وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: البغوي، وابن العربي، والرازي، والقرطبي، وابن كثير، والبيضاوي، وأبو السعود، وابن عاشور. (١)
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط وقالوا لا دلالة في الآية على وجوب الترتيب، قال الألوسي: (وزعم بعضهم أن إفادة النظم للترتيب لأنه لو لم يرد ذلك لأوجب تقديم الممسوح أو تأخيره عن المغسول، ولأنهم يقدمون الأهم فالأهم، وفيه نظر لأن قصارى ما يدل عليه النظم أولوية الترتيب ونحن لا ننكر ذلك) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الجصاص، وإلكيا الهراسي، والطوفي. (٣)
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في استنباط وجوب الترتيب بين أعضاء الوضوء من هذه الآية هو الصحيح؛ لأنه أدخل ممسوحاً بين مغسولين وقطع النظير عن نظيره ولو أريد الجمع المطلق لكان المناسب أن يذكر المغسولات متسقة في النظم والممسوح بعدها فلما عدل إلى ذلك دل على وجوب ترتيبها على الوجه الذي ذكره الله؛ لأن إهمال الترتيب في الكلام مستقبح فوجب تنزيه كلام الله عنه، وتنزيهه هنا بأن الترتيب بين أعضاء الوضوء مقصود فلأجله أهمل الترتيب في الكلام، كما أن الترتيب المعتبر في الحس أن يبدأ من الرأس نازلاً إلى القدم، أو من القدم صاعداً
стр. 422
إلى الرأس، والترتيب المذكور في الآية ليس كذلك، مما يدل أيضاً على وجوب الترتيب (١).
وجوب تعميم الغسل للبدن .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةُ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (٦)﴾ (المائدة: ٦).
١٨٤ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أنه يجب تعميم الغسل للبدن، لأن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه بشيء دون شيء) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية وجوب تعميم الغسل للبدن، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أضاف التطهر للبدن، ولم يخصصه مما يدل على أن المراد هنا العموم.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الرازي: (قوله ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ أمر على الإطلاق بحيث لم يكن مخصوصاً بعضو معين دون عضو، فكان ذلك أمراً بتحصيل الطهارة في كل البدن على الإطلاق، ولأن الطهارة لما كانت مخصوصة ببعض الأعضاء لا جرم ذكر الله تعالى تلك الأعضاء على التعيين، فهاهنا لما لم يذكر شيئاً من الأعضاء على
стр. 423
التعيين علم أن هذا الأمر أمر بطهارة كل البدن) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، والألوسي، وابن عاشور، والدوسري (٢).
يدخل الحدث الأصغر تحت الحدث الأكبر في التطهر .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا (٦)﴾ (المائدة: ٦).
١٨٥ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أنه يندرج الحدث الأصغر في الحدث الأكبر، ويكفي من هما عليه أن ينوي، ثم يعمم بدنه، لأن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر أنه يعيد الوضوء) ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن التطهر من الحدث الأكبر يكفي عن التطهر من الحدث الأصغر بل يندرج تحت الأكبر، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله لم يذكر إلا التطهر، ولم يذكر إعادة الوضوء، مما يدل على أن التطهر من الحدث الأصغر يكفي، ودلالة الآية على ذلك دلالة تضمن، فالحدث الأصغر جزء من الحدث الأكبر فرفع الأكبر هو رفع للأصغر معه.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والقرآن يدل على أنه لا يجب على الجنب إلا
стр. 424
الاغتسال وأنه إذا اغتسل جاز له أن يقرب الصلاة والمغتسل من الجنابة ليس عليه نية رفع الحدث الأصغر. . . . . . والقرآن يقتضي أن الاغتسال كاف وأنه ليس عليه بعد الغسل من الجنابة حدث آخر بل صار الأصغر جزءا من الأكبر كما أن الواجب في الأصغر جزء من الواجب في الأكبر فإن الأكبر يتضمن غسل الأعضاء الأربعة. . .، فقد دل الكتاب والسنة على أن الجنب والحائض لا يغسلان أعضاء الوضوء ولا ينويان وضوءا بل يتطهران ويغتسلان كما أمر الله تعالى) (١)، وممن قال بذلك أيضاً: الجصاص (٢).
استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به .
قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ (المائدة: ٦).
١٨٦ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: استحباب التكنية عما يستقذر التلفظ به؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾) ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استحباب الكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله كنى بالغائط وهو المكان المطمئن من الأرض، كنى بذلك عن التغوط، وهو الحدث الأصغر (٤)، مما يدل على استحباب التكنية في مثل هذا الموضع.
стр. 425
قال الشاطبي: (أتى فيه بالكناية في الأمور التي يستحيا من التصريح بها، كما كنى عن الجماع باللباس والمباشرة، وعن قضاء الحاجة بالمجئ من الغائط،. . . فاستقر ذلك أدباً لنا استنبطناه من هذه المواضع) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: أبوالسعود، وابن عاشور، ومحمد رشيد رضا، والدوسري (٢).
الماء المتغير بالطاهرات مقدم على التيمم .
قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٦)﴾ (المائدة: ٦).
