← Тафсир

Тафсир · id 14

استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة

سيف بن منصر الحارثي

Полный текст (896 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

وهذا الاستنباط من الاستنباطات المهمة والنافعة، خصوصاً في هذا الزمن الذي تكالب فيه أهل الباطل على أهل الحق، وكثر فيه تشويه الإسلام والمسلمين عبر بعض وسائل الإعلام المختلفة، ولكن بهذا المعنى العظيم يزداد أهل الإيمان يقيناً بأن هذه الشبه والتشويهات ستكون سبباً في نصرة هذا الدين وانتشاره في العالم، ولكن لابد لأهل الحق أن يتنبهوا لذلك وأن يشمروا عن ساعد الجد في دحض هذه الشبه، وكشفها، وبيان حقيقة هذا الدين وما فيه من خير وتحقيق لمصالح الناس، ثم النتيجة اقتناع كثير من الباحثين عن الحقيقة بهذا الدين وكثرة الداخلين فيه بإذن الله. كمال الولاية في العلم والرأي مع قوة منفذة . قال تعالى: ﴿قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٤٧)﴾ (البقرة: ٢٤٧). ٧٠ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من العبر في القصة-: أن العلم والرأي: مع القوة المنفذة بهما كمال الولايات، وبفقدهما أو فقد أحدهما نقصانها وضررها) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أصلاً من أصول السياسة الشرعية، وهو اجتماع العلم وقوة الرأي مع قوة التنفيذ في الوالي، وأن فقدهما أو أحدهما يحصل به نقص وضرر، ووجه ذلك في الآية أن من حجج هذا النبي في دفاعه عن طالوت وبيان كفاءته اجتماع هاتين الصفتين فيه.

стр. 247

وقد أشار بعض المفسرين إلى ذلك، قال ابن كثير: (ومن هاهنا ينبغي أن يكون الملك ذا علم وشكل حسن وقوة شديدة في بدنه ونفسه) (١). وقال الألوسي: (فلأن العمدة وفور العلم ليتمكن به من معرفة الأمور السياسية، وجسامة البدن ليكون أعظم خطراً في القلوب وأقوى على كفاح الأعداء ومكابدة الحروب) (٢). وهذا كله مبني على اختيار الأصلح لهؤلاء وهذا أصل أصيل في السياسة الشرعية، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وأهم ما في هذا الباب معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية، ومعرفة طريق المقصود؛ فإذا عرفت المقاصد والوسائل تم الأمر) (٣) وهذا الاستنباط فيه تأصيل لما يسمى اليوم بالسلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، إذ لا غنى لأحدى السلطتين عن الأخرى فالأولى فيها العلم والرأي، والثانية فيها قوة التنفيذ. التوكل على النفس سبب الفشل، والصبر والالتجاء إلى الله سبب النصر . قال تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٢٤٦)﴾ (البقرة: ٢٤٦). وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ

стр. 248

عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ (البقرة: ٢٥٠ - ٢٥١). ٧١ - قال السعدي ﵀: (ومنها -أي من العبر في القصة-: أن الاتكال على النفس سبب الفشل والخذلان، والاستعانة بالله والصبر والالتجاء إليه سبب النصر، فالأول كما في قولهم لنبيهم ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا﴾ [البقرة: ٢٤٦] فكأنه نتيجة ذلك أنه لما كتب عليهم القتال تولوا، والثاني في قوله: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أهم أسباب النصر وأهم أسباب الفشل والخذلان، فأما النصر أما النصر فمن أهم أسبابه الالتجاء إلى الله وطلب الصبر، والثبات، والنصر من الله ، فكانت النتيجة هي أن نصرهم الله وهزم أعداءهم. وأما الفشل فكان عند طلبهم القتال في سبيل الله فكانت مقالتهم خالية من الإشارة التجاءهم إلى الله سبحانه، وإنما كان فيها مؤشر الاعتماد على النفس، فكانت النتيجة الخذلان والهروب من القتال لما كتب عليهم. وهذا المعنى المستنبط عظة وعبرة لكل أمة تريد الخروج من مأزقها وفشلها، بأن عليها أن تكثر من الالتجاء إلى الله فإنه الناصر .

стр. 249

من حكمة الله التمييز بين الأمور حتى لا تختلط المتضادات . قال تعالى: ﴿فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِن اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ (البقرة: ٢٤٩). ٧٢ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من العبر في القصة-: أن من حكمة الله تعالى تمييز الخبيث من الطيب، والصادق من الكاذب، والصابر من الجبان، وأنه لم يكن ليذر العباد على ما هم عليه من الاختلاط وعدم التمييز) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية سنة من سنن الله إلا وهي التمييز بين الناس، وكشف كل على حقيقته، حتى لا تختلط الأمور ويتساوى المصلح مع المفسد، ووجه ذلك من الآية أن الله امتحن هؤلاء القوم ببعض الأمور التي كانت بمثابة مميزات تميز الصفوف عن بعضها، فالأول منها كان الابتلاء بالنهر، فتميزت عنده الفرقة الأولى ضعيفة الصبر والتي لو وجدت في الصف لأضعفته وخذلته. أما المميز الثاني فكان بكثرة العدو وقوته، وهنا تميزت الفرقة ضعيفة اليقين بنصر الله حتى قيض لها الفرقة المؤمنة التي ثبتتها وقوت يقينها بالله، وحينئذ تميز الصف وأصبح نقياً لتلقي نصر الله تعالى. وفائدة هذا المعنى أن النصر لا يكون بالصف المختلط المتناقض في رؤيته، وعلاقته بالله، بل لابد أن يكون الصف نقياً لتنزل نصر الله عليه.

