تفوت حقوق على الإنسان أوله، فشهادة كافر مؤتمن أخف هنا من ضياع هذا الحق.
جواز سفر المسلم مع الكافر .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ (١٠٦)﴾ (المائدة: ١٠٦).
٢٠٤ - قال السعدي ﵀: (جواز سفر المسلم مع الكافر إذا لم يكن محذور) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز السفر مع الكافر، ووجه استنباطه من الآية أن الله ذكر في الآية جواز استشهاد المسلم الكافر في الوصية إذا كانا في السفر ولم يوجد مسلمين، وهذا يلزم منه أنهما كانا جميعاً في سفر، فدلالة الآية على ذلك باللزوم فحيث جاز استشهاده لزم من ذلك أنهما كانا مسافرين معاً.
ومما يؤيد استنباط هذا المعنى من هذه الآية أن عدم التنبيه عليه فيه دلالة على الجواز، إ ذ لم يذكر في القرآن شيء يحتاج إلى تنبيه إلا وسبقه تنبيه أو لحقه، فعدم التنبيه هنا على سفر المسلم مع الكافر دليل على الجواز، وأما كونه لا يكون فيه محذور فمأخوذ من أدلة عامة من الشريعة.
ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما روته عائشة ﵂ فقالت: (واستأجر النبى ﷺ وأبو بكر رجلاً من بني الديل ثم من بني عبد بن
стр. 457
عدى هادياً خريتاً - الخريت الماهر بالهداية - قد غمس يمين حلف في آل العاص بن وائل، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، ووعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما، صبيحة ليال ثلاث، فارتحلا، وانطلق معهما عامر بن فهيرة، والدليل الديلى فأخذ بهم أسفل مكة وهو طريق الساحل) (١)، قال ابن حجر بعد شرحه لهذا الحديث: (وفي الحديث استئجار المسلم الكافر على هداية الطريق إذا أمن إليه، واستئجار الاثنين واحداً على عمل واحد) (٢).
ففي هذا الحديث دلالة على جواز السفر مع الكافر، حيث إنه ارتحل معهم الرجل الدليل وهو مشرك، حيث لم يوجد أحد من أهل الإسلام (٣).
مناسبة وعظ الحواريين بالتقوى .
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبَّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ (المائدة: ١١٢).
٢٠٥ - قال السعدي ﵀: (ولما كان سؤال آيات الاقتراح منافياً للانقياد للحق، وكان هذا الكلام الصادر من الحواريين ربما أوهم ذلك، وعظهم عيسى ﵇ فقال: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ فإن المؤمن يحمله ما معه من الإيمان على ملازمة التقوى، وأن
стр. 458
ينقاد لأمر الله، ولا يطلب من آيات الاقتراح التي لا يدري ما يكون بعدها شيئاً) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة وعظ عيسى ﵇ الحواريين وتذكيرهم التقوى، وهو أن هذا السؤال لا يصدر إلا عن من لا ينقاد للحق، فناسب وعظهم بالتقوى التي تحمل على الانقياد لأوامر الله .
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لهذه المناسبة وهو تذكيرهم التقوى التي تكون سبباً في الحصول على المطلوب.
قال الرازي: (ثم قال تعالى: ﴿قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١١٢)﴾ وفيه وجهان: الأول: قال عيسى اتقوا الله في تعيين المعجزة، فإنه جار مجرى التعنت والتحكم، وهذا من العبد في حضرة الرب جرم عظيم، ولأنه أيضاً اقتراح معجزة بعد تقدم معجزات كثيرة، وهو جرم عظيم، الثاني: أنه أمرهم بالتقوى لتصير التقوى سبباً لحصول هذا المطلوب) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: أبوحيان، والبقاعي، والألوسي، والشوكاني (٣).
وأشار بعض المفسرين إلى أن مناسبة الوعظ هنا ليس لأنهم شاكين، ولكن لبشاعة اللفظ (٤)
والذي يظهر أن مناسبة التذكير بالتقوى في هذه الآية هو تذكيرهم
стр. 459
بالتقوى لأنها سبب حصولهم على المطلوب، وهذا مؤيد بقراءة "هل تستطيع" بالتاء (١)، أي أن تدعو ربك وتسأل ربك، فناسب هنا تذكيرهم بما يعين على إجابة هذه الدعوة.
وكذلك تكون مناسبة التذكير بالتقوى هنا لبشاعة اللفظ، لا أنهم شاكين في القدرة، وهذا مؤيد بقراءة "هل يستطيع" بالياء (٢).
أما ما ذهب إلي السعدي من كون المناسبة هنا عدم الانقياد لأوامر الله، فهو مستبعد لكون الحواريين مؤمنين، قال ابن عطية: (لا خلاف أحفظه في أن الحواريين كانوا مؤمنين) (٣)، وعدم الانقياد بعيد عن مثلهم. والله أعلم.
مناسبة ختم الآية بـ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
قال تعالى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ (المائدة: ١١٨).
٢٠٦ - قال السعدي ﵀: (وأما قول عيسى ﵇ ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ ولم يقل: أنت الغفور الرحيم، لأن المقام ليس مقام استعطاف واسترحام، إنما هو مقام غضب وانتقام ممن اتخذه وأمه إلهين من دون الله، فناسب ذكر العزة والحكمة، وصار أولى من ذكر الرحمة والمغفرة) ا. هـ (٤)
стр. 460
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ختم الآية بالاسمين العظمين لله وهما: "العزيز الحكيم"وأن مناسبة ختم الآية بهما أن المقام مقام غضب وانتقام ممن أتخذ عيسى وأمه إلهين من دون الله، فناسب ذكر العزة والحكمة.
