← Тафсир

Тафсир · id 14

استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة

سيف بن منصر الحارثي

Полный текст (896 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

وهذا من الاستنباطات الدقيقة، والنافعة، حيث إن المتأمل للثأرات القبلية، يعلم أن ما يحدث فيها من فتن إنما هو بسبب حماية القاتل وعدم تسليمه للقصاص. كما أن هذا الاستنباط فيه ضبط لما يستجد الآن من مطالبات لولي المقتول بالتنازل حتى إنه يصبح ملاماً لو لم يستجب، فإذا عُلم أنه يريد القصاص فلا ينبغي الإكثار عليه وإنما ينبغي مساعدته لإقامة القصاص وهذا كله مأخوذ من معنى هذا الاستنباط. كما أنه فيه قضاء على الجاهلية المنتشرة خصوصاً في المجتمعات القبلية وهي استعياب تسليم الجاني ويعدون هذا من المعايب التي يلامون عليها، بينما هذا الاستنباط يقضي على ذلك ويربط القضية بالإيمان بالله. كما أن في هذا الاستنباط إشارة إلى حكمة من حكم إقامة القصاص، وهي حفظ الأنفس البريئة التي تذهب في الثارات الجاهلية فإذا تعاون الجميع أولياء القاتل والمقتول على إقامة القصاص كان في ذلك إطفاء لنار الثأر في القلوب والتي عادة يذهب ضحيتها الأبرياء. مفهوم الحر بالحر يدل على أن الحر لا يقتل بالعبد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ. . . (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨). ٣١ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ ودل

стр. 177

بمفهومها على أن الحر، لا يقتل بالعبد (١)، لكونه غير مساوٍ له) ا. هـ (٢). الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الحر لا يقتل بالعبد، ووجه دلالة الآية عليه بمفهوم المخالفة حيث أن تخصيص القصاص بين الحر والحر دال بمفهومه على أن الحر لا يقتل بالعبد. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الخازن: (قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ ومعناه أنه إذا تكافأ الدمان من الأحرار المسلمين أو العبيد من المسلمين أو الأحرار من المعاهدين أو العبيد منهم فيقتل كل صنف إذ قتل بمثله الذكر بالذكر والأنثى بالأنثى وبالذكر ولا يقتل مؤمن بكافر ولا حر بعبد) (٣)، وممن قال

стр. 178

به أيضاً: ابن العربي، والرازي، والطوفي (١)، وجلال الدين المحلي (٢). المخالفون: خالف السعدي في هذا المفهوم من الآية بعض المفسرين، قال أبو السعود: (وليس فيها دِلالةٌ على عدم قتل الحرِّ بالعبد عند الشافعي أيضاً لأن اعتبارَ المفهومِ حيث لم يظهر للتخصيص بالذكر وجهٌ سوى اختصاصِ الحُكم بالمنطوقِ. . .) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً: ابن جرير الطبري، والجصاص، والبيضاوي، والألوسي، والهرري (٤). النتيجة: الآية لا تدل على أن الحر لا يقتل بالعبد؛ فلا اعتبار بعموم مفهوم القيد؛ لأن شرط اعتباره ألا يظهر لذكر القيد سبب إلاّ الاحتراز عن نقيضه، فإذا ظهر سبب غير الاحتراز بطل الاحتجاج بالمفهوم، وحينئذٍ فلا دلالة في الآية على ألا يقتل حر بعبد ولا أنثى بذكر ولا على عكس ذلك (٥)، قال الألوسي: (فالآية كما تدل على أن لا يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر لأن مفهوم المخالفة إنما يعتبر إذا لم يعلم نفيه بمفهوم الموافقة وقد علم من قتل العبد بالعبد وقتل الأنثى بالأنثى أنه يقتل العبد بالحر والأنثى بالذكر بطريق الأولى كذلك لا تدل على أن لا يقتل الحر

стр. 179

بالعبد والذكر بالأنثى لأن مفهوم المخالفة كما هو مشروط بذلك الشرط مشروط بأن لا يكون للتخصيص فائدة أخرى، والحديث (١) بين الفائدة وهو المنع من التعدي وإثبات المساواة بين حر وحر وعبد وعبد) (٢). وقال الشيخ زاده (٣): (وتقرير الجواب أن الآية إنما تدل على مشروعية القصاص عند تحقق الموافقة بين القاتل والمقتول ذكورة وحرية ولا تدل بمفهومها على انتفاء القصاص عند اختلافهما بحسب الذكورة أو الحرية؛ لأن المفهوم إنما هو على تقدير أن لا يظهر للتقييد فائدة سوى الدلالة على انتفاء الحكم عنه عند انتفاء القيد وقد مر أن له فائدة سواها وهي إبطال ما كان أهل الجاهلية عليه) (٤). مفهوم الأنثى بالأنثى ليس فيه دلالة على أن الرجل لا يقتل بالمرأة قال تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨). ٣٢ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ أخذ

стр. 180

بمفهومها بعض أهل العلم (١) فلم يجز قتل الرجل بالمرأة، وتقدم وجه ذلك.) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط بعض العلماء من هذه الآية أن الرجل لا يقتل بالمرأة أخذاً بمفهوم المخالفة من قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، ورد السعدي هذا الاستنباط من وجهين: أحدهما: دلالة السنة (٣) على أن الرجل يقتل بالمرأة. ثانياً: أن منطوق قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ - وهو عام في الذكر والأنثى- مقدم على مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾، والمنطوق عندما يتعارض مع المفهوم يقدم المنطوق (٤). ومما يؤيد ما ذهب إليه السعدي الإجماع على أن الرجل يقتل بالأنثى، قال ابن عطية: (وأجمعت الأمة على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل) (٥). وممن وافق السعدي على ذلك: الجصاص، والرازي، والبيضاوي، وجلال الدين المحلي، والألوسي، وابن عاشور، وصديق حسن خان، والعثيمين، والهرري (٦).

