١٤٠ - قال السعدي ﵀: (﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، وهذه الآية ليست منسوخة، وإنما هي مغياة إلى ذلك الوقت، فكان الأمر في أول الإسلام كذلك حتى جعل الله لهن سبيلا وهو رجم المحصن وجلد غير المحصن) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن حبس النساء اللاتي يأتين الفاحشة ليس منسوخاً، ووجه استنباطه من الآية أن الله جعل الحبس غاية إلى أن يجعل لهن سبيل، ووجود السبيل لا يعني إلغاء العقوبة الأولى، بل هي باقية في حق من لا تكفيه العقوبة الثانية.
الموافقون:
وقد وافق السعدي بعض المفسرين على هذا الاستنباط، قال الزمخشري: (ويجوز أن تكون غير منسوخة بأن يترك ذلك الحدّ لكونه معلوماً بالكتاب والسنة، ويوصي بإمساكهن في البيوت، بعد أن يحددن صيانة لهن عن مثل ما جرى عليهن بسبب الخروج من البيوت والتعرض للرجال) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن العربي، والخطابي، والبيضاوي (٣).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين فقالوا إن الآية منسوخة بمعنى أن الحبس في البيوت كان في أول الإسلام فلما شرع الحد نسخ الحبس، قال ابن
стр. 352
كثير: (كان الحكم في ابتداء الإسلام أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت؛ ولهذا قال: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ﴾ يعني: الزنا ﴿مِنْ نِسَائِهِمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ شَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ فالسبيل الذي جعله الله هو الناسخ لذلك، قال ابن عباس: كان الحكم كذلك، حتى أنزل الله سورة النور فنسخها بالجلد، أو الرجم، وكذا رُوي عن عكرمة، وسعيد بن جبير، والحسن، وعطاء الخراساني، وأبي صالح، وقتادة، وزيد بن أسلم، والضحاك: أنها منسوخة، وهو أمر متفق عليه) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، وابن عطية، والقرطبي، والطوفي، وأبوحيان، وابن عاشور (٢).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح من كون الآية ليست منسوخة، وإنما ذكر الحد فيها لبيان الإجمال في معنى السبيل، ومما يؤيد هذا الاستنباط أنه لا تعارض بين الحد والحبس، بينما النسخ يقع غالباً بين المتضادات، والقول ببقاء الحبس وعدم نسخه له فوائد، تؤيد عدم نسخه منها:
أولاً: أن الحبس يكون للخراجة الولاجة لأجل حمايتها من الوقوع في الفتنة.
ثانياً: أن الحبس يستخدم كعلاج نافع لمن لا يجدي معها الجلد كحد، لأن عقوبة الجلد مؤقتة، بينما عقوبة الحبس مستمرة.
стр. 353
ثالثاً: أن الحبس نافع في البلاد التي لا تقام فيها الحدود، فيستطيع الولي أن يستخدم ما بوسعه وهو هنا الحبس.
مشروعية الأذية تعزيراً لجنس المعصية ليحصل به الزجر .
قال تعالى: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِهِمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ شَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآَذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرَضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا (١٦)﴾ (النساء: ١٥ - ١٦).
١٤١ - قال السعدي ﵀: (ويؤخذ منهما أن الأذية بالقول والفعل والحبس، قد شرعه الله تعزيرًا لجنس المعصية الذي يحصل به الزجر) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين أن الأذية بالقول والفعل والحبس مشروعة تعزيراً لأجل الردع والزجر عن المعصية، ووجه هذا الاستنباط القياس على ما ورد في هذه الآيات من أذية أصحاب الزنا.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي: (وفيها أن التعزير يكون بالحبس، وسائر أنواع الأذى من الضرب، والتعيير، والتوبيخ والإهانة) (٢)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً من
стр. 354
المفسرين: شيخ الإسلام ابن تيمية، والدوسري (١).
جواز وراثة النساء في حال الطوع .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (١٩)﴾ (النساء: ١٩).
١٤٢ - قال السعدي ﵀: (﴿كانوا في الجاهلية إذا مات أحدهم عن زوجته، رأى قريبُه كأخيه وابن عمه ونحوهما أنه أحق بزوجته من كل أحد، وحماها عن غيره، أحبت أو كرهت.
فإن أحبها تزوجها على صداق يحبه دونها، وإن لم يرضها عضلها فلا يزوجها إلا من يختاره هو، وربما امتنع من تزويجها حتى تبذل له شيئًا من ميراث قريبه أو من صداقها، وكان الرجل أيضا يعضل زوجته التي [يكون] يكرهها ليذهب ببعض ما آتاها، فنهى الله المؤمنين عن جميع هذه الأحوال إلا حالتين: إذا رضيت واختارت نكاح قريب زوجها الأول، كما هو مفهوم قوله: ﴿كَرْهًا﴾ وإذا أتين بفاحشة مبينة كالزنا والكلام الفاحش وأذيتها لزوجها فإنه في هذه الحال يجوز له أن يعضلها، عقوبة لها على فعلها لتفتدي منه إذا كان عضلا بالعدل) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز إرث النساء في حال رضاهن
стр. 355
واختيارهن، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله حرم ذلك في حالة الإكراه، فدل مفهوم المخالفة-مفهوم الصفة- أنه في حالة الرضا جائز.
وقد خالف بعض المفسرين في ذلك، فقالوا إن الآية لا مفهوم لها لأن القيد خرج مخرج الغالب، قال أبوحيان: (والمراد نفي الوراثة في حال الطوع والكراهة، لا جوازها في حال الطوع استدلالاً بالآية، فخرج هذا الكره مخرج الغالب، لأن غالب أحوالهن أن يكنّ مجبورات على ذلك إذ كان أولياؤه أحق بها من أولياء نفسها) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الدوسري، ومحمد رشيد رضا (٢).
