← Тафсир

Тафсир · id 14

استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة

سيف بن منصر الحارثي

Полный текст (896 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وهذا الاستنباط من الاستنباطات الدقيقة التي لم أجد من المفسرين من أشار إليها حسب ما وقفت عليه من التفاسير. وقد أيد استنباطه بحديث أبي هريرة ﵁ المتقدم ذكره، وكيف حث النبي ﷺ السيد على إعطاء خادمه شيئاً من الطعام الذي أتى به، حيث إنه تشوف إليه، وتعلقت به نفسه، قال النووي في شرحه لهذا الحديث: (وفي هذا الحديث: الحث على مكارم الأخلاق، والمواساة في الطعام، لا سيما في حق من صنعه أو حمله؛ لأنه ولي حره ودخانه، وتعلقت به نفسه، وشم رائحته) (١). وهناك معنى آخر يمكن إضافته لهذا الاستنباط حتى يكمل، وهو إذا كان هناك من تتعلق نفسه وتتطلع، ولكنه لم يحضر فإنه هنا يستحب إعطائه لوجود العلة وهي التشوف، خصوصاً إذا علمنا أن القسمة غالباً تتم في غياب كثير ممن تتشوف أنفسهم للعطاء، وقال ابن عطية في أصل هذه المسألة: (ومعنى " حضر ": شهد، إلا أن الصفة بالضعف واليتم والمسكنة تقضي أن ذلك هو علة الرزق، فحيث وجدت رزقوا وإن لم يحضروا القسمة) (٢)، وممن أشار إلى ذلك ابن عرفة (٣). والله أعلم. التقييد بالظلم في أكل مال اليتيم لبيان الحالات الجائزة . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (النساء: ١٠). ١١٩ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ

стр. 317

الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ (١) أي: بغير حق، وهذا القيد يخرج به ما تقدم، من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية فائدة تقييد تحريم أكل أموال اليتامى بالظلم، لبيان جواز حالات الأكل، فمفهوم المخالفة للظلم يدل على جواز الأكل من مال اليتيم في حالات معينة، ومن الحالات المنصوص عليها أكل الفقير بالمعروف، والأكل من مال اليتيم عند المخالطة. وقد وافق السعدي على استنباط فائدة هذا القيد بعض المفسرين، قال الرازي: (دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الألوسي، وابن عاشور (٤). أكل مال اليتيم من أكبر الكبائر . قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ (النساء: ١٠).

стр. 318

١٢٠ - قال السعدي ﵀: (فمَنْ أكلها ظلمًا فـ ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ أي: فإن الذي أكلوه نار تتأجج في أجوافهم وهم الذين أدخلوها في بطونهم. ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ أي: نارًا محرقة متوقدة. وهذا أعظم وعيد ورد في الذنوب، يدل على شناعة أكل أموال اليتامى وقبحها، وأنها موجبة لدخول النار، فدل ذلك أنها من أكبر الكبائر (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن أكل مال اليتيم من أكبر الكبائر، ووجه استنباط ذلك من الآية توعد الله لهم بأعظم عذاب ورد في الذنوب، فدل ذلك على أنه من أكبر الكبائر. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على ذلك، قال القرطبي-في تفسيره لهذه الآية-: (فدل الكتاب والسنة على أن أكل مال اليتيم من الكبائر) (٣). ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع

стр. 319

الموبقات، وذكر منهن"وأكل مال اليتيم" (١) توصية الله للوالدين بأولادهم تدل على أن الله أرحم بعباده من الوالدين . قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ (النساء: ١١). ١٢١ - قال السعدي ﵀: (وهذا مما يدل على أن الله تعالى أرحم بعباده من الوالدين، حيث أوصى الوالدين مع كمال شفقتهم، عليهم) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية دلالتها على رحمة الله بخلقه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أوصى الوالدين بأولادهم مع رحمة الوالدين بالأولاد، فدل ذلك على أن الله أرحم بالخلق من والديهم. قال ابن كثير: (وقد استنبط بعض الأذكياء من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعُلم أنه أرحم بهم منهم) (٣)، وقال السهيلي (٤): (ثم أضاف الأولاد إليهم بقوله أولادكم ومعلوم أن الولد

стр. 320

فلذة الكبد وذلك موجب للرحمة الشديدة فمع أنه أضاف الأولاد إليهم جعل الوصية لنفسه دونهم ليدل على أنه أرأف وأرحم بالأولاد من آبائهم. . . فلما قال الله ﵎: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ عُلِم أن رب الأولاد أرحم بالأولاد من الوالدين لهم حيث أوصى بهم وفيهم) (١)، وممن قال به أيضاً: الدوسري، كما أشار إليه القاسمي،. . . . . . واللاحم. (٢) وفي هذه الآية إعجاز غيبي؛ ووجه ذلك أن بعض الآباء يصنع في حياته ما يمنع أو يقلل حض بعض ورثته، فكان في هذه الآية إرشاد إلى تقدير الميراث، وأن تقديره من عند الله فلا يجوز التصرف بتقليل ميراث شخص أو تكثير ميراث آخر، وهذا يحدث في زماننا أحياناً فيقوم بعض التجار بكتابة بعض أملاكه لمن يحب من ورثته لحرمان الآخرين أوتقليل حصتهم، فكأن في هذه الآية بيان أن هذا سيحدث، لذا جاءت الموعظة موجهة إلى المورث مع أنه لا صلة له بالمال بعد موته، ولكن لما قد يحدثه في حياته ووقت قدرته. والله أعلم. نصيب البنتين الثلثان . قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ (١١)﴾ (النساء: ١١). ١٢٢ - قال السعدي ﵀: (﴿فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً﴾ أي: بنتا أو بنت ابن ﴿فَلَهَا النِّصْفُ﴾ وهذا إجماع، بقي أن يقال: من أين يستفاد أن للابنتين الثنتين الثلثين بعد الإجماع على ذلك؟

стр. 321

فالجواب أنه يستفاد من قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فمفهوم ذلك أنه إن زادت على الواحدة، انتقل الفرض عن النصف، ولا ثَمَّ بعده إلا الثلثان. وأيضاً فقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ إذا خلَّف ابنًا وبنتًا، فإن الابن له الثلثان، وقد أخبر الله أنه مثل حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن للبنتين الثلثين. . .) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن البنتين لهما الثلثان، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بين أن البنت الواحدة لها النصف ومفهوم ذلك أنها إن زادت على الواحدة انتقلت عن هذا الفرض وليس بعده إلا الثلثان. كذلك إذا أخذ الذكر الثلثين والأنثى الثلث علم قطعاً أن حظ الأنثيين الثلثان لأنه إذا كان للواحدة مع الذكر الثلث لا الربع فلأن يكون لها الثلث مع الأنثى أولى مما يدل على أن نصيب البنتين الثلثان (٢). الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين: قال الجصاص: (وقوله : ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فنص على نصيب ما فوق الابنتين وعلى الواحدة ولم ينص على فرض الابنتين؛ لأن في فحوى الآية دلالة على بيان فرضهما، وذلك لأنه قد أوجب للبنت الواحدة مع الابن الثلث، وإذا كان لها مع الذكر الثلث كانت بأخذ الثلث مع الأنثى أولى، وقد احتجنا إلى بيان حكم ما فوقهما؛ فلذلك نص على حكمه. وأيضاً لما قال الله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فلو ترك ابنا وبنتا كان للابن سهمان ثلثا المال وهو حظ الأنثيين، فدل ذلك على أن

стр. 322

نصيب الابنتين الثلثان؛ لأن الله تعالى جعل نصيب الابن مثل نصيب البنتين وهو الثلثان). (١) وقال الشوكاني: (ويمكن تأييد ما احتج به الجمهور بأن الله سبحانه لما فرض للبنت الواحدة إذا انفردت النصف بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ كان فرض البنتين إذا انفردتا فوق فرض الواحدة) (٢)، وممن قال بذلك وأشار إليه من المفسرين: القصاب الكرجي (٣)، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، وابن العربي، والقرطبي، والرازي، وابن كثير، وأبوحيان، وأبوالسعود، وابن عرفة، والألوسي، والشنقيطي، والهرري. (٤) المخالفون: خالف ابن عباس ﵄ في ذلك وقال إن الآية تدل على أن البنتين لهما النصف، واحتج بمفهوم الصفة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ وكلمة "إن" في اللغة للاشتراط، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثاً فصاعداً، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين (٥).

стр. 323

النتيجة: وما ذهب إليه جمهور أهل العلم من دلالة الآية على أن ميراث البنتين الثلثان هو الصحيح لقوة أوجه الدلالة المتقدمة على ذلك، وأما ما ذهب إليه ابن عباس ﵄ في فهمه للآية فالجواب عنه من وجوه: الأول: أن هذا الكلام لازم على ابن عباس، لأنه تعالى قال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فجعل حصول النصف مشروطاً بكونها واحدة، وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله (١) وقد تقرر في الأصول أن المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف؛، وبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ أقوى من مفهوم الظرف في قوله ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ (٢)، كما أن مفهوم قوله تعالى هو المقدم كذلك لأن حديث ابنتي سعد - الذي سيأتي ذكره - يعضده (٣). الثاني: أنا لا نسلم أن كلمة "إن" تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين، لأن الإجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف، وإما الثلثان، وبتقدير أن يكون كلمة "إن" للاشتراط وجب القول بفسادهما، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلاً (٤). الثالث: أنه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك (٥). وأما بالنسبة لأصل المسألة وهو أن للبنين الثلثين ففيه حديث جابر ﵁ قال:. . . فأرسل رسول الله ﷺ إلى عمهما فقال أعط ابنتي سعد

стр. 324

الثلثين. . .) (١) وهو نص في محل النزاع، كما أن هذا الحكم مجمع عليه بين أهل العلم، قال ابن قدامة: (أجمع أهل العلم على أن فرض الابنتين الثلثان). (٢) إذا زاد عدد البنات على الاثنتين فلا يزيد الفرض على الثلثين . قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ (١١)﴾ (النساء: ١١). ١٢٣ - قال السعدي ﵀: (بقي أن يقال: فما الفائدة في قوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾؟، قيل: الفائدة في ذلك -والله أعلم- أنه ليعلم أن الفرض الذي هو الثلثان لا يزيد بزيادتهن على الثنتين بل من الثنتين فصاعدًا) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية فائدة قوله تعالى: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾، حيث علمنا أن نصيب الاثنتين الثلثان، فما هو فائدة التنصيص على أكثر من اثنتين، وبين أن لذلك فائدة وهي العلم بأن الفرض لا يزيد بزيادة

стр. 325

العدد على الاثنتين. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الشنقيطي: (إن قيل فما الفائدة في لفظة فوق اثنتين إذا كانت الاثنتان كذلك؟ فالجواب: أن لفظة ﴿فَوْقَ ب﴾ ذكرت لإفادة أن البنات لا يزدن على الثلثين ولو بلغ عددهن ما بلغ) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الرازي، والبيضاوي، وأبوالسعود، والألوسي (٢). وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لذلك وهو أن: "فوق"زائدة، وهذا مردود لأن القرآن منزه عن مثل ذلك، قال ابن عطية: (وليست ﴿فَوْقَ ب﴾ زائدة بل هي محكمة المعنى) (٣)، وممن رد القول بأنها زائدة: إلكيا الهراسي، وابن كثير، والشنقيطي (٤). ومما يدل على فساد القول بأنها زائدة، أنه لو أراد ذلك لقال: فلهما ثلثا ما ترك، ولم يقل، فلهن ثلثا ما ترك (٥). بنات الابن أو بنت الابن مع بنت الصلب لهما السدس . قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ (١١)﴾ (النساء: ١١).

