← Тараджим

Тараджим · id 1499

الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ت التركي

ابن عبد البر

Полный текст (4 471 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

قال ابنُ شِهَابٍ، عن ابنِ المُسَيَّبِ: عُرِجَ به ﷺ إلى بيتِ المَقْدِسِ وإلى السَّماءِ قَبلَ خُرُوجِه إلى المدينةِ بسنةٍ (١). وقال غيرُه: كان بينَ الإسراءِ إلى اليومِ الذي هاجَر فيه رسولُ اللهِ ﷺ سَنَةٌ وشَهْرَانِ، وذلك سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن الفيلِ. قال أبو عمرَ ﵁: قال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: مَكَثَ رسولُ اللهِ ﷺ بعدَ مَبْعَثِهِ بمَكَّةَ إلى أنْ أذِنَ اللهُ تعالى له بالهجرةِ دَاعِيًا إلى اللهِ صابِرًا على أَذَى قُرَيْشٍ وتَكْذِيبِهم له إلَّا مَن دخَل في دينِ اللهِ منهم، واتَّبَعَه على ما جاء به مِمَّن هاجَر إلى أرضِ الحبشةِ فَارًّا بدِينِه، ومَن بَقِيَ معه بمَكَّةَ فِي مَنَعَةٍ مِن قومِه، حتَّى أَذِنَ اللهُ له بالهجرةِ إلى المدينةِ، وذلك بعدَ أنْ بايَعَه وُجُوهُ الأوسِ والخَزْرَجِ بالعقبةِ على أنْ يُؤْووه ويَنْصُرُوه حتَّى يُبَلِّغَ عن اللهِ رسالتَهُ، ويُقاتِلَ مَن عانَده وخالَفه، فهاجَر إلى المدينةِ، وكان رَفِيقَه إليها (٢) أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ لم يُرَافِقُ غيرَه مِن أصحابِه، وكان يَخدِمُهما في ذلك السَّفَرِ عامِرُ بنُ فُهَيرةَ. وكان مُكْثُه بمَكَّةَ بعدَ أنْ بَعَثَه اللهُ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، وقيل: عَشْرَ سِنِينَ، وقيل: خمسَ عَشْرَةَ سنةً، والأَوَّلُ أكثرُ وأَشهَرُ عندَ أهلِ السِّيَرِ.

стр. 212

ثم أُذِنَ له في الهجرةِ إلى المدينةِ يومَ الاثنَينِ، فخرجَ [مع أبي] (١) بكرٍ إليها، وكانَتْ هِجرتُه إلى المدينةِ في ربيعٍ الأَوَّلِ، وهو ابنُ ثلاثٍ وخمسينَ سنةً، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الاثنَينِ قريبًا مِن نصفِ النَّهارِ فِي الضُّحَى الأعلى لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ. هذا قولُ ابنِ إسحاقَ (٢). وقال ابنُ إسحاقَ وغيرُه: كانَتْ بَيعةُ العقبةِ (٣) في أوسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ في ذي الحِجَّةِ، وكان مَخْرَجُ النَّبيِّ ﷺ إلى المدينة بعدَ العقبةِ بشَهَرينِ ولَيَالٍ؛ وخرَج لإهلالِ (٤) ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ لثِنتَي (٥) عَشْرةَ ليلةً مَضَتْ منه (٦). قال أبو عمرَ ﵁: قد رُوِيَ عن ابنِ شِهَابٍ أَنَّه قَدِمَ المدينةَ لهلالِ ربيعٍ الأولِ (٧).

стр. 213

وقال عبدُ الرَّحمنِ بنُ المُغِيرةِ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المدينةَ يومَ الاثنَينِ لثَمَانٍ خَلَونَ مِن شهرِ ربيعٍ الأَوَّلِ سنةَ إحدَى، وقال الكَلبِيُّ (١): خرَج مِن الغارِ ليلةَ الاثنَينِ أَوَّلَ يومٍ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الجُمعةِ لاثنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ منه (٢). قال أبو عمرَ ﵁: وهو قولُ ابن إسحاقَ إِلَّا فِي تَسْمِيةِ اليوم؛ فإنَّ ابنَ إسحاقَ يقولُ: يومَ الاثنَينِ، والكلبيُّ يقولُ: يومَ الجُمعةِ، واتَّفَقَا: لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، وغيرُهما يقولُ: لِثَمَانٍ خَلَتْ منه، فالاختِلافُ أيضًا في تاريخِ قُدومِه المدينةَ كما تَرَى. قال ابنُ إسحاقَ (٣): فنزَل على أبي قَيسٍ كلثومِ بنِ الهَدْمِ بن امرِيءِ القَيسِ أحدِ بني عمرِو بنِ عوفٍ، فأقامَ عندَه أربعةَ أيَّامٍ، وقيل: بل كان نُزُولُه في بني عمرِو بنِ عوفٍ على سعدِ (٤) خَيثمةَ، والأَوَّلُ أكثرُ. فأقامَ رسولُ اللهِ ﷺ في بَنِي عمرِو بنِ عوفٍ يومَ الاثنَينِ والثُّلاثَاءِ والأربعاءِ والخميسِ، وأَسَّسَ، مسجدَهم، وخرَج مِن بني عمرِو بنِ عوفٍ مُنتَقِلًا إلى المدينةِ، فَأَدْرَكَتْه الجُمُعةُ في بني سالمٍ فَصَلَّاها في

стр. 214

بطنِ الوادي، ثمَّ احْتَلَّ (١) المدينةَ، فنَزَلَ على أبي أيوبَ الأنصارِيِّ، فلَمْ يَزَلْ عندَه حَتَّى بَنَى مَسجِدَه في تلكَ السَّنَةِ، وبَنَى مَساكِنَه ثُمَّ انتَقَلَ، وذلك في السَّنَةِ الأُولى مِن هِجَرَتِه. وقال غيرُ ابنِ إسحاقَ: نَزَلَ في بني عمرِو بن عوفٍ مِن يومِ الاثنَينِ إلى الجُمُعَةِ، ثمَّ خرَج مِن عندِهم غَداةَ يومِ الجُمُعةِ على رَاحِلَتِه معه النَّاسُ، حتَّى مَرَّ ببَنِي سالمٍ لوَقتِ الجُمُعةِ، فَجَمَّعَ بهم، وهي أَوَّلُ جُمُعةٍ جَمَّعَها رسول اللهِ ﷺ بالمدينةِ، ثمَّ رَكِبَ لا يُحَرِّكُ رَاحِلتَه، ويقولُ (٢): "دَعُوها فإنَّها مَأْمُورَةٌ"، فَمَشَتْ حَتَّى بَرَكَتْ في مَوضِعِ مَسجِدِه الذي أنزَله اللهُ به في بَنِي النَّجَّارِ، فنزَل عَشِيَّةَ الجُمُعةِ سنةَ ثلاثٍ وخمسينَ مِن عامِ الفيلِ (٣). ومِن مَقْدَمِهِ المدينةَ أُرِّخَ التَّارِيخُ في زمنِ عمرَ بنِ الخَطَّابِ ﵁، ولَمْ يَغْزُ رسولُ اللهِ ﷺ بنفسِه تلكَ السَّنَةَ، وآخَى بينِ المهاجِرينَ والأنصارِ بعدَ ذلك بخَمْسَةِ أَشْهُرٍ، وبعَث حمزةَ عَمَّه في جُمادَى الأُولَى، فكان أَوَّلَ مَن غَزَا في سبيلِ اللهِ، وأَوَّلَ مَن عُقِدَتْ له رايةٌ في الإسلامِ، خرَج في ثلاثينَ راكبًا إلى سِيفِ البحرِ (٤)، فلَقُوا أبا جَهلِ