стр. 181

النتيجة: وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، فالآية لا تدل على أن الذكر لا يقتل بالأنثى فالقصاص يكون بين الرجال والنساء، قال الطوفي: (الأنثى بالأنثى مفهومه لا يقتل ذكر بأنثى لكنه متروك؛ لضعفه ولزوم المفسدة العامة منه، وللإجماع فيقتل الذكر بالأنثى ولا شيء لورثته) (١)، وإنما خُصَّت الأنثى بالذكر مع أنها مشمولة لعموم الحر بالحر والعبد لئلا يتوهم أن صيغة التذكير في قوله: ﴿الْحُرُّ﴾ وقوله: ﴿الْعَبْدُ﴾ مراد بها خصوص الذكور (٢). الأصل وجوب القود، والدية بدل عنه إذا رضي ولي المقتول . قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨). ٣٣ - قال السعدي ﵀: (وقوله: وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود (٣) في القتل، وأن الدية بدل عنه (٤)، فلهذا قال:

стр. 182

﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ (١) أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي) ا. هـ (٢). الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الأصل وجوب القود في القتل، وأن الدية بدل عنه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن العفو إنما هو على شيء وهو هنا الدية، وتقديم الكلام على العفو دليل على أن القود هو الأصل وإنما يأتي العفو تبعاً. الموافقون: قال السيوطي: (فيه مشروعية العفو على الدية. . .) (٣)، كما أشار إلى ذلك بعض المفسرين منهم: الطبري، والبغوي، وابن عطية، وأبو المظفر السمعاني، والرازي، والبيضاوي، والخازن، وابن عادل الحنبلي، وحقي، والشوكاني. (٤)

стр. 183

المخالفون: خالف الجصاص في ذلك حيث جعل قبول الدية راجعاً إلى القاتل؛ لأن الذي في كتاب الله هو القصاص فقط، فإذا أوجبنا الدية بغير رضاه أوجبنا عليه شيئاً من غير دليل قال الجصاص: (لما بينا من أن الذي أوجبه الله تعالى في الكتاب هو القصاص، وفي إثبات التخيير بينه وبين غيره زيادة في النص، ونفي لإيجاب القصاص، ومثله عندنا يوجب النسخ، فإذاً الواجب هو القود لا غيره، فلا جائز له أخذ المال إلا برضى القاتل؛ لأن كل من له قِبَل غيره حق يمكن استيفاءه منه لم يجز له نقله إلى بدل غيره إلا برضى من عليه الحق) (١)، كما أشار إلى ذلك الألوسي (٢). النتيجة: وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، ومما يؤيده أن مقصد الآية الترغيب في الرضا بأخذ العوض عن دم القتيل بدلاً من القصاص (٣)، وحينئذ فلا معنى لربط ذلك برضا القاتل؛ لأن القصاص حق لولي المقتول فإذا تنازل عنه إلى شيء آخر لزم القاتل قبوله وقد يربط ذلك أيضاً بوجوب المحافظة على النفس وهي من الضرورات التي أوجبتها الشريعة فما حفظ النفس وجب قبوله والدية هنا فيه حفاظ على النفس، وبذل ما سوى النفس هين في استبقائها (٤).

стр. 184

القتل لا يوجب الكفر على القاتل . قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (١٧٨)﴾ (البقرة: ١٧٨). ٣٤ - قال السعدي ﵀: (وفي قوله: ﴿أَخِيهِ﴾ دليل على أن القاتل لا يكفر (١)، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر، لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية، وهي أن القاتل لا يكفر، ووجه ذلك أن الله سمى القاتل أخاً فدل ذلك على أنه لم يكفر لبقاء الأخوة الإيمانية. وقد قال بذلك جمع من المفسرين، قال ابن الجوزي: (ودل قوله: ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ على أن القاتل لم يخرج عن الإسلام) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً: ابن عطية، والرازي (٤)، والخازن، والألوسي، وحقي، والعثيمين (٥).

стр. 185

وقال بعض المفسرين أن ذكر الأخوة هنا من باب الاستعطاف لولي المقتول لأجل أن يعفو لأن الأخوة تردعه عن القود، قال البيضاوي: (وذكره بلفظ الإِخوة الثابتة بينهما من الجنسية والإِسلام ليرق له ويعطف عليه) (١)، وممن قال به أيضاً: أبو السعود، وابن عاشور. (٢) ولا منافاة بين الوجهين بل سمى الله ولي الجناية أخاً استعطافاً له ولبيان أن القاتل لم يكفر بقتله، قال محيي الدين شيخ زاده: (وسماه - أي ولى الجناية - أخاً للقاتل استعطافا له عليه وتنبيهاً على أن أخوة الإسلام قائمة بينهما، وأن القاتل لم يخرج من الإيمان بقتله). (٣) إطلاق لفظ العدة دون قيد دليل على أن المعتبر في القضاء هو مجرد العدد دون أي صفة أخرى . قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: ١٨٤). ٣٥ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يدل على أن المعتبر مجرد العدة، لا مقدارها في الطول والقصر، والحر والبرد، ولا وجوب الفور وعدمه ولا ترتيب ولا تفريق). ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن المعتبر هو مجرد القضاء دون النظر

