← Тараджим

Тараджим · id 1499

الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ت التركي

ابن عبد البر

Полный текст (4 471 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

الورقة الأخيرة من مخطوط الحواشي نسخة الآصفية

стр. 142

الورقة الأولى من مخطوط الحواشي نسخة المعهد

стр. 143

الورقة الأخيرة من مخطوط الحواشي نسخة المعهد

стр. 144

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ [وصلَّى اللهُ على محمدٍ، أخبرنا الشيخُ الفقيهُ أبو عمرانَ موسى ابنُ أبي وليدٍ الشاطبيُّ فيما أجازهُ لنا وأذِنَ في روايتِه عنهُ، قال: أخبرنا الشيخُ] (١) أبو عمرَ يوسفُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عبدِ البَرِّ النَّمَرِيُّ [الحافظُ ﵀] (٢)، قال: بحمدِ اللهِ أبتدِي، وإيَّاه أستعينُ وأستَهدِي، وهو وليُّ عِصْمَتِي مِن الزَّلَلِ في القولِ والعملِ، ووليُّ تَوفيقي، لا شريكَ له، ولا حولَ ولا قُوَّةَ إلَّا به. الحمدُ للهِ رَبِّ العالمينَ، جامِعِ الأوَّلينَ والآخِرِينَ ليومِ الفصلِ والدِّينِ، حَمْدًا يُوجِبُ رِضاهُ، ويقتَضِي المزيدَ مِن فضلِه ونُعْماه،

стр. 145

وصلَّى اللهُ علَى محمدٍ (١) نبيِّ الرَّحمةِ، وهادِي الأُمَّةِ، وخاتمِ النُّبُوَّةِ، وعلى آلِه أجمَعينَ، وسلَّمَ تَسْليمًا. أمَّا بعدُ، فإنَّ أولَى ما نظَر فيه الطالبُ، وعُنِيَ به العالِمُ بعدَ كتابِ اللهِ تعالى، سُنَنُ رسولِ الله صلى اللهُ عليه (٢)، فهي المُبَيِّنةُ (٣) لمُرادِ اللهِ مِن مُجْمَلاتِ كتابِه، والدَّالَّة على حُدودِه، والمُفسِّرةُ له، والهاديةُ إلى [الصِّراطِ المُستَقيمِ صِراطِ اللهِ] (٤)، مَن اتَّبَعَها (٥) اهتَدَى، ومَن سلَك غيرَ سبيلِها (٦) ضَلَّ وغوَى، ووَلَّاه اللهُ ما تَوَلَّى [وأنفذ عليه وعيدَه إن شاءَ] (٧). ومِن أَوْكَدِ آلاتِ [السُّنَنِ المُعِينَةِ] (٨) عليها، والمُؤَدِّيةِ إلى حفظِها،

стр. 146

معرفةُ الذينَ نقَلوها عن نَبِيِّهم رسولِ اللهِ ﷺ إلى النَّاسِ كافَّةً، وحفِظُوها عليه، وبَلَّغوها عنه، وهم صحابَتُه الحَوَارِيُّونَ الذينَ وَعَوْها وأَدَّوْها ناصِحِينَ مُحْتَسِبين، حتَّى كَمُلَ بما نقَلوه الدِّينُ، وثَبَتَتْ بهم حُجَّةُ اللهِ على المسلمين، فَهُمْ خيرُ القُرونِ، وخيرُ أُمَّةٍ أُخرجت للنَّاسِ، [ثَبَتَتْ عَدَالةُ جميعِهم بِثَناءِ اللهِ عليهم، وثَناءِ رسولِه [﵇] (١)] (٢)، ولا أَعْدَلَ ممَّنِ ارتَضاه اللهُ لصُحْبَةِ نَبِيِّه ﷺ ونُصْرتِه، ولا تَزْكِيةَ أفضلُ مِن ذلك، ولا تعديلَ أكمَلُ منه، قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ الآية [الفتح: ٢٩]. فهذه صِفةُ مَن بدَر إلى تصديقِه والإيمانِ به، وآزَرَه ونَصَرَه، ولَصِقَ به وصَحِبَه، وليس كذلك جميعُ مَن رَآه، ولا جميعُ مَن آمَن به، و (٣) سَتَرَى منازلَهم مِن الدِّينِ والإيمانِ، وفضائلَ ذَوِي الفضلِ والتقدُّمِ منهم، واللهُ قد فَضَّلَ بعضَ النَّبِيِّينَ على بعضٍ، وكذلك سائرُ المسلمين، والحمدُ للهِ ربِّ العالَمينَ، قال : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية [التوبة: ١٠٠].

стр. 147

[قال (١) أبو عمرَ] (٢): أخبَرنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ عبدِ المُؤمِنِ [ابنِ يحيى] (٣)، قال: أخبرنا أحمدُ [بنُ سلمانَ] (٤) بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ (٥)، قال: أخبرنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ (٦)، قال: أخبرنا أَشْعَثُ، عن ابنِ سيرينَ في قولِه : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾. قال: همُ الذينَ صَلَّوُا القِبْلَتَينِ (٧).

стр. 148

وبهَذينِ الإسنادَيْنِ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: وحدَّثنا هُشَيمٌ، عن إسماعيلَ ومُطَرِّفٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: هُمُ الذينَ [بايَعوا بيعةَ الرِّضوانِ] (١). وأخبَرنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ (٢)، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا عبدُ الملكِ بنُ بَحْرٍ (٣)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ سالمٍ، قال: حدَّثنا سُنَيدٌ، قال: أخبَرنا هُشَيمٌ (٤)، قال: أخبَرنا مُطَرِّفٌ وإسماعيلُ، عن الشَّعبيِّ، قال: السَّابِقُونَ الأوَّلونَ مِن المُهاجِرينَ والأنصارِ الذين [بايَعوا بَيْعَةَ] (٥) الرِّضوانِ (٦).

