين قسم ما بقي من الثلث بينهما أي بين فلان المعين وبين المساكين نصفين كما لو كانت الوصية لاثنين فقط، فإن الثلث يقسم بينهما نصفين ولم تبطل هذه الوصية مع التنافي المذكور لأنها كمسألة ما إذا أوصى بشيء لزيد ثم به لعمرو. انتهى.
وكتبتها عند فلان فصدقوه يعني أنه إذا قال الموصي كتبت وصيتي وجعلتها عند فلان فصدقوه فإن فلانا يصدق فيها، ويقبل قوله. قال الشبراخيتي: وإن قال كتبتها وجعلتها عند فلان، ففي الكلام حذف أداة الشرط وفعل الشرط وحذف فعل عامل في الظرف، كذا قال الزرقاني. ويصح أن يكون الظرف حالا من الهاء أي كتبتها حال كونها عند فلان لا لغو متعلق بكتبتها، فلا يحتاج إلى ما قاله الزرقاني فصدقوه يصدق وتنفذ، وظاهره ولو كان فلان غير عدل وهو قول مالك في الواضحة وسحنون وهو ظاهر المدونة، واختاره التونسي واللخمي لأن الميت ائتمنه وأمر بقبول
стр. 9605
قوله، ولأن عدم قبول قوله مؤد لإبطال الوصية وفوات غرض الميت. وذهب ابن القاسم إلى اشتراط كونه عدلا وأن غيره - يعني غير العدل - لا يصدق. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن قال الموصى كتبتها ووضعتها عند فلان فصدقوه صدق في قوله: هذه وصيته التي كتبها، ولو وجد فيها أنها لابن الموضوعة عنده فلا يرجع الشرط لهذه، ويحتمل أن يريد بكتبها أمرت فلانا بكتبها وهي عنده فأنفذوها وعليه فيرجع الشرط لهذه أيضا. انتهى.
وقال الرهوني عند قوله: "وكتبتها عند فلان فصدقوه" ما نصه: اقتصر المصنف على قوله فصدقوه مع أنه قال في المدونة: فأنفذوا ما فيها وصدقوه، لقوله في التوضيح عند قول ابن الحاجب: وجعلتها عند فلان فصدقوه ما نصه: هكذا في المدونة لكنه زاد قبل قوله: "فصدقوه" فأنفذوها، ورأى المصنف أن قوله: "فصدقوه" يعني عن قوله أنفذوها وهو ظاهر، ونحوه لأبي الحسن. وقال فضل: إن لم يقل فأنفذوها وإنما قال وصيتي عند فلان فلا يمضي منها شيء حتى يقول فأنفذوها. انتهى. قال أبو الحسن: الشيخ: وهذا مشكل لأن قوله في الكتاب فصدقوه لا فائدة فيه إلا أن ينفذ ذلك. انتهى. ونقله ابن ناجي معبرا عنه بالمغربي وسلمه، وقول الزرقاني: وصيته التي كتبها أي بخط يده وخليه فقوله ولو وجد فيها أنها لابن الموضوعة عنده ظاهر، إن ثبت أن ذلك خطُّه وليس في الكتاب محو ولا ريبة، وهذا التفصيل أصله للأجهوري وصرح الخرشي برجوع الشرط لهذه أيضا ولم يفصل، وكذا جسوس وهو ظاهر ما في العتبية، ففي رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا الأول ما نصه: وسئل مالك عن رجل حضرته الوفاة فقيل له أوص، فقال: قد أوصيت وكتبت وصيتي ووضعتها على يدي فلان فأنفذوا ما فيها فتوفي الرجل وأخرج الذي قال المتوفَّى إنه قد وضعها على يديه الوصيةَ، وليس فيها شهود إلا ما شهد على قوله من ذلك وضعتها على يدي فلان فأنفذوا ما فيها. قال مالك: أرى إن كان الرجل الذي ذكر أنها عنده عدلا أن ينفذ ما فيها، قال ابن القاسم: وذلك رأيي، قال العتبي عن سحنون: الوصية جائزة عدلا كان أو غير عدل. قال يحيى لابن القاسم: لم جوزها مالك ولم يشهد عليها بعينها ولم يشهد عليها إلا الذي كانت عنده، قال: أراه بمنزلة الذي يوصى فيقول قد أوصيت بوصايا أعلمت بها فلانا فما أخبركم أني أوصيت به فهو وصيتي فلينفذ ما فيها فيكون ذلك
стр. 9606
ماضيا، وبمنزلة الرجل يوصي لرجل بديون له عليه فيقول قد كنت أداين فلانا وفلانا فما ادعوه قبلي فهم فيه مصدقون، فيكون ذلك لهم بلا يمين يستحلفون بها على ما ادعوا.
قال محمد بن رشد: اشتراط مالك العدالة في الذي قال الميت أنه وضع وصيته عنده إذا أخرجها فقال هذه هي وليس عليها شهود، خلاف ظاهر ما في المدونة والموازية في الذي قال: كتبت وصيتي وجعلتها عند فلان فصدقوه وأنفذوا ما فيها؛ إذ لم يشترط في ذلك عدالة مثل قول سحنون، وقوله هو القياس إذ لا حجة للورثة عليه في الثلث فله أن يجعل التصديق فيه إلى عدل وإلى غير عدل. وقول مالك ها هنا: باشتراط العدالة استحسان، وقد مضى في رسم العتق من سماع عيسى من كتاب الشهادات ما فيه بيان هذا فقف عليه. وقوله في الذي قال كنت أداين فلانا وفلانا فما ادعوه قبلي فهم فيه مصدقون إن ذلك يكون لهم دون يمين يستحلفون بها، خلاف قوله في رسم تأخير صلاة العشاء من سماع ابن القاسم من كتاب المديان والتفليس في إيجابه اليمين في ذلك واختلاف قوله في هذا على الاختلاف في لحوق يمين التهمة؛ إذ لم يسقط الميت عنهم اليمين، فانظر قوله أراه بمنزلة الذي يوصي لخ، فإنه صريح في أن المسألتين سواء، وظاهره كانت الوصية بخط الوصي أولا، بل ظاهر قوله أولا وكتبت وصيتي الخ هو الأول، لكن التفصيل على الوجه الذي ذكرناه أولا هو الظاهر؛ إذ لا تهمة مع خطه. فتأمله. والله تعالى أعلم. انتهى. ويتحصل من كلام الرهوني هنا أن فلانا يصدق كان عدلا أو غير عدل على الراجح، كان ابن الموصي أو غيره وهذا هو ظاهر المصنف، ومقابله عن مالك: ابن القاسم: لا يصدق إلا إذا كان عدلا، كان ابن الموصى أو غيره.
أو أوصيته بثلثي فصدقوه يعني أنه إذا قال أوصيت فلانا بإنفاذ ثلثي في مصرفه فصدقوه فإنه يصدق في ذلك ويقبل قوله. وعلم مما قررت أن قوله: يصدق راجع للمسألتين، وقوله: إن لم يقل لابني راجع للأخيرة أي إنما يصدق حيث لم يقل الموضوعة عنده هو لابني وأما إن قال هو لابني، فإنه لا يصدق. وقوله: لابني كناية عمن يتهم عليه، ولو أدخل الكاف فقال لِكَابني لكان أولى. قاله الشبراخيتي. ويرجع قوله: "إن لم يقل لابني" للمسألة الأولى على الاحتمال الثاني؛ أي على أن معنى كتبتها أمرته بكتبها وهي عنده فأنفذوها كما مر. والله تعالى أعلم.
стр. 9607
قال عبد الباقي عند قوله: "إن لم يقل لابني": أي ابن الموضوعة عنده في الثانية وكذا في الأولى على الاحتمال الثاني فيها كما مر، وقوله: "لابني" أو لأحد ممن يتهم عليه وإلا لم يصدق حيث لا تقبل شهادته لنفسه على ما مر في قوله: ولا من شهد له بكثير ولغيره بوصية، وإلا قبل لهما كشهادة شاهدين بوصية وأحدهما من جعل له النظر فيها وامتنع من قبوله، وإلا لم يقبل. ثم إن الوصية تنفذ في مسألة وكتبتها بمعنييها وإنما لم يقل أنفذوها، والفرق بينها وبين قوله: "وإن ثبت" أن عقدها خطه لخ أن هذه وكلها لغيره وأمر بتصديقه. انتهى. وقد مر عن الرهوني أن قوله: "فصدقوه" قائم مقام أنفذوها، وقال الخرشي مفسرا للمصنف: يعني أنه إذا قال وصيتي كتبتها عند فلان فصدقوه فإنه يصدق، وكذلك إذا قال أوصيته بثلثي فصدقوه فإنه يصدق في ذلك إن لم يقل لابني، أي قال: إنما أوصي بالثلث أو بأكثره لابني فإنه لا يصدق حينئذ لأنه يتهم، وأما القليل فينبغي أن يصدق ولا مفهوم لابنه بل هو كناية عن متهم عليه. انتهى.
وقال المواق من المدونة: من قال كتبت وصيتي وجعلتها عند فلان فأنفذوها وصدقوه صدق ونفذ ما فيها. ابن رشد: وإن لم يشهد في الكتاب وإن لم يكن فلان أيضا عدلا، فإن قال الوصي: إنما أوصى لابني فقال ابن القاسم لا يصدق لقول مالك: من قال اجعل ثلثي حيث تراه أنه إن أعطاه لولد نفسة أو قرابته لم يجز، وقال ابن رشد: من جعل تنفيذ وصيته لرجل وشرط أن لا يتعقب عليه فشرط الموصي نافذ لا يجوز لحاكم أن يتعقب شيئا من ذلك ولا ينظر فيه سواء كان المتولي لذلك وارثا أو أجنبيا، لكن إن كان المتولي لذلك وارثا كان للورثة أن [يقوموا (١)] أي في ذلك مخافة أن يأخذ ذلك لنفسه فتكون وصيته لوارث، وكذلك إن كان يبقى لهم في ذلك منفعة كالعتق فلهم القيام، سواء كان المتولي وارثا أو أجنبيا. انتهى.
ووصيي فقط يعم يعني أنه إذا قال اشهدوا على أن فلانا وصيي ولم يزد على ذلك فإنه يكون وصيه في جميع الأشياء ويزوج صغار بنيه ومن بلغ من كبار بناته بإذنهن. قاله الخرشي. وقال الشبراخيتي: وإن قال وصيي فقط ولم يزد على هذا يعم جميع الأشياء من قضاء دين وتصرف في
стр. 9608
ثلث ونظر على محاجير، فينكح صغار البنين وبالغات البنات بلا جبر وما هنا مطلق وما في النكاح مقيد، فيحمل المطلق على القيد أي فيجبر بناته الأبكار إن أمره أب به أو عين الزوج وإلا فخلاف، وإذا قال: فلان وصيي وتبين أن فلانا ميتٌ فإن لم يكن للميت وصي بطلت الوصية، وأما إن كان له وصي فإن علم بموته كان وصيه وصيا وإن لم يعلم بموته بطلت الوصية. انتهى.
وقال التتائي: وإن قال وصيي فقط ولم يزد على هذا يعم جميع الأشياء، قال في المدونة: وإنكاح صغار بنيه ومن بلغ من أبكار بناته بإذنهن ولا يجبر اتفاقا والثيب بإذنها. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن قال الوصي فلان وصيي فقط وأشهد على ذلك ولم يعين الموصى عليه يعم جميع الأشياء حتى إنكاح بناته البالغات بإذنهن من غير جبر قطعا، وإنما يجبر إن أمره أب به أو عين الزوج وإلا فخلاف ويزوج صغار بنيه، وظاهر قوله: "يعم" يدخل فيه ما إذا كان الموصي وصيا على أيتام وهو ظاهر المدونة أيضا، فيكون لوصيه بعد موته الولاية عليهم، وقيل لا يدخلون إلا بالنص على دخولهم. ذكره المشدالي.
تنبيهات: الأول: قال البناني: وطريقة ابن رشد أن الوكالة كالوصية، فإذا قال فلان: وكيلي، فإنه يعم. قال في المقدمات: وهذا هو قولهم في الوكالة: إذا طالت قصرت وإذا قصرت طالت. انتهى. ومشى المصنف في الوكالة على خلاف هذا، إذ قال: لا بمجرد وكلتك وهي طريقة ابن بشير وابن شأس وابن الحاجب، فهي عندهم باطلة حتى يعمم أو يخصص. وبهذا تعلم أن كلام مصطفى هنا غير صحيح. انتهى. قوله: وبهذا تعلم أن كلام الخ أي لأنه أول كلام ابن رشد، وحمله على غير ظاهره؛ إذ قال ما نصه: التتائي: قال ابن رشد: الوصية والوكالة الخ يعني إذا طال اللفظ فيهما، كأن يقول: وكلتك على بيع السلعة الفلانية بكذا في وقت كذا من فلان، أو أوصيتك كذلك قصرا في المعنى على تلك القيود، وإن قصر اللفظ بأن قال: وكلتك على كذا أو أوصيتك عليه عم جميع أحواله. هذا معنى كلام ابن رشد. وليس هما متساويين لأن الوصية المطلقة تصح، ولذا قال المصنف: "ووصي فقط يعم"، ولا تصح، الوكالة المطلقة، ولذا قال المصنف: لا بمجرد وكلتك. انتهى منه بلفظه. وهو حقيق بالرد وصدق، ومثل هذا من أمثاله غريب واغتراره بكلام المؤلف في البابين لا يفيد؛ لأن المصنف إنما فرق بينهما لاعتماده على
стр. 9609
طريقة ابن بشير وتابعيه، وقد صرح غير واحد من الأئمة بأن طريقتهم مخالفة لطريقة ابن رشد، منهم ابن عرفة وقد نقل المواق كلامه عند قوله: "لا بمجرد وكلتك" وأغنى ذلك عن. نقله. فراجعه إن شئت. ويأتي نحوه على الأثر عن ابن ناجي والله الموفق. وقوك عبد الباقي: حتى إنكاح بناته البالغات بإذنهن من غير جبر قطعا الخ صحيح، وقد صرح في المدونة بالتقييد بذلك ونصها: ومن قال اشهدوا أن فلانا وصيي ولم يزد على هذا فهو وَصيُّهُ في جميع الأشياء وإنكاح صغار بنيه ومن بلغ من أبكار بناته بإذنهن والثيب بإذنها. انتهى منها بلفظها. ومثله لابن يونس عنها، قال ابن ناجي في شرحها ما نصه: قوله ولن قال اشهدوا الخ ما ذكر أنه وصي في جميع الأشياء لا خلاف فيه، ويقوم منها إذا قال وكلتك أنه يكون وكيله على العموم وهو ظاهر قول ابن رشد. وقال ابن بشير وابن شأس وابن الحاجب: إذا قال وكلتك لم يفد حتى يقيد بالتفويض أو بأمر.
الثاني: إذا قال: إن مت ففلان وكيلي فهذه وصية، صرح بذلك في نوازل سحنون. ابن رشد: وهو كما قال لأن الوصي وكيل الميت. قاله البناني.
الثالث: إذا قال: فلان وصيٌّ على أولادي وعلى محاجيري، فقال الوصي: أنا أقبل وصيتك ولا أقبل وصية الأول، فقال ابن وهب: له ذلك، وقال أصبغ: ليس له والأول أظهر. قاله ابن رشد. فإن أطلق في قوله: فلان وصيِّي، ففي شموله الوصية على محاجيره قولان كما في الزرقاني. قاله البناني. يعني قول عبد الباقي: وظاهر قوله يعم يدخل فيه ما إذا كان الوصي وصيا على أيتام لخ، قول البناني: والأول أظهر. قاله ابن رشد. قال الرهوني: كلام ابن رشد هو في رسم الوصايا والأقضية، وقد وجه قول أصبغ بقوله ما نصه: ووجه قول أصبغ أن الموصي إنما أوصى له بالجميع، فإما قبل الجميع وإلا رد الجميع، ورأى أنه إذا قبل البعض فقد لزمه بالقبول له النظر فيه، والنظر فيه وحده ليس له إذ لم يجعل له النظر إلا في الجميع فألزمه الجميع؛ إذ ليس له أن يبعض عليه وصيته. وبالله التوفيق. انتهى منه بلفظه. وما وجهه به ظاهر، وقد اختار ابن يونس تفصيلا آخر ونصه: محمد بن يونس: والذي أرى أن يقول له الإمام: إما أن تقبل الجميع أو تدع الجميع إلا أن يرى الإمام أن يقره على ما قبل ويقيم من يلي وصية الأول فذلك له. انتهى منه بلفظه. ونقله الحطاب باختصار يسير. فتأمله والله أعلم.
стр. 9610
وقول البناني: فإن أطلق في قوله فلان وصي، ففي شموله الوصية على محاجيره قولان سوى بين القولين، وفي كلام الحطاب ما يفيد أن الراجح عدم الشمول لأنه نقل عن المشدالي أن صاحب الطرر اقتصر عليه، قلت: ويدل على رجحانه أيضا اقتصار أبي الوليد بن رشد عليه مع كون قائله معروفا ومقابله لا يدرى قائله، فإن أبا الحسن وغيره نقلوا القولين عن ابن الهندي وهو لم يعزهما فيما نقلوه عنه، وما اقتصر عليه في الطرر هو في العتبية من قول سحنون، ففي نوازله من كتاب الوصايا الرابع ما نصه: وسئل سحنون عن الرجل يوصي إليه الرجل بماله وولده فتحضر الوصي الوفاة، فيوصي إلى رجل بماله وولده أو يقل فلان وصيي مسجلا ولم يذكر مال الميت ولا ولده الذي كان أوصى بهم إليه. هل يكون الموصى له وصيا فيما كان هذا فيه وصيا للذي أوصى له فيه، فقال لا يكون وصيا إلا في مال هذا الميت إذا لم يذكر في وصيته أنه وصي على ما أوصى به إلى فلان. قال محمد بن رشد: هذا كما قال أنه لا يكون وصيا على ما كان أوصى إليه به من مال الرجل وولده إن أبهم الإيصاء فقال فيه فلان وصيي فلم يفسر شيئا لأنه إنما يحمل على العموم في ماله وولده خاصة لا في مال غيره. وبالله التوفيق. انتهى منه بلفظه. ثم أتى بما يرجح قول سحنون.
الرابع: إذا قال وصيي على أولادي فلان وفلان وله أولاد غيرهما، فقال ابن سهل: يدخلون في الإيصاء وإن لم يسمهم، قال: وهذا كمن قال عبيدي أحرار فلان وفلان وسكت عن باقيهم فإنهم يعتقون أجمعون. انتهى. انظر الحطاب. قوله: إذا قال وصيي على أولاد لخ لم يقتصر الحطاب على هذا. بل صرح بوجود الخلاف في هذه المسألة وفي المقيس عليها وهي عتق العبيد لكن يفهم من كلامه رجحان ما اقتصر عليه البناني ولهاتين المسألتين نظائر، وقد قدمنا بعضها في فصل التناول مع بيان وجه الراجح فراجعه هنا، ومن جملة تلك المسائل إذا قال الموصي يخرج عني ثلث في أخلفه، فمنه في كفارة أيمان كذا ومنه عن زكاة كذا ومنه للعتق كذا وسكت عن باقي الثلث، قال في المعين: ففي ذلك قولان، أحدهما أنه ينفذ في الفقراء والمساكين، قال بعض الموثقين: وبه جرى العمل، والقول الثاني البقية ترجع ميراثا ونحوه في اختصار المتيطية لابن هارون وزاد متصلا به ما نصه: قال ابن الهندي: وأخبرني محمد بن السليم قاضي قرطبة أن هذه
стр. 9611
المسألة نزلت في أيام القاضي محمد بن عبد الله فأفتى محمد بن عبد الملك بأن بقية الثلث ترجع ميراثا وخالفه في ذلك أصحابه، فحكم القاضي بقولهم واختاره محمد بن السليم. انتهى منه بلفظه. وقد صرح أبو زيد الفاسي بأن العمل جرى في مسألة الأولاد وفي مسألة الصدقة التي استدل بها ابن سهل، لما قاله ابن زرب بالعموم فانظره. والله أعلم. قاله الرهوني.
الخامس: قال الحطاب: وقال في مفيد الحكام: وللوصي أن يوصي إلى غيره إذا لم يمنعه الموصي من ذلك ولا مقال للورثة في ذلك، ويقوم وصيه مقامه في كل ما كان إليه من وصية غيره إذا أوصى بذلك، وإن مات ولم يوص بذلك تولى الحاكم النظر في كل ما كان إليه وبيده ولم يجز له أن يهمله.
السادس: إذا أوصى بوصية وذكر فيها أن الوصي على أولاده فلان، ثم أوصى بوصية أخرى وغير ما كان أوصى به أولا إلا أنه لم يتعرض للوصي ولم يجعل وصيا على أولاده في الوصية الثانية، إلا أنه قال: إن هذه ناسخة لكل وصية قبلها، قال ابن رشد: لا يكون ناسخا لإيصاته على أولاده. ذكره في نوازله. قاله الحطاب.
السابع: قال في معين الحكام في باب الوصايا: إذا شهد شاهدان على وصية وأحدهما الذي جعل له الوصية ينظر فيها، فإن استعفى هذا الشاهد منها وامتنع من قبولها لها جازت شهادته، ثم إن رأى القاضي بعد ذلك أعادته إلى النظر أعاده. انتهى. وقوله: أحدهما الذي جعل له الوصية ينظر فيها يعني وأحد الشاهدين على الوصية هو من أسند إليه النظر فيها. قاله الحطاب. وقد مر عن عبد الباقي أنه لو قبل الوصية لم تصح الشهادة، وقال المواق: قال ابن شأس: الركن الرابع: الصيغة، كقوله: أوصيت لك أو ما يقوم مقام ذلك، كقوله: فوضت إليك أمر أولادي، ثم قال: وإطلاق لفظ الوصية يتناول نوعي الوصية وحقوقها جميعا. انتهى.
وعلى كذا يخص به يعني أنه إذا قال فلان وصيي على الشيء الفلاني، فإن نظر الموصى يختص به ولا يتعداه إلى غيره، وشبه في العموم والخصوص فقال:
كوصيي حتى يقدم فلان يعني أنه إذا قال زيد وصيي حتى يقدم عمرو فإن زيدا يكون له وصيا في كل شيء حتى يقدم عمرو، فإذا قدم عمرو انعزل زيد عن الوصية بمجرد قدومه. قال التتائي:
стр. 9612
كوصيي حتى يقدم فلان فهو جائز وعام في جميع الأشياء خاص في الزمان، فلو مات فلان قيل قدومه، فقال ابن يونس: ينبغي أن يكون هذا وصيا لأنه إنما جعله لقدوم الغائب وظاهره أنه ينعزل بمجرد قدومه وإن قدم وامتنع. واستظهره ابن يونس إلا أن يفهم عنه إن جاء فقبل فإن لم يقبل فوجب أن يبقى. انتهى.
وقال الشبراخيتي: "كوصيي حتى يقدم فلان" فإذا قدم فلان فهو وصيي فهو جائز فهو تشبيه في يعم ويخص لأن فيها العموم والخصوص فهي عامة في التصرف خاصة في الزمن فهي تشبيه في المسألة الأولى في العموم والمسألة الثانية في الخصوص. انتهى. وقال عبد الباقي: كوصيي حتى يقدم فلان فإنه يكون وصيا له في جميع الأشياء إلى أن يقدم فلان، فإذا قدم انعزل بمجرد قدومه ولو لم يقبل الوصية إلا لقرينة، فإن مات قبل قدومه استمرت الوصية على حالها. انتهى. وقال أشهب: إن مات في غيبته فلا وصية للحاضر وينظر السلطان في ذلك. نقله الرهوني.
أو إلى أن يتزوج زوجتي يعني أنه إذا قال فلان وصيي إلى أن يتزوج زوجتي، أو إلا أن يتزوج زوجتي فإنه يعمل بذلك فيكون وصيا له في كل شيء حتى يتزوج زوجته، فإذا تزوجها انعزل. وكذا لو قال: زوجتي وصيتي إلى أو إلا أن تتزوج فإنه يعمل بذلك فتكون وصية في كل شيء ما دامت أيما، فإذا تزوجت انعزلت. قال عبد الباقي: أو قال زيد وصيي إلى أو إلا أن يتزوج بمثناة تحتية زوجتي فلا حق له عمل بذلك، وكذا زوجتي وصيتي إلى أو إلا أن تتزوج بمثناة فوقية فلاحق لها فيعمل به، وكذا إن أوصى لها بسكنى أو لأم ولده بسكنى أو بغلة إلى أن تتزوج أو على أن لا تتزوج فيعمل بما شرط، فإذا عقد لها فلا سكنى ولا غلة بعدد ونزع جميع ما جعله لها غير غلة على أن لا تتزوج بخلاف ما شرط لها من غلة وقفه فلا ينتزع منها الباقي بزواجها. انتهى.
قوله: وكذا إن أوصى لها بسكنى يعني حيث أجاز الورثة ذلك وإلا فلا لأنها وصية لوارث، بخلاف أم الولد. وقال الحطاب: فلو أوصى بشيء على شرط فلم يوف به الموصى له فإنه يرده، فلو أوصى لأم ولده بوصية على أن لا تتزوج فتُوُفيَ تنفذ لها الوصية ثم إذا تزوجت فإنها تنزع منها. انتهى. وفي بعض النسخ: إلا بدل إلى. وقوله: "أو إلى أن تتزوج زوجتي". عياض: ظاهرها
стр. 9613
سقوطها بالعقد، قال في المدونة: وكذا لو أوصى لها بألف على أن لا تتزوج فأخذتها، فإن تزوجت أخذت منها. قال اللخمي: أجاز ذلك وإن كان معاوضة فيها غرر لأنها تأخذ المال، ثم هي بالخيار بين أن لا تتزوج ويبقى المال لها أو تتزوج فترد المال أجمع ولا يسقط عنها لوقوفها عن الأزواج تلك السنين شيء. انتهى. وقال المواق من المدونة: من أسند وصيته إلى أم ولده على أن لا تتزوج جاز فإن تزوجت انعزلت، وانظر إن لم يشترط هذا الشرط، قال ابن رشد: إذا تزوجت الوصية فإن جهل حالها جعل عليها مشرف. انتهى.
تنبيه: تقدم عن عبد الباقي قريبا ما نصه: ونزع جميع ما جعله لها غير غلة على أن لا تتزوج بخلاف ما شرط لها من غلة وقف فلا ينزع منها الباقي بزواجها. انتهى. قال الرهوني: انظر ما معنى قوله غير غلة، فإني لم أفهم ما أراد به ولم يذكره الأجهوري وإنما قال ما نصه: ثم تزوجت فإنها ترد ما أخذته. قاله في معين الحكام. انتهى. ونص المعين:
فرع: إذا أوصى لأم ولده على أن لا تتزوج بوصية وتوفي ونفذت لها الوصية ثم تزوجت فإنها ترد ما أخذت. انتهى. فالمتعين أن قوله غير غلة غير صحيح سواء أراد الغلة المستقبلة بعد تزوجها ولا إشكال في عدم صحته أو أراد الغلة التي استغلتها قبل التزوج، سواء أراد أنها بقيت عندها حتى تزوجت فوجدت بعينها، أو أراد أنها فوتتها بأكل أو بيع أو غير ذلك؛ لأنها إن بقيت ردتها بعينها وإن فوتتها وعلمت مكيلتها ردت مثلها، وإن جهلت مكيلتها ردت قيمتها على القاعدة المقررة وهذا حكم غير الغلة من سائر المتمولات، وإنما اختلف إذا فوتت ذلك بالبيع. قال أبو الحسن عند قول المدونة: ومن أسند وصيته إلى أم ولده على أن لا تتزوج الخ ما نصه: عبد الحق: ولو أوصى لأم ولده بعرض على أن لا تتزوج فباعته أو وهبته ثم تزوجت فإن ما فعلته فيض ويرجع عليها بالقيمة: وكذلك قال بعض القرويين: وقال بعض شيوخنا من أهل بلدنا: إذا باعت ذلك ثم تزوجت فليس عليها إلا غرم الثمن لأن تصرفها في ذلك كان جائزا بالبيع وغيره. قال: ولو ضاع العرض بأمر من الله لم نضمنه. نَكَّت الشيخ: هذا إذا قامت البينة على الضياع.
تنبيه: محل الرجوع إذا لم يكن الورثة صالحوها ففي أول رسم من سماع القرينين من كتاب الوصايا ما نصه: وسئل مالك عن أم الولد يوصى لها سيدها بنفقتها ما لم تتزوج فصالحها الورثة
стр. 9614
على شيء معلوم فيدفعونه إليها نقدا ثم تتزوج أيرجعون عليها بشيء؟ قال: لا يرجعون عليها بشيء وقد صالحوها إنما ذلك لو تركوها على حال ما أوصى به سيدها، قال محمد بن رشد: هذا كما قال أنه إذا لم يبق الورثة الوصية لها [على] (١) حالها وصالحوها عنها على شيء دفعوه معجلا إليها فلا رجوع لهم عليها إن تزوجت قبل أن تستنفد في الإنفاق على نفسها ما دفعوه إليها، كما أنها إذا إستنفدت ذلك في الإنفاق على نفسها فلا شيء لها عليهم وإن لم تتزوج؛ لأن الصلح إنما كان على إسقاط الشرط في النفقة فلا رجوع لهم عليها إن تزوجت. انتهى.
وإن زوج موصى على بيع تركته وقبض ديونه صح يعني أنه إذا أوصى شخصا على بيع تركته وقبض ديونه أو على أحد الأمرين وزوج الموصَى بنات الموصي بإذنهن فإن النكاح صحيح، قال البناني: قد يقال لا خصوصية للموصَى وكذلك الأجنبي إذا زوج امرأة بولاية الإسلام لا يجوز ابتداء ويصح بعد الوقوع، وأجيب بأن ذلك في الأجنبي إنما يصح في دنية أو شريفة دخل وطال، والصحة في هذا مطلقة كما يدل عليه كلامهم. انتهى. وقال الشبراخيتي: "وإن زوج موصى" المفعول محذوف أي من لم تجبر بإذنها، وأما لو زوج من تجبر فيفسخ أبدا وأما بغير إذنها فغير صحيح على بيع تركته وقبض ديونه الواو بمعنى أو صح وإن كان لا يجوز ابتداء. وقال المواق من المدونة: قيل لمالك: فلو قال فلان وصيي على قبض ديوني وبيع تركتي ولم يوص إليه بأكثر من هذا، هل له أن يزوج بناته؟ فقال مالك: لو فعل ذلك رجوت أن يكون مجزئا، ولكن أحب إلي أن يرفع ذلك إلى السلطان فينظر السلطان في ذلك. انتهى. وقال عبد الباقي: وإن زوج موصى على بيع تركته وقبض ديونه أو أحدهما بنات الموصي بإذنهن صح بعد الوقوع ولم يجز ابتداء وليس له جبرهن اتفاقا وإلا فسخ أبدا، وما ذكره هنا بخلاف موصى له بدفع ميراث بنت صغيرة فله تولي بضعها بإذنها ويصح عقده: وإن كان الأولى الرفع للإمام لينظر هل الأولى العقد عليها أم لا؟ وإنما جاز أن ينظر في هذه دون ما قبلها، لأن تعلق وصيته بها حيث جعل وصيا على ميراثها أشد من تعلق من جعل وصيا على بيع تركته وقبض ديونه بها، ومحل الصحة ما لم يجعل التزويج لغيره وإلا فسخ. انتهى. قوله: بخلاف موصى له بدفع ميراث بنت صغيرة الخ،
стр. 9615
قال الرهوني: أشار به إلى فرع ذكره الأجهوري عن الشارح هو في التوضيح، وأصله لابن يونس وسياقه أنه من كتاب ابن المواز ونصه: وقال ابن القاسم: قال مالك فيمن أوصى بميراث بنت له صغيرة أن يدفع إلى فلان أتراه يلي بضعها؟ قال: نعم، وأراه حسنا لو رفع إلى الإمام فنظر فيه، انتهى.
فرع: اللخمي: وإن قال وصِيٌّ على مالي فكذلك يدخل فيه الولد، وإن قال على ولدي دخل فيه المال. انتهى. ونقله ابن عرفة وسلمه. قاله الرهوني. وقال الخرشي: وظاهر قوله: "صح" أنه بعد الوقوع وهو ظاهر المدونة، وأمَّا ابتداء فالأحب أن لا يفعل حتى يعرض الأمر على الإمام فيقدمه على الأولياء أو يقدم الأولياء عليه. انتهى. وقال التتائي: اللخمي: إن جعل وصيته لثلاثة جعل لأحدهم اقتضاء الدين وقضاء ما عليه وللآخر النظر في الفاضل والتصرف فيه بالبيع والشراء وللآخر بضع بناته جاز، وليس لأحدهم أن يلي غير ما جعل له فإن تعدى من له النظر في الفاضل والتصرف فيه فاقتضى أو قضى مضى ما فعله ولم يرد قضاؤه أو اقتضاؤه، وإن باع أو اشترى من جعل له النكاح رد فعله وإن زوج من جعل له النظر في المال رد فعله لأنه معزول عن ذلك وقد أقيم له غيره، وليس هو بمنزلة قوله: فلان وصيي على قضاء ديني. انتهى.
ثم شرع في بيان الموصِي على الأولاد ومن ينظر في حالهم، ومذهب مالك أنه خاص بالأب دون غيره من الأقارب فلا يوصي الجد ولا الأخ ولا العم ونحوهم، ولهذا قال: وإنما يوصي على المحجور عليه أب يعني أنه لا يوصي على المحجور عليه وهو السفيه والصغير إلا الأب لا غيره كالجد والأخ ونحوهم، قال الخرشي: قوله وإنما يوصي على المحجور عليه وهو الصغير والسفيه أب لكن بشرط أن يكون هذا الأب رشيدا، ثم الأب المحجور عليه فإنه لا يوصي على ولده إذ لا نظر له عليه، وكذا لو بلغ الصبي رشيدا ثم حصل له السفه فليس للأب الإيصاء عليه، وإنما الناظر له هو الحاكم. انتهى. ونحوه لعبد الباقي.
أو وصيه يعني أنه كما للأب أن يوصى لوصيه أن يوصي وكذا وصي الوصي وإن بعد، وظاهر كلام المصنف أن مقدم القاضي لا يوصي وهو كذلك. نص عليه ابن الهندي وابن أبي زمنين وغير واحد. وحكى ابن رشد عن بعض الأندلسيين أن الذي مضى به الحكم أن مقدم القاضي له حكم
стр. 9616
الوصي في جميع أموره؛ لأن القاضي أقامه مقام الوصي وما ذكر في الأب إنما هو إذا كان رشيدا ولو كان محجورا عليه لم يكن له نظر على ولده ولا أن يوصي عليهم؛ وكل ما تقدم إنما هو في الوصية مما صار له من ميراث: وأما ما تطوع به الميت فجائز أن يجعله على يد أجنبي وإن كان له أب أو وصي. قاله التتائي. وقال البناني: ثم اعلم أن منع غير الأب ووصيه من الإيصاء إنما هو فيما يورث عنهم. وأما ما تطوع به الميت فوصيته به جائزة إلى من شاء وإن كان للموَلَّى عليه أب أو وصي؛ لأنه إنما أعطاه على هذا الوجه. انظر التوضيح وغيره. انتهى. قال الحطاب: فإذا قال يكون موقوفا على يد فلان حتى يرشد، أو قال يدفع إلى الموَلَّى عليه يتسع به في ملبس أو مطعم لم يكن لأبيه ولا لوصيه قبض ذلك ولا يحجر عليه فيه لأنها هبة من الموصي على صفة.
تنبيهات: الأول: ليس للأب أن ينصب وليا على كبار أولاده إلا أن يكون محجورا عليهم. ابن شأس: ولا يصح نصب الوصي على ذكور الأولاد البالغين إلا أن يكونوا محجورا عليهم، نعم ينصب وصيا في قضاء الديون وتنفيذ الوصايا ونص على ذلك غير واحد. والله تعالى أعلم. قاله الحطاب.
الثاني: قال الحطاب عن ابن سلمون: وأما نكاح الوصي بنات محجوره فالرواية بذلك منصوصة عن مالك، ومعناه في الأبكار والثيب التي لم يملكن أمور أنفسهن، وقد كان بعض الشيوخ يقول إنه لا يكون وصيا على ولد محجوره إلا بتقديم السلطان فعلى هذا لا يزوج واحدة من بناته، وفي مسائل ابن الحاج قال: اختلف الشيوخ في الرجل إذا كان وصيا على سفيه فولد للسفيه ولد هل للوصي أن ينظر على ابن السفيه كما ينظر على أبيه أم لا؟ فذهب ابن زرب إلى أنه لا ينظر عليه إلا بتقديم، وخالفه ابن عتاب وابن القطان في ذلك وقال إنه ينظر عليه كما ينظر على أبيه، قالا: والقضاء عندنا بذلك. انتهى. وأما مقدم القاضي، فقال ابن سهل هل: له التكلم (١) على أولاد محجوره دون تقديم أم لا؟ الذي تقتضيه الروايات أن له ذلك والذي جرى به العمل أنه لا يكون له إلا بتقديم. انتهى. وقال الحطاب: قول المصنف: وإنما يوصي على المحجور عليه أب هذا إذا كان الأب رشيدا كما تقدم في كلام ابن عرفة، فأما إن كان الأب سفيها وهو في ولاية أبيه فللجد
стр. 9617
الولاية على ولد ولده ويوصي عليهم ويكون وصيه وصيا عليهم، وقيل لا يكون وصيه وصيا عليهم، ثم قال بعد جلب كلام: فيلزم على هذا أن يكون وصي الأب وصيا على ولد الولد الذين إلى نظره بإيصاء الأب انتهى، وشهر في التحفة القول بأن نظر الوصي ينسحب علي بني محجوره. فقال:
ونظر الوصي في المشهور … منسحب على بني المحجور
ويعقد النكاح للإماء … والنص في عقد البنات جاء
وعقده قبل البلوغ جار … بجعله في البكر كالإجبار
قال الشيخ ميارة: يعني أن وصي المحجور يكون أيضا لها وصيا على أولاد ذلك المحجور وينسحب نظره عليهم على القول المشهور، ومقابله أنه لا ينسحب ولا يكون لوصي أبيهم عليهم نظر وعلى الانسحاب فله أن يعقد نكاح إماء محجوره وبناته، أما بعد البلوغ فلا إشكال وأما قبله فكذلك إذا جعل له الإجبار. فقوله: جار بجعله في البكر كالإجبار يعني أن عقد الوصي نكاح الأبكار من بنات محجوره جبرا قبل بلوغهن يجري مجرى الإجبار بجعل الموصي ذلك للوصي في أبكار بناته: فإذا جعل ذلك للوصي كان له جبر بنات المحجور كما يجبر بنات الموصى عليه، ثم ذكر ما مر عن ابن الحاج، ثم قال: وفي مفيد ابن هشام أبو الوليد بن رشد وقد جاءت الرواية منصوصة عن مالك أن الوصي ينكح بنات محجوره؛ يريد بالبنات الأبكار البالغات والثيبات التي لا يملكن أمر أنفسهن والوجه في ذلك أنه رآه وصيا عليهن بكونه وصيا على أوليائهن، فالوصي يزوج إماء محجوره بلا خلاف ويزوج بناته التي لا يملكن أمر أنفسهن على اختلاف فيه. انتهى المراد منه.
الثالث: إذا قدم القاضي ناظرا على اليتيم ثم ظهر وصي من قبل الأب فله رد أفعاله. نقله البرزلي في الوصايا. انتهى. قاله الحطاب.
كأم يعني أن الأم لها أن توصي كالأب والوصي بثلاثة شروط، أحدها أشار إليه بقوله: إن قل يعني أن الأم إنما يكون لها الإيصاء في مال ولدها بشرط أن يكون ذلك المال الذي أوصت أن يليه
стр. 9618
زيد مثلا قليلا كستين دينارا والمدار في القلة على العرف ولا تختص بستين دينارا، ثانيها أشار إليه بقوله: ولا ولي يعني أنه يشترط في صحة وصيتها أيضا أن يكون الولد لا ولي له من أب أو وصي، ثالثها أشار إليه بقوله: وورث عنها أي إنما تصح وصيتها بثلاثة شروط: أن يكون المال الذي أوصت به موروثا عنها، وأن يكون الولد لا وليَّ له، وأن يكون هذا المال الموروث عنها قليلا. فإذا اختل شرط من هذه الثلاثة لم تصح وصيتها. وفي المدونة: لا يجوز إيصاء الأم بمال ولدها الصغير إلا أن تكون وصية من قبل أبيه، وإلا لم يجز إذا كان المال كثيرا وينظر فيه الإمام، وإن كان يسيرا نحو الستين دينارا جاز إسنادها فيه إلى العدل فيمن لا أب له ولا وصي فيما تركته له. نقله الحطاب. وقال المواق: وأما إذا تطوع متطوع لصغير فله أن يقدم عليه من يرتضيه وإن كان للصغير أب أو وصي.
تنبيه: وقع في الحطاب ما نصه: وفيه أيضا إذا أوصى لشخص ثم ظهر شخص آخر فانظره. انتهى. قوله: فانظره أي انظر المسألة في كتاب الوصايا فالضمير عائد على شيء سابق في كلامه، وليس المراد انظر ما حكمه لمنافاته لقوله، وفيها أيضا: ولقول المصنف: "ولاثنين" الخ.
لمسلم يعني أن الوصي الذي تسند إليه الوصية يشترط فيه أن يكون مسلما فلا يصح أن يكون الوصي كافرا، مكلف يعني ولا بد أيضا أن يكون الوصي مكلفا فلا يصح أن يكون صبيا أو مجنونا، عدل أي ولا بد أن يكون الوصي عدلا أي أمينا مرضيا فيما يصير إليه فلو لم يكن عدلا لم يصح أن يكون وصيا، كاف يعني أنه يشترط في الوصي أيضا أن يكون كافيا أي قادرا على القيام بالموصى عليه. قال الشبراخيتي: ثم ذكر شروط الوصي وهي أربعة بقوله: "لمكلف" لا مجنون ومعتوهٍ وصبي وهو متعلق بيوصي على تضمنه معنى يسند لأن يوصي متعد بنفسه "مسلم" لا كافر ولو قريبا. وانظر وصي الكافر هل يشترط فيه الإسلام؟ "عدل" لا فاسق، وأطلقه كغيره "كاف" أي له قوة على التصرف احترازا من العاجز. انتهى. وقال عبد الباقي: عدل فيما ولي عليه. انتهى.
وإن أعمى يعني أن الوصي إذا استكمل الشروط المذكورة يصح إسناد الإيصاء إليه وإن كان أعمى؛ إذ لا يشترط كونه بصيرا، فقوله: "وإن أعمى" اتفاقا. ابن شأس: ولا يشترط نظر العين بل يجوز
стр. 9619
أن يسند الوصية إلى الأعمى إذا كان على الشروط المذكورة. وامرأة يعني أنه يصح أن يكون الوصي امرأة فلا يشترط فيه الذكورية، قال المواق: ابن شأس: لا يشترط الذكورية فلو أوصى لزوجته أو غيرهما ممن تصلح للوصية صحت الوصية إليها، بل لو أوصى لمستولدته أو مدبرته لصحت الوصية إليها.
وعبدا يعني أن الوصي لا تشترط فيه الحرية بل يصح إسناد الوصية إلى العبد. ابن شأس: لا يشترط في الوصي الحرية بل تجوز الوصية كان له أو لغيره ويتصرف بإذن مولاه، والواو فيهما بمعنى: أو. قاله عبد الباقي. وقال قبل هذا: وذكر شروط الوصي على أيتام وهي أربعة، والحصر منصب عليها أيضا، فقال: "لمكلف مسلم" الخ، وفي بعض النسخ تقديم مسلم على مكلف، وفي بعض النسخ بالعكس.
وتصرف بإذن سيده يعني أن العبد إذا أوصي فإنه يتصرف للموصى عليه بإذن سيده، وهذا إذا وقعت الوصية بغير إذن سيده وأما إن وقعت الوصية بإذن سيده فإنه يتصرف للموصى عليه بغير إذن سيده. ابن مرزوق: العبارة الجيدة أن يقول تجوز وتصح لعبد الغير بإذن سيده، وعبارة ابن الحاجب وابن شأس كعبارة المصنف، وظاهر كلامهم أن التوقف على إذن السيد إنما هو التصرف دون الإيصاء وليس بجيد، بل الصواب أن الإيصاء موقوف على الإذن. انظر البناني. وقال الشبراخيتي: ظاهره أن بإذن سيده متعلق بتصرف وليس كذلك؛ لأنه إن قبل بإذن سيده فله التصرف بغير إذنه كما قال اللخمي، فهو متعلق يقبل المقدر، وكان ينبغي له أن يقول وقبل بإذن سيده وتصرف. انتهى.
وقال عبد الباقي: وتصرف العبد بإذن سيده متعلق بتصرف إذا وقعت الوصية بغير إذن سيده وبقبل مقدرا إذا وقعت بإذن سيده ابتداء، وليس له أي لسيده بعد إذنه في القبول لعبده رجوع بعد ذلك، وشمل العبد الخالصَ وذا الشائبة، وما ذكره من اشتراط العدالة خاص بالوصي على مال يتيم أو على اقتضاء دين أو قضائه خيفة أن يدعي خير العدل الضياع، وأما فيما يختص بالميت كالوصية بالثلث أو بالعتق فتجوز إلى غير العدل. قاله في توضيحه. أي ولكن لا بد من إسلامه لقوله فيما مر: ومنع ذمي في بيع أو شراء أو تقاض. وانظر في وصي الكافر هل يشترط فيه
стр. 9620
الإسلام حيث وقعت الوصية على يد حاكم شرعي؟ لأن الوصي كالوكيل والوكيل الذمي لا يمكن من بيع أو شراء أو تقاض والحاكم الشرعي إنما يحكم بينهم بحكم الإسلام، أو لا يشترط ذلك لأنه ليس للوصي إذا كان في التركة خمر أن يريقه إلا بعد الرفع للحاكم، لاحتمال رفعه لمن يرى تخليله فيضمنه الوصي، ولا يجوز لذمي أن يوصي لحربي وإن مستأمنا. انتهى. كالوصية بالثلث أو العتق أي أسند تفريق الثلث إلى غير العدل أو أسند إليه العتق. قاله البناني.
وإن أراد الأكابر بيع موصى اشتري للأصاغر يعني أن من مات وترك أولادا صغارا وكبارا وترك رقيقا وجعله وصيا على الأصاغر، وأراد الأكابر بيع حصتهم من ذلك الرقيق الموصى فإنه يشترى للأصاغر إن كان لهم ما يشترى به وإلا باع الأكابر حصتهم منه خاصة إلا أن ينقص بيعها مفردة وأبوا ذلك فيقضى على الأصاغر بالبيع معهم. قاله غير واحد. وقال عبد الباقي: وانظر هل ينعزل حينئذ عن الوصية أو إلا أن يشترط على المشتري. انتهى. قال البناني: انظر هذا التردد. وقال ابن عاشر: اعلم أنه إذا بيعت حصة الأصاغر فإنه يفسخ الإيصاء كما قال في الواضحة والموازية، وفي مختصر حمديس أن لمشتريه فسخ وصيته إن كان ذلك يضر به ويشغله، واعترضه عبد الحق وقال: لا يصح عندي. انتهى. وقال بعضهم: وقول عبد الحق هو الصواب، قال الشيخ أحمد بابا: فإن عتق لم يرجع وصيا عليهم إلا أن يراه القاضي أهلا فيجعله مقدما. انتهى.
وقال الرهوني: قال أبو الحسن: انظر من يلي الشراء يعني شراء الموصى للأصاغر هل العبد أو الإمام؟ الشيخ: إنما يلي الشراء الإمام لأن الإيصاء لم يكمل. انتهى. وقول عبد الباقي: وانظر هل ينعزل حينئذ عن الوصية الخ: قال الرهوني: تعقبه البناني بكلام ابن عاشر وما نقله هو كلام التوضيح وعنه نقله التاودي معترضا به توقف الزرقاني، وقد نقل جسوس كلام التوضيح أيضا وأغفلوا كلهم عزو المسألة للعتبي مع أنها فيه بزيادة، ففيه في شرح المسألة الرابعة عشر من رسم الوصايا من سماع القرينين ما نصه: إلا أن يكون على الأكابر في ذلك ضرر فيلزم الأصاغر البيع مع إخوتهم الأكابر وتنفسخ الوصية؛ لأن الموصي إنما أراد أن يكون ناظرا لهم ما كان عندهم، واستحسن أصبغ إن كان المشتري في موضع اليتامى مقيما به أن يبقى على إيصائه، ومعنى ذلك عندي إن رضي بذلك المشتري. وفي البيان قال أشهب: وإذا استخلص للأصاغر لسعة مالهم فكل
стр. 9621
من بلغ - يريد - وملك أمره اشترى حظه لمن بقي حتى يكون أخذ ذلك لمن بقي مضرة بهم لكثرة ثمنه وقلة مالهم من منفعة فلا يقوم عليهم ويبقى بينهم، فإذا شاء الكبار البيع بيع كله وأقام لهم الإمام غيره. انتهى. انتهى.
الرهوني: لم أر من تكلم على هذا المحل قيد كلام المصنف بشيء، ولا يحتاج إلى تقييد إن من الصغير واحدا وإن كان أكثر، فقال في البيان قبيل كلامه هذا متصلا بما نقلناه عنه قبل ما نصه: وقال سحنون في المجموعة: إنما يكون العبد ناظرا للصغار إذا كانوا كلهم سواء فيما يتكلف لهم العبد فيكون على قدر مواريثهم منه، وقوله: صحيح إذ قد يكون لأحدهم المال الكثير ورثه عن أمه فيحتاج فيه إلى نظر زاند على إخوته. انتهى منه بلفظه. انتهى. وقال المواق: من أسند وصيته إلى مكاتبه أو عبده جاز ذلك، فإن كان في الورثة أصاغر وأراد الأكابر بيع نصيبهم من العبد اشتري للأصاغر حصة الأكابر منه إن كان لهم مال يحمل ذلك وإلا باع الأكابر حصتهم منه خاصة، إلا أن يضر ذلك بهم فيقضى على الأصاغر بالبيع معهم. انتهى.
وطرو الفسق يعزله يعني أن الوصي إذا طرأ له الفسق فإنه يعزل عن الإيصاء أي يجب على الحاكم عزله، لا أنه ينعزل بمجرد حصول الفسق فإذا تصرف بعد طرو الفسق وقبل عزل الحاكم له مضى تصرفه. قال عبد الباقي: وطرو الفسق بمعنى عدم العدالة فيما ولي فيه يعزله إذ تشترط عدالته ابتداء ودواما أي يكون موجبا لعزله عن الوصية. قاله الشارح. فلا ينعزل بمجرد حصوله. قال الأجهوري. فإن تصرف بعد طروه وقبل عزله بالفعل مضى على ما يفيده الشارح لا على مفاد المصنف. ابن رشد: يعزل الوصي إذا عادى المحجور إذ لا يؤمن عدو على عدوه في شيء من أحواله. ابن القاسم: للوصي أن يشتري لمحجوره بعض ما يلهو به. نقله المواق. وإذا تزوجت الوصية جعل عليها مشرف إن جهل حالها. انتهى. قوله: "وطرو الفسق يعزله" وكذا يعزل الأب الفاسق عن متاع ولده. قاله يوسف بن عمر. نقله البناني. وقول عبد الباقي: فلا ينعزل بمجرد حصوله الخ، قال الرهوني: هذا هو الذي يفيده كلام أهل المذهب وصرح به أبو علي هنا في شرحه، ونصه: وقوله وطرو الفسق يعزله أي يوجب على الحاكم عزله وليس المراد أنه بنفس طرو الفسق، وقد رأيت ذلك في كلام الكافي وغيره. انتهى منه بلفظه.
стр. 9622
وقول الزرقاني: فإن تصرف بعد طروه وقبل عزله بالفعل مضى على ما يفيده الشارح أي من أنه ألا ينعزل بمجرد طرو الفسق. وقوله: لا على مفاد المصنف أي من أنه ينعزل بمجرد طروه وكلامه يقتضي أن المسألة منصوصة مع أنها ليست منصوصة بعينها. نقلها ابن سهل عن أحكام ابن زياد مقيدا مضي تصرفه بما إذا كان صوابا، وإن كان خطأ رد، ونقله أبو علي عنه وسلمه وزاد عن ابن سهل في نصه: قال بجميع ذلك ابن لبابة ومحمد بن الوليد وخالد بن وهب وسعد بن معاذ وسعد بن حميد وأحمد بن يبقى ويحيى بن عبد العزيز وطاهر بن عبد العزيز وعبد الله بن يحيى ويحيى بن عبيد الله ومحمد بن إبراهيم ومحمد بن عبد الملك بن أيمن وعمر بن يحيى بن لبابة ومحمد بن إبراهيم بن عيسى ومحمد بن غالب، قال القاضي: قولهم فيما باعه من ربع هو مرغوب فيه بغير جزيل من الثمن ينقض بيعه ويعدى بالثمن عليه المعنى ويرجع هو به في مال الأيتام إن ثبت أنه أدخله في مصالحهم التي لا بد لهم منها ولا غنى بهم عنها، وإن لم يريدوا هذا فنهو خطأ لا يكون بيعه أسوأ حالا ولا أضعف من يبعهم لأنفسهم وهم يرجع عليهم بثمن ما باعوه إن كان قائما أو ثبت إدخالهم له في مصالحهم التي لا يستغنون عنها. انتهى بلفظه. انتهى كلام أبي علي. انتهى. وقوله: "وطرو الفسق يعزله" هذا هو المشهور، وقال الجزولي: يجعل معه آخر. انتهى. قاله التتاتي.
ولا يبيع الوصي عبدا يحسن القيام بهم يعني أنه لا يجوز للوصي أن يبيع عبدا يحسن القيام على الموصى عليهم؛ لأن بيعه ليس بمصلحة والوصي إنما يتصرف بالمصلحة؛ وقوله: "عبدا" يعني أو أمة، قال الشبراخيتي: ولا يبيع الوصي عبدا - لو قال رقيقا كان أحسن أي لا يجوز له ذلك - يحسن القيام بهم لأن بيعه ليس مصلحة وهو إنما يتصرف بالمصلحة. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يبيع الوصي عبدا أو أمة فالأشمل رقيقا يحسن القيام بهم أي لا يجوز له ذلك لأنه غير مصلحة، ولا يجوز له التصرف بغير مصلحة والظاهر رده إن وقع لأنه الأصل فيما نهي عنه. انتهى. وقال الرهوني عند قوله: "ولا يبيع الوصي عبدا يحسن القيام بهم" ما نصه: قال في التوضيح: ووجهه أن في بقائهم مصلحة لهم والوصي إنما ينظر بالمصلحة. انتهى. ومن هذا يعلم حكم مسألة ماشيتهم، وقد ذكر ذلك المواق هنا عن الاستغناء.
стр. 9623
وفي رسم مرض من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا الأول ما نصه: قال: وسئل مالك عن رجل هلك ولابنه إبل مؤبلة فكانت إبله عند رجل، فجاء أولياء الصبي فقالوا تبيع حيوانه فإنه صغير والحيوان يتلف والدنانير خير له؟ فقالت أمه: ومن هو منه بسبيل تقر ابله ولا تباع ويباع من رقابها ما تكون فيه نفقته، قال مالك: من الناس من أصل ماله وعقدته ومن يرى الناس أن له الخير في الماشية والنماء أولئك أهل العمود من أهل البادية، وليس يؤمر أولئك وهم صغار كل من هلك منهم وترك ولدا صغيرا أن يبيعوا ماشيتهم وينظر في ذلك، فإن كانت الإبل أمثل للغلام فيما يرى أهل العلم والمعرفة بذلك وكان هو من أهل المواشي الذين يتخذونها أمسكت له، وإن رأوا غير ذلك فليتبع الذي هو خير للغلام. قال محمد بن رشد: هذا من وجه النظر لليتيم بين على ما قاله مالك، فلا وجه للقول فيه. وبالله التوفيق. انتهى منه بلفظه. والإبل بكسرتين وتسكين الباء معروف اسم جمع وجمعه آبال وأبيل كعبيد وتصغير أبيلة ولا واحد له من لفظه وهي مؤنثة، قال أبو النجم:
والإبل لا تصلح في البستان … وحنت الإبل إلى الأوطان
ولم يجيء بكسر الفاء [والعين (١)] من الأسماء إلا حرفان إِبلٌ وحِبرٌ وهو القلح الصغير، ومن الصفات إلا حرف واحد وهي امرأة يلِزٌ وهي الضخمة وبعض الأئمة يذكر ألفاظا غير ذلك ولم يثبت نقلها عن سيبويه، وإبل مؤبلة كمعظمة للقنية وكقبر مهملة وأوابل كثيرة. انتهى. انظر الرهوني. وقال المواق من المدونة: لا يبيع الوصي عقار اليتامى ولا العبد الذي أحسن القيام بهم إلا أن يكون لبيع العقار وجه من ملك يجاوره فيرغبه وما لا كفاية في غلته وليس لهم ما ينفق منه عليهم فيجوز بيعه، ومن الاستغناء: إن كان للمحجور رقيق ومواش ودواب فمن حسن نظر الوصي له بيع ذلك ويعوض بثمنها ما هو أغبط له، ويحبس له من الرقيق ما يصلح له، وفي حبسه المصلحة
стр. 9624
له. وكذلك الدواب إن كان في حبسها فضل لنتاجها والغنم والبقر إن كان في حبسها نظر وغبطة وإلا بيعت. انتهى.
ولا التركة إلا بحضرة الكبير يعني أنه لا يجوز للوصي أن يبيع التركة على الأصاغر إذا كان هناك كبير مالك لأمر نفسه إلا بحضرته، وهذا إذا كان الكبير حاضرا أو غائبا غيبة قريبة لأن القريب كالحاضر، فإن بعدت غيبة رفع الأمر إلى السلطان، قال المواق من المدونة: لا يبع الوصي على الصغار التركة إلا بحضرة الأكابر، فإن كانوا بأرض نائية رفع ذلك إلى الإمام يأمر من يلي معه البيع للغائب. انتهى. وقال ابن ناجي: وما ذكر في الكتاب ويعني مع بعد الغيبة هو المشهور. وقال أشهب: له بيع الحيوان والعروض في غيبتهم ولا يرفع ذلك إلى السلطان، ونقل الحطاب عن النوادر: وإن كانوا حضورا. محمد: أو قربت غيبتهم فليس له بيع شيء ولا للسلطان وله بيع ذلك في الغيبة. انتهى. وقال عبد الباقي: فإن كان الكبير غائبا فليرفع الوصي إلى الحاكم: فإن لم يرفع رد بيعه إلا أن يفوت بيد مشتريه ببيع أو هبة أو صبغ ثوب أو نسج غزل أو أكل طعام، وكان قد أصاب وجه البيع فهل يمضي وهو المستحسن أو لا وهو القياس؟ قولان. انظر الحطاب.
تنبيهات: الأول: قال في المدونة: وسئل عن الوصي ببيع المتاع بغير إذن الورثة، قال: إن كانوا كبارا قد رضي حالهم فلا يبيع إلا بإذنهم، فإن باع رد المتاع لأنه إنما أوصى بالذين يولي عليهم وإنما هؤلاء شركاء، قيل: فإن فات؟ قال: إن فات وأصاب وجه البيع كأنه يقول مضى، قال أصبغ: لا أرى ذلك وإن للورثة رده إلا أن يكون الثلث موصى به يحتاج إلى تحصيل المال وبيعه وجمعه فيكون ذلك له، إلا العقار والرباع فلا أرى ذلك له دونهم، وإن لم يكن له ثلث على ما وصفت فهو مردود. قاله الحطاب. وقال بعد جلب نقول: فتحصل من هذا أنه اختلف هل يجوز بيع الوصي التركة لقضاء الدين أو تنفيذ الوصايا إذا كان الورثة غيبا أو فيهم غائب كبير أم لا؟ فأجاز ذلك أشهب حتى في العقار ومنع ذلك غيره وهو المعروف في المذهب، فأحرى أن يمنع لغير ذلك حتى يرفع إلى السلطان.
стр. 9625
الثاني: ذكر البرزلي في كتاب السلم عن أبي عمران أن من مات في سفر بموضع لا قضاة فيه ولا عدول ولم يوص فاجتمع المسافرون وقدموا رجلا باع تركته ثم قدموا بلد الميت فأراد الورثة نقض البيع إذ لم يبع بإذن حاكم وبلده بعيد من موضع الموت أن ما فعله جماعة الرفقة من بيع وغيره جائز، وقد وقع هذا لعيسى بن مسكين وصوب فعله وأمضاه ونقل عن الداودي أنه أمر ببيع تركة رجل غريب يذكر أنه من أحواز فاس وورثته مجهولون، ودفع الثمن إلى ثقات من أهل المغرب وأمرهم بالبحث عن ورثته، فإن يئس منهم تصدق بذلك على الفقراء. وذكر رجل أنه تسلف من الميت دينارا فأمر بدفعه لأولئك الثقات ويبرئه ذلك إذا أشهد على الدفع. قاله الحطاب. وقال: علم مما تقدم أن تنفيذ الوصايا من قضاء دين أو وصية أو بالثلث صدقة أو غيرها لوصي الميت ويفهم أيضا من كلام المدونة. وفي اللباب: وتنفيذ الوصية لوصي الميت.
الثالث: ذكر البرزلي عن ابن رشد مسألة وهي ما إذا باع الوصي عقارا أكثر من حصة الميت وفرقه أنه لا رجوع على الوصي، والمسألة في نوازل ابن رشد سأله عنها عياض وهي رجل أسند إليه الثلت فنظر مع الورثة في بيع التركة، وفرق الثلث على معينين وغير معينين حسبما في الوصية وكان في التركة شقص يشارك فيه بعض الورثة وغيره فبيع فيما بيع واشتراه الشريك الوارث ووزع ثمنه على قدر المواريث والوصية، فلما كان بعد مدة تأملت القصة فإذا قد وقع فيها غلط ووهم وقد بيع من الربع من الوارث أكثر من نصيب الميت، وتبين ذلك فأخذ من كل وارث مصابه وبقي ما للثلث وقد فرق، قال ابن رشد: لا ضمان على الوصي فيما نفذه فيما يجب من الثمن للحصة الزائدة على حق الميت، ويرجع المبتاع بما ناب الوصية من ذلك على من وجد من الموصى لهم المعينين، وتكون الصيبة منه فيمن لم يجد منهم وفيما فرق على المساكين غير المعينين على ووهب ابن القاسم وروايته عن مالك الذي نعتقد صحته. وبالله التوفيق.
الرابع: قال ابن رشد في نوازله: إذا أوصى بوصية أو فكاك أسير أو غير ذلك من وجوه البر وجعل تنفيذ الوصية إلى رجل أجنبي أو وارث وشرط في تنفيذ الوصية أنه ينفذها دون مشورة قاض. ولا تعقب حاكم فلا يجوز لأحد من القضاة والحكام أن يتعقب شيئا من ذلك ولا ينظر فيه، والأمر في ذلك للورثة، فإن كانت الوصية مما يبقى لهم فيه منفعة كالعتق وشبهه كان لهم
стр. 9626
أن يقوموا حتى يعلموا أنها قد نفذت كان المنفذ لها وارثا أو أجنبيا، وإن كانت الوصية مما لا يبقى لهم فيه منفعة كالصدقة فلا قيام لهم في ذلك إلا أن يكون النفذ وارثا، ولا يجوز للمقدم على الثلث مسامحة الورثة فيه، وإن اتهمه القاضي بذلك أشرك معه من يثق به في تحصين الثلث ثم يكل تنفيذ ذلك إليه في الوجود التي جعل له تنفيذها فيها، أو بما أداه اجتهاده إليه إن كان فوض إليه النظر في ذلك وقال الموصي ولا اعتراض عليه من حاكم ولا غيره وهذا في الوصي المأمون وأما غير المأمون الذي يخشى منه على الوصية ولا ينفذها فيكلف إقامة بينة على تنفيذها فإن لم يأت بالبينة على ذلك ضمن إن كان سارقا معلنا، وإن كان متهما ولم يكن بهذه الصفة استحلف ولم يضمن إلا أن ينكل عن اليمين، وإن كان مأمونا لم تكن عليه يمين وهو محمول على أنه مأمون حتى يثبت أنه غير مأمون. انتهى.
وعلم مما مر أنه لا فرق في الحكم بين أن يشترط الموصي تنفيذ الوصية دون مشورة القاضي ولا تعقب حاكم، أو أنه لا اعتراض عليه من حاكم أو غيره بوجه من الوجوه. قاله الحطاب. وقد ذكرت كلامه باقتصار يفهم معه كلامه بالتأمل. والله تعالى أعلم.
الخامس: من هذا المعنى مسألة المدونة: لو أمرته بصدقة على معينين فإن صدقه بعضهم وكذبه بعضهم ضمن حصة من كذبه، ولو أمرته بصدقة على غير معينين صدق مع يمينه وإن لم يأت ببينة. انتهى.
ولا يقسم على غائب بلا حاكم يعني أن الوصي لا يقسم على الغائب المالك لأمر نفسه من دون رفع للحاكم، وقد مر أنه لا يبيع التركة في غيبة الكبير من غير رفع للحاكم يعني في الغيبة البعيدة، وأما القريبة فلا يجوز له أن يرفع الأمر في ذلك إلى الحاكم لأن القريب كالحاضر كما مر قال المواق: لو قال: إذ لا يقسم على غائب بلا حاكم لناسب ما تقرر. انتهى.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي وغيره: فإن قسم على غائب بلا حاكم ففاسدة وترد والمشترون العالمون غصاب لا غلة لهم. انتهى. قوله: ففاسدة، قال الرهوني: تبع فيه الأجهوري وفيه نظر، بل هي صحيحة موقوفة على إجازة الغائب وقد تقدم صدر البيوع وملك غيره على رضاه وهذا مثله. وقد صرح في التوضيح بأنه مخير في إمضائها إذا قدم، ونصه: فلا يقسم الوصي إن كان
стр. 9627
فيهم كبار غيب إلا بوكالة منهم أو من الإمام، وإن فعل فهو إذا قدم مخير. ونقله جسوس وسلمه وهو حقيق بالتسليم. انتهى. وهذا الذي نقده الرهوني في الحطاب أيضا عن البرزلي عن أبي محمد.
ولاثنين حمل على التعاون يعني أنه إذا أوصى إلى زيد وعمرو وأطلق في إيصائه فلم يبين استقلالا ولا عدمه، فإن ذلك الإيصاء يحمل على التعاون أي يحمل على أنه ليس لأحدهما أن يستقل دون صاحبه ببيع ولا غيره، وقوله: "ولاثنين حمل على التعاون" أي لا يستقل أحدهما كما عرفت، سواء أوصى إليهما بلفظ واحد أو متعاقب في زمن واحد أو زمنين، قالي عبد الباقي: وإن أوصى لاثنين بلفظ واحد أو متعاقب في زمن واحد أو زمنين من غير تقييد باجتماع وافتراق حمل على قصد التعاون، فليس لأحدهما تصرف ببيع أو شراء أو نكاح أو غيره دون صاحبه إلا بتوكيل منه، فإن قيد في وصيته بلفظ أو قرينة باجتماع أو انفراد فإنه يصار إليه. ابن عبد السلام: ولم يجعلوا وصيته للثاني ناسخة لوصية الأول. انتهى.
الرهوني: قوله: "حمل" يدل على أنه أطلق ولم يقيد بشيء؛ إذ لا يقال حمل على كذا إلا عند الإطلاق فهو موافق لقول ابن شأس، وإذا أوصى إلى رجلين فمطلقة منزلة على التعاون حتى لا يستقل أحدهما بشيء إلا إذا صرح الوصي بإثبات الاستقلال. انتهى منه بلفظه. ولقول ابن الحاجب: وإذا أوصى لاثنين مطلِقا نُزِّل على التعاون فلا يستقل أحدهما إلا بتقييد. انتهى.
تنبيهان: الأول: وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: انظر لو جعل كل واحد على التعميم وكانا في زمنين. قاله التتائي. وقال الأجهوري: ظاهر المصنف يشمل ذلك احتياطا لِمال اليتيم بخلاف الوكالة. انتهى. الرهوني: لا وجه لهذا التوقف بعد جزمه بأنه إذا أوصى لواحد أولا ثم أوصى لآخر بزمن آخر أنه لا يستقل؛ لأن إيصاءه للأول مستقلا تعميم له قبل إيصائه للآخر، وقد قال ابن عرفة فيها: ومن أوصى لوصيين فليس لأحدهما بيع ولا شراء ولا نكاح ولا غيره دون صاحبه إلا أن يوكله، قلت: سواء أوصى إليهما على سبيل المعية والشركة في زمن أو زمنين والأمر في هذا جلي، وكذا لو أوصى إلى أحدهما أولا ثم أوصى إلى الآخر كقوله فيمن أوصى بشيء معين لزيد ثم أوحى به لعمرو أنه بينهما. انتهى منه بلفظه. ونقله ابن غازي في تكميله عند نص المدونة السابق
стр. 9628
في كلام ابن عرفة، وقال ابن ناجي ما نصه: وظاهر الكتاب سواء أوصى إليهما في زمن واحد أو أوصى إلى أحدهما أولا ثم أوصى إلى الآخر، كقوله فيمن أوصى بشيء معين لزيد ثم أوصى به لعمرو فإنه يكون بينهما. انتهى منه بلفظه.
الثاني: قال ابن حارث في أصول الفتيا: ولا يخاصم أحد الوصيين دون صاحبه فيما يطلبونه من قال الميت، وجائز أن يخاصم أحدهما فيما يطلب به الميت لأن القضاء على الغائب جائز ويكون الغائب على حجته. انتهى. قاله الحطاب.
فإن مات أحدهما يعني أنه إذا مات أحدهما فإن الحاكم ينظر فيقر الآخر إن رأى لذلك وجها أو أشرك معه غيره إن رأىَ ذلك وليس للحي النظر وحده. ابن راشد: الذي جرى عليه عمل القضاة في عصرنا ببلدنا أن يجعل معه آخر، وإذا شهد أنه أهل للاستقلال جعلوا له ذلك. وقول ابن الحاجب: فإن مات أحدهما استقل تعقبوه بنقل اللخمي السابق، وبأن الموصي لم يجعله مستقلا فكيف يستقل؟ انتهى. قاله التتائي.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: تأمل قوله: وبأن الموصى لم يجعله مستقلا فإنه يفيد أنه حيث جعل الموصي الاستقلال لكل منهما ومات أحدهما يستقل الحي. والله تعالى أعلم.
أو اختلفا يعني أنه إذا اختلف الوصيان في بيع أو شراء أو غير ذلك فإن الحاكم ينظر في ذلك فيمضي ما كان صوابا ويرد غيره، قال التتائي: أو اختلفا وبيع أو شراء أو ترشيد المحجور عليه أو تزويجه أو غير ذلك، فالحاكم ينظر في فعلهما. اللخمي: فما رآه صوابا أثبته، وإن كان الصواب في غير ما قالاه أمرهما به ومنعهما مما عداه، ونحو عبارة المصنف لابن الحاجب وفسرها المصنف بما ذكرناه عن اللخمي. انتهى.
وعلم مما قررت أن قوله: فالحاكم جواب الشرط هو والمقدر له فهو راجع للأمرين؛ أي فالحاكم ينظر في تقديم صالح مع الحي أو استقلاله في الأولى وفي فعلهما في الثانية.
تنبيهات: الأول: من المدونة: إن أوصى إلى وصيين فليس لأحدهما بيع ولا شراء ولا إنكاح ولا غيره دون صاحبه إلا أن يوكله، زاد في الموازية: إلا ما لا بد منه من الشيء التافه مثل الطعام، وما لا بد منه مما يضر بهم تأخيره فهو خفيف إذا غاب الآخر وأبطأ.
стр. 9629
الثاني: قال ابن سلمون: ما فعله الوصي بغير علم المشرف مضى إذا كان سدادًا، فإن أراد الشرف أن يرد السداد لم يكن له ذلك، قال: والمال لا يكون إلا عند الوصي لا عند المشرف. ابن رشد: ليس إنكاح أحد الوصيين بمنزلة إنكاح الوصي دون إذن المشرف. فالمشرف ليس بوصي ولا ولي ولا إليه من ولاية العقد شيء، إنما له المشاورة التي جعلت له خاصة. انتهى. قاله المواق. وقال الحطاب: وانظر نوازل ابن رشد في النكاح فإنه قال: إن المشرف ليس بولي ولا وصي وإنما له المشورة. انتهى. ونحوه في اللباب في باب الوصايا فإنه قال: فإن كان أحدهما مشرفا فله أن يشرف على أفعال الوصي كلها ولا يفعل شيئا إلا بمعرفته، فإن فعل شيئا بغير علمه مضى إن كان سدادًا وإلا رده وشهادة المشرف للمحجور جائزة بخلاف الوصي. انتهى. وفي ابن سلمون بعد أن ذكر الكلام على الوصي: وأما المشرف إذا كان على وصي فإنما يكون المال عند الوصي. قال أحمد بن نصر: وله إجراء النفقة والكسوة على محجوره ولا يكون ذلك للمشرف وإنما يكون للمشرف النظر في البيع والشراء لا يكون إلا برأيه، وإن فعل بغير رأيه رده إن لم يكن نظرا. وقال غيره: للمشرف أن يشرف على أفعال الوصي كلها من إجراء النفقة وغيرها ولا ينقلب (١) إلا بمعرفته، فإن فعل شيئا بغير علمه مضى إن كان سدادا وإلا رده المشرف، وإن أراد رد السداد لم يكن له ذلك ونظر السلطان فيه، ومن مختصر النوازل: أفتى ابن رشد أن المحجور إذا جرى بينه وبين المشرف على وصيه عداوة أو مخاصمة فإنه يعزل عن الإشراف. انتهى.
الثالث: قال الحطاب: فإن باع أحد الوصيين أو اشترى دون صاحبه وأراد صاحبه رده رفعه للسلطان، فإن رآه صوابا أمضاه وإلا رده فإن أفات المشتري المشترَى بالبيع كان على الذي انفرد بالبيع الأكثر من الثمن والقيمة، وإن اشترى وأفات البائع الثمن كانت السلعة المشتراة له وغرم الثمن. وقال في آخر كتاب الرهون من مختصر المدونة لابن أبي زيد: وللوصي أن يرهن من مال اليتيم رهنا فيما يبتاع له من مصالحه كما يتداين عليه ولا يدفع أحد الوصيين رهنا من التركة إلا بإذن صاحبه، وإن اختلفا نظر الإمام وكذلك البيع والنكاح. انتهى. والله تعالى أعلم. وقال
стр. 9630
الشبراخيتي: وقوله: "فإن مات أحدهما" أي عن غير وصية، ولا يعارضه قوله الآتي: "ولا لأحدهما إيماء" لأنه مقيد بما إذا كان لأجنبي من غير إذن شريكه. انتهى.
ولا لأحدهما إيصاء يعني أنه ليس لأحد الوصيين أن يوصي لأجنبي دون إذن صاحبه، وأما لشريكه أو لأجنبي بإذنه فيجوز كما أن لهما أن يوصيا معا، ويفهم منه أن الوصي الواحد له الإيصاء. قال الشبراخيتي، وغيره. وقال المواق: عيسى: للوصي أن يوكل في حياته وعند موته. قاله مالك وجميع أصحابه. ابن رشد: لا خلاف بينهم فيه إنما الخلاف في الوصيين المشترك بينهما، هل لأحدهما أن يوصي بما إليه من الوصية أم لا؟ على ثلاثة أقوال: الأول: أن ذلك له ولو إلى من ليس معه في الوصية أتت الرواية بهذا عن مالك، وهو ظاهر قوله في المدونة، وهو ظاهر قول عيسى هذا، الثاني: ليس له ذلك ولو إلى من معه في الوصية وهو ظاهر قول سحنون، الثالث: أنه ليس له ذلك إلا إلى شريكه في الإيصاء وهو الذي تأوله الشيوخ على سحنون في قوله في المدونة. انتهى.
الرهوني: كلام المواق يوهم أن ما اقتصر عليه المصنف خلاف الراجح، وكلام ابن رشد الذي ذكره في نوازل عيسى من كتاب البضائع والوكالات، وقد نقله ابن عرفة بأتم من نقل المواق. وقد أشار إليه الحطاب عند قوله بعد هذا لا بعدهما فأجمل الأقوال، ولم يعزها كما فعل ابن عرفة والمواق لكنه زاد عن ابن رشد زيادة لم يذكراها، ونصه: قال: والأول أصح الأقوال وأولاها بالصواب. انتهى منه بلفظه. وهو يقوي الاعتراض على المصنف ولكن الصواب ما فعله المصنف، ففي تبصرة اللخمي ما نصه: وهذا أصل مالك وابن القاسم أنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالنظر دون غيره في التصرف في الحياة في شيء دون مؤامرة صاحبه وكذلك عند الموت، وأما ما أجازه يحيى بن سعيد لأحد الوصيين أن يوصي غيره دون مراضاة الحي فليس هو على المذهب. انتهى منها بلفظها.
وأشار إليه في التوضيح وزاد أنَّ ابن رشد نقله عن مالك وابن القاسم نصا، وقال متصلا به ما نصه: وهو ظاهر المذهب انتهى، فلذلك اعتمده هنا، وفي كتاب الوصايا الأول من المدونة ما نصه: وإن مات الوصي فأوصى إلى غيره جاز ذلك، وكان وصي الوصي مكان الوصي في النكاح وغيره، قال يحيى بن سعيد: وإن كانا وصيين أو ثلاثة فأوصى أحدهم عند موته بما أوصى به إليه من