← Тараджим

Тараджим · id 1499

الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ت التركي

ابن عبد البر

Полный текст (4 471 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وقال رسولُ اللهِ ﷺ لبعضِ مَن لم يَشهَدْ بدرًا وقد رَآه يمشِي بينَ يَدَي أبي بكرٍ ﵁: "تَمْشِي بينَ يَدَيْ مَن هو خيرٌ مِنكَ؟ " (١)، وهذا لأَنَّه قد كان أعلمَنا (٢) ذلك في الجملةِ لمَن شهِد بدرًا والحُدَيبِيةَ. ولكُلِّ طبقةٍ منهم منزِلةٌ معروفةٌ وحالٌ مَوصوفةٌ، وسنذكُرُ في بابِ كلِّ واحدٍ منهم ما بَلَغَنا مِن [ذلك عنهم] (٣) إن شاءَ اللهُ تعالى. وبعدُ، فإنَّ العلمَ مُحِيطٌ بأنَّ السُّنَنَ أحكامٌ جاريةٌ على المرءِ في دِينِه في خاصَّةِ نفسِه وفي أهلِه ومالِه، ومعلومٌ أنَّ مَن حُكِمَ بقولِه، وقُضِيَ بشَهادَتِه، فلا بُدَّ مِن معرفةِ اسمِه ونَسبِه وعَدالَتِه والمعرفةِ بحالتِه، ونحنُ وإن كان الصَّحابةُ ﵃ قد كُفِينا البحثَ عن أحوالِهم؛ لإجماعِ أهلِ الحقِّ مِن المسلمين، وهم أهلُ السُّنَّةِ والجماعةِ، على أنَّهم كُلَّهم عُدُولٌ، فواجِبٌ الوقوفُ على أسمائِهم، والبحثُ عن سِيَرِهم وأحوالِهِم؛ ليُهْتَدَى (٤) بهَدْيِهِم؛ فَهُم خيرُ مَن سُلِكَ سبيلُه، واقتُدِي به، وأَقَلُّ ما في ذلك معرفةُ المُرسَلِ مِن المُسنَدِ، وهو عِلمٌ جَسِيمٌ لا يُعْذَرُ أحدٌ يُنسَبُ إلى علمِ الحديثِ بجَهلِه، ولا خلافَ

стр. 177

عَلِمْتُه بينَ العلماءِ أنَّ الوقوفَ على معرفةِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ مِن أَوكَدِ علمِ الخاصَّةِ، وأرفعِ عِلمِ (١) الخبرِ، وبه سادَ أهلُ السِّيَرِ. وما أَظُنُّ أهلَ دِينِ مِن الأديانِ إلَّا وعلماؤُهم مُعتَنُون (٢) بمعرفةِ أصحابِ أنبيائِهِم؛ لأنَّهم الواسطةُ بينَ النَّبِيِّ وأُمَّتِه. وقد جمَع قومٌ مِن العلماءِ في ذلك كُتُبًا صَنَّفُوها، فنَظَرتُ إلى كثيرٍ ممَّا صنَّفُوه (٣) في ذلك، وتأمَّلْتُ ما أَلَّفُوه، فرَأيتُهم ﵏ قد طَوَّلوا في بعضِ ذلك وأكثَروا مِن تَكْرَارِ الرَّفعِ في الأنسابِ ومخارجِ الرِّواياتِ، وهذا -وإنْ كان له وَجهٌ- فهو تَطوِيلٌ على مَن أَحَبَّ علمَ ما يُعْتَمَدُ عليه مِن أسمائِهم ومعرفتِهم، وهم مع ذلك قد أضرَبوا عن التَّنبِيهِ على عُيُونِ أخبارِهم التي يُوقَفُ بها على مَرَاتِبِهم، ورأيتُ كلَّ واحدٍ منهم قد وصَل إليه مِن ذلك شيءٌ ليس عندَ صاحبِه، فرأيتُ أنْ أَجمَعَ ذلك وأَختصِرَه، وأُقَرِّبَه على مَن أرادَه. وأَعتَمِدُ في ذلك على النُّكتِ التي هي البُغْيَةُ مِن المعرفةِ بهم، وأُشِيرُ إلى ذلك بأَلطفِ ما يُمكِنُ، وأَذكُرُ عُيُونَ فضائلِ ذي الفضلِ (٤) منهم وسابِقتَه ومَنزِلتَه، وأُبَيِّنُ مَراتِبَهم بأَوجزِ ما تَيسَّر وأَبلَغِه، ليَستَغنِيَ اللَّبِيبُ بذلك، ويَكفِيَه عن قراءةِ التَّصنِيفِ الطَّويلِ فيه،

стр. 178

وجعَلتُه على حُروفِ المُعجمِ؛ ليَسهُلَ على مَن ابتَغاه، ويَقْرُبَ تَناوُلُه على طالبِ ما أَحَبَّ منه (١)، رجاءَ ثوابِ اللهِ ، وإلى اللهِ تعالى أَرغَبُ في سلامةِ النِّيَّةِ وحُسنِ العونِ على ما يَرْضَاه؛ فإنَّ ذلك به (٢) لا شَرِيكَ له. وأَرجُو أنْ يكونَ كِتَابي هذا أكثرَ كُتُبِهِم تَسْمِيةً، وأَعظمَهَا فائدةً، وأَقَلَّها مَئُونةً، على أنِّي لا أَدَّعِي الإحاطةَ، بل أعتَرِفُ بالتَّقصيرِ الذي هو الأَعْلَبُ على النَّاسِ، وباللهِ أَستَعِينُ، وهو حَسْبِي وَنِعْمَ الوَكيلُ. واعتَمَدْتُ في هذا الكتابِ على الكُتُبِ المشهورةِ عندَ أهلِ العلمِ بالسِّيرِ (٣) والأنسابِ، وعلى التَّوَارِيخِ المعروفةِ التي عليها عَوَّلَ العلماءُ في معرفةِ أيَّامِ الإسلامِ وسِيَرِ أهلِه. فما كان في كتابي هذا عن موسى بنِ عقبةَ فمِن طَرِيقَينِ: أحدُهما: ما حَدَّثَني به عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، عن قاسمِ بنِ أصبغَ، عن مُطَرِّفِ بنِ عبدِ الرَّحمنِ، عن يعقوبَ بن حُميدِ بنِ كاسبٍ، عن محمدِ بنِ فُلَيحٍ، عن موسى بنِ عُقبةَ. وحدَّثَني به خلفُ بنُ قاسمٍ، عن أبي الحسنِ عليِّ بنِ العَبَّاسِ بنِ

стр. 179

محمَّدِ بنِ عبدِ الغَفَّارِ يُعرَفُ بابنِ ألْوَنَ (١) المصرِيِّ، عن جعفرِ بنِ سُليمانَ النَّوفَلِيِّ، عن إبراهيمَ بن المُنذِرِ الحِزَامِيِّ، عن محمدِ بنِ فُلَيحٍ، عن موسى بنِ عُقبةَ. وحدَّثني أيضًا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، عن قاسمٍ، عن ابنِ أبي خَيثمةَ في "كتابِه"، عن إبراهيمَ بنِ المُنذِرِ، عن محمدِ بنِ فُلَيحٍ، عن موسى بنِ عقبةَ. وما كانَ فيه عن ابنِ إسحاقَ (٢) فقَرَأْتُه على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ، عن قاسمِ بن أَصْبَغَ، عن عُبَيدِ بنِ عبدِ الواحدِ البَزَّارِ (٣). وعن ابنِ أبي خَيثَمةَ (٤) أيضًا (٥) من كتابِه، جميعًا عن أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أَيُّوبَ، عن إبراهيمَ بنِ سعدٍ، عن ابنِ إسحاقَ.

стр. 180

وقرأتُه على عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ أيضًا، عن قاسمِ بنِ أصبغَ، عن محمدِ بنِ عبدِ السَّلامِ الخُشَنِيِّ، عن محمدِ بنِ [عبدِ اللهِ بنِ] (١) عبدِ الرَّحِيمِ البَرقِيِّ، عن عبدِ الملكِ بن هشامٍ النَّحوِيِّ، عن زيادِ بنِ عبدِ اللهِ البَكَّائِيِّ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ. وقرأتُه أيضًا على (٢) عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ يوسفَ (٣)، عن محمدِ ابنِ أحمدَ بنِ يحيى بنِ مُفَرِّجٍ، عن ابنِ الأعرابِيِّ، عن أحمدَ بنِ عبدِ الجَبَّارِ العُطَارِدِيِّ، عن يونسَ بنِ بُكَيرٍ، عن ابنِ إسحاقَ. وأخبَرني به خلفُ بنُ قاسمٍ (٤)، قال: حدَّثنا أبو محمدِ بنُ الوَردِ، وهو عبدُ اللهِ [بْنُ جعفرِ بنِ محمدِ] (٥) بنِ الوَرْدِ، عن أبي سعيدٍ عبدِ الرَّحيمِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الرَّحيمِ، عن عبدِ الملكِ بنِ هشامٍ، عن زيادِ بنِ عبدِ اللهِ البَكَّائِيِّ، عن عن ابنِ إسحاقَ.