стр. 215

ابنَ هشامٍ في ثلاثِمائةٍ مِن قُرَيْشٍ، فَحَجَزَ بينَهم رجلٌ مِن جُهَينَةَ، فافتَرَقوا مِن غيرِ قتالٍ، ثمَّ بَعَثَ عُبَيدةَ بنَ الحارثِ في خمسينَ راكِبًا يُعارِضُ عِيرًا لقُرَيشٍ، فلَقُوا جمعًا كثيرًا فتَرَامَوا بالنَّبِلِ، ولم يَكُنْ بينَهم مُسايَفةٌ. وقيل: إِنَّ سَرِيَّةَ عُبَيدةَ كانَتْ قبلَ سَرِيَّةِ حمزةَ، وفيها رمَى سعدٌ، وكان أَوَّلَ سهمٍ رُمِي به في سبيلِ اللهِ، وقيل: أَوَّلُ لِوَاءٍ عقَده رسولُ اللهِ ﷺ لعبدِ اللهِ بنِ جَحشٍ، والأوَّلُ أَصَحُّ، واللهُ أعلمُ. والأكثرُ على أنَّ سَرِيَّةَ عبدِ اللهِ بن جَحْشٍ كَانَتْ في سنةِ اثْنَتَيْنِ فِي غُرَّةِ رجبٍ إلى نَخْلةَ (١)، وفيها قُتِلَ ابنُ الحَضرَمِيِّ لَلَيلَةٍ بَقِيَتْ مِن جُمادَى الآخرةِ، ثمَّ غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ أهلَ الكُفْرِ مِن العربِ، وبعَث إليهم السَّرَايا، وكانَتْ غَزَواتُه بنفسِه سِتًّا وعشرينَ غَزوةً، هذا أكثرُ ما قيل في ذلك. وكانَتْ أَشرَفَ غزواتِه وأعظَمَها حُرْمةً عندَ اللهِ تعالى وعندَ رسولِه والمسلمِين غزوةُ بدرٍ الكبرى؛ حيثُ قتَل اللهُ صَنادِيدَ قُرَيشٍ، وأظهَر دِينَه مِن يومِئذٍ، وكانَتْ بدرٌ في السَّنةِ الثَّانيةِ (٢) مِن

стр. 216

الهِجرةِ لسَبعَ عَشْرَةَ مِن رمضانَ، وليس في غَزواتِهِ ما يَعْدِلُ بها في الفضلِ ويَقْرُبُ منها إلَّا غزوة الحُدَيبِيةِ، حيثُ كانَتْ بيعةُ الرِّضوانِ، وذلك سنةَ سِتٍّ مِن الهجرةِ. وكانَتْ بُعُوثُه وسَرَاياه خمسًا وثلاثينَ مِن بينِ بَعْثٍ وَسَرِيَّة. قال أحمدُ بنُ حنبلٍ وغيرُهُ (١): عن وكيعٍ، عن أبيه وإسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، قال: سألتُ زيدَ بن أَرقَمَ: كم غَزَا رسولُ اللهِ ﷺ ؟ قال: تسعَ عَشْرةَ غزوةً، وغَزَوتُ معه سبعَ عَشْرَةَ غَزْوةً، وَسَبَقَنِي بِغَزاتَينِ. واعتَمَرَ رسولُ اللهِ ﷺ ثلاثَ عُمَرٍ، وفي قولِ مَن جعَله في حَجَّتِه قارِنًا أربعًا (٢)، وقد بَيَّنَّا ذلك في كتابِ "التَّمهيدِ" (٣). وافْتُرِضَ عليه الحَجُّ بالمدينةِ، وكذلك سائِرُ الفَرائِضِ فيما أُمِر به أو حُرِّمَ عليه إلا الصَّلاةَ؛ فإنَّها افْتُرِضَتْ عليه (٤) حينَ أُسرِيَ به مِن المسجدِ الحرامِ إلى المسجدِ الأقصَى، وذلك بمَكَّةَ، ولم يَحُجَّ

стр. 217

رسولُ اللهِ ﷺ مِن المدينةِ غيرَ [حَجَّتِه الواحدةِ] (١) حَجَّةِ الوداعِ، وذلك في سنةِ عَشْرٍ مِن الهِجرَةِ. وتَزَوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ عددًا كثيرًا مِن النِّسَاءِ، خُصَّ مِن ذلك دونَ أُمَّتِه بجَمْعِ أكثرَ مِن أربعٍ، وأُحِلَّ له منهنَّ (٢) ما شاء، فالمُجتمَعُ عليه مِن أزواجِه إحدَى عَشرةَ امرأةً، وهُنَّ: خديجةُ (٣)، أَوَّلُ زوجةٍ كانَتْ له، لم يَجْمَعْ قَطُّ معها غيرَها، وسنذكُرُ [أخبارَها ونسبَها وولدَها] (٤) مِن النَّبيِّ ﷺ ، وكثيرًا مِن فضائلِها وخبرِها في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ مِن هذا الدِّيوانِ (٥)، وكذلك نَذكُرُ كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ في موضعِ اسمِها مِن ذلك (٦) الكتابِ، إنْ شاء اللهُ (٧). ثُمَّ سَوْدَةُ بنتُ زَمْعَةَ بنِ قيسٍ، مِن بني عامرِ بن لُؤَيٍّ، تَزَوَّجَها في قولِ الزُّهْرِيِّ قبلَ عائشةَ ﵂ بمَكَّةَ (٨)، وبَنَى بها بمَكَّةَ فِي سنةِ عَشْرٍ مِن النُّبُوَّةِ. وعائشةُ بنتُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ قبلَ سَوْدَةَ، وقيل:

стр. 218

بعدَ سَوْدةَ، وأجمَعوا أنَّه لم يَبْتنِ (١) بها إلا بالمدينةِ، قيل: سنةَ هاجَر. وقيل: سنةَ اثنَتَينِ مِن الهجرةِ في شَوَّالٍ، وهي ابنةُ تسعِ سنينَ، وكانَتْ في حينِ عقَد عليها بنتَ سِتِّ سنينَ، وقيل: بنتَ سبعِ سنينَ. وحفصةُ بنتُ عمرَ بنِ الخَطَّابِ، تَزَوَّجَها سنةَ ثلاثٍ في شعبانَ (٢). وزينبُ بنتُ خُزَيمةَ، وهي مِن بنِي عامرِ بنِ صَعصَعَةَ، كان يُقالُ لها: أمُّ المساكينِ، تَزَوَّجَها سنةَ ثلاثٍ، فكانَتْ عندَه شهرَينِ أو ثلاثةً، وتُوفِّيتْ، ولم يَمُتْ (٣) مِن أزواجِه في حياتِه غيرُها، وغيرُ خديجةَ قبلَها. وأمُّ سَلَمَةَ بنتُ أبي أُمَيَّةَ بنِ المُغيرةِ المَخزُومِيَّةُ، واسمُها هندٌ، تَزَوَّجَها سنةَ أربعٍ في شَوَّالٍ. وزينبُ بنتُ جَحشٍ الأَسَدِيَّةُ مِن بني أَسدِ بنِ خُزَيمَةَ، تَزَوَّجَها في سنةِ خَمسٍ مِن الهِجرةِ، في قولِ قتادةَ، وخالَفه غيرُه على ما نَذكُرُه في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ، [والحمدُ للهِ] (٤).

