اختبار أحوال الشهود، والمحق والمبطل من الناس، بسبر أعمالهم، والنظر لقرائن أحوالهم، وأن لا يغتر بتمويههم وتزكيتهم أنفسهم) ا. هـ (١).
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة سلوكية في التعامل مع الناس وهي عدم الاعتماد على الأقوال حتى تختبر أحوالهم وتعرف أعمالهم، ووجه ذلك أن الله أخبر في الآية أن من الناس من تغتر بقوله ولكن باطنه شر فدل ذلك بدلالة الالتزام على الحذر منهم واختبار أعمالهم وسبر أحوالهم فهذا الأمر حاصل منهم لكن الفائدة من هذا الإخبار هو اتخاذ الحذر والحيطة بسبر الأعمال، والنظر لقرائن الأحوال.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الجصاص: (قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ الآية، فيه تحذير من الاغترار بظاهر القول وما يبديه من حلاوة المنطق والاجتهاد في تأكيد ما يظهره، فأخبر الله تعالى أن من الناس من يظهر بلسانه ما يعجبك ظاهره. . . فأعلم الله تعالى نبيه ضمائرهم لئلا يغتر بظاهر أقوالهم، وجعله عبرة لنا في أمثالهم لئلا نتكل على ظاهر أمور الناس وما يبدونه من أنفسهم،
وفيه الأمر بالاحتياط فيما يتعلق بأمثالهم من أمور الدين، والدنيا، فلا نقتصر فيما أمرنا بائتمان الناس عليه من أمر الدين، والدنيا على ظاهر حال الإنسان دون البحث عنه.
وفيه دليل على أن عليه استبراء حال من يراد للقضاء والشهادة والإمامة، وما جرى مجرى ذلك، في أن لا يقبل منهم ظاهرهم حتى يسأل ويبحث عنهم. . .) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً: ابن العربي، وإلكيا
стр. 212
الهراسي، والقرطبي، وأبوحيان، وابن عاشور، والعثيمين (١).
الرجوع إلى الإسلام بعد الردة وقبل الموت لا يحبط العمل .
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ (البقرة: ٢١٧).
٤٩ - قال السعدي ﵀: (ثم أخبر تعالى أن من ارتد عن الإسلام، بأن اختار عليه الكفر واستمر على ذلك حتى مات كافراً، ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ لعدم وجود شرطها وهو الإسلام، ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾، ودلت الآية بمفهومها، أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام (٢)، أنه يرجع إليه عمله الذي قبل ردته) ا. هـ (٣).
стр. 213
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن من ارتد ثم عاد إلى الإسلام أنه يرجع إليه عمله الذي عمله قبل الردة، ووجه ذلك مفهوم المخالفة- مفهوم الشرط- حيث إنه قيّد حبوط العمل بالموت على الكفر فدل مفهوم المخالفة أن من عاد بعد ردته إلى الإسلام قبل الموت رجعت إليه أعماله.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الشوكاني: (والتقييد بقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ يفيد أن عمل من ارتد إنما يبطل إذا مات على الكفر) (١).
وقال جلال الدين المحلي: (والتقييد بالموت عليها يفيد أنه لو رجع إلى الإسلام لم يبطل عمله فيثاب عليه ولا يعيده كالحج مثلاً) (٢)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: ابن الفرس، والرازي، والبيضاوي، وأبوحيان، والخازن، والسيوطي، وحقي، وصديق حسن خان، والعثيمين (٣).
المخالفون:
ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية لا تدل على أن إحباط العمل مرتبط بالوفاة على الردة، بل مجرد الردة تحبط العمل وقالوا إن ذكر الموافاة هنا؛ لأن الله علق عليها الخلود في النار فمن مات كافراً خلده الله في النار، وأما العمل فيحبط بمجرد الردة وحينئذ فلا وجود لهذا المفهوم، قال ابن عاشور في توضيح حجة هؤلاء: (يريد أن بين الشرطين والجوابين
стр. 214
هنا توزيعاً فقوله: ﴿فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةُ﴾ جواب لقوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. وقوله: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾ جواب لقوله: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، ولعل في إعادة ﴿أُولَئِكَ﴾ إيذاناً بأنه جواب ثان. . .) (١)، وممن قال بذلك ابن العربي، والنسفي، والألوسي (٢).
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح في مفهوم هذا الشرط وهو أن إحباط العمل مشروط بالموت على الردة، وأما ما أجاب به المخالفون فلا حجة فيه لأنه تحكم لا حجة له قوية، قال أبوحيان: (وهذان شرطان أحدهما معطوف على الآخر بالفاء المشعرة بتعقيب الموت على الكفر بعد الردة واتصاله بها، ورتب عليه حبوط العمل في الدنيا والآخرة. . . وظاهر هذا الشرط والجزاء ترتب حبوط العمل على الموافاة على الكفر، لا على مجرد الارتداد) (٣)
ومما يؤيد هذا الاستنباط أنه لو جعلت مجرد الردة مؤثراً في الحبوط لم يبق للموت على الردة أثر في الحبوط أصلاً في شيء من الأوقات (٤)
كما أن في الأخذ بهذا ترغيباً في الرجوع إلى الإسلام بعد الارتداد، بينما في ضده عكس ذلك (٥).
стр. 215
كل أمر مصالحه أكثر من مفاسده فإن الله لا يحرمه .
قال تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا (٢١٩)﴾ (البقرة: ٢١٩).
٥٠ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ مفهوم الآية أن ما كانت منافعه ومصالحه أكثر من مفاسده وإثمه؛ فإن الله لا يحرمه ولا يمنعه) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن ما كانت مصالحه ومنافعه أكبر من مفاسده فإن الله لا يحرمه، ووجه ذلك مفهوم المخالفة - مفهوم صفة- حيث حُرِّمت الخمر لأن مفاسدها أكبر من منافعها، فمفهوم المخالفة لذلك أن ما كانت مصالحه أكثر من مفاسده فهو حلال.
ولم أجد من أشار إليه من المفسرين حسب ما اطلعت عليه من المصادر. والله أعلم.
لا يجوز مخالطة المشركين وأهل البدع .
قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ شَتَّى يُؤْمِنَّ آَيَةٌ مُؤْمِنَةٌ شَهْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ شَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ شَهْرٌ مِنْ
стр. 216
مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آَيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾ (البقرة: ٢٢١).