стр. 326

١٢٤ - قال السعدي ﵀: (ودلت الآية الكريمة أنه إذا وجد بنت صلب واحدة، وبنت ابن أو بنات ابن، فإن لبنت الصلب النصف، ويبقى من الثلثين اللذين فرضهما الله للبنات أو بنات الابن السدس، فيعطى بنت الابن، أو بنات الابن، ولهذا يسمى هذا السدس تكملة الثلثين (١)، ومثل ذلك بنت الابن، مع بنات الابن اللاتي أنزل منها) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية نصيب بنت الابن مع البنت، ووجه هذا الاستنباط من الآية أن نصيب البنتان الثلثين، فلا زيادة في النصيب بزيادة البنات فإذا استغرقت البنت النصف فلا يبقى من الثلثين إلا سدس وهو ما يسمى بالسدس تكملة الثلثين فيكون نصيب بنت الابن. قال ابن قدامة: (فإن كانت ابنة واحدة، وبنات ابن، فلابنة الصلب النصف، ولبنات الابن واحدة كانت أو أكثر من ذلك السدس، تكملة الثلثين، وهذا أيضا مجمع عليه بين العلماء. والأصل فيه قول الله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ففرض للبنات كلهن الثلثين، وبنات

стр. 327

الصلب، وبنات الابن كلهن نساء من الأولاد، فكان لهن الثلثان بفرض الكتاب، لا يزدن عليه. واختصت بنت الصلب بالنصف؛ لأنه مفروض لها، والاسم متناول لها حقيقة، فيبقى للبقية تمام الثلثين، ولهذا قال الفقهاء: لهن السدس تكملة الثلثين) (١)، وممن أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢). يسقطن بنات الابن عند استغراق البنات الثلثين . قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ (١١)﴾ (النساء: ١١). ١٢٥ - قال السعدي ﵀: (وتدل الآية أنه متى استغرق البنات أو بنات الابن الثلثين، أنه يسقط مَنْ دونهن مِنْ بنات الابن (٣) لأن الله لم يفرض لهن إلا الثلثين، وقد تم فلو لم يسقطن لزم من ذلك أن يفرض لهن أزيَد من الثلثين، وهو خلاف النص) ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أنه متى استغرقت البنات أو بنات الابن الثلثين فإن من دونهن يسقط، ووجه هذا الاستنباط من الآية أن الله

стр. 328

فرض لهن الثلثين فمتى تم استغراقه لم يقسم لهن أزيد من ذلك لأنه لو فرض لهن أكثر من ذلك للزم منه مخالفة النص، فدلالة الآية عليها دلالة لزوم. قال الجصاص: (فكذلك حكم بنات الابن إذا استوفى بنات الصلب الثلثين لم يبق لهن فرض) (١)، وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن عطية (٢). الدين مقدم على الوصية، ولكنها قُدمت عليه في الآية اهتماما بشأنها . قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَمِيمٌ (١٢)﴾ (النساء: ١٢). ١٢٦ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾: وقدم الوصية مع أنها مؤخرة عن الدين (٣) للاهتمام بشأنها، لكون إخراجها شاقاً على الورثة، وإلا فالديون مقدمة عليها، وتكون من رأس المال) ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية الحكمة في تقديم الوصية على الدين

стр. 329

في الآية مع أن الدين مقدم عليها في الإخراج من التركة، وبين أن ذلك راجع إلى الاهتمام بشأن الوصية لأن إخراجها يكون شاقاً على الورثة حيث هي من قبيل التطوع، بينما الديون أقل مشقة إذ هي لازمة. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال أبوحيان: (وقدم الوصية على الدين، وإن كان أداء الدين هو المقدم على الوصية بإجماع، اهتماماً بها وبعثاً على إخراجها، إذ كانت مأخوذة من غير عوض شاقاً على الورثة إخراجها مظنة للتفريط فيها، بخلاف الدين، فإنّ نفس الوارث موطنة على أدائه) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: ابن عطية والرازي، والبيضاوي، وأبوالسعود، والألوسي (٢). وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر وهو أن الوصية والدين كلاهما متساويان في إخراجهما من التركة قبل القسمة ولذا لا أثر لتقديم أحدهما على الآخر، قال ابن جرير الطبري: (وإنما قيل: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾، فقدم ذكر الوصية على ذكر الدين، لأن معنى الكلام: إن الذي فرضتُ لمن فرضتُ له منكم في هذه الآيات، إنما هو له من بعد إخراج أيِّ هذين كان في مال الميت منكم، من وصية أو دين، فلذلك كان سواءً تقديم ذكر الوصية قبل ذكر الدين، وتقديم ذكر الدين قبل ذكر الوصية، لأنه لم يرد من معنى ذلك إخراج الشيئين: "الدين والوصية" من ماله، فيكون ذكر الدين أولى أن يُبدأ به من ذكر الوصية) (٣). وذكر بعض المفسرين حكماً أخرى لتقديم الوصية على الدين لم شتاتها ابن العربي فقال: (فإن قيل: فما الحكمة في تقديم ذكر الوصية على ذكر الدين، والدين مقدم عليها؟ قلنا؛ في ذلك خمسة أوجه: الأول: أن " أو " لا توجب ترتيباً، إنما توجب تفصيلاً، فكأنه قال:

стр. 330

من بعد أحدهما أو من بعدهما، ولو ذكرهما بحرف الواو لأوهم الجمع والتشريك؛ فكان ذكرهما بحرف " أو " المقتضي التفصيل أولى. الثاني: أنه قدم الوصية؛ لأن تسببها من قبل نفسه، والدين ثابت مؤدى ذكره أم لم يذكره. الثالث: أن وجود الوصية أكثر من وجود الدين؛ فقدم في الذكر ما يقع غالبا في الوجود. الرابع: أنه ذكر الوصية، لأنه أمر مشكل، هل يقصد ذلك ويلزم امتثاله أم لا؟ لأن الدين كان ابتداء تاما مشهورا أنه لا بد منه، فقدم المشكل؛ لأنه أهم في البيان. الخامس: أن الوصية كانت مشروعة ثم نسخت في بعض الصور، فلما ضعفها النسخ قويت بتقديم الذكر؛ وذكرهما معا كان يقتضي أن تتعلق الوصية بجميع المال تعلق الدين) (١) الأصول الذكور والفروع يُسقِطون أولاد الأم . قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةٍ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَمِيمٌ (١٢)﴾ (النساء: ١٢). ١٢٧ - قال السعدي ﵀: (ودل لفظ ﴿كَلَالَةً﴾ (٢) على أن

стр. 331

الفروع (١) وإن نزلوا، والأصولَ (٢) الذكور وإن علوا، يُسقطون أولاد الأم، لأن الله لم يورثهم إلا في الكلالة، فلو لم يكن يورث كلالة، لم يرثوا منه شيئًا اتفاقًا) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الأصول والفروع يسقطون أولاد الأم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله لم يورثهم إلا في الكلالة، ومفهوم ذلك أنهم لا يرثون في غير هذه الصورة بناء على أنهم مع وجود الأصول الذكور أو الفروع ليسوا بكلالة فيسقطون (٤). وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي: (ويفهم منه أن الأصول والفروع يحجبون ولد الأم) (٥)، وممن قال بذلك أيضاً: إلكيا الهراسي، وابن قدامة، والدوسري. (٦)

стр. 332

الإخوة الأشقاء يسقطون في المسألة الحمارية . قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ (النساء: ١٢). ١٢٨ - قال السعدي ﵀: (ودل قوله: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ أن الإخوة الأشقاء يَسقُطون في المسألة المسماة بالحمارية (١) وهى: زوج، وأم، وإخوة لأم، وإخوة أشقاء، للزوج النصف، وللأم السدس، وللأخوة للأم الثلث، ويسقط الأشقاء (٢)، لأن الله أضاف الثلث للإخوة من الأم، فلو شاركهم الأشقاء لكان جمعا لما فرَّق الله حكمه) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الإخوة الأشقاء يسقطون مع وجود الإخوة لأم في المسألة الحمارية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أضاف الثلث للإخوة لأم مما يدل على أن غيرهم ساقط فلو أشرك

стр. 333

الإخوة الأشقاء لكان هذا فيه مخالفة ظاهرة لكتاب الله. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الشوكاني: (ودلت الآية على أن الإخوة لأم إذا استكملت بهم المسألة كانوا أقدم من الإخوة لأبوين، أو لأب، وذلك في المسألة المسماة بالحمارية) (١)، وممن قال به أيضاً: الجصاص، وصديق حسن خان. (٢) ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط أن الإخوة لأم أصحاب فروض، والإخوة الأشقاء يرثون تعصيباً، وأصحاب الفروض يقدمون على أصحاب التعصيب؛ لما جاء في حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر) (٣)، ومن شرك لم يلحق الفرائض بأهلها، وأما إذا تم التشريك تم المال فوجب سقوط الإخوة الأشقاء (٤). القاتل لا يرث . قال تعالى: ﴿آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١)﴾ (النساء: ١١). ١٢٩ - قال السعدي ﵀: (فإن قيل: فهل يستفاد حكم ميراث القاتل، والرقيق، والمخالف في الدين، والمبعض، والخنثى،

стр. 334

والجد مع الإخوة لغير أم، والعول، والرد، وذوي الأرحام، وبقية العصبة، والأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن من القرآن أم لا؟ قيل: نعم، فيه تنبيهات وإشارات دقيقة يعسر فهمها على غير المتأمل تدل على جميع المذكورات. فأما (القاتل (١) والمخالف في الدين) فيعرف أنهما غير وارثين من بيان الحكمة الإلهية في توزيع المال على الورثة بحسب قربهم ونفعهم الديني والدنيوي. وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة بقوله: ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ وقد عُلم أن القاتل قد سعى لمورثه بأعظم الضرر، فلا ينتهض ما فيه من موجب الإرث أن يقاوم ضرر القتل الذي هو ضد النفع الذي رتب عليه الإرث. فعُلم من ذلك أن القتل أكبر مانع يمنع الميراث، ويقطع الرحم الذي قال الله فيه: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] مع أنه قد استقرت القاعدة الشرعية أن "من استعجل شيئا قبل أوانه عوقب بحرمانه") ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن القاتل لا يرث، ووجه هذا الاستنباط من الآية أن الله أشار في الآية إلى النفع المتبادل بين الوارث والمورث سواء كان نفعاً دنيوباً أو أخروياً، وأن القاتل قد سعى إلى نقيض ذلك وهو القتل الذي هو ضد النفع مما يدل على أن القاتل لا يرث لأنه سعى في نقيض النفع وهو الضرر فاستحق عقوبة الحرمان من الإرث. وبعد طول بحث في كتب التفسير، وكتب الفرائض كذلك، لم أجد

стр. 335

من استنبط هذا المعنى من هذه الآية. والله أعلم. وهذا الاستنباط يعد من دقائق الاستنباطات لأن الإرث فيه نفع للمورث وكون الوارث يقابل هذا النفع بالضرر فعقوبته بالحرمان هو اللائق بعدل الشريعة الإسلامية، فلا يليق أن يقتل القاتل ثم يرث مع ذلك، ولكنها حكمة الله حيث ختم الآية باسمين عظيمين دالان على تمام علمه، وتمام حكمته. اختلاف الدين مانع من موانع الإرث . ١٣٠ - قال السعدي ﵀: (وبهذا ونحوه يعرف أن المخالف لدين الموروث لا إرث له (١)، وذلك أنه قد تعارض الموجب الذي هو اتصال النسب الموجب للإرث، والمانعُ الذي هو المخالفة في الدين الموجبة للمباينة من كل وجه، فقوي المانع ومنع موجب الإرث الذي هو النسب، فلم يعمل الموجب لقيام المانع، يوضح ذلك أن الله تعالى قد جعل حقوق المسلمين أولى من حقوق الأقارب الكفار الدنيوية، فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به، فيكون قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] إذا اتفقت أديانهم، وأما مع تباينهم فالأخوة الدينية مقدمة على الأخوة النسبية المجردة.

стр. 336

قال ابن القيم في "جلاء الأفهام": (وتأمل هذا المعنى في آية المواريث، وتعليقه سبحانه التوارث فيها بلفظ الزوجة دون المرأة، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ [النساء: ١٢] إيذاناً بأن هذا التوارث إنما وقع بالزوجية المقتضية للتشاكل والتناسب، والمؤمن والكافر لا تشاكل بينهما ولا تناسب، فلا يقع بينهما التوارث، وأسرار مفردات القرآن ومركباته فوق عقول العالمين) (١)) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي أن المخالفة في الدين مانع من موانع الإرث، ووجه هذا الاستنباط أن الله جعل حقوق المسلمين بينهم أولى من حقوق الأقارب الكفار فإذا مات المسلم انتقل ماله إلى من هو أولى وأحق به من غيره وهو هنا المسلم دون القريب الكافر مما يدل على أن اختلاف الدين مانع من موانع الإرث. ولم يتضح في كلام السعدي هنا الآية التي استنبط منها هذا المعنى، وإنما أخذه من عموم معنى قرب المؤمنين من بعضهم البعض فجعل هذا القرب دليلاً على أنهم الأولى في الإرث من غيرهم من أهل الملل الأخرى وإن كانوا هم الأقرب نسباً، حيث جعل اختلاف الدين مانعاً يقوى على سبب الإرث هنا وهو النسب. وأشار السهيلي إلى وجه آخر في الآية فقال: (وإذا منع الرق من الميراث فأحرى أن يمنع الكفر لأن الرق أثر الكفر والسباء الذي أوجبه الكفر فخرج من هذا أن لا يرث الكافر المسلم). (٣)

стр. 337

الرقيق لا يرث ولا يورث . قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (١١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ (١٢)﴾ (سورة النساء: ١١ - ١٢). ١٣١ - قال السعدي ﵀: (وأما (الرقيق) (١) فإنه لا يرث ولا يورث، أما كونه لا يورث فواضح، لأنه ليس له مال يورث عنه، بل كل ما معه فهو لسيده، وأما كونه لا يرث فلأنه لا يملك، فإنه لو ملك لكان لسيده، وهو أجنبي من الميت فيكون مثل قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ﴿وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ﴾ ﴿فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ ونحوها لمن يتأتى منه التملك، وأما الرقيق فلا يتأتى منه ذلك، فعلم أنه لا ميراث له. وأما مَنْ بعضه حر وبعضه رقيق فإنه تتبعض أحكامه، فما فيه من الحرية يستحق بها ما رتبه الله في المواريث، لكون ما فيه من الحرية قابلا للتملك، وما فيه من الرق فليس بقابل لذلك، فإذا يكون المبعض، يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرية (٢)) ا. هـ (٣)

стр. 338

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآيات أن الرقيق لا يرث، حيث إن هذه الآيات إنما هي فيمن يملك، أما العبد فإنه لا يملك حتى يورث كما أنه بمنزلة الأجنبي عن أولاده فلا يرثونه، ولا يرثهم كذلك. قال السهيلي - موافقاً السعدي في هذا الاستنباط-: (استنباط حكم العبد والكافر من الآية وقوله: ﴿فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ﴾ تضمن أن لا يرث الولد العبد الأب الحر لقوله في أولادكم بإضافة التعريف ولم يقل يوصيكم الله فيما ولدتم وعرف الأولاد بالإضافة إلى والديهم والعبد لا يعرف بالإضافة إلى والده إنما يقال فيه عبد فلان ومملوك فلان فيعرف بالإضافة إلى سيده ويقال في ولد الحر ولد فلان وابن فلان فدل ذلك على انقطاع الميراث بينهما، وتضمن هذا الفقه أيضا قوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ بلام التمليك لأن لام الإضافة هاهنا إنما هي لإضافة الملك والعبد لا يملك ملكا مطلقا لأن السيد له أن ينتزع ماله منه وأكثر العلماء يقولون لا يملك بحال من الأحوال فعلى كلا الوجهين لا يصح أن يدخل العبد في عموم هذا اللفظ أعني قوله للذكر ولا في قوله ولأبويه لكل واحد منهما السدس). (١) يرث الخنثى المشكل بأخذه نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الأنثى . ١٣٢ - قال السعدي ﵀: (وأما (الخنثى) (٢) فلا يخلو إما أن

стр. 339

يكون واضحاً ذكوريته أو أنوثيته، أو مشكلا. فإن كان واضحاً فالأمر فيه واضح. إن كان ذكراً فله حكم الذكور، ويشمله النص الوارد فيهم، وإن كان أنثى فله حكم الإناث، ويشملها النص الوارد فيهن. وإن كان مشكلاً فإن كان الذكر والأنثى لا يختلف إرثهما -كالإخوة للأم- فالأمر فيه واضح (١)، وإن كان يختلف إرثه بتقدير ذكوريته وبتقدير أنوثيته، ولم يبق لنا طريق إلى العلم بذلك، لم نعطه أكثر التقديرين (٢)، لاحتمال ظلم من معه من الورثة، ولم نعطه الأقل (٣)، لاحتمال ظلمنا له، فوجب التوسط بين الأمرين، وسلوكُ أعدل الطريقين، قال تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] وليس لنا طريق إلى العدل في مثل هذا أكثر من هذا الطريق المذكور، و ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]) ا. هـ (٤)

стр. 340

الدراسة: استنبط السعدي من عموم الأمر بالعدل، والأمر بالتقوى حسب المستطاع، أن الخنثى المشكل يورث بأن يعطى نصف ميراث الذكر ونصف ميراث الأنثى؛ لأن هذا هو أقرب طريق مستطاع في العدل. الجد يحجب الإخوة . ١٣٣ - قال السعدي ﵀: (وأما (ميراث الجد) مع الإخوة الأشقاء أو لأب، وهل يرثون معه أم لا (١)؟ فقد دل كتاب الله على قول أبي بكر الصديق ﵁، وأن الجد يحجب الإخوة أشقاء أو لأب أو لأم، كما يحجبهم الأب. وبيان ذلك: أن الجد أب في غير موضع من القرآن كقوله تعالى: ﴿إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ الآية [البقرة: ١٣٣]. وقال يوسف ﵇: ﴿وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ [يوسف: ٣٨] فسمى الله الجد وجد الأب أبا، فدل ذلك على أن الجد بمنزلة الأب، يرث ما يرثه الأب، ويحجب من يحجبه.

стр. 341

وإذا كان العلماء قد أجمعوا على أن الجد حكمه حكم الأب عند عدمه في ميراثه مع الأولاد وغيرهم من بني الإخوة والأعمام وبنيهم، وسائر أحكام المواريث، فينبغي أيضا أن يكون حكمُه حكمَه في حجب الإخوة لغير أم. وإذا كان ابن الابن بمنزلة ابن الصلب فلم لا يكون الجد بمنزلة الأب؟ وإذا كان جد الأب مع ابن الأخ قد اتفق العلماء على أنه يحجبه. فلم لا يحجب جد الميت أخاه؟ فليس مع مَنْ يورِّث الإخوةَ مع الجد، نص ولا إشارة ولا تنبيه ولا قياس صحيح) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي أن الجد يحجب الإخوة، ووجه الاستنباط من القرآن أن الله سمى الجد أباً مما يدل على أن الجد بمنزلة الأب، والأب يحجب الإخوة. وقد أشار إلى هذا الاستنباط بعض العلماء منهم: القرطبي، وابن قدامة، وابن القيم (٢). ولكن يمكن أن يجاب عنه بأن الجد وإن كان يسمى أباً إلا أنه لا يلزم من ذلك أن يكون مشتركاً معه في جميع الأحكام (٣)، وعليه فدلالة الآيات المذكورة على أن الجد يحجب الإخوة دلالة فيها ضعف. والله أعلم. وأما بالنسبة لأصل المعنى المستنبط وهو حجب الجد للأخوة ففيه خلاف بين أهل العلم كما سبقت الإشارة إليه في الحاشية، ولا يكون ضعف دلالة الآية على ذلك هو إضعاف للقول بأن الجد يحجب الإخوة

стр. 342

لوجود أدلة أخرى تقوي القول بأن الجد يحجب الإخوة (١). إعطاء كل واحد من الورثة نصيبه فيه دلالة على العول . ١٣٤ - قال السعدي ﵀: (وأما مسائل (العول) (٢) فإنه يستفاد حكمها من القرآن، وذلك أن الله تعالى قد فرض وقدر لأهل المواريث أنصباء، وهم بين حالتين: إما أن يحجب بعضهم بعضًا أو لا. فإن حجب بعضهم بعضا، فالمحجوب ساقط لا يزاحِم ولا يستحق شيئا، وإن لم يحجب بعضهم بعضا فلا يخلو، إما أن لا تستغرق الفروض التركة، أو تستغرقها من غير زيادة ولا نقص، أو تزيد الفروض على التركة، ففي الحالتين الأوليين كل يأخذ فرضه كاملا. وفي الحالة الأخيرة وهي ما إذا زادت الفروض على التركة فلا يخلو من حالين: إما أن ننقص بعضَ الورثة عن فرضه الذي فرضه الله له، ونكمل للباقين منهم فروضهم، وهذا ترجيح بغير مرجح، وليس نقصان أحدهم بأولى من الآخر، فتعينت الحال الثانية، وهي: أننا نعطي كل واحد منهم نصيبه بقدر الإمكان، ونحاصص بينهم كديون الغرماء الزائدة على مال الغريم، ولا طريق موصل إلى ذلك إلا بالعول، فعلم من هذا أن العول في الفرائض قد بينه الله في كتابه) ا. هـ (٣)

стр. 343

الدراسة: استنبط السعدي من عموم الآيات التي بين الله فيها مقادير الفروض حكم العول ومشروعيته، ووجه ذلك أن الله قدر الفروض بينهم والنقصان لابد أن يكون لاحقاً بكل واحد منهم لأن في إلحاقه بالبعض دون الآخر تحكماً لا دليل عليه فلا يبقى إلا المحاصصة بينهم في هذا النقص ولا طريق إلى ذلك إلا بالعول، فدلالة هذه الآيات على العول دلالة التزام. قال صاحب العذب الفائض - موافقاً السعدي على هذا الاستنباط-: (أما الكتاب فإطلاق آيات المواريث يقتضي عدم التفرقة بين حال اجتماعهم وانفرادهم وتقديم بعضهم على بعض وتخصيصه بالنقص من غير حاجب شرعي ترجيح بلا مرجح وهو محال) (١)، كما أشار إلى ذلك السيوطي (٢). مشروعية الرد . ١٣٥ - قال السعدي ﵀: (وبعكس هذه الطريقة بعينها يعلم (الرد) (٣) فإن أهل الفروض إذا لم تستغرق فروضُهم التركةَ وبقي شيء ليس له مستحق من عاصب قريب ولا بعيد، فإن رده على أحدهم ترجيح بغير مرجح، وإعطاؤه غيرَهم ممن ليس بقريب للميت جنف وميل، ومعارضة لقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال:

стр. 344

٧٥] فتعين أن يُرَدَّ على أهل الفروض بقدر فروضهم (١). ولما كان الزوجان ليسا من القرابة، لم يستحقا زيادة على فرضهم المقدر [هذا عند من لا يورِّث الزوجين بالرد، وهم جمهور القائلين بالرد (٢)، فعلى هذا تكون علة الرد كونه صاحب فرض قريباً، وعلى القول الآخر، أن الزوجين كغيرهما من ذوي الفروض يُرَدُّ عليهما (٣)؛ فكما ينقصان بالعول فإنهما يزادان بالرد كغيرهما، فالعلة على هذا كونه وارثاً صاحب فرض، فهذا هو الظاهر من دلالة الكتاب والسنة، والقياس الصحيح، والله أعلم]) ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من عموم الآيات التي بين الله فيها مقادير الفروض حكم الرد ومشروعيته، ووجه هذا الاستنباط أن الزيادة إما أن تعطى لواحد دون الآخر، وإما أن تعطى لغير الورثة، وفي كلا الحالين ظلم وحيف بدون مرجح شرعي، فلا يبقى إلا حالة واحدة وهي أن يقسم ما تبقى على الورثة حسب نسبة مواريثهم السابقة، فتكون دلالة هذه الآيات على الرد دلالة التزام.

стр. 345

كما أشار إلى علة الرد وهو كونه وارثاً صاحب فرض، ومن هنا استنبط من الآية قياساً جواز الرد على الزوجين لوجود العلة. توريث ذوي الأرحام . ١٣٦ - قال السعدي ﵀: (وبهذا يعلم أيضاً ميراث (ذوي الأرحام) (١) فإن الميت إذا لم يخلف صاحب فرض ولا عاصباً، وبقي الأمر دائراً بين كون ماله يكون لبيت المال لمنافع الأجانب (٢)، وبين كون ماله يرجع إلى أقاربه المدلين بالورثة المجمع عليهم (٣)، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] فصرفه لغيرهم ترك لمن هو أولى من غيره، فتعين توريث ذوي الأرحام. وإذا تعين توريثهم، فقد علم أنه ليس لهم نصيب مقدر بأعيانهم في كتاب الله، وأن بينهم وبين الميت وسائط، صاروا بسببها من الأقارب، فينزلون منزلة من أدلوا به من تلك الوسائط. والله أعلم) ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي ميراث ذوي الأرحام، ووجه هذا الاستنباط أن الله

стр. 346

عز وجل بين لنا أن ذوي الأرحام أولى ببعضهم البعض على وجه العموم، وصرف المال المتبقي لغير ذوي الأرحام ترك لمن هو أولى فيتعين حينئذ صرفه لذوي الأرحام. الموافقون: وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط عموم القائلين بتوريث ذوي الأرحام، وممن أشار إليه من المفسرين: الواحدي، والبيضاوي، وأبوالسعود (١). المخالفون: خالف بعض المفسرين وقالوا إن عموم هذه الآية لا ينهض دليلاً على توريث ذوي الأرحام (٢)، قال الرازي: (أصحاب أبي حنيفة ﵀ بهذه الآية، في توريث ذوي الأرحام، وأجاب أصحابنا عنه بأن قوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ مجمل في الشيء الذي حصلت فيه هذه الأولوية، فلما قال: ﴿فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ كان معناه في الحكم الذي بينه الله في كتابه، فصارت هذه الأولوية مقيدة بالأحكام التي بينها الله في كتابه، وتلك الأحكام ليست إلا ميراث العصبات، فوجب أن يكون المراد من هذا المجمل هو ذلك فقط فلا يتعدى إلى توريث ذوي الأرحام) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: ابن كثير، والألوسي، والشنقيطي. (٤) النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في دلالة الآية على توريث ذوي

стр. 347

الأرحام هو الصحيح الذي يدل عليه الآية عموم، ومن ادعى التخصيص فعليه الدليل (١). ميراث العصبة . ١٣٧ - قال السعدي ﵀: (وأما (ميراث بقية العصبة) (٢) كالبنوة والأخوة وبنيهم، والأعمام وبنيهم إلخ فإن النبي ﷺ قال: "ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولى رجل ذكر" (٣) وقال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٣٣] فإذا ألحقنا الفروض بأهلها ولم يبق شيء، لم يستحق العاصب شيئًا، وإن بقي شيء أخذه أولي العصبة، وبحسب جهاتهم ودرجاتهم. فإن جهات العصوبة خمس: البنوة، ثم الأبوة، ثم الأخوة وبنوهم، ثم العمومة وبنوهم، ثم الولاء، فيقدم منهم الأقرب جهة. فإن كانوا في جهة واحدة فالأقرب منزلة، فإن كانوا في منزلة واحدة فالأقوى، وهو الشقيق، فإن تساووا من كل وجه اشتركوا. والله أعلم) ا. هـ (٤)

стр. 348

الدراسة: أشار السعدي في أول إيراده هذه المسائل إلى أنه سيبين أدلة بعض المسائل الفرضية من القرآن من خلال إشارات دقيقة، وعند ذكره لهذه المسألة وهو الإرث بالتعصيب، لم يتعرض لبيانها من القرآن من خلال إشارة دقيقة كما ذكر في بداية كلامه، وغاية ما ذكر هنا هو حديث أسامة بن زيد وقد تقدم وهو أصل في المسألة كما قال النووي: (وهذا الحديث في توريث العصبات وقد أجمع المسلمون على أن ما بقى بعد الفروض فهو للعصبات يقدم الأقرب فالأقرب فلا يرث عاصب بعيد مع وجود قريب) (١)، كما أشار إلى ذلك السهيلي، وابن كثير (٢). الأخت مع البنت عصبة . ١٣٨ - قال السعدي ﵀: (وأما كون الأخوات لغير أم مع البنات أو بنات الابن عصبات، يأخذن ما فضل عن فروضهن، فلأنه ليس في القرآن ما يدل على أن الأخوات يسقطن بالبنات، فإذا كان الأمر كذلك، وبقي شيء بعد أخذ البنات فرضهن، فإنه يعطى للأخوات (٣) ولا يعدل عنهن إلى عصبة أبعد منهن، كابن الأخ والعم، ومن هو أبعد منهم. والله أعلم.) ا. هـ (٤)

стр. 349

الدراسة: استنبط السعدي أن الأخوات مع البنات عصبات يأخذن ما بقي من الفروض، ووجه هذا الاستنباط عدم وجود دليل في القرآن يدل على سقوط الأخوات؛ فجعل هذا العدم دليلاً على إرثهن بالتعصيب في هذه الحالة؛ ولأن للأخوات قوة بولادة الأب لهن مما يجعل سقوطهن غير ممكن (١). ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث هزيل بن شرحبيل (٢) قال سئل أبو موسى عن ابنة وابنة ابن وأخت فقال للابنة النصف وللأخت النصف، وائت ابن مسعود فسيتابعني، فسئل ابن مسعود وأخبر بقول أبى موسى فقال لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، أقضى فيها بما قضى النبى ﷺ (للابنة النصف، ولابنة ابن السدس تكملة الثلثين، وما بقى فللأخت)، فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول ابن مسعود، فقال لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم) (٣). الوصية للوارث منسوخة . قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ

стр. 350

يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣)﴾ (النساء: ١٣). ١٣٩ - قال السعدي ﵀: (أي: تلك التفاصيل التي ذكرها في المواريث حدود الله التي يجب الوقوف معها وعدم مجاوزتها، ولا القصور عنها، وفي ذلك دليل على أن الوصية للوارث منسوخة (١) بتقديره تعالى أنصباء الوارثين) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الوصية للوارث منسوخة، ووجه الاستنباط أن الله بين أنصباء الوارثين، وذكر بعدها أن هذه حدود الله التي يجب الوقوف عندها، مما يدل على أن ما عدا ذلك فيه تعد على هذه الحدود، ومن ذلك الوصية للوارث مما يدل على أنها منسوخة. الحبس في البيوت لمن تأتي الفاحشة من النساء ليس منسوخاً . قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ شَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ (النساء: ١٥).

