← Тараджим

Тараджим · id 1499

الاستيعاب في معرفة الأصحاب - ت التركي

ابن عبد البر

Полный текст (4 471 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

يزيد (١)، وابنُ عُيَيْنَةَ (٢)، وعبد الرحمن بن إسحاق (٣)، عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي خِزَامةَ، أحدٍ بني الحارث بن سعدٍ، عن أبيه، أنَّه قال: [يا رسولَ اللهِ] (٤)، أرأيتَ رُقًى نَسْتَرْقِيها (٥)، وتُقًى نَتَّقِيها، وأُدْوِيةً نتداوى (٦) بها، أَتَرُدُّ مِن قَدَرِ اللَّهِ؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "هِيَ مِن قَدَرٍ اللهِ"، وقال غيرهم فيه: عن الزُّهْرِيِّ، عن أبي خِزَامَةَ بن يَعْمَرَ، عن أبيه، عن النبي ﷺ (٧)، وأبو خزامة هذا مِن التَّابِعِين لا مِن الصَّحابة، على أنَّ حديثه هذا مُخْتَلَفٌ فيه جدًّا. [٢٨٧٠] أبو خيثمة (٨) الأنصارِيُّ السَّالِمِي (٩)، اسمه عبدُ اللَّهِ

стр. 3747

ابن خيثمة، وقيل: مالك بن قيس، أحد بني سالم من الخزرج، شهد أحدًا مع النبي ﷺ ، وبقي إلى أيام يزيد بن معاوية، ولا أعلم في الصَّحابةِ مَن يُكنى أبا خيثمة غيره، إلا عبد الرحمن بن أبي سَبْرةَ الجُعْفِيَّ، والد خيثمةَ بن عبدِ الرحمنِ صاحبِ ابن مسعودٍ، فَإِنَّه يُكنَى أبا خيثمة بابيه خيثمة، وقد ذكرناه في بابه من هذا الكتاب (١). ومن خبرِ أبي خيثمة هذا، ما ذكره ابن إسحاق في غزوة تبوك، قال (٢): ثم إنَّ أبا خيثمة بعد أن سارَ رسولُ اللهِ ﷺ أياما، دخل على أهله، فوجد امرأتين له في عَرِيشَيْن لهما في حائطٍ قد رَشَتْ، كلُّ واحدة منهما عريشها، وبَرَّدَتْ له فيه ماءً، وهَيَّأَتْ طعامًا، فلما نظر أبو خيثمة إلى ذلك، قال: رسول الله ﷺ في الضِّحِّ (٣) والريحِ والحَرِّ، وأبو خيثمة في ظلٍّ باردٍ وطعام وامرأةٍ حسناء، مُقِيمٌ في ماله (٤)! ما هذا بالنَّصَفِ، والله لا أدخلُ عَرِيش واحدةٍ منكما حتَّى أَلْحَقَ بالنبي ﷺ فَهَيِّئا لي زادًا، فَفَعَلَتا، ثم قدم ناضحَه فارْتَحَلَه، ثم خرج في طلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل بتبوك، وقد كان عُمَيرُ بنُ وهبٍ الجُمَحِيُّ أدرَك أبا خيثمة في الطَّريقِ، يَطلُبُ رسول الله ﷺ ، فَتَرافَقَا حتَّى إذا دَنَوَا مِن تبوك، قال أبو خيثمة لعُمَيرِ بن وهبٍ: إنَّ لي

стр. 3748

ذنبًا، فلا عليك أن تَتَخَلَّفَ (١) عَنِّي حتّى آتي رسولَ اللَّهِ ﷺ ، ففعل، حتَّى إذا دَنا من رسول الله ﷺ وهو نازل بتبوك، قال الناسُ: هذا راكب في الطَّريقِ مُقْبِلٌ، فقال رسول الله ﷺ : "كُنْ أبا خيثمة"، قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هو والله أبو خيثمة، فلمَّا أناخَ أقبَل فَسَلَّمَ على رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "أَوْلَى لك يا أبا خيثمة"، ثم أخبر رسول الله ﷺ الخبر، فدعا له رسول الله ﷺ ، وقال له خيرًا. وذكر الواقدي، قال (٢): قال هلالُ بنُ أُمَيَّةَ الوَاقِفيُّ - حينَ تَخَلَّفَ عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك -: كان أبو خيثمةَ تَخَلَّفَ مَعَنا، وكان يُسَمَّى عبد الله بن خيثمة. [٢٨٧١] أبو الخَطَّابِ (٣)، له صحبةٌ، ولا يُوقف له على اسمٍ، رُوي عنه حديثٌ واحدٌ في الوتر (٤)، يُعَدُّ في الكوفيين، روى عنه ثوير (٥) بن أبي فاختة.

стр. 3749

[٢٨٧٢] أبو خَيْرَةَ الصُّبَاحِيُّ العَبْدِيُّ (١)، مِن ولدِ صُبَاحِ (٢) بن لُكَيز بن أفصى بن عبدِ القيسِ بن أفصى بن دُعْمِيِّ بن جَدِيلة (٣) بن أَسدِ بن ربيعة بن نزار، له صحبةٌ، ذكره خليفه، فقال (٤): ومن عبد القيس أبو خَيْرةَ الصُّبَاحِيُّ، كان في وفدِ عبدِ القيس. رَوَى: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لعبدِ القيس"، [وقال] (٥): زَوَّدَنا رسولُ اللهِ ﷺ الأَرَاكَ نَسْتاك به (٦). روى داود بنُ المُسَاوِرِ، عن مُقاتلِ بن هَمَّام، عن أبي خَيْرَةَ الصُّبَاحِيِّ قال: كنتُ في الوفد الذينَ أَتَوْا رسول الله ﷺ ، وكُنَّا أربعين راكبًا، قال: فنَهَانَا النبي ﷺ عن الدُّبَّاءِ والحَنْتَم والنَّقِيرِ والمُزَفَّتِ (٧)، قال: ثمَّ [أمر لنا] (٨) بأَراكٍ، فقال: "اسْتَاكُوا بهذا"، [قال: فقلنا] (٩): يا رسولَ اللَّهِ إنَّ عندنا العُسُبَ (١٠)، ونحنُ نَجْتَزِئُ،

стр. 3750

به، قال: فرفَع يَدَيْهِ، وقال: "اللَّهمَّ اغْفِرْ لعبدِ القَيْسِ؛ إِذْ أَسلَموا طائِعِينَ غير كارِهِينَ" (١). [٢٨٧٣] أبو خَلَّادٍ (٢)، رجلٌ مِن الصَّحابة، لا أقفُ له على اسمٍ ولا نسبٍ، حديثُه عندَ يحيى بن سعيدِ بن أَبَانٍ القُرَشِيِّ، عن أبي فَرْوَةَ، عن أبي خَلَّادٍ رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا رأيتُمُ المؤمنَ قد أُعْطِيَ زُهْدًا في الدُّنيا وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا منه؛ فَإِنَّه يُلَقَّى الحِكْمَةَ". هكذا رواه هشام بنُ عَمَّارٍ، عن الحكم بن هشام، عن يحيى بن سعيدِ بن أَبَانٍ (٣).