النتيجة:
وما ذهب إليه أبو حيان ومن وافقه هو الصحيح، إذ المرأة لا تورث مطلقاً من جملة الأموال ويستوي في ذلك حال الطوع والكراهية، لأن اللفظ خرج مخرج الغالب وقد تقرر في أصول الفقه أن ما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، ولأنه على فرض رضاها لا يجوز للمؤمنين أن يرثوها بعد زوجها؛ لأن هذه سنة جاهلية أبطلها الإسلام، وما أبطله الإسلام فلا يحل ولو تراضى عليه الطرفان، فلا بد للمرأة من الرجوع إلى أوليائها الشرعيين، ولا تدخل في عصمة زوج جديد إلا بعد انقضاء العدة، ورضا وليها (٣).
وهذا الاستنباط فيه بيان احترام حقوق المرأة في الإسلام، وتكريمه لها، فبعد أن كانت ذاتاً تورث، أصبحت وارثة لها نصيب في المال، وأصبحت حرة بعد أن كانت سليبة القرار مقهورة، مغلوب على أمرها.
стр. 356
المهر الكثير ليس محرماً .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠)﴾ (النساء: ٢٠).
١٤٣ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق الاقتداءُ بالنبي ﷺ في تخفيف المهر، ووجه الدلالة أن الله أخبر عن أمر يقع منهم، ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه، لكن قد ينهي عن كثرة الصداق؛ إذا تضمن مفسدة دينية وعدم مصلحة تقاوم) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن المهر الكثير ليس محرماً، ووجه الاستنباط من الآية أن الله أخبر عن وقوع الإصداق بالقنطار وهو المال الكثير ولم ينكره عليهم، مما يدل على أنه ليس محرماً.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن كثير: (وفي هذه الآية دلالة على جواز الإصداق بالمال الجزيل) (٢)، وقال الخازن: (وفي الآية دليل على جواز المغالاة في المهور) (٣)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: ابن عطية، وابن العربي، والقرطبي، والسيوطي،
стр. 357
وابن عاشور (١).
المخالفون:
خالف السعدي في هذا الاستنباط بعض المفسرين، وقالوا إن التمثيل هنا على جهة المبالغة في الكثرة، وقال بعضهم إنه لا يلزم من جعل الشيء شرطاً لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع، قال الرازي: (وعندي أن الآية لا دلالة فيها على جواز المغالاة لأن قوله: ﴿وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ لا يدل على جواز إيتاء القنطار كما أن قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] لا يدل على حصول الآلهة، والحاصل أنه لا يلزم من جعل الشيء شرطا لشيء آخر كون ذلك الشرط في نفسه جائز الوقوع) (٢)، وقال أبوحيان: (وقال قوم: لا تدل على المغالاة، لأنه تمثيل على جهة المبالغة في الكثرة كأنه: قيل وآتيتم هذا القدر العظيم الذي لا يؤتيه أحد) (٣)، وممن قال به ابن جزي الكلبي (٤).
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه معنى صحيح في ذاته، ودلالة الآية عليه صحيحة، ومما يؤيده أن كل حكاية وقعت في القرآن، فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها وهو الأكثر رد لها، أولا، فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها رد؛ فذلك دليل صحة المحكي وصدقه، فلا يمكن أن يحكى في القرآن ما ليس بحق ثم لا ينبه عليه (٥) قال ابن عاشور: (وهذه المبالغة تدلّ على أنّ إيتاء القنطار مباح
стр. 358
شرعاً لأنّ الله لا يمثّل بما لا يَرضى شرعه) (١)، ولو كان في ذلك حرمة لجاء التنبيه عليه. والله أعلم.
الربيبة تحرم على زوج الأم ولو لم تكن في حجره .
قال تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (٢٣)﴾ (النساء: ٢٣).
١٤٤ - قال السعدي ﵀: (وقد قال الجمهور: إن قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ قيد خرج مخرج الغالب لا مفهوم له، فإن الربيبة (٢) تحرم ولو لم تكن في حجره ولكن للتقييد بذلك فائدتان:
إحداهما: فيه التنبيه على الحكمة في تحريم الربيبة وأنها كانت بمنزلة البنت فمن المستقبح إباحتها.
والثانية: فيه دلالة على جواز الخلوة بالربيبة وأنها بمنزلة من هي في حجره من بناته ونحوهن. والله أعلم) ا. هـ (٣)
الدراسة:
وافق السعدي في هذه الآية ما ذهب إليه جمهور المفسرين من أن القيد الذي ذكره الله في هذه الآية وهو كون الربيبة في الحجر لا مفهوم له؛ والمانع من اعتبار هذا المفهوم كونه خرج مخرج الغالب، وما خرج
стр. 359
مخرج الغالب فلا مفهوم له، قال ابن كثير: (وأما قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين: الجصاص، والطوفي، وأبوالمظفرالسمعاني، والقرطبي، وابن جزي، وجلال الدين المحلي، والهرري (٢).
المخالفون:
خالف الظاهرية في ذلك وجعلوا القيد شرطاً فالتحريم عندهم مشروط بكون الربيبة في الحجر فإن لم تكن في الحجر لم تحرم، وهذا القول مروي عن علي ابن أبي طالب ﵁ (٣)، وحجتهم في ذلك أن التحريم مشروط بكونها في حجره فإن لم تكن في حجره فقد فات الشرط وحينئذ لا تثبت الحرمة، قال الرازي مستحسناً هذا الاستدلال: (ونقل أنه رضوان الله عليه -أي علي- احتج على ذلك بأنه تعالى قال: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ شرط في كونها ربيبة له، كونها في حجره، فإذا لم تكن في تربيته ولا في حجره فقد فات الشرط، فوجب أن لا تثبت الحرمة، وهذا استدلال حسن) (٤).
النتيجة:
ما ذهب إليه جمهور أهل العلم من أن القيد المذكور في الربيبة لا
стр. 360
مفهوم له وإنما خرج مخرج الغالب هو الصحيح؛ فلوكان التقييد بالحجر معتبراً وله تأثير في التحريم لصرح به كما صرح بالدخول ولقال: "فإن لم تكونوا دخلتم بهن ولسن في حجوركم فلا جناح عليكم "فلما لم يذكر التقييد بالحجر، دل على عدم اعتباره، وقد تقرر كذلك في أصول الفقه أن ما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له (١).