١٨٧ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أن الماء المتغير بالطاهرات، مقدم على التيمم، أي: يكون طهوراً، لأن الماء المتغير ماء، فيدخل في قوله: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾) ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الماء المتغير بالطاهرات مقدم على التيمم، حيث إذا لم يوجد إلا هو وجب الوضوء به وتقديمه على التيمم، ووجه استنباط ذلك من الآية عموم دخوله في الماء، والتيمم لا يجوز إلا عند عدم الماء، والذي عنده ماء متغير بالطاهرات واجد للماء.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الجصاص:
стр. 426
(ويستدل به أيضاً على جواز الطهارة بالماء الذي خالطه شيء من الطاهرات) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: ابن الفرس، والدوسري (٢).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين هذا الاستنباط، فقالوا إن الماء الذي خالطه شيء من الطاهرات لا يجوز استخدامه في الطهارة، ومن وجده فقط فعليه التيمم؛ لأن الواجد لمثل هذا النوع من الماء لا يعتبر واجداً للماء الذي يرفع الحدث، وعليه فيجوز له التيمم ولو مع وجود مثل هذا النوع من الماء، قال الرازي: (قال الشافعي ﵀: الماء المتغير بالزعفران تغيراً فاحشاً لا يجوز الوضوء به،. . . حجة الشافعي أن مثل هذا الماء لا يسمى ماء على الإطلاق فواجده غير واجد
الماء، فوجب أن يجب عليه التيمم) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين: إلكيا الهراسي، والقرطبي (٤).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه من دلالة الآية على أن الماء المتغير بالطاهرات مقدم على التيمم، هو الصحيح، ويدل عليه أن النكرة في سياق النفي تعم، فالماء المتغير بالطاهرات داخل في عموم الماء، فمن وجده فهو واجد للماء، وهذا فيما إذا لم يغلب عليه التغير فيخرج عن مسمى الماء فحينئذ لا يصح التطهر به لخروجه عن مسمى الماء كالشاي، والمرق ونحو ذلك (٥). والله أعلم.
стр. 427
التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره .
قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ (المائدة: ٦).
١٨٨ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أنه يكفي التيمم (١) بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره، فيكون على هذا، قوله: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ إما من باب التغليب، وأن الغالب أن يكون له غبار يمسح منه ويعلق بالوجه واليدين، وإما أن يكون إرشاداً للأفضل، وأنه إذا أمكن التراب الذي فيه غبار فهو أولى) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز التيمم بكل ما تصاعد على وجه الأرض من تراب وغيره، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الصعيد المأمور به هنا هو كل ما تصاعد على وجه الأرض، وهو قد يحتوي على تراب وقد لا يكون، وعليه فالتعبير بقوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾ من باب التغليب، والغالب لا مفهوم له فيجوز بغير التراب الذي يعلق بموضع التيمم، أو أن ذلك من باب الإرشاد إلى الأولى فقط.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الجصاص: (لما قال الله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ وكان الصعيد اسماً
стр. 428
للأرض، اقتضى ذلك جواز التيمم بكل ما كان من الأرض) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن العربي، والقرطبي، والألوسي. (٢)
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط من هذه الآية، فقالوا إن الآية تدل على أن التيمم لابد أن يكون بتراب له غبار، قال السيوطي: (وأنه-أي التيمم- خاص بالتراب الطهور الذي له غبار، فلا يجوز بسائر المعادن، ولا بالحجر والخشب بدليل قوله: "منه" فإن الإتيان بمن الدالة على التبعيض يقتضي أن يمسح بشيء يحصل على الوجه واليدين بعضه) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين: الزمخشري، والرازي، والبيضاوي. (٤)
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح في إجزاء التيمم بكل ما هو على وجه الأرض لكونه يسمى صعيداً؛ لدلالة الآية عليه، وأما ما احتج به الآخرون من أن "من" للتبعيض، فالجواب عنه: أن "من" هنا لابتداء الغاية، ومما يدل على ذلك أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول - وهو جواز التيمم بكل ما على وجه الأرض ولا يتعين ماله غبار-، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ فقوله:
﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ نكرة في سياق النفي زيدت قبلها ﴿مِنْ﴾ والنكرة إذا كانت كذلك، فهي نص في العموم، فالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج، والمناسب لذلك كون ﴿مِنْ﴾ لابتداء الغاية، لأن كثيراً من البلاد ليس فيه إلا الرمال أو الجبال، فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق
стр. 429
باليد، لا يخلو من حرج في الجملة ويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ : (أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ من قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة، فليصلِّ) (١).
فهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب الذي هو الحجارة، أو الرمل طهور له ومسجد، وبه تعلم أن ما ذكره الزمخشري من تعين كون ﴿مِنْ﴾ للتبعيض غير صحيح (٢).
لا يصح التيمم بالتراب النجس .
قال تعالى: ﴿مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٦)﴾ (المائدة: ٦).
١٨٩ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أنه لا يصح التيمم بالتراب النجس (٣)، لأنه لا يكون طيبا بل خبيثاً) ا. هـ (٤)
стр. 430
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن التراب النجس لا يصح التيمم به، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله وصف في الآية أن التراب لابد أن يكون طيباً، ومفهوم المخالفة - مفهوم الصفة- يدل على أنه لا يصح بالنجس.
قال الجصاص- موافقاً السعدي على هذا الاستنباط-: (بطلان التيمم بالتراب النجس لقوله تعالى: ﴿طَيِّبًا﴾ والنجس ليس بطيب)، وممن قال بذلك أيضاً: الرازي. (١)
عدم تقييد اليد بالذراع يدل على أن المراد بمسح اليدين هنا إلى الكوعين .
قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ (المائدة: ٦).
١٩٠ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أن اليدين تُمسحان إلى الكوعين فقط (٢)، لأن اليدين عند الإطلاق كذلك، فلو كان يشترط إيصال المسح إلى الذراعين لقيده الله بذلك، كما قيده في
стр. 431
الوضوء) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن اليدين تمسحان في التيمم إلى الكوعين فقط، ووجه استنباط ذلك من الآية أن اليدين عند الإطلاق يراد بها الكوعين فقط؛ ولأنه لو أراد إلى الذراعين لقيده كما قيده في الوضوء.
الموافقون:
وافق السعدي بعض المفسرين على هذا الاستنباط، قال السيوطي: (وقد يستدل بالآية على أنه لا يجب استيعاب اليدين إلى المرفقين؛ لأنه تعالى لم يذكر ذلك كما ذكره في الوضوء) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: أبوحيان، وصديق حسن خان، والشنقيطي (٣).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط، فقالوا إن الآية تدل على المسح إلى المرفقين، قال البيضاوي: (واليد اسم للعضو إلى المنكب، والقياس على الوضوء دليل على أن المراد ها هنا ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾) (٤)، وممن قال بذلك من المفسرين: الجصاص، وأبو السعود، وجلال الدين المحلي، والألوسي (٥).