стр. 149

قال سُنَيدٌ: وأخبَرنا حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: أخبَرني أبو الزُّبيرِ، أنَّه سمِع جابرَ بنَ عبدِ اللهِ يقولُ: كُنَّا يومَ الحُدَيبيَةِ أربعَ عَشْرَةَ مائةً، فبايَعْنا رسولَ اللهِ ﷺ وعمرُ بنُ الخَطَّابِ آخِذٌ بيدِه تحتَ الشَّجرةِ، وهي سَمُرَةٌ، فبايَعْناه غيرَ الجَدِّ بنِ قَيْسٍ اختَبَأ تحتَ بطنِ بعيرِه، قيل لجابرٍ: هل بايَعَ النَّبيُّ ﷺ بذِي الحُلَيفةِ؟ قال: لا، ولكنَّه صلَّى بها، ولم يُبايِعْ تحتَ شجرةٍ إلَّا الشَّجَرَةَ التي عندَ الحُدَيبيةِ، قال أبو الزُّبيرِ: قلتُ لجابرٍ بنِ عبدِ الله: كيفَ بايَعُوا؟ قال: بايَعْناه على ألَّا نَفِرَّ، ولم نُبايِعْه على الموتِ (١). قال: وأخبَرني أبو الزُّبيرِ، عن جابرٍ، قال: جاء عبدٌ (٢) لحاطبِ بنِ أبي بَلْتَعةَ أحدِ بني أَسَدٍ يَشْتَكِي سَيِّدَه، فقال: يا رسولَ اللهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطبٌ النَّارَ، فقال له: "كَذَبْتَ، لا يَدْخُلُها أحدٌ شَهِدَ بدرًا أو (٣) الحُدَيبيةَ" (٤). قال أبو عمرَ: وقال اللهُ : ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]، ومَن ﵁ لم

стр. 150

يَسْخَطْ عليه أبدًا إن شاء اللهُ، وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "لن يَلِجَ النَّارَ أحدٌ شَهِدَ بدرًا والحُدَيبيةَ". أخبَرنا أحمدُ بنُ قاسمِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ التَّاهَرتيُّ (١)، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أسامةَ، قال: أخبَرنا عاصِمُ بنُ عليٍّ وأحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يونُسَ، قالا: حدثنا اللَّيثُ بنُ سعدٍ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ ممَّن بايَعَ تحتَ الشَّجَرَةِ" (٢). أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدثنا إبراهيمُ بنُ إسحاقَ بنِ مِهْرانَ، قال: حدثنا يحيى بنُ يحيى النَّيسابوريُّ، قال: حدثنا أبو خَيْثَمَةَ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرٍ، أنَّ عبدًا لحاطبِ بنِ أبي بَلْتَعةَ جاء إلى رسولِ اللهِ ﷺ يَشْتَكِي حاطبًا، فقال: يا رسولَ اللهِ، لَيَدْخُلَنَّ حاطِبٌ النَّار، قال: فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "كَذَبْتَ، لا يَدْخُلُها أَحَدٌ شَهِدَ بدرًا والحُدَيبيةَ" (٣). ورَواه حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن أبي الزُّبيرِ، أنَّه حَدَّثَه عن

стр. 151

جابرٍ، عن أمِّ مُبَشِّرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَه (١). [وقد رَواه الأعمَشُ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن أُمِّ مُبَشِّرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلَه] (٢). [وقد رُوِي عن الأعمَشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابرٍ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلُه، لم يَذْكُرْ أمَّ مُبَشِّرٍ] (٣). وقد رُوِيَ عن أبي سَلَمةَ، عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ مِثلُه (٤). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدثنا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقاشِيُّ، قال: حدثنا أبو زيدٍ

стр. 152

الهَرَوِيُّ، قال: حدثنا قُرَّةُ بنُ خالدٍ، عن قتادةَ، قال: قلتُ لسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: كم كان الذينَ شَهِدوا بيعةَ الرّضوانِ؟ قال: خمسَ عشرَةَ مائةً، قال: قلتُ: فإِنَّ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ، قال: كانوا أربعَ عشرةَ مائةً، قال: رَحِمَ اللهُ جابرًا، هو حدَّثني أنَّهم كانوا خمسَ عَشْرةً مائةً (١). حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ، حدثنا أحمدُ بنُ سلمانَ، حدثنا عبدُ اللهِ ابنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: حدَّثني أبي، وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ زُهيرٍ، قال: حدثنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفَرٍ، قال: حدثنا شعبةُ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن سالمِ بنِ أبي الجَعْدِ، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ عن أصحابِ الشَّجرةِ، قال: كُنَّا ألفًا وخمسَمائةٍ، وقال: ولو كنَّا مائةَ ألفٍ لَكَفَانا (٢). قال أبو عمرَ ﵁: يعنِي الماءَ النابعَ مِن أناملِه ﷺ ، وقد ذكَرْنا طُرُقَ ذلك في "التَّمهيدِ"، بما بانَ به أنَّ ذلك كان منه ﷺ مَرَّاتٍ في

стр. 153

مواطِنَ شَتَّى (١). وبهذَيْنِ الإسنادَينِ عن أحمدَ بنِ حنبلٍ، قال: أخبَرنا سفيانُ، عن عمرٍو، قال: سَمِعتُ جابرَ بنَ عبدِ اللهِ، يقولُ: كُنَّا يومَ الحُدَيبيةِ ألفًا وأربعَمائةٍ، فقال لنا رسولُ اللهِ ﷺ : "أنتُمُ اليومَ خيرُ أهلِ الأرضِ" (٢). وقال مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ وعبدُ اللهِ بنُ أَبي أَوْفَى، وكانا ممَّن شَهِدَ البيعةَ تحتَ الشَّجرةِ: كانوا ألفًا وأربعَمائةٍ. ذكَره أحمدُ بنُ حنبلٍ، عن عبدِ الوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ، عن خالدٍ الحَذَّاءِ، عن الحَكَمِ بنِ عبدِ اللهِ الأعرجِ، عن مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ (٣). وذكَره أحمدُ أيضًا، عن أبي قَطَنٍ عمرِو بنِ الهيثمِ، عن شُعبةَ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن ابنِ أبي أوفَى (٤). كلُّ ذلك مِن "كتابٍ أحمدَ بنِ زُهَير" عن أحمدَ، ومِن "كتابِ