وأما ما جاء عن علي ﵁ فلا يثبت، قال الشوكاني: (قال ابن المنذر والطحاوي: لم يثبت ذلك عن عليّ؛ لأن راويه إبراهيم بن عبيد، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عليّ، وإبراهيم هذا لا يعرف) (٢)، وقال ابن العربي: (فإن قيل: فقد روى مالك بن أوس عن علي: أنها لا تحرم حتى تكون في حجره، قلنا: هذا باطل) (٣).
ثم ذكر السعدي بعد ذلك وجهاً آخر لفائدة التقييد بهذا القيد، وهو أن الربيبة بمنزلة البنت في تحريم الزواج بها، وفي جواز الخلوة بها، وقد أشار إلى ذلك بعض المفسرين، قال أبوالسعود: (وفائدةُ وصفِهن بذلك تقويةُ عِلةِ الحُرمةِ وتكميلُها كما أنها هي النُّكتةُ في إيرادهن باسم الربائبِ دون بناتِ النساءِ فإن كونَهن بصدد احتضانِهم لهن وفي شرف التقلّبِ في حجورهم وتحت حمايتِهم وتربيتِهم مما يقوِّي الملابسةَ والشبَهَ بينهن وبين أولادِهم ويستدعي إجراءَهن مُجرى بناتِهم) (٤)، وممن أشار إلى ذلك كذلك: الزمخشري، والبيضاوي، ومحمد رشيد رضا (٥).
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لفائدة هذا القيد وهو تخصيص أعلى
стр. 361
صور المنهي عنه بالنهي (١).
وقيل كذلك أن في ذكر هذا القيد فائدة شريفة، وهي جواز جعلها في حجره، وأنه لا يجب عليه إبعادها عنه، وتجنب مؤاكلتها، والسفر، والخلوة بها، فأفاد هذا الوصف عدم الامتناع من ذلك (٢).
الحدود كفارات .
قال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا شَهْرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ (النساء: ٢٥).
١٤٥ - قال السعدي ﵀: (وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين "الغفور والرحيم" لكون هذه الأحكام رحمةً بالعباد وكرمًا وإحسانًا إليهم فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة.
ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات (٣)،
стр. 362
يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث (١)) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي مناسبة ختم الآية بهذين الاسمين العظيمين لله وهما"الغفور والرحيم" وهي كون هذه الأحكام فيها توسعة ورحمة على العباد فناسب ختم الآية بهما
قال الرازي: (ثم إنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٥)﴾ وهذا كالمؤكد لما ذكره من أن الأولى ترك هذا النكاح، يعني أنه وإن حصل ما يقتضي المنع من هذا الكلام إلا أنه تعالى أباحه لكم لاحتياجكم إليه، فكان ذلك من باب المغفرة والرحمة) (٣)، وقال بنحو ذلك: أبوحيان، والبقاعي، والخازن، وابن عاشور (٤).
ثم ذكر السعدي استنباطاً آخر وهو أن ذكر المغفرة بعد ذكر الحد فيه إشارة إلى أن الحدود كفارات، ووجه ذلك كونه ذكر الرحمة والمغفرة بعد الحدود ففهم من الإشارة أنها كفارة للذنوب.
стр. 363
وهذا الاستنباط من حيث أخذه من الآية فيه بعد لا يخفى على المتأمل فليس هناك إشارة واضحة تربط بين المعنيين.
وأما بالنسبة لمعنى الاستنباط في ذاته فهو معنى صحيح يدل عليه حديث عبادة بن الصامت التي سبقت الإشارة إليه، قال النووي-على شرحه لهذا الحديث-: (قال القاضي عياض: قال أكثر العلماء: الحدود كفارة استدلالاً بهذا الحديث) (١).
ينبغي لمن عاد إلى الحق أن لا يُذكّر بالأمور السالفة .
قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ (النساء: ٣٤).
١٤٦ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية ونحوها فائدة نافعة، وهي أنه ينبغي لمن عاد إلى الحق أن لا يُذكّر الأمور السالفة، فإن ذلك أحرى للثبات على المطلوب، فإن تذكير الأمور الماضية ربما أثار الشر، فانتكس المرض، وعادت الحال إلى أشد من الأولى) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة تربوية سلوكية، وهي عدم تذكير العائد إلى الحق ما سلف منه في الباطل؛ لأن ذلك قد يكون سبباً في
стр. 364
نكوصه عن الحق ورجوعه إلى الباطل الذي كان عليه، ولم يذكر السعدي وجه استنباط ذلك من الآية، وربما أن يكون ذلك من عدم التفتيش عن توبة المرأة هنا والاكتفاء بالظاهر، وأن التفتيش ربما دعاها أن تعود إلى ما كانت عليه سلفاً، ومن هنا استنبط قاعدة عامة لمن كانت حاله شبيهة بحالها.
واستنباط هذه القاعدة من هذه الآية فيه تكلف ظاهر بل ربط المعنى فيه بعد فليس هناك ما يؤيد حصول هذا المعنى حتى يقاس عليه ويستنبط منه قاعدة، وغاية ما تدل عليه الآية هو عدم التعرض للتائبة بالأذى، والتعامل معها كمن لا ذنب له.
وأما بالنسبة لمعنى القاعدة فهو معنى صحيح يؤيده واقع الحياة فإن كثير اً من الذين يرجعون إلى ما كانوا عليه من الفسق يكون بسبب تذكيرهم ما هم عليه سلفاً مما يجعل فيهم جرأة على المعصية، ويسهل عليهم سقوط حاجز الحياء الذي ربما كان مانعاً، كما أن التذكير فيه تشويق لمعاودة لذة المعصية. والله أعلم.
منع دخول المصلي في الصلاة أثناء النعاس المفرط .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى شَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (٤٣)﴾ (النساء: ٤٣).