стр. 432
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في استنباط مسح اليدين إلى الكوعين من الآية هو الصحيح، ومما يؤيد هذا الاستنباط ما جاء في الصحيحين من حديث عمار بن ياسر ﵄، أنه قال: أجنبت فلم أصب الماء، فتمعكت في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فقال: (إنما كان يكفيك هكذا، وضرب النَّبي ﷺ بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه، وكفَّيه) (١) فهذا الحديث الصحيح مبين ما تطرق إليه الاحتمال في الآية من محل المسح وكيفيته (٢)، ومما يقوي الاقتصار على الوجه والكفين في المسح، كون عمار كان يفتي بعد النَّبي ﷺ بذلك، وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد (٣).
وأما ما استدل به أصحاب القول بأن المسح إلى المرفقين، قياساً على الوضوء، فالجواب عنه: أن هذا قياس باطل، حيث أنه قياس في مقابل النص.
وأما إطلاق اليد هنا فليس بحجة؛ لأن السنة بينت المراد من هذا الإطلاق، ولا بيان فوق بيان رسول الله ﷺ . والله أعلم.
التيمم يكون للحدث الأكبر والأصغر .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ (المائدة: ٦).
стр. 433
١٩١ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: الآية عامة في جواز التيمم، لجميع الأحداث كلها، الحدث الأكبر والأصغر (١)، بل ولنجاسة البدن، لأن الله جعلها بدلاً عن طهارة الماء، وأطلق في الآية فلم يقيد، وقد يقال إن نجاسة البدن لا تدخل في حكم التيمم لأن السياق في الأحداث وهو قول جمهور العلماء (٢)) ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن التيمم يكون للحدث الأصغر والأكبر، ووجه استنباط ذلك من الآية الإطلاق وعدم التقييد، حيث جعل التيمم بدلاً عن الماء، والبدل يحل محل المبدل عنه والماء طهارة للحدثين الأكبر والأصغر، والتيمم بدل عنه فحل محله في طهارة الحدثين.
وافق السعدي على هذا الاستنباط جمهور المفسرين، قال السيوطي: (وفي الآية أنه - أي التيمم - يكون عن الحدث الأصغر والأكبر) (٤)، وقال الشنقيطي: (أنه تعالى في سورة المائدة، صرح بالجنابة غير معبر
стр. 434
عنها بالملامسة، ثم ذكر بعدها التيمم، فدل على أن يكون عنها أيضاً حيث قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةُ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ فهو عائد إلى المحدث، والجنب جميعاً، كما هو ظاهر) (١)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: الطبري، والجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن العربي، والرازي، والبيضاوي، وأبو السعود، وجلال الدين المحلي، والألوسي (٢).
ثم ذكر السعدي استنباطاً آخر وهو دلالة الآية على رفع نجاسة البدن، ولكنه تردد في ذلك فبعد إلحاقها بالإطلاق في الآية، تراجع عن ذلك بسبب السياق وأنه في رفع الحدث لا في إزالة النجاسة، وما ذهب إليه الجمهور من كون الآية لا دلالة فيها على دخول نجاسة البدن في التيمم هو الصحيح، لأن الآية في التيمم للحدث، وغسل النجاسة ليس في معناه؛ ولأن الغسل إزالة النجاسة، ولا يحصل ذلك بالتيمم (٣).
يجوز المسح في التيمم بأي شيء باليد أو بغيرها .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ (المائدة: ٦).
стр. 435
١٩٢ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: أنه يكفي المسح بأي شيء كان، بيده أو غيرها، لأن الله قال ﴿فَامْسَحُوا﴾ ولم يذكر الممسوح به، فدل على جوازه بكل شيء) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز استخدام غير اليد في المسح على أعضاء التيمم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر المسح ولم يذكر الآلة التي يُمسح بها مما يدل على جواز استخدام أي آلة.
قال ابن قدامة: (فإن أوصل التراب إلى محل الفرض بخرقة أو خشبة فقال القاضي: يجزئه لأن الله تعالى أمر بالمسح ولم يعين آلته فلا يتعين، وقال ابن عقيل: فيه وجهان بناء على مسح الرأس بخرقة رطبة) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: ابن العربي، والقرطبي. (٣)
الترتيب بين أعضاء التيمم شرط .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ (٦)﴾ (المائدة: ٦).
١٩٣ - قال السعدي ﵀: (ومن الأحكام: اشتراط الترتيب في طهارة التيمم (٤)، كما يشترط ذلك في الوضوء، ولأن الله بدأ بمسح
стр. 436
الوجه قبل مسح اليدين) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية اشتراط الترتيب بين أعضاء التيمم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بدأ بذكر مسح الوجه قبل اليد، مع أن اليد قبل الوجه في الترتيب الطبيعي، وهي قبله في الوضوء، فتقديم الوجه في آيتي التيمم يدل على أن الترتيب مقصود، خصوصاً إذا علمنا أن ترك الترتيب لابد أن يكون لمعنى.
وقد وافق السعدي في هذا الاستنباط بعض المفسرين منهم الشافعي (٢)، مستدلين بتقديم الوجه على اليدين في آيتي التيمم.
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط، وقالوا إن الآية فيها دلالة على عدم وجوب الترتيب، قال الجصاص: (دلالة قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ على نفي إيجاب الترتيب). . . دلالة قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ على أن المقصد حصول الطهارة على أي وجه حصلت من ترتيب أوغيره) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين: محمد رشيد رضا (٤)
стр. 437
النتيجة:
الصحيح أن الآية لا دلالة فيها على اشتراط الترتيب، وغاية ما يمكن استنباطه من الآية هو دلالتها على الأفضلية فقط دون الوجوب أوالشرطية، ومما يؤيد ذلك ما جاء في حديث عمار بن ياسر ﵄: أن النَّبي ﷺ قال له: (إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفَّيه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفِّه، ثمَّ مسح بها وجهه) (١)، فيكون هذا الحديث مبيناً لحكم الترتيب بين أعضاء التيمم، مما يوهي استنباط وجوب الترتيب من الآية، وأكثر العلماء على تقديم الوجه مع الاختلاف في وجوب ذلك، وسنيته (٢). والله أعلم.