стр. 219

وأمُّ حبيبةَ بنتُ أبي سفيانَ بنِ حربِ بنِ أُمَيَّةَ (١)، واسمُها رَمْلةُ، تَزَوَّجَها (٢) سنةَ سِتٍّ، وبنَى بها سنةَ سبعٍ، زَوَّجَه إيَّاها النَّجَاشِيُّ (٣)، واختُلِف فيمَن عقَد عليها على ما يأتي به الخبرُ عندَ ذكرِها في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ، إنْ شاء اللهُ (٤). وجُوَيْرِيَةُ بنتُ الحارثِ بنِ أبي ضِرَارٍ مِن بني المُصْطَلِقِ، كَانَتْ قد وَقَعَتْ في سهمِ ثابتِ بنِ قيسٍ، وذلك في سنةِ سِتٍّ، وقيل: سنةِ خمسٍ، فكاتَبَها، فأَدَّى رسولُ اللهِ ﷺ كِتابَتَها وتَزَوَّجَها. ومَيْمونةُ بنتُ الحارثِ [بنِ حَزْنٍ] (٥) الهِلالِيَّةُ، مِن بني هلالِ بنِ (٦) عامرِ بن صَعْصَعَةَ، نَكَحَها سنةَ سبعٍ في عُمرَةِ القضاءِ، على حَسَبِ ما ذكَرْناه في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ (٧). وصَفِيَّةُ بنتُ حُيَيِّ بنِ أَخطَبَ اليَهودِيِّ، وَقَعَتْ في سَهمِ دِحْيَةَ بنِ

стр. 220

خليفةَ الكَلْبِيِّ، فاشتَراها رسولُ اللهِ ﷺ منه بأَرْؤُسٍ اختَلَفوا في عددِها، وأعتَقَها وتَزَوَّجَها، وذلك سنةَ سبعٍ. فهؤلاءِ أزواجُه اللَّوَاتِي لم يُختَلَفُ فِيهِنَّ، وهُنَّ إحدَى عَشْرَةَ امرأةً؛ مِنْهُنَّ سِتٌّ مِن قُرَيشٍ، وواحدةٌ مِن بني إسرائيلَ مِن ولدِ هارونَ ﵇، وأربعٌ مِن سائرِ العربِ، تُوفِّي في حياتِه مِنهُنَّ اثْنَتَانِ؛ خديجةُ بنتُ خُوَيلِدِ بنِ أَسَدٍ بمَكَّةَ، وزينبُ بنتُ خُزَيمةَ بالمدينةِ، وتَخَلَّفَ (١) مِنْهُنَّ تِسْعًا (٢) بعدَه ﷺ . وأمَّا اللَّوَاتي اختُلِفَ فِيهِنَّ مِمَّن ابتَنَى بها وفارَقَها، أو عقَد عليها ولم يَدْخُل بها (٣)، أو خطَبها ولم يَتِمَّ له العقدُ معَها، فقد اختُلِفَ فِيهِنَّ وفي أسبابِ فِرَاقِهِنَّ اختلافًا كثيرًا، يُوجِبُ التَّوقُّفَ عن القطعِ بالصِّحَّةِ في واحدةٍ مِنْهُنَّ، وقد ذكَرْنا جميعَهُنَّ، كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ مِن كتابِنا هذا، والحمدُ للهِ. [ثم بدأ برسولِ اللهِ] (٤) ﷺ مرضُه الذي ماتَ منه (٥) يومَ الأربعاءِ، للَيلَتَينِ بَقِيَتَا مِن صَفَرٍ سنةَ إحدَى عَشْرةَ في بيتِ مَيمُونةَ، ثم انتَقَلَ حِينَ اشتَدَّ وَجَعُه إلى بيتِ عائشةَ، وكان ﷺ قد وُلِدَ يومَ الاثنَينِ،

стр. 221

ونُبِّئَ يومَ الاثنَينِ، وخرَج مِن مَكَّةَ مُهاجِرًا يومَ الاثنَينِ، وقَدِمَ المدينةَ يومَ الاثنَينِ، وقُبِضَ ﷺ يومَ الاثنَينِ ضُحًى في مثلِ الوقتِ الذي دخَل فيه المدينةِ، لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ (١) ليلةً خَلَتْ مِن ربيعٍ الأَوَّلِ، سنةَ إحدَى عَشْرَةَ مِن الهجرةِ، ودُفِنَ يومَ الثُّلاثاءِ حينَ زَاغَتِ الشَّمسُ، وقيل: بل دُفِنَ ليلةَ الأربعاءِ. ذكَر ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثَتْني فاطمةُ بنتُ محمدٍ، عن (٢) عَمْرةَ، عن عائشةَ، قالت: ما عَلِمْنا بدَفْنِ رسولِ اللهِ ﷺ حَتَّى سَمِعْنا صوتَ المَسَاحِي (٣) مِن جوفِ اللَّيلِ ليلةَ الأربعاءِ ﷺ (٤). وصلَّى عليه عليٌّ والعَبَّاسُ ﵄ وبَنو هاشمٍ، ثمَّ خرَجوا، ثم دخَل المُهاجِرُون، ثمَّ الأنصارُ، ثمَّ النَّاسُ، يُصَلُّونَ عليه أَفَذَاذًا (٥)، لا يَؤُمُّهُم أحدٌ، ثمَّ النِّسَاءُ والغِلمَانُ. وقد أكثَر النَّاسُ في ذكرِ مَن أدخَله في قبرِه، وفي هيئةِ كَفَنِه،

стр. 222

وفي صفةِ خَلْقِه وخُلُقِه وشَيبِه، وغَزواتِه وسِيَرِه ﷺ بِمَّا (١) لا سبيلَ في كتابِنا هذا إلى ذكرِه، وإنَّما أجْرَينا مِن ذكرِه ﷺ ههُنا (٢) لُمَعًا يَحْسُنُ الوقوفُ عليها والمُذاكَرةُ بها؛ تَبَرُّكًا بذِكرِه في أَوَّلِ الكتابِ، واللهُ المُوَفِّقُ للصَّوَابِ. وأَصَحُّ ذلك أنَّه نزَل في قبرِه ﷺ العَبَّاسُ عَمُّه وعليٌّ معه وقُثَمُ بنُ العَبَّاسِ والفضلُ بنُ العَبَّاسِ، ويُقالُ: كان أَوسُ بنُ خَوْلِيٍّ وأُسامةُ بنُ زيدٍ معهم، وكان آخِرَهم خُرُوجًا مِن القبرِ قُثَمُ بنُ العَبَّاسِ، كان آخِرَ النَّاسِ عَهْدًا برسولِ اللهِ ﷺ ، ذكر ذلك ابنُ عَبَّاسٍ وغيرُه (٣)، وهو الصَّحِيحُ. وقد ذُكِرَ عن المُغِيرةِ بن شُعبةَ في ذلك خبرٌ لا يَصِحُّ، أَنكَره أهلُ العلمِ ودفَعوه (٤).

стр. 223

[وأُلحِدَ (١) له ﷺ ، وبُنِيَ في قبرِه اللَّبِنُ، يُقالُ: تِسْعُ (٢) لَبِنَاتٍ] (٣). وطُرِحَ في قَبرِه سَمَلُ (٤) قَطِيفَةٍ كان يَلْبَسُها، فلمَّا فرَغوا مِن وَضْعِ اللَّبِنِ أخرَجوها وأَهالوا التُّرَابَ على لَحدِه، وجُعِلَ قبرُه مَسطُوحًا، ورُشَّ عليه الماءُ رَشًّا. أخبرنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَّاحٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شَيبَةَ، قال: حدَّثنا حُسَينُ بنُ عليٍّ الجُعْفِيُّ، عن زائدةَ بنِ قُدامةَ، عن المُختارِ بن فُلْفُلٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "ما صُدَّقَ نبيٌّ ما صُدِّقتُ؛ إِنَّ مِن الأنبياءِ مَن لم يُصَدِّقْه مِن أُمَّتِهِ إِلَّا رجلٌ واحدٌ" (٥). وأمَّا فَضائِلُه وأعلامُ نُبُوَّتِه ﷺ فقد وضَع (٦) فيها جماعةٌ مِن العلماءِ، وجمَع كلٌّ منها (٧) ما انتَهَتْ إليه رِوايَتُه ومُطالَعَتُه، وهي أكثرُ مِن أنْ تُحْصَى، [والحمدُ للهِ] (٨).