١٤٧ - قال السعدي ﵀: (ويؤخذ من المعنى منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل) ا. هـ (١)
стр. 365
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية منع دخول المصلي في الصلاة في حال النعاس المفرط، ووجه الاستنباط أن الله نهى عن دخول المصلي في الصلاة وهو سكران، وهناك إيماء إلى علة النهي وهي عدم إدراك ما يقول (١)، ومن هنا قاس عليه حالة النعاس المفرط التي يكون فيها المصلي في حالة لا يدري ما يقوله.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال السيوطي-عند هذه الآية-: (ففيه كراهة الصلاة حال النعاس) (٢)، وممن قال بنحو ذلك: ابن العربي، ومحمد رشيد رضا (٣).
ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث عائشة ﵂ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا نعس أحدكم وهو يصلي فليرقد حتى يذهب عنه النوم، فإن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري لعله يستغفر فيسب نفسه) (٤)، كما أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
يجب حفظ الأمانات وعدم إضاعتها والتفريط والتعدي فيها .
قال تعالى: ﴿* إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلُهَا وَإِذَا
стр. 366
حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)﴾ (النساء: ٥٨).
١٤٨ - قال السعدي ﵀: (فإذا فهمت أن الله أمر بأداء الأمانات إلى أهلها: استدللت بذلك على وجوب حفظ الأمانات، وعدم إضاعتها والتفريط والتعدي فيها، وأنه لا يتم الأداء لأهلها إلا بذلك) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية وجوب حفظ الأمانات وعدم إضاعتها والتفريط والتعدي فيها، ووجه الاستنباط أن الله أمر بأدائها وهذا يلزم منه حفظها وعدم إضاعتها، والتفريط والتعدي فيها، فالاستنباط هنا بدلالة الالتزام.
وهذا الاستنباط فيه التنبيه على أمر مهم في الأمانة وهو حفظها وعدم إضاعتها أوالتفريط والتعدي فيها؛ لأن هذا هو الذي يقع فيه اختلال في الغالب، بينما لو كانت الأمانة موجودة فإن تأديتها تكون ممكنة.
الأنبياء معصومون فيما يبلغونه عن الله .
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (٦٤)﴾ (النساء: ٦٤).
١٤٩ - قال السعدي ﵀: (وفي هذا إثبات عصمة الرسل
стр. 367
فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه؛ لأن الله أمر بطاعتهم مطلقاً، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقاً) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الرسل معصومون فيما يبلغون عن الله، ووجه الاستنباط من الآية أن الله أمر بطاعتهم مطلقاً مما يدل على أنهم معصومون وإلا لم يأمر بطاعتهم مطلقاً، فلزم من ذلك عصمتهم.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الرازي: (الآية دالة على أن الأنبياء ﵈ معصومون عن المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقاً، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا، فيلزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء الواحد وإنه محال) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً: الهرري (٣).
المخالفون:
خالف في هذا الاستنباط محمد رشيد رضا قائلاً: (وفي هذا الاستدلال نظر؛ فإن الآية تدل على وجوب طاعتهم فيما يأمرون أو يحكمون به الممتنع أن يحكموا أو يأمروا بخلاف ما أنزله الله تعالى عليهم.
стр. 368
وأما أفعالهم التي لم يأمروا ولم يحكموا بها فلا تدل الآية على وجوب اتباعهم فيها وإن كانت من أكبر الطاعات في نفسها. . . ولم يقولوا بعصمة الأنبياء من الخطأ في الاجتهاد وإنما قالوا إن الله لا يقرهم على الخطأ فيه بل يبين لهم الحق فيه. . . ولكن الخطأ في الاجتهاد ليس من المعصية في شيء فهو لا ينافي العصمة) (١).
النتيجة:
وما ذهب إليه محمد رشيد رضا هو الذي تدل عليه الآية، فإن الأمر بطاعتهم مطلقاً لا يلزم منه عصمتهم في كل شيء بل ربما يقع منهم ما هو خلاف ذلك ثم يأتي التنبيه عليه، بل ربما يقع العتاب عليه من الله . والله أعلم.
الحث على فهم النصوص، وعلى الأسباب المعينة على ذلك .
قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ (النساء: ٧٨).
١٥٠ - قال السعدي ﵀: (وفي ضمن ذلك مدْح من يفهم عن الله وعن رسوله، والحث على ذلك، وعلى الأسباب المعينة على ذلك، من الإقبال على كلامهما وتدبره، وسلوك الطرق الموصلة إليه، فلو فقهوا عن الله لعلموا أن الخير والشر والحسنات والسيئات كلها بقضاء الله وقدره، لا يخرج منها شيء عن ذلك) ا. هـ (٢)
стр. 369
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مدح من يفهم عن الله ورسوله، ووجه الاستنباط من الآية أن الله ذم من لا يفهمون عن الله ورسوله فدل بمفهوم المخالفة على مدح الذين يفهمون.
قال الهرري: (وفي الآية إيماء إلى أن حصيف الرأي يجب أن يطلب فقه القول دون الأخذ بالجمل والظواهر، إذ من قنع بذلك بقي في عماية، ويظل طول دهره غراً جاهلاً بما يحيط به من نظم هذا العالم) (١).
وهذا الاستنباط فيه فائدة عظيمة وهي الحث على وسائل الفهم، وتدبر النصوص لأخذ الفوائد واستنباط مالا يمكن فهمه من النص مباشرة.
تولية صاحب الأهلية في الأمور المتعلقه بتخصصه .
قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ (٨٣)﴾ (النساء: ٨٣).
١٥١ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (٢) أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.
وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم،
стр. 370
فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة سلوكية أدبية، وهي تقديم صاحب الأهلية عند إرادة بحث أمر ما وهو متخصص فيه، ووجه هذا الاستنباط من الآية أن الله بين لهم أنهم لوردوه إلى أهل العلم بالاستنباط لعلموه لوجود الأهلية لديهم، فأخذ قياساً على المعنى العام قاعدة عامة في ذلك وأن الأمر ينبغي أن يرجع فيه إلى أهل التخصص فإن ذلك سيكون أقرب في إصابة الحق والبعد من الوقوع في الخطأ.