حكمة التيه مدة أربعين سنة ليظهر جيل متربي على قهر الأعداء وعدم الاستعباد .
قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ (المائدة: ٢٦).
١٩٤ - قال السعدي ﵀: (﴿فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، ولعل الحكمة في هذه المدة أن يموت أكثر هؤلاء الذين قالوا هذه المقالة، الصادرة عن قلوب لا صبر فيها ولا ثبات، بل قد ألفت الاستعباد لعدوها، ولم تكن لها همم ترقيها إلى ما فيه ارتقاؤها وعلوها، ولتظهر ناشئة جديدة تتربى عقولهم على طلب قهر الأعداء، وعدم الاستعباد، والذل المانع من السعادة) ا. هـ (٣)
стр. 438
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية حكمة التيه مدة أربعين سنة، وأن ذلك لأجل أن يموت الجيل الأول، وينشأ جيل آخر تربى على قهر الأعداء والاستعلاء على العقبات، وقد حصل ذلك فعلاً، فإن القوم قد ماتوا في أرض التيه، وقام بالواجب أبناؤهم على يد يوشع بن نون فهو الذي افتتحها (١).
قال ابن خلدون: (ويظهر من مساق الآية ومفهومها أن حكمة ذلك التيه مقصودة وهي فناء الجيل الذين خرجوا من قبضة الذل والقهر والقوة، وتخلقوا به وأفسدوا من عصبيتهم حتى نشأ في ذلك التيه جيل آخر عزيز لا يعرف الأحكام والقهر ولا يسام بالمذلة، فنشأت
لهم ذلك عصبية أخرى اقتدروا بها علي المطالبة والتغلب، ويظهر لك من ذلك أن الأربعين سنة أقل ما يأتي فيها فناء جيل ونشأة جيل آخر، سبحان الحكيم العليم) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: محمد رشيد رضا، والدوسري، والهرري (٣).
توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط عنه الحد .
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (المائدة: ٣٤).
١٩٥ - قال السعدي ﵀: (ودل مفهوم الآية على أن توبة
стр. 439
المحارب -بعد القدرة عليه- أنها لا تسقط عنه شيئاً، والحكمة في ذلك ظاهرة) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن توبة المحارب بعد القدرة عليه لا تسقط عنه شيئاً، ووجه استنباط ذلك من الآية بمفهوم المخالفة، حيث إنه قيد قبول توبة المحارب قبل القدرة عليه، ومفهومه عدم قبول توبته بعد القدرة عليه.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال السيوطي: (ومفهومه أنه لا تنفع توبته بعد القدرة عليه) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: البيضاوي، وجلال الدين المحلي، ومحيي الدين شيخ زاده، والشوكاني، والشنقيطي (٣).
وهذا الاستنباط فيه حث المحاربين على التوبة، حيث إنه يسقط عنهم الحد، وهذا فيه تأصيل لما يسمى اليوم بالتحفيز المناسب، حيث إن التحفيز أنواع وتتوقف جدواه على معرفة ما يحتاجه المُحفَز، وهنا تظهر حاجته إلى العفو عن الحد أكثر من أي شيء آخر.
التوبة قبل القدرة تمنع من حد الحرابة، فغيرها من الحدود أولى .
قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٤)﴾ (المائدة: ٣٤).
стр. 440
١٩٦ - قال السعدي ﵀: (وإذا كانت التوبة قبل القدرة عليه، تمنع من إقامة الحد في الحرابة، فغيرها من الحدود (١) -إذا تاب من فعلها، قبل القدرة عليه- من باب أولى) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن من تاب قبل القدرة عليه من العصاة، من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر فإن توبته تسقط عنه الحد، ووجه استنباط ذلك من الآية قياس الأولى، فإذا كانت توبة المحاربين تسقط عنهم الحد فمن دونهم من العصاة من باب أولى (٣).
الموافقون:
وافق السعدي بعض المفسرين على هذا الاستنباط، قال الشوكاني: (استثنى الله سبحانه التائبين قبل القدرة عليهم من عموم المعاقبين بالعقوبات السابقة، والظاهر عدم الفرق بين الدماء والأموال، وبين غيرها من الذنوب الموجبة للعقوبات المعينة المحدودة، فلا يطالب التائب قبل القدرة بشيء من ذلك، وعليه عمل الصحابة) (٤)، وممن قال بذلك من المفسرين: القرطبي (٥).
стр. 441
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط، وقالوا إن الآية في حد المحاربة فقط فلا تشمل غيرهم من أهل الحدود، قال السيوطي: (فيها أن توبة المحارب قبل القدرة عليه تسقط العقوبة عنه بخلاف توبة غيره من العصاة) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين: الجمل (٢)(٣).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه من استنباط سقوط الحدود التي هي حق لله تعالى عن من تاب قبل القدرة عليه هو الصحيح، وقياس الأولى يدل عليها، ومما يؤيد هذا الاستنباط أن في ذلك تشجيعاً للعصاة على التوبة وحثاً لهم عليها، قال الشافعي رحمه الله تعالى: ويحتمل أن يسقط كل حد لله بالتوبة، لأن ماعزاً لما رجم أظهر توبته، فلما تمموا رجمه ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: (هلا تركتموه، لعله أن يتوب فيتوب الله عليه) (٤)، وذلك يدل على أن التوبة تسقط عن المكلف كل ما يتعلق بحق الله تعالى (٥).
стр. 442
شرع من قبلنا شرع لنا .
قال تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَدْلِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ وَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ (المائدة: ٤٥).