стр. 250

بل في هذا المعنى أن النصر قريب بعد تمييز الصفوف، فربما كان وجود الفئة قليلة الصبر، أو عديمة اليقين بالله سبباً للهزيمة. الجزية تقبل حتى من غير أهل الكتاب . قال تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٥٦)﴾ (البقرة: ٢٥٦). ٧٣ - قال السعدي ﵀: (. . . ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية (١) من غير أهل الكتاب، كما هو قول كثير من العلماء (٢)) ا. هـ (٣)

стр. 251

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية، جواز قبول الجزية من غير أهل الكتاب، ولم يبين كيفية أخذه لهذا الحكم من هذه الآية. والاستدلال بهذه الآية على هذا الحكم فيه بعد، حتى إن أكثر المفسرين لم يتعرضوا للاستدلال بها على ذلك. وغاية ما يمكن الاستناد إليه في هذه الآية هو عموم نفي الإكراه والذي يكون بدل الإكراه هو دفع الجزية عند رفض الدخول في الإسلام، ولكن جمع هذه الآية مع النصوص الأخرى يدل على بُعد الاعتماد على العموم في هذه الآية، فقوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ شَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ (التوبة: ٢٩). تقييدها بأهل الكتاب دليل على أنهم هم المعنيون بالحكم دون سواهم، فمفهوم الآية يقتضي تخصيص الجزية بأهل الكتاب (١)، وإثبات ذلك الحكم في غيرهم يقتضي إلغاء هذا القيد المنصوص عليه (٢)، وعليه فلا دلالة في الآية على قبول الجزية من غير أهل الكتاب. والله أعلم. صدقة لا يتبعها أذى خير من قول المعروف والمغفرة . قال تعالى: ﴿* قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ شَهْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيمٌ (٢٦٣)﴾ (البقرة: ٢٦٣). ٧٤ - قال السعدي ﵀: (ومفهوم الآية أن الصدقة التي لا يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة) ا. هـ (٣)

стр. 252

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الصدقة التي لا يتبعها أذى خير من قول المعروف، وخير من ستر الخلة، ووجه ذلك من مفهوم المخالفة - مفهوم الصفة - فإنه بين أن القول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي يتبعها أذى، ومفهوم المخالفة هنا أن الصدقة التي لا يتبعها أذى خير من القول المعروف والمغفرة. الأعمال السيئة تبطل الأعمال الحسنة . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى (٢٦٤)﴾ (البقرة: ٢٦٤). ٧٥ - قال السعدي ﵀: (يَا أَيُّهَا ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ (١) ينهى عباده تعالى لطفا بهم ورحمة عن إبطال صدقاتهم بالمنّ والأذى ففيه أن المنّ والأذى يبطل الصدقة، ويستدل بهذا على أن الأعمال السيئة تبطل الأعمال الحسنة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ (الحجرات: ٢) فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فالسيئات تبطل ما قابلها من الحسنات) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الأعمال السيئة تبطل الحسنات،

стр. 253

ووجه ذلك أنه نهى عن إبطال الصدقة بالتلبس بالمن والأذى، فأخذ من ذلك أنه يمكن قياس الأعمال الأخرى عليه، فالأعمال السيئة تبطل الأعمال الحسنة كما أبطل المن والأذى الصدقة. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن القيم: (قد دل القرآن والسنة والمنقول عن الصحابة أن السيئات تحبط الحسنات كما الحسنات يذهبن السيئات، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ (١)، وممن قال به أيضاً: الدوسري (٢). المخالفون: خالف في هذا الاستنباط ابن عطية فقال: وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الآية، والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات) (٣). النتيجة: وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح؛ لأن الآية واضحة الدلالة على بطلان الصدقة بالمن والأذى، وهذا يدل على أن البطلان ممكن، ومما يؤيد هذا الاستنباط أن القرآن غالباً لا يُذكر فيه الترغيب في أمر إلا وذكر في مقابله الترهيب من عكسه، فقد رغب الله في فعل الحسنات بأنهن يذهبن السيئات، وفي هذه الآية ترهيب من فعل السيئات لأن ذلك قد يؤدي إلى ذهاب الحسنات.

стр. 254

وأما إشارة ابن عطية هنا فكأنه أراد أن هذا مذهب المعتزلة، ولكن الحق أحق أن يتبع وموافقة المعتزلة هنا لا يعني موافقتهم في باطلهم، قال ابن القيم: (والقرآن والسنة قد دلا على الموازنة وإحباط الحسنات بالسيئات فلا يضرب كتاب الله بعضه ببعض ولا يرد القرآن بمجرد كون المعتزلة قالوه، فعل أهل الهوى، والتعصب، بل نقبل الحق ممن قاله ويرد الباطل على من قاله) (١) كما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الخلاف هنا بين أهل السنة أنفسهم، وليس بين أهل السنة والمعتزلة فقال: (فإذا كانت السيئات لا تحبط جميع الحسنات فهل تحبط بقدرها وهل يحبط بعض الحسنات بذنب دون الكفر فيه قولان للمنتسبين إلى السنة، منهم من ينكره، ومنهم من يثبته، كما دلت عليه النصوص مثل قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الآية دل على أن هذه السيئة تبطل الصدقة) (٢) والله أعلم. الزكاة على صاحب الزرع لا على صاحب الأرض . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ (٢٦٧)﴾ (البقرة: ٢٦٧). ٧٦ - قال السعدي ﵀: (فقد تضمنت هاتان الآيتان أموراً عظيمة. . . ومنها: أن الزكاة على من له الزرع والثمر لا على صاحب الأرض، لقوله ﴿أَخْرِجْنَا لَكُمْ﴾ (٣) فمن أخرجت له

стр. 255

وجبت عليه) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الزكاة على الزرع في الأرض المستأجرة، على صاحب الزرع لا على صاحب الأرض، ووجه ذلك أن قوله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا لَكُمْ﴾ يقتضي ذلك فالزكاة على من أُخرج له الزرع. قال ابن الفرس- موافقاً السعدي على هذا الاستنباط-: (. . . ومن اكترى أرضاً فزرعها فعلى المكتري زكاة ما تخرجه الأرض. . .، ودليلنا قوله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا لَكُمْ﴾ فكان على الزارع) (٢). كل شيء ليس معداً لعروض التجارة فلا زكاة عليه . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرِجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ (٢٦٧)﴾ (البقرة: ٢٦٧). ٧٧ - قال السعدي ﵀: (. . . ومنها -أي من فوائد الآية-: أن الأموال المعدة للاقتناء من العقارات والأواني ونحوها ليس فيها زكاة، وكذلك الديون والغصوب ونحوهما إذا كانت مجهولة، أو عند من لا يقدر ربها على استخراجها منه، ليس فيها زكاة، لأن الله أوجب النفقة من الأموال التي يحصل فيها النماء الخارج من الأرض، وأموال التجارة

