← Тафсир

Тафсир · id 14

استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة

سيف بن منصر الحارثي

Полный текст (896 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

النتيجة: ما ذهب إليه جمهور المفسرين هو الصحيح في عدم اعتبار مفهوم هذا القيد، ومما يؤيد عدم الأخذ به أنه خرج مخرج الغالب، وما خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، كذلك كلمة "إن" تفيد حصول الشرط ولا يلزم عند عدم الشرط عدم المشروط (١)، وكذلك صريح السنة صريح في عدم اعتبار مفهوم هذا القيد، قال أبوحيان: (والحديث الصحيح يدلّ على أنّ هذا الشرط لا مفهوم له، فلا فرق بين الخوف والأمن، وحديث يعلى (٢) في ذلك مشهور صحيح) (٣). والله أعلم. صلاة الخوف جماعة دليل على أن صلاة الجماعة فرض عين . قال تعالى: وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ. . . (١٠٢)﴾ (النساء: ١٠٢). ١٦٢ - قال السعدي ﵀: (وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين (٤) من وجهين:

стр. 387

أحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر مهاجمتهم، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن من باب أَوْلَى وأحرى. والثاني: أن المصلين صلاة الخوف يتركون فيها كثيراً من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الصلاة جماعة فرض عين، ووجه الاستنباط من الآية أن الله أمر بالجماعة حال الخوف، فوجوبها في حال الأمن أولى بناء على قياس الأولى، كذلك ترك بعض أفعال الصلاة التي يمكن أن يفعلها لوكان لوحده مما يدل على فرضية صلاة الجماعة فلم تترك هذه الأفعال إلا في مقابل ما هو أولى منها. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الكرجي القصاب: (وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ حجة لمن يزعم أن صلاة الجماعة فرض، إذ لا تجوز أفعال الضرورة-من التقدم والتأخر والانتظار- في صلاة يستطيع المنفرد أن لا يفعلها ولو فعلها لفسدت عليه، إلا وإقامتها في الجماعة فرض) (٢) وقال الشنقيطي: (آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة؛ لأن الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم، إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف؛ لأنه

стр. 388

عذر ظاهر) (١)، وقد أشار إلى ذلك من المفسرين: ابن كثير، والسيوطي (٢). من فعل عبادة على وجه القصور فعليه تدارك النقص بذكر الله . قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ (النساء: ١٠٣). ١٦٣ - قال السعدي ﵀: ((ذكر الله تعالى) مرقع للخلل، متمم لما فيه نقص، ودليله قوله تعالى - بعدما ذكر صلاة الخوف وما فيها من عدم الطمأنينة ونحوها (٣) - قال: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] أي لينجبر نقصكم وتتم فضائلكم. ويشبه هذا أن الكمال هو الاستثناء في قول العبد: إني فاعل ذلك غدا، فيقول: إن شاء الله ; فإذا نسي فقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] وهذا أعم من كونه يستثني بل يذكر الله تعالى تكميلاً لما فاته من الكمال ; والله أعلم، فعلى هذا المعنى ينبغي لمن فعل

стр. 389

عبادة على وجه فيه قصور، أو أخل بما أمر به على وجه النسيان أن يتدارك ذلك بذكر الله تعالى ليزول قصوره ويرتفع خلله) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من فعل عبادة على وجه القصور فعليه أن يتدارك هذا النقص بذكر الله، ووجه هذا الاستنباط من الآية أن الله أمر بالذكر بعد صلاة الخوف لما فيها من نقص وخلل بالنسبة لصلاة الآمنين، فأخذ من هذا المعنى أن كل عبادة فيها قصور تجبر بالذكر قياساً على هذا المعنى. وهذا الاستنباط نافع المعنى مهم التطبيق، حيث إن الإنسان لا يخلو من التقصير في أداءه للعمل وهو بحاجة لمعرفة المسددات والمكملات لهذا النقص. جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لا يعرف عنه ظلم . قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ (النساء: ١٠٥). ١٦٤ - قال السعدي ﵀: (قال: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾ ويدل مفهوم الآية على جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن لم يعرف منه ظلم) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز الدخول في نيابة الخصومة لمن

стр. 390

لم يعرف عنه ظلم، ووجه الاستنباط من الآية أن الله نهى عن النيابة عن المبطل في الخصومة، ومفهوم المخالفة - مفهوم الصفة-أن صاحب الحق تجوز النيابة عنه. وقد وافق بعض المفسرين السعدي في هذا الاستنباط، قال إلكيا الهراسي: (وفيه دليل على أنه لا يجوز لأحد أن يخاصم عن أحد إلا بعد أن يعلم أنه محق) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن الفرس، والقرطبي، والسيوطي (٢). وهذا الاستنباط عظيم الفائدة في عدم النيابة عن أصحاب الظلم، وهو يعالج إشكالاً قائماً عند المحامين اليوم، حيث أصبحت المحاماة تجارة دون أن يراعي بعضهم الالتفات إلى كون موكله ظالماً أو مظلوماً، فيأتي هذا الاستنباط ليعلم الداخلين في هذا الباب أن المحاماة لها ضوابط، ومن أهمها عدم الدخول في المحاماة عن أصحاب الظلم. توعد المخالف لسبيل المؤمنين دليل على أن الإجماع حجة . قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١١٥)﴾ (النساء: ١١٥). ١٦٥ - قال السعدي ﵀: (وقد استدل بهذه الآية الكريمة على أن إجماع هذه الأمة حجة وأنها معصومة من الخطأ. ووجه ذلك: أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين بالخذلان والنار،