وقد أشار بعض المفسرين إلى نحو ما قاله السعدي، ومنهم: محمد رشيد رضا، والدوسري، والهرري (٢).
وهذا الاستنباط فيه لفتة مهمة إلى أهمية التخصص، وإيكال القضايا إلى أصحاب التخصصات لأنهم أعرف بدقائق تخصصاتهم، وأقرب لإصابة الحق، ومثل هذا الأمر قد يكون قناعة في الأذهان، وقد تفرضه ضرورة الاحتياج، ولكن كونه يؤصل من القرآن الكريم يكون أكثر تأثيراً وإقناعاً كما استنبطه السعدي هنا.
الحث على ابتداء السلام، والنهي عن عدم رد السلام بالكلية، أو الرد بالدون .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾ (النساء: ٨٦).
стр. 371
١٥٢ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)﴾، ومفهوم ذلك النهي عن عدم الرد بالكلية أو ردها بدونها.
ويؤخذ من الآية الكريمة الحث على ابتداء السلام (١) والتحية من وجهين:
أحدهما: أن الله أمر بردها بأحسن منها أو مثلها، وذلك يستلزم أن التحية مطلوبة شرعًا.
الثاني: ما يستفاد من أفعل التفضيل وهو "أحسن" الدال على مشاركة التحية وردها بالحسن، كما هو الأصل في ذلك) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية النهي عن عدم رد التحية بالكلية، أورد التحية بدونها، ووجه هذا الاستنباط من الآية أن الله أمر برد التحية، أوردها بأفضل منها، ومفهومه أن الرد بأقل أو عدم الرد منهي عنه، وهذا مأخوذ من مفهوم المخالفة في الآية.
وذكر بعض المفسرين أنه يمكن الرد بأقل وتُحمل الآية على الأكمل (٣)، ولكن ما ذهب إليه السعدي هو الصحيح الذي يدل عليه مفهوم المخالفة في الآية، وأما كونه يحمل على الأكمل مع جواز الرد بأقل فهذا يحتاج إلى دليل، كما أنه ينافي مقصود السلام من التآلف والمحبة فالرد بأقل يترك أثراً سيئاً في نفس المبتدئ بالسلام.
стр. 372
ثم أشار السعدي إلى استنباط آخر من الآية وهو الحث على ابتداء السلام، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر بالرد مما يدل على مشروعية الابتداء والحث عليه، وكذلك أفعل التفضيل الدال على المشاركة بين من يبتدئ السلام وبين من يرده فالحث على الرد بأفضل يكون معه الحث كذلك على الابتداء.
خالف بعض المفسرين في ذلك وقالوا ليس في الآية ما يدل على حكم الابتداء، قال ابن عاشور: (ولا دلالة في الآية على حكم الابتداء بالسلام، فذلك ثابت بالسنّة (١) للترغيب فيه) (٢)، كما أشار إليه أبوحيان (٣).
وما ذهب إليه السعدي له وجه صحيح يمكن استنباطه من الآية كما ذكر ذلك، فيكون إضافة لما في السنة من الترغيب في ذلك، وهو وجه دقيق لا يخفى على المتأمل، ولا يوجد فيه ما يمكن أن يرد به، فتكون الإضافة هنا إضافة استدلال، أما المعنى المستنبط فالسنة واضحة في الحث على السلام كما في حديث أبي هريرة ﵁ المشار إليه آنفاً. والله أعلم.
عدم اتخاذ المنافقين أولياء يستلزم عدم محبتهم، وبغضهم .
قال تعالى: ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ (٨٩)﴾ (النساء: ٨٩).
стр. 373
١٥٣ - قال السعدي ﵀: (﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ وهذا يستلزم عدم محبتهم لأن الولاية فرع المحبة، ويستلزم أيضاً بغضهم وعداوتهم لأن النهي عن الشيء أمر بضده) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية عدم جواز محبة الكفار، والمنافقين، بل يجب بغضهم وعداوتهم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله نهى عن اتخاذهم أولياء وهذا يستلزم عدم محبتهم، ونهى عن موالاتهم والنهي عن الشيء أمر بضده، فيؤخذ من النهي عن موالاتهم الأمر ببغضهم وعداوتهم.
والسبب فيه أن أعز الأشياء وأعظمها عند جميع الخلق هو الدين، لأن ذلك هو الأمر الذي به يتقرب إلى الله تعالى، ويتوسل به إلى طلب السعادة في الآخرة، وإذا كان كذلك كانت العداوة الحاصلة بسببه أعظم أنواع العداوة، وإذا كان كذلك امتنع طلب المحبة والولاية في الموضع الذي يكون أعظم موجبات العداوة حاصلا فيه (٢).
وجوب قتال الكفار في أي وقت .
قال تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ (٨٩)﴾ (النساء: ٨٩).
١٥٤ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ أي: في أي وقت وأي محل كان، وهذا من جملة الأدلة الدالة على نسخ القتال في الأشهر الحرم، كما هو قول جمهور العلماء، والمنازعون يقولون: هذه نصوص مطلقة، محمولة على تقييد التحريم في
стр. 374
الأشهر الحرم (١)) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية دلالتها على نسخ القتال في الأشهر الحرم، ووجه استنباط ذلك من الآية العموم، فعموم الآية دال على القتال في أي وقت حتى في الأشهر الحرم.
قال أبو عبيد: (والناس اليوم بالثغور جميعاً على هذا القول يرون الغزو مباحاً في الشهور كلها حلالها وحرامها، لا فرق بين ذلك عندهم، ثم لم أر أحداً من علماء الشام ولا العراق ينكره عليهم، وكذلك أحسب قول أهل الحجاز، والحجة في إباحته عند علماء الثغور قول الله ﵎: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قال أبو عبيد: (فهذه الآية هي الناسخة عندهم لتحريم القتال في الشهر الحرام، فهذا ناسخ القتال ومنسوخه) (٣).
قال ابن جرير الطبري: (والصواب من القول في ذلك ما قاله عطاء بن ميسرة: من أن النهي عن قتال المشركين في الأشهر الحرم منسوخ) (٤).