٥١ - قال السعدي ﵀: (﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ شَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وهذا عام لا تخصيص فيه، ثم ذكر تعالى، الحكمة في تحريم نكاح المسلم أو المسلمة، لمن خالفهما في الدين فقال: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ أي: في أقوالهم أو أفعالهم وأحوالهم، فمخالطتهم على خطر منهم، والخطر ليس من الأخطار الدنيوية، إنما هو الشقاء الأبدي، ويستفاد من تعليل الآية (١)، النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع، لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصاً، الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم، كالخدمة ونحوها) ا. هـ (٢).
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية النهي عن مخالطة أهل الشرك والبدعة، ووجه ذلك قياساً على النهي عن تزويجهم، حيث أنه لما نهى عن تزويجهم مع أن التزويج فيه مصالح فالنهي عن المخالطة المجردة من باب أولى، والعلة الجامعة هنا خشية الإفساد.
وقد أشار بعض المفسرين إلى هذا الاستنباط، وممن أشار إليه
стр. 217
الشوكاني فقال: (فكان في مصاهرتهم، ومعاشرتهم، ومصاحبتهم من الخطر العظيم ما لا يجوز للمؤمنين أن يتعرضوا له) (١).
وقال البقاعي: (ولما كانت مخالطة أهل الشرك مظنة الفساد الذي ربما أدى إلى التهاون بالدين فربما دعا الزوج زوجه إلى الكفر فقاده الميل إلى إتباعه قال منبهاً على ذلك ومعللاً لهذا الحكم: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي الذين هم أهل للبعد من كل خير ﴿يَدْعُو إِلَى النَّارِ﴾ أي الأفعال المؤدية إليها ولا بد فربما أدى الحب الزوج المسلم إلى الكفر ولا عبرة باحتمال ترك الكافر للكفر وإسلامه موافقة للزوج المسلم لأن درء المفاسد مقدم) (٢).
نهي الأولياء عن إنكاح المشركين دليل على الولاية في النكاح .
قال تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ شَتَّى يُؤْمِنُوا (٢٢١)﴾ (البقرة: ٢٢١).
٥٢ - قال السعدي ﵀: (وفي قوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ دليل على اعتبار الولي في النكاح) ا. هـ (٣).
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أنه لابد من ولي في النكاح، ووجه ذلك أن الله أسند نكاح النساء إلى الرجال (٤).
стр. 218
الموافقون:
وقد السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن العربي: (قال محمد بن علي بن حسين (١): النكاح بولي في كتاب الله تعالى؛ ثم قرأ: ولا تنكحوا المشركين بضم التاء (٢)، وهي مسألة بديعة ودلالة صحيحة)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً من المفسرين: الماوردي، وابن عطية، وابن الفرس، وأبوحيان، والقرطبي، والسيوطي. (٣)
المخالفون:
خالف في هذا الاستنباط الألوسي وضعف أخذ هذا المعنى من هذه الآية فقال في ذلك: (﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ شَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ أي لا تزوّجوا الكفار من المؤمنات سواء كان الكافر كتابياً أو غيره وسواء كانت المؤمنة أمة أو حرّة، فـ ﴿تَنْكِحُوا﴾ بضم التاء لا غير، ولا يمكن الفتح وإلا لوجب ولا ينكحن المشركين، واستدل بها على اعتبار الولي في
النكاح مطلقاً وهو خلاف مذهبنا، وفي دلالة الآية على ذلك خفاء لأنّ المراد النهي عن إيقاع هذا الفعل والتمكين منه، وكل المسلمين أولياء في ذلك) (٤).
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في هذا الاستنباط هو الصحيح،
стр. 219
أما ما ذهب إليه الألوسي فلا يصح؛ لأن النهي عن هذا الفعل وتوجيه الخطاب للرجال دون النساء فيه دلالة على أن الأمر بأيديهم، وإلا لم يكن لهذا الخطاب كبير معنى. والله أعلم.
عند تعارض المصالح يقدم أهمها .
قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾ (البقرة: ٢٢٤).
٥٣ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)﴾، ويستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، أنه "إذا تزاحمت المصالح، قدم أهمها (١) "فهنا تتميم اليمين مصلحة، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء، مصلحة أكبر من ذلك، فقدمت لذلك (٢)) ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية دليلاً على القاعدة الفقهية المعروفة وهي تقديم الأعلى من المصالح عند تزاحم المصالح، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله نهى عن أن تكون اليمين مانعاً من صنع الخير، فهنا قدم
стр. 220
مصلحة التكفير عن اليمين على الاستمرار على اليمين المانعة من الخير، كما قال ابن عباس ﵄: لا تجعلن عرضة ليمينك ألا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير (١)، فهنا اتضح أن البقاء على اليمين مصلحة، والتكفير عن اليمين لفعل خير أعظم مصلحة، فقدم التكفير عن اليمين على البقاء على اليمين لأجل المصلحة الأكبر، فتبين كونها دليلاً على هذه القاعدة.
مدة الإيلاء من الامتناع عن وطء الزوجة لا ينطبق على غير المولي .
قال تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢٦)﴾ (البقرة: ٢٢٦)
٥٤ - قال السعدي ﵀: (احتجاج الفقهاء (٢) على أنه لا يجب على الزوج أن يطأ زوجته إلا في كل ثلث سنة مرة بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ فيه نظر، وإنما فيها الدلالة على أن للمولي (٣) خاصة هذه المدة لأجل إيلائه، وأما غير المولي فمفهومها
стр. 221
يدل على خلاف ذلك، وأنه ليس له أربعة أشهر وإنما عليه ذلك بالمعروف) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط بعض الفقهاء من هذه الآية أن الرجل لا يجب عليه وطء زوجته إلا في الأربعة أشهر مرة، وذلك قياساً على مدة الإيلاء لأنها أقصى مدة يحلف الرجل فيها على عدم وطء زوجته ثم بعدها يجب عليه الوطء أو الطلاق، ولأنها المدة التي تتضرر بها المرأة فسواء كان الضرر بالحلف أو بدونه.
ولم يستحسن السعدي هذا الاستنباط بل بين أن مفهوم الآية يدل على خلافه ووجه ذلك أن تعليق الحكم بالإيلاء يدل على انتفائه عند عدمه.