стр. 224

وممَّا رُثِيَ به [رسولُ اللهِ] (١) ﷺ قولُ صَفِيَّةَ عَمَّتِه (٢)، قال الزُّبَيرُ (٣): حدَّثني عَمِّي (٤) مصعبُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: حدَّثني أبي عبدُ اللهِ بنُ مصعبٍ، قال: رَوَيْتُ من (٥) هشامِ بنِ عُروةَ لصَفِيَّةَ بنتِ عبدِ المُطَّلِبِ تَرْثِي رسولَ اللهِ ﷺ : أَلَا يا رسولَ اللهِ كُنتَ رجاءَنا … وكُنتَ بِنا بَرًّا ولم تَكُ جَافِيَا وكُنتَ رَحِيمًا هَادِيًا ومُعلِّمًا … لِيَبْكِ عليكَ اليومَ مَن كان بَاكِيَا لَعَمُرُكَ ما أَبكِي النَّبِيَّ لفَقْدِهِ … ولكِنْ لِما أَخْشَى مِن الهَرْج آتِيَا كأنَّ على قَلبِي لذِكرِ محمدٍ … وما خِفْتُ مِن بعدِ النَّبِيِّ المَكاوِيَا

стр. 225

أَفَاطِمُ صَلَّى اللهُ ربُّ محمدٍ … على جَدَثٍ أَمْسَى بِيَثْرِبَ ثَاوِيَا فَدًى (١) لرَسولِ اللهِ أُمِّي وخَالَتِي … وعَمِّي وآبائِي ونَفْسِي وَمَالِيَا صَدَقْتَ وبَلَّغْتَ الرِّسالةَ صادِقا … ومِتَّ صَلِيبَ العُودِ أَبْلَجَ صَافِيَا فلَو أَنَّ رَبَّ النَّاسِ أَبْقَى نَبَيَّنا … سُعِدْنَا (٢) ولكِنْ أمْرُه كان مَاضِيَا عليكَ مِن اللهِ السَّلامُ تَحِيَّةً … وأُدخِلْتَ جَنَّاتٍ مِن العَدْنِ رَاضِيَا أَرَى حَسَنًا أَيْتَمْتَه وتَرَكْتَه … يَبْكِي ويَدْعُو جَدَّه اليومَ نَائِيَا (٣) وكان له ﷺ أسماءٌ وصفاتٌ جاءَتْ عنه في أحادِيثَ شَتَّى بأسانِيدَ حِسَانٍ؛ قال: "أنا محمدٌ، وأنا أحمدُ، وأنا الحاشِرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمِي، وأنا المَاحِي الذي يَمْحُو اللهُ بي الكُفْرَ، وأنا الخاتم (٤)، ختَم اللهُ بِيَ النُّبُوَّةَ، وأنا العاقِبُ فَلَيسَ بَعْدِي نَبِيٌّ" (٥)، و "أنا المُقَفِّي - يعني: بعدَ الأنبياءِ كلِّهم - ونَبِيُّ التَّوبَةِ، ونَبِيُّ الرَّحمةِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ" (٦)، ويُروى: "المَلاحِمِ"، جَاء هذا كلُّهُ عنه في آثارٍ شَتَّى مِن طُرُقٍ حِسَانٍ (٧).

стр. 226

وكان يُكْنَى أبا القاسمِ ﷺ ، لا خلافَ في ذلك. حدَّثنا يَعِيشُ بنُ سعيدٍ وسعيدُ بنُ نصرٍ، قالا: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا أبو الأَحوَصِ محمدُ بنُ الهَيثَمِ، قال: حدَّثنا أبو يَعقُوبَ الحُنَينِيُّ، عن داودَ بن قَيسٍ، عن موسى بنِ يَسَارٍ، عن أبي هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "تَسَمَّوْا باسمِي، ولا تَكَنَّوْا بِكُنْيَتي، فإنِّي أنا أبو القاسمِ" (١). وحدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسِمُ بنُ أصبَغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ السَّلامِ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا أبو

стр. 227

عاصمٍ، قال: حدَّثنا ابنُ عَجْلانَ، عن أبيه، عن أبي هُرَيرةَ، عن النَّبِيِّ ﷺ ، قال: "لا تَجْمَعُوا بينَ اسْمِي وكُنْيَتي؛ فإنَّما أنا أبو القاسمِ، اللهُ يُعْطِي، وأنا أَقْسِمُ" (١). وأمَّا وَلَدُه ﷺ فكُلُّهُم من خديجة إلا إبراهيمَ، فإنَّه مِن مارِيَةَ القِبْطِيَّة، ووَلَدُه مِن خديجةَ أربعُ بناتٍ لا خلافَ في ذلك، أَكبَرُهُنَّ زينبُ بلا خلافٍ، وبعدَها أُمُّ كُلثومٍ، وقيل: بل رُقَيَّةُ، [وهو الأَولَى] (٢)؛ لأنَّ رُقَيَّةَ تَزَوَّجَها عثمانُ قبلُ، ومعها هاجرَ إلى أرضِ الحبشةِ، ثم تَزَوَّجَ بعدَها وبعدَ وقعَةِ بدرٍ أُمَّ كُلثومٍ، وسيأْتي ذكِرُ كلِّ واحدةٍ مِنهُنَّ في بابِها مِن كتابِ النِّساءِ في هذا الدِّيوانِ (٣) إن شاءَ اللهُ، وقد قيل: إنَّ رُقَيَّةَ أَصغَرُهُنَّ، والأكثرُ (٤) أَنَّ أَصْغَرَهُنَّ فاطمةُ، رضي اللهُ عن جميعِهِنَّ. واختُلِفَ في الذُّكورِ؛ فقيل: أربعةٌ؛ القاسمُ، وعبدُ اللهِ، والطَّيِّبُ، والطَّاهِرُ، وقيل: ثلاثةٌ، ومَن قال هذا قال: عبدُ اللهِ سُمِّيَ الطَّيِّبَ؛ لأنَّه وُلِدَ في الإسلامِ، ومَن قال: غُلامانِ، قال: القاسمُ، وبه

стр. 228

كان يُكْنَى ﷺ ، وعبدُ اللهِ، قيل له: الطَّاهِرُ والطَّيِّبُ؛ لأنَّه وُلِدَ بعدَ المَبْعَثِ، ووُلِدَ القاسمُ قبلَ المَبْعَثِ، ومات القاسِمُ بمَكَّةَ قبلَ المَبْعَثِ، وقد ذكَرْنا الاختلافَ في ذلك كُلِّه، وسَمَّينا القائِلِينَ به في بابِ خديجةَ مِن كتابِ النِّساءِ هذا [الدِّيوانِ، والحمدُ للهِ] (١). حدَّثنا أبو عمرَ أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ قِراءةً مِنِّي عليه، أنَّ (٢) محمدَ بنَ عيسى حدَّثهم، قال: حدَّثنا يحيى بنُ أيوبَ (٣) العَلَّافُ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ أبي السَّرِيِّ العَسْقَلانِيُّ، قال: حدَّثنا الوليدُ بنُ مُسلِمٍ، عن شُعَيبِ بنِ أبي حَمْزَةَ، عن عطاءٍ الخُرَاسَانِيِّ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ عبدَ المُطَّلِبِ خَتَنَ النَّبِيَّ ﷺ يومَ سابعِه، وجعَل له مأدُبةً، وسَمَّاه محمدًا ﷺ ، قال يحيى بنُ أيوبَ: ما وَجَدْنا هذا الحديثَ عندَ أحدٍ إِلَّا عندَ ابنِ أبي السَّرِيِّ (٤). وقد رُوِي أَنَّ رسولَ اللهِ ﷺ وُلِدَ مَخْتونًا مِن حديثِ عبدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ، عن أبيه العَبَّاسِ بنِ عبدِ المُطَّلِبِ، قال: وُلِدَ رسولُ اللهِ ﷺ مَختونًا مَسرورًا، يعني: مَقْطُوعَ السُّرَّةِ، فَأَعْجَبَ ذلك جَدَّه عبدَ المُطَّلِبِ، وقال: لَيَكُونَنَّ لابنِي هذا شأنٌ عظيمٌ (٥)، وليس إسنادُ