١٩٧ - قال السعدي ﵀: (وليعلم أن شرع من قبلنا شرع لنا (١)،
ما لم يرد شرعنا بخلافه) ا. هـ (٢)
стр. 443
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن شرع من قبلنا شرع لنا، مالم يرد شرعنا بخلافه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بين لنا في هذه الآية أن هذه الأحكام هي لبني إسرائيل، ولكنها مشروعة لنا، فكونها تحكى أنها لبني إسرائيل، ونحن ملزمون بها، ففي هذا دلالة على أن شرع من قبلنا شرع لنا.
وقد وافق السعدي بعض المفسرين على هذا الاستنباط، قال ابن كثير: (وقد استدل كثير ممن ذهب من الأصوليين والفقهاء إلى أن شرع من قبلنا شرع لنا، إذا حكي مقررًا ولم ينسخ، كما هو المشهور عن الجمهور، وكما حكاه الشيخ أبو إسحاق الإسفراييني عن نص الشافعي وأكثر الأصحاب بهذه الآية، حيث كان الحكم عندنا على وفقها في الجنايات عند جميع الأئمة) (١)، وقد أشار بعض المفسرين إلى ذلك منهم: الرازي، والخازن، والسيوطي والشوكاني. (٢)
مناسبة تكرير النهي عن اتباع أهوائهم لشدة التحذير منها .
قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ (٤٨)﴾ - ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ (٤٩)﴾ (المائدة: ٤٨ - ٤٩).
١٩٨ - قال السعدي ﵀: (﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ كرر النهي
стр. 444
عن إتباع أهوائهم لشدة التحذير منها؛ ولأن ذلك في مقام الحكم والفتوى، وهو أوسع، وهذا في مقام الحكم وحده، وكلاهما يلزم فيه أن لا يتبع أهواءهم المخالفة للحق فصار إتباع أهوائهم سبباً موصلاً إلى ترك الحق الواجب) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين مناسبة تكرار النهي عن اتباع الهوى، وأن مناسبة ذلك شدة التحذير، وأن النهي عن اتباع الهوى كما يكون في مقام الحكم، يكون كذلك في مقام الحكم والفتوى.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن الآية لا تكرار فيها؛ لاختلاف المتعلق، قال صديق حسن خان: (ليس في هذه الآية تكرار لما تقدم، وإنما أنزلت فى حكمين مختلفين، أما الآية الأولى: فنزلت فى شأن رجم المحصن وأن اليهود طلبوا منه أن يجلده، وهذه الآية نزلت فى شأن الدماء والديات حين تحاكموا إليه في أمر قتيل كان بينهم) (٢)، كما أشار إلى ذلك الخازن. (٣)
وما ذهب إليه السعدي هو الأقرب حيث إن اختلاف المتعلق لا يعارض مناسبة التكرار، بل يقال إن اختلاف المتعلق قد يناسب التكرار حيث لا يظن أن النهي خاص في أحدهما دون الآخر، كما أن التكرار له مناسبة أخرى وهي شدة التحذير.
وقد يقال إن حرص النبي ﷺ على إسلامهم، حينما وعدوه قد يجعله يميل إليهم استعطافاً لهم، فجاء التحذير من اتباع أهواءهم مكرراً، وأنّ مصلحةَ احترام الشّريعة بين أهلها أرجحُ من مصلحة دخول فريق في
стр. 445
الإسلام، لأنّ الإسلام لا يليق به أن يكون ضعيفاً لمريديه (١).
وفي تكريره النهي عن اتباع الهوى للنبي ﷺ تنبيه لمن عداه من اتباع الهوى بطريق الأولى؛ لأن الهوى من أكبر المفسدات التي تقلب الحق باطلاً، والباطل حقاً، وتصد عن سبيل الله، فناسبها التكرار.
ليس من النساء نبية حتى مريم .
قال تعالى: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمَّهُ صِدِّيقَةٌ (٧٥)﴾ (المائدة: ٧٥).
١٩٩ - قال السعدي ﵀: (وهذا دليل على أن مريم لم تكن نبية، بل أعلى أحوالها الصديقية، وكفى بذلك فضلاً وشرفاً، وكذلك سائر النساء لم يكن منهن نبية، لأن الله تعالى جعل النبوة في أكمل الصنفين، في الرجال كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ (الأنبياء: ٧)) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن النساء لم يكن منهن نبية، لامريم ولا غيرها، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله وصفها بأعلى وصف لها وهو الصديقية، ولوكان هناك وصف أعلى من ذلك لوصفها به إذ النبوة أعلى من الصديقية، مما يدل على أنها ليست بنبية، كما أن تقييد الرسل بالرجال بأسلوب الحصر يدل مفهومه على أنه ليس في النساء نبية.
стр. 446
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن كثير: (وقوله: ﴿وَأُمَّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ أي: مؤمنة به مصدقة له، وهذا أعلى مقاماتها؛ فدل على أنها ليست بنبية، كما زعمه ابن حزم وغيره، والذي عليه الجمهور أن الله لم يبعث نبيًا إلا من الرجال، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [يوسف: ١٠٩]، وقد حكى الشيخ أبو الحسن الأشعري، ﵀، الإجماع على ذلك) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن عطية، والألوسي، وابن جزي الكلبي، وابن عاشور. (٢)
المخالفون:
خالف في هذا الاستنباط القرطبي، وقال إن الآية لا دلالة فيها على أن مريم ليست نبية، لأن كونها صديقة لا يمنع أن تكون نبية، فقال مقرراً ذلك: (وقد استدل من قال: إن مريم ﵍ لم تكن نبية بقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، قلت: وفيه نظر، فإنه يجوز أن تكون صديقة مع كونها نبية كإدريس ﵇. (٣)
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في دلالة الآية على عدم نبوة مريم هو الصحيح، فلو كان لها ﵍ مرتبة النبوة لذكرها
стр. 447
سبحانه دون الصديقية لأنها أعلى منها بلا شك (١)، ولأن القصد من وصفها بأنّها صدّيقة نفيُ أن يكون لها وصف أعلى من ذلك (٢)، حيث إن السياق في نفي إلوهية مريم وابنها عيسى، والمقام يقتضي بيان أعلى رتبة يمكن أن يصلوا إليها فبين مقام عيسى بالنبوة، ومقام مريم بالصديقية.