стр. 351

١٤٠ - قال السعدي ﵀: (﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، وهذه الآية ليست منسوخة، وإنما هي مغياة إلى ذلك الوقت، فكان الأمر في أول الإسلام كذلك حتى جعل الله لهن سبيلا وهو رجم المحصن وجلد غير المحصن) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن حبس النساء اللاتي يأتين الفاحشة ليس منسوخاً، ووجه استنباطه من الآية أن الله جعل الحبس غاية إلى أن يجعل لهن سبيل، ووجود السبيل لا يعني إلغاء العقوبة الأولى، بل هي باقية في حق من لا تكفيه العقوبة الثانية. الموافقون: وقد وافق السعدي بعض المفسرين على هذا الاستنباط، قال الزمخشري: (ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذلك الحدّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة، ويوصي بإمساكهن في البيوت، بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن العربي، والخطابي، والبيضاوي (٣). المخالفون: خالف بعض المفسرين فقالوا إن الآية منسوخة بمعنى أن الحبس في البيوت كان في أول الإسلام فلما شرع الحد نسخ الحبس، قال ابن

стр. 352

كثير: (كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ شَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك، قال ابن عباس: كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد، أو الرجم، وكذا رُوي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك: أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، وابن عطية، والقرطبي، والطوفي، وأبوحيان، وابن عاشور (٢). النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح من كون الآية ليست منسوخة، وإنما ذكر الحد فيها لبيان الإجمال في معنى السبيل، ومما يؤيد هذا الاستنباط أنه لا تعارض بين الحد والحبس، بينما النسخ يقع غالباً بين المتضادات، والقول ببقاء الحبس وعدم نسخه له فوائد، تؤيد عدم نسخه منها: أولاً: أن الحبس يكون للخراجة الولاجة لأجل حمايتها من الوقوع في الفتنة. ثانياً: أن الحبس يستخدم كعلاج نافع لمن لا يجدي معها الجلد كحد، لأن عقوبة الجلد مؤقتة، بينما عقوبة الحبس مستمرة.

стр. 353

ثالثاً: أن الحبس نافع في البلاد التي لا تقام فيها الحدود، فيستطيع الولي أن يستخدم ما بوسعه وهو هنا الحبس. مشروعية الأذية تعزيراً لجنس المعصية ليحصل به الزجر . قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ شَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرَضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ (النساء: ١٥ - ١٦). ١٤١ - قال السعدي ﵀: (ويؤخذ منهما أن الأذية بالقول والفعل والحبس، قد شرعه الله تعزيرًا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هاتين الآيتين أن الأذية بالقول والفعل والحبس مشروعة تعزيراً لأجل الردع والزجر عن المعصية، ووجه هذا الاستنباط القياس على ما ورد في هذه الآيات من أذية أصحاب الزنا. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي: (وفيها أن التعزير يكون بالحبس، وسائر أنواع الأذى من الضرب، والتعيير، والتوبيخ والإهانة) (٢)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً من

стр. 354

المفسرين: شيخ الإسلام ابن تيمية، والدوسري (١). جواز وراثة النساء في حال الطوع . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (١٩)﴾ (النساء: ١٩). ١٤٢ - قال السعدي ﵀: (﴿كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى قريبُه كأخيه وابن عمه ونحوهما أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره، أحبت أو كرهت. فإن أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها عضلها فلا يزوجها إلا من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها حتى تبذل له شيئًا من ميراث قريبه أو من صداقها، وكان الرجل أيضا يعضل زوجته التي [يكون] يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها، فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال إلا حالتين: إذا رضيت واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: ﴿كَرْهًا﴾ وإذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز إرث النساء في حال رضاهن

стр. 355

واختيارهن، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله حرم ذلك في حالة الإكراه، فدل مفهوم المخالفة-مفهوم الصفة- أنه في حالة الرضا جائز. وقد خالف بعض المفسرين في ذلك، فقالوا إن الآية لا مفهوم لها لأن القيد خرج مخرج الغالب، قال أبوحيان: (والمراد نفي الوراثة في حال الطوع والكراهة، لا جوازها في حال الطوع استدلالاً بالآية، فخرج هذا الكره مخرج الغالب، لأن غالب أحوالهن أن يكنّ مجبورات على ذلك إذ كان أولياؤه أحق بها من أولياء نفسها) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الدوسري، ومحمد رشيد رضا (٢). النتيجة: وما ذهب إليه أبو حيان ومن وافقه هو الصحيح، إذ المرأة لا تورث مطلقاً من جملة الأموال ويستوي في ذلك حال الطوع والكراهية، لأن اللفظ خرج مخرج الغالب وقد تقرر في أصول الفقه أن ما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، ولأنه على فرض رضاها لا يجوز للمؤمنين أن يرثوها بعد زوجها؛ لأن هذه سنة جاهلية أبطلها الإسلام، وما أبطله الإسلام فلا يحل ولو تراضى عليه الطرفان، فلا بد للمرأة من الرجوع إلى أوليائها الشرعيين، ولا تدخل في عصمة زوج جديد إلا بعد انقضاء العدة، ورضا وليها (٣). وهذا الاستنباط فيه بيان احترام حقوق المرأة في الإسلام، وتكريمه لها، فبعد أن كانت ذاتاً تورث، أصبحت وارثة لها نصيب في المال، وأصبحت حرة بعد أن كانت سليبة القرار مقهورة، مغلوب على أمرها.
следующие страницы →