стр. 256

مواساة من نمائها، وأما الأموال التي غير معدة لذلك ولا مقدوراً عليها فليس فيها هذا المعنى) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن كل مال ليس معداً لعروض التجارة، ليس عليه زكاة، وكذلك الديون المجهولة والتي لا يرجوها صاحبها، ووجه ذلك من الآية أن الله بين أن الزكاة في المال المعد للكسب، وكذلك المال الذي فيه نماء، ومفهوم هذا القيد أن ما عدا ذلك من الأموال لا زكاة فيه لعدم وجود معنى النماء فيها. وهذا الاستنباط مؤيد بحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة) (٢)، قال النووي: (هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها، وأنه لا زكاة في الخيل والرقيق إذا لم تكن للتجارة، وبهذا قال العلماء كافة من السلف والخلف) (٣) الضابط القرآني للإعلان أو الإسرار بالصدقة . قال تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ شَهْرٌ لَكُمْ (٢٧١)﴾ (البقرة: ٢٧١). ٧٨ - قال السعدي ﵀: (وفي قوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا

стр. 257

الْفُقَرَاءَ فَهُوَ شَهْرٌ لَكُمْ﴾ فائدة لطيفة، وهو أن إخفاءها خير من إظهارها، إذا أعطيت للفقير. فأما إذا صرفت في مشروع خيري، لم يكن في الآية، ما يدل على فضيلة إخفائها، بل هنا قواعد الشرع، تدل على مراعاة المصلحة، فربما كان الإظهار خيراً، لحصول الأسوة والاقتداء، وتنشيط النفوس على أعمال الخير) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الصدقة إذا لم تكن على الفقير فالسر فيها ليس خيراً من العلانية، وإنما مرجع ذلك إلى المصلحة؛ فإن كان في إعلانها إظهار للشعائر، وحصول القدوة الحسنة فالإعلان هنا أفضل من الإسرار، ووجه ذلك من مفهوم المخالفة حيث قيد صدقة الفقير بالإخفاء، فدل مفهومه أن غير الفقير ليس كذلك. وما ذهب إليه السعدي في مفهوم هذا القيد فيه بعد ظاهر؛ لأن ذكر الفقير هنا ليس مقصوداً لذاته، فإخفاء الصدقة ليس مختصاً بالفقير، وإنما إخفاء الصدقة عموماً أفضل من إظهارها؛ لأنه أبعد عن الرياء، إلا أن يترتب على الإظهار مصلحة راجحة، من اقتداء الناس به، فيكون أفضل من هذه الحيثية (٢). وأما تخصيص الفقير هنا فقيل: خصص الفقراء بالذكر اهتماماً بشأنهم (٣)، وقيل إن المراد إنما هو بعث المتصدق على أن يتحرى موضع الصدقة، فيصير عالماً بالفقراء، فيميزهم عن غيرهم، فإذا تقدم منه هذا الاستظهار ثم أخفاها حصلت الفضيلة (٤).

стр. 258

فذكر الفقراء في الآية على سبيل المثال (١)، وعليه فيتضح بُعد المفهوم الذي ذهب إليه السعدي، فيكون الإخفاء هنا عاماً ليس مخصصاً بالفقير؛ لما في الإخفاء من مظنة الإخلاص. والله أعلم. وعلى هذه فالإسرار والعلانية في الصدقة راجع إلى المصلحة ويستوي في ذلك مصارف الصدقة سواء كانوا فقراء أم كانت مشاريع خيرية، فالإخفاء هو الأفضل إلا أن يكون في العلانية خير بتشجيع الناس على الصدقة أو الأخبار بحال فقير لا يعلمه أهل الصدقة. والله أعلم. من تاب من الربا عفا الله عنه فيما سبق التوبة، ومن لم يتب عاقبه الله على الحالين . قال تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧٥)﴾ (البقرة: ٢٧٥). ٧٩ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ (٢) أي: وعظ وتذكير وترهيب عن تعاطي الربا على يد من قيضه الله لموعظته رحمة من الله بالموعوظ، وإقامة للحجة عليه ﴿فَانْتَهَى﴾ عن فعله وانزجر عن تعاطيه ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ (٣) أي: ما تقدم من المعاملات التي فعلها قبل أن تبلغه الموعظة جزاء لقبوله للنصيحة،

стр. 259

دل مفهوم الآية أن من لم ينته جوزي بالأول والآخر) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من لم يتب من الربا فإنه يعاقب على ارتكابه هذا الذنب قبل علمه بالتحريم وبعده، ووجه ذلك أن الآية دلت على أن من انزجر عن فعله الأول فلا يؤاخذ بما تقدم جزاء لامتثاله، ودل مفهوم ذلك أن من لم ينته عن الربا فإن الله يؤاخذه على الأول والآخر. وهذا الاستنباط فيه ترغيب وترهيب، فمن أراد التوبة وصدق مع الله عفا الله عنه فيما سلف وهذا ترغيب له، ومن استمر على الباطل عاقبه الله على الأول والآخر وهذا فيه ترهيب من هذا الذنب. لابد أن يكون كاتب الدين عارفاً بكتابة الوثائق . قال تعالى: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٨٠ - قال السعدي ﵀: (هذه آية الدين، وهي أطول آيات القرآن، وقد اشتملت على أحكام عظيمة جليلة المنفعة والمقدار،. . . منها: أن يكون الكاتب عارفاً بكتابة الوثائق وما يلزم فيها كل واحد منهما، وما يحصل به التوثق، لأنه لا سبيل إلى العدل إلا بذلك، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾) ا. هـ (٢)