دية قتل الخطأ للردع عن القتل، وكونها على العاقلة لعدم ذنبه هو فناسب معاونته، والدية لأهل المصاب جبراً لهم .
قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ (النساء: ٩٢).
стр. 375
١٥٥ - قال السعدي ﵀: (ومن حكمته أن أوجب في القتل الدية ولو كان خطأ، لتكون رادعة وكافة عن كثير من القتل باستعمال الأسباب العاصمة عن ذلك.
ومن حكمته أن وجبت على العاقلة في قتل الخطأ، بإجماع العلماء، لكون القاتل لم يذنب فيشق عليه أن يحمل هذه الدية الباهظة، فناسب أن يقوم بذلك من بينه وبينهم المعاونة والمناصرة والمساعدة على تحصيل المصالح وكف المفاسد، ولعل ذلك من أسباب منعهم لمن يعقلون عنه من القتل حذرًا من تحميلهم، ويخف عنهم بسبب توزيعه عليهم بقدر أحوالهم وطاقتهم، وخففت أيضا بتأجيلها عليهم ثلاث سنين.
ومن حكمته وعلمه أن جبر أهل القتيل عن مصيبتهم، بالدية التي أوجبها على أولياء القاتل) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية دلالة ختمها باسم الله الحكيم، وأن لهذا الاسم في هذه الأحكام دلائل، منها أن قاتل الخطأ عليه دية مع عدم تعمده القتل ولكن لأجل ردعه عن القتل وبياناً لعظم هذا الفعل ولو كان خطأ، وكذلك كون دية قاتل الخطأ على عاقلته لأنه لم يقصد القتل فكانت معاونته واجبة من أقاربه، وكذلك جبر أولياء القتيل بالدية، كل ذلك شرع لهذه الحكم فناسب ختم هذه الأحكام بهذا الاسم.
قال الألوسي: (﴿حَكِيمًا﴾ في كل ما شرع وقضى من الأحكام التي من جملتها ما شرع وقضى في شأنه) (٢).
وقال أبو حيان: (﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ أي عليماً بمن
стр. 376
قتل خطأ، حكيماً حيث رتب ما رتب على هذه الجناية على ما اقتضته حكمته تعالى). (١)
النظر إلى المغانم الأخروية عند الله تعالى من أسباب علاج هوى النفوس .
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ (٩٤)﴾ (النساء: ٩٤).
١٥٦ - قال السعدي ﵀: (وفي هذا إشارة إلى أن العبد ينبغي له إذا رأى دواعي نفسه مائلة إلى حالة له فيها هوى وهي مضرة له، أن يُذَكِّرها ما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، وقدَّم مرضاة الله على رضا نفسه، فإن في ذلك ترغيباً للنفس في امتثال أمر الله، وإن شق ذلك عليها) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة تربوية سلوكية، وهي أن الإنسان إذا رأى من نفسه ميلاً إلى حالة مضرة له، فإن عليه أن يذكر نفسه بما أعد الله لمن نهى نفسه عن هواها، فإن في ذلك تشويقاً للنفس بترك الهوى وابتغاء ما عند الله، ووجه هذا الاستنباط من الآية أن قوله تعالى: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تعليلٌ للنهي عن ابتغاء مالِه بما فيه من الوعد الضِّمني كأنه قيل: لا تبتغوا مالَه فعند الله مغانمُ كثيرةٌ يُغنِمُكموها فيغنيكم عن
стр. 377
ارتكاب ما ارتكبتموه (١)، فأخذ من ذلك قاعدة عامة وهي أن العلاج النافع في كبح هوى النفس هو تذكيرها بما عند الله من المغانم الكثيرة التي تسقط أمامها جميع أطماع النفوس.
وهذه فائدة عظيمة قل من المفسرين من نبه عليها في هذا الموطن، وهي علاج نافع لهوى النفس الذي قد يورد صاحبه المهالك.
وجوب الهجرة .
قال تعالى: ﴿قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا (٩٧)﴾ (النساء: ٩٧).
١٥٧ - قال السعدي ﵀: (وفي الآية دليل على أن الهجرة من أكبر الواجبات (٢) وتركها من المحرمات، بل من
الكبائر) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية وجوب الهجرة، ووجه استنباط ذلك من الآية هو أن الله توعد الذين لم يهاجروا بالنار، وعاتبهم على ترك الهجرة، واستثنى من ذلك الضعفاء وغير القادرين على الهجرة، وهذا كله لا يكون إلا على ترك واجب.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الشوكاني: (وقد استدل بهذه الآية على أن الهجرة واجبة على كل من كان بدار الشرك، أو بدار يعمل فيها بمعاصي الله جهاراً، إذا كان قادراً على الهجرة، ولم يكن من المستضعفين، لما في هذه الآية الكريمة من العموم، وإن كان السبب خاصاً، كما تقدّم، وظاهرها عدم الفرق بين مكان، ومكان وزمان وزمان) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، وأبو السعود، والسيوطي، والألوسي، ومحمد رشيد رضا، والدوسري (٣).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في ذلك، وقالوا إن حكم الهجرة كان واجباً
стр. 380
في أول الإسلام ثم نُسخ، وممن قال بذلك من المفسرين: إلكيا الهراسي، حيث قال: (وكل ذلك حال كانت الهجرة فرضاً. . .، ثم نُسخ فرض الهجرة) (١)، وممن قال به أيضاً: ابن عاشور (٢).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح في وجوب الهجرة في حق من وجبت عليه وهو قادر، وأما القول بالنسخ فلا يصح؛ لإجماع العلماء على وجوب الهجرة في حق القادر (٣).
ومما يؤيد ذلك أن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً، وكان سبب هجرة من نزلت في حقهم الآية استضعاف وتسلط المشركين عليهم، فمتى وجدت هذه العلة وجد الحكم.
كما أن القول بالهجرة فيه فتح للمسلمين وتقوية لهم وإعزاز فالنبي ﷺ كانت هجرته سبباً في تمكنه وإقامة دولة الإسلام الأولى.