стр. 3751

وذكره البخاري في الكُنَى المُجَرَّدَةِ، فقال (١): قال: أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّوْرَقِيُّ، حدثنا يحيى بن سعيد بن أَبَانِ بن سعيد بن العاصي، أخو عَنْبَسةَ: سمِع (٢) أبا فَرُوةَ الجَزَرِيَّ، عن أبي مريم، عن أبي خَلَّادٍ، عن النبي ﷺ مِثْلَه، وهذا (٣) أصحُّ. [٢٨٧٤] أبو خُنَيسٍ (٤) الغِفَارِيُّ (٥)، قال: خَرَجتُ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ في غَزَاةِ تِهامة حتَّى إذا كُنَّا بعُسْفانَ جاءَه (٦) أصحابه، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، أجهَدَنا الجُوعُ، فَأْذَنْ لنا في الظَّهْرِ (٧) أن نأكله، فقال له عمرُ: لو دَعَوتَ (٨) في أَزْوَادِهم بالبركة، فذكر حديثا حسنًا في أعلام النُّبُوَّةِ، حديثه هذا عند أبى بكر بن عمر بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر شيخ مالكٍ، عن إبراهيم بن عبدِ الرحمنِ بن عبدِ اللَّهِ بن أبي ربيعةَ، أنَّه سمع أبا خُنَيسٍ الغِفَارِيُّ، يقولُ: خَرَجتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ ، [فذكر الحديث] (٩).

стр. 3752

[٢٨٧٥] أبو خِراشٍ السُّلَمِيُّ (١)، ويُقالُ: الأسلمي، له صحبةٌ، قال مسلمُ بنُ الحَجَّاج (٢): اسمُه حَدْرَدٌ، وقاله غيره أيضًا. روى عنه عمران بن أبي أنسٍ، أنه سمع النبي ﷺ يقول (٣): "مَن هجر أخاه سنةً كان كَسَفْكِ دمِه" (٤)، حديثه هذا (٣) عند أهل مصر. [٢٨٧٦] أبو خِدَاشٍ الشَّرْعَبِيُّ (٥)، حبَّانُ بن زيدٍ (٦)، شاميٌّ، لا تَصِحُّ له صحبةٌ، ذكره بعضُهم في الصَّحابة، لحديث رواه عن ابن

стр. 3753

مُحَيْرِيزٍ، عن أبي خِدَاشٍ السُّلَمِيِّ، رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: غَزَوْتُ مع النبي ﷺ فَسَمِعْتُه يقول: "النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي أَسْفَارِهِم في [ثلاثةٍ؛ في] (١) الماء، والكلأ، والنَّارِ" (٢)، وهذا الحديث رواه معاذ بن معاذٍ العَنْبَرِيُّ، ويزيد بن هارونَ، وثور بن يزيد، عن حَرِيز بن عثمانَ، عن أبي خداشٍ، وسَمَّاه بعضُهم حيَّانَ بنَ زِيدٍ الشَّرْعَبِيَّ (٣)، عن رجل من أصحاب النبيِّ ﷺ ، قال: غَزَوْتُ مع النبيِّ ﷺ غَزَواتٍ، فَسَمِعْتُه يقولُ: "المسلمون شُرَكَاءُ في ثلاث؛ في الماء، والكلأ، والنَّارِ" (٤)، وهذا هو الصَّحِيحُ؛ قول من قال: أبو خداشٍ، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، لا قول من قال: عن أبي خِدَاشٍ رجل من أصحاب النبي ﷺ ، وقد روى أبو خِدَاش هذا عن عبد الله بن عمرو بن العاصي. وقال أبو حفص عمرُو بنُ عليٍّ الفَلَّاسُ: سألتُ يحيى بن سعيدٍ (٥) عن حديث ثور بن يزيد، عن حَرِيزٍ، عن أبي خداشٍ، فقال (٦) لي: معاذٌ سَمِعَه (٧) من حَرِيز، فاسأله عنه، فلم أَدَعُه حَتَّى حَدَّثني به،

стр. 3754

فقال: حدثنا ثورُ بنُ يزيدَ، عن حَرِيزِ بن عثمان، عن أبي خداشٍ، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: غَزَوْتُ مع النبي ﷺ سبع غزواتٍ أو ثلاثَ غَزَواتٍ، فَسَمِعْتُه يقولُ: "المسلمون شُرَكاءُ في ثلاثٍ؛ في الماء، والكلأ، والنار"، قال أبو حفصٍ: سألتُ عنه معاذًا - يعني ابن معاذٍ العَنْبَرِيَّ - فَحَدَّثَني، قال: حَدَّثَنِي حَرِيزُ بنُ عثمانَ، قال: حدثنا حِبَّانُ بنُ زِيدٍ الشَّرْعَبِيُّ، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ ، قال: غَزَونا (١). قال أبو حفصٍ: ثم قدم علينا يزيدُ بنُ هارون، فحدثنا به، قال: حدثنا [حِبَّانُ بنُ زِيدٍ الشَّرْعَبِيُّ (٢). وهذا الحديث [أخبرنا به] (٣) خلف بن قاسم، قال: حدثنا ابن أبي العقب، قال: أخبرنا أبو زُرْعةَ عبد الرحمن بن عمرو، قال: أخبرنا] (٤) أحمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن يونس، قال: حدثنا محمدُ بنُ إسماعيلَ بن رجاءٍ الزُّبَيْدِيُّ، عن ثور بن يزيد، عن حَرِيز بن عثمان، عن أبي خِدَاشٍ، عن رجلٍ من أصحاب النبي ﷺ ، قال: قال رسول الله ﷺ : "المسلمون

стр. 3755

شُرَكاءُ في ثلاثة (١)؛ في الماء، والكلأ، والنار (٢). [٢٨٧٧] أبو خِرَاشٍ الهُذَلِيُّ الشاعرُ (٣)، اسمُه خُوَيلدُ بنُ مُرَّةَ الفَرْديُّ (٤) -[وفَرْدٌ] (٥) ابن عمرو بن معاوية بن تميم بن سعد بن هذيلٍ - مات في زمن عمرَ بن الخَطَّابِ مِن نهشِ حَيَّةٍ، وله في ذلك خبرٌ عجيبٌ (٦)، وكان ممَّن يَعْدُو على قَدَمَيهِ فيسبِقُ الخيل، وقد حَدَّثَ عنه عمران بن عبد الرحمن بن فضالة بن عُبَيدٍ، وكان في الجاهلية من فُتَّاكِ العرب، ثم أسلم فحَسُنَ إسلامه، وهو القائل (٧): رفوني (٨) وقالوا يا خويلد لا تُرَعْ فقلتُ … وأنكَرتُ الوُجُوهَ هُمُ هُمُ

стр. 3756

وكان جميلُ بنُ مَعْمَرٍ الجُمَحِيُّ قد قتل أخاه زُهَيرًا - المعروف بالعجوة - يومَ فتح مكةَ مُسلِمًا، وقيل: بل كان زُهَيْرٌ ابنَ عَمِّه، وذكر ابن هشام (١)، قال: حدثني أبو عُبَيدةَ، قال: أُسِر زُهَيْرُ بنُ (٢) العجوة الهُذَلِيُّ يومَ حُنَيْنٍ وكُتفَ، فَرَآه جميل بنُ مَعْمَرٍ (٣)، فقال: أنتَ الماشي لنا بالمعايب؟ فَضَرَبَ عُنُقَه، فقال أبو خِرَاشٍ يَرْثِيه؛ وكان ابن عمه (٤). كذا قال أبو عُبَيدةَ، والأَوَّلُ قول محمد بن يزيد، قال (٥): وكان يومئذٍ جميلٌ كافرًا ثم أسلم بعد، وكان أتاه من ورائه، وهو مُوثَقٌ فضَرَبه، وقد قيل: إنَّه قتله يومَ حُنَين مَأسُورًا، وجميل يومئذٍ مسلم، ففي ذلك يقول أبو خراش الهذلي (٦): فَجَّعَ (٧) أَضْيَافِي جَمِيلُ بنُ مَعْمَرٍ … بِذِي فَجَرٍ (٨) تَأْوِي إليه الأَرَامِلُ