стр. 229

حديثِ العَبَّاسِ هذا بالقائمِ، وفي حديثِ ابنِ عَبَّاسٍ عن أبي سفيانَ (١) في قِصَّتِه مع هِرَقْلَ (٢)، وهو حديثٌ ثابتٌ مِن جهةِ الإسنادِ، دليل على أنَّ العربَ كانَتْ تَخْتَتِنُ، وأَظنُّ ذلك من جهةِ مُجاوَرَتِهِم في الحجازِ ليهود (٣)، واللهُ أعلمُ. واختُلِف في سِنِّهِ ﷺ يومَ مات؛ فقيل: سِتُّونَ سنةً، روَى ذلك ربيعةُ وأبو غالبٍ عن أنسِ بنِ مالكٍ (٤)، وهو قولُ عُروةَ بنِ الزُّبَيرِ ومالِك بنِ أنسٍ (٥)، وقد روَى حَميدٌ عن أنسٍ، قال: تُوفِّي رسولُ اللهِ وهو ابنُ خمسٍ وسِتِّينَ (٦)، ذكَره أحمدُ بنُ زُهَيْرٍ، عن المُثَنَّى بنِ مُعاذٍ، عن بشرِ بنِ المُفَضَلِ، عن حُمَيدٍ، عن أنسٍ (٧)، وهو قولُ دَغْفَلِ

стр. 230

ابنِ حَنْظَلَةَ السَّدُوسِيِّ (١) النَّسَّابةِ، ورَوَاه مُعاذٌ، عن هشامٍ، عن قتادةَ، عن أنسٍ (٢)، ورَوَاه الحسنُ البَصْرِيُّ، عن دَغْفَلِ [بنِ عليٍّ] (٣)، قال: تُوفِّي رسولُ اللهِ ﷺ وهو ابنُ خَمْسٍ وَسِتِّينَ سنةً (٤)، ولم يُدْرِكْ دَغْفَلُ النَّبيَّ ﷺ ، وقال البخاريُّ (٥): ولا نَعرِفُ للحسنِ سَمَاعًا مِن دَغْفَلٍ. قال البخاريُّ (٦): وروَى عَمَّارُ بنُ أبي عَمَّارٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، قال: تُوفِّيَ رسولُ اللهِ ﷺ وهو ابنُ خمسٍ وسِتِّينَ. قال البخاريُّ (٦): ولا يُتابَعُ عليه عن ابنِ عَبَّاسٍ، إلا شيءٌ رَواه العلاءُ بنُ صالحٍ، عن المِنْهالِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، عن ابنِ عَبَّاسٍ. قال البخاريُّ (٦): روَى عكرمةُ وأبو سَلَمةَ وأبو ظَبْيانَ وعمرُو بنُ دينارٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قُبِضَ وهو ابنُ ثلاثٍ

стр. 231

وسِتِّينَ (١). قال أبو عمرَ ﵁: قد تابَع عَمَّارَ بنَ أبي عَمَّارٍ على روايتِه المذكورةِ عن ابنِ عَبَّاسٍ: يوسف بنُ مِهْران عن ابنِ عَبَّاسٍ في خمسٍ وسِتِّينَ (٢). والصَّحِيحُ عندَنا روايةُ مَن روى ثلاثًا وسِتِّين، رَواه عن ابنِ عَبَّاسٍ مَن تقدَّم ذِكرُ البخاريِّ لهم في ذلك، ورَواه كما رَواه أُولئِكَ مِمَّن لم يَذكُرُه البخاريُّ: أبو جَمرةَ (٣)، ومحمدُ بن سِيرِينَ، ومِقْسَمٌ، عن ابنِ عَبَّاسٍ، أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ تُوفِّي وهو ابنُ ثلاثٍ وسِتِّينَ (٤)، ولم يُختَلَفْ عن عائشةَ أَنَّه تُوفِّي ﷺ وهو ابنُ ثلاثٍ وسِتِّينَ (٥)، وهو قولُ محمدِ بنِ عليٍّ (٦)، وجريرِ بنِ عبدِ اللهِ

стр. 232

البَجَلِيِّ (١)، وأبي إسحاقَ السَّبِيعِيِّ، ومحمدِ بنِ إسحاقَ (٢). أخبَرنا خلفُ بنُ قاسمِ بنِ سهلٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ جعفرِ ابنِ (٣) محمدِ بنِ الوَرْدِ، قال: حدَّثنا قال: حدَّثنا يحيى بنُ أَيُّوبَ بن بادِي (٤) وأحمدُ بنُ حَمَّادٍ، قالا: حدَّثنا يحيى بنُ عبدِ اللهِ بنِ بُكَيرٍ، قال: حدَّثني اللَّيثُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثني خالدُ بنُ يزيدَ، عن سعيدِ بنِ أبي هلالٍ، عن [هلالِ بنِ سَلَمةَ (٥)، عن عطاءِ] (٦) بنِ يسارٍ، عن عبدِ اللهِ

стр. 233

ابنِ سَلَام، أنَّه كان يقولُ: إِنَّا لَنَجِدُ صِفَةَ رسولِ اللهِ ﷺ : إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وحِرْزًا للأُمِّيِّينَ، أنتَ عَبدِي ورَسُولِي، سَمَّيتُك المُتَوَكِّل، ليس (١) بِفَظٌ ولا غَلِيظٍ، وَلا صَخَّابٍ (٢) في الأسواقِ، ولا يَجْزِي بالسَّيِّئَةِ (٣) مِثلَها، ولكِنْ يَعفو ويَتَجاوَزُ، ولن أقبضَه (٤) حَتَّى أُقِيمَ به (٥) المِلَّةَ العَوْجَاءَ (٦)، بأن يُشْهَدَ أَنْ لا إلهَ إِلَّا اللهُ، أَفْتَحُ بِه أَعيُنًا عُمْيًا، وآذَانًا صُمًّا، وقُلُوبًا غُلْفًا. قال عطاءُ بنُ يَسَارٍ: وأخبَرني أبو واقدٍ اللَّيثيُّ، أَنَّهُ سَمِعَ كعبَ الأحبارِ يقولُ مثلَ ما قال عبدُ اللهِ بنُ سَلامٍ (٧).