стр. 186

إلى اعتبارات أخرى كطول اليوم وقصره، وبرودته وحره، وترتيبه وتفريقه، وكذلك قضاؤه على الفور أوالتراخي. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال ابن عرفة: (وذكر ﴿أَيَّامٍ﴾ إشارة إلى أنه يجزي فيها الصوم في النهار القصير قضاء عنه في النهّار الطويل وإنما المطلوب عدة أيام (كعدد) الأيام الأول لا كقدرها وصفتها). (١) وقال الألوسي: (واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعاً ومتفرقاً وأنه ليس على الفور خلافاً لداود، وعلى أن من أفطر رمضان كله قضى أياماً معدودة فلو كان تاماً لم يجزه شهر ناقص أو ناقصاً لم يلزمه شهر كامل خلافاً لمن خالف في الصورتين) (٢)، وممن قال به أيضاً: الجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والقرطبي، والزمخشري، والرازي، أبوحيان، والسيوطي، والشوكاني. (٣) المخالفون: ذهب الحسن بن صالح (٤) إلى أنه يقضي شهراً بشهر من غير مراعاة

стр. 187

عدد الأيام، لكن أجاب عنه إلكيا الهراسي فقال: وهذا بعيد لأنه قال ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يقل (فشهر من أيام أخر)، وقوله: "فعدة" يقتضي استيفاء عدد ما أفطر فيه ولاشك أنه لو أفطر بعض رمضان وجب قضاء ما أفطر بعده بعدده، وكذلك يجب أن يكون حكم إفطاره جميعه في اعتبار العدد (١). وذهب داود الظاهري إلى وجوب التتابع حيث قال: يجب عليه القضاء ثاني شوّال، فلو لم يصمه ثم مات أثِمَ (٢). ولكن أجاب أبوحيان (٣) عن ذلك فقال: وهو محجوج بظاهر الآية، وبما ثبت في الصحيح عن عائشة قالت: كان يكون عليّ الصوم من رمضان فلا أستطيع أن أقضيه، إلاَّ في شعبان لشغل من رسول الله ﷺ ، أو برسول الله ﷺ (٤). النتيجة: وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح ويؤيده لفظ الآية المطلق فمن قيده فقد أوجب صفة زائدة لا يدل عليها اللفظ، قال السيوطي: واستدل بالآية على جواز القضاء متتابعاً ومتفرقاً،. . . وعلى أنه يجزئ صوم يوم قصير مكان يوم طويل (٥).

стр. 188

أعاد الرخصة للمريض والمسافر لئلا يتوهم أن الرخصة منسوخة مع التخيير . قال تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ (١٨٥)﴾ (البقرة: ١٨٥). ٣٦ - قال السعدي ﵀: (ولما كان النسخ (١) للتخيير بين الصيام والفداء خاصة، أعاد الرخصة للمريض والمسافر (٢)، لئلا يتوهم أن الرخصة أيضاً منسوخة) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هاتين الآيتين مناسبة تكرار قوله تعالى: (فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ)، وأنه دفع توهم النسخ لأنه ذكرت الآية التي كان الصوم فيها على التخيير ثم نسخ التخيير فكان هذا موهماً لنسخ الرخصة للمريض والمسافر فأعاد ذكر الرخصة لدفع هذا التوهم.

стр. 189

الموافقون: وافق السعدي على ذلك جمع من المفسرين، قال الخازن: (﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ إنما كرره لأن الله تعالى ذكر في الآية الأولى تخيير المريض والمسافر والمقيم الصحيح ثم نسخ تخيير المقيم الصحيح بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرُ فَلْيَصُمْهُ﴾ فلو اقتصر على هذا لاحتمال أن يشمل النسخ الجميع، فأعاد بعد ذكر الناسخ الرخصة للمريض والمسافر ليعلم أن الحكم باق على ما كان عليه) (١). وقال البقاعي: (ولما نسخ بهذا ما مر من التخيير أعاد ما للمريض والمسافر لئلا يظن نسخه فقال: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا﴾ أي سواء شهده أولا ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ أي سواء كان مريضاً أو صحيحاً وهو بين بأن المراد شهوده في بلد الإقامة ﴿فَعِدَّةٌ﴾) (٢). وممن قال به أيضاً من المفسرين: البغوي، وأبو المظفر السمعاني، والماوردي، والواحدي، وابن الجوزي، وجلال الدين المحلي، وحقي، وصديق حسن خان، والعثيمين (٣). المخالفون: وقال بعض المفسرين: إن مناسبة التكرار هو التخصيص لئلا يفهم العموم في وجوب الصوم فالمريض والمسافر ممن يشهد الشهر فأعيد لفظ الرخصة لتخصيص العموم الوارد في لفظ الإيجاب (٤).

стр. 190

النتيجة: وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه من المفسرين هو الأصح في وجه هذا الاستنباط لأن التخصيص يمكن أن يفهم من أدلة أخرى لو كان هو المراد. والله أعلم. الأمر بتكميل عدة الصيام لدفع الوهم أن صيام بعض رمضان يحصل به المقصود . قال تعالى: ﴿الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ (١٨٥)﴾ (البقرة: ١٨٥). ٣٧ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ﴾ (١) وهذا - والله أعلم - لئلا يتوهم متوهم، أن صيام رمضان، يحصل المقصود منه ببعضه، دفع هذا الوهم بالأمر بتكميل عدته) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي مناسبة إيراد لفظ (لتكملوا العدة) مع أن قوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) يغني عنه في المعنى، وبين أن مناسبة في ذلك هو دفع توهم من قد يتوهم أن صيام رمضان يحصل المقصود منه بصيام بعضه.