стр. 260

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن كاتب الدين لابد أن يكون عارفاً بكتابة الوثائق وما يلزم فيها، ووجه ذلك أنه لا يمكن الوصول إلى العدل إلا بذلك، فالآية تدل على ذلك بدلالة اللازم حيث إن العدل يلزم منه أن يكون عارفاً بكتابة الوثائق. وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الألوسي: (فالكلام كما قال الطيبي مسوق لمعنى، ومدمج فيه آخر بإشارة النص وهو اشتراط الفقاهة في الكاتب لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور الخطرة إلا من كان فقيهاً ولهذا استدل بعضهم بالآية على أنه لا يكتب الوثائق إلا عارف بها عدل مأمون، ومن لم يكن كذلك يجب على الإمام أو نائبه منعه لئلا يقع الفساد ويكثر النزاع والله لا يحسب المفسدين) (١)، وممن قال بذلك أيضاً الرازي، وأبوحيان، والبيضاوي، وأبوالسعود، والسيوطي، وحقي، والقاسمي (٢)، وفي هذا الاستنباط تأييد لما ذهب إليه القضاء في وقتنا المعاصر من تخصيص كتاب عدل لكتابة الوثائق؛ لأن في ذلك حفظ لحقوق الناس بكتابتها من قبل متخصصين في هذا الشأن متفرغين ذهنياً له. من عليه حق فالقول قوله في كل ما يتعلق بالحق من بيان مقداره وصفته ونحو ذلك . قال تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢).

стр. 261

٨١ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد الآية-: أن من عليه حقاً من الحقوق التي البينة على مقدارها وصفتها من كثرة وقلة وتعجيل وتأجيل، أن قوله هو المقبول دون قول من له الحق، لأنه تعالى لم ينهه عن بخس الحق الذي عليه، إلا أن قوله مقبول على ما يقوله من مقدار الحق وصفته) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من عليه الحق فالقول قوله في بيان المقدار والصفة ونحو ذلك، ووجه ذلك أن الله نهاه عن البخس ولو لم يكن قوله هو المعتبر لم يكن لنهيه هنا فائدة. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي: (فيه أن كل من عليه حق فالقول قوله فيه، لأنه تعالى لما وعظه في ترك البخس دل على أنه إذا بخس كان قوله مقبولاً. . .) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً: الجصاص، وابن العربي، وابن الفرس، وإلكيا الهراسي، والعثيمين (٣). ومما يؤيد هذا الاستنباط هو أن الأصل براءة الذمة، فلا تشغل الذمة إلا ببينة، فإذا عدمت هنا كان القول قول صاحب الذمة لأنه لا يحق لأحد شغل ذمته بلا دليل فكان قوله هو المعتبر دون غيره، ولو لم يكن قوله هو المعتبر لادعى أناس بحقوق ليست لهم، وغرمت ذمم بريئة.

стр. 262

إقرار السفيه والصغير والمجنون وتصرفهم غير صحيح . قال تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٨٢ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد الآية-: أن إقرار الصغير والسفيه والمجنون والمعتوه ونحوهم وتصرفهم غير صحيح، لأن الله جعل الإملاء لوليهم، ولم يجعل لهم منه شيئاً لطفًا بهم ورحمة، خوفاً من تلاف أموالهم) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن إقرار الصغير والسفيه والمجنون وتصرفهم غير صحيح، ووجه ذلك أن الله جعل الإملاء لوليهم، ودلالة الآية على ذلك بمفهوم المخالفة حيث إن إملال الولي عن مثل هؤلاء يدل مفهوم المخالفة له أن إقرارهم غير صحيح وإلا كان الإملال منهم. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الخازن: (وعليه فهؤلاء كلهم لا يصح إقرارهم فلا بد من أن يقوم غيرهم مقامهم) (٢)، وممن قال به أيضاً: ابن العربي، والقرطبي، والسيوطي، وصديق حسن خان، والهرري (٣).

стр. 263

المخالفون: خالف السعدي بعض المفسرين، وقالوا إن الآية تدل على عكس ذلك أي أنها تدل على جواز تصرف المذكورين، قال الجصاص في بيان حجة هؤلاء من الآية: (واحتج مبطلو الحجر بما في مضمون الآية من جواز مداينة السفيه بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلَ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا﴾ فأجاز مداينة السفيه وحكم بصحة إقراره في مداينته؛ وإنما خالف بينه وبين غيره في إملاء الكتاب لقصور فهمه عن استيفاء ما له وعليه مما يقتضيه شرط الوثيقة) (١)، وممن أشار إلى ذلك: إلكيا الهراسي، وابن الفرس، وأبو حيان (٢). النتيجة: وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، لدلالة الآية عليه بمفهوم المخالفة كما تقدم؛ ولأن هذا هو الأصلح لحفظ أموال هؤلاء من الضياع. والله أعلم. مشروعية تعلم الأمور التي يتوثق بها المتداينون . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلَ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢) ٨٣ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد الآية-:

стр. 264

مشروعية كون الإنسان يتعلم الأمور التي يتوثق بها المتداينون كل واحد من صاحبه، لأن المقصود من ذلك التوثق والعدل، وما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية تعلم كيفية التوثيق، ووجه ذلك أن مقصود هذا التعلم هو التوثيق والعدل، واستدل على ذلك بالقاعدة الفقهية أن ما لا يتم المشروع إلا به فهو مشروع. وهذا الاستنباط له فائدة كبيرة خصوصاً أن الوثائق ومصطلحاتها تختلف من زمان إلى آخر، وكذلك تختلف من مكان إلى آخر فللعرف هنا اعتبار، فكان لزاماً على كاتبها أن يتعلم ما يحصل به التوثيق، ولأن في ذلك سد باب النزاع إذا ما كتبت الوثائق من عارف لها. كما أن في هذا الاستنباط إشارة إلى أن التوثيق أمر يحتاج إلى تعلم متخصص لدقته وخطورته، وليس الأمر مباح لكل أحد، ومن اطلع على الوثائق وكيفية كتابتها ودقة الألفاظ فيها عرف أهمية هذا الاستنباط وفائدته. شهادة الصبي غير مقبولة . قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٨٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد الآية-: أن شهادة الصبيان غير مقبولة لمفهوم لفظ الرجل) ا. هـ (٢)