стр. 234

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 235

بابُ حرفِ الألفِ (١) [١] إبراهيمُ ابنُ النَّبيِّ ﷺ - (٢)، وَلَدَتْه له سُرِّيَّتُه ماريَةُ القِبْطِيَّةُ في ذي الحِجَّةِ سنةَ ثَمَانٍ مِن الهجرةِ، وذكَر الزُّبَيرُ (٣) عن أشياخِه، أنَّ أمَّ إبراهيم ماريةَ وَلَدَتْه بالعاليةِ (٤) في المالِ (٥) الذي يُقَالُ له اليومَ: مَشْرَبةُ أُمِّ (٦) إبراهيمَ بالقُفِّ (٧)، وكانَتْ قابِلَتُها سَلْمَى مَولاةَ النَّبِيِّ ﷺ امرأةَ أبي رافعٍ، فبَشَّرَ أبو رافعٍ به النَّبيَّ ﷺ ، فوَهَبَ له عبدًا، فلما كان يومُ سابعِه عَقَّ عنه بكَبْشٍ، وحَلَقَ رأسَه، حلَقه أبو هندٍ، وسَمَّاه يومئذٍ، وتَصَدَّقَ بوَزنِ شَعَرِه وَرِقًا على المساكينِ، وأخَذوا شَعَرَه فَدَفَنوه في الأرضِ. هكذا قال الزُّبَيرُ: سَمَّاه يومَ سابعِه، والحديثُ المرفوعُ أَصَحُّ مِن

стр. 236

قولِه وأَولَى (١). حدَّثنا سعيدُ بنُ نصرٍ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبغَ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ وَضَاحٍ، حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ، حَدَّثنا شَبَابَةُ بنُ سَوَّارٍ، قال: حدَّثنا سليمانُ بنُ المُغيرة، عن ثابتٍ، عن أنسٍ قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "وُلِدَ لي اللَّيلةَ غُلامٌ فَسَمَّيْتُه باسمِ أبي إبراهيمَ (٢). قال الزُّبَيرُ: ثمَّ دفعه إلى أُمِّ سَيفٍ امرأةِ قَيْنٍ (٣) بالمدينةِ، يُقالُ له: أبو سَيفٍ (٤). قال أبو عمرَ ﵁: في حديثِ أنسٍ تَصدِيقُ ما ذكَر الزُّبَيرُ أنَّه دفَعه إلى أُمِّ سيفٍ؛ قال أنسٌ في حديثِه في موتِ إبراهيمَ، قال: فانطَلَقَ رسولُ اللهِ ﷺ وانطَلَقْتُ معه، فصادَفْنا أبا سيفٍ يَنفُخُ في كِيرِه (٥)، وقد امتَلأَ البيتُ دُخَانًا، فَأَسرَعْتُ في المَشْيِ بينَ يَدَيْ رسولِ اللهِ ﷺ

стр. 237

حتَّى انتَهَيتُ إلى أبي سَيفٍ، فقلتُ: يا أبا سيفٍ أَمسِكْ، جاء رسولُ اللهِ ﷺ ، فأَمسَكَ، فدَعَا رسولُ اللهِ ﷺ بالصَّبِيِّ فضَمَّه إليه، وقال ما شاءَ اللهِ أن يقولَ، قال: فلقد رَأَيْتُه يَكِيدُ بنفسِه (١)، قال: فدَمَعَتْ عينَا النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "تَدْمَعُ العينُ، ويَحْزَنُ القلبُ، ولا نقولُ إلا ما يُرضِى الرَّبَّ، وإِنَّا بك يا إبراهيمُ لمَحزُونُون". قال الزُّبَيرُ أيضًا (٢): وتَنَافَسَتِ الأنصارُ فيمَن يُرْضِعُه، وأَحَبُّوا أَنْ يُفرِّغوا ماريَةَ للنَّبيِّ ﷺ ، لِمَا يَعْلَمون مِن هَوَاه فيها، وكانَتْ لرسولِ اللهِ ﷺ قِطعةٌ مِن ضَأْنٍ تَرْعَى بالقُفِّ، ولِقَاحٌ (٣) بذِي الجَدْرِ (٤) تروحُ عليها، فكانَتْ تُؤتَي بلبنها كلَّ ليلةٍ فتَشْرَبُ منه وتَسْقِي ابنَها (٥)، فجاءَتْ أُمُّ بُرْدَةَ بنتُ المُنذِرِ بنِ زيدٍ الأنصارِيِّ زَوجةُ البراءِ بنِ أوسٍ، فكَلَّمَتْ رسولَ اللهِ ﷺ في أَنْ تُرضِعَه، [فكانت تُرْضِعُه] (٦) بلَبانِ (٧) ابنِها في بَنِي مازِنِ بنِ النَّجَّارِ، وتَرجِعُ به إلى أُمِّهِ، وأعطَى رسولُ اللهِ ﷺ

стр. 238

أُمَّ بُرْدَةَ قِطْعَةً مِن نَخْلٍ، فَنَاقَلَتْ (١) بها إلى مالِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعةَ، وتُوفِّي إبراهيمُ في بَنِي مازنٍ (٢) عندَ أُمِّ بُرْدَةَ، وهو ابنُ ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وكانَتْ وفاتُه في ذِي الحِجَّةِ من (٣) سنةِ ثَمَانٍ - وقيل: بل وُلِدَ في ذي الحِجَّةِ سنةَ ثَمَانٍ، وتُوفِّي سنةَ عَشْرٍ - وَغَسَلَتْه أُمُّ بُرْدَةَ، وحُمِلَ من بيتها على سريرٍ صغيرٍ وصَلَّى عليه رسول الله ﷺ بالبقيع، وقال: "نَدْفِنُه عندَ فَرَطنا (٤) عثمانَ بنِ مَطْعُونٍ". وقال الواقديُّ (٥): تُوفِّي إبراهيمُ ابنُ النَّبِيِّ ﷺ يومَ الثَّلاثاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَت مِن اربيعلأَوَّلِ سنةَ عَشْرٍ، ودُفِنَ بالبَقِيعِ، وكانَتْ وفاتُه في بَنِي مازنٍ عندَ أُمِّ بُرْدَةَ ابنةِ المُنذِرِ مِن بَنِي النَّجَّارِ، ومات وهو ابنُ ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا، وكذلك قال مُصْعَبٌ (٦)، وهو الذي ذكر (٧) الزُّبَيرُ.

стр. 239

وقال آخرون: تُوفِّي وهو ابنُ سِتَّةَ (١) عَشَرَ شَهرًا. قال محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ مُؤَمَّلٍ المَخزومِيُّ في "تاريخِه": ثمَّ دَخَلَتْ سنةُ عَشْرٍ، ففيها تُوفِّي إبراهيمُ ابنُ النَّبِيِّ ﷺ ، وكَسَفَتِ الشَّمسُ يومئذٍ على ثنْتَي عَشْرَة سَاعَةً مِنَ النَّهارِ، وتُوفِّي وهو ابنُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهرًا وثمانيةِ أيَّامٍ (٢)، وقال غيرُه: تُوفِّي وهو ابنُ [سنةٍ وعشَرَةِ أَشْهُرٍ] (٣) وستَّةِ أَيَّامٍ، وذلك سنةَ عَشْرٍ. وأَرفَعُ ما فيه ما ذكَره محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثني عبدُ اللهِ بنُ أبي بكرٍ، عن عَمْرةَ بنتِ عبدِ الرَّحمنِ، عن عائشةَ، قالَتْ: تُوفِّي إبراهيمُ ابنُ النَّبِيِّ ﷺ وهو ابنُ ثمانيةَ عَشَرَ شهرًا (٤). قال أبو عمرَ ﵁: ثبَت أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ بكَى على ابنِه إبراهيمَ دونَ رفعِ صوتٍ، وقال: "تَدْمَعُ العَينُ، ويَحْزَنُ القلبُ، ولا نقولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ، وإنَّا بِكَ يا إبراهيمُ لمَحزونون". حدَّثنا خلفُ بن قاسمٍ، حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، حدَّثنا أبو بشرٍ الدُّولابِيُّ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ البغدادِيُّ، حدَّثنا عُبَيدُ (٥) اللهِ بنُ