وما ذهب إليه السعدي هو الصحيح لأن تقييده بهذه المدة قد يكون فيه إضرار بالمرأة وعليه فاتباع بالمعروف بين الزوجين هو الأحسن لنفي الضرر عن المرأة، وهو الأليق بمقام حسن العشرة والمعروف بينهما، قال ابن القيم: (وقالت طائفة أخرى بل يجب عليه أن يطأها بالمعروف كما ينفق عليها ويكسوها ويعاشرها بالمعروف بل هذا عمدة المعاشرة ومقصودها وقد أمر الله أن يعاشرها بالمعروف فالوطء داخل في هذه المعاشرة ولا بد قالوا وعليه أن يشبعها وطئا إذا أمكنه ذلك كما عليه أن يشبعها قوتا) (٢).
وأما تعليق المدة هنا بمدة الإيلاء فهو تعليق بحكم لم تتبين علته حتى يقاس عليه، قال ابن القيم: (وقالت طائفة ثالثة يجب عليه أن يطأها في كل أربعة أشهر مرة واحتجوا على ذلك بأن الله أباح
стр. 222
للمولي تربص أربعة أشهر وخير المرأة بعد ذلك إن شاءت أن تقيم عنده وإن شاءت أن تفارقه فلو كان لها حق في الوطء أكثر من ذلك لم يجعل للزوج تركه في تلك المدة وهذا القول وإن كان أقرب من القولين اللذين قبله فليس أيضاً بصحيح فإنه غير المعروف الذي لها وعليها وأما جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر فنظراً منه سبحانه للأزواج فإن الرجل قد يحتاج إلى ترك وطء امرأته مدة لعارض من سفر أو تأديب أو راحة نفس أو اشتغال بمهم فجعل الله له أجلاً أربعة أشهر ولا يلزم من ذلك أن يكون الوطء مؤقتاً في كل أربعة أشهر مرة) (١). والله أعلم.
من لم يرد الإصلاح في إرجاع زوجته فلا حق له في الرجعة .
قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَشَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا (٢٢٨)﴾ (البقرة: ٢٢٨)
٥٥ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَشَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: لأزواجهن ما دامت متربصة في تلك العدة، أن يردوهن إلى نكاحهن ﴿إنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ أي: رغبة وألفة ومودة، ومفهوم الآية أنهم إن لم يريدوا الإصلاح، فليسوا بأحق بردهن، فلا يحل لهم أن يراجعوهن، لقصد المضارة لها، وتطويل العدة عليها. . .) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الأزواج إن لم يريدوا الإصلاح في
стр. 223
الرجعة فليس لهم حق رد أزواجهم، ووجه ذلك مفهوم المخالفة - مفهوم الشرط - حيث إنه شرط هنا إرادة الإصلاح فدل بمفهومه أنه إذا عدم هذا الشرط فلا حق له في الرجعة.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن عرفة: (قوله تعالى: ﴿إنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ مفهومه: إن لم يريدوا إصلاحاً فلا حق لهم سواء أرادوا الإفساد أو لم يريدوا شيئا) (١)، وممن قال بذلك أيضاً: أبوحيان، والنسفي، والخازن (٢)
المخالفون:
خالف بعض المفسرين هذا المفهوم وقالوا إن المراد بهذا الشرط التحريض على الرجعة ومنع الضرر لا الشرطية في إرادة الإصلاح فالمراد به الحث على الإصلاح لا التقييد، قال البيضاوي: (وليس المراد منه شرطية قصد الإِصلاح للرجعة بل التحريض عليه والمنع من قصد الضرار) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً: ابن الجوزي، والرازي، وجلال الدين المحلي، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والشوكاني، وصديق حسن خان، وابن عاشور (٤).
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح؛ لأنه ظاهر مفهوم
стр. 224
الشرط في الآية فلا معنى لإلغاء هذا المفهوم ولا حجة كذلك تؤيد الإلغاء.
ومما يؤيد الأخذ بهذا المفهوم أنه يمنع الضرر الحاصل بالمرأة ويحميها من ظلم الرجل - كما كان يفعل أهل الجاهلية يطلق الرجل منهم زوجته فإذا قرب انقضاء عدتها راجعها ليطول العدة عليها فيضر بها (١) -، وهذا كله مشروط بالتحقق في وجود نية الإضرار، قال الشنقيطي: (فلو صرح للحاكم بأنه ارتجعها بقصد الضرر، لأبطل رجعته) (٢) كما أشار إلى هذا المعنى ابن القيم (٣).
إذا ظن الزوجان عدم إقامة حدود الله فلا يتراجعا لأن ذلك مظنة إثم عليهما .
قال تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ (٢٣٠)﴾ (البقرة: ٢٣٠).
٥٦ - قال السعدي ﵀: (ومفهوم الآية الكريمة، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحا، لأن جميع الأمور، إن لم يقم فيها أمر الله، ويسلك بها طاعته، لم يحل الإقدام عليها.) ا. هـ (٤)
стр. 225
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الزوجين إذا لم يظنا أن يقيما حدود الله بينهما فالمراجعة بينهما فيها إثم عليهما، ووجه ذلك من مفهوم المخالفة - مفهوم الشرط - حيث شرط المراجعة بأن يظنا إقامة حدود الله بينهما ومفهومه إذا ظنا خلاف ذلك فلا يحل لهما هذه المراجعة وإلا أثما.
الموافقون:
وافق السعدي على الاستنباط بعض المفسرين، قال الشوكاني: (وأما إذا لم يحصل ظن ذلك بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو ترددا، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظنّ، فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرّمه على الزوجين) (١)، وممن قال بذلك أيضاً: الطوفي، وأبوحيان، وصديق حسن خان. (٢)
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا المفهوم، وقالوا المراد به الحث على إقامة حدود الله في النكاح الجديد لا أنه شرط في المراجعة، قال الرازي: (كلمة ﴿إن﴾ في اللغة للشرط والمعلق بالشرط عدم عند عدم الشرط فظاهر الآية يقتضي أنه متى لم يحصل هذا الظن لم يحصل جواز المراجعة، لكنه ليس الأمر كذلك، فإن جواز المراجعة ثابت سواء حصل هذا الظن أو لم يحصل إلا أنا نقول: ليس المراد أن هذا شرط لصحة المراجعة: بل المراد منه أنه يلزمهم عند المراجعة بالنكاح الجديد رعاية حقوق الله تعالى) (٣).