стр. 3757

طويلُ نِجَادِ السَّيف ليس بِجَيْدَرٍ (١) … إذا اهْتَزَّ وَاسْتَرْخَتْ عليه الحَمَائِلُ (٢) إلى بيته (٣) يَأْوِي الغَريبُ إذا شَتا … ومُهْتَلِكٌ بَالِي الدَّرِيسَيْنِ (٤) عَائِلُ تَكَادُ يَدَاهِ تُسْلِمَانِ رِدَاءَه … مِن الجُودِ لَمَّا اسْتَقْبَلَتْه الشَّمائِلُ (٥) فَأُقِسِمُ لو لاقيته غير مُوثَقٍ … لآبَكَ بالجَزْعِ الضِّبَاعُ النَّوَاهِلُ (٦) وإنك لو واجهته ولَقِيتَه … فَنَازَلْتَه أو كنتَ ممن يُنازِلُ لَكُنتَ جَمِيلُ (٧) أسوأ النَّاسِ صِرْعَةً (٨) … ولكنَّ أقرانَ الظُّهُورِ مَقاتِلُ فليس كعهدِ الدَّارِ يا أم مالكٍ … ولكن أحاطت بالرِّقابِ السَّلاسِلُ وعادَ الفَتَى كالكَهْلِ ليس بِقَائِلٍ … سيوى الحَقِّ شَيئًا فَاسْتَراحَ العَوَاذِلُ قوله: … أحاطَتْ بالرّقابِ السَّلاسِلُ يقولُ (٩): جاء الإسلامُ فمَنَع مِن طلبِ الأوتار (١٠) إلا بحقِّها، وقد

стр. 3758

قيل: إنَّ هذا الشِّعْرَ في أخيه عروة بن مُرَّةَ يَرْثِيه به. وقال محمد بن يزيدَ (١): وممَّا يُسْتَحسَنُ لأبي خِرَاشٍ الهُذَليِّ، وهو أحد حكماء العرب، قوله يذكر أخاه عروة: تقولُ أُراه بعد عروةَ لاهِيًا … وذلك رُزْءٌ ما عَلِمْتُ جَلِيلُ فلا تَحْسَبِي أَنِّي تَناسَيتُ عهدَه … ولكنَّ صَبْرِي (٢) يا أُمَامَ (٣) جَمِيلُ زاد (٤) أبو الحسن الأخفش في هذه الأبيات بعد البيتين المذكورين (٥): ألم تَعْلَمِي أن قد تَفَرَّقَ قبلنا … خليلا صفاءٍ مالكٌ وعقيل أبَى الصبرُ أني لا يزالُ يَهِيجُنِي … مبيتٌ لنا فيما مضى ومَقِيلُ وأنِّي إذا ما الصُّبحُ آنَسْتُ ضَوْءه … يُعاوِدُني قِطْعٌ عليَّ ثَقِيلُ قال أبو الحسن: مالكٌ وعَقِيلٌ اللَّذانِ ذكرهما ندمانا (٦) جَذِيمةَ الأبرشِ، ولهما قصةٌ وخبرٌ فيه طُولٌ، وهما اللَّذَانِ يَعْنِيهما مُتَمِّمُ بنُ نُوَيرةَ في [مَرْثِيتِه أخاه مالكًا] (٧) حيثُ يقولُ (٨):

стр. 3759

وكُنَّا كَنَدْمَانَيْ جَذِيمَةَ حِقْبَةً … من الدَّهرِ حتى قيل لن يَتَصَدَّعَا ولأبى خِرَاشٍ الهُذَليِّ أيضًا في المَرَائِي أَشعَارٌ حِسَانٌ، فمِن شعره (١): حمدتُ إِلهِي بعدَ عُروةَ إِذْ نَجَا … خِراشٌ وبعضُ الشَّرِّ أهونُ مِن بعضِ [على أنَّها تَدْمَى الكُلُومُ] (٢) وإِنَّما … نُوكَّلُ بالأدنى وإِنْ جَلَّ ما يَمْضِي فوالله لا أنسَى قَتِيلًا رُزِئْتُه … بجانبِ قُوسَى (٣) ما مَشَيتُ على الأَرضِ ولم أَدْرِ مَن ألقى عليه (٤) رِداءَه … على (٥) أنَّه قد سُلَّ عن ماجدٍ مَحْضِ قال أبو عمر: لم يَبْقَ عربيٌّ بعد حُنينٍ والطَّائف إلَّا أسلم، منهم مَن قَدِمَ على النبيِّ ﷺ ، ومنهم من لم يَقْدَم عليه وقنَع بما أَتَاه به وافِدُ قومه من الدِّين عن النبيِّ ﷺ . وقال خالد بنُ صفوان: ما قالت العرب بيتًا [في مَثَلٍ] (٦) أجودَ مِن

стр. 3760

قول أبي خراشٍ: [بلى إنه تعفو] (١) الكُلُومُ وإِنَّما … نُوَكَّلُ (٢) بالأدنى وإِن جَلَّ ما يَمْضِي [أخبرنا عبد الله بن محمد بن يوسفَ، قال: حدثنا يحيى بنُ مالكٍ] (٣)، قال: حدثنا أ [بو الحسن] (٤) محمدُ بنُ محمدِ بن مُقْلَةَ البغدادي بمصر، قال: حدثنا أبو بكر (٥) محمد بن الحسن بن دُرَيْدٍ، قال: حدثنا عبد الرحمن (٦) ابن أخي الأصمعي، عن عمه، قال: أسلم أبو خراشٍ فحَسُنَ إسلامه، ثم أَتَاه نفرٌ مِن أهل اليمن قدِموا حُجَّاجًا، والماءُ منهم غيرُ بعيدٍ، فقال: يا بني عمي، ما أمسى عندنا ماءٌ، ولكن هذه بُرْمَةٌ وشاةٌ فَرِدُوا الماء، وكُلوا شاتكم، ثم دعوا بُرْمَتَنا وقربتنا على الماء حتّى نأخذها، فقالوا: لا والله، ما نحنُ بسائرين في ليلتنا هذه، وما نحنُ بِبارِحِينَ حيثُ أَمْسَينا، فلما رأى ذلك أبو خراش أخذ قِرْبتَه (٧) وسعى نحو الماءِ تحتَ الليلِ حتَّى استقى، ثم أقبل صادرًا، فنَهَشَتْه حَيَّةٌ قبل أن يَصِلَ إليهم، فأقبل مسرعًا حتَّى أَعْطَاهُمُ الماء، وقال: اطْبُخوا شاتكم، وكُلوا، ولم يُعْلِمُهم ما أصابه، فَبَاتُوا على

