← Тафсир

Тафсир · id 14

استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة

سيف بن منصر الحارثي

Полный текст (896 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

القوي الذي إن كان عنه عمل ظاهر كان بجد ونشاط ورغبة وانبساط، فلذلك من همّ بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري وابن عطية في أحد قوليه، وابن القيم، والبيضاوي (٢). وذهب بعض المفسرين إلى أن مناسبة مخالفة اللفظين هنا إنما هي حسن تصريف الكلام وإلا فهما بمعنى واحد، قال ابن عطية: (وكرر فعل الكسب، فخالف بين التصريف حسناً لنمط الكلام، كما قال: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ [الطارق: ١٧] هذا وجه) (٣)، وممن قال به أيضاً ابن عاشور (٤). والوجه الأول هو الأولى، لأن فيه بيان كرم الله على عبيده بأن كتب لهم من أفعال الخير أدنى ما يفعلونه منها، ولم يكتب عليهم من أفعال الشر إلا ما حصلوه على وجه المبالغة في البحث عنه واعتماله. وكذلك مما يؤيده أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، فالاكتساب في مبناه زيادة فدلت على معنى زائد وهو السعي العمل والسعي في التحصيل.

стр. 282

سورة آل عمران إعادة التحذير من نفسه لأجل الجمع بين الترغيب والترهيب . قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ (آل عمران: ٣٠). ٩٥ - قال السعدي ﵀: (ثم أعاد تعالى تحذيرنا نفسه رأفة بنا ورحمة لئلا يطول علينا الأمد فتقسو قلوبنا، وليجمع لنا بين الترغيب الموجب للرجاء والعمل الصالح، والترهيب الموجب للخوف وترك الذنوب، فقال ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ فنسأله أن يمن علينا بالحذر منه على الدوام، حتى لا نفعل ما يسخطه ويغضبه) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تكرار قوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ

стр. 283

اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ﴾ مناسبة ذلك رحمته بالخلق، وللجمع كذلك بين الترغيب الموجب للعمل، والترهيب الموجب لترك الذنوب. قال أبو السعود: (﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ تكرير لما سبق وإعادة له لكن لا للتأكيد فقط بل لإفادة ما يفيده قوله : ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (٣٠)﴾ من أن تحذيرَه تعالى من رأفته بهم ورحمتِه الواسعةِ) (١). وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر وهو أن التكرار هنا للتأكيد، قال الشوكاني: (وكرر قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ للتأكيد، وللاستحضار؛ ليكون هذا التهديد العظيم على ذكر منهم) (٢)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: ابن كثير، وأبوحيان، والبيضاوي، والخازن، وجلال الدين المحلي (٣). وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر أيضاً، وهو أن التكرار لاختلاف المناسبة ففي الأولى للتحذير من موالاة الكفار وفي الثانية تحذيراً من أن يجد يوم القيامة سوء عمله محضراً. قال ابن عاشور: (ويجوز أن يكون الأول تحذيراً من موالاة الكافرين، والثاني تحذيراً من أن يجدوا يوم القيامة ما عملوا من سوء محضراً) (٤)، وممن قال به أيضاً العثيمين (٥). قال صديق حسن خان: (والأحسن ماقاله التفتازاني أن ذكره أولاً: للمنع من موالاة الكافرين، وثانياً: للحث على عمل الخير والمنع من عمل الشر) (٦).

стр. 284

مشروعية التسمية وقت الولادة . قال تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦)﴾ (آل عمران: ٣٦). ٩٦ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ فيه دلالة على التسمية وقت الولادة (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية التسمية وقت الولادة، ووجه ذلك من الآية أن السياق يدل على أن التسمية كانت بعد الولادة مباشرة. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن كثير: (فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، وابن الفرس، وأبوحيان، والعثيمين (٤).

стр. 285

جواز تسمية الأم للمولود . قال تعالى: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ (آل عمران: ٣٦). ٩٧ - قال السعدي ﵀: (وفيه دلالة. . . على أن للأم تسمية الولد إذا لم يكره الأب (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز تسمية الأم لولدها إذا لم يكره الأب ذلك، ووجه استنباط ذلك من الآية نسبة تسمية مريم إلى أمها. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الجصاص: (ويدل أيضاً على أن للأم تسمية ولدها وتكون تسمية صحيحة وإن لم يسمه الأب) (٣)، وقال السيوطي: (. . . وأن الأم قد تسمي ولا يختصر ذلك بالأب) (٤). وأشار بعض المفسرين إلى أن تسمية حنة لمريم لأن أباها قد مات، قال الرازي: (أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم، فلذلك تولت الأم تسميتها، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء) (٥)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: محيي

стр. 286

الدين شيخ زاده، وحقي، والألوسي. (١) للأولياء كرامات خارقة للعادة . قال تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾ (آل عمران: ٣٧). ٩٨ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دليل على إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة كما قد تواترت الأخبار بذلك، خلافاً لمن نفى ذلك (٢)، فلما رأى زكريا ﵇ ما منّ الله به على مريم، وما أكرمها به من رزقه الهنيء الذي أتاها بغير سعي منها ولا كسب، طمعت نفسه بالولد) ا. هـ (٣)