стр. 226
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، لأن هذا هو ظاهر مفهوم الشرط في ظن إقامة حدود الله، ومما يؤيد هذا الاستنباط أن في مضمون هذا الشرط حث على إقامة حدود الله بين الزوجين، وتذكير لهما بذلك مما يجعل الرجعة تكون على أصل متين فتستمر الحياة الزوجية، أما إلغاء هذا الشرط ففيه فتح باب الإضرار بين الزوجين وتعريض لهما للإثم والعدوان فيما بينهم.
قال العثيمين: (ومن فوائد الآية: أنه لا يجوز أن يتراجع الزوجان حتى يغلب على ظنهما أن يقيما حدود الله؛ أي أن يقوم كل منهما بمعاشرة الآخر بما يجب عليه؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ وجه ذلك: أنهما إذا تراجعا بغير هذا الشرط صار هذا العقد عبئاً، وعناءً، وتعباً، وخسارة مالية؛ لأنهما لا يضمنان أن يرجعا إلى الحال الأولى) (١).
لا يتولى الولايات الصغار والكبار إلا من رأى من نفسه قدرة على ذلك .
قال تعالى: ﴿إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ (٢٣٠)﴾ (البقرة: ٢٣٠).
٥٧ - قال السعدي ﵀: (وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصاً الولايات، الصغار، والكبار، نظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك، ووثق بها، أقدم، وإلا أحجم) ا. هـ (٢)(٣).
стр. 227
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن تولي الإنسان للولايات الصغرى والكبرى ينبغي أن يكون مبني على نظر الإنسان لنفسه فإن رأى منها قوة على القيام بالحقوق أقدم فإن لم فلا ينبغي له الدخول فيها، ووجه هذا الاستنباط من الآية بمفهوم الموافقة المساوي، حيث إنه علق الرجعة بين الزوجين على ظن إقامة حدود الله بينهما، وكذلك تولي الولايات ينبغي أن يكون معلقاً بالقدرة على القيام بحقوق الولاية - فإن القيام بها من إقامة حدود الله - فإن رأى من نفسه عدم قدرة على ذلك كان تركها أولى.
وبعد قراءة لكثير من كتب التفسير لم أجد من تعرض لهذا الاستنباط من هذه الآية.
وهذا المعنى المستنبط مفيد لعموم الناس إذا ما أخذوا به في حياتهم؛ لأن الناس قد تخطئ تقديراتهم، وقد يسوقهم حسن الظن بالشخص لدفعه لمكان معين، فإذا ما عرف من نفسه عدم القدرة على القيام بالمسؤولية اعتذر منها وتركها لغيره ممن هو أقدر على القيام بها.
وهذا المعنى إضافة هامة لباب السياسة الشرعية وهو اعتراف الإنسان بعدم القدرة على مسؤولية ما؛ لأن الشخص يبقى أعرف بنفسه من غيره، وهذا قل من يتعرض له وينبه عليه، بل يستدل له.
تحريم العضل دليل على أنه لا نكاح إلا بولي .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ (٢٣٢)﴾ (سورة البقرة: ٢٣٢).
стр. 228
٥٨ - قال السعدي ﵀: (. . . وفي هذه الآية، دليل على أنه لا بد من الولي في النكاح، لأنه نهى الأولياء عن العضل (١)، ولا ينهاهم إلا عن أمر، هو تحت تدبيرهم ولهم فيه حق) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أنه لا نكاح إلا بولي، ووجه ذلك من دلالة الالتزام حيث إن النهي عن العضل يلزم منه أن الناهي له حق في هذا الأمر وإلا لم يكن لنهيه عن ذلك فائدة.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال ابن جرير الطبري: (وفي هذه الآية الدلالة الواضحة على صحة قول من قال: "لا نكاح إلا بولي من العصبة"؛ وذلك أن الله تعالى ذكره منع الولي من عضل المرأة إن أرادت النكاح ونهاه عن ذلك. فلو كان للمرأة إنكاح نفسها بغير إنكاح وليها إياها، أو كان لها تولية من أرادت توليته في إنكاحها -لم يكن لنهي وليها عن عضلها معنى مفهوم، إذ كان لا سبيل له إلى عضلها. وذلك أنها إن كانت متى أردات النكاح جاز لها إنكاح نفسها، أو إنكاح من توكله إنكاحها فلا عضل هنالك لها من أحد فينهى عاضلها عن عضلها) (٣)، وممن قال به أيضاً: ابن الفرس، وابن العربي، والقرطبي، وابن كثير، والسيوطي. (٤)
стр. 229
المخالفون:
خالف في ذلك الحنفية وقالوا أن الآية تدل من وجوه على عكس ذلك وهو جواز النكاح إذا عقدت المرأة على نفسها من غير ولي؛ أحدها: إضافة العقد إليها من غير شرط إذن الولي، والثاني: نهيه عن العضل إذا تراضى الزوجان (١).
ورد الحنفية حجة من قال أن النهي عن العضل يدل على أنه لا نكاح إلا بولي فقالوا: فإن قيل: لولا أن الولي يملك منعها عن النكاح لما نهاه عنه كما لا ينهى الأجنبي الذي لا ولاية له عنه. قيل هذا غلط؛ لأن النهي يمنع أن يكون له حق فيما نهي عنه فكيف يستدل به على إثبات الحق؟ (٢)
أجاب الجمهور عن ذلك فقالوا: لا يقال نهي عن استعمال ما ليس بحق له لأنه لو كان كذلك لكان النهي عن البغي والعدوان كافياً، ولجئ بصيغة: ما يكون لكم ونحوها (٣).
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح لوجوه منها:
أولاً: دلالة الآية عليه بدلالة الالتزام، وهي واضحة الدلالة على ذلك كما سبق.
ثانياً: أن هناك نصوصاً أخرى تدل على هذا المعنى بدلالة واضحة، ومن أصرحها في الدلالة على هذه المسألة حديث أبي موسى ﵁، أن النبي ﷺ قال: (لا نكاح إلا بولي) (٤)، والنكرة في سياق النفي تفيد العموم.
стр. 230
ثالثاً: أن الأخذ بهذا القول فيه سد لباب الفتنة الحاصلة اليوم في بعض المجتمعات - خصوصاً المجتمعات المختلطة - من تزويج الفتاة نفسها لزميلها وما يترتب على ذلك من وجود أطفال بلا أنساب، وغير ذلك من الآثار السيئة.