стр. 3761

شاتِهم يأكلون حتَّى أصبحوا، وأصبح أبو خراشٍ [في الموتِ] (١)، فلم يَبْرَحوا حتَّى دفنوه، وقال وهو يموتُ في شعرٍ له: لقد أهْلَكْتِ حَيَّةَ بطنِ وَادٍ … على الإخوانِ سَاقًا ذاتَ فَضْلِ فَما تَرَكَتْ عَدُوًّا بينَ بُصْرَى … إلى صنعاءَ يَطْلُبُه بِذَحْلِ (٢) فبلغ خبره عمرَ بنَ الخَطَّابِ، فغضب غضبا شديدا، وقال: لولا أن تكونَ سُبَّةً (٣)، لأَمَرتُ ألَّا يُضافَ يمان أبدا، ولكتبتُ بذلك إلى الآفاقِ، ثم كتب إلى عامله باليمن أنْ يأخذَ النَّفَرَ الذين نزَلوا بأبي (٤) خِرَاشٍ، [فيُغْرِمَهم ديته ويُؤدِّبَهم] (٥) بعد ذلك بعقوبةٍ يَمَسُّهم بها جزاءً لفعلهم (٦). * * *

стр. 3762

باب (١) الدال [٢٨٧٨] أبو داودَ الأنصارِيُّ المازني (٢)، اختلف في اسمه؛ فقيل: عمرٌو، وقيل: عُمَيرُ بنُ عامر بن مالك بن خنساءَ بن مبذول بن عمرو بن غَنْمِ بن مازن بن النَّجَّارِ، شهد بدرًا، وأحدًا، وهو الذي قتل أبا البَخْتريِّ العاصي بن هشام بن الحارث بن أسدِ بن عبدِ العُزَّى بن قُصَيٍّ، وأخذ سيفه، وقد كان رسولُ اللهِ ﷺ قال: "مَن لَقِيَ أبا البختريَّ فلا يَقْتُله" (٣)، [شكر له قيامه في شأن] (٤) الصحيفة. وقد قيل: إِنَّ الذي قتل أبا البَخْتَريِّ المُجَذِّرَ بنَ زِيادٍ البلوي، وقال آخرون: بل (٥) قتله أبو اليَسرِ السُّلَمِيُّ (٣).

стр. 3763

روي عن أبي داود هذا أنَّه قال: إنّي لأتْبَعُ رجلًا مِن المُشركين يومَ بدرٍ لأَضرِبَه؛ إذ وقع رأسه قبل أن يَصِلَ إليه سيفي، فعَرَفتُ أنَّ غيري قتله، ذكره ابن إسحاق، عن أبيه إسحاق بن يسار، عن رجالٍ مِن بني مازنِ بن النَّجَّارِ، عن أبي داودَ المازني (١). [٢٨٧٩] أبو دُجانةَ الأنصارِيُّ السَّاعِدي (٢)، اسمُه سِمَاك بنُ خَرَشة، ويُقالُ: سِمَاكُ بنُ أوسِ بن خَرَشةَ بن لُوذانَ بن عبدِ وُدِّ بن ثعلبةَ الأنصاري، أحد ساعدة بن كعب بن الخزرج، شهد بدرًا مع النَّبيِّ ﷺ ، ولو كان يُهمَةً مِن البُهم (٣) الأبطال، دافع عن رسول الله ﷺ يومَ أُحُدٍ هو ومصعبُ بنُ عُمَيرٍ، فَكَثُرت فيه الجراحة (٤)، وقتِل مصعبُ بن عُمَيرٍ يومَئِذٍ، واستُشهد أبو دُجانة يومَ اليمامة، وهو ممن اشترك في قتل مُسلِمةَ يومئذٍ مع عبد اللَّهِ بن زيدِ بن عاصم ووَحْشِيِّ بن حرب. وكان رسولُ اللهِ ﷺ قد آخَى بينَ أبِي دُجَانَةَ وبينَ عُتبةَ بن غَزْوانَ، وقد مضى ذكره في باب السين من الأسماء (٥)، وأبو دجانة هو الذي

стр. 3764

قائل بسيف رسول الله ﷺ يومَ أُحُدٍ فيما ذكر موسى بن عقبة (١). [٢٨٨٠] أبو الدَّرداء (٢)، اسمُه عُوَيمرٌ؛ فقيل: عُوَيمرُ بنُ عامرِ بن مالك بن زيد بن قيسٍ، وقيل: عُوَيمرُ بنُ قيسِ بن زيدِ بن أُمَيَّةَ، وقيل: عويمرُ بنُ عبدِ اللهِ [بن زيد] (٣) بن قيس بن أُمَيَّةَ بن عامرِ بن عَدِيٍّ بن كعب بن الخَزْرج بن الحارثِ بن الخَزْرج، [من بلحارث بن الخزرج] (٣) وقيل: اسم أبي الدَّرْداءِ عامر بن مالك، وعُوَيمرٌ لَقَبٌ، وأُمُّه مُحِبَّةُ بنتُ واقدِ بن عمرو بن الإطنابة. تَأَخَّرَ إسلامه قليلًا، كان آخرَ أهل داره إسلامًا، وحَسُنَ إسلامه، وكان فقيها عالمًا (٤) حكيمًا، آخى رسولُ اللهِ ﷺ بينه وبين سلمان الفارسي. رُوِيَ عنه ﷺ أنَّه قال: "عُوَيمرٌ حكيمُ أُمَّتِي" (٥)، شهد ما بعد أُحُدٍ من المشاهد، واختلف في شُهُودِه أُحُدًا.

стр. 3765

قال الواقدِيُّ (١): تُوفِّي سنة اثنتين وثلاثين بدمشق في خلافة عثمان، وقال غيره (٢): تُوفِّيَ سنة إحدى وثلاثين بالشام، وقيل: تُوفِّيَ سنة أربعٍ وثلاثين، وقيل: سنة ثلاثٍ وثلاثينَ، وقال أهل الأخبار: إنَّه تُوفِّيَ بعدَ صِفِّينَ، والصَّحيحُ أنَّه مات في خلافة عثمانَ، وإِنَّما وَلِيَ القضاء لمعاوية في خلافة عثمان. روى منصورُ بنُ المُعْتَمرِ، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، قال: شامَمْتُ (٣) أصحاب محمد ﷺ فوَجَدتُ عِلمهم انتهى (٤) إلى ستةٍ: عمر، وعليٍّ، وعبد الله (٥)، ومعاذٍ، وأبي الدرداء، وزيدِ بن ثابتٍ (٦). وروَى مِسْعَرٌ، عن القاسمِ بن عبدِ الرحمن، قال: كان أبو الدرداء من الذينَ أُوتُوا العلم (٧).

стр. 3766

وروَى اللَّيْثُ بنُ سعدٍ، عن معاوية بن صالح، عن أبي الزاهرية، عن جُبَيرِ بن نُفَيْرٍ، عن عوف بن مالك أنَّه رأى في المنامِ قُبَّةَ أَدَم في مَرْجٍ أَخْضَرُ، وحولَ القُبَّةِ غنمٌ رَبُوضٌ تَجْتَرُّ وتَبْعَرُ العَجُوةَ، قال: قلتُ: لِمَنْ هذه القُبَّةُ؟ فقيل: هذه لعبدِ الرحمن بن عوف، فانْتَظَرْناه حتَّى خرج، فقال: يا عوف، هذا الذي أَعْطَانا الله بالقرآنِ، ولو أَشْرَفْتَ على هذه الثَّنِيَّةِ لَرَأيتَ بها ما لم تَرَ عَيْنُك، ولم تَسْمَعْ أُذُنُكَ، [ولم يَخْطِرْ] (١) على قلبك مثله، أَعَدَّه اللَّهُ لأَبي الدَّرْداءِ، إِنَّه كان يَدْفَعُ الدُّنيا بالرَّاحَتَيْنِ والصَّدْرِ (٢). وذكر عبد الله بن وهبٍ، قال: أخبرني حييُّ بنُ عبدِ اللَّهِ، عن عبدِ الرحمنِ الحَجْري، قال: قال أبو ذَرٍّ لأبي الدرداء: ما حَمَلتْ وَرْقاءُ، ولا أَظَلَّتْ خضراء أعلم منك يا أبا الدرداء (٣). وروى سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابن أبي مُلَيْكَةَ، قال: سمعتُ يزيدَ بن معاوية يقولُ: إِنَّ أبا الدَّرْداءِ مِن الفقهاء العلماء الذينَ يَشْفُونَ مِن الدَّاءِ (٤).