стр. 287

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية وهي إثبات كرامات الأولياء الخارقة للعادة، ووجه ذلك ما كان يأتي مريم من الرزق، فلما ثبت ذلك لمريم فلا يمنع وقوعه لغيرها من الأولياء. الموافقون: وقد وافق جمع من المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال ابن كثير: (وفيه دلالة على كرامات الأولياء)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: الطوفي، والرازي، وأبو حيان، والبيضاوي، وأبو السعود، وحقي، والألوسي، والقاسمي (١). المخالفون: وخالف في هذا الاستنباط المعتزلة، فقال بعضهم عن الآية بأن ذلك كان إرهاصاً وتأسيساً لنبوة عيسى ﵊، وأجاب آخرون بأنه كان معجزة لزكريا ﵊. (٢) النتيجة: والحق في هذا ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في دلالة الآية على وقوع الكرامات للأولياء، وأما جعلُه معجزةً لزكريا ﵊ فيأباه اشتباهُ الأمر عليه، عليه الصلاة السلام (٣)، كذلك لو كان ذلك معجزاً لزكريا ﵇ كان مأذوناً له من عند الله تعالى في طلب ذلك، ومتى كان مأذوناً في ذلك الطلب كان عالماً قطعاً بأن يحصل، وإذا علم

стр. 288

ذلك امتنع أن يطلب منها كيفية الحال، ولم يبق أيضاً لقوله ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ فائدة (١)، وأما كون ذلك لأجل نبوة عيسى، فهو كان لم يخلق بعد (٢). أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل . قال تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآَيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠)﴾ (آل عمران: ٥٠). ٩٩ - قال السعدي ﵀: (ثم أخبر عيسى ﵇ أن شريعة الإنجيل شريعة فيها سهولة ويسرة فقال ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فدل ذلك على أن أكثر أحكام التوراة لم ينسخها الإنجيل بل كان متمماً لها ومقرراً (٣)) ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن أكثر الأحكام في التوراة لم ينسخها الإنجيل، بل كان متمماً لها ومقرراً، ووجه ذلك من الآية أن الله سبحانة وتعالى ذكر في الآية البعض مما يدل على أن الأكثر سالم من النسخ.

стр. 289

وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال ابن كثير: (فيه دلالة على أن عيسى، ﵇، نسَخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: البيضاوي، وأبوالسعود، والألوسي (٢). ما يحصل للمؤمن من أجر على العمل الصالح إنما هو توفية لما حصل له من الأجر في الدنيا . قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧)﴾ (آل عمران: ٥٧). ١٠٠ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ دل ذلك على أنه يحصل لهم في الدنيا ثواب لأعمالهم من الإكرام والإعزاز والنصر والحياة الطيبة (٣)، وإنما توفية الأجور يوم القيامة، يجدون ما قدموه من الخيرات محضراً موفراً، فيعطي منهم كل عامل أجر عمله ويزيدهم من فضله وكرمه) ا. هـ (٤)

стр. 290

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن المؤمنين يحصل لهم ثواب في الدنيا قبل الأخرى، ففي الدنيا يكون العز والنصر والإكرام جزاء على أعمالهم الصالحة، وفي الآخرة يوفي الله ذلك الأجر بما أعده لهم في الآخرة من النعيم، ووجه ذلك من الآية دلالة التوفية على أن بعض الجزاء قد قدم وإنما في الآخرة يأخذ المؤمن توفيته. قال ابن كثير - موافقاً السعدي على هذا الاستنباط -: (﴿وَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ أي: في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات) (١). ما قامت الأدلة على أنه حق جزم به العبد ولا يلزم العبد حل الشبه الواردة عليه بل يكفيه الجزم بأن كل ما خالف الحق فهو باطل . قال تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ (آل عمران: ٦٠). ١٠١ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ أي: الشاكين في شيء مما أخبرك به ربك، وفي هذه الآية وما بعدها دليل على قاعدة شريفة وهو أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد من مسائل العقائد وغيرها، فإنه يجب أن يجزم بأن كل ما عارضه فهو باطل، وكل شبهة تورد عليه فهي فاسدة، سواء قدر العبد على حلها أم لا فلا يوجب له عجزه عن حلها القدح فيما علمه، لأن ما خالف الحق فهو باطل، قال تعالى ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس:

стр. 291

٣٢]، وبهذه القاعدة الشرعية تنحل عن الإنسان إشكالات كثيرة يوردها المتكلمون ويرتبها المنطقيون، إن حلها الإنسان فهو تبرع منه، وإلا فوظيفته أن يبين الحق بأدلته ويدعو إليه) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة عقدية، وهي أن ما قامت الأدلة على أنه حق وجزم به العبد؛ فإنه يجزم بأن ما عارض هذا الحق فهو باطل، وعليه فلا يلزمه تفنيد هذا المعارض والرد عليه، ووجه الاستنباط من الآية أن الله أمر نبيه بالتزام الحق وعدم الالتفات إلى إيرادات النصارى الزاعمين بعيسى ما ليس بحق، فأخذ من عموم هذا المعنى هذه القاعدة. وهذه القاعدة مفيدة جداً لمن لا يعرف الرد على الشبه، خصوصاً في هذا الوقت الذي كثر فيه إيراد الشبه على مسائل كثيرة من الدين فكون عامة الناس يعرفون الحق يكفيهم في الرد على الباطل. ولم أجد من المفسرين من نبه على هذه القاعدة في هذا الموطن. والله أعلم. علم التاريخ طريق لرد الأقوال الباطلة . قال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ (آل عمران: ٦٥). ١٠٢ - قال السعدي ﵀: (. . . وفيها أيضاً حث على علم

стр. 292

التاريخ، وأنه طريق لرد كثير من الأقوال الباطلة والدعاوى التي تخالف ما عُلم من التاريخ) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية الحث على علم التاريخ، وأنه سبب لكشف الأقوال الباطلة، ووجه ذلك أن اليهود والنصارى جادلوا في إبراهيم، وادعت كل طائفة أنه كان على دينها، فقيل لهم: أديانكم وكتبكم - التوراة والإنجيل - إنما ظهرت بعد إبراهيم بدهر طويل فكيف يكون عليها مع أنه كان قبلها (٢)، فبمعرفة تاريخ التوراة والإنجيل ظهر افتراء هاتين الطائفتين، ومن عموم هذا المعنى استنبط السعدي أهمية علم التاريخ في كشف بعض الحقائق. وقد أشار الطوفي إلى هذا المعنى فقال- بعد إيراده لهذه الآية -: (هذا أصل في استدلال أصحاب الحديث على كذب الكذابين فيه بالتاريخ بأن يروي أحدهم عمن قبل ولادته، أو يؤرخ سماعه منه بوقت قد مات قبله) (٣). طلب الهدى من غير الكتاب والسنة ضلال . قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ (٧٣)﴾ (آل عمران: ٧٣). ١٠٣ - قال السعدي ﵀: (قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾

стр. 293

ونحوها من الآيات، تدل على أن من طلب الهدى والرشد من غير الكتاب والسنة ضل، لأن الهدى محصور في هدى الله الذي أرسل به رسوله ﷺ ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن طلب الهدى من غير الكتاب والسنة ضلال، ووجه ذلك من الآية أن الله قّيد الهدى بهدى الله فدل مفهوم القيد على أن طلب الهدى من غير الله ضلال. وقد أشار ابن عاشور إلى هذا المعنى فقال: (وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ كلام معترض، أمر النبي ﵊ أن يقوله لهم، كنايةً عن استبعاد حصول اهتدائهم، وأنّ الله لم يهدهم، لأنّ هدى غيره أي محاولته هدى الناس لا يحصل منه المطلوب، إذا لم يقدّره الله، فالقصر حقيقي: لأنّ ما لم يقدّره الله فهو صورة الهدى وليس بهُدى) (٢)، وممن أشار إليه كذلك من المفسرين: العثيمين (٣). وفي هذا المعنى المستنبط فائدة عظمى وهي تعظيم شرع الله وأن الهداية المنشودة إنما هي فيه حصراً ففيه قطع الطريق على مستحسني الأنظمة والتعاليم غير الإسلامية.

стр. 294

يؤجر المنفق على إنفاقه قليلاً كان أم كثيراً محبوباً للنفس أم لا . قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ شَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ (آل عمران: ٩٢). ١٠٤ - قال السعدي ﵀: (ودلت الآية أن العبد بحسب إنفاقه للمحبوبات يكون بره، وأنه ينقص من بره بحسب ما نقص من ذلك، ولما كان الإنفاق على أي: وجه كان مثاباً عليه العبد، سواء كان قليلاً أو كثيراً، محبوباً للنفس أم لا وكان قوله ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ شَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيد غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ فلا يضيق عليكم، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ختم الآية بقوله تعالى: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾، وهي أن أول الآية يوهم بأن الإنفاق الذي يؤجر عليه الإنسان إنما هو الإنفاق مما يحب، بينما الإنسان يؤجر على عموم الإنفاق قليلاً كان أم كثيراً فناسب ذكر هذه الآية التي تؤيد هذا المعنى من عمومها. قال ابن عاشور: (وقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)﴾ تَذْييل قُصد به تعميم أنواع الإنفاق) (٢). وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لهذه المناسبة وهو أن مناسبة الآية الترغيب في الإنفاق من المحبوب والترهيب من إنفاق الردئ، قال أبو

стр. 295

السعود: (وفيه من الترغيب في إنفاق الجيدِ والتحذيرِ عن إنفاق الرديء ما لا يخفى) (١). وما ذهب إليه السعدي هو الأقرب في المناسبة؛ لأن الأجر على الإنفاق ليس مختصاً بإنفاق المحبوب فقط بل يؤجر الإنسان على عموم إنفاقه لكن أجره على إنفاق المحبوب أعظم، كما أن في تأييد هذه المناسبة توسيع دائرة الإنفاق وتشجيع الناس عليه، بينما لوحصر الأجر على إنفاق المحبوب أصبح أهل الإنفاق قلة. والله أعلم. بطلان قول اليهود بأن النسخ غير جائز . قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ [آل عمران: ٩٣]. ١٠٥ - قال السعدي ﵀: (وهذا رد على اليهود بزعمهم الباطل أن النسخ (٢) غير جائز (٣)، فكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، لأنهما قد أتيا بما يخالف بعض أحكام التوراة بالتحليل والتحريم فمن تمام الإنصاف في المجادلة إلزامهم بما في كتابهم التوراة من أن

стр. 296

جميع أنواع الأطعمة محللة لبني إسرائيل ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ﴾ (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية الرد على اليهود في إبطالهم النسخ، ووجه ذلك من الآية أن الله أخبر أن الطعام كله كان حلالاً لبني إسرائيل، قبل نزول التوراة، سوى ما حرم إسرائيل على نفسه منه، ومعلوم أن بني إسرائيل كانوا على شريعة إسرائيل وملته، وأن الذي كان لهم حلالاً إنما هو بإحلال الله تعالى له على لسان إسرائيل والأنبياء بعده إلى حين نزول التوراة، ثم جاءت التوراة بتحريم كثير من المآكل عليهم، التي كانت حلالاً لبني إسرائيل، وهذا محض النسخ. (٣) وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال أبوحيان: (وفي الآية دليل على جواز النسخ في الشرائع، وهم ينكرون ذلك_أي اليهود-) (٤)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الجصاص، وإلكيا الهراسي، والرازي، وابن كثير، والبيضاوي، وأبوالسعود، والنسفي، والألوسي. (٥).