تحريم الإنسان الحلال على نفسه، لا يكون به الحلال حراماً .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِن اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٨٧)﴾ (المائدة: ٨٧).
٢٠٠ - قال السعدي ﵀: (ودلت الآية الكريمة على أنه إذا حرم حلالاً عليه من طعام وشراب، وسرية وأمة، ونحو ذلك، فإنه لا يكون حراماً بتحريمه، لكن لو فعله فعليه كفارة يمين (٣)، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية [التحريم: ١]، ويدخل في هذه الآية أنه لا ينبغي للإنسان أن يتجنب الطيبات ويحرمها على نفسه، بل يتناولها مستعيناً بها على طاعة ربه) ا. هـ (٤)
стр. 448
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن من حرم حلالاً على نفسه، فإنه لا يكون حراماً عليه بتحريمه، كما أنه لا ينبغي أن يتجنب الطيبات بل يأكلها مستعيناً بها على طاعة الله، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله نهي عن تحريم ما أحل، مما يدل على أن التحريم لا أثر له، فيبقى الحلال حلالاً لا يؤثر عليه تحريم الإنسان له.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال إلكيا الهراسي: (فيه دليل على أن العبد لا يمكنه أن يحرم على نفسه ما أحله تعالى له بعقده وقصده) (١)، وقال الجصاص: (وفي هذه الآية دلالة على بطلان قول الممتنعين من أكل اللحوم والأطعمة اللذيذة تزهداً، لأن الله قد نهى عن تحريمها وأخبر بإباحتها، ويدل على أن لا فضيلة في الامتناع من أكلها) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن العربي، والخازن، والرازي، وابن عاشور (٣).
وفي هذا الاستنباط حكمة عظيمة وهو بقاء الحلال والحرام في إطار الحفظ من الأهواء، ومن التنطعات كذلك، فربما شُوه الإسلام بتنطع مُحرم، وربما هُون الأمر بارتكاب محرم وتحليله، فلم تكن الشريعة في متناول الأهواء حتى لو فرضها الإنسان على نفسه فإن ذلك لا يغير من الحق شيئاً، بل يبقى الحلال حلالاً، ويبقى الحرام حراماً.
كما أن هنا النهي إنّما هو عن تحريم ذلك على النفس، أمّا ترك تناول بعض ذلك في بعض الأوقات من غير التزام ولقصد التربية للنفس على التصبّر على الحِرمان عند عدم الوجدان، فلا بأس به بمقدار الحاجة إليه في رياضة النفس.
стр. 449
وكذلك الإعراض عن كثير من الطّيبات للتطلّع على ما هو أعلى من عبادة أو شغل بعمل نافع وهو أعلى الزهد، وقد كان ذلك سنّة رسول الله ﷺ وخاصّة من أصحابه، وهي حالة تناسب مرتبته ولا تتناسب مع بعض مراتب الناس، فالتطلّع إليها تعسير، وهو مع ذلك كان يتناول الطيّبات دون تشوّف ولا تطلّع (١).
فائدة تكرار التقوى في هذه الآية ثلاث مرات .
قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (٩٣)﴾ (المائدة: ٩٣).
٢٠١ - قال السعدي ﵀: (تأملت في فائدة تكرار التقوى في هذه الآية ثلاث مرات فوقع لي أحد وجهين: أحدهما، أن الأول للماضي، والثاني للحال، والثالث في المستقبل، وبيان ذلك، أن قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ أن جناح نكرة في سياق النفي فتعم الماضي والمستقبل والحال، لأنه نفي الجناح عن المؤمنين مطلقاً وهذا النفي العام لا ينطبق إلا على الأحوال الثلاثة، ويكون هذا التكرار من محترزات القرآن، التي يحترز الباري فيها عن كل حال تقدر وتمكن لأنهم لو اتقوا في الماضي أو في الحال أو فيهما دون المستقبل لم يصدق عليهم نفي الجناح، ولا بد في كل حالة من الأحوال التي تقام فيها التقوى من الإيمان والعمل الصالح ومن الإيمان والإحسان يؤيد هذا الاحتمال قوله: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ
стр. 450
فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: ٢٠٣] فإن قوله ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ نظير قوله جناح ولما كانت هذه الآية لا يتصور فيها الماضي كما هو بين لأنه شرط وجزاء للمستقبل ويصلح للحال قال: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ يعني في الحال لمن اتقى الله فيها ثم ذكر ما يصلح للمستقبل فقال ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ فإذا قرنت هذه بتلك بانت لك فائدة التكرار، وأن ذلك لأجل عموم الأزمنة.
الوجه الثاني: أن الأول في مقام الإسلام والثاني في مقام الإيمان والثالث في مقام الإحسان: والمؤمن لا تكمل تقواه حتى يترك ما حرم الله ولا يتم دينه إلا بهذه المقامات الثلاثة لأن مقام الإسلام يقتضي وجود الأعمال الظاهرة مع الإيمان والتقوى، فقال فيها: ﴿إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ومقام الإيمان لا بد فيه من القيام بأركان الإيمان مع التقوى، فقال فيه: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا﴾ ومقام الإحسان لا بد فيه من المقام بالإحسان مع التقوى، فقال فيه: ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا﴾ فنفي الجناح العام لا يكون إلا لمن قام بمقامات الدين كلها ; وعلى هذين الوجهين ففي الآية الكريمة من بيان جلالة القرآن وعظمته وإحكام معانيه ورصانتها وعدم اختلالها واختلافها، ما يشهد به العبد أنه كلام الله حقا وصدقا وعدلا وأنه محتو على أعلى رتب البلاغة التي لا يقاربه فيها أي كلام كان، وقد يقال إن كلا الوجهين مراد، لأن اللفظ لا يأباه والمعنى مفتقر إليه ; وطريقة القرآن أن يحمل على أعم الوجوه المناسبة لأنه تنزيل من حكيم حميد، عليم بكل شيء، والله أعلم بمراده وأسرار كتابه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية فائدة تكرار التقوى ثلاث مرات في هذه الآية، واستحسن في ذلك وجهين: أحدهما: لشمولية عموم الأزمنة،
стр. 451
وهي الماضي، والحاضر، والمستقبل، حتى يتم معنى نفي الجناح، إذ هو نكرة في سياق النفي فيعم كل الأزمنة.