стр. 3767

حدثنا خلف بن قاسم، قال: حدثنا أبو الميمون، قال: حدثنا أبو زرعة، قال: حدثنا أبو مُسْهِرٍ، قال: حدثنا سعيد بن عبد العزيز، قال: إنَّ عمر أمر أبا الدرداء على القضاء بدمشق (١)، قال: وكان القاضي يكون خليفة الأميرِ إذا غابَ (٢). والصَّحيحُ أنَّه مات في خلافة عثمانَ، [وإنَّما وَلِيَ القضاء لمعاويةَ في خلافة عثمان] (٣). وروى أبو إدريسَ الخولانيُّ، عن يزيدَ بن عَمِيرةَ، قال: لَمَّا حضرت الوفاة معاذ بن جبلٍ، قيل له: يا أبا عبد الرحمن أوصنا، فقال: التَمِسُوا العلم عندَ عُوَيمرٍ أبي الدَّرداء؛ فإنَّه مِن الذينَ أُوتُوا العلم (٤). وروى سفيان، عن ثورٍ، عن خالد بن مَعْدانَ، قَالَ: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عمرٍو يقولُ: حَدِّثونا عن العالِمَيْن العامِلَيْنِ: معاذٍ، وأبي الدرداء (٥). قيل: إنَّه اسْتَقْضاه عمرُ بنُ الخطاب، وقيل: بل اسْتَقْضاه معاوية.

стр. 3768

وتُوفِّيَ في خلافة عثمانَ قبل قتل عثمان بسنتَيْنِ، وقد تَقَدَّمَ مِن خبره في باب اسمِه ما فيه كفايةٌ (١). وقد رُوِي مِن حديثِ ابن عُيَينةَ (٢)، ومن (٣) حديث إسماعيل بن عَيَّاش أيضا (٤)، أنَّه قيل (٥) لأبي الدرداء: مالك لا تقول الشعر، وكلُّ لبيبٍ (٦) من الأنصارِ قال الشِّعْرَ؟ قال: وأنا قد قلتُ شِعرًا، فقيل: وما هو؟ فقال: يريدُ المَرْءُ أَن يُؤْتَى مُنَاه … ويأبى الله إلَّا ما أرادا يقولُ المَرْءُ فائدتي ومالي … وتَقْوَى اللَّهِ أَفضلُ ما اسْتَفَادَا [٢٨٨١] أبو الدَّحْداحِ (٧)، ويُقالُ: أبو الدحداحةِ، فلانُ ابن الدَّحْداحةِ (٨)، مذكورٌ في الصَّحابةِ، لا أَقِفُ له على اسمٍ ولا نَسَبٍ

стр. 3769

أكثرَ مِن أنَّه من الأنصارِ، حليفٌ لهم. ذكر ابن إدريس وغيره، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن يحيى بن حَبَّانَ، عن عمِّه واسعِ بن حَبَّانَ، قال: هلك أبو الدحداح، وكان أَتِيًّا فيهم (١)، فدعا النبي ﷺ عاصم بنَ عَدِيٍّ، فقال له: "هل كان له فيكم نَسَبٌ؟ "، قال: لا (٢) فأعطى ميراثه ابن أختِه أبا لبابةَ بن عبدِ المنذر (٣). وقد قيل: إِنَّ أبا الدَّحْداح هذا اسمه ثابتُ بنُ الدَّحداح، ويُقالُ: ابن (٤) الدَّحْداحةُ، وقد ذكرناه في باب اسمه؛ بابِ الثاء (٥). وروَى عُقَيلٌ، عن ابن شهابٍ أن يتيمًا خاصم أبا لُبابةَ في نخلةٍ، فقضى بها رسول الله ﷺ لأبي لبابة، فبكى الغلامُ، فقال رسول الله ﷺ لأبي لُبابةَ: "أَعْطِهِ نَخْلتَك"، فقال: لا، فقال: "أَعْطِهِ إِيَّاها ولك بها عَذْقٌ في الجَنَّةِ"، فقال: لا، فَسَمِع بذلك [ابن الدَّحْداحِة] (٦)، فقال لأبي لُبابةَ: أَتَبِيعُ عَذْقَك ذلك بحَدِيقتي هذه؟ قال: نعم، فجاء ابن (٧)

стр. 3770

دَحداحة (١) رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسولَ اللَّهِ، النَّخْلةُ التي سألتَ لليتيم إن أعطَيْتُه إِيَّاها أَلي بها عَذْقٌ في الجَنَّةِ؟، فقال: "نعم". ثم قُتِل ابن (٢) دَحْداحة (١) شهيدًا يومَ أُحُدٍ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "رُبَّ عَذْقٍ مُذَلَّلٍ [لابنِ دَحداحةَ] (٣) في الجَنَّةِ" (٤). ولمَّا نَزَلَتْ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] كان أبو الدَّحْداحِ نازِلًا في حائطٍ له هو وأهله، فجاء إلى امرأته، فقال: اخْرُجي يا أمَّ الدَّحْداحِ، فقد أقرَضتُه الله ، فَتَصَدَّقَ بحائطه على الفقراء والمساكين (٥). [٢٨٨٢] أبو دُرَّةَ البَلَوِيُّ (٦)، له صحبةٌ، ذكره أبو سعيد بن يونس

стр. 3771

فيمَن شهد فتح مصرَ مِن الصَّحابة (١)، وقال علي بن الحسنِ بن قُدَيدٍ (٢): رأيتُ على باب داره: هذه دارُ أبي دُرَّةَ البَلَويِّ صاحب رسول الله ﷺ (٣). * * *

стр. 3772

بابُ الذَّالِ [٢٨٨٣] أبو ذَرٍّ الغِفَارِيُّ (١)، ويُقالُ: أبو الدَّرِّ، والأَوَّلُ أكثرُ وأشهرُ، واختلف في اسمه اختلافًا كثيرًا؛ فقيل: جُنْدَبُ بنُ جُنادة (٢)، وهو أكثرُ وأَصَحُّ ما قيل فيه إن شاء الله، وقيل: بُرَيرُ بنُ عبدِ اللَّهِ، وبُرَيرُ بنُ جُنادةَ، وبُرَيرُ بنُ عِشْرَقةَ، وقيل: بُرَيرُ بنُ جُنْدَبٍ، وقيل: جُنْدَبُ بنُ عبدِ اللَّهِ، وقيل: جُنْدَبُ بنُ سَكَنٍ. والمشهورُ: جُنْدَبُ بنُ جُنادةَ بن قيسِ بن عمرِو بن مُلَيلِ بن صُعَيرِ بن حرامِ بن غِفَارٍ، وقيل: جُنْدَبُ بنُ جُنَادةَ بن عُبيد بن الواقفة بن حرام (٣) بن غِفَارِ بن مُلَيلِ بن ضمرةَ بن كِنانةَ بن خُزَيمةَ بن مُدْرِكةَ بن إلياس بن مُضَرَ بن نزارٍ الغِفَارِيُّ، وأُمُّه رَمْلَةُ بنتُ (٤) الوَقِيعةِ (٥)، مِن بني غِفَارِ بن مُلَيلٍ أيضًا.