стр. 154

عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بنِ حنبلٍ"، عن أبيه بالإسنادَيْنِ المُتَقَدِّمَينِ (١) عنه. وأمَّا أهلُ بدرٍ، فذكَر أحمدُ بنُ حنبلٍ بالإسنادَيْنِ المذكورَيْنِ عنه، قال: حدثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، حدثنا هشامٌ (٢)، عن محمدِ بنِ سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: كان عِدَّةُ أهلِ بدرٍ ثلاثَمائةٍ وثلاثةَ عَشَر أو أربعَةَ عَشَر، أحدَ العَدَدَيْنِ (٣). قال أحمدُ: وحدَّثني يحيى بنُ سعيدٍ (٤)، قال: حدَّثنا سُفْيَانُ، قال: حدَّثنا أبو إسحاقَ، أخبَرنا البَراءُ بنُ عازِبٍ، قال: كُنَّا -يعنِي أصحابَ محمدٍ ﷺ - نَتَحَدَّثُ أنَّ عِدَّةَ أهل بدرٍ ثلاثُمائةٍ وبضعةَ عَشَرَ، كعددِ أصحابِ طالوتَ الذين جَازوا (٥) معه النَّهَرَ، وما جازَ معه النَّهَرَ إلَّا مؤمنٌ (٦).

стр. 155

وكذلك قال ابنُ إسحاقَ: حدَّثنا عبدُ الوارثِ، حدَّثنا قاسمُ (١)، حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ وعُبَيدُ (٢) بنُ عبدِ الواحدِ البَزَّارُ (٣)، قالا: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أيوبَ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: جميعُ مَن شَهِدَ بدرًا مِن المسلمين مِن المهاجرينَ والأنصارِ ثلاثُمائةِ رجلٍ وأربعةَ عشرَ رَجُلًا؛ مِن المُهَاجِرِينَ ثلاثةٌ وثمانون، ومِن الأوسِ أحدٌ وسِتُّون، ومن الخَزْرجِ مائةٌ وسبعون رجلًا (٤). وذكَر ابنُ إسحاقَ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن مَرْثَدِ بنِ عبدِ اللهِ اليَزَنِيِّ، عن الصُّنَابِحِيِّ، عن عُبادةَ، قال: كُنْتُ فيمَن حَضَرَ العَقَبَةَ -يعني الأُولَى- كُنَّا اثنَيْ (٥) عَشَرَ رجلًا (٦). وكانوا في العقبةِ الثَّانيةِ سبعينَ (٧) رجلًا، لا خلافَ في ذلك، أصغرُهم أبو مسعودٍ عقبةُ بنُ عمرٍو، ذكَره أحمدُ بنُ حنبلٍ، عن

стр. 156

يحيى بنِ زكريا بنِ أبي زائدةَ، عن أبيه، ومُجالِدٍ، عن الشَّعبيِّ، عن أبي مسعودٍ الأنصارِيِّ، قال الشَّعبيُّ: وكان أصغرَهم سِنًّا (١). وذكَره ابنُ إسحاقَ، بالإسنادِ المُتَقَدِّمِ عنه، قال: فحدَّثني (٢) مَعْبَدُ ابنُ كعبِ بنِ مالِكٍ، أنَّ أباه كعبَ بنَ مالكٍ حدَّثه، وكان مِمَّن شَهِدَ العقبةَ، قال: حتَّى إذا اجتَمَعْنا في الشِّعْبِ عندَ العقبةِ ونحنُ سبعون رجلًا، ومعهم (٣) امرأتانِ مِن نسائِهم: نُسَيبَةُ بنتُ كَعبٍ أُمُّ عُمارةَ (٤)، وأسماءُ بنتُ عمرِو بنِ عَدِيٍّ (٥). حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ (٦)، قال: حدَّثنا سعيدُ بنُ عثمانَ

стр. 157

ابنِ السَّكَنِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يوسفَ، قال: حدَّثنا البخاريُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ إدريسَ، قال: سَمِعتُ حُصَينَ بنَ عبدِ الرَّحْمنِ، عن سعدِ (١) بنِ عُبَيدةَ، عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ، عن عليٍّ، قال: بَعثني رسولُ اللهِ ﷺ وأبا مَرْثَدٍ والزُّبَيرَ بنَ العوَّامِ، وكُلُّنا فارسٌ، قال: "انطلِقوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ (٢) "، فذكَر الحديثَ في قِصَّةِ حاطِبٍ، حتَّى بلَغ إلى قولِ رسولِ اللهِ ﷺ : "أليسَ مِن أهلِ بدرٍ (٣)؟! إنَّ اللهَ قدِ اطَّلَعَ على (٤) أهلِ بدرٍ، فقال: اعْمَلُوا ما شئتُم، فقد وَجَبَتْ لكم الجنَّةُ"، أو: "قَد غَفَرتُ لكم" (٥). وبه عن البُخاريِّ، قال: حدَّثنا آدمُ بنُ أبي إياسٍ، قال: حدَّثنا

стр. 158

شُعبةُ، عن الأعمشِ، قال: سمِعتُ ذَكْوَانَ يُحَدِّثُ عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّه سمِعَ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "لا تَسُبُّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدَكم أنفَقَ مثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه" (١). وحدَّثناه عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يحيى (٢)، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بكرٍ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ ، فذكَره سواءً (٣). وذكر سُنَيدٌ، قال: حدَّثنا حَجَّاجٌ، عن شُعبةَ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ، قال: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قرَأها رسولُ اللهِ ﷺ حَتَّى خَتَمَها، وقال: "النَّاسُ حَيِّزٌ، وأنا وأصحابي حَيِّزٌ"، وقال: "لا هِجْرةَ بعدَ الفتحِ، ولكنْ جِهَادٌ ونِيَّةٌ"، فقال له مروانُ بنُ الحكمِ: كَذَبْتَ، وعندَه زيدُ بنُ ثابتٍ ورافعُ بنُ خَدِيجٍ، وهما قاعِدانِ معه على السَّرِيرِ، فقال أبو سعيدٍ: لو شاءَ هذانِ لَحَدَّثاكَ، ولكنْ هذا يخافُ أنْ تَنْزِعَه عن عِرَافَةِ

стр. 159

قومِه، وهذا يَخْشَى أنْ تَنزِعَه عَن الصَّدَقةِ، فرَفَعَ عليه مروانُ (١) لِيَضرِبَه، فلَمَّا رَأيَا ذلك قالا: صدَق (٢). وقال ﷺ (٣) لأصحابِه: "أنتُم تُوفُونَ سبعينَ أُمَّةً، أنتم خيرُها وأكرَمُها على اللهِ". حدَّثنا يَعِيشُ بنُ سعيدٍ (٤) وعبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قالا: أخبَرنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتِيُّ (٥)، قال: أخبَرنا أبو مَعْمَرٍ، قال: أخبَرنا عبدُ الوارثِ، قال: أخبَرنا بَهْزُ بنُ حكيمِ بنِ معاويةَ بنِ حَيْدةَ (٦) القُشَيرِيُّ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يقولُ: "أَلَا إنَّكُم تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أنتُم خَيرُها وأَكْرَمُها على اللهِ" (٧).