وكل هذا يضعف القول بالنسخ، حتى إن بعض من يقول بذلك ذهب إلى إثبات حكم الهجرة بالقياس، مع إن إثبات الأحكام بالنصوص أقوى من إثباتها بالقياس. والله أعلم.
من بذل جهده لتحقيق مأمور ثم عجز عنه فإنه معذور .
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ
стр. 381
جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ (النساء: ٩٧ - ٩٨).
١٥٨ - قال السعدي ﵀: (وفي الآية الكريمة دليل على أن من عجز عن المأمور من واجب وغيره فإنه معذور،. . . ولكن لا يعذر الإنسان إلا إذا بذل جهده وانسدت عليه أبواب الحيل لقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية دليلاً لقاعدة فقهية، وهي أن من عجز عن المأمور فإنه معذور، ولكن بشرط أن يبذل جهده في سبيل فعل هذا المأمور فإن عجز عن ذلك فلا شيء عليه، ووجه هذا الاستنباط من الآية أن الله عذر المستضعفين في عدم الهجرة مع أنها واجبة، ولكن لعدم قدرتهم عليها عذرهم.
قال اللاحم في معرض ذكره للفوائد والأحكام من هذه الآية: (وفيها: أن من عجز عن فعل مأمور فإنه معذور لقوله تعالى: (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ)) (٢).
الدليل في الحج والعمرة من شروط الاستطاعة .
قال تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ (النساء: ٩٨).
١٥٩ - قال السعدي ﵀: (وفي الآية تنبيه على أن الدليل
стр. 382
في الحج والعمرة ونحوهما مما يحتاج إلى سفر من شروط الاستطاعة) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الدليل-أي الذي يدلهم الطريق- في الحج والعمرة من شروط الاستطاعة، ووجه الاستنباط من الآية أن الله عذر الذين لا يهتدون السبيل لا بأنفسهم ولا بغيرهم فكانوا من جملة الذين سقط عنهم وجوب الهجرة لعدم وجود من يدلهم الطريق، وقاس السعدي على ذلك الحاج والمعتمر الذي لا يجد دليلاً فإنه يسقط عنه الوجوب.
قال اللاحم في معرض ذكره للفوائد والأحكام من هذه الآية: (ومنها: أن وجود الدليل شرط لوجوب الحج والعمرة، لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (٩٨)﴾ (٢).
مناسبة التعبير بـ "من" في ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةُ﴾ .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةُ (١٠١)﴾ (النساء: ١٠١).
١٦٠ - قال السعدي ﵀: (وقوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةُ﴾ ولم يقل أن تقصروا الصلاة فيه فائدتان:
إحداهما: أنه لو قال أن تقصروا الصلاة لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود، فربما ظن أنه لو قصر معظم الصلاة وجعلها ركعة واحدة
стр. 383
لأجزأ، فإتيانه بقوله: ﴿مِنَ الصَّلَاةُ﴾ ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط، مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي ﷺ وأصحابه.
الثانية: أن ﴿مِنَ﴾ تفيد التبعيض ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات المفروضات لا جميعها، فإن الفجر والمغرب لا يقصران وإنما الذي يقصر الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التعبيربـ"من"في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةُ﴾ وبين أن مناسبة ذلك هو ضبط القصر، والإشارة إلى أن القصر خاص ببعض الصلوات دون البعض الآخر.
قال البقاعي: (ولما كان القصر خاصاً ببعض الصلوات، أتى بالجار لذلك ولإفادة أنه في الكم لا في الكيف فقال: ﴿مِنَ الصَّلَاةُ﴾ أي فاقصروا إن أردتم وأتموا إن أردتم، وبينت السنة أعيان الصلوات المقصورات، وكم يقصر منها من ركعة، وأن القصر من الكمية لا من الكيفية) (٢)، وممن قال بنحو ذلك من المفسرين: الرازي، والألوسي. (٣)
تقييد القصر بخوف الفتنة لا مفهوم له، فيجوز القصر ولو مع الأمن .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةُ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا (١٠١)﴾ (النساء: ١٠١).
стр. 384
١٦١ - قال السعدي ﵀: (فإذا تقرر أن القصر في السفر رخصة، فاعلم أن المفسرين قد اختلفوا في هذا القيد، وهو قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذي يدل ظاهره أن القصر لا يجوز إلا بوجود الأمرين كليهما، السفر مع الخوف.
ويرجع حاصل اختلافهم إلى أنه هل المراد بقوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ قصر العدد فقط؟ أو قصر العدد والصفة؟ فالإشكال إنما يكون على الوجه الأول.
وقد أشكل هذا على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁، حتى سأل عنه النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ما لنا نقصر الصلاة وقد أمِنَّا؟ أي: والله يقول: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقال رسول الله ﷺ : "صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته" (١) أو كما قال ﷺ .
فعلى هذا يكون هذا القيد أتى به نظراً لغالب الحال التي كان النبي ﷺ وأصحابه عليها، فإن غالب أسفاره أسفار جهاد.
وفيه فائدة أخرى وهي بيان الحكمة والمصلحة في مشروعية رخصة القصر، فبيَّن في هذه الآية أنهى ما يتصور من المشقة المناسبة للرخصة، وهي اجتماع السفر والخوف، ولا يستلزم ذلك أن لا يقصر مع السفر وحده، الذي هو مظنة المشقة) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي ما استنبطه جمهور المفسرين من أن الصلاة تقصر في السفر مطلقاً، سواء كان فيه خوف أم لا، وجعلوا القيد خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، وزاد السعدي أن للقيد فائدة أخرى وهي بيان أعلى
стр. 385
الصور من اجتماع الخوف مع السفر ولكن هذا لا يمنع من الجمع في وجود أحدهما دون الآخر.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال البيضاوي: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ شريطة باعتبار الغالب في ذلك الوقت، ولذلك لم يعتبر مفهومها كما لم يعتبر في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقد تظاهرت السنن على جوازه أيضاً في حال الأمن) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: القصاب، والجرجاني، والرازي، وابن كثير، وأبو السعود، والخازن، والألوسي، والشوكاني (٣).