الثاني: أن الأول في مقام الإسلام، والثاني في مقام الإيمان، والثالث في مقام الإحسان.
وقد أشار بعض المفسرين إلى هذه الأوجه التي ذكرها السعدي ومنهم: ابن عطية، والرازي، وأبوحيان، والبيضاوي، والألوسي، والشوكاني. (١)
وذهب الطبري إلى أن الفائدة في ذلك هي: أن الاتقاء الأوّل: هو الاتقاء بتلقِّي أمر الله بالقَبُول والتصديق، والدينونة به والعمَل، والاتقاء الثاني: الاتقاء بالثبات على التصديق، وترك التبديل والتغيير، والاتقاء الثالث: هو الاتقاء بالإحسان، والتقرُّب بنوافل الأعمال (٢).
وهناك أوجه أخرى ذكرها بعض المفسرين، منها: إن الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر، والثالث في الصغائر، وقيل: إنه باعتبار المراتب الثلاث للتقوى المبدأ والوسط والمنتهى، وقيل: باعتبار ما يتقي فإنه ينبغي أن يترك المحرمات توقياً من العقاب والشبهات توقياً من الوقوع في الحرام، وبعض المباحات حفظاً للنفس عن الخسة وتهذيباً لها عن دنس الطبيعة، وقيل: إن التكرير لمجرد التأكيد، وقيل: إن التكرير باعتبار التقوى الأولى عبارة عن الاتقاء من القدح في صحة النسخ وذلك لأن اليهود يقولون النسخ يدل على البداء فأوجب على المؤمنين عند سماع تحريم الخمر بعد أن كانت مباحة أن يتقوا عن هذه الشبهة الفاسدة والتقوى الثانية الإتيان بالعمل المطابق لهذه الآية وهي الاحتراز عن شرب الخمر والتقوى الثالثة عبارة عن المداومة على التقوى المذكورة في
стр. 452
الأولى والثانية ثم يضم إلى هذه التقوى الإحسان إلى الخلق (١)، وأحسن ما يمكن أن يقال في فائدة تكرير التقوى في هذه الآية هو التأكيد، حيث إن المعاني المذكورة جيدة في معانيها لكن لا مستند قوي في الآية يسندها، قال ابن عاشور: (وقد ذهب المفسّرون في تأويل التكرير الواقع في هذه الآية طرائق مختلفة لا دلائل عليها في نظم الآية) (٢)
لا يتم الهدى إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٠٥)﴾ (المائدة: ١٠٥).
٢٠٢ - قال السعدي ﵀: (ولا يدل هذا على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يضر العبدَ تركُهما وإهمالُهما، فإنه لا يتم هداه، إلا بالإتيان بما يجب عليه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، نعم، إذا كان عاجزاً عن إنكار المنكر بيده ولسانه وأنكره بقلبه، فإنه لا يضره ضلال غيره) ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنه لا دلالة في الآية على أن من ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه لا يضره كما قد يفهم من ظاهر الآية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن لازم الهداية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 453
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط جمهور المفسرين، قال ابن كثير: (وليس في الآية مسْتَدلٌّ على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا كان فعل ذلك ممكنًا) (١)، وقال الشنقيطي: (قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور، وذلك في قوله ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد). (٢)
وممن قال بذلك من المفسرين: الجصاص، وإلكيا الهراسي، الرازي، والقرطبي، والطوفي، والبيضاوي، وأبو السعود، والألوسي، وابن عاشور، والشوكاني. (٣)
وأجاب الألوسي عن توهم ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر استناداً لهذه الآية مبيناً الأوجه التي تحمل عليها، فقال: (وتوهم من ظاهر الآية الرخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأجيب عن ذلك بوجوه: الأول: أن الاهتداء لا يتم إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإن ترك ذلك مع القدرة عليه ضلال.، والثاني: أن الآية تسلية لمن يأمر وينهى ولا يقبل منه عند غلبة الفسق وبعد عهد الوحي.، والثالث: أنها للمنع عن هلاك النفس حسرة وأسفاً على ما فيه الكفرة والفسقة من الضلال.،
стр. 454
والرابع: أنها للرخصة في ترك الأمر والنهي إذا كان فيهما مفسدة، والخامس: أنها للأمر بالثبات على الإيمان من غير مبالاة بنسبة الآباء إلى السفه) (١).
شهادة الكفار عند عدم غيرهم مقبولة .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ (١٠٦)﴾ (المائدة: ١٠٦).
٢٠٣ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ (٢)
أنه ربما استفيد من تلميح الحكم ومعناه، أن شهادة
стр. 455
الكفار -عند عدم غيرهم، حتى في غير هذه المسألة- مقبولة، كما ذهب إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (١)) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قبول شهادة الكفار مطلقاً عند عدم غيرهم من المسلمين، ووجه استنباط ذلك من الآية القياس على قبول شهادتهم في الوصية للضرورة في السفر والضرورة فقدان المسلمين وهي العلة الجامعة، ومن هنا جوز استشهاد الكفار في مثل هذه الحالة، وهي حالة فقدان المسلمين والاحتياج للشهادة.
وقد وافق السعدي شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا الاستنباط، فقال: (وقول أحمد أقبل شهادة أهل الذمة إذا كانوا في سفر ليس فيه غيرهم هذه ضرورة يقتضي هذا التعليل قبولها في كل ضرورة حضراً وسفراً وصية وغيرها) (٣).