стр. 265

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن شهادة الصبيان غير مقبولة، ووجه ذلك من مفهوم لفظ الرجل، حيث دل مفهوم المخالفة هنا أن الصبي لا تقبل شهادته. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الجصاص: ومما يدل على بطلان شهادة الصبيان. . . قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ وليس الصبيان من رجالنا. . .) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الواحدي، وابن العربي، والقرطبي، وأبوحيان، والخازن، وجلال الدين المحلي، والسيوطي، والألوسي، وابن عاشور، والهرري (٢). وهذا الاستنباط مؤيد كذلك بعدم قدرة الصبي على إدراك الشهادة وما يتعلق بها، قال ابن عاشور: (وأما الصبيّ فلم يعتبره الشرع لضعف عقله عن الإحاطة بمواقع الإشهاد ومداخل التهم). (٣) شهادة العبد البالغ مقبولة . قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٨٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد الآية-: أن

стр. 266

شهادة العبد (١) البالغ مقبولة كشهادة الحر لعموم قوله: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ والعبد البالغ من رجالنا) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية قبول شهادة العبد، ووجه ذلك عموم الآية فلفظ الرجال عام يدخل فيه الحر والعبد. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال أبوحيان: (وظاهر الآية أنه: يجوز شهادة العبد) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً: الرازي، والشوكاني، كما أشار إليه السيوطي (٤). المخالفون: خالف السعدي في هذا الاستنباط بعض المفسرين، وقالوا لا دلالة في الآية على قبول شهادة العبد، قال ابن العربي: (وليس للآية أثر في شهادة العبد يرد) (٥)، وقال القرطبي في بيان وجه دلالة الآية على عدم قبول شهادة العبد: (والصحيح قول الجمهور لأن الله تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ﴾ وساق الخطاب إلى قوله: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فظاهر الخطاب يتناول الذين يتداينون والعبيد لا يملكون ذلك دون إذن

стр. 267

السادة فإن قالوا: إن خصوص أول الآية لا يمنع التعلق بعموم آخره قيل لهم: هذا يخصه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: مجاهد، وابن جرير الطبري، والبغوي، والجصاص، وإلكيا الهراسي، والجرجاني، وأبو السعود، والألوسي، وابن عاشور (٢). النتيجة: وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح لدلالة عموم الآية عليه، ولا مخصص لهذا العموم، ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط أن متطلبات قبول الشهادة لا علاقة لها البتة بالرق والحرية فقد تُقبل شهادة العبد وقد تُرد شهادة الحر، قال الرازي: (والمعنى المستفاد من النص أيضاً دال عليه، وذلك لأن عقل الإنسان ودينه وعدالته تمنعه من الكذب، فإذا شهد عند اجتماع هذه الشرائط تأكد به قول المدعي، فصار ذلك سبباً في إحياء حقه، والعقل والدين والعدالة لا تختلف بسبب الحرية والرق، فوجب أن تكون شهادة العبيد مقبولة). (٣) شهادة الكفار غير مقبولة . قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢).

стр. 268

٨٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد الآية-: أن شهادة الكفار (١) ذكوراً كانوا أو نساء غير مقبولة، لأنهم ليسوا منا، ولأن مبنى الشهادة على العدالة وهو غير عدل) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن شهادة الكفار غير مقبولة، ووجه استنباط ذلك من الآية ذكر الرجال مضافاً إلى ضمير المخاطبين، وضمير جماعة المخاطبين مراد به المسلمون لقوله في طالعة هذه الأحكام يأيها الذين آمنوا (٣). وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط عامة المفسرين، قال ابن العربي: (وعين بالإضافة في قوله تعالى: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ المسلم، ولأن الكافر لا قول له. . .) (٤)، وممن قال بذلك أيضاً: البغوي، والجصاص،

стр. 269

وابن الفرس، والرازي، والقرطبي، والسيوطي، والبيضاوي، وأبوالسعود، والألوسي، والهرري (١). ومما يؤيد هذا الاستنباط ويؤكده أن الكافر غير مستأمن على حقوق المسلمين، ولأن العدالة في الكافر مفقودة وهي أهم شرط في الشهود، قال ابن عاشور: (وأما الكافر فلأنّ اختلاف الدِّين يوجب التباعد في الأحوال والمعاشرات والآداب فلا تمكن الإحاطة بأحوال العدول والمرتابين من الفريقين، كيف وقد اشترط في تزكية المسلمين شدة المخالطة، ولأنّه قد عرف من غالب أهل الملل استخفاف المخالف في الدين بحقوق مخالفه، وذلك من تخليط الحقوق والجهل بواجبات الدين الإسلامي) (٢). من نسي شهادته ثم ذكرها فشهادته صحيحة مقبولة . قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٨٧ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد الآية-: أن من نسي شهادته ثم ذُكّرها فذكر فشهادته مقبولة لقوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا

стр. 270

الْأُخْرَى﴾ (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من نسي شهادته ثم ذُكّرها فشهادته صحيحة مقبولة، ووجه ذلك أن في الآية قبول تذكير إحدى النساء للأخرى في الشهادة، وتكون دلالة الآية على ذلك بمفهوم الموافقة. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال السيوطي: (. . . وأن الشاهد إذا قال لا أذكر، ثم ذُكّر يُقبل قوله) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، وابن الفرس، والعثيمين (٤). من خاف نسيان شهادته وجب عليه كتابتها . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلَ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٨٨ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد الآية-: أنه يؤخذ من المعنى أن الشاهد إذا خاف نسيان شهادته في الحقوق الواجبة