стр. 297

الأعمال تدخل في مسمى الإيمان . قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) الآيات﴾ (آل عمران: ١٣٣ - ١٣٥). ١٠٦ - قال السعدي ﵀: (وهذه الآيات الكريمات من أدلة أهل السنة والجماعة، على أن الأعمال تدخل في الإيمان، خلافا للمرجئة (١)، ووجه الدلالة إنما يتم بذكر الآية، التي في سورة الحديد، نظير هذه الآيات، وهي قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آَمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ﴾ (الحديد: ٢١) فلم يذكر فيها إلا لفظ الإيمان به وبرسله، وهنا قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ ثم وصف المتقين بهذه الأعمال المالية والبدنية، فدل على أن هؤلاء المتقين الموصوفين بهذه الصفات هم أولئك المؤمنون) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية وهي دخول الإعمال في مسمى الإيمان، ووجه دلالة الآية على ذلك أن الله ذكر الجنة جزاء

стр. 298

لأصحاب هذه الأعمال المالية منها والبدنية، ثم ذكر في سورة الحديد أنها جزاء للمؤمنين بالله ورسله، وهذا فيه دلالة على أن هؤلاء المؤمنين هم العاملون بهذه الأعمال لأن الجزاء واحد، فدل ذلك على أن الأعمال تدخل في مسمى الإيمان. لا يكره تمني الشهادة . قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ (آل عمران: ١٤٣). ١٠٧ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أنه لا يكره تمني الشهادة، ووجه الدلالة أن الله تعالى أقرهم على أمنيتهم، ولم ينكر عليهم، وإنما أنكر عليهم عدم العمل بمقتضاها) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية عدم كراهية تمني الشهادة في سبيل الله، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله عاتب الذين تمنوا الشهادة على عدم ثباتهم، ولم يعاتبهم على تمني الشهادة، فدل ذلك على جواز تمني الشهادة. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الألوسي: (فالمراد بالموت هنا الموت في سبيل الله تعالى وهي الشهادة ولا بأس بتمنيها ولا يرد أن في تمني ذلك تمني غلبة الكفار لأن قصد المتمني

стр. 299

الوصول إلى نيل كرامة الشهداء لا غير) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: أبوحيان، وأبوالسعود، وحقي، وابن عاشور، والعثيمين (٢). المخالفون: خالف في هذا الاستنباط البيضاوي، حيث يرى أن التوبيخ في الآية إنما هو على تمني الشهادة؛ لأن في تمنيها تمني غلبة الكفار، فقال مقرراً ذلك: (وهو توبيخ لهم على أنهم تمنوا الحرب وتسببوا لها ثم جبنوا وانهزموا عنها، أو على تمني الشهادة فإن في تمنيها تمني غلبة الكفار) (٣). النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح الذي تدل عليه الآية، قال العثيمين: (لكن يؤخذ منه أنه يجوز أن يتمنى الإنسان الشهادة، بل لو قيل بمشروعية هذا لم يكن بعيداً) (٤)، وأما القول بأن في ذلك تمني غلبة الكفار ففيه بعد لأن غلبة الكفار ليست مقصودة في هذا التمني، قال أبوحيان: (ومتمني الموت في الجهاد ليس متمنياً لغلبة الكافر المسلم، إنما يجيء ذلك في الضمن لا أنه مقصود، إنما مقصده نيل رتبة الشهادة لما فيه من الكرامة عند الله) (٥). ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ : (. . . والذي نفس محمد بيده لوددت أني أغزو

стр. 300

في سبيل الله، فأقتل، ثم أغزو، فأقتل، ثم أغزو، فأقتل) (١)، قال النووي: (وفيه: تمني الشهادة والخير) (٢)، كما أن ظاهر ترجمة البخاري تدل على أن هذا اختياره حيث قال: باب تمني الشهادة (٣). لا يُترك الحق بسبب فقد رئيس ولو عَظُم . قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (١٤٤)﴾ (آل عمران: ١٤٤). ١٠٨ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية الكريمة إرشاد من الله تعالى لعباده أن يكونوا بحالة لا يزعزعهم عن إيمانهم أو عن بعض لوازمه، فقدُ رئيس ولو عظم، وما ذاك إلا بالاستعداد في كل أمر من أمور الدين بعدة أناس من أهل الكفاءة فيه، إذا فقد أحدهم قام به غيره، وأن يكون عموم المؤمنين قصدهم إقامة دين الله، والجهاد عنه، بحسب الإمكان، لا يكون لهم قصد في رئيس دون رئيس، فبهذه الحال يستتب لهم أمرهم، وتستقيم أمورهم) ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن فقد الرئيس ينبغي أن لا يكون

стр. 301

له أثر على الأتباع حتى ولو كان هذا الرئيس عظيماً، بل ينبغي أن تتعلق النفوس بنصرة الحق والجهاد عنه ولا يكون لهم قصد في أشخاص الناس، وهذه المعنى أخذه بالقياس فإذا كان فقد النبي ﷺ ينبغي أن لا يكون له أثر على العبد بالنكوص والردة فمن باب أولى غيره من الرؤساء لا يكون لفقدهم أثر في إتباع الحق والثبات عليه. قال الهرري موافقاً السعدي على هذا الاستنباط: (وفي هذه الآية هداية وإرشاد إلى أنه لا ينبغي أن يكون استمرار الحرب أو عدم استمرارها، ذا صلة بوجود القائد، بحيث إذا قتل انهزم الجيش، أو استسلم للأعداء بل يجب أن تكون المصالح العامة جارية على نظام ثابت، لا يزلزله فقد الرؤساء،. . . ومن توابع هذا النظام أن تعد الأمة لكل أمر عدته، فتوجد لكل عمل رجالاً كثيرين حتى إذا فقدت معلماً أو مرشداً أو قائداً أو حكيماً أو رئيساً أو زعيماً وجدت الكثير ممن يقوم مقامه ويؤدي لها من الخدمة ما كان يؤديه. . .) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الدوسري (٢). كما أن في هذا الاستنباط إرشاد إلى أمر يقي من الوقوع في الهزيمة بفقدان الرئيس وهو الاستعداد لهذا الأمر بالكفاءات؛ ولهذا لما توفي النبي ﷺ لم تزدد الأمة إلا قوة إلى قوتها، واتسعت رقعتها، وكثرت فتوحاتها؛ لأن الذي تولى بعد النبي ﷺ كانوا أكفاء.