مناسبة ذكر كاملين بعد حولين مع أن في ذكر حولين غنية .
قال تعالى: ﴿* وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ٢٣٣).
٥٩ - قال السعدي ﵀: (ولما كان الحول، يطلق على الكامل، وعلى معظم الحول قال: ﴿كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ فإذا تم للرضيع حولان، فقد تم رضاعه وصار اللبن بعد ذلك، بمنزلة سائر الأغذية، فلهذا كان الرضاع بعد الحولين، غير معتبر (١)، لا
стр. 231
يحرم) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ذكر كاملين بعد حولين، مع أن في ذكر حولين غنية عن ذلك، وبين أن مناسبة ذلك هو التأكيد على أن المراد هنا تمام الحولين لا معظمهما؛ لأن الحول يطلق على الحول كاملاً، وعلى معظمه كذلك.
وافق السعدي على استنباط هذه المناسبة جمهور المفسرين، قال ابن جرير الطبري: (فإن قال لنا قائل: وما معنى ذكر"كاملين" في قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾، بعد قوله: "يرضعن حولين"، وفي ذكر"الحولين" مستغنى عن ذكر"الكاملين"، إذ كان غير
مشكل على سامع سمع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ﴾ ما يراد به؟ فما الوجه الذي من أجله زيد ذكر كاملين؟
قيل: إن العرب قد تقول: "أقام فلان بمكان كذا حولين، أو يومين، أو شهرين"، وإنما أقام به يوماً وبعض آخر، أو شهراً وبعض آخر، أو حولاً وبعض آخر، فقيل: "حولين كاملين" ليعرف سامعو ذلك أن الذي أريد به حولان تامان، لا حول وبعض آخر) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: البغوي، وابن عطية، وأبوحيان، والبيضاوي، وأبو السعود، وجلال الدين المحلي، والخازن، والبقاعي، والألوسي، وابن عاشور، والشوكاني (٣).
стр. 232
أقل مدة الحمل ستة أشهر .
قال تعالى: ﴿* وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾ (البقرة: ٢٣٣).
٦٠ - قال السعدي ﵀: (ويؤخذ من هذا النص، ومن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ (١) (الأحقاف: ١٥)، أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وأنه يمكن وجود الولد بها). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين، أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، ووجه ذلك أن مدة الرضاع سنتان إذا سقطت من الثلاثين شهراً بقي ستة أشهر مدة للحمل وذلك بدلالة الإشارة، قال الشنقيطي: (ودلالة هذه الآيات على أن ستة أشهر أمد للحمل هي المعروفة عند علماء الأصول بدلالة الإشارة (٣)) (٤).
стр. 233
وقد قال بهذا الاستنباط ابن عباس ﵄، وعلي ﵁، فقد رُوي أن عثمان ﵁ أتي بامرأة ولدت في ستة أشهر، فأمر برجمها فقال ابن عباس: أدنوني منه فلما أدنوه منه، قال: إنها إن تخاصمك بكتاب الله، تخصمك، يقول الله تعالى ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ ويقول الله في آية أخرى ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ فقد حملته ستة أشهر، فهي ترضعه لكم حولين كاملين، قال: فدعا بها عثمان فخلى سبيلها (١).
ورُوي أن عمر بن الخطاب- ﵁، رفعت إليه امرأة ولدت لستة أشهر، فهم برجمها، فبلغ ذلك علياً-﵁ فقال: ليس عليها رجم، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ وستة أشهر فذلك ثلاثون شهرا (٢)
قال ابن كثير - بعد ذكره لهذا الاستنباط-: (وهو استنباط قوي صحيح) (٣)، وقال ابن العربي- بعد ذكره لهذا الاستنباط-: (وهذا من بديع الاستنباط) (٤).
وقال بذلك جمع من المفسرين منهم: البغوي، وابن عطية، والرازي، وأبوحيان، والبيضاوي، وأبو السعود، وجلال الدين السيوطي، والألوسي، والشوكاني، وابن عاشور، والشنقيطي (٥).
وهذا المعنى أكده الطب الحديث والقديم ولا يمكن أن يعارضه لأن هذا كلام الخالق ، قال ابن القيم: (وأما أقل مدة الحمل
стр. 234
فقد تظاهرت الشريعة والطبيعة على أنها ستة
أشهر قال تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقال تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾، وقال جالينوس: كنت شديد الفحص عن مقادير أزمنة الحمل فرأيت امرأة واحدة ولدت في مائة وأربع وثمانين ليلة). (١)
وقد أكد الطب الحديث ما ذهب إليه الفقهاء من أن أقل مدة الحمل ستة أشهر إلا أن المولود لها نادراً ما يعيش في الأحوال العادية. ومع تقدم مجالات الطب أصبح بالإمكان إيجاد فرصة أكبر لمثل هؤلاء المواليد في الحياة بعد وضعه في حضانة طبية مناسبة وقد قرر الأطباء إذا ما ولد الطفل ما بين (٢٤ - ٣٦ أسبوعاً) يسمى الطفل خديجاً ويكون في الغالب قابلاً للحياة، ولكنه يحتاج لعناية طبية خاصة (٢).
يقول الطبيب أحمد كنعان: " ويتفق أهل الطب والفقهاء حول أقل مدة الحمل، إذ تؤكد الشواهد الطبية أن الجنين الذي يولد قبل تمام الشهر السادس لا يكون قابلاً للحياة، وإلى هذا يذهب أهل القانون أيضاً). (٣)
وهذا من الاستنباطات الإعجازية، لأن هذا المعنى الإعجازي لا يمكن لبشر لم يطلع على الوسائل الطبية الحديثة أن يعلمه من تلقاء نفسه؛ فدل على أن هذا الكتاب من لدن عليم خبير.
يجب على الغني أن ينفق على أقاربه الفقراء .
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ (٢٣٣)﴾ (البقرة: ٢٣٣).
стр. 235
٦١ - قال السعدي ﵀: (وقوله: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ﴾ أي: على وارث الطفل إذا عدم الأب، وكان الطفل ليس له مال، مثل ما على الأب من النفقة للمرضع والكسوة (١)، فدل على وجوب نفقة الأقارب المعسرين، على القريب الوارث الموسر) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية وجوب نفقة الأقارب المعسرين على القريب الموسر، ووجه ذلك قياساً، حيث إنه أوجب نفقة الطفل معدوم الأب على وارث الطفل، ومثله المعسر، والعلة الجامعة هنا قرابة الإرث أي قريب وارث.