стр. 3773

[وكان أبو ذرٍّ] (١) من كبارِ الصَّحابة قديم الإسلام، يُقالُ: أسلم بعد أربعةٍ، فكان (٢) خامسًا، ثم انصرف إلى بلادِ قومه، فأقام بها حتَّى قدم على (٣) النبي ﷺ المدينة (٤)، وله في إسلامه خبرٌ حسنٌ رُوِي (٥) مِن حديث ابن عَبَّاسٍ عنه، ومن حديث عبدِ اللهِ بن الصَّامِتِ عنه (٦). فأما حديث عبدِ اللهِ بن عَبَّاسٍ، فأخبرنا أبو محمد عبدُ اللَّهِ بنُ محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو بكرٍ محمدُ بنُ بكرِ بن دَاسَةَ، قال: حدثنا أبو داود سليمان بن الأشعث، قال: حدثنا محمد بن حاتم بن ميمون، قال: حدثنا عبد الرحمن بنُ مَهْدِيٍّ، قال: حدثنا المُثَنَّى بن سعيدٍ، عن أبي جَمْرة (٧)، عن ابن عَبَّاس، قال: لَمَّا بَلَغ أبا ذَرّ مَبْعَثُ النبيِّ ﷺ بمكة، قال لأخيه أُنيس: ارْكَبُ إلى هذا الوادي، [واعلَمْ] (٨) لي عِلْمَ هذا الرجل الذي يَزْعُمُ أَنَّه يَأْتِيه الخبرُ مِن السَّمَاءِ، واسْمَعْ مِن قوله، ثمَّ ائْتِني، فانْطَلَقَ الآخرُ (٩) حتَّى قدِم مَكَّةَ وسمِع مِن

стр. 3774

قوله ﷺ ، ثم رجع إلى أبي ذَرٍّ، فقال: رأيتُه يَأْمُرُ بمكارم الأخلاق، وسمِعتُ منه (١) كلاما ما هو بالشِّعْرِ، قال: ما شَفَيْتَنِي فيما أَرَدْتُ، فتَزَوَّدَ وحَمَل شَنَّةً (٢) له (٣) فيها ماءً حتَّى قدم مكَّةَ، فأتى المسجد، فالْتَمَسَ النبي ﷺ ولا يعرِفُه، وكره أنْ يَسأَلَ عنه حتَّى أدركه الليل فاضْطَجَعَ، فرآه عليُّ بن أبي طالب، فقال: كان الرجل غريبٌ، قال: نعم، قال: انطلِقْ إلى المنزل، قال (٤): فانْطَلَقْتُ معه لا يَسْأَلُني عن شيءٍ ولا أسأله، قال: فلما أصبَحتُ مِن الغدِ رَجَعتُ إلى المسجدِ فبقيتُ يومي حتَّى أمسَيتُ، وسِرْتُ إلى مَضْجَعِي، فَمَرَّ بي عليٌّ، فقال: أمَا آنَ لِلرَّجُلِ أن يَعْرِفَ منزِلَه؟! فأَقامَه وذَهَب (٥) معه وما يسألُ واحدٌ منهما صاحبَه عن شيءٍ، حتّى إذا كان اليوم الثالثُ، فعل مثل ذلك، فأقامه عليٌّ معه، [فقال: أمَا] (٦) تُحَدِّثُنِي ما الذي أقدَمَك هذا البلد؟ قال: إِنْ أعطَيْتَني عَهْدًا وميثاقًا لَتُرْشِدُني فعَلتُ، ففعل، فأخبره على أنه نبيٌّ، وأن ما جاء به حقٌّ، وأنَّه رسول الله ﷺ ، فإذا أصبحت فاتْبَعْني؛ فإنّي إنْ رأيتُ شيئًا أخافُ (٧) عليك قُمْتُ كأَنِّي (١) أُرِيقُ الماءَ،

стр. 3775

فإِنْ مَضَيْتُ فاتْبَعْني، حتَّى تَدْخُلَ معي (١)، قال: فَانْطَلَقْتُ أَقْفُوه حتَّى دخل على رسولِ اللهِ ﷺ ودخلتُ معه، وحَيَّيْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ بتحيَّةِ الإسلام، فقال (٢): السلامُ عليك يا رسول الله، فكنتُ (٣) أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: "وعليك السَّلامُ، مَن أنتَ؟ "، قلتُ: رجلٌ مِن بني (٤) غِفَارٍ، فعرض عليَّ الإسلام فأَسْلَمْتُ، وشهِدتُ أنْ لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ وأن محمدا رسولُ اللهِ، فقال لي رسولُ اللهِ ﷺ : "ارجع إلى بلادِ (٥) قومِك وأخبرهم (٦)، واكْتُمْ أمرَك عن أهلِ مَكَّةَ؛ فَإِنِّي أَخْشَاهُمْ (٧) عليك"، فقلتُ: والذي نَفْسي بيده لأصَوِّتَنَّ بها بينَ أَظْهُرِهم (٨)، فخرج حتّى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهَدُ أَنْ لا إلهَ إلا اللهُ وأَشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ اللَّهِ، فَثَارَ القومُ إليه، فضربوه حتَّى أضجَعوه، وأتى العَبَّاسُ وأَكَبَّ عليه، وقال: وَيْلَكم! ألَسْتُم تعلمون أنَّه مِن غِفَارٍ، وأن طريق تُجَّارِكم (٩) إلى الشَّامِ عليهم؟ وأَنْقَذَه منهم، ثمَّ عادَ مِن الغدِ إلى مِثْلِها، وثارُوا إليه فضربوه، فأَكَبَّ عليه العَبَّاسُ فَأَنْقَذَه، ثمَّ لحِق

стр. 3776

بقومه، فكان هذا أَوَّلَ إسلام أبي ذَرٍّ (١). وأخبرنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ، قال: حدثنا محمد بن بكرٍ، قال: حدثنا أبو داود، قال: حدثنا محمدُ بنُ سَلَمةَ المُرَادِيُّ، قال: حدثنا ابن وهب، قال: حدثني الليث بن سعدٍ، عن يزيد بن أبي حبيبٍ (٢)، قال: قدم أبو ذَرٍّ على النبي ﷺ وهو بمَكَّةَ، فأسلم ثمَّ رجع إلى قومه، فكان (٣) يَسْخَرُ بآلهتهم، ثمَّ إنَّه قدم على رسول الله ﷺ المدينة، فلمَّا رآه رسول الله ﷺ وهم في اسمِه، فقال: "أنتَ أبو نَمْلةَ؟ "، فقال: أنا أبو ذَرٍّ، قال: "نَعَمْ أبو ذَرٍّ"، وقد تقدَّم في بابِ جُنْدَبِ مِن خبره ما لم يقع هنا (٤). وتُوفِّيَ أبو ذَرِّ ﵀ بالرَّبَذَةِ سنة إحدى وثلاثين أو اثنتين وثَلاثين، وصَلَّى عليه ابن مسعود، ثم مات بعده في ذلك العام، و (٥) قيل: تُوُفِّيَ سنة أربعٍ وعشرين، والأوَّلُ أصحُّ (٦).