стр. 302

مناسبة ذكر التوفية هنا بلفظ العموم، للاحتراز من أن غير الغال لا يُوفَّى . قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (١٦١)﴾ (آل عمران: ١٦١). ١٠٩ - قال السعدي ﵀: (وتأمل حسن هذا الاحتراز في هذه الآية الكريمة، لما ذكر عقوبة الغال، وأنه يأتي يوم القيامة بما غله، ولما أراد أن يذكر توفيته وجزاءه، وكان الاقتصار على الغال يوهم -بالمفهوم- أن غيره من أنواع العاملين قد لا يوفون -أتى بلفظ عام جامع له ولغيره) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تعميم التوفية، وبين أن مناسبة ذلك هو دفع توهم اقتصار التوفية على الغال، فأتى بلفظ جامع لبيان أن العاملين جميعهم يوفون أعمالهم. وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لهذه المناسبة وهو أن العموم الدال على أن الجزاء لكل عامل ولكل عمل ولو كان صغيراً، فدلالته على الغلول من باب أولى وهذا فيه بيان جرم الغال والمبالغة في بيان شأنه، قال الألوسي: (وفي تعليق التوفية بكل مكسوب مع أن المقصود بيان حال الغال عند إتيانه بما غل يوم القيامة من الدلالة على فخامة شأن اليوم والمبالغة في بيان فظاعة حال الغال ما لا يخفى فإنه إذا كان كل كاسب مجزياً بعمله لا ينقص منه شيء وإن كان جرمه في غاية القلة والحقارة، فالغال مع عظم جرمه بذلك أولى وهذا سبب العدول عما يقتضيه الظاهر من نحو ثم يوفى ما كسب لأنه اللائق بما قبله) (٢)، وممن قال بذلك من

стр. 303

المفسرين أيضاً: الرازي، وأبوحيان، والبيضاوي، وأبوالسعود، وحقي (١). وليس هناك ما يمنع من اجتماع المناسبتين، فدفع التوهم، والمبالغة في إثبات عقوبته كل ذلك محتمل في مناسبة الإتيان بهذا اللفظ. والله أعلم. ارتكاب أخف المفسدتين، وفعل أدنى المصلحتين للعجز عن أعلاهما . قال تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ (آل عمران: ١٦٧). ١١٠ - قال السعدي ﵀: (ويستدل بهذه الآية على قاعدة "ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين، للعجز عن أعلاهما"؛ لأن المنافقين أُمروا أن يقاتلوا للدين، فإن لم يفعلوا فللمدافعة عن العيال والأوطان) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية دليلاً على قاعدة فقهية وهي: ارتكاب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما، وفعل أدنى المصلحتين للعجز عن أعلاهما، ووجه ذلك من الآية أن الله أمر المنافقين بالقتال مع المؤمنين

стр. 304

وهو بالنسبة للمنافقين مفسدة، ولكنه يدور بين القتال لأجل الدين وهو مفسدة كبرى عند المنافقين، وبين القتال للمدافعة عن محارمهم وبلدهم وهو مفسدة أقل من الأولى، فلما لم يستجيبوا للقتال عن الدين دعوا للقتال عن المحارم والبلد وهي أدنى المفسدتين بالنسبة لهم. كما أن فعل المنافقين فيه دلالة على الشق الآخر من القاعدة وهو فعل أدنى المصلحتين عند العجز عن فعل أعلاهما، ووجه ذلك أن القتال من أجل الدين مصلحة عليا، ولكن لعجز المنافقين عن ذلك لما في قلوبهم من بغض للدين، كانت المصلحة الأدنى في حقهم القتال عن محارمهم وبلدانهم. أرواح أهل الخير تتلاقى، ويزور بعضهم بعضاً . قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَيْرٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٧٠)﴾ (آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠). ١١١ - قال السعدي ﵀: (وفيه تلاقي أرواح أهل الخير (١)، وزيارة بعضهم بعضاً، وتبشير بعضهم بعضاً) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مسألة متعلقة بأحوال أهل الخير في

стр. 305

البرزخ وأن أرواحهم تتلاقى، ويزور بعضهم بعضاً، ووجه ذلك من الآية بدلالة التضمن، حيث أن الاستبشار بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم يتضمن الزيارة واللقاء. يقول ابن القيم موافقاً السعدي على هذا الاستنباط: (وقد أخبرنا الله عن الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يرزقون وأنهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم وإنهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل وهذا يدل على تلاقيهم من ثلاثة أوجه: أحدها: أنهم عند ربهم يرزقون وإذا كانوا أحياء فهم يتلاقون، الثاني: أنهم إنما استبشروا بإخوانهم لقدومهم ولقائهم لهم، الثالث: أن لفظ يستبشرون يفيد في اللغة أنهم يبشر بعضهم بعضاً مثل يتباشرون). (١) من أحب المدح والثناء على ما فعله من الخير ولم يكن قصده الرياء والسمعة فليس بمذموم . قال تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨٨)﴾ (آل عمران: ١٨٨). ١١٢ - قال السعدي ﵀: (ودلت الآية بمفهومها على أن من أحب أن يحمد ويثنى عليه بما فعله من الخير وإتباع الحق، إذا لم يكن قصده بذلك الرياء والسمعة، أنه غير مذموم، بل هذا من الأمور المطلوبة، التي أخبر الله أنه يجزي بها المحسنين له الأعمال والأقوال، وأنه جازى بها خواص خلقه، وسألوها منه، كما قال إبراهيم ﵇:

стр. 306

﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآَخِرِينَ (٨٤)﴾ [الشعراء: ٨٤]، وقال: ﴿سَلَامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ (٧٩) إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (٨٠)﴾ [الصافات: ٧٩، ٨٠] وقد قال عباد الرحمن: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ [الفرقان: ٧٤]، وهي من نعم الباري على عبده، ومننه التي تحتاج إلى الشكر) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن حب الحمد والثناء على الفعل إذا لم يكن قصده الرياء والسمعة فإنه غير مذموم، ووجه ذلك من الآية بمفهوم المخالفة، حيث إن الذم الذي ورد في الآية إنما هو لمن أحب الحمد والثناء على ما لم يفعل، فدل مفهوم المخالفة أن من أحب الحمد والثناء على فعله الخير وتمسكه بالحق وهو لا يقصد الرياء ولا السمعة فإنه غير مذموم على ذلك. قال محمد رشيد رضا- موافقاً السعدي على هذا الاستنباط-: (لولا أن حب المحمدة بالحق على العمل النافع من غرائز الفطرة التي يستعان بها على التربية العالية لما قيد الله الوعيد على حب الحمد بقوله: ﴿بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ هذا القيد يدل على أن حب الثناء على العمل النافع غير مذموم ولا متوعد عليه وهذا هو الذي يليق بدين الفطرة. .) (٢)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: العثيمين (٣).

стр. 307

سورة النساء مشروعية الولاية على اليتيم . قال تعالى: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ (٢)﴾ (النساء: ٢). ١١٣ - قال السعدي ﵀: (وفيه الولاية (١) على اليتيم، لأن مِنْ لازم إيتاء اليتيم ماله، ثبوت ولاية المؤتي على ماله) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية ثبوت الولاية على اليتيم، ويؤخذ هذا الاستنباط من الآية بدلالة الالتزام، حيث إن إيتاء اليتيم ماله يلزم منه أن الذي يؤتي هذا المال له ولاية عليه حيث نسب إيتاء المال إليه.

стр. 308

يجب على ولي اليتيم القيام بما يحفظ مال اليتيم . قال تعالى: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ (٢)﴾ (النساء: ٢). ١١٤ - قال السعدي ﵀: (وفيه الأمر بإصلاح مال اليتيم، لأن تمام إيتائه ماله حفظه والقيام به بما يصلحه وينميه وعدم تعريضه للمخاوف والأخطار) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن ولي اليتيم يجب عليه المحافظة على مال اليتيم، ووجه استنباط ذلك من الآية بدلالة اللزوم-الإشارة- حيث إن الأمر بالإيتاء يلزم منه القيام بالإصلاح لأنه لا يمكن أن يتم بدونه. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الدوسري: (فإن قوله سبحانه: ﴿وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ هو من باب (إشارة النص) على ما قرره الأصوليون، وهو أن يساق الكلام لمعنى ويراد به معنى آخر، فالأمر من الله للأوصياء والأولياء للأيتام بإعطائهم أموالهم هو مناشدة لوجدانهم بالاحتفاظ بأموالهم حتى يؤدوها إليهم دون طمع بها أو مماطلة بدفعها، وأن يحسنوا المعاملة في أموالهم. . .) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الزمخشري، وابن عرفة، والألوسي، وابن عاشور، والقاسمي (٣). وأما ما يتعلق بالتنمية فأخذها من هذه الآية فيه نظر، إذ المحافظة

стр. 309

على المال لا يدخل فيها تنميته، فالمحافظة على رأس المال شيء وتنميته شيء آخر، ولكن التنمية تؤخذ من قوله تعالى: (وارزقوهم فيها)، قال الزمخشري: (واجعلوها مكاناً لرزقهم، بأن تتجروا فيها وتتربحوا) (١)، وهذا ظاهر في التنمية. لا يجوز نكاح المرأة الخبيثة . قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ (٣)﴾ (النساء: ٣). ١١٥ - قال السعدي ﵀: (وفي قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ (٢) دليل على أن نكاح الخبيثة غير مأمور به، بل منهي عنه كالمشركة، وكالفاجرة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ شَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] وقال: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ [النور: ٣]) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن نكاح المرأة الخبيثة منهي عنه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر بنكاح ذوات الصفات الطيبة من النساء (٤)، فدل مفهوم المخالفة - مفهوم الصفة- أن غير الطيبة منهي عن نكاحها، بناء على أن معنى ما طاب أي الطيبة من

стр. 310

النساء. ومما يؤيد ما ذهب إليه السعدي أن ما هنا تدل على أن المراد الصفة، أي النوع الطيب من النساء (١)، قال ابن عاشور: (﴿مَا طَابَ﴾ النساء فكان الشأن أن يؤتى ب (مَن) الموصولة لكن جيء ب (ما) الغالبة في غير العقلاء، لأنّها نُحِي بها مَنْحى الصفة وهو الطيّب بِلا تعيين ذات) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: الدوسري، واللاحم (٣). إضافة الأموال إلى الأولياء إشارة للأولياء إلى حفظ أموال السفهاء كما يحفظوا أموالهم . قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ (٥)﴾ (النساء: ٥). ١١٦ - قال السعدي ﵀: (وفي إضافته تعالى الأموال إلى الأولياء، إشارة إلى أنه يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء ما يفعلونه في أموالهم، من الحفظ والتصرف وعدم التعريض للأخطار) ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الأولياء يجب عليهم أن يعملوا في أموال السفهاء ما يفعلونه في أموالهم، من الحفظ وعدم التعريض للأخطار، ووجه استنباط ذلك من الآية إضافة الأموال إليهم مع أن