стр. 160

وقال اللهُ : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال بعضُ العلماءِ: ﴿كُنْتُمْ] بمعنى: أنتُم خيرُ أُمَّةٍ، وقيل: كنتم في علمِ اللهِ (١). ومعلومٌ أنَّ مُواجَهةَ رسولِ اللهِ ﷺ لأصحابِه: "أنتُم خيرُها"، إشارةٌ بالتَّقْدِمةِ في الفضلِ إليهم على مَن بعدَهم، واللهُ أعلمُ، ويَدُلُّ على ما قلناه ما روِيَ عن ابنِ عَبَّاسِ أنَّه قال: هُمُ الذينَ هَاجَرُوا مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ، رَواه سِمَاكُ بنُ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ. حدَّثنا عبدُ الوارثِ، أخبَرنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، أخبرنا سَلَمة بنُ شَبيبٍ، أخبَرنا عبدُ الرَّزَّاقِ، أخبَرنا إسرائيلُ، عن سِمَاكِ بنِ حربٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ في قولِه: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، قال: هُمُ الذين هاجَروا مع محمدٍ ﷺ إلى المدينةِ (٢).

стр. 161

هكذا قال: مع محمد ﷺ ، وأكثرُ الرُّوَاةِ له عن سِمَاكٍ يقولون ما ذَكَرتُ لك: أَنَّهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ، والمعنى واحدٌ؛ لأنَّهم هاجَروا بأمرِه، وإن لم يكونوا هاجَروا معه في سفرٍ واحدٍ، وإنَّما أشارَ إليهم ابنُ عَبَّاسٍ بالذِّكرِ؛ لأنَّهمُ الذينَ قاتَلُوا مَن خالَفهم على الدِّينِ حتَّى دخَلوا فيه، ولذلك (١) قال أبو هريرةَ، ومجاهدٌ، والحسنُ، وعكرمةُ: خيرُ الناسِ لِلنَّاسِ، يُقاتِلُونهم حتَّى يُدخِلُوهم في الدِّينِ طَوْعًا و (٢) كَرْهًا (٣). وإذا كان ذلك كذلك، فمَعلومٌ أنَّ المُهاجِرِين الأَوَّلِينَ والأنصارَ في ذلك سَوَاءٌ. وذكَر محمدُ بنُ إسحاقَ السَّرَّاجُ في "تاريخِه" قال: ثنا أبو كُرَيبٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ عُبَيدٍ وأبو أُسامةَ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامرٍ الشَّعبِيِّ، قال: المُهاجِرُون الأَوَّلون الذينَ بايَعوا بَيعةَ الرَّضوانِ (٤).

стр. 162

قال: وحدَّثنا سُفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: أخبَرنا أبي، عن أبي هِلالٍ، عن قتادةَ، قال: قلتُ لِسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: لِمَ سُمُّوا المهاجِرِين الأَوَّلِينَ (١)؟ قال: مَن صَلَّى مع النَّبِيِّ ﷺ القِبْلَتَينِ جميعًا، فهو من المهاجِرِينَ الأَوَّلِينَ (٢). قال أبو عمرَ ﵁: قولُ الشَّعبِيِّ وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ يَقْضِي (٣) بأنَّ معنَى قولِهِم: المهاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، كَمَعنَى قولِ الله ﵎: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]؛ لأنَّهم صَلَّوا القِبلَتَينِ جميعًا، وبايَعوا بيعةَ الرِّضوانِ، وفي ذلك أقوالٌ لِغَيرِهِم سنذكُرُها بعدُ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى. حدَّثنا عبدُ الوارثِ (٤)، ثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا موسى بنُ معاويةَ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن مَيْسَرَةَ الأَشجَعِيِّ، عن أبي حازمٍ، عن أبي هريرةَ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، قال: خيرُ النَّاسِ لِلنَّاسِ، يَجِيئُون بِهِم في السَّلاسِلِ يُدخِلُونهم (٥) الإسلامَ (٦).

стр. 163

ورُوِي عن مجاهدٍ أنَّه قال أيضًا: كانوا خيرَ النَّاسِ على الشَّرطِ الذي ذكَره اللهُ تعالى: يأمُرون بالمعروفِ، ويَنْهَون عن المُنكَرِ، ويُؤْمِنُونَ بِاللهِ (١). وجاء عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، أنَّه قال: مَن سرَّهُ أن يكونَ من تلك الأُمَّةِ (٢) فَليُؤَدِّ شرطَ اللهِ تعالى فيها (٣). وقال بعضُ أهلِ العلمِ: ﴿كُنْتُمْ﴾ بمعنى: أنتم، والكافُ صِلَةٌ (٤). وقال آخَرون: كنتُم في اللَّوحِ المحفوظِ، وهو الذِّكرُ، وأمُّ الكتابِ، واستدلُّوا بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾، إلى قولِه تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وروَى ابنُ القاسمِ عن مالكٍ أنَّه سَمِعه يقولُ: لَمَّا دَخَل أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ الشَّامَ نظَر إليهم رجلٌ مِن أهلِ الكتابِ، فقال: ما كان أصحابُ عيسى ابنِ مريمَ الذينَ قُطِّعُوا بالمَناشِيرِ وصُلِّبُوا على الخُشُبِ

стр. 164

بأشَدَّ اجتِهادًا مِن هؤلاءِ (١). وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "خيرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الذِينَ يَلُونَهم". حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ (٢) بنُ زُهَيرِ بنِ حربٍ، قال: حدَّثنا أبي، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ، قال: حدَّثنا سفيانُ، قال: حدَّثنا منصورٌ وسليمانُ الأعمشُ، عن إبراهيمَ، عن عَبيدةَ، عن عبدِ الله بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "خيرُ النَّاسِ قَرْنِي" (٣). وأخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: أخبَرنا أبو قِلابةَ عبدُ الملكِ بنُ محمدٍ الرَّقَاشِيُّ، قال: حدَّثنا أَزهَرُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ عَونٍ، عن إبراهيمَ، عن عَبِيدةَ، عن عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "خيرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهُم"، قال: لا أدْرِى أذكَر رسولُ اللهِ ﷺ بَعدَ قَرْنِهِ قَرْنَينِ أو ثلاثةً (٤).