стр. 3777

قال عليٌّ ﵁: وعَى أبو ذَرٍّ علمًا عجز الناسُ عنه، ثم أوكَأ عليه، فلم يُخرج شيئًا منه (١)، وقال رسولُ اللهِ ﷺ : "أبو ذر في أُمَّتِي على زُهْدِ عيسى ابن مريم" (١)، وقال أبو ذَرٍّ: لقد تَرَكَنا رسولُ الله ﷺ وما يُحَرِّكُ طائرُ جَناحَيْهِ فِي السَّماءِ إِلا ذَكَرَنا منه عِلْمًا (٢). حدَّثنا أبو عثمان سعيد بن نصرٍ، قال: حدثنا قاسمٌ (٣)، حدثنا ابن وضَّاحٍ، حدثنا ابن أبي شيبة، حدثنا الحسن (٤) بن موسى الأَشْيَبُ، حدَّثنا حَمَّادُ بن سلمة، عن (٥) عليّ بن زِيدِ بن جدعان، عن بلال بن أبي الدرداء، عن أبي الدرداء، أنَّ رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "ما أَظَلَّتِ الخضراء، ولا أَقَلَّتِ الغَبْراء، أصدق لهجةً مِن أبي ذَرٍّ" (٦). وقد ذكَرْنا مِن أخبارِه في باب الجيم مِن الأسماء ما هو أَتَمُّ مِن هذا (٧).

стр. 3778

[ذكَر سيفُ بنُ عمرَ، عن القَعْقاعِ بنِ الصَّلْتِ عن رجلٍ، عن (٢) كُلَيبِ بنِ الحَلْحالِ، عن الحَلْحالِ بنِ ذُرَيٍّ (٣) الضَّبِّيِّ (٤)، قال: خرَجْنا حُجَّاجًا مع ابنِ مسعودٍ سنةَ أربعٍ وعشرينَ ونحنُ أربعةَ عَشَرَ راكبًا حتَّى أَتَيْنا على الرَّبَذةِ، فشَهِدْنا أبا ذَرٍّ، فَغَسَلْناه وكَفَّنَّاه ودَفَنَّاه هناك] (٥) (٦). [٢٨٨٤] أبو ذَرَّةَ (٧)، اسمُه الحارثُ بنُ معاذِ بنِ زُرارةَ الأنصارِيُّ الظَّفَرِيُّ، هو أخو أبي نملةَ الأنصارِيِّ، شهِد هو وأخوه أبو نملةَ مع أبيهما معاذٍ أُحُدًا، ذكَرَه الطبريُّ (٨). [٢٨٨٥] أبو ذُبَابٍ (٩)، والدُ عبدِ اللَّهِ بنِ أبي ذُبَابٍ، له [في إسلامِه] (١٠) خبرٌ طريفٌ (١١) حسنٌ، وكان شاعرًا.

стр. 3779

[٢٨٨٦] أبو ذُؤَيبٍ الهُذَلِيُّ الشاعرُ (١)، كان مسلِمًا على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ولم يَرَه، ولا خِلافَ أنَّه جاهليٌّ إسلاميٌّ، قيل: اسمُه خُوَيلدُ بنُ خالدِ بنِ مُحَرِّثِ بنِ زُبَيدِ بنِ مخزومِ بن صاهِلةَ بنِ كاهلِ بنِ الحارثِ بنِ تميمِ (٢) بنِ سعدِ بنِ هُذَيلٍ، وقال ابنُ الكلبيِّ (٣): هو خُوَيلدُ بنُ مُحَرِّثٍ (٤)، مِن (٥) بنى مازنِ بنِ معاويةَ (٦) بن تميمِ بن سعدِ بنِ هُذَيلٍ. ذكر محمدُ بنُ إسحاقَ [بنِ يَسَارٍ] (٧)، قال: حدَّثني أبو الإكَامِ (٨) الهُذَلِيُّ، عن الهِرْمَاسِ بنِ صَعْصعةَ الهُذَلِيِّ، عن أبيه، [أنَّ أبا] (٩) ذُؤَيْبٍ الشَّاعِرَ حَدَّثه، قال: بَلَغَنا أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ عَلِيلٌ، فَاسْتَشْعَرْتُ

стр. 3780

حُزْنًا وبِتُّ بأطولِ ليلةٍ لا يَنْجابُ دَيْجُورُها (١)، ولا يَطْلُعُ نورُها، فظَلَلْتُ أُقَاسِي طُولَها حتَّى إذا كان قُرْبُ السَّحَرِ أَغْفَيْتُ، فهتَف بي هاتفٌ، وهو يقولُ: خَطْبٌ أَجَلُّ أَنَاخَ بالإسلامِ … بينَ (٢) النَّخِيلِ ومَعْقِدِ الآطَامِ قُبِضَ النَّبِيُّ محمدٌ فعُيُونُنا … تُذْرِي الدُّمُوعَ عليه بِالتَّسْجَامِ (٣) قال أبو ذُؤَيْبٍ: فوَثَبْتُ مِن منامِي (٤) فَزِعًا، فنظَرْتُ إلى السَّماءِ، فلم أرَ إلا سعدَ الذَّابِحَ (٥)، فتفَاءَلْتُ به [ذَبْحًا يقعُ] (٦) في العربِ، وعلِمتُ أنَّ النبيَّ ﷺ قَد قُبِضَ، وهو مَيِّتٌ مِن عِلَّتِه، فرَكِبْتُ ناقتِي وسِرْتُ، فلمَّا أصبَحتُ طلَبتُ شيئًا أَزْجُرُ به، فَعَنَّ لي شَيْهمٌ - يعني القُنْفُذَ (٧) - قد قَبَضَ على صِلٍّ - يعني الحَيَّةَ - فهي تَلْتَوِي عليه، والشَّيْهَمُ يَقْضَمُها حَتَّى أكَلها، فزَجَرتُ ذلك، [وقلتُ: شَيْهَمٌ] (٨): شيءٌ مُهِمٌّ، والتواءُ الصِّلِّ: التواءُ الناسِ عن (٩) الحقِّ على القائمِ بعدَ

стр. 3781

رسولِ اللَّهِ ﷺ ، ثم أَوَّلتُ أكلَ الشَّيْهَمِ إِيَّاها (١)، غَلَبَةُ القائمِ بعدَه على الأمرِ، فَحَثَثتُ، ناقَتي، حتى إذا كنتُ بالغابةِ [زَجَرتُ الطيرَ] (٢)، فأخبرَني بوفاتِه، ونَعَبَ غرابٌ سانِحٌ (٣)، فنطَق بمثلِ ذلك، فَتَعَوَّذتُ باللَّهِ مِن شَرِّ ما عَنَّ لي في طريقي، وقَدِمتُ المدينةَ ولها ضَجِيجٌ بالبكاءِ كَضَجيجِ الحاجِّ (٤) إذا أَهَلُّوا بالإحرامِ، فقلتُ: مَهْ؟ قالوا: قُبِض رسولُ اللَّهِ ﷺ ، فجئتُ (٥) المسجدَ فوَجَدتُه خاليًا، فأَتَيتُ بيتَ رسولِ اللَّهِ ﷺ ، فأَصَبْتُ بابَه مُرْتَجًا، وقيل: هو مُسَجًّى، وقد خلا به أهلُه، فقلتُ: أين الناسُ؟ فقيل: في سقيفةِ بني ساعدةَ، صاروا إلى الأنصارِ، فجئتُ إلى السَّقِيفةِ فَأَصَبتُ أبا بكرٍ، وعمرَ، وأبا عُبَيدةَ بنَ الجَرَّاحِ، وسالمًا، وجماعةً من قريشٍ، ورأيتُ الأنصارَ فيهم سعدُ بنُ عبادةَ (٦)، وفيهم شعراؤهم، وهم حَسَّانُ بنُ ثابتٍ، وكعبُ بنُ مالكٍ، ومَلَأٌ منهم، فأوَيتُ إلى قريشٍ، وتكَلَّمتِ الأنصارُ فأَطَالوا الخطابَ، وأكثَروا الصَّوابَ، وتَكَلَّمَ أبو بكرٍ، فللهِ دَرُّه مِن رجلٍ لا يُطِيلُ الكلامَ، ويعلَمُ مواضعَ فصلِ الخِصَامِ، واللهِ لقد تكَلَّمَ بكلامٍ لا يسمعُه سامعٌ إلا انقادَ له ومالَ إليه، ثم تكلَّم عمرُ بعدَه بدونِ كلامِه، ومَدَّ يدَه فبايَعه