стр. 181

وما كان فيه عن الواقديِّ (١)، فأمَّا كتابُ "الطبقاتِ" له (٢) فقرَأتُه على (٣) أحمدَ بنِ قاسمِ (٤) التَّاهَرَتِيِّ، عن محمدِ بنِ معاويةَ (٥) القُرَشِيِّ، عن إبراهيمَ بنِ موسى بنِ جميلٍ، عن محمدِ بن سعدٍ كاتبِ الواقديِّ، عن الواقديِّ. وأمَّا "تاريخُ الواقديِّ" فأخبَرني به خلفُ بنُ قاسمٍ، عن أبي الحسنِ عليِّ بنِ العَبَّاسِ بنِ ألْوَنَ، عن جعفرِ بنِ سليمانَ النَّوفَلِيِّ، عن إبراهيمَ بنِ المُنذِرِ الحِزَامِيُّ، عن الواقديِّ. وما كان فيه عن خليفةَ بنِ خَيَّاطٍ (٦) فأخبَرني به أبو عمرَ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، عن أبيه، عن عبدِ اللهِ بن يونسَ، عن بَقِيِّ ابنِ مَخْلَدٍ، عنه (٧).

стр. 182

وقرأتُه أيضًا على أبي القاسمِ خلفِ بنِ سعيدٍ الشَّيخِ الصَّالِحِ (١)، عن أبي محمدٍ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ [بنِ عليٍّ (٢)، عن] (٣) عبدِ اللهِ بنِ يونسَ، عن بَقِيٍّ، عنه. وما كان فيه عن الزُّبَيرِ بنِ أبي بكرٍ (٤)، فأخبَرني به عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسُفَ، أحمدَ بنِ محمدِ بنِ إسماعيلَ، عن محمدِ بنِ الحسنِ الأنصاريِّ، عن الزُّبيرِ. وما كان فيه عن مُصعَبِ بنِ عبدِ اللهِ الزُّبيريِّ (٥)، وعن (٦) المَدَائنِيِّ،

стр. 183

فمن "كتابِ ابنِ أبي خَيثَمَةَ" عنهما. وكذلك ما كان فيه عن أبي مَعْشَرٍ (١) فمِن "كتابِ ابنِ أبي خَيْثَمَةَ" أيضًا: قَرَأْتُ جميعَه على أبي القاسمِ عبدِ الوارثِ بنِ سفيانَ بنِ جُبْرُونَ (٢)، عن أبي محمدٍ قاسمِ بنِ أصبغَ بن يوسُفَ البَيَّانيِّ، عن ابنِ أبي خَيثمةَ أبي بكرٍ أحمدَ بنِ زُهَيرِ بنِ حربٍ، وكُلُّ ما كان في كتابِي عن ابنِ أبي خَيثمةَ فبهذا الإسنادِ عنه. وما كان فيه عن البخاريِّ (٣)، فمِن كتابِه الكبيرِ في تاريخِ المُحَدِّثِينَ: قرأْتُه على أبي القاسمِ خلفِ بنِ قاسمِ بنِ سهلٍ الحافظِ، عن أبي الحسنِ [عليِّ بنِ محمدِ بن إسماعيلَ] (٤) الطُّوسِيِّ، عن أبي أحمدَ محمدِ بنِ سليمانَ بنِ فارسٍ، عن أبي عبدِ اللهِ محمدِ بنِ إسماعيلَ بنِ المُغِيرةِ البخاريِّ.

стр. 184

وما كان فيه مِن "تاريخِ أبي العَبَّاسِ محمدِ بنِ إسحاقَ بن إبراهيمَ السَّرَّاجِ (١) ": فأخبَرنا بأربعةِ أجزاءٍ منه أبو القاسمِ خلُف بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الطُّوسِيُّ عنه، وسائرُه إجازةٌ (٢). وما كان فيه لأبي جعفرٍ الطَّبرِيِّ (٣)، فمِن كتابِه المُسَمَّى "ذَيْلَ المُذَيَّلِ (٤) ": قرأْتُه على أبي عمرَ أحمدَ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ (٥)، عن أبي بكرٍ أحمدَ بنِ الفضلِ بنِ العَبَّاسِ الخَفَّافِ الدِّينَوَرِيِّ، عن الطَّبريِّ. وما كان فيه عن الدُّولابِيِّ (٦)، فمِن كتابِه في المَولِدِ والوَفَاةِ: حدَّثني به أبو القاسمِ خلفُ بنُ قاسمٍ، عن الحسنِ بنِ رَشِيقٍ، عن أبي البِشرِ (٧)

стр. 185

محمدِ بنِ أحمدَ بنِ حَمَّادٍ الدُّولابيِّ. وأمَّا ما فيه مِن تَسْمِيةِ الرُّوَاةِ مِن الصَّحابة ﵃ دونَ مَن قُتِلَ في المشاهدِ منهم، أو ماتَ على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ، أو أدرَكه بمَولِدِه، أو كانَتْ له رُؤْيةٌ أو لُقْيَةٌ، أو كان مُسلِمًا على عَهدِه ﷺ ولم يَرَه، فإنَّ هذه الطبقاتِ كثيرٌ منها مذكورٌ في الكُتُبِ التي قَدَّمنا ذكرَها. وما عَدَاهُم مِن الرُّوَاةِ خاصةً، فمِن كتابِ أبي عليٍّ سعيدِ بنِ عثمانَ ابنِ (١) السَّكَنِ الحافظِ (٢)، المعروفِ بكتابِ "الحروفِ في الصَّحابةِ": حدَّثني به أبو القاسمِ خلفُ بنُ قاسمٍ قرَاءةً عليَّ (٣) مِن كتابِه مِن أَوَّلِه إلى آخِرِه، حدَّثني به عن مُؤلِّفِه سَمَاعًا منه. ومِن كتابِ "الآحادِ" لأبي محمدٍ عبدِ اللهِ الجارُودِ (٤) في الصَّحابةِ: حدَّثني به أبو عمرَ أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بن محمدِ بن عليٍّ، عن أبيه، عن الحسنِ بن عبدِ اللهِ الزَّبيديِّ (٥)، عن ابنِ الجارُودِ، ومِن كتابِ

стр. 186

أبي جعفرٍ العُقَيليِّ محمدِ بنِ عمرِو بنِ موسى المَكِّيِّ (١) في الصَّحابةِ: أجازَه لي عبدُ اللهِ بنُ محمدِ بنِ يوسفَ أبو الوليدِ، عن أبي يعقوبَ يوسفَ ابنِ أحمدَ الصَّيدَلانِيِّ المَكِّيِّ، عن العُقَيلِيِّ، ومِن كتابِ ابنِ أَبي خَيْثَمَةَ أيضًا. وقد طالَعْتُ أيضًا كتابَ ابنِ أبي حاتمٍ الرَّازِيِّ (٢)، وكتابَ الأزرقِ والدُّولابِيِّ والبغوِيِّ (٣) في الصَّحابةِ. وفى كتابي هذا مِن غيرِ هذه الكُتُبِ مِن مَنثورِ الرِّواياتِ والفوائدِ والمُعَلَّقاتِ عن الشُّيُوخِ ما لا يَخْفَى على مُتَأمِّلٍ ذي عِنايَةٍ، والحمدُ للهِ (٤). ولم أَقتَصِرْ في هذا الكتابِ على ذكرِ مَن صَحَّتْ صُحبَتُه ومُجالَسَتُه