стр. 165

وروَى هذا الحديثَ عن النَّبِيِّ ﷺ عمرُ بنُ الخطابِ (١)، وعِمْرانُ ابنُ حُصَيْنٍ (٢)، والنُّعمانُ بنُ بَشِيرٍ (٣)، وبُرَيدةُ الأَسلَمِيُّ (٤)، وجَعْدَةُ بنُ هُبَيرةَ (٥)، وأبو هريرةَ ﵃ (٦). أخبَرني عبدُ الوارثِ بنُ سُفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، حدَّثَنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا حَمَّادُ

стр. 166

ابنُ سَلَمَةَ، عن أبِي محمدٍ، عن زُرَارةَ بنِ أَوفَى، قال: القَرْنُ مائةٌ وعشرون سنةً (١). أخبَرنا أبو عبدِ اللهِ محمدُ بنُ خليفةَ (٢)، قال: حدَّثَنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ الحُسَينِ البَغداديُّ بِمَكَّةَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ يزيدَ الرِّفاعِيُّ أبو هشامٍ، ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقِيُّ، والحسنُ بنُ عرفةَ، قالوا: حدَّثنا أبو بكرِ ابنُ عَيَّاشٍ، قال: أخبَرنا عاصمٌ، عن زِرِّ بنِ حُبَيشٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، قال: إنَّ اللهَ نظَر في قُلُوبِ العِبادِ فوجَد قلبَ محمدٍ ﷺ خيرَ [قُلوبِ العِبادِ] (٣)، فاصْطَفاه وبعَثه بِرسالتِه، ثمَّ (٤) نظَر في قُلُوبِ العِبادِ بعدَ قلبِ محمدٍ ﷺ ، فوجَد قُلوبَ أصحابِه خيرَ قُلُوبِ العِبادِ، فجعَلهم وُزَراءَ نَبِيِّهِ ﷺ يُقاتِلون عن دينِه (٥).

стр. 167

وروَى السُّدِّيُّ، عن أبي مالكٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ في قولِ اللهِ : ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ [النمل: ٥٩]، قال: أصحابُ محمدٍ ﷺ (١). وقاله السُّدِّيُّ، والحسنُ البَصرِيُّ، وابنُ عُيَينةَ، والثَّوريُّ (٢). أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدَّثنا أبو هِلالٍ الرَّاسِبِيُّ، عن قتادةَ، قال: قلتُ لِسَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: يا أبا محمدٍ، ما فَرَّقَ بينَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ؟ يعني: وغيرِهِم، قال: فَرَّقَ بينَهما القِبْلتانِ؛ فمَن صَلَّى القِبلَتَينِ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، فهو مِن المهاجِرِين الأَوَّلِينَ (٣). وذكَر مالكٌ، عن يحيى بنِ سعيدٍ، [عن سعيدِ] (٤) بنِ المُسَيَّبِ، قال: صَلَّى رسولُ اللهِ ﷺ إلى بيتِ المَقْدِسِ ستةَ عَشَرَ شَهرًا، ثمَّ حُوِّلَ

стр. 168

إلى الكعبةِ (١) قبلَ بدرٍ بشَهْرينِ (٢). وقال محمدُ ابنُ الحنفيَّةِ: السَّابقُونَ الأوَّلُونَ منَ المُهَاجرينَ والأنصَارِ: مَن صلَّى القِبلَتَينِ (٣). وقاله سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ وابنُ سيرينَ. ذكَر سُنَيدٌ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ (٤)، قال: حدَّثنا أَشعَثُ، قال: سَمِعتُ محمدَ بنَ سيرينَ يقولُ في قولِه تعالى ذكرُه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾. قال: هُمُ الذينَ صَلَّوُا القِبلَتَينِ (٥). قال سُنَيدٌ: وأخبَرنا وكيعٌ، عن أبي هلالٍ، عن قتادةَ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ مثلَه (٦). قال: وحدَّثَنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا داودُ، بنُ أبي هندٍ، عن الشَّعبِيِّ، قال: فصْلُ ما بينَ المُهاجِرِينَ الأوَّلينَ وسائرِ المُهَاجِرِينَ بيعةُ الرِّضوانِ يومَ الحُديبيةِ (٧).

стр. 169

قال: وأخبرَنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا منصورٌ، عن الحَسَنِ، قال: فَرَقُ ما بينَهم فتحُ مَكَّةَ (١). قال: وأخبَرنا شيخٌ، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرظيِّ وعطاءٍ في قولِه : ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾. قالا (٢): أهلُ بدرٍ (٣). حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدٍ، حدَّثنا الحسنُ بنُ إسماعيلَ، حدَّثَنا عبدُ الملك بنُ بَحْرٍ، حدَّثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بنِ سالمٍ، حدَّثنا سُنَيدٌ، قال: حدَّثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه : ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ﴾ الآية [الصف: ١٤]. قال: قد كان ذلك بحمدِ اللهِ تعالى، جاءه (٤) سبعونَ رجلًا فبايَعُوه عندَ العقبةِ، فنصَرُوه وآوَوْه حتى أظهَر اللهُ دِينَه، قال: ولم يُسَمَّ حَيٌّ مِن النَّاسِ باسمٍ لم يَكُنْ لهم إلَّا هُم (٥). قال سُنَيدٌ: وأخبَرنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن أيوبَ، عن