стр. 191

وما ذهب إليه السعدي هنا فيه بُعد؛ لأن هذا التوهم بعيد الوقوع خصوصاً بعد الأمر بالقضاء لمن فاته بعض الصوم بعذر فمن باب أولى أن يكمل الصوم من لا عذر عنده. ولو قيل إن المراد بذلك التأكيد على القضاء لكان أوفق لمعنى الآية، قال ابن جرير الطبري: (عدة ما أفطرتم، من أيام أخر، أوجبت عليكم قضاء عدة من أيام أخر بعد برئكم من مرضكم، أوإقامتكم من سفركم) (١)، وقال القاسمي: (فهذه الآية علة الأمر بمراعاة العدة) (٢)، كما أشار إلى ذلك بعض المفسرين (٣). من أكل شاكاً في طلوع الفجر فصيامه صحيح . قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا شَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١٨٧)﴾ (البقرة: ١٨٧). ٣٨ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا شَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١٨٧)﴾ هذا غاية للأكل والشرب والجماع، وفيه أنه إذا أكل ونحوه شاكا في طلوع الفجر فلا بأس عليه). ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الأكل ونحوه من المفطرات إذا

стр. 192

أكلها الصائم شاكاً في طلوع الفجر فلا شئ عليه، ووجه استنباط ذلك بمفهوم المخالفة - مفهوم الغاية - وهو التبين فإذا أكل شاكاً فصيامه صحيح لأن الحرمة إنما هي بعد الغاية وهي طلوع الفجر بدلالة"حتى". الموافقون: قال العثيمين: (ومنها: جواز الأكل، والشرب، والجماع مع الشك في طلوع الفجر؛ لقوله تعالى: ﴿شَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾؛ فإن تبين أن أكله، وشربه، وجماعه، كان بعد طلوع الفجر فلا شيء عليه) (١)، وقال السيوطي: (واستدل به على جواز الأكل لمن شك في طلوع الفجر؛ لأنه تعالى أباح الأكل إلى التبين، ولا تبين مع الشك) (٢)، كما أشار إلى ذلك بعض المفسرين منهم: الجصاص، والكيا الهراسي، وأبوحيان، والألوسي. (٣) المخالفون: ذهب ابن العربي إلى أن المراد بالتبين هنا شدة المقاربة أي: قاربت الصباح، وأن الآية لا تدل على جواز الأكل حتى التبين بل إن المنع هو الأشبه بوضع الشريعة وحرمة العبادة (٤). النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه من المفسرين هو الأصح في وجه هذا الاستنباط لدلالة مفهوم المخالفة عليه؛ ولأن القول بخلافه فيه إلغاء لهذا المفهوم بلا حجة، قال ابن بدران: (ويدل قوله تعالى: ﴿شَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ أن ابتداء الإمساك يكون من التبين، فمن شك فيه وفعل شيئاً من

стр. 193

المفطرات، ثم انكشف له أن الفجر كان طالعاً وصامه، أنه لا قضاء عليه؛ لأنه غياه بتبين الفجر للصائم لا بالطلوع. . .) (١) والله أعلم. استحباب السحور وتأخيره . قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا شَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١٨٧)﴾ (البقرة: ١٨٧). ٣٩ - قال السعدي ﵀: (وفيه: دليل على استحباب السحور للأمر، وأنه يستحب تأخيره أخذاً من معنى رخصة الله وتسهيله على العباد) ا. هـ (٢). الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استحباب السحور، واستحباب تأخيره، ووجه الاستنباط من معنى الرخصة، حيث إن تأخير السحور أرفق بالمكلف. قال العثيمين: (أخذ بعض أهل العلم من هذا استحباب السُّحور، وتأخيره؛ وهذا الاستنباط له غور؛ لأنه يقول: إنما أبيح الأكل والشرب ليلة الصيام رفقاً بالمكلف؛ وكلما تأخر إلى قرب طلوع الفجر كان أرفق به؛ فما دام نسخ التحريم من أجل الرفق بالمكلف فإنه يقتضي أن يكون عند طلوع الفجر أفضل منه قبل ذلك؛ لأنه أرفق؛ وهذا استنباط جيد. . .) (٣)

стр. 194

وقال ابن كثير: (وفي إباحته تعالى جوازَ الأكل إلى طلوع الفجر، دليل على استحباب السَّحُور؛ لأنه من باب الرخصة، والأخذ بها محبوب. . .) (١)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: الجصاص (٢). ومما يؤيد هذا الاستنباط ويؤكده ما جاء في الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسَحَّرُوا فإن في السَّحور بركة" (٣) فهذا مؤيد لاستحباب السحور. وكذلك ما جاء في الصحيحين، عن أنس بن مالك، عن زيد بن ثابت، قال: (تسحرنا مع رسول الله ﷺ ، ثم قمنا إلى الصلاة. قال أنس: قلت لزيد: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) (٤)، وهذا مؤيد لتأخير السحور. جواز إدراك الفجر للجنب وهو صائم . قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا شَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١٨٧)﴾ (البقرة: ١٨٧). ٤٠ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا شَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ (١٨٧)﴾،. . . وفيه أيضاً دليل

стр. 195

على أنه يجوز أن يدركه الفجر وهو جنب من الجماع قبل أن يغتسل، ويصح صيامه (١)، لأن لازم إباحة الجماع إلى طلوع الفجر، أن يدركه الفجر وهو جنب، ولازم الحق حق). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز إدراك الفجر لمن كان جنباً قبل الاغتسال، ووجه الاستنباط هنا بدلالة الالتزام حيث أنه يلزم من إباحة الجماع إلى تبين الفجر إباحته إلى آخر أجزاء الليل فيلزم من ذلك طلوع الفجر وهو جنب. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الشنقيطي: (لأن إباحة الجماع في الجزء الأخير من الليل الذي ليس بعده ما يتسع للاغتسال من الليل يلزم إصباحه جنباً). (٣) وقال الألوسي: (واستدل بالآية على صحة صوم الجنب لأنه يلزم من إباحة المباشرة إلى تبين الفجر إباحتها في آخر جزء من أجزاء الليل متصل بالصبح فإذا وقعت كذلك أصبح الشخص جنباً) (٤)، وقد عزاه ابن العربي