стр. 240

موسى، حدَّثنا ابنُ أبي ليلى، عن عطاءٍ، عن جابرٍ، قال: أخَذ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِ عبدِ الرَّحمنِ بنِ عوفٍ، فأتَى به (١) النَّخَل، فإذا ابنُه إبراهيمُ في حجْرِ أُمِّهِ وهو يَجُودُ بنفسِه، فأخَذه رسولُ اللهِ ﷺ فوضَعَه فِي حَجْرِهِ، ثمَّ قال: "يا إبراهيمُ، إنَّا لا نُغنِي عنك مِن اللهِ شيئًا"، ثمَّ ذَرَفَت عَيناه، ثمَّ قال: "يا إبراهيمُ، لولا أَنَّهُ أَمرٌ حَقٌّ، ووَعدٌ صِدقُ، وأَنَّ آخِرَنَا سَيَلْحَقُ أَوْلَنَا، لَحَزِنَّا عليك حُزْنًا هو أَشَدُّ مِن هذا، وإِنَّا بك يا إبراهيمُ لمَحزُونونَ، تَبْكِي العينُ، ويَحْزَنُ القلبُ، ولا نقولُ ما يُسْخِطُ الرَّبَّ" (٢). وحدَّثنا خلفُ بن قاسمٍ، قال: حدَّثنا الحسنُ، حدَّثنا أبو بشرٍ، حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ، حدَّثنا عَفَّانُ بنُ مسلمٍ، حدَّثنا سليمانُ بنُ المُغِيرَةِ، حدَّثنا ثابِتٌ، عن أنسٍ قال: لقد رأيتُ إبراهيمَ (٣) وهو يَكِيدُ بنفسِه بينَ يَدَيِ النَّبيِّ ﷺ ، فَدَمَعَتْ عَينا رسولِ اللهِ ﷺ ، فقال: "تَدْمَعُ العينُ، وَيَحْزَنُ القلبُ، ولا نقولُ إلا ما يُرضِي الرَّبَّ، وإِنَّا بِكَ يا إبراهيمُ لمَحزونونَ" (٤). ووافَق موتُه كُسُوفَ الشَّمسِ، فقال قومٌ: إِنَّ الشَّمسَ انكَسَفَتْ لمَوتِه، فخَطَبَهم رسولُ اللهِ ﷺ ، فقال: "إنَّ الشَّمسَ والقمرَ

стр. 241

آيتانِ مِن آياتِ اللهِ لا يَخْسِفانِ لمَوتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا رأيتُم ذلك فافزَعوا إلى ذكرِ اللهِ والصَّلاةِ" (١). وقال حينَ تُوفّي ابنُه إبراهيمُ: "إنَّ له مُرْضِعًا (٢) في الجَنَّةِ يُتِمُّ (٣) رَضاعَه (٤) ". حدَّثنا سعيدٌ، حدَّثنا قاسمٌ، [حدَّثنا محمدُ بنُ وضَّاحٍ] (٥)، حدَّثنا أبو بكرٍ، حدَّثنا وكيعٌ عن شُعبةَ، عن عَدِيِّ بنِ ثابتٍ، قال: سمِعتُ البراءَ يقولُ: قال رسولُ اللهِ ﷺ لمَّا مات إبراهيمُ: "أمَا (٦) إِنَّ له مُرضِعًا في الجَنَّةِ" (٧). وصلَّى عليه رسولُ اللهِ ﷺ وكبَّرَ (٨) أربعًا، هذا قولُ جمهورِ أهلِ

стр. 242

العلمِ، وهو الصَّحِيحُ، وكذلك قال الشَّعبِيُّ، قال: مات إبراهيمُ ابنُ النَّبِيِّ ﷺ وهو ابنُ سِتَّةَ عَشَر شهرًا، فصَلَّى عليه النَّبِيُّ ﷺ (١). وروَى ابنُ إسحاقَ، عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، عن عَمْرة، عن عائشةَ، أنَّ رسولَ الله ﷺ دفَن ابنه إبراهيمَ ولم يُصَلِّ عليه (٢)، وهذا غيرُ صحيحٍ، واللهُ أعلمُ؛ لأنّ الجمهورَ قد أجمَعوا على الصَّلاةِ على الأطفالِ إذا استَهَلُّوا؛ ورِاثَةً (٣) وعملًا مُسْتَفِيضًا عن السَّلَفِ والخَلَفِ، ولا أعلمُ أحدًا جاء عنه غيرُ هذا، إِلَّا عن سَمُرةَ بنِ جُندَبٍ، واللهُ أعلمُ (٤). وقد يَحتمِلُ أنْ يكونَ معنى حديثِ عائشةَ: أي (٥): لم يُصَلِّ عليه في جماعةٍ، أو أمَر أصحابَه فصَلُّوا عليه ولم يَحضُرْهم، فلا يكونُ مُخالِفًا لِما عليه العلماء في ذلك، وهو أولى ما حُمِلَ عليه حديثُها ذلك، واللهُ أعلمُ. وقد قيل: إِنَّ الفضلَ بنَ العَبَّاسِ غَسَلَ إبراهيمَ" [ابنَ النبيِّ ﷺ ] (٦)،

стр. 243

ونزَل في قبرِه مع أسامةَ بنِ زيدٍ، ورسولُ اللهِ ﷺ جالِسٌ على شَفِيرِ القبرِ (١)، قال الزُّبَيرُ (٢): ورَشَ قبرَه، وأَعلَمَ فيه بعلامةٍ، قال: وهو أَوَّلُ قبرٍ رُشَّ عليه. ورُوِي عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّه قال: "لو عاشَ إبراهيمُ لأَعتَقتُ أخوالَه، ولَوَضَعَتُ الجِزيةَ عن كلَّ قِبْطِيٍّ" (٣)، وقال ﷺ : "إِذا دَخَلْتُم مصرَ فاستَوصُوا بالقِبْطِ خيرًا؛ فإنَّ لهم ذِمَّةً ورَحِمًا" (٤). وكانَتْ ماريَةُ القِبْطِيَّةُ قد أَهدَاها إلى رسولِ اللهِ ﷺ المُقَوْقِسُ صاحبُ الإسكندريَّةِ ومِصرَ هى وأُختَها سيرينَ، فوهَب رسولُ اللهِ ﷺ سيرينَ لحَسَّانَ بنِ ثابتٍ الشَّاعرِ، فوَلَدَتْ له عبدَ الرَّحْمنِ بنَ حَسَّانَ. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، حدَّثنا يعقوبُ بنُ المُباركِ أبو يوسفَ،

стр. 244

قال: حدَّثنا داودُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا عبيدُ (١) اللهِ بنُ عمرَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ محمدٍ، قال: حدَّثنا أسباطُ بنُ نصرٍ الهَمْدانِيُّ، عن السُّدِّيِّ، قال: سألتُ أنس بن مالكٍ: كُمْ كان بلَغ إبراهيمُ ابنُ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قال: قد كان مَلأ مَهْدَه، ولو بَقِيَ لكان نَبِيًّا، ولكِنْ لم يَكُنْ ليَبْقَى؛ لأنَّ نَبِيَّكم آخِرُ الأنبياءِ ﷺ (٢). حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، حدَّثنا الحسنُ بنُ رَشِيقٍ، حدَّثنا أبو بشرٍ الدُّولابِيُّ، قال: حدَّثنا إبراهيمُ بنُ يعقوبَ، قال: حدَّثنا أحمدُ بنُ جَنَابٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ يُونُسَ، عن ابنِ أبي خالدٍ، قال: قُلتُ لابنِ أبي أَوفَى: رأيتَ إبراهيمَ ابنَ النَّبِيِّ ﷺ ؟ قال: مات وهو صغيرٌ، ولو قُدِّرَ أنْ يكونَ بعدَ محمدٍ ﷺ نَبِيٌّ لعاشَ، ولكنَّه لا نَبِيَّ بعدَ محمدٍ ﷺ (٣). قال أبو عمرَ ﵁: هذا لا أَدرِي ما هو (٤)، وقد ولَد نوحٌ عَلَيه