وهذا الاستنباط صحيح ويؤيده الضرورة هنا، لأنه بفوات الشهادة قد
стр. 456
تفوت حقوق على الإنسان أوله، فشهادة كافر مؤتمن أخف هنا من ضياع هذا الحق.
جواز سفر المسلم مع الكافر .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ (١٠٦)﴾ (المائدة: ١٠٦).
٢٠٤ - قال السعدي ﵀: (جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذور) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز السفر مع الكافر، ووجه استنباطه من الآية أن الله ذكر في الآية جواز استشهاد المسلم الكافر في الوصية إذا كانا في السفر ولم يوجد مسلمين، وهذا يلزم منه أنهما كانا جميعاً في سفر، فدلالة الآية على ذلك باللزوم فحيث جاز استشهاده لزم من ذلك أنهما كانا مسافرين معاً.
ومما يؤيد استنباط هذا المعنى من هذه الآية أن عدم التنبيه عليه فيه دلالة على الجواز، إ ذ لم يذكر في القرآن شيء يحتاج إلى تنبيه إلا وسبقه تنبيه أو لحقه، فعدم التنبيه هنا على سفر المسلم مع الكافر دليل على الجواز، وأما كونه لا يكون فيه محذور فمأخوذ من أدلة عامة من الشريعة.
ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما روته عائشة ﵂ فقالت: (واستأجر النبى ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل ثم من بني عبد بن
стр. 457
عدى هادياً خريتاً - الخريت الماهر بالهداية - قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما، صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا، وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل الديلى فأخذ بهم أسفل مكة وهو طريق الساحل) (١)، قال ابن حجر بعد شرحه لهذا الحديث: (وفي الحديث استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق إذا أمن إليه، واستئجار الاثنين واحداً على عمل واحد) (٢).
ففي هذا الحديث دلالة على جواز السفر مع الكافر، حيث إنه ارتحل معهم الرجل الدليل وهو مشرك، حيث لم يوجد أحد من أهل الإسلام (٣).
مناسبة وعظ الحواريين بالتقوى .
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبَّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ (المائدة: ١١٢).
٢٠٥ - قال السعدي ﵀: (ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافياً للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى ﵇ فقال: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى، وأن
стр. 458
ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئاً) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة وعظ عيسى ﵇ الحواريين وتذكيرهم التقوى، وهو أن هذا السؤال لا يصدر إلا عن من لا ينقاد للحق، فناسب وعظهم بالتقوى التي تحمل على الانقياد لأوامر الله .
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لهذه المناسبة وهو تذكيرهم التقوى التي تكون سبباً في الحصول على المطلوب.
قال الرازي: (ثم قال تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ وفيه وجهان: الأول: قال عيسى اتقوا الله في تعيين المعجزة، فإنه جار مجرى التعنت والتحكم، وهذا من العبد في حضرة الرب جرم عظيم، ولأنه أيضاً اقتراح معجزة بعد تقدم معجزات كثيرة، وهو جرم عظيم، الثاني: أنه أمرهم بالتقوى لتصير التقوى سبباً لحصول هذا المطلوب) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: أبوحيان، والبقاعي، والألوسي، والشوكاني (٣).
وأشار بعض المفسرين إلى أن مناسبة الوعظ هنا ليس لأنهم شاكين، ولكن لبشاعة اللفظ (٤)
والذي يظهر أن مناسبة التذكير بالتقوى في هذه الآية هو تذكيرهم
стр. 459
بالتقوى لأنها سبب حصولهم على المطلوب، وهذا مؤيد بقراءة "هل تستطيع" بالتاء (١)، أي أن تدعو ربك وتسأل ربك، فناسب هنا تذكيرهم بما يعين على إجابة هذه الدعوة.
وكذلك تكون مناسبة التذكير بالتقوى هنا لبشاعة اللفظ، لا أنهم شاكين في القدرة، وهذا مؤيد بقراءة "هل يستطيع" بالياء (٢).
أما ما ذهب إلي السعدي من كون المناسبة هنا عدم الانقياد لأوامر الله، فهو مستبعد لكون الحواريين مؤمنين، قال ابن عطية: (لا خلاف أحفظه في أن الحواريين كانوا مؤمنين) (٣)، وعدم الانقياد بعيد عن مثلهم. والله أعلم.
مناسبة ختم الآية بـ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
قال تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (المائدة: ١١٨).
٢٠٦ - قال السعدي ﵀: (وأما قول عيسى ﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ ولم يقل: أنت الغفور الرحيم، لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، إنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه وأمه إلهين من دون الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، وصار أولى من ذكر الرحمة والمغفرة) ا. هـ (٤)
стр. 460
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ختم الآية بالاسمين العظمين لله وهما: "العزيز الحكيم"وأن مناسبة ختم الآية بهما أن المقام مقام غضب وانتقام ممن أتخذ عيسى وأمه إلهين من دون الله، فناسب ذكر العزة والحكمة.
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لهذه المناسبة وهي: إن ذكرهما من باب الاحتراس لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز في القدرة، أو لإهمال ينافي الحكمة فدفع توهم ذلك بذكرهما، أي بذكر هاذين الاسمين فناسب الختم بهما، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: ابن عطية، وأبوالسعود، والبقاعي، والألوسي، وابن عاشور (١).
والقول بأن المناسبة هنا هي أن المغفرة تكون بعزة لا عجز فيها، وحكمة لا إهمال فيها، هو الأحسن من المناسبات؛ إذ مقام التعظيم يقتضي ذلك، والمقام هنا مقام تعظيم لله من عيسى ﵊، بالاعتراف بأن الله هو الإله دون غيره من الخلق، وأما أصحاب مقالة
تأليه عيسى وأمه من دون الله، فهؤلاء أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم مغفرة العزيز الحكيم.