стр. 196

لا بن عباس ﵄ قال: (وبهذا احتج ابن عباس عليه، ومن ها هنا أخذه باستنباطه، وغوصه). (١) وممن قال به أيضاً من المفسرين: الجصاص، والكيا الهراسي، وابن العربي، والجرجاني، والزمخشري، والرازي، والقرطبي، وأبوحيان، وابن كثير، والبيضاوي، وابن عادل الحنبلي، والسيوطي، وأبو السعود، وابن بدران، وصديق حسن خان. (٢) المخالفون: وقد خالف في هذا الاستنباط بعض المفسرين: وحجتهم في ذلك أن الغاية متعلقة بالأكل والشرب دون المباشرة، قال السيوطي: (ومن منعه قال: إن الغاية متعلقة بـ ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ دون ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ (٣)، كما أشار إليه أيضاً الألوسي (٤). النتيجة: ما ذهب إليه عامة المفسرين ومنهم السعدي هو الصحيح في الاستنباط؛ لكثرة القائلين به وقوة حجتهم من الناحية الأصولية فكما أن دلالة الالتزام تدل على ذلك، فكذلك مفهوم المخالفة - مفهوم الغاية - يدل عليه أيضاً قال أبوحيان: (وفي هذه التغيئة أيضاً دلالة على جواز

стр. 197

المباشرة إلى التبين، فلا يجب عليه الاغتسال قبل الفجر لأنه إذا كانت المباشرة مأذوناً فيها إلى الفجر لم يمكنه الاغتسال إلا بعد الفجر) (١). ومما يقوي هذا الاستنباط ويؤيده كذلك ما جاء في الصحيحين من حديث عائشة وأم سلمة، ﵄، أنهما قالتا: كان رسول الله ﷺ يصبح جُنُباً من جماع غير احتلام، ثم يغتسل ويصوم) (٢). لا يكون الاعتكاف إلا في مسجد . قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (١٨٧)﴾ (البقرة: ١٨٧). ٤١ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ (١٨٧)﴾ (٣) ودلت الآية. . . أن لا اعتكاف إلا في مسجد. . .) ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الاعتكاف لا يصح إلا في مسجد، ووجه ذلك مفهوم المخالفة - مفهوم الصفة- والمراد به هنا ظرف المكان -

стр. 198

ففهم من هذا أن الاعتكاف لا يصح في غير المسجد. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الشنقيطي: (يفهم منه أنه لا اعتكاف في غير المسجد عند من يقول ذلك) (١) وقال الألوسي: (وفي تقييد الاعتكاف بالمساجد دليل على أنه لا يصح إلا في المسجد إذ لو جاز شرعاً في غيره لجاز في البيت وهو باطل بالإجماع) (٢)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: البغوي، والبيضاوي، والنسفي، وأبو السعود، والخازن، وحقي، وابن عاشور. (٣) المخالفون: استنبط بعض المفسرين من هذه الآية عكس الاستنباط السابق وهو جواز الاعتكاف في غير المساجد وذلك من مفهوم الآية حيث جعل المفهوم هو في المساجد فمن اعتكف في غير المساجد جاز له مباشرة زوجته، وأن اعتكافه في غير المسجد جائز (٤)، قال أبوحيان: (وظاهر قوله عاكفون في المساجد أنه ليس من شرط الاعتكاف كونه في المساجد لأن النهي عن الشيء مقيد بحال لها متعلق لا يدل على أن تلك الحال إذا وقعت من المنهيين يكون ذلك المتعلق شرطاً في وقوعها ونظير ذلك لا تضرب زيداً وأنت راكب فرساً ولا يلزم من هذا أنك متى ركبت فلا يكون ركوبك إلاَّ فرساً فتبين من هذا أن الاستدلال بهذه الآية على اشتراط

стр. 199

المسجد في الاعتكاف ضعيف؛ فذكر المساجد إنما هو لأن الاعتكاف غالباً لا يكون إلاَّ فيها لا أن ذلك شرط في الاعتكاف)، كما أشار إلى ذلك واستحسنه ابن بدران. (١) النتيجة: وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في هذا الاستنباط هو الصحيح، لأنه هو المفهوم من هذه الآية، ويؤيد هذا المفهوم إجماع العلماء، قال القرطبي: (أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد) (٢)، وقال ابن جزي الكلبي: (وفيه أيضاً دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في المساجد لا في غيرها خلافاً لمن أجازه في غيرها من مفهوم الآية). (٣) ومما يؤيد هذا الاستنباط أن النبي ﷺ بين كيفيته ومكانه، بل كان مكان اعتكاف نساءه المسجد ولو كان يصح في أي مكان لأرشد إليه النبي ﷺ كما بين مكان صلاة المرأة وأن بيتها أفضل، ولو كان مجرد اللبث اعتكاف لكان المعتكفون كثر كل في مكانه وهذا خلاف ما في القرآن والسنة (٤). وأما ما قاله أبوحيان من أن ذكر المساجد هنا من باب الغالب، فلا يصح لأن ذكرها هنا من باب بيان خصوصية هذا الحبس فالاعتكاف لغة الحبس ولبيان خصوصيته وأنه مرتبط بالمسجد ذكرت معه المساجد (٥).

стр. 200

الحج تترتب عليه أوقات كثيرة فخصه الله بالذكر . قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١٨٩)﴾ (البقرة: ١٨٩). ٤٢ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ (١٨٩)﴾. . . وخص بالذكر الحج لكثرة ما يترتب عليه من الأوقات العامة والخاصة) ا. هـ (١). الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية معنى تخصيص الحج بالذكر مع أنه داخل في عموم المواقيت، وبين أن السبب كثرة ما يترتب عليه من الأوقات الخاصة والعامة يريد بذلك وقوعه في أوقات مخصوصة أدءاً أوقضاءاً، وكذلك مايترتب عليه من أوقات الديون المؤجلة، ومدة الإجارات ونحو ذلك. وقد قال بنحو ذلك بعض المفسرين، قال حقي: (فإن قلت لما كانت الأهلة مواقيت يوقت بها الناس عامة مصالحهم علم منه كونها ميقاتا للحج لأنه من جملة المصالح المتوقفة على الوقت فلم خصه بالذكر قلت الخاص قد يذكر بعد العام للتنبيه على مزيته فالحج من حيث انه يراعى في أدائه وقضائه الوقت المعلوم بخلاف سائر العبادات التي لا يعتبر في قضائها وقت معين) (٢)، وقال الشوكاني: (وإنما أفرد سبحانه الحج بالذكر؛ لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، ولا يجوز فيه النسيء، عن وقته، ولعظم المشقة على من التبس عليه وقت مناسكه، أو أخطأ وقتها، أو وقت بعضها) (٣) وممن قال بذلك أيضاً: البيضاوي، وأبو السعود، والألوسي،