стр. 311

الأموال هي أموال السفهاء، فمن هذه الإضافة يفهم ذلك. قال الدوسري: (وإيتاء الله بكاف الخطاب يشعر بحفظ الأموال عن عموم السفهاء كما أوضحناه، ويشعر أيضاً بالاعتناء بأموال اليتامى والمحافظة عليها. . .) (١)، وقال الألوسي: (وإنما أضيفت إلى ضمير الأولياء المخاطبين تنزيلاً لاختصاصها بأصحابها منزلة اختصاصها بهم فكأن أموالهم عين أموالهم لما بينهم وبينهم من الاتحاد الجنسي والنسبي مبالغة في حملهم على المحافظة عليها) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: أبوالسعود، وحقي، والقاسمي. (٣) وذكر ابن عاشور وجهاً آخر لهذا الاستنباط ولكنه أعم من الأول فقال: (والمراد بالأموال أموال المحاجير المملوكة لهم، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا﴾ [النساء: ٥] وأضيفت الأموال إلى ضمير المخاطبين بـ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ إشارة بديعة إلى أنّ المال الرائج بين الناس هو حقّ لمالكية المختصّين به في ظاهر الأمر، ولكنّه عند التأمّل تلوح فيه حقوق الأمة جمعاء لأنّ في حصوله منفعة للأمّة كلّها، لأنّ ما في أيدي بعض أفرادها من الثروة يعود إلى الجميع بالصالحة، فمن تلك الأموال يُنفق أربابها ويستأجرون ويشترون ويتصدّقون ثم تورث عنهم إذا ماتوا فينتقل المال بذلك من يد إلى غيرها فينتفع العاجز والعامل والتاجر والفقير وذو الكفاف، ومتى قلَّت الأموال من أيدي الناس تقاربوا في الحاجة والخصاصة، فأصبحوا في ضنك وبؤس، واحتاجوا إلى قبيلة أو أمّة أخرى وذلك من أسباب ابتزاز عزّهم، وامتلاك بلادهم، وتصيير منافعهم لخدمة غيرهم، فلأجل هاته الحكمة أضاف الله تعالى الأموال إلى جميع المخاطبين ليكون لهم الحقّ في إقامة الأحكام التي تحفظ الأموال والثروة

стр. 312

العامة، وهذه إشارة لا أحسب أنّ حكيماً من حكماء الاقتصاد سبق القرآن إلى بيانها). (١) الإرث مقدر شرعاً، وللوارث نصيبه منه سواء كان الموروث قليلاً أم كثيراً . قال تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ (النساء: ٧). ١١٧ - قال السعدي ﵀: (فكأنه قيل: هل ذلك النصيب راجع إلى العرف والعادة، وأن يرضخوا لهم ما يشاءون؟ أو شيئاً مقدراً؟ فقال تعالى: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ (٢): أي: قد قدره العليم الحكيم. وسيأتي -إن شاء الله- تقدير ذلك. وأيضاً فهاهنا توهم آخر، لعل أحداً يتوهم أن النساء والولدان ليس لهم نصيب إلا من المال الكثير، فأزال ذلك بقوله: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ﴾ فتبارك الله أحسن الحاكمين) ا. هـ (٣)

стр. 313

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ذكر النصيب بأنه مفروض، حيث قال إن مناسبة ذلك هو بيان أن تحديد مقدار هذا النصيب هو الشرع لا العرف ولا العادة، كما بين مناسبة التعبير بالأقل والأكثر من الإرث وهي أن الوارث يرث من المال قليلاً كان أم كثيراً فلا يتوهم أحد أن النساء والولدان يرثون من المال الكثير فحسب. قال أبوالسعود: (وتحقيقُ أن لكلَ من الفريقين حقاً من كل ما جلّ ودقّ) (١)، وقال ابن عاشور: (ومعنى كونه مفروضاً أنّه معيّن المقدار لكلّ صنف من الرجال والنساء، وهذا أوضح دليل على أنّ المقصود بهذه الآية تشريع المواريث) (٢). وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر، وهو أن مناسبة ذلك دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة، قال الألوسي: (وفائدته دفع توهم اختصاص بعض الأموال ببعض الورثة كالخيل وآلات الحرب للرجال) (٣). وهذا المعنى المستنبط مما يدل على عظم هذه الشريعة وعدلها، فهي تحفظ حقوق الضعفاء الذين قد تذهب حقوقهم ويسيطر عليها الأقوياء، كما أن فيه بيان اهتمام الإسلام بحقوق المرأة وحمايتها من الظلم، فإذا كانت الجاهلية قد تخصص بعض الأموال ببعض الورثة، وبعض الجاهليات قد تحرم المرأة من الحق الكامل في المال الكثير فتعطي المرأة اليسير من حقها وتستولي على الباقي، فإن الإسلام كفل للمرأة حقها كاملاً في أي نوع من الإرث وسواء قل أم كثر.، ففي هذه الآية تقويض ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم توريث النساء، كما أن فيها بيان علة الإرث وهو القرابة وهذا متحقق في الكبير والصغير، والذكر والأنثى، مما شأنه القضاء على

стр. 314

أي سبب قد يكون سبباً في حرمان أحد من الضعفاء من الإرث. وفي هذه الآية كذلك توطئة لاستقبال الأحكام التفصيلية في الإرث التي أتت بعدها، وفيها اعتراف بالذمة المالية للمرأة؛ إذ توريثها يستلزم ذلك. كل من له تطلع وتشوف إذا حضر بين يدي الإنسان ينبغي له أن يعطيه ما تيسر . قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ (النساء: ٨). ١١٨ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى﴾ (١) يؤخذ من المعنى أن كل من له تطلع وتشوف إلى

стр. 315

ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر، كما كان النبي ﷺ يقول: "إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين" (١) أو كما قال وكان الصحابة ﵃ -إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله ﷺ فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علما منه بشدة تشوفه لذلك، وهذا كله مع إمكان الإعطاء، فإن لم يمكن ذلك -لكونه حق سفهاء، أو ثَم أهم من ذلك- فليقولوا لهم ﴿قَوْلًا مَعْرُوفًا (٨)﴾ يردوهم ردًّا جميلا بقول حسن غير فاحش ولا قبيح) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من حضر بين يدي شخص، وله تطلع وتشوف للعطاء أن يعطيه ما تيسر، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله حث أصحاب القسمة على إعطاء من حضر القسمة، لأن حضوره هنا تطلعاً وتشوفاً للعطاء، فقاس على ذلك الحالات الشبيهة فمتى حضر من له تشوف فإنه يستحب إعطاءه.