стр. 170

عكرمةَ، وحَجَّاجٍ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن عكرمةَ، قال: لَقِيَ النَّبيُّ ﷺ نَفَرًا مِن الأنصارِ سِتَّةً فآمَنوا به وصدَّقوا (١)، فأرَاد أن يَذْهَبَ معهم، فقالوا: إنَّ بينَنا (٢) حَرْبًا، وإنَّا نخافُ إن جِئْتَنا على هذه الحالِ ألَّا يَتَهَيَّأَ (٣) الذي تُرِيدُ، فوَاعَدُوه العامَ المُقبِلَ، وقالوا: نَذْهَبُ؛ لعلَّ اللهَ يُصلِحُ تلك الحربَ، [ففعَلوا، فأصلَح اللهُ تلك الحربَ] (٤)، وذلك يومَ بُعَاثٍ (٥)، وكانوا يرَون أنَّها لا تُصْلَحُ، فَلَقُوه العامَ المُقبِلَ سبعونَ رجلًا قد كانوا آمَنوا به، فأخَذ منهم النُّقَبَاءَ اثْنَيْ عَشَرَ رجلًا (٦). أخبرَنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، [قال: حدَّثنا عفَّانٌ] (٧) وموسى بنُ إسماعيلَ، قالا: حدَّثنا مَهديُّ بنُ مَيْمُونٍ، قال: سَمِعتُ غَيْلانَ بنَ جَرِيرٍ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: يا أبا حمزةَ، أرأيتَ اسمَ الأنصارِ، اسمٌ

стр. 171

سَمَّاكُمُ اللهُ به أم أنتُم كنتُم تُسَمَّونَ به (١)؟ قال: بل اسمٌ سَمَّانا اللهُ به (٢). قال أبو عمرَ ﵁: إنَّما وضَع الله أصحابَ رسولِه الموضعَ الذي وضَعهم فيه بِثَنائِه عليهم مِن العدالةِ والدِّينِ والأمانةِ؛ لِتَقومَ الحُجَّةُ على جميعِ أهلِ المِلَّةِ بما أَدَّوْه عن نَبِيِّهِم صلى اللهُ عليه مِن فريضةٍ وسُنَّةٍ، فصَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ ورَضِيَ عنهم أجمَعِينَ، فنِعمَ العَونُ كانوا له على الدِّينِ في تَبْلِيغِهم عنه إلى مَن بَعدَهُم مِن المسلمين. أخبَرنا أبو محمدٍ عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ أسدٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ ابْنُ مَسْرورٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ مُغيثٍ (٣)، قال: حدَّثنا الحسينُ بنُ الحسنِ، قال: حدثنا عبدُ اللهِ بنُ المُبارَكِ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ المَكِّيُّ، عن الحسنِ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ مثلَ (٤) أصحابِي في أُمَّتِي كالمِلْحِ في الطَّعامِ، لا يَصْلُحُ الطَّعامُ إلَّا بالمِلْحِ". قال الحسنُ: فقد ذهَبَ مِلْحُنا، فكيف نَصْلُحُ؟ (٥).

стр. 172

وأخبَرناه أحمدُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثَنا محمدُ بنُ إسماعيلَ التَّرمِذِيُّ، قال: حدَّثنا نُعَيمُ بنُ حَمَّادٍ، قال: حدَّثنا ابنُ المُبارَكِ، فذكَره بإسنادِه سواءً. وروَى ابنُ وهبٍ عن مالكٍ، قال: عِدَّةُ النُّقَباءِ اثنَا عَشَرَ رجلًا؛ تِسعةٌ مِن الخَزْرجِ، وثلاثةٌ مِن الأوسِ (١). وقد وصَف رسولُ اللهِ ﷺ وُجُوهَ أصحابِه وحَلَّاهُم بِحُلَاهُم؛ لِيُقْتَدى به ﷺ فيهم بِمِثلِ ذلك. [وفيما رَواه شيخُنا] (٢) عيسى بنُ سعيدِ بن سَعْدانَ المُقْرِئُ (٣)، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ شاذانَ، قال: حدَّثنا أبو محمدٍ يحيى ابنُ محمدِ بنِ صاعدٍ، [و أخبرنا به أبو عثمانَ (٤) سعيدُ بنُ عثمانَ، قال: حدَّثَنَا أَحمدُ بنُ دُحيمٍ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ محمدِ بنِ صاعدٍ] (٥)، قال:

стр. 173

حدَّثنا محمدُ بنُ عُبَيدِ بنِ ثَعْلبةَ العامِرِيُّ بالكوفةِ، قال: حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ عبدِ الرحمنِ أبو يحيى الحِمَّانيُّ، قال: حدَّثنا أبو سعدٍ (١) الأعْورُ، يَعْنِي البَقَّالَ، وكان مَولًى لحُذَيفةَ، قال: حدَّثَنا شيخٌ مِن الصَّحابةِ يُقالُ له: أبو مِحْجَنٍ، أَو مِحْجَنُ بنُ فُلانٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "إنَّ أَرأفَ أُمَّتي بأُمَّتي أبو بكرٍ، وأَقْواها في أمرِ اللهِ عمرُ، وأَصْدَقَها حَيَاءً عثمانُ، وأَقْضَاها عَلِيٌّ، وأَقرَأَها أُبَيٌّ، وأفرَضَها زيدٌ، وأعلمَهم (٢) بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ، ولكلِّ أُمَّةٍ أمينٌ، وأمينُ هذه الأُمَّةِ أبو عُبَيدةَ بنُ الجَرَّاحِ" (٣). وروَى عَفَّانُ بنُ مُسلمٍ، قال: حدَّثنا شُعبةٌ ووُهَيبٌ، واللَّفْظُ لحديثِ وُهَيبٍ، قال: حدَّثنا خالدٌ الحَذَّاءُ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسِ ابنِ مالكٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "أرحَمُ أُمَّتِي بأُمَّتِي أبو بكرٍ"، فذكَر مِثلَه، إلَّا أنَّه لم يَذكُرْ: "وأَقْضاهُم عليٌّ" (٤).

стр. 174

وروَى حَمَّادُ بنُ زيدٍ، عن عاصمٍ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَرحَمُ النَّاسِ بِالنَّاسِ -أو قال: أَرحَمُ أُمَّتِي بأُمَّتِي- أبو بكرٍ"، فذكَر مثلَه إلى آخرِه (١). وروَى يزيدُ بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا مُسلِمُ بنُ عُبَيدٍ، عن الحسنِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "عَلِيٌّ أَقضَى أُمَّتِي، وأُبَيٌّ أَقْرَؤُهُم، وأبو عُبيَدةَ آمَنُهم (٢) "، ذكره الحُلوَانِيُّ عن يزيدَ بنِ هارونَ (٣). ورُوِيَ عن عمرَ ﵁ مِن وُجُوهٍ: عَلِيٌّ أَقضَانا، وأبَيٌّ أقرَؤُنا (٤). وقد أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيرٍ، حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ يونُسَ، قال: حدَّثنا سَلَّامٌ، عن زيدٍ العَمِّيِّ، عن أبي الصِّدِّيقِ النَّاجِيِّ، عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "أَرحَمُ أُمَّتِي بها أبو بكرٍ، وأَقْوَاهُم في دينِ اللهِ عمرُ، وأَصدَقُهُم حَياءً عثمانُ، وأَقضَاهُم عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وأفرَضُهُم زيدٌ، وأَقرَؤُهُم لكِتَابِ اللهِ أُبَيُّ بنُ كعبٍ، وأعلمُهم بالحلالِ والحرامِ معاذُ بنُ جبلٍ، وأَمِينُ هذه الأُمَّةِ أبو عُبَيدةَ ابنُ الجَرَّاحِ، وأبو هريرةَ وِعَاءٌ لِلعِلمِ- أو قال: وِعاءُ العِلمِ- وعندَ

стр. 175

سلمانَ عِلْمٌ لا يُدرَكُ، وما أَظَلَّتِ الخَضْرَاءُ ولا أَقَلَّتِ الغَبْراءُ (١) مِن ذي لَهجَةٍ أصدقَ مِن أبِي ذَرٍّ" (٢). قال أبو عمرَ ﵁: فَضَّلَ رسولُ اللهِ ﷺ جماعةً مِن أصحابِه ﵃ بفَضائِلَ، خَصَّ كلَّ واحدٍ منهم بفَضِيلةٍ وَسَمَه بها، وذكَره فيها، ولم يأتِ عنه ﷺ أنَّه فَضَّلَ منهم واحِدًا على صاحبِه بعَينِه مِن وَجْهٍ يَصِحُّ، ولكنَّه ذكَر مِن فضائلِهم ما يُسْتَدَلُّ به على مواضِعِهم ومنازِلهم مِن الفضلِ والدِّينِ والعِلمِ، وكان ﷺ أَحلَمَ وأكرَمَ مُعاشَرةً، وأعلَمَ بمَحاسِنِ الأخلاقِ مِن أن يُواجِهَ فاضِلًا منهم بأنَّ غيرَه أفضلُ منه، فيَجِدَ مِن ذلك في نفسِه، بل فَضَّلَ السَّابقِينَ منهم وأهلَ الاختِصاصِ به على مَن لم يَنَلْ مَنازِلَهم، فقال لهم: "لو أَنفَقَ أحدُكُم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِم ولا نَصِيفَه" (٣)، وهذا مِن معنى قولِ اللهِ تعالى (٤): ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، ومُحالٌ أَن يَستَوِيَ مَن قاتَله رسولُ اللهِ ﷺ مع (٥) مَن قاتَل عنه.

стр. 176

وقال رسولُ اللهِ ﷺ لبعضِ مَن لم يَشهَدْ بدرًا وقد رَآه يمشِي بينَ يَدَي أبي بكرٍ ﵁: "تَمْشِي بينَ يَدَيْ مَن هو خيرٌ مِنكَ؟ " (١)، وهذا لأَنَّه قد كان أعلمَنا (٢) ذلك في الجملةِ لمَن شهِد بدرًا والحُدَيبِيةَ. ولكُلِّ طبقةٍ منهم منزِلةٌ معروفةٌ وحالٌ مَوصوفةٌ، وسنذكُرُ في بابِ كلِّ واحدٍ منهم ما بَلَغَنا مِن [ذلك عنهم] (٣) إن شاءَ اللهُ تعالى. وبعدُ، فإنَّ العلمَ مُحِيطٌ بأنَّ السُّنَنَ أحكامٌ جاريةٌ على المرءِ في دِينِه في خاصَّةِ نفسِه وفي أهلِه ومالِه، ومعلومٌ أنَّ مَن حُكِمَ بقولِه، وقُضِيَ بشَهادَتِه، فلا بُدَّ مِن معرفةِ اسمِه ونَسبِه وعَدالَتِه والمعرفةِ بحالتِه، ونحنُ وإن كان الصَّحابةُ ﵃ قد كُفِينا البحثَ عن أحوالِهم؛ لإجماعِ أهلِ الحقِّ مِن المسلمين، وهم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، على أنَّهم كُلَّهم عُدُولٌ، فواجِبٌ الوقوفُ على أسمائِهم، والبحثُ عن سِيَرِهم وأحوالِهِم؛ ليُهْتَدَى (٤) بهَدْيِهِم؛ فَهُم خيرُ مَن سُلِكَ سبيلُه، واقتُدِي به، وأَقَلُّ ما في ذلك معرفةُ المُرسَلِ مِن المُسنَدِ، وهو عِلمٌ جَسِيمٌ لا يُعْذَرُ أحدٌ يُنسَبُ إلى علمِ الحديثِ بجَهلِه، ولا خلافَ

стр. 177

عَلِمْتُه بينَ العلماءِ أنَّ الوقوفَ على معرفةِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن أَوكَدِ علمِ الخاصَّةِ، وأرفعِ عِلمِ (١) الخبرِ، وبه سادَ أهلُ السِّيَرِ. وما أَظُنُّ أهلَ دِينِ مِن الأديانِ إلَّا وعلماؤُهم مُعتَنُون (٢) بمعرفةِ أصحابِ أنبيائِهِم؛ لأنَّهم الواسطةُ بينَ النَّبِيِّ وأُمَّتِه. وقد جمَع قومٌ مِن العلماءِ في ذلك كُتُبًا صَنَّفُوها، فنَظَرتُ إلى كثيرٍ ممَّا صنَّفُوه (٣) في ذلك، وتأمَّلْتُ ما أَلَّفُوه، فرَأيتُهم ﵏ قد طَوَّلوا في بعضِ ذلك وأكثَروا مِن تَكْرَارِ الرَّفعِ في الأنسابِ ومخارجِ الرِّواياتِ، وهذا -وإنْ كان له وَجهٌ- فهو تَطوِيلٌ على مَن أَحَبَّ علمَ ما يُعْتَمَدُ عليه مِن أسمائِهم ومعرفتِهم، وهم مع ذلك قد أضرَبوا عن التَّنبِيهِ على عُيُونِ أخبارِهم التي يُوقَفُ بها على مَرَاتِبِهم، ورأيتُ كلَّ واحدٍ منهم قد وصَل إليه مِن ذلك شيءٌ ليس عندَ صاحبِه، فرأيتُ أنْ أَجمَعَ ذلك وأَختصِرَه، وأُقَرِّبَه على مَن أرادَه. وأَعتَمِدُ في ذلك على النُّكتِ التي هي البُغْيَةُ مِن المعرفةِ بهم، وأُشِيرُ إلى ذلك بأَلطفِ ما يُمكِنُ، وأَذكُرُ عُيُونَ فضائلِ ذي الفضلِ (٤) منهم وسابِقتَه ومَنزِلتَه، وأُبَيِّنُ مَراتِبَهم بأَوجزِ ما تَيسَّر وأَبلَغِه، ليَستَغنِيَ اللَّبِيبُ بذلك، ويَكفِيَه عن قراءةِ التَّصنِيفِ الطَّويلِ فيه،

стр. 178

وجعَلتُه على حُروفِ المُعجمِ؛ ليَسهُلَ على مَن ابتَغاه، ويَقْرُبَ تَناوُلُه على طالبِ ما أَحَبَّ منه (١)، رجاءَ ثوابِ اللهِ ، وإلى اللهِ تعالى أَرغَبُ في سلامةِ النِّيَّةِ وحُسنِ العونِ على ما يَرْضَاه؛ فإنَّ ذلك به (٢) لا شَرِيكَ له. وأَرجُو أنْ يكونَ كِتَابي هذا أكثرَ كُتُبِهِم تَسْمِيةً، وأَعظمَهَا فائدةً، وأَقَلَّها مَئُونةً، على أنِّي لا أَدَّعِي الإحاطةَ، بل أعتَرِفُ بالتَّقصيرِ الذي هو الأَعْلَبُ على النَّاسِ، وباللهِ أَستَعِينُ، وهو حَسْبِي وَنِعْمَ الوَكيلُ. واعتَمَدْتُ في هذا الكتابِ على الكُتُبِ المشهورةِ عندَ أهلِ العلمِ بالسِّيرِ (٣) والأنسابِ، وعلى التَّوَارِيخِ المعروفةِ التي عليها عَوَّلَ العلماءُ في معرفةِ أيَّامِ الإسلامِ وسِيَرِ أهلِه. فما كان في كتابي هذا عن موسى بنِ عقبةَ فمِن طَرِيقَينِ: أحدُهما: ما حَدَّثَني به عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، عن قاسمِ بنِ أصبغَ، عن مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن يعقوبَ بن حُميدِ بنِ كاسبٍ، عن محمدِ بنِ فُلَيحٍ، عن موسى بنِ عُقبةَ. وحدَّثَني به خلفُ بنُ قاسمٍ، عن أبي الحسنِ عليِّ بنِ العَبَّاسِ بنِ

стр. 179

محمَّدِ بنِ عبدِ الغَفَّارِ يُعرَفُ بابنِ ألْوَنَ (١) المصرِيِّ، عن جعفرِ بنِ سُليمانَ النَّوفَلِيِّ، عن إبراهيمَ بن المُنذِرِ الحِزَامِيِّ، عن محمدِ بنِ فُلَيحٍ، عن موسى بنِ عُقبةَ. وحدَّثني أيضًا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، عن قاسمٍ، عن ابنِ أبي خَيثمةَ في "كتابِه"، عن إبراهيمَ بنِ المُنذِرِ، عن محمدِ بنِ فُلَيحٍ، عن موسى بنِ عقبةَ. وما كانَ فيه عن ابنِ إسحاقَ (٢) فقَرَأْتُه على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ، عن قاسمِ بن أَصْبَغَ، عن عُبَيدِ بنِ عبدِ الواحدِ البَزَّارِ (٣). وعن ابنِ أبي خَيثَمةَ (٤) أيضًا (٥) من كتابِه، جميعًا عن أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أَيُّوبَ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ.

стр. 180

وقرأتُه على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ أيضًا، عن قاسمِ بنِ أصبغَ، عن محمدِ بنِ عبدِ السَّلامِ الخُشَنِيِّ، عن محمدِ بنِ [عبدِ اللهِ بنِ] (١) عبدِ الرَّحِيمِ البَرقِيِّ، عن عبدِ الملكِ بن هشامٍ النَّحوِيِّ، عن زيادِ بنِ عبدِ اللهِ البَكَّائِيِّ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ. وقرأتُه أيضًا على (٢) عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ يوسفَ (٣)، عن محمدِ ابنِ أحمدَ بنِ يحيى بنِ مُفَرِّجٍ، عن ابنِ الأعرابِيِّ، عن أحمدَ بنِ عبدِ الجَبَّارِ العُطَارِدِيِّ، عن يونسَ بنِ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ. وأخبَرني به خلفُ بنُ قاسمٍ (٤)، قال: حدَّثنا أبو محمدِ بنُ الوَردِ، وهو عبدُ اللهِ [بْنُ جعفرِ بنِ محمدِ] (٥) بنِ الوَرْدِ، عن أبي سعيدٍ عبدِ الرَّحيمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحيمِ، عن عبدِ الملكِ بنِ هشامٍ، عن زيادِ بنِ عبدِ اللهِ البَكَّائِيِّ، عن عن ابنِ إسحاقَ.
следующие страницы →