стр. 271

وجب عليه كتابتها، لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن كتابة الشهادة لمن خاف نسيانها واجبة، وذلك أن مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب، حيث إن الشهادة واجبة الأداء ولا تقوم بعض الحقوق إلا بها، فإذا خاف الشاهد نسيانها وجب عليه كتابتها؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. وكتابة الشهادة في الغالب أنها ضمن كتابة الدين كما هو الحاصل الآن، إذ يكتب الدين ثم يلحق في آخره بتوقيع الشهود، فأصبحت الوثائق متضمنة لكتابة الدين وكتابة الشهادة. قد تجتمع في الإنسان مادة فسق وغيرها . قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٨٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد الآية-: أن الأوصاف كالفسق والإيمان والنفاق والعداوة والولاية ونحو ذلك تتجزأ في الإنسان، فتكون فيه مادة فسق وغيرها، وكذلك مادة إيمان وكفر لقوله: ﴿فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ (٢) ولم يقل فأنتم فاسقون أو فُسّاق) ا. هـ (٣)

стр. 272

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية، وهي أن أوصاف الفسق، والنفاق ونحو ذلك تتجزأ، بمعنى أنه يمكن أن يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وإيمان وفسق ونحو ذلك، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله لم يحكم على هؤلاء بالفسق الكامل وإنما بين لهم أن فعلهم هذا فسوق بهم، فعدم الحكم عليهم بالفسق الكلي مفهومه أن عندهم إيمان، وبهذا يتبين أن الإنسان يمكن أن يجتمع فيه فسق وإيمان. وقد أشار ابن القيم إلى هذا المعنى فقال: (أما الفسوق الذي لا يخرج عن الإسلام فكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾). (١) وهذا الاستنباط فيه توضيح لمسألة مهمة تعتبر من أهم مسائل العقيدة، بل أشار بعض العلماء إلى أنها أول مسألة فرقت الأمة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فكان من أول البدع والتفرق الذي وقع في هذه الأمة بدعة الخوارج المكفرة بالذنب فإنهم تكلموا في الفاسق الملي فزعمت الخوارج والمعتزلة أن الذنوب الكبيرة ومنهم من قال والصغيرة لا تجامع الإيمان أبداً بل تنافيه وتفسده كما يفسد الأكل والشرب الصيام؛ قالوا لأن الإيمان هو فعل المأمور وترك المحظور فمتى بطل بعضه بطل كله كسائر المركبات) (٢). والحق كما في هذه الآية أن الإيمان قد يجتمع معه فسق، فيكون الإنسان مؤمن بإيمانه فاسق بخطيئته، فلا تسلب المعصية مطلق الإيمان، ولا يكون المسلم كافراً بارتكابه المعصية، ولا مخلداً في النار، قال البخاري في صحيحه، باب كفران العشير وكفر دون كفر (٣)، قال ابن بطال (٤): (غرض البخاري الرد على من يكفر بالذنوب كالخوارج، ويقول:

стр. 273

إن من مات على ذلك يخلد في النار) (١)، واستدل البخاري أيضاً على أن المؤمن إذا ارتكب معصية لا يكفر بأن الله تعالى أبقى عليه اسم المؤمن فقال ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] ثم قال ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]، واستدل أيضاً بقوله ﷺ : (إذا التقى المسلمان بسيفيهما) (٢) فسماهما مسلمين مع التوعد بالنار (٣). شهادة المجهول غير مقبولة حتى يُزكَى . قال تعالى: ﴿مِمَّنِ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٩٠ - قال السعدي ﵀: (يؤخذ منها (٤) -أي من فوائد الآية-: عدم قبول شهادة المجهول حتى يُزكّى، فهذه الأحكام مما يستنبط من هذه الآية الكريمة على حسب الحال الحاضرة والفهم القاصر، ولله في كلامه حكم وأسرار يخص بها من يشاء من عباده) ا. هـ (٥)

стр. 274

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن شهادة المجهول غير مقبولة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله جل وعلا شرع اتخاذ الشهداء ولكن ممن يكون مرضي الشهادة، فدل بمفهوم المخالفة أن هناك من لا ترضى شهادته كالمجهول. وقد وافق السعدي على استنباط هذا المعنى من هذه الآية بعض المفسرين، قال السيوطي: (وفيه أنه لا يقبل المجهول حاله. . .) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: ابن عطية، وابن العربي، والقرطبي، ابن كثير (٢). ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ويؤكده أن في هذه الشهادة إثبات حقوق لأناس ونفيها عن آخرين، فلا بد أن يكون مؤدي الشهادة معروف الحال لما يترتب على شهادته من حقوق. من تمام شكر النعم بذلها لمن يحتاج إليها . قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ (٢٨٢)﴾ (البقرة: ٢٨٢). ٩١ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد الآية-: أن من خصه الله بنعمة من النعم، يحتاج الناس إليها، فمن تمام شكر هذه النعمة، أن يعود بها على عباد الله، وأن يقضي بها حاجتهم، لتعليل الله النهي عن الامتناع عن الكتابة، بتذكير الكاتب بقوله: ﴿كَمَا عَلَّمَهُ

стр. 275

اللَّهُ﴾ (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من خصه الله بنعمة يحتاج الناس إليها فمن تمام شكر الله عليها أن يبذلها للناس، ووجه هذا الاستنباط من الآية هو بطريق القياس، فلما علل الله بذل الكتابة بالمنة على الكاتب وتذكيره بفضل الله عليه، قيس عليه كل نعمة فيها حاجة للناس ينبغي لصاحبها أن يعود بها على الناس اعترافاً بنعمة الله عليه وشكراً له على هذه النعمة. وقد أشار إلى ذلك الخازن فقال: (وذلك لأن الله تعالى لما علمه الكتابة وشرّفه بها استحب له أن يكتب ليقضي حاجة أخيه المسلم ويشكر تلك النعمة التي أنعم الله بها عليه) (٣). وهذا المعنى المستنبط فيه فائدة عظيمة وهي دفع الناس لبذل ما منّ الله به عليهم من النعم لينتفع الناس بها، وليكون ذلك سبباً في الترابط والتكافل الاجتماعي، وقيام كل واحد من أفراد الأمة بالدور الذي يجيده. القبض ليس شرطاً في صحة الرهن . قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ (٢٨٣)﴾ (البقرة: ٢٨٣).

стр. 276

٩٢ - قال السعدي ﵀: (وفيه أن أكمل حالات الرهن أن يكون مقبوضاً، وليس في الآية دليل على أنه لا يكون رهناً إلا إذا قبض، لأن الله إنما ذكر أعلى الحالات، بل مفهوم قوله: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أنها قد تكون غير مقبوضة، لكنها أقل توثقة من المقبوضة، كما أن الشيء القليل أو الذي في الذمة أقل توثقة من الكثير أو من العين) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية عدم اشتراط قبض الرهن أثناء توثقة الدين بالرهن، ووجه هذا الاستنباط من الآية مفهوم الموافقة في قوله ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ حيث إنها دالة على أن هناك حالات أخرى جائزة لكن هذه الحالة هي الأكمل، ولكنها لا تنفي ما دونها من حالات هي أقل توثقة منها ومن ذلك عدم قبض الرهن. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال العثيمين: (. . . والقول الثالث: أن القبض - أعني قبض الرهن - ليس بشرط لا للصحة، ولا للزوم؛ وإنما ذكر الله القبض في هذه الحال؛ لأن التوثق التام لا يحصل إلا به لكون المتعاقدين في سفر؛ وليس ثمة كاتب، فلا يحصل تمام التوثقة بالرهن إلا بقبضه؛ وهذا القول هو الراجح؛ وعليه فالرهن لازم صحيح بمجرد عقده - وإن لم يقبض؛ لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ [الإسراء: ٣٤]؛ وعلى هذا القول عمل الناس: فترى الرجل يكون راهناً بيته وهو ساكن فيه، أو راهناً سيارته وهو

стр. 277

يستعملها؛ ولا تستقيم حال الناس إلا بذلك) (١)، وممن قال به أيضاً: ابن الفرس، وابن عاشور (٢). المخالفون: خالف بعض المفسرين، فقالوا إن الآية تدل على أن القبض شرط في صحة الرهن لأن مفهوم المخالفة - مفهوم الصفة - في الآية يدل على ذلك، حيث إن تخصيص الرهن بوصف القبض يدل بمفهوم الصفة على انتفاء صحته من غير قبض، قال السيوطي: (وفيه اشتراط القبض فيه - أي في الرهن-) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين: الجصاص وإلكيا الهراسي، وابن العربي، وابن الجوزي، وأبو حيان، والخازن (٤). النتيجة: وما ذهب إليه عامة المفسرين من دلالة الآية على اشتراط قبض الرهن هو الأصح لدلالة مفهوم المخالفة عليه، ولأن عدم اشتراط القبض يسقط فائدة الرهن ويصبح المال المرهون من جملة أموال الراهن ولا يستفيد المرتهن من التوثيق المقصود في الرهن، قال الجصاص: (ويدل على أنه لا يصح إلا مقبوضاً أنه معلوم أنه وثيقة للمرتهن بدينه، ولو صح غير مقبوض لبطل معنى الوثيقة وكان بمنزلة سائر أموال الراهن التي لا وثيقة للمرتهن فيها؛ وإنما جعل وثيقة له ليكون محبوساً في يده بدينه، فيكون عند الموت والإفلاس أحق به من سائر الغرماء، ومتى لم يكن في يده كان لغواً لا معنى فيه وهو وسائر الغرماء فيه سواء). (٥)

стр. 278

الرهن جائز حضراً وسفراً، وإنما خص السفر بالذكر لأن الحاجة إلى الرهن فيه أغلب . قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ (٢٨٣)﴾ (البقرة: ٢٨٣). ٩٣ - قال السعدي ﵀: (ولما كان المقصود بالرهن التوثق جاز حضراً وسفراً، وإنما نص الله على السفر؛ لأنه في مظنة الحاجة إليه لعدم الكاتب فيه) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الرهن جائز في الحضر وفي السفر، ولم يعتبر النص على السفر قيداً، حيث يكون الرهن خاصاً به فقط؛ بل بين حجة إلغاء هذا القيد وهو أن ذكره هنا لأن السفر مظنة فقدان الكاتب غالباً وما خرج مخرج الغالب كان مانعاً من موانع اعتبار مفهوم المخالفة. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط عامة المفسرين، قال الجصاص: (وإنما ذكر حال السفر لأن الأغلب فيها عدم الكتاب والشهود. . . ولاخلاف بين فقهاء الأمصار وعامة السلف في جوازه في الحضر) (٢)، وممن قال به من المفسرين: البغوي، والماوردي، وابن العربي، وابن الجوزي، والرازي، والقرطبي، وأبو حيان، والبيضاوي، وأبو السعود، وابن عرفة، والألوسي. (٣)

стр. 279

المخالفون: خالف في هذا الاستنباط مجاهد، والضحاك، والظاهرية، فتمسكوا بظاهر النص فقالوا الرهن معلق على السفر؛ فتعليقه ذلك دليل على عدم جوازه في الحضر؛ لأن المعلق على شرط عدم عند عدم الشرط (١). النتيجة: ما ذهب إليه السعدي وعامة أهل التفسير من دلالة الآية على جواز الرهن سفراً وحضراً هو الصحيح، وتخريج ذكر السفر هنا هو أنه خرج مخرج الغالب، ومن موانع اعتبار مفهوم المخالفة أن يكون الكلام خرج مخرج الغالب، ومما يؤيده كذلك ما جاء في حديث عائشة ﵂ أن النبي ﷺ اشترى من يهودي طعاماً إلى أجل ورهنه درعاً له من حديد (٢) وهذا واضح الدلالة على الرهن في الحضر، وأن الشرط في الآية لا يراد مفهومه، قال الشنقيطي: (فدل الحديث الصحيح على أن قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه جرى على الأمر الغالب، إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر وإنما يتعذر غالباً في السفر، والجري على الغالب من موانع اعتبار مفهوم المخالفة). (٣)

стр. 280

فعل الخير يكتب للإنسان بأدنى كسب، بينما فعل الشر لا يكتب على الإنسان إلا بالافتعال والتحصيل . قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ (٢٨٦)﴾ (البقرة: ٢٨٦). ٩٤ - قال السعدي ﵀: (وفي الإتيان بـ "كسب " (١) في الخير الدال على أن عمل الخير يحصل للإنسان بأدنى سعي منه بل بمجرد نية القلب وأتى بـ "اكتسب "في عمل الشر للدلالة على أن عمل الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله ويحصل سعيه) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التعبير عن عمل الخير بـ (كسب)، والتعبير عن عمل الشر بـ (اكتسب)، وأن مناسبة ذلك أن الخير يكون بأدنى سعي ولو بالنية فقط، وأما الشر لا يكتب على الإنسان حتى يعمله. وافق السعدي بعض المفسرين على استنباط هذه المناسبة، قال البقاعي: (وذكر الفعل مجرداً في الخير إيماء إلى أنه يكفي في الاعتداد به مجرد وقوعه ولو مع الكسل بل ومجرد نيته،. . .، ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ فشرط في الشر صيغة الافتعال الدالة على الاعتمال إشارة إلى أن من طبع النفس الميل إلى الهوى بكليتها وإلى أن الإثم لا يكتب إلاّ مع التصميم والعزم

стр. 281

القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة وانبساط، فلذلك من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري وابن عطية في أحد قوليه، وابن القيم، والبيضاوي (٢). وذهب بعض المفسرين إلى أن مناسبة مخالفة اللفظين هنا إنما هي حسن تصريف الكلام وإلا فهما بمعنى واحد، قال ابن عطية: (وكرر فعل الكسب، فخالف بين التصريف حسناً لنمط الكلام، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧] هذا وجه) (٣)، وممن قال به أيضاً ابن عاشور (٤). والوجه الأول هو الأولى، لأن فيه بيان كرم الله على عبيده بأن كتب لهم من أفعال الخير أدنى ما يفعلونه منها، ولم يكتب عليهم من أفعال الشر إلا ما حصلوه على وجه المبالغة في البحث عنه واعتماله. وكذلك مما يؤيده أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالاكتساب في مبناه زيادة فدلت على معنى زائد وهو السعي العمل والسعي في التحصيل.

стр. 282

سورة آل عمران إعادة التحذير من نفسه لأجل الجمع بين الترغيب والترهيب . قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ (آل عمران: ٣٠). ٩٥ - قال السعدي ﵀: (ثم أعاد تعالى تحذيرنا نفسه رأفة بنا ورحمة لئلا يطول علينا الأمد فتقسو قلوبنا، وليجمع لنا بين الترغيب الموجب للرجاء والعمل الصالح، والترهيب الموجب للخوف وترك الذنوب، فقال ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ فنسأله أن يمن علينا بالحذر منه على الدوام، حتى لا نفعل ما يسخطه ويغضبه) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تكرار قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ

стр. 283

اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ﴾ مناسبة ذلك رحمته بالخلق، وللجمع كذلك بين الترغيب الموجب للعمل، والترهيب الموجب لترك الذنوب. قال أبو السعود: (﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تكرير لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله : ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ من أن تحذيرَه تعالى من رأفته بهم ورحمتِه الواسعةِ) (١). وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر وهو أن التكرار هنا للتأكيد، قال الشوكاني: (وكرر قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ للتأكيد، وللاستحضار؛ ليكون هذا التهديد العظيم على ذكر منهم) (٢)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: ابن كثير، وأبوحيان، والبيضاوي، والخازن، وجلال الدين المحلي (٣). وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر أيضاً، وهو أن التكرار لاختلاف المناسبة ففي الأولى للتحذير من موالاة الكفار وفي الثانية تحذيراً من أن يجد يوم القيامة سوء عمله محضراً. قال ابن عاشور: (ويجوز أن يكون الأول تحذيراً من موالاة الكافرين، والثاني تحذيراً من أن يجدوا يوم القيامة ما عملوا من سوء محضراً) (٤)، وممن قال به أيضاً العثيمين (٥). قال صديق حسن خان: (والأحسن ماقاله التفتازاني أن ذكره أولاً: للمنع من موالاة الكافرين، وثانياً: للحث على عمل الخير والمنع من عمل الشر) (٦).

стр. 284

مشروعية التسمية وقت الولادة . قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ (آل عمران: ٣٦). ٩٦ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ فيه دلالة على التسمية وقت الولادة (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية التسمية وقت الولادة، ووجه ذلك من الآية أن السياق يدل على أن التسمية كانت بعد الولادة مباشرة. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن كثير: (فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، وابن الفرس، وأبوحيان، والعثيمين (٤).

стр. 285

جواز تسمية الأم للمولود . قال تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: ٣٦). ٩٧ - قال السعدي ﵀: (وفيه دلالة. . . على أن للأم تسمية الولد إذا لم يكره الأب (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز تسمية الأم لولدها إذا لم يكره الأب ذلك، ووجه استنباط ذلك من الآية نسبة تسمية مريم إلى أمها. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الجصاص: (ويدل أيضاً على أن للأم تسمية ولدها وتكون تسمية صحيحة وإن لم يسمه الأب) (٣)، وقال السيوطي: (. . . وأن الأم قد تسمي ولا يختصر ذلك بالأب) (٤). وأشار بعض المفسرين إلى أن تسمية حنة لمريم لأن أباها قد مات، قال الرازي: (أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم، فلذلك تولت الأم تسميتها، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء) (٥)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: محيي
следующие страницы →