стр. 187

حتى ذكَرْنا مَن لَقِيَ النَّبيَّ ﷺ ، ولو لُقْيَةً واحدةً مُؤْمِنًا به، أو رَآه رُؤْيةً، أو سَمِعَ منه لَفظةً فأَدَّاها عنه، أو اتَّصَلَ ذلك بنا على حَسَبِ رِوايتِنا، وكذلك ذكَرْنا مَن وُلِد على عهدِه مِن أبَوَيْنِ مُسلِمَيْنِ، فَدَعَا له، أو نظَر إليه، وبرَّك (١) عليه، ونحوَ هذا، ومَن كان مُؤمِنًا به قد أَدَّى الصَّدقةَ إليه، ولم يَردْ عليه. وبهذا كلِّه يُستَكمَلُ القَرنُ الذي أشارَ إليه رسولُ اللهِ ﷺ ، على ما قاله عبدُ اللهِ بنُ أبي أَوْفَى صاحبُ رسولِ اللهِ ﷺ (٢). وقد ذكَرْنا أنسابَ القبائلِ الرُّوَاةِ مِن قُريشٍ والأنصارِ وسائرِ العربِ في كتابِ "الإنباهِ على القبائلِ الرُّواةِ"، وجَعَلْناه مَدْخَلًا لهذا الكتابِ؛ ليُغنِيَنا عن الرَّفعِ في الأنسابِ، ويُعِينَنَا على ما شَرَطْناه مِن الاختصارِ والتَّقرِيبِ، وباللهِ العونُ لا شريكَ له. ونبدَأُ بذكرِ رسولِ اللهِ ﷺ ، ونَقْتَصِرُ مِن خبرِه وسِيَرِه على النُّكَتِ التي يجبُ الوقوفُ عليها، ولا يَلِيقُ بذي علمٍ جَهْلُها، وتَحْسُنُ المُذاكَرةُ بها؛ لتَتِمَّ الفائدةُ للعالِم الرَّاغِبِ، والمُتعلِّم الطَّالِبِ، في التَّعريفِ بالمصحوبِ والصاحِبِ، مُخْتَصِرًا ذلك أيضًا مُوعِبًا، مُغْنِيًا عمَّا سِواه كافيًا، ثُمَّ نُتِبعُه ذكرَ الصَّحابةِ بابًا بابًا على حُرُوفِ المُعجمِ

стр. 188

على ما شَرطْنا مِن التَّقَصِّي والاستيعابِ، مع الاختِصارِ وتركِ التَّطويلِ والإكثارِ، وباللهِ أَصِلُ إلى ذلك كلِّه، وهو حَسْبِي، عليه تَوَكَّلْتُ وإليه أُنِيبُ. * * *

стр. 189

محمدٌ (١) رسولُ اللهِ ﷺ - لم يَختلف أهلُ العلمِ بالأنسابِ والأخبارِ، وسائِرُ العلماءِ بالأمصارِ، أنَّه ﷺ محمدُ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ بنِ هاشمِ بنِ عبدِ مَنافِ بن قُصَيِّ بنِ كِلابِ بن مُرَّةَ بن كعَبِ بن لُؤَيِّ بنِ غالبِ بنِ فِهْرِ بنِ مالكِ بنِ النَّضْرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزَيمةَ بنِ مُدْرِكةَ بنِ إِلياسَ بنِ مُضَرَ بنِ نِزارِ بنِ مَعَدِّ بنِ عدنانَ. هذا ما لم يختَلِفْ فيه أحدٌ مِن النَّاسِ، وقد رُوِي مِن أخبارِ الآحادِ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه نَسَبَ نفسَه كذلك إلى نِزَارِ بن مَعَدِّ بنِ عَدنانَ (٢)، وما ذَكرْنا مِن إجماعِ أهلِ السِّيرِ والعِلمِ (٣) بالأثَرِ يُغنِي عمَّا سِوَاه (٤). واختَلفوا فيما بينَ عَدْنانَ وإسماعيلَ بنِ إبراهيمَ ﵉، وفيما بينَ إبراهيمَ وبينَ سامِ بنِ نوحٍ، بما (٥) لم أَرَ لذكرِه هاهنا وجهًا؛

стр. 190

لكثرةِ الاضطرابِ فيه، وأنَّه لا يُوقَفُ منه على شيءٍ مُتَتابعٍ مُتَّفَقٍ عليه، وهُم مع (١) اختِلافِهم واضطرابِهم فيما ذَكَرْنا، مُجمِعون على أنَّ نِزَارًا بأَسرِها - وهي ربيعةُ ومُضَرُ - هي الصَّريحُ الصَّحِيحُ مِن ولدِ إِسماعِيلَ ﵇ على ما ذكَرْنا في كتابِ "القبائلِ مِن الرُّواةِ" عنه ﷺ ، وهناك ذكرْنا أَصحَّ ما قيل في نَسبِه إلى آدمَ ﵇ (٢). وقال أبو الأسودِ محمدُ بنُ عبدِ الرَّحمنِ، عن عُروَةَ بن الزُّبيرِ، قال: قال عمرُ بنُ الخَطَّابِ ﵁: إنَّما نَنْتَسِبُ إلى مَعَدٍّ، وما بعدَ مَعَدٍّ لا نَدرِي ما هو (٣)؟. وقال ابنُ جُرَيجٍ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّةَ، عن عكرمةَ: أَضَلَّتْ نِزَارٌ نَسَبَها مِن عدنانَ (٤). وقال خليفةُ بنُ خَيَّاطٍ (٥)، عن ابنِ (٦) الكَلبِيِّ، عن أبيه، عن أبي صالحٍ، عن ابنِ عبَّاسٍ: من مَعَدِّ بنِ عدنانَ إلى إسماعِيلَ ثلاثون أبًا. وليس هذا الإسنادُ ممَّا يُقْطَعُ بصِحَّتِه، ولكنَّه عمَّن عِلْمُ الأنسابِ صَنْعَتُه.

стр. 191

وأَمَّا عَشيرتُه ﷺ ورَهْطُه وبَطْنُه الذي يَتَمَيَّزُ به مِن سائرِ بُطُونِ قُريشٍ (١): فهاشِمٌ، وقد ذكَرْنا بالأسانيدِ الحِسَانِ قولَه ﷺ : "إِنَّ اللهَ اصطفَى كِنانةَ مِن ولدِ إسماعيلَ، واصطفَى قُريشًا مِن كِنانةَ، واصطفَى مِن قُريشٍ بني هاشمٍ، واصطَفَانِي مِن بني هاشمٍ" (٢)، في كتابِ "الإنباهِ على (٣) القبائِلِ الرُّواةِ" عن النَّبِيِّ ﷺ (٤)، وهو مُضافٌ إلى هذا الكتابِ، والحمدُ للهِ. واسمُ هاشمٍ عمرٌو، وإنَّما قيل له: هاشِمٌ؛ لأنَّه أَوَّلُ مَن هَشَمَ الثَّرِيدَ لقومِه فيما زعَموا، واسمُ قُصَيٍّ زيدٌ، وهذا هو الأكثرُ، وقد قيل: يزيدُ، وإنَّما قيل له: قُصَيٌّ؛ لأنَّه تَقَصَّى مع أُمِّه، فاطمةُ

стр. 192

بنتُ سعدٍ، من بني عُذْرَةَ، ونَشَأَ مع أخوالِه مِن كلبٍ في باديتِهم، وبَعُدَ في مَغِيبِه ذلك عن مَكَّةَ، فسُمِّيَ بذلك قُصَيًّا، واللهُ أعلمُ، وكان يُدْعَى مُجَمِّعًا؛ لأنه جَمَّعَ قبائلَ قُرَيْشٍ بمَكَّةَ في حينِ انصرافِه إليها، وقد ذكَرْنا ذلك في صَدْرِ كتابِ "القبائلِ" (١)، وقِيل: اسمُ عبدِ مَنَافٍ المُغِيرةُ، ويُكْنَى أبا عبدِ شَمسٍ. وأمَّا عبدُ المُطَّلِبِ، فقيل: اسمُه عامِرٌ، ولا يَصِحُّ، واللهُ أعلمُ. وقيل: اسمُه شَيْبةُ، وقيل: بل اسمُه عبدُ المُطَّلِبِ، وكان يُقال له: شَيْبةُ الحمدِ؛ لشَيْبَةٍ كانَتْ في ذُؤَابَتِه ظَاهِرةٍ، ومَن قال: اسمُه شَيْبةُ، قال: إنَّما قيل له: عبدُ المُطَّلِبِ؛ لأنَّ أباه هاشِمًا قال لأخيه المُطَّلِبِ وهو بمَكَّةَ حينَ حَضَرَتْه الوَفاةُ: أدرِكْ عبدَ (٢) المُطَّلِبِ بِيَثْرِبَ، فمِن هناك سُمِّيَ عبدَ المُطَّلِبِ (٣)، ولا يَختَلِفون أنَّه يُكْنَى أبا الحارثِ بابنِه الحارثِ، وكان أكبرَ ولدِه. وأُمُّه سَلْمَى بنتُ زيدٍ، وقيل: بنتُ عمرِو بنِ زيدٍ، من بني عَدِيِّ ابنِ النَّجَّارِ، ويُقالُ: إِنَّه أَوَّلُ مَن خَضَبَ بالسَّوَادِ.

стр. 193

أخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا أبو الحسنِ عليُّ بنُ محمدِ بنِ إسماعيلَ الطُّوسِيُّ، قال: حدَّثنا [أبو العَبَّاسِ] (١) محمدُ بنُ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ السَّرَّاجُ، قال: حدَّثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ سعدٍ الزُّهْرِيُّ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدِ بنِ حنبلٍ، قال: سمِعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: اسمُ عبدِ المُطَّلِبِ شَيبةُ بنُ هاشمٍ؛ وهاشمٌ اسمُه عمرُو بنُ عبدِ مَنافٍ، وعبدُ مَنافٍ اسمُه المُغِيرَةُ بنُ قُصَيٍّ، وقُصَيٌّ اسمُه زيدُ بنُ كِلابِ (٢) بنِ مُرَّةَ بنِ كعبِ بنِ لُؤَيٍّ، قال: وسَمِعتُ الشَّافِعِيَّ يقولُ: أبو طالبٍ اسمُه عبدُ مَنافِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ (٣). قال أبو عمرَ ﵁: وأُمُّ رسولِ اللهِ ﷺ آمِنَةُ بنتُ وهبِ بنِ عبدِ مَنافِ بنِ زُهْرةَ بن كِلابٍ، قُرَشِيَّةٌ زُهْرِيَّةٌ، تَزَوَّجَها عبدُ اللهِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وهو ابنُ ثلاثينَ سنةً، وقيل: بل كان يومَئذٍ ابنَ خمسٍ وعشرينَ سنةً، خرَج به أبوه عبدُ المُطَّلِبِ إلى وهبِ بنِ عبدِ مَنافٍ فزَوَّجَه ابنَتَه، وقيل: كانَتْ آمِنةُ في حَجْرِ عَمِّها وهَيبِ بنِ عبدِ مَنافِ ابنِ زُهْرَةَ، فأَتاه عبدُ المُطَّلِبِ، فخَطَبَ إليه ابنتَه هالةَ بنتَ وُهَيبٍ لنفسِه، وخطَب على ابنِه عبدِ اللهِ [ابنةَ أخيه] (٤) آمِنةَ بنتَ وهبٍ، فزَوَّجَه وزَوَّجَ

стр. 194

ابنَه في مَجلِسٍ واحدٍ، فَوَلَدَتْ آمِنةُ لعبدِ اللهِ رسولَ اللهِ ﷺ ، ووَلَدَتْ هالةُ لعبدِ المُطَّلِبِ حمزةَ، فأَرضَعَتْ رسولَ اللهِ ﷺ وحمزةَ ثُوَيبَةُ جاريةُ أبي لَهَبٍ، وأَرضَعَتْ معهما أبا سَلَمَةَ بن عبدِ الأَسَدِ، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يُكرِمُ ثُوَيبَةَ، وكانَتْ تَدخُلُ على النبيِّ ﷺ بعدَ أَنْ تَزوَّجَ خديجةَ، وكانَتْ خديجةُ تُكرِمُها، وأَعتَقَها أبو لَهبٍ بعدَ ما هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يَبْعَثُ إليها مِن المدينةِ بكِسوَةٍ وصِلَةٍ حَتَّى ماتَتْ بعدَ فتحِ خيبرَ، فَبَلَغَتْ وَفَاتُها النبيَّ ﷺ ، فسأَلَ عن ابنِها مَسْروحٍ، وبلَبنِه أَرضَعَتْهم، فقيلَ له: قد مات، فسألَ عن قَرَابَتِها؛ فقيل له: لم يَبْقَ منهم أحدٌ. حدَّثنا سعيدُ بن نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حَدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيْبَةَ، قال: حدَّثنا عليُّ ابنُ مُسْهِرٍ، عن ابنِ أبي عَرُوبةَ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أُرِيدَ على ابنةِ حمزةَ، فقال: "إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعةِ، وإنَّه يَحْرُمُ مِن الرَّضاعةِ ما يَحْرُمُ مِن النَّسَبِ" (١). وحدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا بكرُ بنُ حمّادٍ، قال: حدَّثنا مُسَدَّدٌ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ القَطَّانُ، عن شُعبَةَ، عن قتادةَ، عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ،

стр. 195

قال: قيل للنَّبيِّ ﷺ : أَلَا تَتَزَوَّجُ ابنةَ حمزةَ؟ قال: "إنَّها ابنةُ أخي مِن الرَّضاعةِ" (١). وحدَّثنا أحمدُ بنُ قاسمٍ وعبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قالا: حدَّثنا قاسمُ ابنُ أَصْبَغَ، قال: حدَّثنا الحارثُ بنُ أبي أُسامةَ، قال: حدَّثنا أبو النَّضرِ، قال: حدَّثنا الليثُ، عن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عن عِرَاكِ بنِ مالكٍ، أنَّ زينبَ بنتَ أبي سَلَمةَ أخبَرتْه، أنَّ أمَّ حبيبةَ، قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّا قد تَحَدَّثْنا أَنَّك ناكِحٌ دُرَّةَ (٢) بنتَ (٣) أَبي سَلَمَةَ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أعلى أمِّ سَلَمَةَ؟ لو أنِّي لم أَنكِحْ أُمَّ سَلَمةَ لم تَحِلَّ لي؛ إنَّ أَباها أخي مِن الرَّضاعةِ" (٤). ثُمَّ (٥) استُرضِعَ له ﷺ في (٦) بني سعدِ بنِ بكرٍ حَلِيمةُ بنتُ أبي ذُؤَيبٍ السَّعْدِيةُ، ورَدَّتْه ظِئْرُه حَلِيمةُ إِلى أُمِّه آمِنةَ بنتِ وهَبٍ بعد خمسِ

стр. 196

سنينَ ويومينِ مِن مَولِده، وذلك سنةَ سِتٍّ مِن عامِ الفِيلِ، فَأَخْرَجَتْه أُمُّه آمِنةُ إلى أخوالِ أبيه بني النَّجَّارِ تَزُورُهم به بعدَ سبعِ سنينَ مِن عامِ الفيلِ، وتُوُفِّيَتْ أُمُّه آمِنةُ بعدَ ذلك بشهرٍ بالأَبْوَاءِ (١) ومعها النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَدِمَتْ به أُمُّ أيمنَ مَكَّةَ بعد موتِ أُمِّهِ بخَمسةِ أيَّامٍ، وسنذكُرُ خبرَ حَلِيمةَ وخبرَ أُمِّ أيمنَ في بابَيْهما مِن (٢) كتابِ النِّساءِ (٣) إنْ شاء اللهُ تعالى. قال الزُّبَيرُ (٤): حَمَلَتْ (٥) به أُمُّه ﷺ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ في شِعْبِ أبي طالبٍ عندَ الجَمْرةِ الوُسْطَى، ووُلِدَ ﷺ بمَكَّةَ فِي الدَّارِ التي كانَتْ تُدْعَى لمُحمَّدِ بن يُوسُفَ أخي الحَجَّاجِ بنِ يوسفَ، وذلك يومَ الاثنَينِ لاثنتَي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِن شهرِ رمضانَ (٦)، وقيل: بل وُلِدَ يومَ الاثنَينِ في ربيعٍ الأوَّلِ لليلَتَينِ خَلَتَا منه. قال أبو عمرَ ﵁: وقد قيل: لثَمانٍ خَلَونَ منه، وقيل: إنَّه وُلِدَ (٧)

стр. 197

أَوَّلَ اثْنَيْنِ مِن ربيعٍ الأوَّلِ، وقيل: لاثنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ منه عامَ الفيلِ؛ إذْ ساقَه الحَبَشةُ إلى مَكَّةَ في جيشِهم يَغْزُونَ البيتَ، فرَدَّهم اللهُ عنه، وأرسَل عليهم طَيْرًا أبابيلَ فأَهلَكَهُم (١). وقيل: إنَّه وُلِد في شِعْبِ بني هاشمٍ. ولا خلافَ أنَّه وُلِد عامَ الفيلِ، فرُوِي عن ابنِ عبَّاسٍ، قال: وُلِد رسولُ اللهِ ﷺ يومَ الفيلِ (٢). وهذا يَحتَمِلُ أنْ يكونَ أرادَ اليومَ الذي حَبَسَ اللهُ الفيلَ فيه عن وَطْءِ الحَرَمِ (٣)، وأهلَكَ الذينَ جاءُوا به، ويَحتَمِلُ أن يكونَ أرادَ بقولِه: يومَ الفيلِ: عامَ الفيلِ. وقيل: وُلِد رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ قُدُومِ الفيلِ بشَهرٍ، وقيل: بأربعينَ يومًا، وقيل: بخمسينَ يومًا. فأمَّا (٤) الخُوَارِزمِيُّ محمدُ بنُ موسى (٥)، فقال: كان قُدُومُ الفِيلِ

стр. 198

مَكَّةَ وأصحابِه لثلاثَ عَشْرَةَ ليلةً بَقِيَتْ (١) مِن المُحَرَّمِ (٢)، وقد قال ذلك غيرُ الخُوَارِزمِيِّ أيضًا، وزادَ: يومَ الأحدِ، قال: وكان أَوَّلَ المُحَرَّمِ تلك السَّنةِ يومُ الجُمُعَةِ. قال الخُوَارِزمِيُّ: ووُلِدَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ ذلك بخمسينَ يومًا، يومَ الاثنينِ لثَمانٍ خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وذلك يومَ عشرينَ مِن نَيْسانَ (٣)، قال: وبُعِثَ نَبِيًّا يومَ الاثنَينِ لثَمانٍ أيضًا مِن ربيعٍ الأولِ، سنةً إِحدَى وأربَعِينَ مِن عامِ الفيلِ، فكانَ مِن مَولدِه ﷺ إلى أن بعَثهُ اللهُ أربعونَ سنةً ويومٌ، ومِن مَبْعَثِهِ إِلَى أَوَّلِ المُحَرَّمِ مِن السَّنةِ التي هاجَر فيها اثنتا عَشْرَةَ سنةً وتسعةُ أَشْهُرٍ وعشرونَ يومًا، وذلك ثلاثٌ وخمسونَ سنةً تامَّةً مِن أَوَّلِ عامِ الفيلِ. أخبَرنا محمدُ بنُ إبراهيمَ (٤)، حدَّثنا [محمدُ بنُ] (٥) معاويةَ، حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الفِريَابِيُّ، حدَّثنا قُتَيبةُ بنُ سعيدٍ، حدَّثنا ابنُ لَهِيعَةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن حَنَشٍ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال:

стр. 199

وُلِدَ نَبِيُّكُم ﷺ يومَ الاثنَين، وخرَج مِن مَكَّةَ يوم الاثنَينِ، ودخَل المدينةَ يومَ الاثنَينِ، وكانَتْ بدرٌ يومَ الاثنَينِ، وتُوُفِّي يومَ الاثنينِ ﷺ (١). قال أبو عمرَ ﵁: الأكثرُ على أن وَقعَةَ بدرٍ كانَتْ يومَ الجُمعةِ صَبِيحةَ سبعَ عَشْرَةَ مِن رمضانَ، وما رأيتُ أَحَدًا ذكَر أنَّها كانَتْ يومَ الاثنَينِ إِلَّا في هذا الخبرِ مِن روايةِ ابنِ لَهِيعةَ، عن خالدِ بنِ أبي عِمرانَ، عن حَنَشٍ، ولا حُجَّةَ في مِثلِ هذا الإسنادِ عندَ جميعِهم، إذْ خالَفه مَن هو أكثرُ منه. قال الخُوَارِزمِيُّ: وقَدِمَ رسولُ اللهِ ﷺ المدينةَ مُهاجِرًا يومَ الاثنينِ، وهو اليومُ الثَّامِنُ مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أَرَبَعٍ وخمسينَ [مِن عامِ الفِيلِ] (٢)، وهي سَنَةُ إحدَى (٣) مِن الهجرةِ، ويومُ عشرينَ مِن أَيلُولَ (٤)، فكانَ مِن مَبْعَثِه إلى يومِ هاجَر ودخَل المدينةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً كاملةً، ومَكَثَ بالمدينةِ عَشْرَ سنينَ وشَهرَينِ إلى أن مات ﷺ ، وذلك يومَ الاثنَينِ أَوَّلَ يومٍ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ سنةَ أربعٍ وسِتِّينَ مِن عامِ

стр. 200

الفيلِ، ومِن الهجرةِ سنةَ إحدَى عَشْرَةَ. هذا كُلُّه قولُ الخُوَارِزمِيِّ، وهذا الذي قال الخُوارِزميُّ هو مَعْنَى قَولِ ابنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ رسولَ اللهِ ﷺ أقام بمِكَّةَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً - يعني: بعدَ المَبْعَثِ - وبالمدينةِ عَشْرَ سِنِينَ (١)، ويشهدُ لصِحَّةِ ذلك قولُ أبي قَيْسٍ صِرْمَةَ بن قَيسٍ الأَنصارِيِّ (٢): ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضِعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لو يَلْقَى صديقًا مُواتِيَا (٣) ويَعرِضُ في أهلِ المَواسِمِ نَفْسَهُ … فلَمْ يَرَ مَن يُؤوِي ولَمْ يَرَ دَاعِيَا فلمَّا أَتَانَا واستَقَرَّتْ به النَّوَى … وأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْبَةَ رَاضِيَا وأَصْبَحَ لا يَخْشَى ظُلامَةَ ظَالِمٍ … بَعِيدٍ ولا يَخْشَى مِنَ النَّاسِ بَاغِيَا بَذَلْنا له الأموالَ مِن جُلِّ مالِنا … وأَنفُسَنا عندَ الوَغَى والتَّآسِيَا نُعَادِي الذي عَادَى مِنَ النَّاسِ كُلِّهِم … جَمِيعًا وإن كان الحَبِيبَ المُوَاتِيَا ونَعْلَمُ أَنَّ اللهَ لا شَيءَ غيرُه … وأنَّ كِتابَ اللهِ أَصْبَحَ هَادِيَا ورُوِّينا هذه الأبياتَ مِن طُرُقٍ عن سفيانَ بنِ عُيَينةَ، عن يحيى بنِ سعيدٍ الأنصارِيِّ، وهذه (٤) أَكمَلُ الرِّوَايَاتِ فيها: حدَّثنا أحمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ محمدِ بنِ عليٍّ، قال: حدَّثني أبِي، قال: حدَّثني أحمدُ بنُ خالدٍ، قال: حدَّثنا قَاسِمُ بنُ محمدٍ إملاءً،

стр. 201

قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ المُنذِرِ الحِزَامِيُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ بنُ عُيَينةَ، قال: سَمِعتُ عمرَو بنَ دينارٍ، يقولُ (١): قلتُ لِعُرُوةَ بن الزُّبَيرِ: كَمْ لَبِثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ؟ قال: عَشْرَ سِنِينَ، فقلتُ: إِنَّ ابنَ عَبَّاسٍ كان (٢) يقولُ: لَبِثَ بِمَكَّةَ بضعَ عَشْرَةَ سنةً، فقال: إِنَّما أَخَذه مِن قولِ الشَّاعِرِ. قال سفيانُ بنُ عُيَينةَ: وأخبَرنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: سَمِعْتُ عَجُوزًا مِن الأنصارِ تقولُ: رأيتُ ابنَ عَبَّاسٍ يَختَلِفُ إِلى صِرْمَةَ بنِ قَيْسٍ يَتَعَلَّمُ منه هذه الأبياتَ: ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجَّةً … يُذَكِّرُ لو ألْفَى (٣) صَدِيقًا مُوَاتِيَا فذَكَر الأبياتَ كما ذكَرتُها سَوَاءً إلى آخِرِها (٤). قال أبو عمرَ ﵁: وماتَ أبوه عبدُ اللهِ بنُ عبدِ المُطَّلِبِ وأُمُّه حَامِلٌ به، وقيل: بل تُوفِّيَ أبوهُ بالمدينةِ والنَّبِيُّ ﷺ ابنُ ثمانيةٍ وعشرينَ شهرًا، وقبرُه بالمدينةِ في دارٍ مِن دُورِ بَنِي عَدِيٍّ بَنِ النَّجَّارِ، وكان خرَج إلى المدينةِ يَمتارُ تَمرًا، وقيل: بل خرَج به إلى أخوالِه زائِرًا وهو ابنُ سَبعَةِ أَشهُرٍ، وقيل (٥): تُوفِّيَ أبوه وهو ابنُ شهرينِ، فَكَفَلَه جَدُّه عبد المُطَّلِب.

стр. 202

وفي خبرِ سيفِ بنِ ذِي يَزَنَ: ماتَ أبوهُ وأُمُّه، فكَفَلَه جَدُّه وعَمُّه (١)، وقد قيل: إِنَّ عبدَ اللهِ بن عَبدِ المُطَّلِبِ تُوفِّي وَالنَّبِيُّ ﷺ ابنُ ثَمَانِيةٍ وعشرينَ شهرًا. وروى ابنُ وَهْبٍ، عن يُونسَ، عن ابنِ شِهَابٍ، قال: بعَث عبدُ المُطَّلِبِ ابنَه عبدَ اللهِ يَمْتَارُ له تَمْرًا مِن يَثْرِبَ فماتَ بها (٢). وكانت وفاتُه وهو شابٌّ عندَ أخوالِه بني النَّجَّارِ بالمدينةِ، ولم يَكُنْ له ولدٌ غيرُ رسولِ اللهِ ﷺ . وتُوفِّيتْ أُمُّه آمِنَةُ بالأَبْوَاءِ بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، وهو ابنُ سِتِّ سِنينَ، وقيل: ابنُ سبعِ سنينَ، وقال محمدُ بنُ حبِيبٍ (٣) في كتابِه "المُحَبَّرِ" (٤): تُوفِّيتْ أمُّه ﷺ وهو ابنُ ثَمَانِ سِنينَ، قال (٥): وتُوفِّي جَدُّه عبد المُطَّلِبِ بعدَ ذلك بسنةٍ وأحدَ عَشَرَ شَهرًا، سنةَ تِسعٍ (٦) مِن أوَّلِ عام الفِيلِ.

стр. 203

وقيل: إنَّه تُوفِّيَ جَدُّه عبدُ المُطَّلِبِ وهو ابنُ ثَمانِ سِنينَ، وقيل: بل تُوفِّيَ جَدُّه وهو ابنُ ثلاثِ سِنِينَ، فأَوصَى به إلى أبي طالبٍ، فصَارَ في حَجْرِ عَمِّه أبي طالبٍ حتى بَلَغَ خمسَ عَشْرَةَ سنةً، وكان أبو طالِبٍ يُحِبُّه، ثمَّ انفرد بنفسِه، وكان مائلًا إلى عمِّه أبي طالبٍ؛ لوَجاهَتِهِ في بني هاشمٍ وسِنِّه، وكان مع ذلك شَقِيقَ أبيه. وخرَج النَّبِيُّ ﷺ مع عمِّهِ في تجارةٍ إلى الشَّامِ سنةَ ثلاثَ عَشْرَةَ مِن الفيلِ، فرَآه بَحِيرَا الرَّاهِبُ، فقال: احتَفِظوا به فإِنَّه نَبِيٌّ. وشَهِدَ بعدَ ذلك بثَمانِ سِنينَ يومَ الفِجارِ سَنَةَ إحدى وعِشْرِينَ، وخرَج إلى الشَّامِ في تِجارةٍ لخديجةَ بنتِ خُوَيلِدٍ، فرَآه نُسْطُورُ الرَّاهِبُ وقد أَظَلَّتْه غَمَامةٌ، فقال: هذا نَبِيٌّ، وذلك سنةَ خَمسٍ وعشرينَ، وتزَوَّج رسولُ اللهِ ﷺ خديجةَ بنتَ خُوَيلدِ بنِ أَسَدٍ بعدَ ذلك بشَهرَينِ وخمسةٍ وعشرينَ يومًا، في عَقِبِ صفرٍ سنةَ سِتٍّ وعشرينَ، وذلك بعدَ خمسٍ وعشرينَ سنةً وشهرينِ وعَشَرَةِ أَيَّامٍ مِن يومِ الفيلِ، وقال الزُّهْرِيُّ: كانَتْ سِنُّ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ تَزَوَّجَ خديجةَ إحدَى وعشرينَ سنةً (١)، وقال أبو بكرِ بنُ عثمانَ وغيرُه: كان يومَئذٍ ابنَ ثلاثينَ سنةً (٢)، قالوا: وخديجةُ يومَئذٍ بنتُ أربعينَ سنةً، وُلِدَت قبلَ الفيلِ بخَمْسَ عَشْرَةَ سنةً. وشَهِدَ رسولُ اللهِ ﷺ بُنيانَ الكَعبةِ، وتَرَاضَتْ قُرَيشٌ بحُكمِه في

стр. 204

وَضعِ الحَجَرِ (١) بعدَ ذلك بعَشْرِ سنينَ، وذلك سنةَ ثلاثٍ وثلاثينَ (٢). قال أبو عمرَ ﵁: لو صَحَّ هذا لكانَتْ سِنُّ خديجةَ يومَ تَزَوَّجَها خمسًا وأربعينَ سنةً. وقال محمدُ بنُ جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ: بُنَيَتِ الكعبةُ على رأسِ خمسٍ وعشرينَ سنةً من عامِ الفيلِ (٣)، وقيل: بل كان بينَ بُنيانِ الكعبةِ وبينَ مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ خمسُ سنينَ. ثُمَّ تَنبَّأَه اللهُ تعالى وهو ابنُ أربعين سنةً، وكان أولَ يومٍ [أَوْحَى اللهُ إليه فيه] (٤) يومَ الاثنَينِ، فَأَسَرَّ رسولُ اللهِ ﷺ أمرَه ثلاثَ سنينَ أو نحوَها، ثمَّ أمَره اللهُ بإظهارِ دِينِه والدُّعاءِ إليه، فأظهَره بعدَ ثلاثِ سنينَ (٥) مِن مَبْعَثِه. وقال الشعبيُّ: أُخبِرْتُ أنَّ إسرافيلَ تَرَاءَى له ثلاثَ سنينَ (٦). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أَصبَغَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، قال حدَّثنا موسى بنُ إسماعيلَ، قال: حدَّثنا

стр. 205

حَمَّادُ بنُ سَلَمةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشعبيِّ، قال: بُعِثَ رسولُ اللهِ ﷺ لأربعين، وُكِّلَ به إسرافيلُ ﵇ ثلاثَ سنينَ، ثمَّ وُكِّلَ به جِبْرِيلُ ﵇ (١). قال: وأخبَرنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: حدَّثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، قال: نُبِّئَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فذكَر مثلَه. قال: ثُمَّ بُعِثَ إليه جبريلُ ﵇ بالرِّسالةِ. قال: وأخبَرنا أحمدُ بنُ حنبلٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أَبي عَدِيٍّ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن عامرٍ الشَّعبيِّ، قال: أُنزِلَتْ عليه النُّبُوَّةُ وهو ابنُ أربعينَ سنةً، فقُرِنَ بِنُبُوَّتِه إسرافيلُ ﵇ ثلاثَ سنينَ، فكان يُعَلِّمُه الكلمةَ والشَّيءَ، ولم يَنْزِلْ عليه القرآنُ على لسانِه، فلمَّا مَضَتْ ثلاثُ سنينَ قُرِنَ بِنُبُوَّتِهِ جبريلُ ﵇، فَنَزَلَ القرآنُ على لسانِه عشرينَ سنةً (٢). وقيل: كان مَبْعَثُه ﷺ وهو ابنُ أربعينَ سنةً وشهرينِ وعَشَرَةِ أَيَّامٍ، وقيل: بل كان مَبْعَثُه ﷺ لتَمامِ أربعينَ سنةً مِن مَولِده يومَ الاثنينِ للَيلتَينِ خَلَتَا مِن ربيعٍ الأوَّلِ سنةَ أربعينَ، وممِّن قال: إِنَّه نُبِّئَ وهو ابنُ أربعينَ: عبدُ اللهِ بنُ عَبَّاسٍ، ومحمدُ بنُ جُبَيرِ بن مُطْعِمٍ، وَقَبَاثُ بنُ

стр. 206

أَشْيَمَ، وعطاءٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وأنسُ بنُ مالكٍ (١)، وهو الصَّحِيحُ عند أهلِ السِّيَرِ وأهل العلمِ بالأَثَرِ. فلمَّا دَعا قومَه إلى دِينِ اللهِ تعالى نابَذوه (٢)، فَأَجَارَهُ عمُّه أبو طالبٍ، ومنَع منه قريشًا؛ لأنَّهم أرَادوا قتلَه؛ لِمَا دَعَاهُمْ إِليه مِن تَرْكِ ما كانوا عليه هُم وآباؤُهُم، ومُفارَقتِه لهم في دِينِهم، وتَسفِيهِ أحلامِهم في عبادةِ أصنامٍ (٣) لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ، ولا تَضُرُّ ولا تَنفَعُ، فَلَم يَزَلْ في جِوَارِ عمِّهِ أبي طالبٍ إلى أنْ تُوفِّيَ (٤)، وذلك في النَّصفِ مِن شَوالٍ في السَّنةِ الثَّامِنَةِ، وقيل: العاشِرةِ مِن مَبْعَثِ النَّبيِّ ﷺ . وحَصَرَتْ قُرَيشٌ النَّبيَّ ﷺ وأهلَ بيتِه بني (٥) هاشمٍ، ومعهم بنو المُطَّلِبِ في الشِّعْبِ بعدَ المَبْعَثِ بسِتِّ سِنِينَ، فَمَكَثوا في ذلك الحِصَارِ ثلاثَ سنِينَ، وخرَجوا منه في أَوَّلِ سنةِ خمسينَ مِن عامِ الفيلِ، وتُوفِّيَ أبو طالبٍ بعدَ ذلك بسِتَّةِ أشهُرٍ، وتُوفِّيتْ خديجةُ بعدَه بثلاثةِ أيامٍ، وقد قيل غيرُ ذلك، ووُلِد عبدُ اللهِ بنُ عبَّاسٍ ﵁ في الشِّعْبِ قبلَ خُرُوجِ بني هاشمٍ منه، وقيل: إِنَّه وُلِدَ قبلَ الهِجْرةِ بثَلاثِ سنينَ، وكان ابنَ ثلاثَ عَشْرَةَ سنةً يومَ ماتَ رسولُ اللهِ ﷺ ، وكان أبو طالبٍ قد أسلَم ابنَه عَليًّا

стр. 207

إلى رسولِ اللهِ ﷺ ؛ وذلك أنَّ قُرَيشًا أَصابَتْهم أَزمَةٌ شديدةٌ، وكان أبو طالبٍ ذا عِيَالٍ كثيرٍ (١)، فقال رسولُ اللهِ ﷺ للعبَّاسِ عمِّهِ، وكان مِن أَيسَرِ بني هاشمٍ: "يا عَبَّاسُ، إنَّ أخاكَ أبا طالبٍ كثيرُ العِيَالِ، فَانطَلِقُ بِنا فلنُخَفِّفْ (٢) عنه مِن عِيالِه"، فقال: نَعَمْ، فَانطَلَقَا حَتَّى أَتَيَا أبا طالبٍ، فقالا له: إِنَّا نُرِيدُ أن نُخَفِّفَ عنك مِن عِيالك حتى يَكشِفَ اللهُ عن النَّاسِ ما هُم فيه، فقال لهما أبو طالبٍ: إذا تَرَكْتُما لى عَقِيلًا فاصْنَعَا ما شِئْتُما، فأخَذ رسولُ اللهِ ﷺ عَلِيًّا فَضَمَّه إليه، وأخَذَ العَبَّاسُ جعفرًا فضَمَّه إليه، فلَم يَزَلْ عَليٌّ ﵁ مع رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى ابتَعَثَه اللهُ نَبِيًّا، وحتَّى أزَوجَه (٣) منِ ابنتِه فاطمةَ ﵄ (٤). وتزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ خديجةَ وهو ابنُ خمسٍ وعشرينَ سنةً، على اختلافٍ في ذلك قد ذكَرْناه (٥). وكان مَوتُها بعدَ موتِ عمِّهِ أبي طالبٍ بأيَّامٍ يَسيرةٍ، قيل: ثلاثةِ أيَّامٍ (٦)، وقيل: سبعةٍ (٧)، وقيل: كان بينَ مَوتِ أبي طالبٍ ومَوتِ

стр. 208

خديجةَ شهرٌ وخمسةُ أَيَّامٍ. وتُوفِّيَ أبو طالبٍ وهو ابنُ بِضْعٍ وثمانينَ سنةً، وتُوفِّيتْ خديجةُ وهي ابنةُ خمسٍ وستينَ سنةً، فكانَتْ مُصِيبَتَانِ تَوَالَتَا على رسولِ اللهِ ﷺ بوَفاةِ عمِّهِ أبي طالبٍ ووفاةِ خديجةَ ﵂، وقيل: بل تُوفِّيتْ خديجةُ بعدَما تَزَوَّجَها رسولُ اللهِ ﷺ بأربعٍ وعشرينَ سنةً وستةِ أشهُرٍ وأربعةِ أيَّامٍ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ وثلاثةِ أَشهُرٍ ونصفِ شهرٍ. وفى عامِ وفاةِ خديجةَ تَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ [سَوْدةَ وعائشةَ] (١)، ولم يَتَزَوَّجُ على خديجةَ حتَّى ماتَتْ ﵂. وكانَتْ وفاةُ أبي طالبٍ وخديجةَ قبلَ الهجرةِ بثلاثِ سنينَ، وقيل: بِسَنَةٍ، وقيل: كانَتْ وفاتُهما سنةَ عَشْرٍ مِن المَبْعَثِ في أَوَّلِها، واللهُ أعلمُ. حدَّثنا أحمدُ بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ الفضلِ، حدَّثنا محمدُ (٢) بنُ جريرٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلَى الصَّنعانِيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وأخبَرنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ القاسمِ بنِ معروفٍ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ عليِّ بنِ المُثَنَّى، قال: حدَّثنا يحيى بنُ مَعِينٍ، قال: حدَّثنا هشام بنُ يُوسُفَ، عن مَعْمَرٍ، عَن الزُّهْرِيِّ، عن

стр. 209

سعيدِ بن المُسَيَّبِ، عن أبيه - ولَفظُهما والمعنى سَواءٌ - قال: لمَّا حَضَرَتْ أبا طالبٍ الوفاةُ، دخَل عليه رسولُ اللهِ ﷺ وعندَه أبو جهلِ بنُ هشامٍ وعبدُ اللهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فقال: "يا عَمِّ، قُلْ: لا إلهَ إِلَّا اللهُ، كَلِمَةً أَحَاجُّ لك بها عندَ اللهِ"، فقال له أبو جهلٍ وعبدُ اللهِ بنُ أبي أُمَيَّةَ: يا أبا طالبٍ، أتَرْغَبُ عن مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ؟ فلَم يَزَالا به حتَّى كان آخِرَ شَيءٍ تَكَلَّمَ به: أنا على مِلَّةِ عبدِ المُطَّلِبِ، فقال النَّبِيُّ ﷺ : "لأَسْتَغفِرَنَّ لَكَ ما لم أُنْهَ عنك"، فَنَزَلَتْ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ إلى آخِرِ الآيةِ [التوبة: ١١٣]. ونَزَلَتْ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) [القصص: ٥٦]. قال ابنُ شِهَابٍ: قال عُرُوةُ بنُ الزُّبَيرِ: ما زَالوا - يعني قُرَيشًا - كافِّينَ عن رسولِ اللهِ ﷺ حتَّى ماتَ أبو طالبٍ (٢).

стр. 210

ولم تَمُتْ خديجةُ، فيما ذكَر ابنُ إسحاقَ وغيرُه، إلَّا بعدَ الإسراءِ، وبعد أنْ صَلَّتِ الفريضة مع رسولِ اللهِ ﷺ (١). قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: لمَّا تُوفِّيَ أبو طالبٍ وتُوفِّيَتْ بعدَه خديجةُ بأيَّامٍ يَسيرةٍ خرَج رسولُ اللهِ ﷺ إلى الطَّائفِ، ومعه زيدُ بنُ حارثةَ، وطلَب منهم المَنَعةَ، فأقامَ عندَهم شهرًا ولم يَجِدْ فيهم خيرًا، ثمَّ رجَع إلى مَكَّةَ في جِوَارِ المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ (٢). قيل: كان ذلك سنةَ إحدَى وخمسينَ مِن الفيلِ، وفيها قَدِمَ عليه جِنُّ نَصِيبِينَ (٣) بعد ثلاثةِ أَشْهُرٍ فأسلَموا. وأُسرِي به إلى بيتِ المَقْدِسِ بعدَ سنةٍ ونصفٍ مِن حينِ رُجُوعِه إلى مَكَّةَ مِن الطَّائِفِ سنةَ اثْنَتَيْنِ وخمسينَ (٤). وقد ذكَرنا الاختِلَاف في تاريخِ الإسراءِ في كتابِ "التمهيد" عندَ ذكرِ فرضِ الصَّلاةِ (٥)، والحمدُ للهِ.