قال ابن كثير: (وقد استدل بذلك من ذهب من الحنفية والحنبلية إلى وجوب نفقة الأقارب بعضهم على بعض، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وجمهور السلف) (٣)
وهذا الاستنباط من الاستنباطات النافعة، حيث إنه يكفل حق الأقارب على بعضهم البعض ويقوي أواصر الترابط الأسري الذي تسعى الشريعة لبنائه والمحافظة عليه، وهذا مما يتميز به ديننا العظيم في زمن يعتبر التفكك الأسري من أبرز مظاهره.
стр. 236
لا يجوز فطام الطفل إذا لم يرض أحد والديه أولم تكن له مصلحة في الفطام .
قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا (٢٣٣)﴾ (البقرة: ٢٣٣).
٦٢ - قال السعدي ﵀: (وقوله: ﴿فَإِنْ أَرَادَا﴾ أي: الأبوان ﴿فِصَالًا﴾ أي: فطام الصبي قبل الحولين، ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا﴾ بأن يكونا راضيين ﴿وَتَشَاوُرٍ﴾ (١) فيما بينهما، هل هو مصلحة للصبي أم لا؟ فإن كان مصلحة ورضيا ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾ في فطامه قبل الحولين، فدلت الآية بمفهومها، على أنه إن رضي أحدهما دون الآخر، أو لم يكن مصلحة للطفل، أنه لا يجوز فطامه) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الطفل لا يفطم إذا كان الفطام برضا أحد الأبوين دون الآخر، أولم يكن في مصلحة الطفل، ووجه ذلك من مفهوم المخالفة - مفهوم الشرط - حيث إنه شرط للفطام شرطين وهما التراضي، والتشاور للمصلحة، ومفهومه إذا عدم أحد الشرطين دل على بطلان الفطام حينئذ.
قال الجصاص: (. . . وفيه أيضاً دلالة على أن الفطام في مدة الرضاع موقوف على تراضيهما، وأن ليس لأحدهما أن يفطمه دون الآخر،
стр. 237
فأجاز ذلك بتراضيهما وتشاورهما) (١)، وقد أشار إلى ذلك مجاهد (٢).
وقال ابن كثير: (فيؤْخَذُ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر) (٣)، وقد أشار إليه بعض المفسرين منهم: الرازي، وأبو حيان، والبيضاوي، وأبو السعود، وابن عادل الحنبلي، الألوسي، وابن عاشور (٤).
وهذا الاستنباط فيه حفظ حق الطفل من الضياع بين الأبوين لهوى بينهما أو للهروب من المسؤولية فالأم تمل والأب يبخل (٥)، وفيه كذلك سد لباب النزاع بين الأبوين لوضوح الشروط في تعجيل الفطام.
لولي المرأة حق في إجبارها على ما فيه منفعة لها، ومنعها مما فيه مضرة عليها .
قال تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)﴾ (البقرة: ٢٣٤).
٦٣ - قال السعدي ﵀: (وفي خطابه للأولياء بقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ﴾ (٦) دليل على أن الولي ينظر على
стр. 238
المرأة، ويمنعها مما لا يجوز فعله ويجبرها على ما يجب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه.) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أنه يجب على ولي المرأة أن ينظر عليها فيمنعها مما لا يجوز لها فعله، ويجبرها على ما يجب، ووجه ذلك توجيه الخطاب إليه في هذه الآية، ورفع الجناح عنه إن كنّ فعلن المعروف، وتأثيمه إن فعلن عكس ذلك كما هو مفهوم المخالفة في الآية (٢).
قال العثيمين: (ومنها: أن الأولياء مسؤولون عن مولياتهم؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ إشارة إلى أن الرجال لهم ولاية على النساء؛ فيكونون مسؤولين عنهن) (٣)، كما أشار إلى ذلك القرطبي، والقاسمي (٤).
وبما أن الخطاب في الآية للأولياء كما هو قول جمع من المفسرين، فإنه يؤيد ما ذهب إليه السعدي من وجوب وقوف الولي علي أمر المرأة، ولو لم يكن ذلك لم يكن لهذا الخطاب معنى.
стр. 239
وهذا الاستنباط له فائدة كبرى خصوصاً في هذا الزمن الذي كثر فيه دعاة الشر إلى أن تكون المرأة لها حرية مطلقة فيما شاءت، ويرفع عنها تحكم الولي، مما أضر بالمرأة وجعلها سلعة رخيصة في أيدي العابثين، فهذا المعنى المستنبط يجعل الولي يقوم بدوره تجاه من هو ولي عليها وإلا كان آثماً، مما يصون المرأة ويحفظها من الانحراف.
تحريم العقد على المعتدة .
قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ (٢٣٥)﴾ (البقرة: ٢٣٥).
٦٤ - قال السعدي ﵀: (وقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ (١)، وفي هذه الآية تحريم العقد على المعتدة؛ لأنه إذا حرمت خطبتها، فمن باب أولى نفس العقد فهو حرام غير منعقد). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية تحريم العقد على المعتدة، ووجه ذلك من مفهوم الموافقة - مفهوم أولوي- حيث إنه إذا حرم خطبتها في العدة فتحريم العقد عليها من باب أولى
стр. 240
قال السيوطي: (. . . فيه تحريم العقد في العدة) (١) وقال العثيمين: (ومنها: تحريم عقد النكاح في أثناء العدة إلا من زوجها) (٢)، كما أشار إليه ابن كثير، وابن القيم (٣).
الوسيلة إلى محرم محرمة .
قال تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ (٢٣٥)﴾ (البقرة: ٢٣٥).
٦٥ - قال السعدي ﵀: (وأما التعريض، فقد أسقط تعالى فيه الجناح، والفرق بينهما: أن التصريح، لا يحتمل غير النكاح، فلهذا حرم، خوفا من استعجالها، وكذبها في انقضاء عدتها، رغبة في النكاح، ففيه دلالة على منع وسائل المحرم (٤)) ا. هـ (٥)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية منع كل وسيلة تؤدي إلى محرم، ووجه ذلك هو النهي عن التصريح في طلب نكاح المعتدة لأنه وسيلة إلى الوقوع في محرمات منها كذبها في انقضاء العدة استعجالاً للزواج الجديد.
стр. 241
وما أشار إليه السعدي في هذا الاستنباط مؤيد بالقاعدة الفقهية: الوسائل تتبع المقاصد في أحكامها، فإذا كان المقصد حراماً كانت وسيلة الوصول إليه محرمة.
وهذا الاستنباط غاية في الأهمية في حياة الإنسان لأن هناك من الأمور ما ليس محرماً في ذاته لكنه محرم بسبب ما يجر إليه من فعل المحرمات ولهذا يمنع منه العلماء لأجل أنه وسيلة إلى غيره.
تسمية الأحكام بالآيات فيه دلالة على صلاحيتها لكل زمان ومكان .
قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)﴾ (البقرة: ٢٤٢).
٦٦ - قال السعدي ﵀: (فسمى هذه الأحكام آيات؛ لأنها تدل أكبر دلالة على عنايته ولطفه بعباده، وأنه شرع لهم من الأحكام، الأحكام الصالحة لكل زمان ومكان، ولا يصلح العباد غيرها) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية دلالتها على وجه من وجوه الإعجاز التشريعي وهو صلاحية هذه الأحكام لكل زمان ومكان، ووجه ذلك أن الله سماها آيات لما تحتوي عليه من عناية ولطف من الله بعباده، ولأن فيها ما يصلحهم ويحفظ حقوقهم مما لا يمكن أن يجدوه في أي تشريع آخر.
قال ابن جرير: (في هذه الآيات، فكذلك أبين لكم سائر الأحكام
стр. 242
في آياتي التي أنزلتها على نبيي محمد ﷺ في هذا الكتاب، لتعقلوا- أيها المؤمنون بي وبرسولي- حدودي، فتفهموا اللازم لكم من فرائضي، وتعرفوا بذلك ما فيه صلاح دينكم ودنياكم، وعاجلكم وآجلكم) (١).
وهذا الاستنباط نافع في الرد على من يرى أن الشريعة الإسلامية قد ولى زمنها وأن الحضارة اليوم تقتضي الأخذ بالنظم العالمية ولو كانت مخالفة للإسلام، ولكن الحوادث تثبت يوماً بعد يوم أن التشريع الإسلامي هو الأصلح للعالم كله، وما حدث من نداءات لتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي في الأزمة الاقتصادية الأخيرة ما هو إلا أحد الأدلة على ذلك، وقد سبقه المناداة بتطبيق نظام الأسرة في الإسلام، وغير ذلك مما يؤكد أن هذا التشريع صالح لكل زمان ومكان.
توهم المنفق بالافتقار مدفوع بأن القابض والباسط للأرزاق هو الذي من أجله الإنفاق .
قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)﴾ (البقرة: ٢٤٥).
٦٧ - قال السعدي ﵀: (ولما كان الإنسان ربما توهم أنه إذا أنفق افتقر دفع تعالى هذا الوهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ أي: يوسع الرزق على من يشاء ويقبضه عمن يشاء، فالتصرف كله بيديه ومدار الأمور راجع إليه، فالإمساك لا يبسط الرزق، والإنفاق لا يقبضه، ومع ذلك فالإنفاق غير ضائع على أهله، بل لهم يوم يجدون ما قدموه كاملاً موفراً مضاعفاً) ا. هـ (٢)
стр. 243
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة إيراد القبض والبسط بعد أمره تعالى لعباده بالإنفاق في سبيل الله، وبين أن وجه المناسبة هنا هو دفع توهم الافتقار إذا ما أنفق في سبيل الله.
وقد ذكر الرازي ما يقارب هذا المعنى الذي ذكره السعدي هنا فقال في بيان وجه المناسبة: (أن الإنسان إذا علم أن القبض والبسط بالله انقطع نظره عن مال الدنيا، وبقي اعتماده على الله، فحينئذٍ يسهل عليه إنفاق المال في سبيل مرضاة الله تعالى) (١).
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لهذا الاستنباط، قال حقي: (فكأن الله تعالى يقول إذا علمتم أن الله هو القابض والباسط وان ما عندكم إنما هو من بسطه وإعطائه فلا تبخلوا عليه فاقرضوه وأنفقوا مما وسع عليكم وأعطاكم ولا تعكسوا بان تبخلوا لئلا يعاملكم مثل معاملتكم فى التعكيس بأن يقبض بعد ما بسط) (٢) وممن أشار إلى ذلك البيضاوي، وأبو السعود (٣).
وكلا الوجهين حسن، والمناسبة هنا تحتملهما معاً. والله أعلم.
تشاور أهل الحل والعقد أكبر سبب لحصول مقصودهم .
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
стр. 244
وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ (البقرة: ٢٤٦).
٦٨ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه القصة من الآيات والعبر ما يتذكر به أولو الألباب، فمنها: أن اجتماع أهل الكلمة والحل والعقد وبحثهم في الطريق الذي تستقيم به أمورهم وفهمه، ثم العمل به، أكبر سبب لارتقائهم وحصول مقصودهم، كما وقع لهؤلاء الملأ حين راجعوا نبيهم في تعيين ملك تجتمع به كلمتهم ويلم متفرقهم، وتحصل له الطاعة منهم) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن اجتماع أهل الحل والعقد وبحثهم في أمورهم يحقق لهم غايتهم التي يسعون إليها، ويكون سبباً لارتقائهم والحصول على ما يريدونه، ووجه ذلك أن هؤلاء اجتمعوا وتشاوروا في تعيين ملك لهم، فاتفق رأيهم على ذلك وحصل لهم ما طلبوه.
وهذا المعنى المستنبط الذي ذكره السعدي قل من المفسرين من أخذه من هذه الآية، وهو معنى مهم لتسيير أمور الناس خصوصاً في الأمور المصيرية التي يحتاجون فيها إلى أخذ الرأي السديد فيها.
وهذا الاستنباط هو تأصيل لما يحدث اليوم من مؤتمرات، وندوات حوار حول بعض القضايا الهامة في المجتمع وكيفية معالجتها ونحو ذلك.
بل إن في هذا الاستنباط تنبيهاً مهماً للمجتمع في التفكير والمطالبة بما يحقق مصالحه، وهذا يظهر في كون هؤلاء طلبوا من هذا النبي أن يختار لهم ملكاً، وله عليهم الطاعة، فتحقق لهم ما يريدونه؛ بسبب مبادرتهم إلى ذلك.
стр. 245
كما أن فيه تأصيل لما يسمى اليوم بعلم المبادرة وأن الإنسان كلما بادر إلى فعل ما يريده كلما حقق الله له مراده.
معارضة الحق بالشبه لا تقضي عليه، وإنما تزيده وضوحاً .
قال تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلَكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَشَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ (البقرة: ٢٤٧).
٦٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من العبر في القصة-: أن الحق كلما عورض وأوردت عليه الشبه ازداد وضوحاً وتميز وحصل به اليقين التام كما جرى لهؤلاء، لما اعترضوا على استحقاق طالوت للملك أجيبوا بأجوبة حصل بها الإقناع وزوال الشبه والريب) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الحق كلما عورض ازداد وضوحاً، وزادت قناعة الناس به، وسقطت هذه الشبه التي مقصدها تشويهه وصرف الناس عنه، ووجه ذلك في هذه القصة أن الملأ عارضوا تعيين طالوت ملكاً، وأوردوا على ذلك شبهتين وهما: دنو النسب، وقلة المال، ولكن كان في طرحهم لهاتين الشبهتين بياناً لفضل طالوت وما يتميز به من أمور تؤهله لهذا المكان، وهي العلم والقوة، فكان بذلك دفع الشبهة وحصول اليقين بكفاءة طالوت كملك.
стр. 246
وهذا الاستنباط من الاستنباطات المهمة والنافعة، خصوصاً في هذا الزمن الذي تكالب فيه أهل الباطل على أهل الحق، وكثر فيه تشويه الإسلام والمسلمين عبر بعض وسائل
الإعلام المختلفة، ولكن بهذا المعنى العظيم يزداد أهل الإيمان يقيناً بأن هذه الشبه والتشويهات ستكون سبباً في نصرة هذا الدين وانتشاره في العالم، ولكن لابد لأهل الحق أن يتنبهوا لذلك وأن يشمروا عن ساعد الجد في دحض هذه الشبه، وكشفها، وبيان حقيقة هذا الدين وما فيه من خير وتحقيق لمصالح الناس، ثم النتيجة اقتناع كثير من الباحثين عن الحقيقة بهذا الدين وكثرة الداخلين فيه بإذن الله.
كمال الولاية في العلم والرأي مع قوة منفذة .
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ (البقرة: ٢٤٧).
٧٠ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من العبر في القصة-: أن العلم والرأي: مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نقصانها وضررها) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أصلاً من أصول السياسة الشرعية، وهو اجتماع العلم وقوة الرأي مع قوة التنفيذ في الوالي، وأن فقدهما أو أحدهما يحصل به نقص وضرر، ووجه ذلك في الآية أن من حجج هذا النبي في دفاعه عن طالوت وبيان كفاءته اجتماع هاتين الصفتين فيه.
стр. 247
وقد أشار بعض المفسرين إلى ذلك، قال ابن كثير: (ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه) (١).
وقال الألوسي: (فلأن العمدة وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب وأقوى على كفاح الأعداء ومكابدة الحروب) (٢).
وهذا كله مبني على اختيار الأصلح لهؤلاء وهذا أصل أصيل في السياسة الشرعية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأهم ما في هذا الباب معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود؛ فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر) (٣)
وهذا الاستنباط فيه تأصيل لما يسمى اليوم بالسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، إذ لا غنى لأحدى السلطتين عن الأخرى فالأولى فيها العلم والرأي، والثانية فيها قوة التنفيذ.
التوكل على النفس سبب الفشل، والصبر والالتجاء إلى الله سبب النصر .
قال تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ (البقرة: ٢٤٦).
وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ
стр. 248
عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٥٠ - ٢٥١).
٧١ - قال السعدي ﵀: (ومنها -أي من العبر في القصة-: أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦] فكأنه نتيجة ذلك أنه لما كتب عليهم القتال تولوا، والثاني في قوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أهم أسباب النصر وأهم أسباب الفشل والخذلان، فأما النصر أما النصر فمن أهم أسبابه الالتجاء إلى الله وطلب الصبر، والثبات، والنصر من الله ، فكانت النتيجة هي أن نصرهم الله وهزم أعداءهم.
وأما الفشل فكان عند طلبهم القتال في سبيل الله فكانت مقالتهم خالية من الإشارة التجاءهم إلى الله سبحانه، وإنما كان فيها مؤشر الاعتماد على النفس، فكانت النتيجة الخذلان والهروب من القتال لما كتب عليهم.
وهذا المعنى المستنبط عظة وعبرة لكل أمة تريد الخروج من مأزقها وفشلها، بأن عليها أن تكثر من الالتجاء إلى الله فإنه الناصر .
стр. 249
من حكمة الله التمييز بين الأمور حتى لا تختلط المتضادات .
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِن اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ (البقرة: ٢٤٩).
٧٢ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من العبر في القصة-: أن من حكمة الله تعالى تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان، وأنه لم يكن ليذر العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية سنة من سنن الله إلا وهي التمييز بين الناس، وكشف كل على حقيقته، حتى لا تختلط الأمور ويتساوى المصلح مع المفسد، ووجه ذلك من الآية أن الله امتحن هؤلاء القوم ببعض الأمور التي كانت بمثابة مميزات تميز الصفوف عن بعضها، فالأول منها كان الابتلاء بالنهر، فتميزت عنده الفرقة الأولى ضعيفة الصبر والتي لو وجدت في الصف لأضعفته وخذلته.
أما المميز الثاني فكان بكثرة العدو وقوته، وهنا تميزت الفرقة ضعيفة اليقين بنصر الله حتى قيض لها الفرقة المؤمنة التي ثبتتها وقوت يقينها بالله، وحينئذ تميز الصف وأصبح نقياً لتلقي نصر الله تعالى.
وفائدة هذا المعنى أن النصر لا يكون بالصف المختلط المتناقض في رؤيته، وعلاقته بالله، بل لابد أن يكون الصف نقياً لتنزل نصر الله عليه.
стр. 250
بل في هذا المعنى أن النصر قريب بعد تمييز الصفوف، فربما كان وجود الفئة قليلة الصبر، أو عديمة اليقين بالله سبباً للهزيمة.
الجزية تقبل حتى من غير أهل الكتاب .
قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ (البقرة: ٢٥٦).
٧٣ - قال السعدي ﵀: (. . . ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية (١) من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء (٢)) ا. هـ (٣)