стр. 391

و ﴿سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ مفرد مضاف يشمل سائر ما المؤمنون عليه من العقائد والأعمال، فإذا اتفقوا على إيجاب شيء أو استحبابه، أو تحريمه أو كراهته، أو إباحته - فهذا سبيلهم، فمن خالفهم في شيء من ذلك بعد انعقاد إجماعهم عليه، فقد اتبع غير سبيلهم) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الإجماع حجة، ووجه الاستنباط من الآية أن الله توعد من خالف سبيل المؤمنين، فإذا اتفقوا على أمر ما فهذا سبيلهم، فمن خالفهم فقد اتبع غير سبيل المؤمنين، فدل ذلك على أن ما اتفقوا عليه حجة لا يجوز مخالفتها. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الجصاص: (وقرن اتباع غير سبيل المؤمنين إلى مباينة الرسول ﷺ فيما ذكر له من الوعيد، فدل على صحة إجماع الأمة لإلحاقه الوعيد بمن اتبع غير سبيلهم) (٢)، وقال ابن كثير في هذا الاستنباط: (وهو من أحسن الاستنباطات وأقواها، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك واستبعد الدلالة منها-أي الآية- على ذلك) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين: إلكيا الهراسي، وأبو المظفر السمعاني، وابن الفرس، والزمخشري، والرازي، والقرطبي، والطوفي، والبيضاوي، وأبو السعود، والسيوطي، والشنقيطي. (٤)

стр. 392

المخالفون: خالف في هذا الاستنباط بعض المفسرين،، قال الشوكاني: (وقد استدل جماعة من أهل العلم بهذه الآية على حجية الإجماع لقوله: ﴿وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولا حجة في ذلك عندي؛ لأن المراد بغير سبيل المؤمنين هنا: هو الخروج من دين الإسلام إلى غيره، كما يفيده اللفظ ويشهد به السبب، فلا تصدق على عالم من علماء هذه الملة الإسلامية اجتهد في بعض مسائل دين الإسلام، فأدّاه اجتهاده إلى مخالفة من بعصره من المجتهدين، فإنه إنما رام السلوك في سبيل المؤمنين، وهو الدين القويم والملة الحنيفية، ولم يتبع غير سبيلهم) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: أبوحيان، والراغب، وابن جزي الكلبي، ومحمد رشيد رضا (٢). ومن حجج هؤلاء كذلك في الرد على الاستدلال بالآية ما ذكره الراغب الأصفهاني بأن سبيل المؤمنين الإيمان كما إذا قيل: اسلك سبيل الصائمين والمصلين أي في الصوم والصلاة، فلا دلالة في الآية على حجية الإجماع، ووجوب اتباع المؤمنين في غير الإيمان (٣). وكذلك ما ذكره أبو حيان حيث قال: (وما ذكره ليس بظاهر الآية المرتب على وصفين اثنين، لا يلزم منه أن يترتب على كل واحد منهما، فالوعيد إنما ترتب في الآية على من اتصف بمشاقة الرسول واتباع سبيل غير المؤمنين) (٤).

стр. 393

النتيجة: ما ذهب إليه جمهور المفسرين من دلالة الآية على حجية الإجماع هو الصحيح، وذلك للعموم فسبيل المؤمنين عامة يدخل فيها الإجماع، كذلك دلالة الاقتران فكون مشاقة الرسول ﷺ مقترنة بمخالفة سبيل المؤمنين والوعيد عليها واحد ففيه دلالة على أن طريق المؤمنين واجبة الاتباع ومنها الإجماع، كما أن متابعة الرسول ﷺ واجبة. وأما ما قاله الشوكاني من أن علماء الأمة المجتهدين قد تحدث منهم مخالفة لمجتهدي عصرهم، فيكون في ذلك مخالفة لسبيل المؤمنين، فهذا غير وراد هنا لأن الكلام على الإجماع أما باب الاجتهاد فوارد الاختلاف فيه، ولايعد الاختلاف فيه مجانبة لسبيل المؤمنين. وأما ما قاله الراغب من تخصيص سبيل المؤمنين هنا فهو تخصيص بلا مخصص، فسبيل المؤمنين هنا عامة. وأما ما قاله أبوحيان من أن الوعيد مرتب على اجتماع الأمرين مشاقة الرسول ومتابعة غير سبيل المؤمنين، فالجواب عليه أن الجمع بين أمرين في الوعيد عليهما دال على أن كل واحد منهما يستحق ذلك الوعيد بمفرده، وليس هناك ما يدل على أن الوعيد مرتب على اجتماعهما إذ هو معلوم أن كل واحد من الأمرين معصية لوحدها، فاجتماعهما في هذه الآية بوعيد واحد لا يعني أن الوعيد مرتب على اجتماعهما. ومن هنا يتبين دلالة الآية على حجية الإجماع، وليس هناك مع من خالف حجة يمكن أن ترد هذا الاستدلال. والله أعلم.

стр. 394

يجب على العبد أن يثق بأن الله إذا أغلق عليه باباً سيفتح له باباً . قال تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ (النساء: ١٣٠). ١٦٦ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)﴾ في هذه الآية فائدة عظيمة، وهي أن العبد عليه أن يعتمد على الله، ويرجو فضله وإحسانه، ويعمل ما أبيح له من الأسباب ; وأنه إذا انغلق عليه باب وسبب من الأسباب التي قدرها الله لرزقه فلا يتشوش لذلك ولا ييأس من فضل الله، ويعلم أن جميع الأسباب مستندة إلى مسببها، فيرجو الذي أغلق عليه هذا الباب أن يفتح له بابا من أبواب الرزق أوسع وأحسن من الباب الأول، وهذه العبودية من أفضل عبوديات القلب، وبها يحصل التوكل والكفاية والراحة والطمأنينة. فهذه المرأة المتصلة بزوج ينفق عليها ويقوم بمؤنتها فإذا حصل لها فرقة منه وتوهمت انقطاع النفقة والكفاية فلتلجأ إلى فضل الله ووعده بأنه سيغنيها وقال: ﴿يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ ولم يقل " يغنيها " مع أن السياق يدل عليه لئلا يتوهم اختصاصها بهذا الوعد، وإنما الوعد لها وله، فالله أوسع وأكثر، ولكن هباته وعطاياه تبع لحكمته، ومن الحكمة أن من انقطع رجاؤه من المخلوقين، ومن كل سبب، واتصل أمله بربه ووثق بوعده ورجا بره فإن الله يغنيه ويقنيه ; والله الموفق لمن صلح باطنه وحسنت نيته فيما عند ربه) ا. هـ (١)

стр. 395

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية فائدة تربوية سلوكية، وهي أن العبد إذا انغلقت عليه الأبواب فعليه أن يكون واثقاً بالله بأن يفتح له أبواباً أخرى، ووجه الاستنباط من الآية أن الله وعد المتفارقين بأن يغني كلاً منهما مع أن التفرق مظنة انقطاع المصالح، إلا أن الله وعدهما بالغنى، فقاس على هذا المعنى قاعدة عامة فكل إنسان فارق أمراً محبوباً عنده فعليه أن يثق بأن الله سيفتح له أبواباً من الفرج لا تخطر له على بال. قال الدوسري موافقاً السعدي على هذا الاستنباط: (وكما قلنا بعموم سعة الله وحكمته وشمولها لكل شيء، وعدم اختصاصهما بالزوجين، فينبغي أن ينطبع بهما المسلم المؤمن انطباعاً تاماً حتى لا يتأثر ولا يتحسر على ما ناله من حرمان شباب، أوقوة، أوثروة، أوولد، أوصحة ونحو ذلك من متاع الدنيا، ويستيقن أن الله سيعوضه من واسع فضله حسب حكمته). (١) وهذا العطاء إنما يكون بعد بذل الأسباب التي بوسع الإنسان بذلها، فإذا استنفذ طاقته وأدى ما بوسعه، فرج الله عنه، ويسر له أموره، وأبدله خيراً مما أخذ منه، وبهذا ينسد الباب على الكسالى، أو الذين يفرطون في فقدان الأشياء وينتظرون البديل، فلا بد من التنبه لهذا الأمر. تخصيص الاعتصام والإخلاص بالذكر لشدة الحاجة إليهما . قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ

стр. 396

فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ (النساء: ١٤٥ - ١٤٦). ١٦٧ - قال السعدي ﵀: (وتأمل كيف خص الاعتصام والإخلاص بالذكر، مع دخولهما في قوله: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ لأن الاعتصام والإخلاص من جملة الإصلاح، لشدة الحاجة إليهما خصوصا في هذا المقام الحرج الذي يمكن من القلوب النفاق، فلا يزيله إلا شدة الاعتصام بالله، ودوام اللجأ والافتقار إليه في دفعه، وكون الإخلاص منافيا كل المنافاة للنفاق، فذكرهما لفضلهما وتوقفِ الأعمال الظاهرة والباطنة عليهما، ولشدة الحاجة في هذا المقام إليهما) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص الاعتصام والإخلاص بالذكر مع دخولهما في قوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحُوا﴾ فهما من جملة الإصلاح المطلوب، وبين أن مناسبة هذا التخصيص لشدة الحاجة إليهما في هذا المقام وهو مقام التخلص من النفاق، الذي لا يستطيع الإنسان أن يفعله إلا إذا كان معتصماً بالله، مخلصاً له، فالاعتصام بالله والإخلاص لله تقضي على النفاق وتزيله، فلا يبقى للنفاق محل في قلب معتصم بالله مخلص له، ولهذا كانت التخصيص بالذكر في غاية المناسبة، إذ تبين أن الإخلاص والاعتصام بالله علاج رباني نافع لإزالة النفاق من القلوب. وقد أشار أبو حيان إلى وجه آخر لا يبعد عن ما ذكره السعدي، فقال: (. . . ثم الاعتصام بالله في المستقبل وهو المقابل لموالاة الكافرين والاعتماد عليهم في الماضي، ثم الإخلاص لدين الله وهو المقابل للرياء

стр. 397

الذي كان لهم في الماضي). (١) فكان فيه تخصيص أكثر لمناسبة الذكر فالاعتصام يعالج ما كان في القلب من موالاة الكفار والاعتماد عليهم، والإخلاص يعالج ما كان في القلب من الرياء. مناسبة التعبير بـ (ويؤت الله المؤمنين) دون (يؤتيهم) . قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ (النساء: ١٤٥ - ١٤٦). ١٦٨ - قال السعدي ﵀: (وتأمل كيف لما ذكر أن هؤلاء مع المؤمنين لم يقل: وسوف يؤتيهم أجراً عظيماً، مع أن السياق فيهم، بل قال: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ لأن هذه القاعدة الشريفة -لم يزل الله يبدئ فيها ويعيد، إذا كان السياق في بعض الجزئيات، وأراد أن يرتب عليه ثوابًا أو عقاباً وكان ذلك مشتركًا بينه وبين الجنس الداخل فيه، رتب الثواب في مقابلة الحكم العام الذي تندرج تحته تلك القضية وغيرها، ولئلا يتوهم اختصاص الحكم بالأمر الجزئي، فهذا من أسرار القرآن البديعة، فالتائب من المنافقين مع المؤمنين وله ثوابهم) ا. هـ (٢)

стр. 398

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التعبير باللفظ العام في قوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾، دون أن يقول (وسوف يؤتيهم)، وأن مناسبة ذلك دفع توهم تخصيص هذا الأجر بهذه الفئة المحدودة والتي يشاركها الثواب عموم المؤمنين، فكان التعبير باللفظ العام يدفع هذا التوهم، ووجه استنباط المناسبة من الآية بأسلوب مطرد في القرآن الكريم وهو إذا كان الثواب والعقاب مشتركاً، وكان السياق في بعض الجزئيات فإنه يأتي بالثواب أو العقاب عاماً تندرج فيه هذه الجزئية وغيرها مما يشترك معها في الثواب أو العقاب لدفع توهم التخصيص بالجزئية.

стр. 399

سورة المائدة من قصد البيت ليفسد فيه منع منه . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرُ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا (٢)﴾ (المائدة: ٢). ١٦٩ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿وَلَا آَمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ (١) والتخصيص في هذه الآية بالنهي عن التعرض لمن قصد البيت ابتغاء فضل الله أو رضوانه، يدل على أن من قصده ليلحد فيه بالمعاصي، فإن من تمام احترام الحرم صد من هذه حاله عن الإفساد ببيت الله) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية صد من قصد البيت الحرام ليفسد فيه، ووجه الاستنباط من الآية أن الله نهى عن التعرض لمن أراد

стр. 400

البيت يبتغي فضل الله ورضوانه، فدل مفهوم المخالفة أن من قصد البيت ليفسد فيه فإنه يمنع من ذلك. وهذا الاستنباط فيه بيان تعظيم البيت الحرام، ومنع أهل الإفساد من دخوله فضلاً عن المكث فيه. تعليم الله العباد العلوم التي تنفعهم في دينهم ودنياهم من نعم الله على العباد . قال تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ((٤)﴾ (المائدة: ٤). ١٧٠ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية فيها فوائد كثيرة: - منها: أن تعليم الله لعباده العلوم التي يدركون بها المعاش ويتوسلون بها إلى المنافع الدنيوية من نعمه العظيمة، فإنه امتن على العباد بما يعلمون الجوارح الأسباب التي تحصل لهم بها الصيد حتى يكون ما تدركه الجوارح بمنزلة ما يباشروه من الأعمال، لأنها من أعمالهم، فكل علم علمه الله الإنسان يدرك به منافعه الدينية والدنيوية، فإنه من نعمه) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من نعم الله التي امتن بها على عباده، تعليمهم العلوم التي يحصلون بها معاشهم، وينالون بسببها منافعهم الدنيوية، ووجه الاستنباط من الآية أن الله امتن على العباد بما علمهم من الأمور التي ينالون بها الصيد، وحثهم على تعليم هذه العلوم لكلاب

стр. 401

الصيد، مذكراً هؤلاء على وجه الامتنان أن هذه العلوم في أصلها مما علمه الله لهم، وأخذ السعدي من هذا المعنى فجعله معنى عاماً. وهذا الاستنباط فيه تنبيه لما قد يظنه بعض الناس من صميم اكتشافات البشر وقد يغفل عن أن أصل هذا العلوم منّة من الله جل شأنه تفضل بها على العباد. فما نراه اليوم من تعدد هذه الاكتشافات العلمية التي نفعت الناس في دينهم ودنياهم، إنما هي من الله مما يجعل الإنسان يستشعر هذه النعمة ومن ثَم يشكر الله عليها. تعليم الكلاب للصيد يكون حسب العرف . قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ (المائدة: ٤). ١٧١ - قال السعدي ﵀: (وفيها-أي الآية-: أن تعليمها يكون بحسب العرف والعادة (١)، لأن الله أطلق التعليم ولم يقيده إلا

стр. 402

بقيدين: أحدهما: أن تتعلم هذه الجوارح تعلما تمسك على صاحبها وتتميز عن الجوارح التي تمسك لنفسها وعلى نفسها، ويعرف ذلك بالقرائن المعروفة، ثانيهما: ذكر اسم الله عند إرسالها، فإرسالها بمنزلة تحريك يده للذبح) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية طريقة تعليم الكلاب للصيد، وأن المرجع في ذلك إلى العرف، ووجه الاستنباط من الآية الإطلاق وعدم التقييد. قال ابن عاشور موافقاً السعدي على هذا الاستنباط: (وصفاتُ التعليم راجعة إلى عرف أهل الصيد) (٢). ومما يؤيد هذا الاستنباط أن كل أمر لم يأت في الشريعة تقديره، فإن تقديره يرجع إلى العرف، فطريقة تعليم الكلاب الصيد لم يرد فيها هنا شيء محدد فكان مرجع ذلك إلى العرف. الاشتغال بالعلوم التي تتسهل بها الأسباب الدنيوية محبوبة لله . قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ (المائدة: ٤). ١٧٢ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي الفوائد-: أن

стр. 403

الاشتغال بالعلوم التي تتسهل بها الأسباب الدنيوية محبوبة لله، وهو مما امتن الله به على عباده ; فكل طريق يوصل إلى المنافع الدنيوية أو يسهلها، فإنه من هذا الباب) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الاشتغال بالعلوم التي تتسهل بها الأسباب الدنيوية محبوبة لله، ووجه الاستنباط من الآية أن الله أباح لمحبي الصيد الاشتغال بتعلم الصيد وتعليمه، مع أنه أمر كمالي، ولكن لما كان فيه نفع دنيوي لهؤلاء أباحه لهم وأنزل فيه أحكاماً، اهتماماً بشأنهم، وتلبية لأغراضهم النفسية، وتطلعاتهم الدنيوية. فأخذ السعدي من ذلك أن كل علم يوصل إلى منفعة دنيوية أو يسهلها فإنه محبوب لله ، وهذه النكتة قل من يذكرها فضلاً عن أن يستنبطها من هذه الآية، وهذا يدل على قوة فقه السعدي وما من الله به عليه في جانب الاستنباط والتدبر. وإذا رأيت اليوم العلوم وكثرتها، فإذا ربطتها بهذا الاستنباط وأنها محبوبة لله لتحقيقها منافع الناس الدنيوية، فإن هذا يفتح للمتخصصين فيها باباً ربانياً من الاحتساب ورجاء الثواب، لأن بعض الناس قد يربط الأجر بتعلم وتعليم العلوم الشرعية فقط، فيأتي هذا الاستنباط ليوسع هذا المفهوم. جواز اقتناء كلب الصيد . قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ (٤)﴾ (المائدة: ٤).

стр. 404

١٧٣ - قال السعدي ﵀: (دلت هذه الآية على أمور منها: جواز اقتناء كلب الصيد، كما ورد في الحديث الصحيح (١)، مع أن اقتناء الكلب محرم، لأن من لازم إباحة صيده وتعليمه جواز اقتنائه) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز اقتناء كلب الصيد، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أباح تعليمه، وصيده، وهذا يلزم منه اقتناءه، فدلالة الآية على ذلك بدلالة اللزوم، حيث إن الآية نصت على تعليمه وإباحة صيده وهذا يلزم منه إباحة اقتناءه. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال القرطبي: (ودلت الآية على جواز اتخاذ الكلاب واقتنائها للصيد) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً: ابن الفرس، والسيوطي، والدوسري (٤). ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط الحديث الصحيح الذي أشار إليه السعدي، قال ابن عبد البر- بعد ذكره لهذا الحديث-: (في هذا الحديث إباحة اتخاذ الكلاب للصيد والماشية) (٥)، كذلك العلة المقتضية لجواز الاتخاذ المصلحة، والمصلحة هنا ظاهرة وهي الصيد والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً (٦).

стр. 405

طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد . قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (٤)﴾ (المائدة: ٤). ١٧٤ - قال السعدي ﵀: (طهارة ما أصابه فم الكلب من الصيد (١)، لأن الله أباحه ولم يذكر له غسلاً فدل على طهارته) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن ما أصابه فم كلب الصيد طاهر، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أباح أكل الصيد الذي يأتي به كلب الصيد، ولم يذكر أنه يغسل مما يدل على طهارته. وما ذهب إليه السعدي صحيح، يؤيده أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز فلو كان ما أصابه فم كلب الصيد فيه نجاسة لأمر الله بغسله، ومما يؤيده كذلك أن المشقة تجلب التيسير فلو كان يغسل محل فم كلب الصيد لكان في ذلك مشقة، والمشقة تجلب التيسير. الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير ليس مذموماً . قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ

стр. 406

الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٤)﴾ (المائدة: ٤). ١٧٥ - قال السعدي ﵀: (أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير أو نحوهما، ليس مذموماً، وليس من العبث والباطل، بل هو أمر مقصود؛ لأنه وسيلة لحل صيده والانتفاع به) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الاشتغال بتعليم الكلب أو الطير ليس مذموماً، وليس من العبث، ووجه ذلك من الآية أن الله أباح الصيد بالكلب، ولا يكون ذلك إلا بالاشتغال بتعليمه، فكان تعليمه وسيلة إلى مباح. ومما يؤيد ما ذهب إليه السعدي أن الوسيلة إلى مباح مباحة، فالصيد بالكلب مباح ولا يكون ذلك إلا بالاشتغال بتعليم الكلب، وما كان وسيلة إلى مباح فهو مباح والاشتغال بالمباح ليس مذموماً في أصله إلا إذا تضمن ضياعاً لواجب، أو ارتكاباً لمحرم. جواز بيع كلب الصيد . قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ (٤)﴾ (المائدة: ٤). ١٧٦ - قال السعدي ﵀: (فيه حجة لمن أباح بيع كلب

стр. 407

الصيد (١)، قال: لأنه قد لا يحصل له إلا بذلك) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز بيع كلب الصيد، ووجه الاستنباط من الآية أن الله أباح الصيد بكلب الصيد، ولا يحصل على كلب الصيد إلا بالبيع مما يدل على جواز بيع كلب الصيد. قال الجصاص: (وذلك يوجب إباحة سائر وجوه الانتفاع بها، فدل على جواز بيع الكلب) (٣)، وقد أشار إلى ذلك بعض المفسرين منهم: ابن الفرس، والقرطبي. (٤) وما ذهب إليه السعدي صحيح؛ لأن الآية تدل عليه باللزوم، فلازم الإباحة جواز بيعه وشرائه، وإلا كانت الإباحة ناقصة. والله أعلم. ذبائح الكفار من غير أهل الكتاب لا تحل . قال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ (٥)﴾ (المائدة: ٥). ١٧٧ - قال السعدي ﵀: (﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ

стр. 408

لَكُمْ﴾ أي: ذبائح اليهود والنصارى (١) حلال لكم -يا معشر المسلمين- دون باقي الكفار (٢)، فإن ذبائحهم لا تحل للمسلمين، وذلك لأن أهل الكتاب ينتسبون إلى الأنبياء والكتب، وقد اتفق الرسل كلهم على تحريم الذبح لغير الله، لأنه شرك، فاليهود والنصارى يتدينون بتحريم الذبح لغير الله، فلذلك أبيحت ذبائحهم دون غيرهم) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن ذبائح الكفار من غير أهل الكتاب لا تجوز، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أحل من ذبائح الكفار ذبائح أهل الكتاب، فدل مفهوم المخالفة أن غير أهل الكتاب لا تحل ذبائحهم. وافق السعدي على هذا الاستنباط جماعة من المفسرين، قال ابن

стр. 409

كثير: (فدل بمفهومه -مفهوم المخالفة - على أن طعام من عداهم من أهل الأديان لا يحل) (١)، وقال السيوطي: (ومفهوم الآية تحريم ذبائح غير أهل الكتاب) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وأبو حيان، والبيضاوي، والشوكاني، والهرري (٣). ومما يؤيد هذا الاستنباط أن إجماع أكثر العلماء على أن ذبائح غير أهل الكتاب غير جائزة (٤)، قال ابن القيم: (والمسألة عنده- عند الإمام أحمد- مما لا يسوغ فيها الاجتهاد لظهور إجماع الصحابة على تحريم مناكحتهم وهذا مما يدل على فقه الصحابة وأنهم أفقه الأمة على الإطلاق ونسبة فقه من بعدهم إلى فقههم كنسبة فضلهم إلى فضلهم فإنهم أخذوا في دمائهم بالعصمة وفي ذبائحهم ومناكحتهم بالحرمة فردوا الدماء إلى أصولها والفروج والذبائح إلى أصولها) (٥). لا يباح نكاح الإماء من أهل الكتاب . قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ (٥)﴾ (المائدة: ٥). ١٧٨ - قال السعدي ﵀: (﴿وَ﴾ أحل لكم ﴿الْمُحْصَنَاتُ﴾

стр. 410

أي: الحرائر العفيفات ﴿مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ والحرائر العفيفات (١) ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي: من اليهود والنصارى. وهذا مخصص لقوله تعالى ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ شَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ (٢) [البقرة: ٢٢١] ومفهوم الآية، أن الأرقاء من المؤمنات لا يباح نكاحهن للأحرار، وهو كذلك وأما الكتابيات فعلى كل حال لا يبحن، ولا يجوز نكاحهن للأحرار مطلقاً (٣)، لقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء:

стр. 411

٢٥] وأما المسلمات إذا كن رقيقات فإنه لا يجوز للأحرار نكاحهن إلا بشرطين، عدم الطول وخوف العنت. وأما الفاجرات غير العفيفات عن الزنا فلا يباح نكاحهن، سواء كن مسلمات أو كتابيات، حتى يتبن لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية [النور: ٣]) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية عدم جواز نكاح الأمة الكتابية مطلقاً، وعدم جواز نكاح الأمة المؤمنة إلا بشرطين عدم الطول وخوف العنت، وأما الفاجرات فلا يجوز نكاحهن سواء كن مسلمات أوكتابيات، ووجه استنباط ذلك من الآية أن معنى المحصنات عنده الحرائر العفيفات، فدل مفهوم المخالفة في الحرائر أن الأمة لا يجوز نكاحها، ودل كذلك مفهوم المخالفة في العفيفات أن الزانية غير العفيفة لا يجوز نكاحها، كما أن مفهوم الحرة المؤمنة يدل على أن الأمة المؤمنة لا يجوز نكاحها؛ لكنه استثنى في كلامه وبين جوازها بالشرطين المذكورين في آية النساء، ففي هذا الأخير حدث في كلام السعدي نوع من التناقض لكنه استدركه في آخر كلامه. الموافقون: وافق السعدي في هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الطوفي: (والأصح امتناع نكاح إمائهم -أي أهل الكتاب- للتخصيص بالمحصنات، وهن الحرائر، إذ لا إحصان لأمة) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، والقرطبي، والسيوطي، والدوسري، والهرري. (٣)

стр. 412

المخالفون: خالف بعض المفسرين في هذا فقالوا بجواز نكاح الأمة الكتابية، وهذا بناء على أن معنى الإحصان هنا العفة، وممن قال بذلك: مجاهد، والشعبي، وأبو ميسرة، وسفيان (١). النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، فيكون المحرم هنا الإماء الكتابيات مطلقاً، لدلالة مفهوم الحرائر على ذلك، ولقوله تعالى: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فإنما أباح الإماء المؤمنات، مما يدل على أن الكتابيات لا يجوز نكاحهن. وأما الفاجرات غير العفيفات فلا يجوز نكاحهن مطلقاً سواء من أهل الكتاب أو من غيرهم حتى يتوبا، لمفهوم المخالفة في العفيفات؛ ولعموم قوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ﴾ [النور: ٣]، فهي دالة على حرمة إنكاح الزناة، ونكاح الزواني، كما أن العفة شرط في النكاح لقوله تعالى: ﴿وَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ (٢) [النساء: ٢٥]، وفي ظاهر قوله: ﴿إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، دلالة على أنّ إماء الكتابيات لسن مندرجات في قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ﴾، إذ الإماء لا يعطون أجورهن، وإنما يعطي السيد (٣)، كما أن اختيار موطن النطفة ومن يصلح انتساب الأبناء إليه معتبر شرعاً فاختيار الأم العفيفة من حق الأبناء على أبيهم.

стр. 413

إضافة الأجور إلى النساء دليل على ملك المرأة لمهرها، إلا لمن أذنت له بالأخذ . قال تعالى: ﴿إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ (٥)﴾ (المائدة: ٥). ١٧٩ - قال السعدي ﵀: (وقوله: ﴿إِذَا آَتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ (١) وإضافة الأجور إليهن دليل على أن المرأة تملك جميع مهرها، وليس لأحد منه شيء، إلا ما سمحت به لزوجها أو وليها أو غيرهما) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية امتلاك المرأة لمهرها، وعدم جواز الاعتداء عليه من قبل الزوج أو الولي أو غير ذلك، إلا إذا سمحت بذلك، ووجه الاستنباط من الآية أن الله أضاف إليها المهر مما يدل على أنها مالكة له فلا يجوز لأحد التصرف فيه إلا بإذنها. وهذا الاستنباط فيه حفظ لحقوق المرأة المالية، حيث بعض الأولياء يستولي على أموال النساء ويأخذها سواء كانت مهراً، أو كان مرتب وظيفة ونحو ذلك. كما أن في هذا الاستنباط رد على الزاعمين هضم حقوق المرأة في الإسلام، فها هو الإسلام يحافظ على حقوقها حتى في مهرها حفظ لها حق التملك.

стр. 414

الطهارة لا تجب بدخول الوقت وإنما عند إرادة الصلاة . قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (٦)﴾ (المائدة: ٦). ١٨٠ - قال السعدي ﵀: (هذه آية عظيمة اشتملت على أحكام كثيرة منها: أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب عند إرادة الصلاة) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الطهارة لا تجب بدخول الوقت، وإنما تجب بإرادة الصلاة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أوجب الوضوء عند القيام إلى الصلاة، مما يدل على أن المراد الوضوء عند القيام إلى الصلاة، لا إذا دخل الوقت. ومما يؤيد ما ذهب إليه السعدي أن الطهارة شرط لصحة الصلاة، ولم يأت ما يقيد هذا الشرط بوقت معين، وإنما المراد حصول الطهارة عند إرادة الصلاة، فلا علاقة بين دخول الوقت وحصول الطهارة. والله أعلم. يُمسح الرأس بأي آلة سواء باليد أو بخرقة أو بخشبة ونحو ذلك . قال تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ (٦)﴾ (المائدة: ٦).

стр. 415

١٨١ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أنه يكفي المسح كيفما كان، بيديه أو إحداهما، أو خرقة أو خشبة أو نحوهما، لأن الله أطلق المسح ولم يقيده بصفة، فدل ذلك على إطلاقه) ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن مسح الرأس يكفي فيه أي آلة فأي آلة وقع المسح بها، سواء كانت باليد أو بخرقة أو بخشبة أو بأي شيء آخر أجزأ، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أطلق المسح ولم يقيده بآلة معينة مما يدل على جواز وقوعه بأي شيء. وقد أشار بعض المفسرين إلى ما قاله السعدي، قال الألوسي: (ولا يشترط إصابته باليد لأن الآلة لم تقصد إلا للإيصال إلى المحل فحيث وصل استغنى عن استعمالها) (٢)، وقال ابن قدامة: (وإن مسح رأسه بخرقة مبلولة أو خشبة أجزأه في أحد الوجهين، لأن الله أمر بالمسح، وقد فعله فأجزأه، كما لو مسح بيده أوبيد غيره؛ ولأن مسحه بيده غير مشترط) (٣)، كما أشار إلى ذلك ابن عطية (٤). الرد على الرافضة بقولهم وجوب مسح الرجلين في الوضوء . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةُ فَاغْسِلُوا

стр. 416

وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٦)﴾ (المائدة: ٦). ١٨٢ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أن فيها الرد على الرافضة (١)، على قراءة الجمهور بالنصب (٢)، وأنه لا يجوز مسحهما ما دامتا مكشوفتين) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية عدم جواز مسح الرجلين مادامتا مكشوفتين عند الوضوء، وأن في الآية الرد على الرافضة القائلين بوجوب مسح الرجلين عند الوضوء، ووجه استنباط الرد على القائلين بوجوب المسح أن قراءة النصب تثبت الغسل. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال القرطبي: (فمن قرأ بالنصب جعل العامل "اغسلوا"وبنى على أن الفرض في الرجلين الغسل دون المسح، وهذا هو مذهب الجمهور والكافة من العلماء، وهو الثابت من فعل النبي ﷺ واللازم من قوله في غير ما

стр. 417

حديث) (١)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً من المفسرين: ابن العربي، وإلكيا الهراسي، والطوفي، وابن كثير، والسيوطي. (٢) المخالفون: خالف في هذا الاستنباط الرافضة، وقالوا بوجوب مسح الرجلين إذا كانتا مكشوفتين، واحتجوا لذلك بقراءة الجر"وأرجلِكم" (٣)، قال ابن كثير: (وأما القراءة الأخرى، وهي قراءة من قرأ: ﴿وَأَرْجُلِكُمْ﴾ بالخفض، فقد احتج بها الشيعة في قولهم بوجوب مسح الرجلين؛ لأنها عندهم معطوفة على مسح الرأس) (٤) وقد نُقل هذا القول عن بعض السلف، وممن قال بذلك: ابن عباس ﵄، وأنس، والشعبي، اختاره ابن جرير الطبري (٥). النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في دلالة قر اءة النصب على وجوب غسل الرجلين عند الوضوء هو الصحيح، لأمور منها: أولاً: أن القراءتين كالآيتين في إحداهما الغسل وفي الأخرى المسح لاحتمالهما للمعنيين، فلو وردت آيتان إحداهما توجب الغسل والأخرى المسح لما جاز ترك الغسل إلى المسح؛ لأن في الغسل زيادة فعل، وقد

стр. 418

اقتضاه الأمر بالغسل، فكان يكون حينئذ يجب استعمالهما على أعمهما حكما وأكثرهما فائدة وهو الغسل لأنه يأتي على المسح والمسح لا ينتظم الغسل، وأيضاً لما حدد الرجلين بقوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ كما قال: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ دل على استيعاب الجميع، كما دل ذكر الأيدي إلى المرافق على استيعابهما بالغسل، أما المسح فلا يستوعب ذلك (١). ثانياً: أن المسح والغسل محتمل على كلا القراءتين، فلا يخلو حينئذ القول من أحد معان ثلاثة: إما أن يقال: إن المراد هما جميعا مجموعان، فيكون عليه أن يمسح ويغسل فيجمعهما، أو أن يكون أحدهما على وجه التخيير يفعل المتوضئ أيهما شاء، ويكون ما يفعله هو المفروض، أو يكون المراد أحدهما بعينه لا على وجه التخيير. وغير جائز أن يكونا هما جميعاً على وجه الجمع لاتفاق الجميع على خلافه؛ ولا جائز أيضاً أن يكون المراد أحدهما على وجه التخيير؛ إذ ليس في الآية ذكر التخيير ولا دلالة عليه ولو جاز إثبات التخيير مع عدم لفظ التخيير في الآية لجاز إثبات الجمع مع عدم لفظ الجمع، فبطل التخيير بما وصفنا. وإذا انتفى التخيير والجمع لم يبق إلا أن يكون المراد أحدهما لا على وجه التخيير، فاحتجنا إلى طلب الدليل على المراد منهما؛ فالدليل على أن المراد الغسل دون المسح اتفاق الجميع على أنه إذا غسل فقد أدى فرضه وأتى بالمراد وأنه غير ملوم على ترك المسح، فثبت أن المراد الغسل (٢). ثالثاً: مع احتمال المعنيين تكون هذه الآية من قبيل المُجمَل الذي يحتاج إلى بيان، وقد ورد البيان عن النبي- ﷺ بالغسل قولاً وفعلاً،

стр. 419

فأما وروده من جهة الفعل فقد ثبت بالنقل المستفيض المتواتر أن النبي ﷺ غسل رجليه في الوضوء، وأما من جهة القول فحديث عبد الله بن عمرو ﵄ وفيه: .. فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى النبي ﷺ بأعلى صوته: "ويل للأعقاب من النار، مرتين أو ثلاثاً" (١) وهذا يوجب استيعابهما بالغسل؛ لأن الوضوء اسم للغسل يقتضي إجراء الماء على الموضع، والمسح لا يقتضي ذلك (٢). وأما ما استدل به القائلون بوجوب المسح، فإنه يجاب عنه بالآتي: أولاً: قراءة الخفض، يجاب عنها، إما أن الخفض للجوار لا على موافقة الحكم وهذا سائر في لغة العرب، وإما أن يكون مسح الأرجل هنا المراد به الغسل الخفيف كما هو وارد أيضاً في لغة العرب، وإما أن يكون المراد على هذه القراءة الغسل مع الدلك لأن الرجل أقرب الأعضاء إلى ملابسة الأقذار لمباشرتها الأرض، وقيل إن هذه القراءة محمولة على المسح على الخفين (٣)، وعليه فالقراءتان متفقتان في إفادة وجوب غسل الرجلين. ثانياً: أما ما ورد عن بعض السلف في ذلك فجوابه ما قاله ابن كثير بعد ذكره للآثار التي وردت في ذلك حيث قال: " .. فهذه آثار غريبة جداً، وهي محمولة على أن المراد بالمسح هو الغسل الخفيف، لما سنذكره من السنة الثابتة في وجوب غسل الرجلين .. " ا. هـ (٤)

стр. 420

الترتيب بين أعضاء الوضوء واجب . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةُ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (٦)﴾ (المائدة: ٦). ١٨٣ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: الأمر بالترتيب في الوضوء (١)، لأن الله تعالى ذكرها مرتبة، ولأنه أدخل ممسوحا -وهو الرأس- بين مغسولين، ولا يعلم لذلك فائدة غير الترتيب) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الترتيب بين أعضاء الوضوء واجب، ووجه الاستنباط من الآية أن الله ذكرها مرتبة، وكذلك أدخل ممسوحاً-وهو الرأس- بين مغسولين وهما اليدين والرجلين، مما يدل على أن الترتيب مقصود. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي: (واستدل بالآية من قال بوجوب الترتيب. . . ويؤيد إرادته أمران: الفصل بالممسوح بين المغسولين، وذكر الأعضاء لا على الترتيب الطبيعي) (٣)،

стр. 421

وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: البغوي، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، وابن كثير، والبيضاوي، وأبو السعود، وابن عاشور. (١) المخالفون: خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط وقالوا لا دلالة في الآية على وجوب الترتيب، قال الألوسي: (وزعم بعضهم أن إفادة النظم للترتيب لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول، ولأنهم يقدمون الأهم فالأهم، وفيه نظر لأن قصارى ما يدل عليه النظم أولوية الترتيب ونحن لا ننكر ذلك) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الجصاص، وإلكيا الهراسي، والطوفي. (٣) النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في استنباط وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء من هذه الآية هو الصحيح؛ لأنه أدخل ممسوحاً بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره ولو أريد الجمع المطلق لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم والممسوح بعدها فلما عدل إلى ذلك دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله؛ لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله عنه، وتنزيهه هنا بأن الترتيب بين أعضاء الوضوء مقصود فلأجله أهمل الترتيب في الكلام، كما أن الترتيب المعتبر في الحس أن يبدأ من الرأس نازلاً إلى القدم، أو من القدم صاعداً

стр. 422

إلى الرأس، والترتيب المذكور في الآية ليس كذلك، مما يدل أيضاً على وجوب الترتيب (١). وجوب تعميم الغسل للبدن . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةُ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (٦)﴾ (المائدة: ٦). ١٨٤ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أنه يجب تعميم الغسل للبدن، لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء) ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية وجوب تعميم الغسل للبدن، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه مما يدل على أن المراد هنا العموم. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الرازي: (قوله ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ أمر على الإطلاق بحيث لم يكن مخصوصاً بعضو معين دون عضو، فكان ذلك أمراً بتحصيل الطهارة في كل البدن على الإطلاق، ولأن الطهارة لما كانت مخصوصة ببعض الأعضاء لا جرم ذكر الله تعالى تلك الأعضاء على التعيين، فهاهنا لما لم يذكر شيئاً من الأعضاء على

стр. 423

التعيين علم أن هذا الأمر أمر بطهارة كل البدن) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، والألوسي، وابن عاشور، والدوسري (٢). يدخل الحدث الأصغر تحت الحدث الأكبر في التطهر . قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (٦)﴾ (المائدة: ٦). ١٨٥ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه، لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن التطهر من الحدث الأكبر يكفي عن التطهر من الحدث الأصغر بل يندرج تحت الأكبر، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر إعادة الوضوء، مما يدل على أن التطهر من الحدث الأصغر يكفي، ودلالة الآية على ذلك دلالة تضمن، فالحدث الأصغر جزء من الحدث الأكبر فرفع الأكبر هو رفع للأصغر معه. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والقرآن يدل على أنه لا يجب على الجنب إلا

стр. 424

الاغتسال وأنه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر. . . . . . والقرآن يقتضي أن الاغتسال كاف وأنه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث آخر بل صار الأصغر جزءا من الأكبر كما أن الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر فإن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة. . .، فقد دل الكتاب والسنة على أن الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء ولا ينويان وضوءا بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى) (١)، وممن قال بذلك أيضاً: الجصاص (٢). استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به . قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (المائدة: ٦). ١٨٦ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استحباب الكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله كنى بالغائط وهو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر (٤)، مما يدل على استحباب التكنية في مثل هذا الموضع.

стр. 425

قال الشاطبي: (أتى فيه بالكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها، كما كنى عن الجماع باللباس والمباشرة، وعن قضاء الحاجة بالمجئ من الغائط،. . . فاستقر ذلك أدباً لنا استنبطناه من هذه المواضع) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: أبوالسعود، وابن عاشور، ومحمد رشيد رضا، والدوسري (٢). الماء المتغير بالطاهرات مقدم على التيمم . قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٦)﴾ (المائدة: ٦). ١٨٧ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أن الماء المتغير بالطاهرات، مقدم على التيمم، أي: يكون طهوراً، لأن الماء المتغير ماء، فيدخل في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾) ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الماء المتغير بالطاهرات مقدم على التيمم، حيث إذا لم يوجد إلا هو وجب الوضوء به وتقديمه على التيمم، ووجه استنباط ذلك من الآية عموم دخوله في الماء، والتيمم لا يجوز إلا عند عدم الماء، والذي عنده ماء متغير بالطاهرات واجد للماء. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الجصاص:
следующие страницы →