стр. 211

قال ابنُ شِهَابٍ، عن ابنِ المُسَيَّبِ: عُرِجَ به ﷺ إلى بيتِ المَقْدِسِ وإلى السَّماءِ قَبلَ خُرُوجِه إلى المدينةِ بسنةٍ (١). وقال غيرُه: كان بينَ الإسراءِ إلى اليومِ الذي هاجَر فيه رسولُ اللهِ ﷺ سَنَةٌ وشَهْرَانِ، وذلك سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن الفيلِ. قال أبو عمرَ ﵁: قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: مَكَثَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ مَبْعَثِهِ بمَكَّةَ إلى أنْ أذِنَ اللهُ تعالى له بالهجرةِ دَاعِيًا إلى اللهِ صابِرًا على أَذَى قُرَيْشٍ وتَكْذِيبِهم له إلَّا مَن دخَل في دينِ اللهِ منهم، واتَّبَعَه على ما جاء به مِمَّن هاجَر إلى أرضِ الحبشةِ فَارًّا بدِينِه، ومَن بَقِيَ معه بمَكَّةَ فِي مَنَعَةٍ مِن قومِه، حتَّى أَذِنَ اللهُ له بالهجرةِ إلى المدينةِ، وذلك بعدَ أنْ بايَعَه وُجُوهُ الأوسِ والخَزْرَجِ بالعقبةِ على أنْ يُؤْووه ويَنْصُرُوه حتَّى يُبَلِّغَ عن اللهِ رسالتَهُ، ويُقاتِلَ مَن عانَده وخالَفه، فهاجَر إلى المدينةِ، وكان رَفِيقَه إليها (٢) أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لم يُرَافِقُ غيرَه مِن أصحابِه، وكان يَخدِمُهما في ذلك السَّفَرِ عامِرُ بنُ فُهَيرةَ. وكان مُكْثُه بمَكَّةَ بعدَ أنْ بَعَثَه اللهُ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقيل: عَشْرَ سِنِينَ، وقيل: خمسَ عَشْرَةَ سنةً، والأَوَّلُ أكثرُ وأَشهَرُ عندَ أهلِ السِّيَرِ.

стр. 212

ثم أُذِنَ له في الهجرةِ إلى المدينةِ يومَ الاثنَينِ، فخرجَ [مع أبي] (١) بكرٍ إليها، وكانَتْ هِجرتُه إلى المدينةِ في ربيعٍ الأَوَّلِ، وهو ابنُ ثلاثٍ وخمسينَ سنةً، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الاثنَينِ قريبًا مِن نصفِ النَّهارِ فِي الضُّحَى الأعلى لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ. هذا قولُ ابنِ إسحاقَ (٢). وقال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: كانَتْ بَيعةُ العقبةِ (٣) في أوسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ في ذي الحِجَّةِ، وكان مَخْرَجُ النَّبيِّ ﷺ إلى المدينة بعدَ العقبةِ بشَهَرينِ ولَيَالٍ؛ وخرَج لإهلالِ (٤) ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ لثِنتَي (٥) عَشْرةَ ليلةً مَضَتْ منه (٦). قال أبو عمرَ ﵁: قد رُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أَنَّه قَدِمَ المدينةَ لهلالِ ربيعٍ الأولِ (٧).

стр. 213

وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ المُغِيرةِ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدينةَ يومَ الاثنَينِ لثَمَانٍ خَلَونَ مِن شهرِ ربيعٍ الأَوَّلِ سنةَ إحدَى، وقال الكَلبِيُّ (١): خرَج مِن الغارِ ليلةَ الاثنَينِ أَوَّلَ يومٍ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الجُمعةِ لاثنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ منه (٢). قال أبو عمرَ ﵁: وهو قولُ ابن إسحاقَ إِلَّا فِي تَسْمِيةِ اليوم؛ فإنَّ ابنَ إسحاقَ يقولُ: يومَ الاثنَينِ، والكلبيُّ يقولُ: يومَ الجُمعةِ، واتَّفَقَا: لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وغيرُهما يقولُ: لِثَمَانٍ خَلَتْ منه، فالاختِلافُ أيضًا في تاريخِ قُدومِه المدينةَ كما تَرَى. قال ابنُ إسحاقَ (٣): فنزَل على أبي قَيسٍ كلثومِ بنِ الهَدْمِ بن امرِيءِ القَيسِ أحدِ بني عمرِو بنِ عوفٍ، فأقامَ عندَه أربعةَ أيَّامٍ، وقيل: بل كان نُزُولُه في بني عمرِو بنِ عوفٍ على سعدِ (٤) خَيثمةَ، والأَوَّلُ أكثرُ. فأقامَ رسولُ اللهِ ﷺ في بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ يومَ الاثنَينِ والثُّلاثَاءِ والأربعاءِ والخميسِ، وأَسَّسَ، مسجدَهم، وخرَج مِن بني عمرِو بنِ عوفٍ مُنتَقِلًا إلى المدينةِ، فَأَدْرَكَتْه الجُمُعةُ في بني سالمٍ فَصَلَّاها في

стр. 214

بطنِ الوادي، ثمَّ احْتَلَّ (١) المدينةَ، فنَزَلَ على أبي أيوبَ الأنصارِيِّ، فلَمْ يَزَلْ عندَه حَتَّى بَنَى مَسجِدَه في تلكَ السَّنَةِ، وبَنَى مَساكِنَه ثُمَّ انتَقَلَ، وذلك في السَّنَةِ الأُولى مِن هِجَرَتِه. وقال غيرُ ابنِ إسحاقَ: نَزَلَ في بني عمرِو بن عوفٍ مِن يومِ الاثنَينِ إلى الجُمُعَةِ، ثمَّ خرَج مِن عندِهم غَداةَ يومِ الجُمُعةِ على رَاحِلَتِه معه النَّاسُ، حتَّى مَرَّ ببَنِي سالمٍ لوَقتِ الجُمُعةِ، فَجَمَّعَ بهم، وهي أَوَّلُ جُمُعةٍ جَمَّعَها رسول اللهِ ﷺ بالمدينةِ، ثمَّ رَكِبَ لا يُحَرِّكُ رَاحِلتَه، ويقولُ (٢): "دَعُوها فإنَّها مَأْمُورَةٌ"، فَمَشَتْ حَتَّى بَرَكَتْ في مَوضِعِ مَسجِدِه الذي أنزَله اللهُ به في بَنِي النَّجَّارِ، فنزَل عَشِيَّةَ الجُمُعةِ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن عامِ الفيلِ (٣). ومِن مَقْدَمِهِ المدينةَ أُرِّخَ التَّارِيخُ في زمنِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، ولَمْ يَغْزُ رسولُ اللهِ ﷺ بنفسِه تلكَ السَّنَةَ، وآخَى بينِ المهاجِرينَ والأنصارِ بعدَ ذلك بخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وبعَث حمزةَ عَمَّه في جُمادَى الأُولَى، فكان أَوَّلَ مَن غَزَا في سبيلِ اللهِ، وأَوَّلَ مَن عُقِدَتْ له رايةٌ في الإسلامِ، خرَج في ثلاثينَ راكبًا إلى سِيفِ البحرِ (٤)، فلَقُوا أبا جَهلِ

стр. 215

ابنَ هشامٍ في ثلاثِمائةٍ مِن قُرَيْشٍ، فَحَجَزَ بينَهم رجلٌ مِن جُهَينَةَ، فافتَرَقوا مِن غيرِ قتالٍ، ثمَّ بَعَثَ عُبَيدةَ بنَ الحارثِ في خمسينَ راكِبًا يُعارِضُ عِيرًا لقُرَيشٍ، فلَقُوا جمعًا كثيرًا فتَرَامَوا بالنَّبِلِ، ولم يَكُنْ بينَهم مُسايَفةٌ. وقيل: إِنَّ سَرِيَّةَ عُبَيدةَ كانَتْ قبلَ سَرِيَّةِ حمزةَ، وفيها رمَى سعدٌ، وكان أَوَّلَ سهمٍ رُمِي به في سبيلِ اللهِ، وقيل: أَوَّلُ لِوَاءٍ عقَده رسولُ اللهِ ﷺ لعبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ، والأوَّلُ أَصَحُّ، واللهُ أعلمُ. والأكثرُ على أنَّ سَرِيَّةَ عبدِ اللهِ بن جَحْشٍ كَانَتْ في سنةِ اثْنَتَيْنِ فِي غُرَّةِ رجبٍ إلى نَخْلةَ (١)، وفيها قُتِلَ ابنُ الحَضرَمِيِّ لَلَيلَةٍ بَقِيَتْ مِن جُمادَى الآخرةِ، ثمَّ غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الكُفْرِ مِن العربِ، وبعَث إليهم السَّرَايا، وكانَتْ غَزَواتُه بنفسِه سِتًّا وعشرينَ غَزوةً، هذا أكثرُ ما قيل في ذلك. وكانَتْ أَشرَفَ غزواتِه وأعظَمَها حُرْمةً عندَ اللهِ تعالى وعندَ رسولِه والمسلمِين غزوةُ بدرٍ الكبرى؛ حيثُ قتَل اللهُ صَنادِيدَ قُرَيشٍ، وأظهَر دِينَه مِن يومِئذٍ، وكانَتْ بدرٌ في السَّنةِ الثَّانيةِ (٢) مِن
следующие страницы →