стр. 201

والهرري (١). بينما ذهب بعض المفسرين إلى وجه آخر، وقالوا إن سبب التخصيص هو أن الحج من أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة قال أبوحيان: (ولما كان الحج من أعظم ما يطلب ميقاته وأشهره بالأهلة، أفرد بالذكر) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً ابن عادل الحنبلي (٣). وذهب بعض المفسرين إلى وجه آخر وهو أن مناسبة التخصيص بيان أن الحج مقصور في أشهره المعروفة لا يجوز نقله عنها كما كانت العرب تفعل ذلك، قال القفال (٤): (إفراد الحج بالذكر لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لفرض الحج، وأنه لا يجوز نقل الحج عن تلك الأشهر لأشهر أخر، إنما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء) (٥)، وممن قال بذلك أيضاً: الرازي، والخازن، وابن العربي (٦). النتيجة: أن فائدة تخصيص الحج بالذكر هو لما يترتب عليه من الأوقات في أداءه وقضاءه وكذلك ما يترتب عليه من معاملات الناس حسب اتفاقهم،

стр. 202

وكذلك لبيان أن الحج مفروض في أشهر مخصوصة لا يجوز نقله عنها كما كانت العرب تفعل ذلك، قال القرطبي: (أفرد سبحانه الحج بالذكر لأنه مما يحتاج فيه إلى معرفة الوقت، وأنه لا يجوز النسئ فيه عن وقته، بخلاف مارأته العرب؛ فإنها كانت تحج بالعدد وتبدل الشهور؛ فأبطل الله قولهم وفعلهم) (١) وأما القول بأن وجه ذلك أن مواقيت الحج لا تعرف إلا بالأهلة فهو وجه ضعيف؛ والسبب هو أن هناك من العبادات غيره لا تعرف إلا بالأهلة كذلك فلا يظهر حينئذ فائدة تخصيص الحج، قال الرازي: (واعلم أنا بينا أن الأهلة مواقيت لكثير من العبادات فإفراد الحج بالذكر لا بد فيه من فائدة ولا يمكن أن يقال تلك الفائدة هي أن مواقيت الحج لا تعرف إلا بالأهلة،. . . وذلك لأن وقت الصوم لا يعرف إلا بالأهلة) (٢) يحصل المقصود بسلوك أقرب طريق وأسهله والمثابرة على ذلك . قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ((١٨٩)﴾ (البقرة: ١٨٩). ٤٣ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ((١٨٩)﴾ ويستفاد من إشارة الآية أنه ينبغي في كل أمر من الأمور، أن يأتيه الإنسان من الطريق السهل القريب، الذي قد جعل له موصلا فالآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر، ينبغي أن ينظر في حالة المأمور، ويستعمل معه

стр. 203

الرفق والسياسة، التي بها يحصل المقصود أو بعضه، والمتعلم والمعلم، ينبغي أن يسلك أقرب طريق وأسهله، يحصل به مقصوده، وهكذا كل من حاول أمراً من الأمور وأتاه من أبوابه وثابر عليه، فلا بد أن يحصل له المقصود بعون الملك المعبود) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة تربوية سلوكية، وهي أن الإنسان ينبغي أن يسلك أقرب الطرق وأسهلها الموصلة له إلى مبتغاه، ودلالة الآية على ذلك من باب مفهوم الموافقة حيث جاء الأمر بالدخول إلى البيوت من أبوبها لما فيه من السهولة، وهكذا كل أمر يعرض للإنسان في حياته يأتيه من أسهل الطرق وأقربها إليه فإذا ما فعل ذلك حصل له مقصوده. قال العثيمين: (ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يأتي الأمور من أبوابها؛ لقوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾؛ فإن هذه الآية كما تناولت البيوت الحسية كذلك أيضاً تناولت الأمور المعنوية؛ فإذا أردت أن تخاطب مثلاً شخصاً كبير المنزلة فلا تخاطبه بما تخاطب سائر الناس؛ ولكن ائت من الأبواب؛ لا تتجشم الأمر تجشماً؛ لأنك قد لا تحصل المقصود؛ بل تأتي من بابه بالحكمة، والموعظة الحسنة حتى تتم لك الأمور) (٢). وقال الجصاص: (. . . ويكون مع ذلك مثلاً أرشدنا به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي أمر الله تعالى به وندب إليه) (٣)، وقال الكيا الهراسي: (فذكر إتيان البيوت مثلاً يشير به إلى أن نأتي الأمور من مأتاها الذي ندبنا الله إليه، وفيه وفيه أن ما لم يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير

стр. 204

قربة. . . كالرهبانية) (١)، كما أشار إليه بعض المفسرين (٢). مشروعية ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما . قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ شَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ (البقرة: ١٩٣). ٤٤ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ شَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)﴾ ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين، لدفع أعلاهما (٣)) ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية وهي ارتكاب أدنى المفسدتين لدفع أعلاهما، ووجه ذلك أن القتال عند المسجد الحرام يتوهم أنه مفسدة في هذا البلد الحرام، وأخبر تعالى أن المفسدة بالفتنة عنده بالشرك والصد عن دينه أشد من مفسدة القتل وحينئذ فلا حرج على المسلمين في قتالهم لأنه أخف من المفسدة الأولى (٥).

стр. 205

قال الألوسي: (﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] أي شركهم في الحرم أشد قبحاً فلا تبالوا بقتالهم فيه لأنه ارتكاب القبيح لدفع الأقبح فهو مرخص لكم ويكفر عنكم، أو المحنة التي يفتتن بها الإنسان كالإخراج من الوطن المحبب للطباع السليمة أصعب من القتل لدوام تعبها وتألم النفس بها) (١). الأمر بإتمام الحج والعمرة دليل على وجوبهما . قال تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (١٩٦)﴾ (البقرة: ١٩٦). ٤٥ - قال السعدي ﵀: (يستدل بقوله [تعالى]: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (١٩٦)﴾ على. . . وجوب الحج والعمرة (٢)، وفرضيتهما) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية وجوب العمرة، ووجه الاستنباط بدلالة

стр. 206

الاقتران، حيث قرن الله العمرة بالحج، والحج واجب فتكون العمرة واجبة كذلك. الموافقون: وافق السعدي في استنباط حكم وجوب العمرة من هذه الآية بعض المفسرين قال القرطبي: (في هذه دليل على وجوب العمرة، لأن الله تعالى أمر بإتمامها كما أمر بإتمام الحج. . .) (١)، وقال البيضاوي: (قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ (١٩٦)﴾ أي ائتوا بهما تامين مستجمعي المناسك لوجه الله تعالى، وهو على هذا يدل على وجوبهما ويؤيده قراءة من قرأ: ﴿وَأَقِيمُوا الحج والعمرة لِلَّهِ﴾ (٢)) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً: أبوالمظفر السمعاني، وابن الفرس، والرازي، وابن عادل الحنبلي، كما أيد ذلك ابن قدامة (٤). المخالفون: وخالف بعض المفسرين فقالوا إن الآية لا حجة فيها على وجوب العمرة، قال ابن العربي: (وليس في هذه الآية حجة للوجوب؛ لأن الله إنما قرنها بالحج في وجوب الإتمام لا في الابتداء. . . وقد جاءت الآية لإلزام الإتمام لا لإلزام الابتداء) (٥)، وممن قال بذلك أيضاً: الطبري،

стр. 207

والجصاص، والنسفي، وشهاب الدين الخفاجي (١)، والألوسي، وابن عاشور (٢). النتيجة: والقول بأن هذه الآية لا تدل على وجوب العمرة هو الأقوى؛ لأن غاية ما تدل عليه وجوب الإتمام عند الابتداء، أما دلالة الاقتران فهي دالة على وجوب الإتمام بعد الابتداء فقط، أما دلالتها على أصل الوجوب لاقترانها بالحج فضعيف، قال الزرقاني: (وتعقب الأول بأنه لا يلزم من الاقتران بالحج وجوب العمرة فهو استدلال ضعيف لضعف دلالة الاقتران) (٣). وأما قراءة (وأقيموا الحج والعمرة) فلا دلالة فيها على الوجوب لأن لفظ الإقامة يدل على أن المراد إقامة أفعالهما على الوجه المطلوب فليس صريحاً في الوجوب قال أبو السعود: (بل الحق أن تلك القراءة أيضا محمولة على المشهورة ناطقة بوجوب إقامة أفعالهما كما ينبغي من غير تعرض لحالهما في أنفسهما فالمعنى أكملوا أركانهما وشرائطهما وسائر أفعالهما المعروفة شرعاً لوجه الله تعالى من غير إخلال منكم بشيء منها) (٤).

стр. 208

وأشار بعض المفسرين إلى وجه آخر لرد دلالة هذه القراءة وقال إن هذه القراءة شاذة فلا يعتمد عليها في الحكم، قال ابن عاشور: (وقراءة: "وأقيموا" لشذوذها لا تكون داعياً للتأويل، ولا تتنزل منزلة خبر الآحاد، إذا لم يصح سندها إلى من نسبت إليه) (١). وما ذكره أبو السعود من الجواب عن هذه القراءة هو الأوجه، حيث إن القراءة ثابتة، وأسانيدها صحيحة، كما قال ذلك ابن حجر العسقلاني عند كلامه على هذه القراءة وتقدمت الإشارة إليه. المفرد بالحج لا هدي عليه . قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ (١٩٦)﴾ (البقرة: ١٩٦). ٤٦ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ويدل مفهوم الآية (٢)، على أن المفرد (٣) للحج، ليس عليه هدي). ا. هـ (٤)

стр. 209

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن المفرد ليس عليه هدي، ووجه الاستنباط مفهوم المخالفة حيث إن الهدي وجب على المتمتع فدل مفهومه- مفهوم الصفة- على أن المفرد لا هدي عليه. قال العثيمين: (أن الدم يجب على الممتمع دون المفرد. . .) (١). وهذا الاستنباط مؤيد بالإجماع على أن الإفراد لا يجب فيه دم لكماله (٢). تقييد مزدلفة بالحرام دليل على أن عرفة في الحل . قال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (١٩٨)﴾ (البقرة: ١٩٨). ٤٧ - قال السعدي ﵀: (وفي قوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ دلالة على. . . أن عرفة (٣)

стр. 210

في الحل، كما هو مفهوم التقييد بـ "مزدلفة (١) ") ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن عرفة من الحل، ووجه ذلك مفهوم المخالفة في تقييد مزدلفة الحرم فدل ذلك على أن عرفة ليست كذلك كما هو مفهوم القيد هنا. وهذا الاستنباط فيه بُعْد فلا يلزم من هذا القيد هذا المفهوم، مع إن أهل العلم مجمعون على أن عرفة من الحل، لكن استنباط هذا الحكم من هذه الآية بعيد. لابد من اختبار أحوال الناس وعدم الاعتماد على مجرد الأقوال . قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ (البقرة: ٢٠٤). ٤٨ - قال السعدي ﵀: (ففي هذه الآية دليل على أن الأقوال التي تصدر من الأشخاص، ليست دليلا على صدق ولا كذب، ولا بر ولا فجور حتى يوجد العمل المصدق لها، المزكي لها وأنه ينبغي

стр. 211

اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس، بسبر أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم) ا. هـ (١). الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة سلوكية في التعامل مع الناس وهي عدم الاعتماد على الأقوال حتى تختبر أحوالهم وتعرف أعمالهم، ووجه ذلك أن الله أخبر في الآية أن من الناس من تغتر بقوله ولكن باطنه شر فدل ذلك بدلالة الالتزام على الحذر منهم واختبار أعمالهم وسبر أحوالهم فهذا الأمر حاصل منهم لكن الفائدة من هذا الإخبار هو اتخاذ الحذر والحيطة بسبر الأعمال، والنظر لقرائن الأحوال. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الجصاص: (قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ الآية، فيه تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه من حلاوة المنطق والاجتهاد في تأكيد ما يظهره، فأخبر الله تعالى أن من الناس من يظهر بلسانه ما يعجبك ظاهره. . . فأعلم الله تعالى نبيه ضمائرهم لئلا يغتر بظاهر أقوالهم، وجعله عبرة لنا في أمثالهم لئلا نتكل على ظاهر أمور الناس وما يبدونه من أنفسهم، وفيه الأمر بالاحتياط فيما يتعلق بأمثالهم من أمور الدين، والدنيا، فلا نقتصر فيما أمرنا بائتمان الناس عليه من أمر الدين، والدنيا على ظاهر حال الإنسان دون البحث عنه. وفيه دليل على أن عليه استبراء حال من يراد للقضاء والشهادة والإمامة، وما جرى مجرى ذلك، في أن لا يقبل منهم ظاهرهم حتى يسأل ويبحث عنهم. . .) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً: ابن العربي، وإلكيا

стр. 212

الهراسي، والقرطبي، وأبوحيان، وابن عاشور، والعثيمين (١). الرجوع إلى الإسلام بعد الردة وقبل الموت لا يحبط العمل . قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (البقرة: ٢١٧). ٤٩ - قال السعدي ﵀: (ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافراً، ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾، ودلت الآية بمفهومها، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام (٢)، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته) ا. هـ (٣).

стр. 213

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام أنه يرجع إليه عمله الذي عمله قبل الردة، ووجه ذلك مفهوم المخالفة- مفهوم الشرط- حيث إنه قيّد حبوط العمل بالموت على الكفر فدل مفهوم المخالفة أن من عاد بعد ردته إلى الإسلام قبل الموت رجعت إليه أعماله. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الشوكاني: (والتقييد بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر) (١). وقال جلال الدين المحلي: (والتقييد بالموت عليها يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلاً) (٢)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: ابن الفرس، والرازي، والبيضاوي، وأبوحيان، والخازن، والسيوطي، وحقي، وصديق حسن خان، والعثيمين (٣). المخالفون: ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية لا تدل على أن إحباط العمل مرتبط بالوفاة على الردة، بل مجرد الردة تحبط العمل وقالوا إن ذكر الموافاة هنا؛ لأن الله علق عليها الخلود في النار فمن مات كافراً خلده الله في النار، وأما العمل فيحبط بمجرد الردة وحينئذ فلا وجود لهذا المفهوم، قال ابن عاشور في توضيح حجة هؤلاء: (يريد أن بين الشرطين والجوابين

стр. 214

هنا توزيعاً فقوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ جواب لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ جواب لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، ولعل في إعادة ﴿أُولَئِكَ﴾ إيذاناً بأنه جواب ثان. . .) (١)، وممن قال بذلك ابن العربي، والنسفي، والألوسي (٢). النتيجة: وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح في مفهوم هذا الشرط وهو أن إحباط العمل مشروط بالموت على الردة، وأما ما أجاب به المخالفون فلا حجة فيه لأنه تحكم لا حجة له قوية، قال أبوحيان: (وهذان شرطان أحدهما معطوف على الآخر بالفاء المشعرة بتعقيب الموت على الكفر بعد الردة واتصاله بها، ورتب عليه حبوط العمل في الدنيا والآخرة. . . وظاهر هذا الشرط والجزاء ترتب حبوط العمل على الموافاة على الكفر، لا على مجرد الارتداد) (٣) ومما يؤيد هذا الاستنباط أنه لو جعلت مجرد الردة مؤثراً في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلاً في شيء من الأوقات (٤) كما أن في الأخذ بهذا ترغيباً في الرجوع إلى الإسلام بعد الارتداد، بينما في ضده عكس ذلك (٥).

стр. 215

كل أمر مصالحه أكثر من مفاسده فإن الله لا يحرمه . قال تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (٢١٩)﴾ (البقرة: ٢١٩). ٥٠ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ مفهوم الآية أن ما كانت منافعه ومصالحه أكثر من مفاسده وإثمه؛ فإن الله لا يحرمه ولا يمنعه) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن ما كانت مصالحه ومنافعه أكبر من مفاسده فإن الله لا يحرمه، ووجه ذلك مفهوم المخالفة - مفهوم صفة- حيث حُرِّمت الخمر لأن مفاسدها أكبر من منافعها، فمفهوم المخالفة لذلك أن ما كانت مصالحه أكثر من مفاسده فهو حلال. ولم أجد من أشار إليه من المفسرين حسب ما اطلعت عليه من المصادر. والله أعلم. لا يجوز مخالطة المشركين وأهل البدع . قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ شَتَّى يُؤْمِنَّ آَيَةٌ مُؤْمِنَةٌ شَهْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ شَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ شَهْرٌ مِنْ
следующие страницы →