стр. 3782

وبايَعوه، ورجَع أبو بكرٍ ورجَعتُ معه، قال أبو ذُؤَيبٍ: فشَهِدْتُ الصلاةَ على محمدٍ ﷺ ، وشَهِدْتُ دفنَه ﷺ ، ثم أنشَد أبو ذُؤَيبٍ يبكِي النبيَّ ﷺ : لمَّا رأيتُ الناسَ في عَسَلانِهم (١) … ما بينَ مَلْحودٍ له ومُضَرَّحِ مُتَبَادِرِينَ لِشَرْجَعٍ (٢) بأَكُفِّهِمْ … بُضِّ (٣) الرِّقَابِ لفقدِ أبيضَ أَرْوَحِ فهناكَ صِرْتُ إِلَى الهُمُومِ وَمَن يَبِتْ … جارَ الهمومِ يَبِيتُ غيرَ مُرَوَّحِ كَسَفَتْ لمَصْرَعِه النُّجُومُ وبَدْرُها … وتَزَعْزَعَتْ آطَامُ بطنِ الأَبطَحِ وتَزَعْزَعتْ أجبالُ يثربَ كلُّها … ونخيلُها لحُلولِ خَطْبٍ مُفْدِحِ ولقد زَجَرتُ الطيرَ قبلَ وَفَاتِه … بمُصابِه وزَجَرتُ سعدَ الأَذْبُحِ وزَجَرتُ أنْ نَعَبَ المُشَحِّجُ سَانِحًا … مُتَفَائِلًا فيه بِفَأْلٍ أَفْيَحِ (٤) قال: ثم انصرَف أبو ذُؤَيبٍ إلى باديتِه فأقام بها (٥). وتُوفِّي أبو ذُؤَيبٍ في خلافةِ عثمانَ بنِ عَفَّانَ بطريقِ مكةَ قريبًا

стр. 3783

منها، ودفَنه ابنُ الزُّبَيْرِ، وغَزا أبو ذُؤَيبٍ مع عبدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ إفريقيةَ ومدَحه، وقيل: إنَّه ماتَ في غزوةِ إفريقيةَ بمصرَ مُنصرِفًا بالفتحِ مع ابنِ الزُّبَيْرِ، فدفَنه ابنُ الزُّبَيْرِ، ونفَذَ بالفتحِ وحدَه. وقيل: إِنَّ أبا ذُؤَيبٍ ماتَ غازيًا بأرضِ الرومِ، ودُفِن هناك، وإنَّه لا يُعلَمُ لأحدٍ من المسلمين قبرٌ وراءَ قبرِه، وكان عمرُ قد ندَبه إلى الجهادِ، فلم يَزَلْ مجاهدًا حتَّى ماتَ بأرضِ الرُّومِ (١)، ودفَنه هناك ابنُه أبو عُبَيدٍ، وعندَ موتِه قال له (٢): أبا عُبَيدٍ رُفِع الكتابُ … واقْتَرَبَ المَوعِدُ والحِسَابُ في أبياتٍ. قال محمدُ بنُ سَلَّامٍ (٣): قال أبو عمرٍو: سُئِل حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ: مَن أشعرُ الناسِ؟ فقال: حَيًّا أم رجلًا؟ قالوا حَيًّا، قال: هُذَيلٌ أشعرُ الناسِ حَيًّا، قال ابنُ سَلَّامٍ: وأقولُ: إِنَّ أشعرَ هُذَيلٍ أبو ذُؤَيبٍ (٤). قال عمرُ بنُ شَبَّةَ: تَقَدَّمَ أبو ذُؤَيبٍ على جميعِ شعراءِ هُذَيلٍ بقصيدتهِ العَيْنِيَّةِ التي يَرْثِي فيها بَنِيه (٤)، وقال الأصمعيُّ: أبرعُ بيتٍ قالَتْه العربُ بيتُ أبي ذُؤَيبٍ:

стр. 3784

والنَّفْسُ راغبةٌ إذا رَغَّبتَها … وإذا تُرَدُّ إلى قليلٍ تَقْنَعُ (١) وهذا البيتُ مِن شعرِه المُفَضَّلِ الذي يَرْثِي به (٢) بَنِيه، وكانوا خمسةً أُصِيبوا في عامٍ واحدٍ، وفيه حِكَمٌ وشواهدُ، أَوَّلُه حيثُ يقولُ (٣): أَمِنَ المَنُونِ ورَيْبِه (٤) تَتَوَجَّعُ … والدَّهْرُ ليس بِمُعْتِبٍ مَن يَجْزَعُ قالَتْ أُمَامَةُ (٥) ما لجسمِك شَاحِبًا … منذُ ابْتُذِلتَ ومثلُ مالِك يَنْفَعُ أمْ ما لجَنْبِك لا يُلائِمُ مَضْجَعًا … إلَّا أَقَضَّ عليكَ ذاك المَضْجَعُ فَأَجَبْتُها [أنْ ما لِجِسْمِيَ] (٦) أنَّه … أَوْدَى (٧) بنيَّ مِن البلادِ فَوَدَّعُوا أَوْدَى بَنِيَّ فَأَعْقَبُونِي حَسْرةً … بعد الرُّقَادِ وعَبْرَةً ما (٨) تُقْلِعُ فالعينُ بَعْدَهُمُ كَأَنَّ حِدَاقَها … سُمِلتْ (٩) بِشَوكٍ فهْيَ (١٠) عُورٌ (١١) تَدْمَعُ

стр. 3785

سَبَقُوا هَوَيَّ وأَعْتَقُوا لِهَوَاهُمُ … فَتُخُرِّمُوا ولكلِّ جَنْبٍ مَصْرَعُ فَغَبَرتُ بَعْدَهُمُ بعَيْشٍ ناصِبٍ … وإخالُ أنِّي لاحِقٌ مُسْتَتْبَعُ ولقد حَرَصتُ بأن أُدافِعَ عَنْهُمُ … فإذا المَنِيَّةُ أقبَلتْ لا تُدْفَعُ وإذا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَها … أَلْفَيتَ كلَّ تَمِيمةٍ لا تَنْفَعُ وتَجَلُّدِي للشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ … أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لا أَتَضَعْضَعُ حتَّى كأَنِّي للحَوَادِثِ مَرْوَةٌ … بِصَفَا المُشَقَّرِ (١) كلَّ يومٍ تُقْرَعُ والدَّهْرُ لا يَبْقَى على حَدَثَانِه … جَوْنُ السَّرَاةِ (٢) له جَدَائِدُ أَرْبَعُ * * *
следующие страницы →