стр. 245

السَّلامُ مَن ليس بنَبِيٍّ، وكما يَلِدُ غيرُ النَّبيِّ نبيًّا، فكذلك يجوزُ أن يَلِدَ النَّبِيُّ غيرَ نَبِيٍّ، واللهُ أعلمُ. ولو لم يَلِدِ النَّبِيُّ إِلَّا نَبِيًّا لكان كلُّ أحدٍ (١) نَبِيًّا؛ لأنَّه مِن وَلَدِ نوحٍ ﵇، وآدمُ نبيٌّ مُكَلَّمٌ، وما أعلمُ في ولدِه لصُلْبِه نبيًّا غيرَ شيثٍ. حدَّثنا خلفُ بنُ قاسمٍ، قال: حدَّثنا أبو بكرٍ أحمدُ بنُ إبراهيمَ بنِ أحمدَ، قال: حدَّثنا زكريَّا بنُ يحيى السِّجْزِيُّ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: حدَّثنا أبو داودَ، قال: حدَّثنا ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]، قال: بمحمدٍ (٢) وأصحابِه ﵃ (٣). * * *

стр. 246

مَن أَوَّلُ اسمِه [على ألفٍ] (١) مِن الصَّحابة ﵃ بابُ أُبَيٍّ [٢] أُبَيُّ بنُ كعبِ بنِ قيسِ بنِ عُبَيدِ بنِ زيدِ بنِ معاويةَ بنِ عمرِو بنِ مالِك بنِ النَّجَّارِ -والنَّجارُ (٢) هو تَيمُ اللَّاتِ- بنِ ثعلبةَ بنِ عمرِو بنِ الخَزْرَجِ الأكبرِ الأنصاريُّ المُعَاوِيُّ (٣)، وبنو معاويةَ بنِ عمرٍو يُعرَفون ببَنِي حُدَيلةَ (٤)، وهي أُمُّهم، يُنسَبون إليها، وهي حُدَيلةُ (٤) بنتُ مالِك ابنِ زيدِ اللهِ بنِ حبيبِ بنِ عبدِ حارثةَ بن مالكِ بنِ غَضْبٍ (٥) بن جُشَمَ ابنِ الخَزْرجِ (٦)، أمُّ معاويةَ بن عمرٍو، وأُمُّه صُهَيلةُ بنتُ الأسودِ

стр. 247

ابن حرامِ بن عمرِو بنِ زيدِ مَناةَ بنِ عَدِيِّ بنِ عمرِو بنِ مالكِ بنِ النَّجَّارِ، وهي عَمَّةُ أبي طلحةَ الأنصاريِّ. وزعَم ابنُ سيرينَ أَنَّ النَّجَّارَ إنَّما سُمِّيَ النَّجَّارَ لأَنَّه اختَتَنَ بِقَدُومٍ (١)، وقال غيرُه: [بل نَجَرَ] (٢) وَجهَ رجلٍ بقَدُومٍ (٣)، فقيل له: النَّجَّارُ. يُكنَى أُبَيُّ بن كعبٍ أبا الطُّفَيلِ، وأبا المُنذِرِ؛ روَى وكيعٌ، عن طلحةَ بنِ يحيى، عن أبي بُردةَ، عن أبي موسى (٤)، قال: جاء أُبَيُّ بنُ كعبٍ إلى عمرَ ﵁، فقال: يا ابنَ الخَطَّابِ، فقال له عمرُ: يا أبا الطُّفَيلِ، في حديثٍ ذكَره (٥). وأخبرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ قال (٦): حدَّثنا قاسمٌ (٧)، حدَّثنا محمدٌ (٨)، حدَّثنا أبو بكرِ بنُ أبي شيبةَ، حدَّثنا عبدُ الأعلى، عن الجُرَيرِيِّ (٩)، عن أبي السَّلِيلِ، عن عبدِ (١٠) اللهِ بنِ رَبَاحٍ، عن أُبَيِّ بنِ

стр. 248

كعبٍ، قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : "يا أبا المُنذِرِ، أَيُّ آيةٍ معك في كتابِ اللهِ أعظمُ؟ "، فقلتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، قال: فضَرَبَ صَدْرِي، وقال: "لِيَهْنِكَ (١) العِلمُ أبا المُنذِرِ"، وذكر تمامَ الحديثِ (٢). قال أبو عمرَ ﵁: شهِد أُبَيُّ بنُ كعبٍ العقبةَ الثَّانِيةَ، وبايَعَ النَّبِيَّ ﷺ فيها، ثمَّ شَهِدَ بدرًا، وكان أحدَ فقهاءِ الصَّحابةِ وأَقرَأَهم لكتابِ اللهِ ؛ رُوِيَ عن النَّبِيِّ ﷺ أَنَّه قال: "أَقرَأُ أُمَّتِي أُبَيٌّ" (٣)، ورُوي عنه ﷺ أنَّه قال (٤): "أُمِرْتُ أَنْ أَقرَأَ عليك القرآنَ"، أو "أَعرِضَ عليك القرآنَ". أخبَرنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بنُ أصبَغَ، حدَّثنا جعفرُ بنُ محمدٍ الصَّائِغُ، قال: حدَّثنا عَفَّانُ بنُ مسلمٍ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بنُ المباركِ، قال: أخبَرني الأَجْلَحُ، عن عبدِ اللهِ (٥) بنِ عبدِ الرَّحْمَنِ

стр. 249

ابنِ أَبْزَى، عن أبيه، عن أُبَيِّ بنِ كعبٍ، قال: قال لي (١) رسولُ اللهِ ﷺ : "أُمِرتُ أن أقرأ عليك القُرآنَ"، قال: قلتُ: يا رسول الله، سَمَّاني لك رَبُّكَ؟! قال: "نعم"، فقرأ عليَّ: " ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا (٢) هُوَ خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُونَ﴾ (٣) بالتَّاءِ جميعًا (٤). قال أبو عمرَ ﵁: وقد رُوِيَ عنه أنَّه قرَأَهما جميعًا بالياءِ (٥). حدَّثنا عبدُ الوارثِ بنُ سفيانَ، قال: حدَّثنا قاسمُ بن أصبَغَ، قال: حدَّثنا جعفرُ بن محمدٍ الصَّائِغُ، قال: حدَّثنا [عَفَّانُ، قال: حدَّثنا هَمَّامٌ] (٦)، عن قتادةَ عن أنسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا أُبَيًّا، فقال: "إِنَّ اللهَ

стр. 250

أمَرني أَنْ أَقرَأَ (١) عليك"، قال: آللهُ سَمَّانِي لك؟! قال: "نعم"، فجعَل أُبَيٌّ (٢) يَبكِي، قال (٣) أنسٌ: ونُبِّئْتُ أنَّه قرَأ عليه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال عَفَّانُ: وأخبرَنا حَمَّادُ بنُ سَلَمَةَ، قال: حدَّثنا علىُّ بنُ زيدٍ، عن عَمَّارِ بنِ أبي عَمَّارٍ، قال: سَمِعتُ (٤) أبا حَبَّةَ (٥) البَدْرِيَّ، قال: لمَّا نَزَلَتْ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى آخرِها، قال جبريلُ للنَّبِيِّ ﷺ : [إِنَّ رَبَّكَ] (٦) يأمُرُك أَنْ تُقرِئَها أُبَيًّا، فقال النَّبِيُّ ﷺ لأُبَيٍّ: إِنَّ جبريل ﵇ أمَرني أَنْ أُقرِتَك هذه السُّورةَ"، قال أُبَيٌّ: أَوَ ذُكِرتُ ثَمَّ يا رسولَ اللهِ؟ قال (٧): "نعم"، فبكى أُبَيٌّ (٨).
следующие страницы →