المخالفون:
خالف في هذا الاستنباط داود الظاهري، ونُسب كذلك إلى سعد بن أبي وقاص (٤) فقالوا إن مفهوم الشرط هنا معتبر وأن القصر إنما هو حال الخوف أم مع الأمن فلا يجوز القصر؛ لأن جوازه هنا معلق بشرط فإذا انتفى الشرط فلا يجوز فعل ما رتب عليه، قال الخازن: (ذهب داود الظاهري إلى أن جواز القصر مخصوص بحال الخوف واستدل على صحة
مذهبه بقوله تعالى: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولأن عدم الشرط يقتضي عدم المشروط فعلى هذا لا يجوز القصر عند الأمن ولا يجوز رفع هذا الشرط بخبر الآحاد لأنه يقتضي نسخ القرآن بخبر واحد) (٥).
стр. 386
النتيجة:
ما ذهب إليه جمهور المفسرين هو الصحيح في عدم اعتبار مفهوم هذا القيد، ومما يؤيد عدم الأخذ به أنه خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كذلك كلمة "إن" تفيد حصول الشرط ولا يلزم عند عدم الشرط عدم المشروط (١)، وكذلك صريح السنة صريح في عدم اعتبار مفهوم هذا القيد، قال أبوحيان: (والحديث الصحيح يدلّ على أنّ هذا الشرط لا مفهوم له، فلا فرق بين الخوف والأمن، وحديث يعلى (٢) في ذلك مشهور صحيح) (٣). والله أعلم.
صلاة الخوف جماعة دليل على أن صلاة الجماعة فرض عين .
قال تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ. . . (١٠٢)﴾ (النساء: ١٠٢).
١٦٢ - قال السعدي ﵀: (وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين (٤) من وجهين:
стр. 387
أحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر مهاجمتهم، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن من باب أَوْلَى وأحرى.
والثاني: أن المصلين صلاة الخوف يتركون فيها كثيراً من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الصلاة جماعة فرض عين، ووجه الاستنباط من الآية أن الله أمر بالجماعة حال الخوف، فوجوبها في حال الأمن أولى بناء على قياس
الأولى، كذلك ترك بعض أفعال الصلاة التي يمكن أن يفعلها لوكان لوحده مما يدل على فرضية صلاة الجماعة فلم تترك هذه الأفعال إلا في مقابل ما هو أولى منها.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الكرجي القصاب: (وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ حجة لمن يزعم أن صلاة الجماعة فرض، إذ لا تجوز أفعال الضرورة-من التقدم والتأخر والانتظار- في صلاة يستطيع المنفرد أن لا يفعلها ولو فعلها لفسدت عليه، إلا وإقامتها في الجماعة فرض) (٢)
وقال الشنقيطي: (آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة؛ لأن الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم، إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف؛ لأنه
стр. 388
عذر ظاهر) (١)، وقد أشار إلى ذلك من المفسرين: ابن كثير، والسيوطي (٢).
من فعل عبادة على وجه القصور فعليه تدارك النقص بذكر الله .
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ (النساء: ١٠٣).
١٦٣ - قال السعدي ﵀: ((ذكر الله تعالى) مرقع للخلل، متمم لما فيه نقص، ودليله قوله تعالى - بعدما ذكر صلاة الخوف وما فيها من عدم الطمأنينة ونحوها (٣) - قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] أي لينجبر نقصكم وتتم فضائلكم. ويشبه هذا أن الكمال هو الاستثناء في قول العبد: إني فاعل ذلك غدا، فيقول: إن شاء الله ; فإذا نسي فقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وهذا أعم من كونه يستثني بل يذكر الله تعالى تكميلاً لما فاته من الكمال ; والله أعلم، فعلى هذا المعنى ينبغي لمن فعل
стр. 389
عبادة على وجه فيه قصور، أو أخل بما أمر به على وجه النسيان أن يتدارك ذلك بذكر الله تعالى ليزول قصوره ويرتفع خلله) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن من فعل عبادة على وجه القصور فعليه أن يتدارك هذا النقص بذكر الله، ووجه هذا الاستنباط من الآية أن الله أمر بالذكر بعد صلاة الخوف لما فيها من نقص وخلل بالنسبة لصلاة الآمنين، فأخذ من هذا المعنى أن كل عبادة فيها قصور تجبر بالذكر قياساً على هذا المعنى.
وهذا الاستنباط نافع المعنى مهم التطبيق، حيث إن الإنسان لا يخلو من التقصير في أداءه للعمل وهو بحاجة لمعرفة المسددات والمكملات لهذا النقص.
جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لا يعرف عنه ظلم .
قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ (النساء: ١٠٥).
١٦٤ - قال السعدي ﵀: (قال: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن
стр. 390
لم يعرف عنه ظلم، ووجه الاستنباط من الآية أن الله نهى عن النيابة عن المبطل في الخصومة، ومفهوم المخالفة - مفهوم الصفة-أن صاحب الحق تجوز النيابة عنه.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي في هذا الاستنباط، قال إلكيا الهراسي: (وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن الفرس، والقرطبي، والسيوطي (٢).
وهذا الاستنباط عظيم الفائدة في عدم النيابة عن أصحاب الظلم، وهو يعالج إشكالاً قائماً عند المحامين اليوم، حيث أصبحت المحاماة تجارة دون أن يراعي بعضهم الالتفات إلى كون موكله ظالماً أو مظلوماً، فيأتي هذا الاستنباط ليعلم الداخلين في هذا الباب أن المحاماة لها ضوابط، ومن أهمها عدم الدخول في المحاماة عن أصحاب الظلم.
توعد المخالف لسبيل المؤمنين دليل على أن الإجماع حجة .
قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (النساء: ١١٥).
١٦٥ - قال السعدي ﵀: (وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أن إجماع هذه الأمة حجة وأنها معصومة من الخطأ.
ووجه ذلك: أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار،