أن يقوموا حتى يعلموا أنها قد نفذت كان المنفذ لها وارثا أو أجنبيا، وإن كانت الوصية مما لا يبقى لهم فيه منفعة كالصدقة فلا قيام لهم في ذلك إلا أن يكون النفذ وارثا، ولا يجوز للمقدم على الثلث مسامحة الورثة فيه، وإن اتهمه القاضي بذلك أشرك معه من يثق به في تحصين الثلث ثم يكل تنفيذ ذلك إليه في الوجود التي جعل له تنفيذها فيها، أو بما أداه اجتهاده إليه إن كان فوض إليه النظر في ذلك وقال الموصي ولا اعتراض عليه من حاكم ولا غيره وهذا في الوصي المأمون وأما غير المأمون الذي يخشى منه على الوصية ولا ينفذها فيكلف إقامة بينة على تنفيذها فإن لم يأت بالبينة على ذلك ضمن إن كان سارقا معلنا، وإن كان متهما ولم يكن بهذه الصفة استحلف ولم يضمن إلا أن ينكل عن اليمين، وإن كان مأمونا لم تكن عليه يمين وهو محمول على أنه مأمون حتى يثبت أنه غير مأمون. انتهى.
وعلم مما مر أنه لا فرق في الحكم بين أن يشترط الموصي تنفيذ الوصية دون مشورة القاضي ولا تعقب حاكم، أو أنه لا اعتراض عليه من حاكم أو غيره بوجه من الوجوه. قاله الحطاب. وقد ذكرت كلامه باقتصار يفهم معه كلامه بالتأمل. والله تعالى أعلم.
الخامس: من هذا المعنى مسألة المدونة: لو أمرته بصدقة على معينين فإن صدقه بعضهم وكذبه بعضهم ضمن حصة من كذبه، ولو أمرته بصدقة على غير معينين صدق مع يمينه وإن لم يأت ببينة. انتهى.
ولا يقسم على غائب بلا حاكم يعني أن الوصي لا يقسم على الغائب المالك لأمر نفسه من دون رفع للحاكم، وقد مر أنه لا يبيع التركة في غيبة الكبير من غير رفع للحاكم يعني في الغيبة البعيدة، وأما القريبة فلا يجوز له أن يرفع الأمر في ذلك إلى الحاكم لأن القريب كالحاضر كما مر قال المواق: لو قال: إذ لا يقسم على غائب بلا حاكم لناسب ما تقرر. انتهى.
تنبيه: وقع في شرح عبد الباقي وغيره: فإن قسم على غائب بلا حاكم ففاسدة وترد والمشترون العالمون غصاب لا غلة لهم. انتهى. قوله: ففاسدة، قال الرهوني: تبع فيه الأجهوري وفيه نظر، بل هي صحيحة موقوفة على إجازة الغائب وقد تقدم صدر البيوع وملك غيره على رضاه وهذا مثله. وقد صرح في التوضيح بأنه مخير في إمضائها إذا قدم، ونصه: فلا يقسم الوصي إن كان
стр. 9627
فيهم كبار غيب إلا بوكالة منهم أو من الإمام، وإن فعل فهو إذا قدم مخير. ونقله جسوس وسلمه وهو حقيق بالتسليم. انتهى. وهذا الذي نقده الرهوني في الحطاب أيضا عن البرزلي عن أبي محمد.
ولاثنين حمل على التعاون يعني أنه إذا أوصى إلى زيد وعمرو وأطلق في إيصائه فلم يبين استقلالا ولا عدمه، فإن ذلك الإيصاء يحمل على التعاون أي يحمل على أنه ليس لأحدهما أن يستقل دون صاحبه ببيع ولا غيره، وقوله: "ولاثنين حمل على التعاون" أي لا يستقل أحدهما كما عرفت، سواء أوصى إليهما بلفظ واحد أو متعاقب في زمن واحد أو زمنين، قالي عبد الباقي: وإن أوصى لاثنين بلفظ واحد أو متعاقب في زمن واحد أو زمنين من غير تقييد باجتماع وافتراق حمل على قصد التعاون، فليس لأحدهما تصرف ببيع أو شراء أو نكاح أو غيره دون صاحبه إلا بتوكيل منه، فإن قيد في وصيته بلفظ أو قرينة باجتماع أو انفراد فإنه يصار إليه. ابن عبد السلام: ولم يجعلوا وصيته للثاني ناسخة لوصية الأول. انتهى.
الرهوني: قوله: "حمل" يدل على أنه أطلق ولم يقيد بشيء؛ إذ لا يقال حمل على كذا إلا عند الإطلاق فهو موافق لقول ابن شأس، وإذا أوصى إلى رجلين فمطلقة منزلة على التعاون حتى لا يستقل أحدهما بشيء إلا إذا صرح الوصي بإثبات الاستقلال. انتهى منه بلفظه. ولقول ابن الحاجب: وإذا أوصى لاثنين مطلِقا نُزِّل على التعاون فلا يستقل أحدهما إلا بتقييد. انتهى.
تنبيهان: الأول: وقع في شرح عبد الباقي ما نصه: انظر لو جعل كل واحد على التعميم وكانا في زمنين. قاله التتائي. وقال الأجهوري: ظاهر المصنف يشمل ذلك احتياطا لِمال اليتيم بخلاف الوكالة. انتهى. الرهوني: لا وجه لهذا التوقف بعد جزمه بأنه إذا أوصى لواحد أولا ثم أوصى لآخر بزمن آخر أنه لا يستقل؛ لأن إيصاءه للأول مستقلا تعميم له قبل إيصائه للآخر، وقد قال ابن عرفة فيها: ومن أوصى لوصيين فليس لأحدهما بيع ولا شراء ولا نكاح ولا غيره دون صاحبه إلا أن يوكله، قلت: سواء أوصى إليهما على سبيل المعية والشركة في زمن أو زمنين والأمر في هذا جلي، وكذا لو أوصى إلى أحدهما أولا ثم أوصى إلى الآخر كقوله فيمن أوصى بشيء معين لزيد ثم أوحى به لعمرو أنه بينهما. انتهى منه بلفظه. ونقله ابن غازي في تكميله عند نص المدونة السابق
стр. 9628
في كلام ابن عرفة، وقال ابن ناجي ما نصه: وظاهر الكتاب سواء أوصى إليهما في زمن واحد أو أوصى إلى أحدهما أولا ثم أوصى إلى الآخر، كقوله فيمن أوصى بشيء معين لزيد ثم أوصى به لعمرو فإنه يكون بينهما. انتهى منه بلفظه.
الثاني: قال ابن حارث في أصول الفتيا: ولا يخاصم أحد الوصيين دون صاحبه فيما يطلبونه من قال الميت، وجائز أن يخاصم أحدهما فيما يطلب به الميت لأن القضاء على الغائب جائز ويكون الغائب على حجته. انتهى. قاله الحطاب.
فإن مات أحدهما يعني أنه إذا مات أحدهما فإن الحاكم ينظر فيقر الآخر إن رأى لذلك وجها أو أشرك معه غيره إن رأىَ ذلك وليس للحي النظر وحده. ابن راشد: الذي جرى عليه عمل القضاة في عصرنا ببلدنا أن يجعل معه آخر، وإذا شهد أنه أهل للاستقلال جعلوا له ذلك. وقول ابن الحاجب: فإن مات أحدهما استقل تعقبوه بنقل اللخمي السابق، وبأن الموصي لم يجعله مستقلا فكيف يستقل؟ انتهى. قاله التتائي.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: تأمل قوله: وبأن الموصى لم يجعله مستقلا فإنه يفيد أنه حيث جعل الموصي الاستقلال لكل منهما ومات أحدهما يستقل الحي. والله تعالى أعلم.
أو اختلفا يعني أنه إذا اختلف الوصيان في بيع أو شراء أو غير ذلك فإن الحاكم ينظر في ذلك فيمضي ما كان صوابا ويرد غيره، قال التتائي: أو اختلفا وبيع أو شراء أو ترشيد المحجور عليه أو تزويجه أو غير ذلك، فالحاكم ينظر في فعلهما. اللخمي: فما رآه صوابا أثبته، وإن كان الصواب في غير ما قالاه أمرهما به ومنعهما مما عداه، ونحو عبارة المصنف لابن الحاجب وفسرها المصنف بما ذكرناه عن اللخمي. انتهى.
وعلم مما قررت أن قوله: فالحاكم جواب الشرط هو والمقدر له فهو راجع للأمرين؛ أي فالحاكم ينظر في تقديم صالح مع الحي أو استقلاله في الأولى وفي فعلهما في الثانية.
تنبيهات: الأول: من المدونة: إن أوصى إلى وصيين فليس لأحدهما بيع ولا شراء ولا إنكاح ولا غيره دون صاحبه إلا أن يوكله، زاد في الموازية: إلا ما لا بد منه من الشيء التافه مثل الطعام، وما لا بد منه مما يضر بهم تأخيره فهو خفيف إذا غاب الآخر وأبطأ.
стр. 9629
الثاني: قال ابن سلمون: ما فعله الوصي بغير علم المشرف مضى إذا كان سدادًا، فإن أراد الشرف أن يرد السداد لم يكن له ذلك، قال: والمال لا يكون إلا عند الوصي لا عند المشرف. ابن رشد: ليس إنكاح أحد الوصيين بمنزلة إنكاح الوصي دون إذن المشرف. فالمشرف ليس بوصي ولا ولي ولا إليه من ولاية العقد شيء، إنما له المشاورة التي جعلت له خاصة. انتهى. قاله المواق. وقال الحطاب: وانظر نوازل ابن رشد في النكاح فإنه قال: إن المشرف ليس بولي ولا وصي وإنما له المشورة. انتهى. ونحوه في اللباب في باب الوصايا فإنه قال: فإن كان أحدهما مشرفا فله أن يشرف على أفعال الوصي كلها ولا يفعل شيئا إلا بمعرفته، فإن فعل شيئا بغير علمه مضى إن كان سدادًا وإلا رده وشهادة المشرف للمحجور جائزة بخلاف الوصي. انتهى. وفي ابن سلمون بعد أن ذكر الكلام على الوصي: وأما المشرف إذا كان على وصي فإنما يكون المال عند الوصي. قال أحمد بن نصر: وله إجراء النفقة والكسوة على محجوره ولا يكون ذلك للمشرف وإنما يكون للمشرف النظر في البيع والشراء لا يكون إلا برأيه، وإن فعل بغير رأيه رده إن لم يكن نظرا. وقال غيره: للمشرف أن يشرف على أفعال الوصي كلها من إجراء النفقة وغيرها ولا ينقلب (١) إلا بمعرفته، فإن فعل شيئا بغير علمه مضى إن كان سدادا وإلا رده المشرف، وإن أراد رد السداد لم يكن له ذلك ونظر السلطان فيه، ومن مختصر النوازل: أفتى ابن رشد أن المحجور إذا جرى بينه وبين المشرف على وصيه عداوة أو مخاصمة فإنه يعزل عن الإشراف. انتهى.
الثالث: قال الحطاب: فإن باع أحد الوصيين أو اشترى دون صاحبه وأراد صاحبه رده رفعه للسلطان، فإن رآه صوابا أمضاه وإلا رده فإن أفات المشتري المشترَى بالبيع كان على الذي انفرد بالبيع الأكثر من الثمن والقيمة، وإن اشترى وأفات البائع الثمن كانت السلعة المشتراة له وغرم الثمن. وقال في آخر كتاب الرهون من مختصر المدونة لابن أبي زيد: وللوصي أن يرهن من مال اليتيم رهنا فيما يبتاع له من مصالحه كما يتداين عليه ولا يدفع أحد الوصيين رهنا من التركة إلا بإذن صاحبه، وإن اختلفا نظر الإمام وكذلك البيع والنكاح. انتهى. والله تعالى أعلم. وقال
стр. 9630
الشبراخيتي: وقوله: "فإن مات أحدهما" أي عن غير وصية، ولا يعارضه قوله الآتي: "ولا لأحدهما إيماء" لأنه مقيد بما إذا كان لأجنبي من غير إذن شريكه. انتهى.
ولا لأحدهما إيصاء يعني أنه ليس لأحد الوصيين أن يوصي لأجنبي دون إذن صاحبه، وأما لشريكه أو لأجنبي بإذنه فيجوز كما أن لهما أن يوصيا معا، ويفهم منه أن الوصي الواحد له الإيصاء. قال الشبراخيتي، وغيره. وقال المواق: عيسى: للوصي أن يوكل في حياته وعند موته. قاله مالك وجميع أصحابه. ابن رشد: لا خلاف بينهم فيه إنما الخلاف في الوصيين المشترك بينهما، هل لأحدهما أن يوصي بما إليه من الوصية أم لا؟ على ثلاثة أقوال: الأول: أن ذلك له ولو إلى من ليس معه في الوصية أتت الرواية بهذا عن مالك، وهو ظاهر قوله في المدونة، وهو ظاهر قول عيسى هذا، الثاني: ليس له ذلك ولو إلى من معه في الوصية وهو ظاهر قول سحنون، الثالث: أنه ليس له ذلك إلا إلى شريكه في الإيصاء وهو الذي تأوله الشيوخ على سحنون في قوله في المدونة. انتهى.
الرهوني: كلام المواق يوهم أن ما اقتصر عليه المصنف خلاف الراجح، وكلام ابن رشد الذي ذكره في نوازل عيسى من كتاب البضائع والوكالات، وقد نقله ابن عرفة بأتم من نقل المواق. وقد أشار إليه الحطاب عند قوله بعد هذا لا بعدهما فأجمل الأقوال، ولم يعزها كما فعل ابن عرفة والمواق لكنه زاد عن ابن رشد زيادة لم يذكراها، ونصه: قال: والأول أصح الأقوال وأولاها بالصواب. انتهى منه بلفظه. وهو يقوي الاعتراض على المصنف ولكن الصواب ما فعله المصنف، ففي تبصرة اللخمي ما نصه: وهذا أصل مالك وابن القاسم أنه لا يجوز لأحدهما أن ينفرد بالنظر دون غيره في التصرف في الحياة في شيء دون مؤامرة صاحبه وكذلك عند الموت، وأما ما أجازه يحيى بن سعيد لأحد الوصيين أن يوصي غيره دون مراضاة الحي فليس هو على المذهب. انتهى منها بلفظها.
وأشار إليه في التوضيح وزاد أنَّ ابن رشد نقله عن مالك وابن القاسم نصا، وقال متصلا به ما نصه: وهو ظاهر المذهب انتهى، فلذلك اعتمده هنا، وفي كتاب الوصايا الأول من المدونة ما نصه: وإن مات الوصي فأوصى إلى غيره جاز ذلك، وكان وصي الوصي مكان الوصي في النكاح وغيره، قال يحيى بن سعيد: وإن كانا وصيين أو ثلاثة فأوصى أحدهم عند موته بما أوصى به إليه من
стр. 9631
تلك الوصية إلى غير شريكه في الوصية جاز ذلكَ وأباه سحنون. انتهى منها بلفظها. ومثله لابن يونس، وقال متصلا به ما نصه: وقال يحيى بن عمر: قال سحنون: لا يجوز لأحد الوصيين أن يوصي إلى أحد وإنما ذلك إلى الحاكم، إن رأى أن يجعل مع الوصيين رجلا مكان الميت فعل، وإن رأى أن يقرهما ولا يجعل معهما غيرهما فعل، وكذلك في العتبية عن سحنون.
محمد بن سحنون: ووجه ذلك أنه لا يستبد أحد الأوصياء بفعل دون صاحبه، وإذا أوصى هو وحده إلى غيره صار مستبدا بذلك دون الآخر فلذلك لم يجز. انتهى منه بلفظه. وقال أبو الحسن عند نصها السابق ما نصه: قول يحيى هذا خلاف يدل عليه ما يأتي في قوله: وليس لأحدهما بيع ولا شراء ولا إنكاح ولا غيره فالإيصاء داخل في هذا الغير ابن رشد: أباه مالك وابن القاسم وسحنون، وإنما أتى به دليلا على قول من يقول: ليس للوصي أن يوصي في الأمهات، قال سحنون: ولسنا نقول بذلك إلا أنه يزع من يزعم أن الموصي لا يوصي بما أوصي به إليه. عياض: معنى يزع يمنع ولكن يريد أنه يحتج به عليه. انتهى. وقال ابن ناجي عند قول المدونة: ومن أوصى إلى وصيين فليس لأحدهما بيع ولا شراء ولا إنكاح ولا غيره دون صاحبه إلا أن يوكله. انتهى. ما نصه: قال أبو إبراهيم: ويدخل في قوله: ولا غيره، الإيصاء فيؤخذ منه أن قول يحيى بن سعيد المتقدم خلاف. انتهى منه بلفظه. وقد سلم ابن عرفة قول اللخمي، وقول يحيى بن سعيد ليس هو المذهب فإنه نقله بعد ذكره كلام ابن رشد وكلام الدونة عن يحيى بن سعيد وأقره، وكذا سلمه ابن مرزوق وزاد ما نصه: وقال ابن عبد السلام: الجواز ليحيى بن سعيد وروي عن أشهب، والمنع منقول عن مالك وابن القاسم وسحنون ويحيى بن ضمر. انتهى منه بلفظه.
وقال المتيطي بعد أن ذكر القولين ما نصه: وقال اللخمي: قول يحيى بن سعيد بجواز ذلك له بغير رضى الحي خلاف. انتهى بلفظه على اختصار ابن هارون. ونحوه في العين ونصه: فقال يحيى بن سعيد وأشهب: ذلك جائز وأباه سحنون، قال الشيخ أبو الحسن: وما أجازه يحيى بن سعيد فليس على المذهب. انتهى منه بلفظه. وعلى ما رجحه هؤلاء الأئمة اقتصر ابن فتوح في وثائقه المجموعة وساقه غير معزو كأنه المذهب، ونصها: وللوصي إذا حضرته الوفاة أن يوصي بما جعل الموصي إليه إلى من شاء إذا كان منفردا بالنظر، ويكون وصي الوصي بمنزلة الوصي،
стр. 9632
فإن كان معه شريك في النظر لم يكن ذلك له. انتهى منها بلفظها. وإنما أطلت بجلب هذه النقول المتداخلة ليلا يغتر بكلام المواق والحطاب فيما يأتي، فيُظَنُّ أن ما للمصنف ليس هو الراجح لأنهما إمامان جليلان حافظان، وليعلم جلالة المنصف. والله الموفق. انتهى كلام الرهوني. والله تعالى أعلم.
ولا لهما قسم المال يعني أنه لما يجوز للوصيين أن يقتسما مال الموصى عليهم بأن يكون عند أحدهما بعضه وبعضه الآخر عند شريكه، قال التتائي: ولا يجوز لهما قسم المال بينهما لأنه قد يزيده اجتماعهما لأمانة أحدهما وكفاية الآخر؛ زاد في المدونة: ولكن عند أعدلهما فإن استويا في العدالة جعله الإمام عند أكفاهما. اللخمي: ولو جعلاه عند أدناهما عدالة لم يضمنا لأن كليهما عدل. انتهى. وقال الشبراخيتي: وليس لهما قسم الأيتام أيضا وظاهر العتبية الجواز، لأنها قالت: ولو قسما الصبية. انتهى. وقال المواق من المدونة: إن اختلفا نظر السلطان ولا يقسم المال بينهما وليكن عند أعدلهما، فإن استويا في العدالة جعله الإمام عند أكفاهما ولو اقتسما الصبيان فلا يأخذ كل واحد حصة من عنده من الصبيان، قال ابن الماجشون: فإن قسما المال ضمن كل واحد ما هلك بيد صاحبه لتعديه بإسلامه إليه. اللخمي: ضمن كل واحد منهما جميع المال ما عندد لاستبداده بالنظر فيه وما عند صاحبه برفع يده عنه، وكذا الوديعة يقتسمانها. انتهى.
وإلا بأن اقتسما المال ضمنا ما تلف من المال ولو بسماوي، وظاهر المنصف ضمان الجميع ما تلف عنده لاستبداده فيه، وما تلف عند صاحبه لأنه رفع يده عنه، قال الشبراخيتي: ظاهره أنه يضمن كل واحد جميع المال، واقتصر عليه الشيخ داوود ولم يذكر مقابله وهو يفيد ترجيحه. وللوصي اقتضاء الدين يعني أن الوصي له اقتضاء الدين الذي للمحاجير ممن هو عليه، قال الشبراخيتي: اللام بمعنى على، أو أن المراد قبل أجله وعلى الأول فهي مستعملة في حقيقتها وهو الوجوب ومجازها وهو الإباحة، لأن اقتضاء الدين واجب وتأخيره لنظر مباح. انتهى.
وتأخيره بالنظر يعني أنه يجوز للوصي أن يؤخر الدين الذي لمحجوره إذا كان التأخير فيه نظر، قال عبد الباقي: كخوف تلفه إن اقتضاه أو ضياعه ومن هو عليه مأمون، واللام هنا وفي المعاطيف للاختصاص فلا ينافي أن اقتضاء الدين واجب لما للتخيير إلا في الأخير، وهو قوله: ودفع ماله لخ
стр. 9633
فللتخيير لموافقة النص. انتهى. قوله: كخوف تلفه إن اقتضاه، اعترضه التاودي فقال في جواز التأخير: على هذا الوجه نظر، لأنه سلف جر نفعا فالأولى التمثيل بما في المواق من تأخيره ليقر له بالدين حيث لا بينة له، كما له أن يضع من الدين أو يصالح عنه خوف الإفلاس أو الجحود. انتهى. قال الرهوني: جواز التأخير لخوف الجحود. نقله ابن يونس عن الليبري (١) عن أبي محمد بن أبي زيد. ثم قال في كتاب ابن المواز لأشهب: قال: لما يؤخر الموصي بدين اليتيم إلا لوجه نظر من خوف جحود أو تفليس إن قيم به، فيكون نظر اليتيم تأخيره وكذا لو وضع من دينه أو صالح عنه على هذا المعنى مما هو خير لليتيم. انتهى. ولكنه نقل قبله عن أشهب خلاف هذا في المدونة، فإنه لما نقل قول المدونة جاز ذلك على وجه النظر ولم يجز ذلك غيره. انتهى. قال متصلا به ما نصه: وهو أشهب، قال: لأنه معروف. انتهى. ولا ذكر أبو الحسن كلام ابن يونس عن الليبري (٢) قال عقبه ما نصه: الشيخ: وهذه المسألة تعترض بأنها سلف جر منفعة، كما قال سحنون في أحد الشريكين يؤخر الغريم استيلافا. انتهى. ونقله ابن ناجي في شرح المدونة، وقال عقبه ما نصه: وفيما ذكره نظر لأن هذه المنفعة غير محققة وإنما هي مشكوك، والممنوع إنما هو المحقق ولذلك كان المشهور في ذلك غير قول سحنون. انتهى. وانظر المواق عند قوله في فصل المقرض أوجر منفعة، فإن فيه جوابا آخر وهو أن النفع إذا كان دفع المضرة فلا يضر. والله تعالى أعلم. انتهى.
والنفقة على الطفل يعني أن الموصى له أن ينفق على الطفل حال كون النفقة عليه كائنة، بالمعروف أي بحسب قلة المال وكثرته، فلا يضيق على صاحب المال الكثير دون نفقة مثله، ولا يسرف ولا يوسع على قليله.
تنبيه: تكلم المنصف على اقتضاء الدين، وأما قضاء الموصي ما على الميت من الدين، فقال في النوادر في أول كتاب الوصايا في الميت يشهد وصيه أن ثلثه صدقة ولا يشهد غيره، قال: إن خفي له ما إذا أخرجه فليفعل ولا إثم عليه بل ذلك عليه واجب؛ وقد قال أشهب: إذا علم أن على
стр. 9634
الميت دين وهو لا يخاف معاقبة فعليه أن يؤديه من تركته، وكذلك الوصايا والحقوق والديون، ولو علم أن في تركته عبدا حرا يعتق من رأس ماله أو في ثلثه أن عليه أن يهمله ولا يتعرض له ببيع ولا خدمة ولا بغير ذلك، وكذلك الوارث فيما علم من هذا كله وأشهد عليه الميت؛ وعن ابن المواز قال أشهب عن مالد في صغير يوصى له بدينار فلم يشهد بذلد إلا الوصي، فإن خفي للوصي دفع ذلك فليفعل وكذلك لو رفع إلى الإمام فلم يقبل شهادته فله دفعه إن خفي. قال محمد: ولو كان كبيرا حلف وأخذ ولو كان ذلك يوقف للصبي حتى يكبر فيحلف لكان يتهم الموصي في بقاء ذلك إلى بلوغه. انتهى.
ومن المجموعة قال أشهب: وللوصي أن يقضي الدين عن الميت بغير إذن قاض إن كان فيه بينة عدول والثقة له أن لما يدفع إلا بأمر قاض. قاله الحطاب.
مسألة: قال ابن رشد في رسم أخذ يشرب خمرا من سماع ابن القاسم من كتاب الجامع: أجمع أهل العلم أن أكل مال اليتيم ظلما من الكبائر لما يحل ولا يجوز، وذهب هو وأصحابه إلى أنه يجوز للفقير المحتاج أن يأكل من مال اليتيم بقدر اشتغاله به وخدمته فيه وقيامه عليه؛ وإلا فلا يسوغ له أن يأكل منه إلا ما لما ثمن له ولا قدر لقيمته مثل اللبن في الموضع الذي لا ثمن له فيه، ومثل الفاكهة من حائطه. ومن أهل العلم من أجاز له أن يأكل منه على سبيل السلف، ومنهم من أجاز له أن يأكل منه ويكتسي بقدر حاجته وما تدعوا إليه الضرورة وليس عليه رد ذلك وأما الغني فإن لم تكن له فيه خدمة ولا عمل سوى أن يتفقده ويشرف عليه فليس له أن يأكل منه إلا ما لا قدر ولا بال له مثل اللبن في الموضع الذي لا ثمن له فيه، والثمر يأكله من حائطه إذا دخله. واختلف إن كان له فيه خدمة وعمل، فقيل له أن يأكل منه بقدر عمله فيه وخدمته، وقيل ليس له ذلك لقوله : ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾. قاله الحطاب.
وفي ختنه يعني أن الوصي يوسع على اليتيم في ختنه بالمعروف، قال الحطاب: قال في النوادر: قال مالك: وليوسع عليهم ولا يضيق، وربما قال له أن يشتري لهم بعض ما يلهيهم وذلك مما يطيب نفسه. اننهى. وعرسه يعني أن الوصي يوسع على المولي عليه في عرسه. قال المواق: اللخمي: ينفق على المولي عليه في ختانه وعرسه ولا حرج على من دعي يأكل ولا يدعو اللعابين،
стр. 9635
قال ابن القاسم: ما أنفق على اللعابين لم يلزم اليتيم، ونقل ابن قتيبة عن عكرمة. قال: لا ختن عبد الله بن عباس بنيه أرسلني فدعوت له اللعابين فلعبوا فأعطاهم ابن عباس أربعة دراعم. انتهى.
وقال عبد الباقي: وفي ختنه يحتمل عطفه على بالمعروف وهو ظاهر عبارته، لكن يفوته اعتبار التقييد بالمعروف في ختنه وما بعده، ويحتمل عطفه علي مقدر أي والنفقة على الطفل في مؤنته وفي ختنه. انتهى. وعلم منه أن فوات القيد بالمعروف إنما يفوت علي الاحتمال الأول لا علي الثاني كما هو واضح. انظر الرهوني. والله تعالى أعلم. وقال عبد الباقي عند قوله: "وعرسه" ما نصه: ولا حرج على من دخل فأكل. انتهى. وعيده يعني أن الوصي يوسع على المولي عليه في عيده بالمعروف ولا يدعو اللعابين. ابن القاسم: ما أنفق على اللعابين لا يلزم اليتيم.
ودفع نفقة له قلت يعني أن الوصي يدفع للمولى عليه نفقة له قلت، قال الشبراخيتي: كالشهر ونحوه من الأيام القليلة مما يعلم أنه إذا أتلفه قبل الأجل لا يضر بحاله ولا يجوز أكثر من ذلك. قاله البساطي. وقد فسر القليل بقوله: مما يعلم، وقوله: "له" متعلق بمحذوف صفة لنفقة أي نفقة كائنة له فلا تدفع له نفقة زوجته ولا نفقة أم ولده. ولا نفقة رقيقه. وقيل تدفع له نفقة رقيقه وأم ولده، قال الشبراخيتي ما معناه أن الراجح أنه لا تدفع له نفقة أم ولده؛ ولا نفقة رقيقه كما أقامه ابن الهندي من المدونة. وقال ابن العطار: يدفع له ذلك. انتهى.
وقال المواق عند قوله: "ودفع نفقة له قلت" ما نصه: اللخمي: يدفع له من النفقة ما يرى أنه لا يتلفه الشهر ونحوه، فإن كان يتلفه قبل ذلك فيوم بيوم. انتهى. وقال عبد الباقي: ويجوز دفع نفقة له قلت كنفقة شهر ونحوه، مما يعلم أنه إذا أتلفه قبل الأجل لا يضر بماله، فإن علم منه إتلاف ذلك فنصف شهر، فإن خاف فجمعة أو يوم بيوم، وربما أشعر قوله: "له" بأنه لا يدفع للمحجور عليه نفقة زوجته وولدها وأم ولده ورقيقه وهو كذلك على الراجح. انتهى المراد منه. ودفع نفقة هو وما بعده عطف على اقتضاء من قوله: "وللوصي اقتضاء الدين".
وإخراج فطرته يعني أن الوصي له أن يخرج زكاة الفطر عن الصغير وعن عبيده، وزكاته يعني أن الوصي يخرج عن الطفل زكاة ماله، قال الحطاب مفسرا للمصنف: يعني أن الوصي له أن يخرج
стр. 9636
عن الصبي زكاة فطره، وله أن يخرج زكاة ماله. قال في النوادر: قال ابن حبيب: ويشهد فإن لم يشهد وكان مأمونا صدق. انتهى. وانظر إن لم يكن مأمونا هل يلزمه غرم المال أو يحلف؟ لم أر فيه نصا. انتهى.
ورفع للحاكم إن كان حاكم حنفي يعني أن الوصي إذا أراد أن يخرج زكاة الطفل فليرفع الأمر إلى الحاكم المالكي إن كان في الموضع حاكم حنفي يرى عدم وجوبها أي في الموضع الآن أو تخشى توليته في المستقبل، فيرفع الأمر في المعين والمعلوفة والعاملة، وإنما رفع إليه ليلا يضمنه إذا أخرجها بغير حاكم. قال الشبراخيتي: وهذا في زكاة المعين وكذا الحرث إن زرع بأرض خراجية وماشية معلوفة أو عاملة، وأما الماشية يعني غير المعلوفة والعاملة والحرث بأرض غير خراجية فله إخراجها من غير رفع للحاكم. مالك: ولا يريق الخمر إذا وجدها في التركة إلا بعد مطالعة الحاكم ليلا يكون مذهبه جواز تخليلها. الشبراخيتي: وإذا كان مذهب الولي لا يرى الإخراج ومذهب الصبي يراه فالعبرة بمذهب الولي. انتهى. ومفهوم قوله: إن كان حاكم حنفي أنه لو لم يكن هناك من الحكام إلا من يرى الوجوب في مال الصبي لم يحتج في إخراجها إلى الحاكم وهو كذلك.
ودفع ماله قرضا ربضاعة الواو في "وبضاعة" بمعنى: أو، يعني أن الوصي له أن يدفع مال المولي عليه قراضا بأن يدفع دنانير أو دراهم لمن يتجر بها ويتفق معه على أن يرد له رأس المال وله جزء من الربح معلوم كخمس أو ثلث أو نصف مثلا، وكذلك يجوز للوصي أن يدفع مال المولي عليه بضاعة أي يبعثه مع أحد يبيعه لما في ذينك الأمرين من تنمية المال. قالت أمنا السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها: (اتجروا في أموال اليتامى ليلا تأكلها الزكاة)، قال عبد الباقي: وله دفع ماله لمن يعمل به قراضا وبضاعة، الواو بمعنى أو وله عدم دفعه، إذ لا يجب عليه تنميته على المذهب فاللام هنا للتخيير كما مر، وقول عائشة: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة (١)) حمله ابن رشد على الندب. انتهى. الرهوني: كلامه يقتضي أن ابن رشد عزاه لعائشة
стр. 9637
وصرح بحمله علي الندب، وكلام ابن رشد في البيان مخالف لذلك كما يأتي قريبا إلا أن يكون ذكره في غير البيان. انتهى.
تنبيهات: الأول: قال: المقدمات في كتاب الرهون: وللوصي أن يعطي مال اليتيم مضاربة ولا يعجبني أن يعمل به الوصي لنفسه إلا أن يتجر لليتيم أو يقارض له به غيره، وسواء كان ذلك في بر أو بحر كما ذكره في النوادر والجواهر وابن عرفة، وقيده ابن عرفة بالأمن ونصه: الشيخ عن المجموعة والموازية: روي ابن القاسم: له أن يتجر بأموال اليتامى ولا يضمن، وروى ابن وهب في البر والبحر قلت مع الأمن. قاله غير واحد. ولفظ النوادر: ومن المجموعة [وفي] (١) كتاب ابن المواز نحوه، قال ابن القاسم عن مالك: وله أن يتجر بأموال اليتامى لهم ولا ضمان عليه، قال عنه ابن وهب: ويشتري لهم الرقيق للغلة، فقد أعطت عائشة مال يتيم لمن تجر به في البحر وأنكر ما يفعل أهل العراق أن يقرضوا أموالهم لمن يضمنها وأعظم كراهيته، قال أشهب: وله أن يتجر بمال يتيمه أو يواجر له من يتجر فيه أو يدفعه قراضا أو بضاعة على اجتهاده ولا يضمن، وله أن يودع ماله على النظر ولأمر يراه. وفي كتاب ابن المواز: وله أن يبضع لهم ويبعث في البر والبحر وله أن يودع مالهم ويسلفه. قال ابن المواز: يسلفه في التجارة، فأما على المعروف فلا. انتهى. وقال الحطاب: فهم من قول المنصف: ودفع ماله قراضا وبضاعة، ومن قول المدونة: وللوصي أن يعطي مال اليتيم مضاربة، ومن قول النوادر: وله أن يتجر بأموال اليتامى أنه لا يجب على الوصي التجارة بمال اليتيم وهو كذلك، وإنما يستحسن له ذلك، قال ابن عرفة: الشيخ: روى محمد: إنما للوصي في مال اليتيم فعل ما ينميه أو ينفعه. اللخمي: حسن أن يتجر له وليس ذلك عليه، وتقدم في كلام النوادر أن ذلك حسن وقد فعله السلف، وقد مر أن مالكا أعظم كراهية أن يقرضوا أموالهم لمن يضمنها ويكون له الربح، والمراد بالكراهة في ذلك التحريم. قال ابن رشد: الوجه في أموال اليتامى دفعها إلى من يتجر فيها تطوعا للثواب، فإن لم يوجد فعلى سبيل القراض فإن لم يمكن أودعت عند من يوثق به، وقال ابن حبيب: وإن استنفق مال يتيمه وله به ملاء وخاف أن
стр. 9638
يغرر به فلا بأس بذلك، وقاله القاسم بن محمد، وكان ابن عمر يسلفه ويستسلفه وإذا لم يكن له مال فلا يستسلفه. انتهى.
وقال في مختصر الواضحة: قال عبد الملك: وإن ترك والي اليتيم أن يتجر بماله أو يبضع لما خشي من التغرير به وتجر به لنفسه أو يضمنه أو استنفقه فلا بأس بذلك إذا كان عنده به وفاء إن عطب، وكذلك قال مالك وأصحابه وإذا لم يكن به وفاء، فلا يحل له أن يتسلفه ولا أن يتجر فيه لنفسه لأنه يعرضه للتلف ولا مال له.
فإن فعل فالربح له بتعديه وهو ضامن له بعد، قال فضل: هذا قول مالك وأصحابه، إلا ابن الماجشون فإنه روى عن مالك أن الربح لليتيم والضمان على الوصي بتعديه، وقد ذكره ابن حبيب في سماعه هذا إذا تجر به لنفسه ولا وفاء له به. انتهى. وفي النوادر: قال في المجموعة وغيرها: ولا أحب أن يركب الوصي له دابة ولا يتسلف ماله. انتهى. وفي نوازل أصبغ: سألت ابن القاسم أيصالح عن الأيتام؟ قال: نعم إن رآه نظرا. ابن رشد: وقعت هذه المسألة في بعض الروايات: وظاهرها أن الوصي يجوز صلحه عن اليتيم فيما يراه نظرا فيما طلب أو طلب به بأن يأخذ البعض ويترك البعض إذا خشي أنه لا يصلح له لا ادعاه أو يعطي من ماله بعض ما يطلب به إذا خشي أن يثبت جميعه عليه وهو له في النوادر، خلاف ما حكى ابن حبيب في الواضحة عن ابن الماجشون أنه يجوز فيما يطلب لا فيما يطلب به والصواب أنه لا فرق بينهما. انتهى. ولا يجوز إقرار الوصي والأب عن الصغير.
الثاني: قال الوانوغي: لو عمل الوصي أو الأب في أرض الصغير مغارسة لأنفسهما كان لهما قيمة عملهما مقلوعا.
الثالث: إذا تجر الوصي بمال اليتيم لنفسه فهل يكون الربح له أو لليتيم أو يفرق بين الملي فيكون له والعدم فيكون لليتيم ثلاثة أقوال حكاها المتيطي ونقلها عنه الوانوغي في الحاشية، والذي اقتصر عليه أكثر أهل المذهب أن الربح للوصي وهو الذي عزاه عبد الملك لأكثر أصحاب مالك كما تقدم.
стр. 9639
الرابع: قال الوانوغي: لو تجر الوصي في مال المحجور فربح، فلما رشد الجميع (١) قال للوصي: إنما تجرت علي أن الربح لي وأنكر الوصي، قال ابن عبد السلام: القول قول الوصي مع يمينه وهذا على القول بأن الربح للوصي.
الخامس: لو كان للأيتام إخوة فأنفق الوصي على بعضهم من مال بعض ضمن الوصي لمن أنفق من ماله ورجع بذلك على المنفق عليه.
السادس: قال في الطرر في باب زكاة الفطر: من بيده مال لصغير من غير إيصاء فليرفع للإمام؛ فإن أنفقه من غير إذن سلطان، قال ابن القاسم: يصدق في مثل نفقة ذلك الصبي وزكاة الفطر، قال سند: من غير إسراف إذا ثبت أنهم في نفقته وحجره، فإن تصرف في المال ببيع فخسر أو بضاعة فذهب كان ضامنا، كمن تجر في مال غيره بغير إذنه فإن تلف من غير أن يحركه فلا ضمان عليه.
ولا يعمل هو به يعني أن الوصي إنما يقارض بمال المولي عليه غيره، وأما الوصي نفسه فلا يأخذ مال المولى عليه قراضا يعمل هو به، قال الشبراخيتي: ولا يعمل هو أي الوصي به قراضا بأجر أو بجزء من الربح وإلا جاز، بل يستحب. قال في المدونة: وللوصي أن يعطيَ مال اليتيم مضاربة ولا يعجبني أن يعمل هو به بنفسه. انتهى. أبو الحسن: لئلا يحابي نفسه والنهي في كلامها على الكراهة، وبه صرح ابن رشد. انتهى المراد منه. وقال البناني: "ولا يعمل هو به"، محل الكراهة إذا عمل به علي أنه قراض والربح لهما، أما إذا عمل به لليتامى على أن الربح كله لهم فذلك مستحب ولا ضمان عليه. انتهى. وقال عبد الباقي: ولا يعمل هو به ليلا يحابي من نفسه، والنهي للكراهة كما فسره به ابن رشد، وظاهر المنصف المنهي ولو أخذه الوصي بجزء من الربح يشبه قراض مثله لغيره وهو كذلك للعلة السابقة ولكن إن وقع مضى كما قاله ابن رشد. انتهى. قوله: ولكن إن وقع مضى، قال الرهوني: جعل هذا من تتمة القول الذي ذهب عليه المنصف وهذا هو الذي ارتضاه الحطاب، خلاف ما أفاده كلام الشارح في وسطه وشامله من أن مضيه بعد
стр. 9640
الوقوع قول آخر مقابل لما ذهب عليه المنصف، قال: وظاهر كلام ابن عرفة أنه موافق له. انتهى. وكلام ابن عرفة عندي محتمل وقد نقله الحطاب فليتأمل.
وقد أجمل الزرقاني في كيفية إمضائه، بل المتبادر منه أنه يمضي علي الوجه الذي دخل عليه أولا مطلقا وليس كذلك، وقد بينه ابن رشد بكلامه الذي أشار إليه، ففي رسم البز من سماع ابن القاسم من كتاب الوصايا الأول ما نصه: وسئل مالك عن الوصي أيقارض بمال يتيمه؟ لخ قال محمد بن رشد: هذا كما قال أن للوصي أن يدفع مال يتيمه مضاربة لأنه ينظر له بما ينظر لنفسه، وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: (اتجروا بأموال اليتامى لا تأكلها الزكاة)، ومثل هذا في الرهون من المدونة أن الوصي يتجر لليتيم بماله أو يقارض له به، ويكره له أن يعمل هو به مضاربة، قال في الزكاة من تفسير ابن مزين: فإن عمل هو به بقراض مثله جاز ولم يكن عليه فيه ضمان إن تلف، وإن عمل به بأكثر من قراض مثله فغبن اليتيم في ذلك رد إلى قراض مثله وضمن المال إن تلف، قال يحيى بن إبراهيم: قوله في الضمان ضعيف. وبالله التوفيق. انتهى.
ولا اشتراء من التركة يعني أن الوصي لا يشتري لنفسه شيئا من التركة أي يكره له ذلك ولا يوكل من يشتري له، قال الشبراخيتي: ولا اشتراء من التركة أي لا يشتري الوصي لنفسه شيئا من تركة الميت، ولا يوكل من يشتري له وهو مكروه كما في المدونة عن مالك والكراهة على بابها. انتهى. وفي المدونة في كتاب الجعل والإجارة: وكره مالك أن يشتري الوصي من مال يتيمه شيئا. انتهى. وقال عبد الباقي عند قوله: "ولا اشتراء من التركة". ما نصه: لأنه يتهم على المحاباة أي يكره كما في المدونة وأبقاها شارحها على بابها. انتهى.
وتعقب بالنظر يعني أن الوصي إذا ارتكب المكروه بأن اشترى لنفسه شيئا من التركة فإنه يتعقب الحاكم فعله بالنظر أي ينظر الحاكم فيما فعله فيمضي الأصلح لليتيم ويرد غيره ومعنى ذلك أنه ينظر في قيمة البيع هل زادت فيرده أولا فيمضيه، وهل تعتبر القيمة يوم البيع أو الرفع أو الحكم أقوال؟ وفسر عبد الباقي النظر بقوله فيرفع للسوق فإن لم يزد أحد عليه أخذه الوصي بذلك الثمن: وأما إن زاد أحد عليه فهل يأخذه بما وقف عليه أو حتى يزيد كغيره وهو الظاهر.
стр. 9641
انتهى. ويأتي ما فيه. وقال الشبراخيتي: وإن وقع ذلك تعقب بالنظر أي نظر الحاكم، فإن كان فيه غبطة أمضاه وإلا فسخه ومن هذا يستفاد أن النظر يكون في غير المحرَّم، وهل النظر يوم العقد أو يوم القيام؟ قولان؛ ورجح ابن رشد أنه يوم القيام لأنه أحوط لليتيم. انتهى. وقال البناني: وتعقب بالنظر فسره في التوضيح بالنظر في قيمة المبيع، هل زادت فيرده أولا فيمضيه؟ وهل تعتبر القيمة يوم البيع أو الرفع أو الحكم، أقوال كما في الشامل، ثم قال: وقيل يرده للسوق وقد جعل الزرقاني تبعا للأجهوري التعقب هنا بمعنى الرفع إلى السوق وفيه نظر؛ إذ هو قول مقابل كما في التوضيح.
تنبيه: قد علمت أن الكراهة صرح بها غير واحد وهي في المدونة، وجزم ابن ناجي بحمل الكراهة على التحريم وقوى الرهوني ما جزم به ابن ناجي. والله تعالى أعلم.
وقال القرطبي في تفسير سورة البقرة في قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ اختلف هل له أن يشتري لنفسه من مال يتيمه؟ فقاك مالك: يشتري، والقول الثاني أنه لا ينبغي أن يشتري مما تحت يده لما يلحقه من التهمة إلا أن يكون البيع في ذلك بيع السلطان في ملإ من الناس. وقال ابن عبد الحكم: لا يشتري من التركة، ولا بأس أن يدس من يشتري له منها إذا لم يعلم أنه من قبله. انتهى.
إلا كحمارين قل ثمنهما مستثنى من قوله: "ولا اشتراء من التركة" يعني أنه لا يجوز اشتراء الوصي من التركة لنفسه إلا ما كان قليل الثمن، كحمارين ونحوهما مما قل ثمنه كثلاثة دنانير فإنه يجوز أن يشتريهما لنفسه بشرط أن يكون أشهر ذلك الشيء للبيع حتى انتهت الرغبة فيه، فقوله: وتسوق بهما أي بالحمارين الحضر والسفر ليس بشرط، وإنما ورد في سؤال، قال الخرشي: إلا أن يكون الشيء الذي يريد الوصي أن يشتريه لنفسه من التركة حمارين ونحوهما قل ثمنهما كثلاث دنانير فيجوز له ذلك، بشرط أن تنتهي الرغبة في ذلك الشيء فلا مفهوم لقوله: "الحضر والسفر" لأنه إنما وقع ذلك في السؤال فهو فرض مسألة. انتهى. وقال الشبراخيتي: "إلا كحمارين قل ثمنهما" بينه في المدونة بثلاثة دنانير وتسوق بهما الوصي أو وكيله في الحضر والسفر أي أشهرهما للبيع في المدينة والبادية، والتسوق بهما في الحضر والسفر
стр. 9642
ليس شرطا وإنما وقع في السؤال فلا يعمل بمفهومه، وإنما المقصود انتهاء الرغبات كما قاله أبو الحسن. انتهى.
وقال عبد الباقي: شراء كحمارين في التركة قل ثمنهما الذي انتهت له الرغبات فيهما كثلاتة دنانير وتسوق الوصي بهما الحضر والسفر أي أشهرهما في السوق للبيع هذا مراده، فالجمع بين الحضر والسفر خرج على سؤال فيه ذلك. انتهى. وقال التتائي: ثم استثنى من منع اشترائه من التركة قوله: "إلا كحمارين قل ثمنهما" كثلاثة دنانير وتسوق بهما الوصي الحضر والسفر أي شهرهما في السوق للبيع في المدينة والبادية واجتهد في ذلك، فيجوز له حينئذ أخذهما واستخفه مالك حين سئل عن ذلك لقلة الثمن، ونحوه لابن الحاجب ونقص واجتهد فتعقبة المصنف، قائلا: كان ينبغي ذكره لأن له أثرا في الاستخفاف ثم أسقطه هنا. انتهى.
قال مقيده عفا الله تعالى عنه: اتباعه هنا لابن الحاجب يفيد أن إسقاط ذلك غير مضر؛ وقال المواق من المدونة: سأل وصي مالكا عن حمارين من حمر الأعراب في تركة الميت ثمنهما ثلاثة دنانير تسوق بهما الوصي في المدينة والبادية واجتهد فأراد أخذهما لنفسه بما أعطي فأجاز ذلك واستخفه لقلة الثمن. انتهى.
وله عزل نفسه في حياة الموصي يعني أن الوصي له أن يعزل نفسه عن الوصية، أي له أن يرد علي الموصي إيصاءه إليه بأن يمتنع من وصيته وهذا واضح حيث لم يقبل الوصي الإيصاء، بل ولو قبل أي له أن يرد الإيصاء المذكور قبل قبوله للوصية، وكذا له ردها بعد قبولها، ورد "بلوَ" قول عبد الوهاب وبعض المغاربة أنه إذا قبل لم يجز له عزل نفسه، كان القبول قبل الموت أو بعده، وأطلق المصنف العزل على ما قبل القبول وفيه مسامحة، فالمراد بالعزل الرد للإيصاء. والله تعالى أعلم. قال الشبراخيتي: وله عزل نفسه عن الوصية في حياة الوصي، وإطلاق العزل على ما قبل القبول فيه مسامحة ولو قبل على الأصح، خلافا لعبد الوهاب وبعض المغاربة أنه إذا قبل لم يجز له عزل نفسه ولو في حياة الوصي لأنه كهبة بعض منافعه. انتهى.
لا بعدهما يعني أنه ليس للوصي أن يعزل نفسه عن الوصية بعد موت الموصي وقبوله للوصية، قال الشبراخيتي: لا بعدهما أي القبول والموت أي بعد المتأخر منهما، فليس له عزل نفسه؛ كان
стр. 9643
القبول قبل الموت أو بعده. انتهى. يعني أنه إذا قبل قبل الموت ولم يرد حتى مات الموصي فإنه ليس للوصي حينئذ أن يعزل نفسه وهو ظاهر. والله تعالى أعلم. قال في المدونة: إذا قبل الموصَى الوصية في حياة الموصي فلا رجوع له بعد موته. انتهى. قاله المواق. وقال عبد الباقي: "لا بعدهما" أي القبول وموت الموصي أي قبل ثم مات الموصي أو عكسه، فليس له عزل نفسه فإن لم يعلم بالوصية إلا بعد موت الموصي فله عدم القبول. انتهى. المراد منه. قوله أي قبل ثم مات أو عكسه قال الرهوني: تسويته بين الصورتين صواب؛ لأن ذلك مقصود المنصف كما يدل عليه ظاهر لفظه هنا مع صريح كلامه في التوضيح. وقال ابن ناجي عند قول المدونة: وإذا قبل الوصي الوصية في حياة الموصي فلا رجوع بعد موته ما نصه: وأما لو قبل بعد الموت فلا رجوع باتفاق عند الأكثر، وقال ابن الحاجب: ولا رجوع له بعد الموت والقبول علي الأصح، وقال ابن هارون: لا نعرف فيه خلافا وهو قصور، بل قال أبو إبراهيم: لا فرق بين قبوله بعد الموت أو قبله أن له الرد طردًا لقول أشهب بأن ما قبله في حياته له الرجوع في حياته عنه لأنه لم يغره. وعبر عنه ابن عبد السلام ببعضهم، وفرق بعض شيوخنا بأن قبوله بعد الموت قبول لما ثبت بالفعل بخلاف قبوله في حياته. انتهى. ومراده ببعض شيوخه ابن عرفة، فإنه لما ذكر نص ابن الحاجب وكلام ابن هارون للسابقين، قال ما نصه: وقال ابن عبد السلام: قال بعضهم: لا فرق بين قبوله بعد الموت أو قبله لخ.
فرع: إذا أنكر القبول حيث لا يكون له الرجوع بعده، ففي اختصار المتيطية لابن هارون ما نصه: قال في أحكام ابن بطال: وإن أنكر القبول حلف وبرئ. انتهى.
فرع آخر: لا يجوز لمقدم القاضى علي النظر لليتيم أن يوكل فيما جعل له أحدا غيره حيي أو مات؛ ولا يجوز له عزل نفسه بعد القبول ولا يعزل إلا لعذر كما في التحفة.
وإن أبى القبول بعد الموت فلا قبول له بعد يعني أن الوصي إذا امتنع من قبول الإيصاء بعد موت الموصي، ثم أراد بعد ذلك أن يقبل الإيصاء فإنه لا يجاب إلى ذلك؛ فلا قبول له بعد ذلك. قال عبد الباقي: وإن أبى القبول أي امتنع منه ورده بعد الموت فلا قبول له بعد؛ لأن إبايته صيرته أجنبيا، فقبوله بعد رده يحتاج لإيصاء وقد فقد الموصي فالحكم للقاضي. انتهى.
стр. 9644
والقول له في قدر النفقة يعني أنه إذا تنازع الوصي مع محجوره في قدر النفقة، فقال: أنفقت عليك خمسين دينارا مثالًا، وقال المحجور: بل عشرين، فإن القول قول الوصي مع يمينه إن أشبه وكان في حضانته، قال الخرشي: ومثله ما إذا كان في كفالة أمه وهي فقيرة وكان أثر النعمة ظاهرا على الولد. انتهى. وقال عبد الباقي: والقول له أي للوصي، وكذا وصيه ومقدم القاضي والحاضن وللكافل كما في ابن عمر في قدر النفقة إذا تنازع فيها مع المحجور وهو في حضانته، وأشبه وحلف أو تنازعا في أصل الإنفاق أو فيهما معا لأنه أمين مع وجود الشروط الثلاثة المذكورة، فإن لم يكن في حضانته وتنازع مع الحاضن في ذلك لم يقبل قوله إلا ببينة، كان الحاضن مليا أو معدما كما في ابن عمر، وللجزولي فيه تفصيل، كما أنه لا يقبل قوله فيما لا يشبه أو لم يحلف، واختلف إذا أراد أن يحسب أقل ما يمكن ويسقط الزائد حتى لا يحلف، فقال أبو عمران: لا يمين عليه، وقال عياض: يلزمه اليمين إذ قد يمكن أقل منه. انتهى. قوله وهو في حضانته الخ، قال البناني: أي فإن لم يكن في حجره فلا قول له، وظاهر ما في زكاة الفطر من المدونة أنه لا يشترط كونه في حضانته ولكن الأكثر على خلاف إلا ما استحسنه اللخمي أن الأم إذا كانت محتاجة فقيرة ويظهر على الولد النعمة والخير أن الوصي يصدق، وإن لم يكونوا في حجره. انظر التوضيح. والله تعالى أعلم. انتهى.
وقوله: وحلف هذا هو الصواب وإن اقتصر في المفيد على أنه لا يحلف، وقوله فإن لم يكن في حضانته لم يقبل قوله: إلا ببينة الخ، قال الرهوني: هذا هو المشهور، ومذهب المدونة خلاف ما يوهمه كلام ابن سلمون من أن المعتمد قبول قوله مطلقا لتصديره وقد اغتر به من لم يطلع على كلام المدونة وغيرها من جل أهل المذهب، ونص المدونة: مالك: ويصدق في الإنفاق عليهم إن كانوا في حجره ما لم يأت بسرف، وإن ولى النفقة غيره ممن يحضنهم من أم أو غيرها لم يصدق على دفع النفقة إلى من يليهم إلا ببينة. انتهى منها بلفظها من كتاب الوصايا الأول. ومثله لابن يونس عنها: ففيه ما نصه: ومن المدونة قال مالك: ولو قال أنفقت عليهم وهم صغار، فإن كانوا في حجره يليهم قبل قوله ما لم يأت بأمر مستنكر أو سرف من النفقة، قال محمد: إن كانوا في عياله أو كانوا عند غيره فكان يرى ينفق عليهم ويكسوهم فإنه ينظر فيما زعم أنه أنفقه تلك المدة،
стр. 9645
فإن كان سدادا والزيادة يسيرة حلف وكان مصدقا، وإن جاء بسرف لم يحسب له من تلك إلا السداد، كما لو كان له على السرف بينة لم يحسب له من ذلك إلا السداد. وقاله ابن القاسم عن مالك. وفي المدونة: وإن كان يليهم غيره مثل أمهم وأختهم أو غيرهما، فقال: أنفقت عليهم أو دفعت النفقة إلى من يليهم وأنكروا لم يصدق إلا ببينة وإلا غرم. انتهى منه بلفظه.
قال أبو الحسن في شرح المدونة ما نصه: قوله: قال مالد ويصدق في الإنفاق عليهم الخ، الشيخ: لأنه إذا كانوا في حجره يشق الإشهاد عليه في كل وقت. عياض: لمالك وابن القاسم وأشهب بعد يمينه وهذا مما لا يختلف فيه؛ لأن ما يشبه قد يكون أولا يكون وقد يصدق فيه أو يكذب. أيو عمران: ولو أراد الوصي أن يحسب ما لابد منه ولا شك فيه بحال وأسقط طلبه فيما زاد فلا يمين عليه. عياض: لا بد من اليمين إذ يمكن أن يستغني الأيتام عن مقدار تلك النفقة التي لا شك فيها أياما مفترقة أو متوالية لمرض أو صلة من أحد أو غير ذلك، ثم قال ما نصه: قوله وإن ولي النفقة غيره ممن يحضنهم الخ؛ الشيخ: لأنه لا مشقة عليه في الإشهاد، إذ لا يدفع إلا شهرا بشهر أو عشرد بعشرة أيام، بخلاف ما لو كانوا في حجره. اللخمي: إلا أن يدل دليل على صدقه مثل أن تكون الأم فقيرة ويظهر أثر النعمة على الصبيان. انظره. انتهى منه بلفظه. انتهى.
وقال ابن ناجي ما نصه: قوله وإن ولي النفقة ما ذكره هو المشهور، وقال اللخمي: إذا كانت الأم فقيرة لخ ما نقله أبو الحسن ثم نقل عن الطرر ما نصه، وقال أحمد بن نصر قول مقبول فيما دفع من النفقة إذا أشبه نفقة الأيتام في حضانته كانوا أو عند حاضنتهم من غير بينة، فتحصل ثلاثة أقوال: لا يقبل قوله مطلقا وعكسه على ما في الطرر، وقال ابن عبد السلام: فهمه بعضهم من بعض ألفاظ المدونة وتفصيل اللخمي. انتهى منه بلفظه. وقول عبد الباقي: وقال عياض: تلزمه اليمين إذ قد يمكن أقل منه، هذه عبارة التوضيح بعينها وفيها قلق يعلم من تأمل كلام عياض السابق، وظاهر كلام الزرقاني أن القولين على حد السواء وهو ظاهر كلام أبي الحسن والتوضيح وابن ناجي. وفي الحطاب: قال الشارح: هو أي قول عياض الظاهر عندي. انتهى. قال الحطاب. قلت: وكلام ابن عرفة يفيد رجحانه فإنه قال ما نصه: عياض: لابد من يمينه لاحتمال استغناء اليتيم عن تلك النفقة التي لا شك فيها أياما متفرقة أو متوالية لمرض أو صلة من
стр. 9646
أحد، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم في الموازية من قوله ويحلف ما لم يأت بأمر مستنكر. انتهى منه بلفظه.
وقول البناني: وظاهر ما في زكاة الفطر من المدونة أنه لا يشترط كونه في حضانته مثله في التوضيح، وهو يوهم أنه ليس في المدونة ما يخالف هذا، وقد علمت ما فيه وهذا البحث لا يرد على التوضيح لأنه نسب للمدونة قيد كونهم في حجره، وقول البناني: إلا ما استحسنه اللخمي هذه عبارة التوضيح وفيها نظر لما تقدم من نقل ابن ناجي عن الطرر وما نقله عنها هو كذلك فيها، وزاد متصلا بقوله من غير بينة ما نصه: وعلى الحاضن لهم أو عليهم أنفسهم البينة أنه لم ينفق عليهم وإلا فالقول قوله من غير يمين تلزمه في دعوى الأيتام في ذلك، وللحاضن اليمين عليه في دعواه. انتهى منها بلفظها. ونقله ابن عرفة أيضا.
تنبيهات: الأول: في المفيد ما نصه: وإذا كان اليتيم بالغا أو دون البلوغ بيسير فأقر على نفسه بقبض نفقته فإن ذلك يلزمه لأنه أقر على نفسه بما لا بد له منه. انتهى منه بلفظه.
الثاني: قال أبو إسحاق: سئل ابن زرب عن الوصي يقول دفعت عن اليتيم العشر والمغارم والجعائل للشرط ونائب العامل، قال: إن كان ذلك معروفا بالبلد وادعى ما يشبه أن يؤخذ به غيره صدق. انتهى. ونحوه لابن مرزوق عنه، وظاهر قوله: "صدق" أنه دون يمين؛ ولكن إذا كان المشهور أنه لا بد من اليمين على النفقة فهذا أحرى. والله تعالى أعلم. قاله الرهوني.
الثالث: قال في مختصر الوقار: وإقرار الرجل في مرضه ليتيمه بمال يمنع من طلبه بما كان ينفق عليه في حياته؛ إذ حكم ذلك حكم الإسقاط. انتهى. يعني أن الورثة إذا أقر موروثهم بمال ليتيمه فطلبوا اليتيم بما كان موروثهم ينفق عليه فليس لهم ذلك.
لا في تاريخ الموت يعني أنه إذا اختلف الوصي والصبي، فقال الوصي: مات الموصي منذ سنين؛ وقال الصبي: مات منذ سنة فالقول للمولى عليه إذ الأصل عدم ما ادعاه الوصي، فلا يقبل قوله إلا ببينة. قاله ابن شأس. وسلمه ابن عرفة، وقال عبد الباقي: لا إن اختلفا في تاريخ الموت للموصي. فقال الوصي مات منذ سنين، وقال الصغير منذ سنة فالقول للصغير ولا يقبل قول الوصي إلا ببينة؛ قال في توضيحه: وهذا وإن كان يرجع إلى تكثير النفقة إلا أن الأمانة لم تتناول
стр. 9647
الزمان المتنازع فيه. انتهى. قال الرهوني: وعلل ابن شأس بقوله فالقول قول الصبي إذ الأصل عدم ما ادعاه الوصي. انتهى. وسلمه ابن عرفة، والظاهر عندي في الفرق أن ما ادعاه يشاركه غيره في معرفته، فلا يتعذر عليه إثباته، كما يؤخذ من فرق أبي الحسن السابق فيما إذا كانوا في غير حجره. انتهى.
ودفع ماله بعد البلوغ عطف على "تاريخ" يعني أنه إذا اختلف الصبي والوصي في دفع المال إليه بعى بلوغ الصبي ورشده، فقال الوصي: دفعت إليك مالك بعد أن بلغت ورشدت، وقال الآخر: لم يكن ذلك فإن القول قول الصبي في أنه لم يدفع إليه، قال عبد الباقي: ولا في دفع ماله إليه بعد البلوغ؛ ورشده بعد البلوغ ولا يقبل قول الوصي ومن في حكمه ممن تقدم على المشهور خلافا لعبد الملك ومنشأ الخلاف اختلافهم في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ﴾ هل ليلا تغرموا وهو المشهور؟ وقول مالك وابن القاسم: أو ليلا تحلفوا وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم، وأطلق المنصف القول بعدم تصديق الوصي في الدفع وظاهره كظاهر المدونة ولو طال الزمان يعني بعد الرشد. ابن عرفة: وهو المعروف من المذهب، وفي الموازية: إن طال الزمان كعشرين سنة يقيمون معه ولا يطلبون فالقول قوله بيمين. ابن يونس: لأن العرف قبض أموالهم إذا رشدوا، وجعل ابن زرب الطول ثمانية أعوام، والقياس أن يجري هنا ما تقدم من قوله ثم ادعى حاضر ساكت بلا مانع عشر سنين الخ. انتهى.
قوله: وفي الموازية إن طال الزمان الخ، قال الرهوني: ظاهر كلام التوضيح والحطاب أن ما في الموازية تقييد ووفاق وهو ظاهز كلام ابن يونس أيضا، ولكن ما عزاه الزرقاني لابن عرفة هو كذلك فيه، ونصه: ففي قبول قول اليتيم ما لم تقم عليه بينة مطلقا أو ما لم يطل سكوته عشرين عاما، ثالثها ثمانية أعوام ورابعها ما لم يظن كذبه بحسب حالهما وخامسها يصدق الوصي عليه مطلقا لها مع معروف المذهب وسماع أشهب، وقول ابن زرب واختيار ابن رشد وقول عبد الملك. انتهى منه بلفظه. انتهى.
تنبيهات: الأول: في الرهوني: تقوية كون ما في الموازية تقييدا ووفاقا خلاف ما جزم به ابن عرفة، وقال بعد جلب كثير من النقول ما نصه: فتحصل أن الراجح هو خلاف ما جعله ابن
стр. 9648
عرفة المعروف من المذهب، وقد رأيت دليله من كلام المحققين الفحول، بل ومن كلام ابن عرفة نفسه؛ فلم يبق لنصف فيه ما يقول، ولجلالته وأمانته وحفظه أطلت بهذه النقول، والله سبحانه أعلم. وفي المتيطي وابن فتوح أن الإشهاد لازم للوصى في دفع مال اليتيم المنطلق من الولاية إليه، لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا﴾، وهل أصل في كل من دفع ما بيده من وديعة أو ما يشبهها إلى غير اليد التي دفعت ذلك إليه، وإن كان بأمر الدافع إليه فإن الإشهاد يلزم المودع عنده على الدفع إلى من أمر أن يدفع إليه، كما يلزم الوصي؛ وسواء كالق قبض الوصي المال ببينة أو بغير بينة. انتهى. وجزم اللخمي بأن المودع إذا أمر بالدفع للغير يصدق مع يمينه وهو مخالف لا جزم به ابن فتوح، وما قاله ابن فتوح هو الموافق للنقل. انتهى.
الثاني: قال في رسم الوصايا من سماع القرينين من كتاب الوصايا الأول ما نصه: قال: وسمعته يسأل عمن كان يلي يتامى فكان لا يتحفظ في أموالهم ويتناول منها فلما بلغوا سألهم أن يحللوه مما بين كذا إلى كذا فحللوه على ما قال، ثم قالوا له بعد زمان: لست في حل، فقال أنا أرى في مثل هذا أن يحزر الذي يرى أنه أصاب من أموالهم ويحتاط فيه حتى لا يشك أو يأتي رجلا فيخبره بالمال وبأمره وما كان منه فيه وما تناوله حتى يحزره له، ويحتاط فيه حتى لا يشك إن لم يحسن هو حزره ثم يخيرهم بالذي عليه من التبعات فيحللونه وهم يعلمون من أي شيء حللوه، فإما أن يجيء إليهم فيقول لهم حللوني مما بين كذا إلى كذا فيحللونه، فإنهم يقولون بعدُ ظننا أنه يسير فأرى أن يحزر ذلك باحتياط ثم يتحللهم. قال محمد بن رشد: هذا كما قال أن التحليل لا يلزمهم إذا لم يعلمهم بمقدار مالهم عليه من التباعة فيما تناوله من أموالهم فيلزمه أن يعلمهم بمقدار ذلك حتى يحللوه منه بنفوس طيبة. وبالله التوفيق. انتهى قال الرهوني. قلت: لا شك أن تحليلهم له من باب هبة المجهول وهي جائزة. وأما اللزوم فقد تقدم تحرير الكلام فيه عند قوله في الهبة: "وإن مجهولا" فإن لم تَبَيَّن لهم في هذد كثرة ما تناوله من أموالهم فلا وجه لرجوعهم عليه ولا سيما على ما رجحه البناني تبعا الابن عرفة، وفي قول الإمام فإنهم يقولون ظننا أنه يسير إشارة إلى أنه تبين له كثرته ليكون رجوعهم عليه هو الصواب على ما بيناه في المحل المذكور. والله تعالى أعلم.
стр. 9649
الثالث: قال في الرسم المذكور: وسئل عن رجل توفي وأوصى إلى رجل وترك من الورثة ابنا صغيرا وثلاث بنات وأمه وزوجه، وترك مصحفا قيمته خمسة وعشرون، أترى أن يستخلصه الوصي للغلام؟ فقال: إني لا أدري ما ترك الميت، فقيل له أموال عظيمة من أصول وغيرها، فقال: ما سن الغلام؟ فقيل ابن ست سنين، فقال: ما أرى بذلك بأسا أن يستخلصه للغلام قد كان من أمر الناس أن يحبس لولد الميت هذا وما أشبهه السيف والمصحف وما أشبههما، فلا أرى بأسا أن يستخلصه له فقيل له [أيستخلصه (١)] للغلام والجواري فإنهن ربما علمن القراءة في المصاحف، فقال: أحب إلي أن يستخلصه للغلام وحده وهذا من خير ما يشترى له إن بلغ فاحتاج إلى ثمنه وجد به ثمنا، فأرى له أن يستخلصه له ولا أرى بذلك بأسا. انتهى. نقله الرهوني.
الرابع: إذا أوصى على بنيه في حال صغرهم وطالت حياته بعد ذلك حتى بلغ ولده وكبروا ووصيته على حالها فهم على الإطلاق إلا أن يظهر منهم ما يوجب تمادي الولاية عليهم؛ وأما الإناث ففي ولاية أبيهن حتى يرشدن. انتهى. ومراده بالإناث الأبكار وهذا هو المعتمد وعلى رواية يحيى الذي يرى أن الناس على السفه حتى يظهر رشدهم يكون المذكور والإناث على حال الولاية حتى يثبت رشدهم، وقاله ابن الهندي وغيره.
الخامس: من طرر ابن عات ما نصه: المشاور إذا كان اليتيم ابن اثني عشرة سنة يستطيع الخدمة والعمل ويجد من يستأجره بنفقته وأجرته فأبى عن العمل وله أصل لطيف يريد بيعه وأكله، فإنه يؤاجره في عمل يستطيعه يستقل به غير ثقيل على رغم أنفه وينفق من إجارته ويحبس عليه أصله ونحوه في ابن سلمون عن الاستغناء. نقله الرهوني.
السادس: علم مما مر من التقرير أن قوله بعد البلوغ متعلق بدفع، قال الشبراخيتي: وقوله بعد البلوغ متعلق بدفع، وأما قبل البلوغ فلا يصدق ولو وافقه. انتهى.
ولما أنهى الكلام على ما أراده من العبادات والمعاملات وغير ذلك، شرع في الكلام على التركات، فقال:
стр. 9650
بابٌ: أي هذا بابٌ في علم الفرائض، وعلم الفرائض علم قراني لأن القرآن ورد به، وقد حضّ رسول الله ﷺ على تعلمه وتعليمه؛ فقال: (تعلموا الفرائض وعلموها الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة ولا يجدان من يفصل بينهما (١)). رواه عبد الله بن مسعود. وقال ﷺ : (من قطع ميراثا فرضه الله قطع الله ميراثه من الجنة (٢)) يريد بذلك الظانين الذين يفتون بالظن. ابن حبيب: معنى قطعه بالجهل بالعلم بفريضته أو بالعمد في قطعه، قال ابن يونس: وحض علي تعليمة جماعة من الصحابة والتابعين؛ وروى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه؛ سلم، قال: (تعلموا الفرائض فإنها من دينكم وهي أول ما ينسى وهي نصف العلم وهي أول علم ينزع من أمتي وينسى (٣))؛ واختلف هل كونها نصف العلم تعبدي فهو غير معقول المعنى؟ وهذا القول قاله جماعة، فقالو!: يجب علينا اتباعه وقيل هو لععقول المعنى، فالمراد به المبالغة في الثناء على عظيم جدواه أو أن المراد بنصف العلم باعتبار حالتي الحياة والمات، فالحياة سبب لوقوع سائر العلوم والموت سبب لوقوع علم الفرائض؛ وأحد الحالين من مجموعهما نصف أو باعتبار السببين؛ لأن السبب الذي يحصل به الملك نوعان اختياري وقهري، فالأول كالشراء وقبول الهبة ونحو ذلك والقهري كالإرث؛ وأم التأويل بأنه باعتبار الثواب لأن مسائله وإن قلت بالنسبة لبقية العلوم فثوابه كثواب جميعها فهو غير ظاهر؛ لأن مقدار ذلك لا يتلقى إلا من السمع. انظر الشبراخيتي.
التوضيح: الفرائض جمع فريضة وهي من قوله تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ أي قدرتم. انتهى. فالفريضة بمعنى المفروضة، وهي النصيب المقدر شرعا للوارث فالفرائض هي الأنصباء المقدرة لورثة الميت هذا أصلها، وتطلق على العلم المشتمل عليها. انظر الرهوني. وتطلق الفريضة أيضا على المسألة؛ كقولهم: فريضة عائلة. قاله مقيده عفا الله تعالى عنه.
стр. 9651
تنبيهات: الأول: قال البناني وغيره عن ابن عرفة: علم الفرائض هنا الفقه المتعلق بالإرث وعلم ما يوصل لمعرفة قدر ما يجب لكل ذي حق من التركة. انتهى. قال البناني: قول ابن عرفة: علم ما يوصل هو بالرفع عطف على الفقه أدخل كيفية القسمة والعمل في المناسخات وغيرهما؛ لأن ذلك كله من علم الفرائض. انتهى. وبحث ابن مرزوق في هذا الحد بأبحاث كثيرة لا أطول بذكرها والأصل في هذا العلم الكتاب والسنة لما مر والإجماع والقياس كسائر الأحكام الشرعية وهو علم قطعي ليس لأحد فيه زيادة ولا نقصان بالاجتهاد بعد الصحابة رضوان الله عليهم.
الثاني: قال التتائي: بابٌ ذكر فيه علم الفرائض وهو علم المواريث وبيان من يرث ومن لا يرث ومقدار ما لكل وارث وأصول المسائل والمناسخات والحجب والإقرار وقمسمة التركات وما يتعلق بذلك كله، ثم قال: وورد أنه ﵊، قال: (العلم ثلاثة: آية محكمة وسنة قائمة وفريضة عادلة (١)) الخطابي: الآية المحكمة كتاب الله، وقال: محكمة لأن منها المنسوخ. والسنة القائمة هي الثابتة، والفريضة العادلة فيها وجهان: أحدهما من العدل في القسمة أي معدلة من الكتاب والسنة؛ والثاني مستنبطة منهما ومن معناهما فيعدل ما أخذ منهما نصا: فجعل الفرائض في هذا الحديث ثلثا. انتهى. أي وجعلها في الحديث المار نصفا. قال بعض المتأخرين: فالنصف في الحديث يعني المار بمعنى الصنف فلا يلزم التساوي، قال الشاعر:
إذا مت كان الناس نصفان شامت … وآخر مثنٍ بالذي كنت أصنع
الثالث: قال التتائي: كان الواجب في ابتداء الإسلام الوصية، قال الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾، ثم نسخ يآية المواريث، وقيل: كان التوارث في ابتداء الإسلام بالتحالف والنصرة والهجرة والإخوة والوالاة، فيقول دمي دمك ترثني وأرثك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ ثم نُسِخَ فتوارثوا بالإسلام والهجرة فصار التوارث بهما، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 9652
وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾ فكان المهاجر وغيره لا يتوارثان؛ فإذا مات رجل وله ولدان أحدهما مهاجر والآخر غير مهاجر ورث المهاجر دون الذي لم يهاجر ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾، وقيل كان الرجال يرثون الرجال دون النساء والكبار دون الصغار ويجعلون حظ الزوجة نفقتها سنة، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ ثم نسخ ذلك.
أبو عمرو بن عبد البر وغيره: أول موروث في الإسلام عدي بن نوفل بن عبد العزى، هاجر هو وابنه النعمان إلى أرض الحبشة فمات بها وورثه ولده هناك، فكان أول وارث (وقد قضى ﷺ بالثلثين لابنتي قيس بن ثابت من مال أبيهما، وكان قتل يوم أحدت وفيهما نزلت آية الفرائض: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾، وقيل إن الحكم كان في بنتي سعيد (١) بن الربيع وهو الصحيح (٢))، قال ابن سحنون: وهو أول ميراث قسم في الإسلام.
والفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة وهي مشتقة من الفرض، وهو لغة: القطع. والحز، وعرفا: النصيب المقدر للوارث شرعا، ثم نقل الجمع علما لهذا العلم فأجري مجرى المفرد. انتهى. قول ابن سحنون: وهو أول ميراث قسم في الإسلام سلمه ابن يونس، قال الرهوني: انظر قول ابن سحنون وهو أول ميراث قسم الخ، وتسليم ابن يونس له مع ما للمتيطي في نهايته، ونصها: وروي أن الجاهلية كانوا لا يورثون البنات ولا النساء ولا الصبيان شيئا من الميراث ولا يورثون إلا من حاز الغنيمة وقاتل على ظهر الخيل.
وأول من ورث البنات في الجاهلية وأعطى البنت سهما والابن سهمين ذو المحاسن اليشكري؛ وهو عامر بن جشم بن حبيب، فلما مات أوس بن ثابت في زمان رسول الله ﷺ قبل نزول آية المواريث ترك أربع بنات دميمات، فأخذ بنو عمه المال كله فجاءت امرأة أوس إلى النبي ﷺ فشكت إليه، فقال: ارجعي إلى بناتك حتى أنظر ما يحدث الله
стр. 9653
فيهن، فأنزل الله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾. الآية. ولم يفسر ما هو، فأرسل ﷺ إلى بني عمه أن لا يغيروا من المال شيئا فإنه قد نزل لبنات أوسٍ نصيب حتى أنظر كم هو، ثم نزلت الآية آية المواريث فأعطى ﷺ للبنات الثلثين وللزوجة الثمن.
وانظر ما قاله المتيطي أيضا مع ما لابن عطية، ونصه قوله : ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾، قال قتادة وعكرمة وابن زيد: وسبب هذه الآية أن العرب كان منها من لا يورث النساء ويقول لا يرث إلا من طعن بالرمح وقاتل بالسيف، فنزلت هذه الآية. قال عكرمة: سببها خبر زوجة أوس بن سويد، [مات] (١) وترك لها بنتا فذهب عم بنتها إلى أن لا ترث، فذهبت إلى النبي ﷺ ، فقال العم: هي يا رسول الله لا تقاتل ولا تحمل كلا عليها، واسم العم ثعلبة فيما ذكر. انتهى. والجمع بين ذلك كله ممكن بأنهم ماتوا كلهم فنزلت الآية في الجميع والقسم بالفعل سبق في متروك سعد على ما قال ابن سحنون وسلمه ابن يونس. والله تعالى أعلم. انتهى.
قال البناني: واعلم أن الحقوق المتعلقة بالتركة خمسة، وطريق الحصر أن تقول: الحق المتعلق بالتركة إما ثابت قبل الموت وهو متعلق بالعين كالرهن أو بالذمة وهو الدين، وإما ثابت بالموت وهو إمَّا للميت أو لغيره بسببه أو لغيره بغير سببه. انتهى. فالثابت قبل الموت قسمان والثابت بالموت ثلاثة أقسام.
وأشار المنصف إلى الأول من قسمي الثابت قبل الموت بقوله: يخرج من تركة الميت حق تعلق بعين يعني أن أول ما يبدأ به في تركة الميت هو أن يخرج منها الحق الذي تعلق بعين أي بذات شيء معين، والتركة ما تركه الميت من المال ومنه الدية عن خطإ أو عمد. قال الإمام في الموطإ: من قتل خطأ فإنما عقله مال كغيره من ماله يقضى به دينه وتجوز فيه وصيته. انتهى. ونقل المواق التصريح بذلك في العمد، ومثل للعين بقوله: كالرهون أي إذا كان على الميت دين لزيد وقد
стр. 9654
رهن الميت لزيد في ذلك الدين جملا مثلا وحازه زيد قبل موت من عليه الدين، فإن ذلك الجمل يباء ويُقضى زيد من ثمنه مبدأ على غيره من أرباب الديون، وعلى مؤن تجهيز الميت وعلى وصاياه.
وعبد جنى عطف على "المرهون" فهو أيضا من المعين الذي تعلق به حق فإذا جنى عبد على عمرو مثلا فإن ذلك العبد الأولى به عمرو، فإما أن يسلم له في جنايته عليه وإما أن يفديه الورثة أو غيرهم بأرش الجناية ليس إلا، فإن جنى المرهون فقد تقدم للمصنف الكلام عليه في باب الرهن فراجعة إن شئت. قال عبد الباقي: يخرج من تركة الميت من رأس ماله مبدأ على غيره وجوبا، وإن أتى على جميعها حق تعلق بعين كالمرهون لتعلق حق المرتهن به فهو أحق، ولو من كفن الميت الذي ليس له ما يكفن به غيره. انتهى.
وقوله: "حق تعلق بعين" قال ابن رشد: أول ما يخرج الحقوق المعينات مثل الرهن، يعني المحوز بيد المرتهن وأم الولد وزكاة ثمر الحائط الذي أزهى وزكاة الماشية إذا مات عند حلولها وفيها السن الذي وجب فيها وما أقر به المتوفَّى من الأصول والعروض بأعيانها لرجل في صحته أو في مرضه لمن لا يتهم عليه أو قامت على ذلك بينة وسكنى المتوفى عنها يعني والمسكن له أو نقد كراءه والمعتق إلى أجل والصبرة المبيعة على الكيل والهدي إذا قلده يعني تطوعا أو واجبا ولا يباع في دين استحدثه بعد التقليد وسوق الغنم يتنزل منزلة التقليد في غيرها والأضحية إذا تعينت. انتهى. وهي إنما تتعين بالذبح فلا تباع حينئذ، وأما إن نذرت فالمعتمد أنها تباع في الدين.
تنبيهات: الأول: زاد التتائي في المعينات: سلعة المفلس، قال مصطفى: انظر ما مراده بسلعة المفلس إن كان مراده المفلس في حياته فليدر الكلام عليه، وإن كان مفلسا بعد الموت فقد علمت أنه لا يكون أحق بها في الموت إلا أن يكون المراد قبل الحوز، إذ قبله لا فرق بين الموت والفلس في أن ربها أحق إن لم تخرج من يده. انتهى. قال البناني: قلت لعل مراد التتائي سلعة المفلس إذا وقفت للغرماء ثم مات قبل بيعها، فقد تعينت للغرماء. والله تعالى أعلم. انتهى.
الثاني: قال عبد الباقي عند قوله: "يخرج من تركة الميت حق تعلق بعين كالمرهون"ما نصه: وشمل ما لو كان المرهون ثمرا ووجبت في عينه الزكاة والدين يستغرق جميع الثمرة؛ فيقدم رب
стр. 9655
الدين بدينه على الزكاة لتقدم حق الآدمي كما في ابن رشد. انتهى. قوله: فيقدم رب الدين بدينه على الزكاة لخ، قال البناني: فيه نظر، وهو يقتضي أن هذا منصوص عليه لابن رشد وليس كذلك، وعبارة الأجهوري: ومقتضى ما يأتي عن ابن رشد من أن حق الآدمي مقدم على حق الله تقديم رب الدين بدينه على الزكاة. انتهى. وفيه نظر أيضا لأن ما يأتي فيما تعلق بالذمة، وأما الثمرة فالفقراء شركاء في عينها فلا ملك للميت في حظهم حتى يؤخذ في دينه. والله أعلم. انتهى.
الثالث: قإله: "كالمرهون" أدخلت الكاف زكاة الحرث والماشية بعد حلولها وفيها السن الواجب، وإن لم يكن فيها السن الواجب وكانت عينا أخرت عن دين الآدميين. قوله: "بعد حلولها وفيها السن الواجب؛ يشمل مالها ساع وما لا ساعي لها يعني فيما إذا كان لها ساع أنه
مات بعد مجيء الساعي وبعد الحول كما يفيده غير واحد. والله تعالى أعلم. والتركة بفتح التاء وكسر الراء؛ ويجوز تسكين الراء مع فتح التاء وكسرها: ما تركه الميت من المال.
وأشار إلى القسم الثالث وهو الثابت بالموت للميت بقوله: ثم مؤن تجهيزه يعني أنه إذا أخرج من تركه الميت الحق الذي تعلق بعين فإنه يلي ذلك في الإخراج مؤن تجهيز الميت، من حفر ودفن وتغسيل وكفن وحراسة إن احتيج إليها وغير ذلك، بالمعروف يعني أنه يراعى في مؤن التجهيز ما هو المعروف عند الناس، أي ما يناسب حاله من فقر وغنى وارتفاع واتضاع. وقوله: "ثم مؤن تجهيزه"؛ وكذا تجهيز من تلزمه نفقته برق، والرقيق مقدم على السيد لأنه لا حق له في بيت المال، وأما لو مات ابن شخص وأبوه ونفقة كل واجبة على الشخص وليس عنده إلا مؤنة تجهيز واحد، فقال الشارح. وغيره في النفقات، قيل يتحاصان، وقيل يقدم الابن وهو الصواب. قاله الشبراخيتي. وقال المواق: يبدأ من مال الميت بحنوطه وكفنه ومواراته بالمعروف. انتهى.
وقال عبد الباقي: ثم مؤن تجهيزه من كفن وحمل وحفر وغيرها بالمعروف مما يناسبه فقر أو غنى وكفن من تلزمه نفقته برق كموت سيد وعبده، فإن لم يكن عنده سوى كفن واحد كفن العبد به لأنه لا حق له في بيت المال وكفن سيده من بيت المال، ولا يلزم بعد موته في ماله كفن من كانت تلزمه نفقته بقرابة، وقوله في الجنائز: "وهو على المنفق بقرابة في المنفق"الحي والنفق عليه ميت وهنا ماتا معا. ولو مات ابن شخص وأبوه ونفقة كل واجبة على الشخص وليس عنده إلا مؤن
стр. 9656
تجهيز واحد، فقيل يتحاصان وقيل يقدم الابن. نقلهما الشارح. وهو الصواب دون نقل التتائي.
القول الثاني من تقديم الأب. انتهى. وقال البناني: اعتبار المعروف في الكفن في صفته. ابن الحاجب: وخشونته ورقته على قدر حاله، وأم عدده فالثلاثة الأثواب يقضى بها كما قاله الشيخ يوسف بن عمر. وقد جعل الحطاب قول ابن عمر خلاف المشهور مستدلا بقول المنصف في الجنائز: "ولا يقضى بالزائد" لخ وما درى أنه متعقب. قال المواق في الجنائز عند قوله: "ولا يقضى بالزائد" الخ: المشهور خلاف هذا وأطال في ذلك. قاله مصطفى. وقول الزرقاني: وكفن من تلزمه نفقته برق الخ، هذا وارد على قول المنصف ثم مؤن تجهيزه. انتهى.
وأشار إلى القسم الثاني من الثابت قبل الموت يقوله: ثم تقضى ديونه يعني أنه يخرج بعد ما مر من التركة ما يقضى به الدين الذي على الميت من دين الآدميين، ثم هدي تمتع إن مات بعد أن رمى جمرة العقبة؛ وأشار إلى القسم الثاني من أقسام الثابت بالموت بسبب الميت وهو القسم الرابع بقوله: ثم وصاياه من ثلث الباقي يعني أنه يلي ما مر الوصايا وتخرج من ثلث ما بقي من التركة بعد إخراج ما مر، فإن ضاق الثلث قدم الآكد فالآكد على ما مر، والمراد بالوصايا ما يشمل الوصية وغيرها مما في حكمها على ما مر في قوله: "وقدم لضيق الثلث" لخ. وقد مر الكلام هناك على زكاة فرط فيها والكفارة والنذر فراجعه إن شئت. الرهوني: قال ابن يونس: قال الله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ معناه من بعد وصية لا دين معها أو دين لا وصية معه. فإن اجتمعا فالدين مبدأ. قال الرسول ﷺ : (الدين مبدأ على الوصايا) والإجماع على ذلك. انتهى المراد منه.
وأشار إلى القسم الخامس وهو الثابت بالموت بغير سبب الميت بقوله: ثم الباقي لوارثه يعني أن ما بقي من التركة بعد إخراج ما مر يكون للورثة، وقوله: "لوارثه" يعني الفرضي؛ ويأتي العاصب في قوله: "ولعاصب ورث المال كله" الخ.
وللتلمساني ﵀:
стр. 9657
إن امرؤ قد قدرت منونه … كفن ثم أديت ديونه
وبعد ذا تنفذ الوصيه … ويقع الميراث في البقيه
تنبيهان: الأول: اعلم أن للإرث أسبابا وهي ثلاثة: النسب بأن تثبت بين الحي والميت قرابة مخصوصة، والنكاح بأن يثبت بينهما عقد صحيح أو مختلف فيه إلا نكاح المريض والعبد وإنكاح المرأة، والولاء بأن يكون للحي على الميت ولاء على ما مر. في الولاء. وجهات النسب التي توجب الإرث خمس: الأبوة والأمومة والبنوة والأخوة والعمومة، قال الرسموكي:
للإرث أسباب ثلاثة نسب … عقد نكاح وولاء مجتلب
جهاته أبوة أمومه … بنوة أخوة عمومه
والشرط في النكاح بعد الصحة … إسلام زوجين مع الحرية
تزوج المريض في حال المرض … لا يقتضى الإرث لقصد معترض
قوله بعد الصحة أي بعد ثبوت صحة العقد على اختلاف أو وفاق، وقوله: لقصد معترض أي اعترضه الشرع بمعنى منع منه لأن قصد المريض إدخال وارث وذلك ممنوع منه شرعا، وللرسموكي رحمه الله تعالى أيضا:
شرط الولا إعتاق حر ما ملك … عن نفسه وهو بدِينٍ اشترك
أعتقه اختيارا أو بالجبر … أو كان عنه عتق عبد الغير
قوله: وهو بدين اشترك بكسر الدال أي اشترك معه في الدين.
الثاني: اعلم أن للإرث موانع سبعة وهي تمنع الإرث مطلقا، إرث النسب أو النكاح أو الولاء يجمعها قولك: عش لك رزق، فالعين لعدم الاستهلال والشين للشك واللام للعان والكاف للكفر والراء للرق والزاي للزنى والقاف للقتل عمدا عدوانا، ونظمها الرسموكي بقوله:
стр. 9658
يمنع الإرث عدم استهلال … شك لعان كفر ذي اعتزال
رق زنى وقتل ظلم مسجلا … إلا الولا عن معتق قد قتلا
قوله: شك حصل في سبب أو شرط أو مانع ومن الشك في السبب قيام بينة علي أن فلانا عم الميت أو ابن أخيه؛ وتعذر سؤال البنية فلا إرث لاحتمال أنه عم لأم أو ابن أخ لها، ومن الشك في الشرط الشك فيمن تقدم موته من الميتين بهدم أو غرق أو حرق أو نحو ذلك فلا يرث أحدهما من الآخر، وإنما يرث كل واحد منهما أقاربه الذين تحققت حياتهم بعد موت الشكوك فيهما، والشك في استهلال الولد ومن الشك في المانع الشك في كون القتل عمدا أو خطأ فلا يرث القاتل حينئذ من مال المقتول ولا من ديته، وكذا إذا مات الحر عن زوجة قد أعتقت ولم يعرف هل وقع موت الزوج قبل إعتاقها أو بعده، أو مات المسلم عن زوجة أسلمت ولم يعرف هل تقدم إسلامها على موته أو تأخر عن موته فلا ترث تلك الزوجة من زوجها. وقوله: مسجلا أي مطلقا أي في مال المقتول وديته، ويأتي الكلام على بعض هذا إن شاء الله تعالى.
وبين المصنف الوارث بقوله: من ذي النصف الزوج يعني أن الوارث الفرضي متعدد، فمنهم من فرضة النصف والفرض هو النصيب المقدر للوارث شرعا ولا يزيد إلا بالرد عند القائل به ولا ينقص إلا بالعول، فممن يرث النصف الزوج، فالمصنف أتى "بمن" البيانية مبينا لقوله: "لوارثه" لأن الورثة منهم ذو فرض وغيره، وذوو الفرض منهم ذو نصف وغيره. واعلم أن أهل الفروض أقسام وهي المجموعة في قولك: [هباد بز] الهاء لأهل النصف وهم خمسة والباء لأهل الربع وهم اثنان، والألف لذي الثمن وهو واحد، والدال لأهل الثلثين وهم أربعة، والباء لأهل الثلث وهم اثنان. والزاي لأهل السدس وهم سبعة. وقد وجد منسوبا للكلاعي على هذا البيت:
ضبط ذوي الفروض من هذا الرجز … خذه مرتبا وقل هبا دبز
ولبعضهم:
стр. 9659
هاك الفروض ستة في العرف … نصف ونصفه ونصف النصف
والثلثان هكذا وقد رمز … أصحابها الأشياخ (١) هباد بز
وبدأ بالفروض، قال ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر (٢))، وبدأ بالنصف لأنه هو أول مقامات الكسور، وقوله: "الزوج" خبر مبتدأ محذوف أي وهو الزوج وقوله: "من ذي النصف الزوج" أي حيث لا وله للزوجة ذكرا أو أنثى ولا وله ابن منه أو من غيره أو من زنى إن لم يقم به مانع من كفر أو رق وإن سفل، وأما وله البنت فلا قال الله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ﴾ والزوج أحد أصحاب النصف الخمسة، والثاني بنت للميت والثالث بنت ابن وإن سفل إن لم تكن بنت للصلب أو بنت فوقها، والرابع أخت شقيقة؛ والخامس قوله: أو لأب إن لم تكن شقيقة قوله: "وبنت" قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾، وقوله: "وبنت ابن إن لم تكن بنت" هي كذلك إجماعا، وقوله: "أخت شقيقة أو لأب" إجماعا، قال تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾؛ وهذا في الشقيقة والتي للأب، وأما التي للأم فهي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾. الشبراخيتي: وفي النصف أربع لغات بتثليث النون والرابعة نصيف كرغيف.
تنبيه: قال الخرشي عند قول المنصف في الطهارة: "ككف بمنكب" لو كانت امرأة من سرتها إلى أسفل خلقة امرأة واحدة ومنها إلى فوق خلقة امرأتين فالحكم في إرثهما أنه يصاح عليهما بعد أن
стр. 9660
تناما. فإن انتبهتا معا فلهما إرث امرأة واحدة وإلا فلهما إرث امرأتين. نقله عن ابن فرحون. والله تعالى أعلم.
وعصب كلا أخ يساويها يعني أنه يعصب بتشديد الصاد كلا من النسوة الأربع: أخ يساويها في الدرجة أي يصيرها عاصبة للذكر مثل حظ الأنثيين، فإذا هلك هالكَ وتركَ أختا شقيقة أو لأب ومع الشقيقة شقيق أو مع التي للأب أخ لأب، فإن للذكر مثل حظ الأنثيين في المسألتين؛ وكذا لو ترك الميت بنتا ومعها ابن فللذكر مثل حظ الأنثيين، وكذا لو ترك بنت ابن وابن ابن فللذكر منل حظ الأنثيين. فقول المنصف: "أخ" أي بالنسبة للأخت أو البنت، وأخ بالنسبة للميت في الأخت؛ واحترز بذلك عما لو كان مع الشقيقة أخ لأب فإنه لا يعصبها، بل لها النصف وعما لو كان مع التي للأب شقيق فإنه يسقطها، وعما لو كان مع بنت الصلب ابن ابن فلا يعصبها، وأما بنت الابن فيعصبها أخوها وابن عمها وقد يعصبها من هو أسفل منها كما يأتي. فقوله: "يساويها" قررته على أنه في النسوة الأربع كما رأيت، وكذا قرره غير واحد بذلك.
واعلم أن هنا ثلاثة أقسام: عاصب بنفسه وهو كل ذكر إلا الزوجَ والأخَ للأم والمعتقةُ من الإناث فقط، وعاصب بغيره وهو قوله: "وعصب كلا أخ يساويها"، وعاصب مع غيره وهو الأخوات مع البنات، ومعنى عاصب بغيره أنه صيره العاصب عاصبا، ومعنى عاصب مع غيره أنه هو وغيره ليسوا عصبة ولكن صاروا في حكم العصبة.
تنبيه: اعلم أن الله تعالى جعل حظا في الميراث للإناث رحمة منه لضعفهن وترغيبا في نكاحهن، وجعل ميراث الذكر أكثر عدلا منه لما يلزم الذكور من الإنفاق والصداق، ولا وجب عليهم من الجهاد للأعداء والدفع عن النساء، وجعل حظ الأنثى نصف حظ الذكر كما جعل شهادة الأنثى نصف شهادة الرجل وجعل ديتها مثل نصف دية الرجل. انتهى.
والجد يعني أن الأخ يعصب كلا من النسوة الأربع كما عرفت بخلاف الجد فإنه إنما يعصب الأخريين وهي الأخت الشقيقة والتي للأب، والأوليان يعني أن الأوليين من النسوة الأربع وهما البنت وبنت الابن تعصبان الأخريين وهما الأخت الشقيقة والتي للأب، فتأخذ البنت الواحدة
стр. 9661
النصف والنصف الباقي للأخت واحدة أو أكثر وللبنتين فأكثر الثلثان والثلث للأخت واحدة فأكثر، فقد صيرت الأوليان الأخريين ترثان بالعصوبة؛ ولولا الأولياء لورثتا بالفرض.
وعلم مما قررت أن قوله: الأخريين معطوف على "كلا" كما أن قوله: "والجد والأوليان" عطف على: "أخ" ففيه عطف الواو لشيئين على معمولي عامل واحد، وقد تقرره جوازه. والله تعالى أعلم. وفي التلمسانية:
والأخوات قد يصرن عاصبات … إن كان للميت بنت أو بنات
وقوله: "والأوليان الأخريين" قال الرهوني: بهذا قال علي وزيد بن ثابت وابن مسعود، قال ابن يونس: وبه قال عامة الفقهاء، وقال ابن عباس: للبنت النصف، وما بقي فللعصبة ولا حظ للأخت مع البنت لقول الله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾ وأنتم تجعلون لها مع الولد، والدليل للجماعة أن الله تعالى قال عقب هذا: ﴿وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ﴾ فيجب على قوله أن لا يرث مع البنت لأنها ولد، وقد أجمعوا على أن الأخ يرث مع البنت ما بقي بدل اجتماعهم أن ليس الولد المذكور ها هنا البنت التي تأخذ نصف المال والأخ بقيته، بل الولد المذكور هو الابن الذي لا يُبقي من المال للأخ ولا للأخت شيئا، فإذا كان بنتا أخذت ما فضل بالتعصيب، وقد روي أن النبي ﷺ ورث الأخت مع البنت وبنت الابن: وهو ما روى عنه هزيل بن شرحبيل، فقد روى البخاري (عن آدم بن أبي إياس عن شعبة عن أبي قيس، قال: سمعت هزيل بن شرحبيل يقول: سئل أبو موسى الأشعري عن بنت وبنت ابن وأخت، قال: للبنت النصف وللأخت النصف واتِيَا ابن مسعود فإنه سَيُتَابعني؛ فسئل ابن مسعود فأخبر بقول أبي موسى، فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين: أقضي بينهما بما قضى به رسول الله ﷺ : للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين وما بقي فللأخت (١))، وفي هذا الحديث أدلة: أحدها توريث بنت الابن مع البنت،
стр. 9662
والثاني توريث الأخت مع البنت فدل ذلك على أن الأخوات عصبة البنات والثالث إثبات الثلثين للبنتين حجة على من قال لهما النصف؛ لأنه إذا كان للبنت وبنت الابن على بعد هذه الثلثان كان للبنتين الثلثان أحرى، ويحتج عليه أيضا بميراث الأختين لأن الله أوجب للأختين على بعدهما الثلثين فإيجابهما للبنتين أولى، (وقد فرض الرسول ﷺ لابنتي سعد بن الربيع من أبيهما الثلثين (١)). انتهى كلام الرهوني. البناني: هزيل بالزاي المفتوحة وبالذال المعجمة تصحيف. انتهى.
تنبيه: قال الشيخ بدر الدين: وإنما كانت الأخوات مع البنات عاصبات؛ لأنه إذا كان في المسألة بنتان فصاعدا أو بنت ابن وأخذت البنات الثلثين فلو فرضنا للأخوات وأعَلْنَا المسألة نقص نصيب البنات فاستبعدوا أن يزاحم وله الأب الأولادَ وأولادَ الابن ولم يمكن إسقاط أولاد الأب فجعلن عاصبات ليدخل النقص عليهن خاصة. قاله إمام الحرمين. وحكى غيره فيه الإجماع. انتهى. قال الشبراخيتي.
ولتعددهن الثلثان الضمير عائد على النسوة الأربع: البنت وبنت الابن والأخت الشقيقة والتي للأب؛ يعني أنه إذا تعددت الأخوات الشقائق فلهن الثلثارْ وكذا اللواتي للأب وكذا البنت إذا تعددت فلها الثلثان وكذا بنت الابن وإن سفل إذا تعددت فلها الثلثان. قال الشبراخيتي: ولتعددهن أي الإناث الأربع، ولذلك أتى بنون الإناث فيخرج الزوج. انتهى. ونحوه لغيره.
تنبيهات: الأول: قوله: "ولتعددهن" يصح أن تكون اللام للتعليل ويكون المصدر على بابه، ويصح أن تكون اللام للاستحقاق وحينئذ فالمراد بالمصدر اسم الفاعل أي للمتعدد منهن الثلثان.
الثاني: إن قيل إن قوله: "ولتعددهن الثلثان" قد يصدق بغير المراد إذ يصدق ببنت وأخت، فالجواب أن المراد تعدد البنات أو الأخوات؛ إذ قوله: "والأوليان الأخريين" صريح في أنهما إذا اجتمعتا ورثت البنات بالفرض والأخوات بالعصوبة، ويأتي قوله: "وللثانية مع الأولى" لخ على أن ذلك صادق بالثلثين لأن السدس تكملة للثلثين. والله تعالى أعلم.
стр. 9663
الثالث: قول المصنف: "ولتعددهن الثلثان" ما قاله المنصف هنا تبعا لأهل المذهب، قال به جمهور الصحابة وخالف في ذلك ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: للبنيتن النصف لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، فجعل للاثنتين النصف والثلثين لأكثر منهما، والصواب أن الله تعالى نص على الزائد على اثنتين في البنات ولم يذكر الاثنتين، ونص على الاثنتين في الأخوات ولم يذكر الزائد اكتفاء بآية البنات في الأخوات وبآية الأخوات في البنات؛ لأن القرآن كالكلمة الواحدة يفسر بعضه بعضا. وعلم فرض البنتين بالحديث فاستقامت الظواهر وقامت الحجة لأن الله تعالى إذا جعل الثلثين للأختين، فالبنتان أولى لقربهن ولأن البنت تأخذ الثلث مع أخيها فأولى أن تأخذه مع أختها. قاله الشبراخيتي. وقوله: "الثلثان" تضم لام الثلثين وتسكن وكذا لام الثلث، وتضم دال السدس وتسكن، وفي الربع ثلاث لغات ضم بائه وتسكينها والثالث ربيع، وفي الثمن ثلاث لغات ضم ميمه وتسكينها والثالث ثمين. قاله غير واحد.
وللثانية مع الأولى السدس وإن كثرن المراد بالثانية بنت الابن وبالأولى بنت الصلب، والضمير في كثرن عائد على الثانية باعتبار تعددها؛ يعني أن بنت الابن لها مع البنت السدس فللبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين، ولو كثرت بنات الابن فيشتركن في السدس. قال الشبراخيتي: وللثانية وهي بنت الابن واحدة فأكثر فالمراد جنس الثانية، وبهذا يصح الجمع في كثرن أي وإن كثرن أفراد الجنس، وأما الأخت للأب مع الشقيقة فسيأتي حكمها مع الأولى وهي بنت الصلب الواحدة السدس وإن كثرن، (روى البخاري عن آدم بن أبي إياس عن ابن قيس؛ قال: سمعت هزيلا بالزاي بن شرحبيل يقول: سئل أبو موسى الأشعري عن بنت وبنت ابن وأخت؟ فقال: للبنت النصف وللأخت النصف، وأتِيَا ابن مسعود فإنه سيتابعني فأخبر ابن مسعود بقول أبي موسى الأشعري، فقال: لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين؛ أي إن تابعت أبا موسى لأقضين فيها بما قضى به رسول الله ﷺ : للبنت النصف ولبنت الابن السدس تكملة للثلثين، وما بقي فللأخت فأتَيَا أبا موسى فأخبراه، فقال: لا تسألوني ما دام هذا
стр. 9664
الحبر فيكم (١)). انتهى. قال التتائي: وهل بنت الابن مع بنت الصلب سهم واحد وهو الثلثان أو سهمان؟ قولان وتظهر ثمرة ذلك في الشفعة إذ أهل كل سهم أحق بشفعته من غيرهم إذا باع أهل سهم آخر. انتهى. فإذا باعت إحداهما حظها قبل القسمة كانت الأخرى أولى بالشفعة لأنها مشاركة لها في السهم الواحد على الأول.
وحجبها ابن فوقها يعني أنه إذا كان ابن فوق بنت الابن فإنه يحجبها عن السدس وغيره؛ كان الذي فوقها ابن الصلب أو لا، فقوله: مطلقا يرجع لهذا كما في شرح عبد الباقي، قال الراجز:
وإن يكن من قدرهنّ أعلى … حجبهن أبدا واستولى
كابن وبنت ابن وابن ابن وبنت ابن ابن وكبنت وابن ابن، وبنت ابن ابن، قال المواق عند قوله: "وحجبها ابن فوقها" ما نصه: ابن شأس: يحجب بنات الابن الواحد من ذكور ولد الصلب وغيره. انتهى. وعلم مما قررت أن معنى قوله: "وحجبها" أنه يحجبها عن السدس وعن غيره كما قرره بذلك غير واحد، قال الخرشي: والمعنى أن بنت الابن والمراد بها الجنس تحجب بابن فوقها بأن ترك ابنه وبنت ابنه مثلا. انتهى. ومعنى قوله: "فوقها" أقرب منها للميت.
وبنتان فوقها يعني أن بنت الابن تحجب أيضا بابنتين فوقها أي أقرب منها للميت كانتا بنتي صلب أو لا، قال الخرشي مفسرا للمصنف: وتحجب أيضا ببنتين فوقها بأن ترك بنيتن وبنت ابن. انتهى. وقال المواق: ويسقطن أيضا مع الاثنتين من بنات الصلب. انتهى. إلا لابن في درجتها مطلقا يعني أن محل كون بنت الابن تحجب ببنتين فوقها إنما هو حيث لم يكن معها ابن للميت في درجتها، وأما إن كان معها ابن في درجتها فإنه يعصبها مطلقا أي سواء كان أخاها أو ابن عمها، وإن كانت فوقها واحدة فلها السدس إلا لابن في درجتها، وأدخل عبد الباقي في الإطلاق ما إذا فضل لها شيء من الثلثين وما إذا لم يفضل، فإذا لم يفضل مثاله ما إذا كان فوقها ابنتان، ومثال ما إذا فضل ما لو كانت فوقها ابنة فيعصبها للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وناقشه
стр. 9665
البناني في ذلك فقال: قول الزرقاني: أي سواء لم يفضل لها شيء الخ، الصواب عدم تفسير الإطلاق بهذا؛ لأن المنصف إنما فرض المسألة في الثلثين فلا يشمل كلامه من فضل لها شيء، وإنما يفسر الإطلاق بقوله: وسواء كان أخاها لخ، لكن يبقى على المؤلف حكم ما إذا فضل لها شيء انتهى.
قال مقيد هذا الشرح عفا الله تعالى عنه: بجعل الاستثناء راجعا لقوله: "وللثانية مع الأولى السدس وإن كثرن"، ولقوله: "وابنتان فوقها" يتضح لك أنه لم يبق على المنصف حكم ما إذا فضل لها، أي وللثانية مع الأولى السدس وإن كثرن إلا لابن في درجتها فإنه لا يكون لها السدس بل يعصبها للذكر مثل حظ الأنثيين، وحجبها ابنتان فوقها إلا لابن في درجتها فلا يحجبانها بل يعصبها الابن الذي في درجتها، فمعنى ذلك فضل لها شيء كما في الأولى أم لا كما في الثانية سواء كان أخاها أو ابن عمها، وقد مر رجوع الإطلاق لقوله: "وحجبها ابن فوقها".
أو أسفل يعني أنه يحجبها ابنتان أقرب منها للميت إلا أن يكون معها ابن أسفل منها في الدرجة؛ بأن تكون هي أقرب منه للميت فإنه يعصبها أي يقاسمها فيما بقي للذكر مثل حظ الأنثيين: فلو كان الذي فوقها بنت واحدة فإنها تأخذ السدس تكملة للثلين، والثلث الباقي يأخذه الابن الذي هو أسفل منها يختص به دونها. قال عبد الباقي: أو كان الذكر أسفل منها بدرجة فمعصب لها إن لم يكن لها في الثلثين شيء، وإلا اختصت بالسدس وأخذ هو مع من في درجته أو فوقه ما عدا العليا الثلث الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين. وقوله: "مطلقا" يرجع لقوله: "وحجبها ابن".
وحاصل كلامه أن لابن الابن مع بنت الابن ثلاث حالات إحداها أن يكون أعلى فيحجب من تحته، الثانية أن يكون مساويا لها فيعصبها مطلقا، الثالثة أن يكون أسفل فيعصب من ليس لها شيء من الثلثين. انتهى. قال الرهوني: أجمل في هذه الثالثة ولها صور: إحداها أن يكون من فوقه صاحب درجة واحدة متحدة أو متعددة، ثانيتها درجة من فوقه متعددة وهو أسفل من الجميع وليس معه في درجته أحد؛ كأن يخلف الهالك بنتين وبنت ابن وبنت ابن ابن وابن ابن ابن ابن، ثالثتها مثل التي قبلها إلا أنه في طبقته أنثى واحدة أو متعددة، وظاهر كلام الزرقاني