стр. 316

وهذا الاستنباط من الاستنباطات الدقيقة التي لم أجد من المفسرين من أشار إليها حسب ما وقفت عليه من التفاسير. وقد أيد استنباطه بحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم ذكره، وكيف حث النبي ﷺ السيد على إعطاء خادمه شيئاً من الطعام الذي أتى به، حيث إنه تشوف إليه، وتعلقت به نفسه، قال النووي في شرحه لهذا الحديث: (وفي هذا الحديث: الحث على مكارم الأخلاق، والمواساة في الطعام، لا سيما في حق من صنعه أو حمله؛ لأنه ولي حره ودخانه، وتعلقت به نفسه، وشم رائحته) (١). وهناك معنى آخر يمكن إضافته لهذا الاستنباط حتى يكمل، وهو إذا كان هناك من تتعلق نفسه وتتطلع، ولكنه لم يحضر فإنه هنا يستحب إعطائه لوجود العلة وهي التشوف، خصوصاً إذا علمنا أن القسمة غالباً تتم في غياب كثير ممن تتشوف أنفسهم للعطاء، وقال ابن عطية في أصل هذه المسألة: (ومعنى " حضر ": شهد، إلا أن الصفة بالضعف واليتم والمسكنة تقضي أن ذلك هو علة الرزق، فحيث وجدت رزقوا وإن لم يحضروا القسمة) (٢)، وممن أشار إلى ذلك ابن عرفة (٣). والله أعلم. التقييد بالظلم في أكل مال اليتيم لبيان الحالات الجائزة . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (النساء: ١٠). ١١٩ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ

стр. 317

الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (١) أي: بغير حق، وهذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية فائدة تقييد تحريم أكل أموال اليتامى بالظلم، لبيان جواز حالات الأكل، فمفهوم المخالفة للظلم يدل على جواز الأكل من مال اليتيم في حالات معينة، ومن الحالات المنصوص عليها أكل الفقير بالمعروف، والأكل من مال اليتيم عند المخالطة. وقد وافق السعدي على استنباط فائدة هذا القيد بعض المفسرين، قال الرازي: (دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الألوسي، وابن عاشور (٤). أكل مال اليتيم من أكبر الكبائر . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (النساء: ١٠).

стр. 318

١٢٠ - قال السعدي ﵀: (فمَنْ أكلها ظلمًا فـ ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ أي: نارًا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن أكل مال اليتيم من أكبر الكبائر، ووجه استنباط ذلك من الآية توعد الله لهم بأعظم عذاب ورد في الذنوب، فدل ذلك على أنه من أكبر الكبائر. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على ذلك، قال القرطبي-في تفسيره لهذه الآية-: (فدل الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر) (٣). ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع

стр. 319

الموبقات، وذكر منهن"وأكل مال اليتيم" (١) توصية الله للوالدين بأولادهم تدل على أن الله أرحم بعباده من الوالدين . قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (النساء: ١١). ١٢١ - قال السعدي ﵀: (وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم، عليهم) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية دلالتها على رحمة الله بخلقه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أوصى الوالدين بأولادهم مع رحمة الوالدين بالأولاد، فدل ذلك على أن الله أرحم بالخلق من والديهم. قال ابن كثير: (وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعُلم أنه أرحم بهم منهم) (٣)، وقال السهيلي (٤): (ثم أضاف الأولاد إليهم بقوله أولادكم ومعلوم أن الولد

стр. 320

فلذة الكبد وذلك موجب للرحمة الشديدة فمع أنه أضاف الأولاد إليهم جعل الوصية لنفسه دونهم ليدل على أنه أرأف وأرحم بالأولاد من آبائهم. . . فلما قال الله ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ عُلِم أن رب الأولاد أرحم بالأولاد من الوالدين لهم حيث أوصى بهم وفيهم) (١)، وممن قال به أيضاً: الدوسري، كما أشار إليه القاسمي،. . . . . . واللاحم. (٢) وفي هذه الآية إعجاز غيبي؛ ووجه ذلك أن بعض الآباء يصنع في حياته ما يمنع أو يقلل حض بعض ورثته، فكان في هذه الآية إرشاد إلى تقدير الميراث، وأن تقديره من عند الله فلا يجوز التصرف بتقليل ميراث شخص أو تكثير ميراث آخر، وهذا يحدث في زماننا أحياناً فيقوم بعض التجار بكتابة بعض أملاكه لمن يحب من ورثته لحرمان الآخرين أوتقليل حصتهم، فكأن في هذه الآية بيان أن هذا سيحدث، لذا جاءت الموعظة موجهة إلى المورث مع أنه لا صلة له بالمال بعد موته، ولكن لما قد يحدثه في حياته ووقت قدرته. والله أعلم. نصيب البنتين الثلثان . قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ (١١)﴾ (النساء: ١١). ١٢٢ - قال السعدي ﵀: (﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ أي: بنتا أو بنت ابن ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ وهذا إجماع، بقي أن يقال: من أين يستفاد أن للابنتين الثنتين الثلثين بعد الإجماع على ذلك؟
следующие страницы →