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لهذه المناسبة وهي: إن ذكرهما من باب الاحتراس لأن ترك عقاب الجاني قد يكون لعجز في القدرة، أو لإهمال ينافي الحكمة فدفع توهم ذلك بذكرهما، أي بذكر هاذين الاسمين فناسب الختم بهما، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: ابن عطية، وأبوالسعود، والبقاعي، والألوسي، وابن عاشور (١).
والقول بأن المناسبة هنا هي أن المغفرة تكون بعزة لا عجز فيها، وحكمة لا إهمال فيها، هو الأحسن من المناسبات؛ إذ مقام التعظيم يقتضي ذلك، والمقام هنا مقام تعظيم لله من عيسى ﵊، بالاعتراف بأن الله هو الإله دون غيره من الخلق، وأما أصحاب مقالة
تأليه عيسى وأمه من دون الله، فهؤلاء أمرهم إلى الله، إن شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم مغفرة العزيز الحكيم.
стр. 461
سورة الأنعام
مناسبة جمع الظلمات، وإفراد النور .
قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ (الأنعام: ١).
٢٠٧ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ (١) وذكر الله الظلمات بالجمع، لكثرة موادها وتنوع طرقها، ووحد النور لكون الصراط الموصلة إلى الله واحدة لا تعدد فيها، وهي: الصراط المتضمنة للعلم بالحق والعمل به) ا. هـ (٢)
стр. 462
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة جمع الظلمات، وإفراد النور في هذه الآية، وأن مناسبة ذلك أن الظلمات كثيرة الموارد متعددة الطرق بمعنى طرق الضلال كثيرة فناسب جمعها، بينما طريق الحق واحدة فناسب إفرادها.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين منهم: جلال الدين المحلي، والبقاعي، والشوكاني. (١)
بينما ذهب ابن كثير إلى أن مناسبة ذلك هو كون النور أشرف (٢)، وأشار الألوسي إلى أن المناسبة هنا هي حسن التقابل مع قوله تعالى: (خلق السماوات والأرض) (٣)، وذهب الزمخشري، وابن عطية إلى أن المناسبة هنا إرادة الجنس فإفراده بمثابة جمعه. (٤)
وذهب ابن عاشور إلى أن المناسبة هنا اتباعاً للاستعمال، خلافاً لما ذهب إليه الزمخشري، فقال: (وإنّما جُمع ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ وأفرد ﴿النُّورِ﴾ اتّباعاً للاستعمال، لأنّ لفظ ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ بالجمع أخفّ، ولفظ ﴿النُّورِ﴾ بالإفراد أخفّ، ولذلك لم يرد لفظ ﴿الظُّلُمَاتِ﴾ في القرآن إلاّ جمعاً ولم يرد لفظ ﴿النُّورِ﴾ إلاّ مفرداً، وهما معاً دالاّن على الجنس، والتعريف الجنسي يستوي فيه المفرد والجمع فلم يبق للاختلاف سبب لاتّباع الاستعمال، خلافاً لما في "الكشاف") (٥).
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو أحسن وأقرب المناسبات؛ إذ جمع الظلمات هو المناسب لها سواء كانت الظلمة الحسية لتعددها،
стр. 463
وسواء كانت الظلمة المعنوية فطرق الظلال كثيرة، وكذلك إفراد النور لمناسبة كونه شيء واحد سواء كان حسياً فالنور واحد ليس بمتعدد، وكذلك إن كان معنوياً فالحق والهدى واحد وليس بمتعدد.
ذم الخوض بالباطل فيه دلالة على مدح البحث والمناظرة بالحق .
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ شَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ (٦٨)﴾ (الأنعام: ٦٨)
٢٠٨ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي. . .﴾ الآية (١)، وفي ذم الخوض بالباطل، حث على البحث، والنظر، والمناظرة بالحق) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية الحث على البحث والنظر، والمناظرة بالحق، ووجه استنباط ذلك من الآية بمفهوم المخالفة، حيث إن النهي عن مجالسة أهل الباطل الذين يخوضون في آيات الله حتى يخوضوا في حديث غيره دال بمفهوم المخالفة - مفهوم الغاية- إنه متى كان الخوض في حديث ليس بباطل فلا بأس في ذلك، بل شدة النهي عن مجالسة أهل الباطل تدل على الحث الشديد على مجالسة أهل الحق.
стр. 464
وفي هذا الاستنباط حث على المحاورة ومعرفة ما عند الآخرين، كي يتعلم الإنسان ويستفيد من تجارب غيره، ويتقي الأخطاء التي وقع فيها الآخرون.
كما أن في هذا الاستنباط إشارة إلى ما أطلق عليه اليوم فن الاستماع للآخرين، ومحاولة فهمهم، لأن هذا لا يتحقق بدون المناظرة بحق.
إذا كان الوعظ يزيد الموعوظ شراً إلى شره، فترك الوعظ أولى .
قال تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٦٩)﴾ (الأنعام: ٦٩).
٢٠٩ - قال السعدي ﵀: (وفي هذا دليل على أنه ينبغي أن يستعمل المذكِّرُ من الكلام، ما يكون أقرب إلى حصول مقصود التقوى، وفيه دليل على أنه إذا كان التذكير والوعظ، مما يزيد الموعوظ شراً إلى شره، إلى أن تركه هو الواجب؛ لأنه إذا ناقض المقصود، كان تركه مقصوداً) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الوعظ إذا كان يزيد الموعوظ شراً فإن تركه واجب، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بين لنا في هذه الآية غاية الوعظ وهو حصول التقوى، فدل مفهومه أنه إذا كان سيترتب عليه ضد المقصود فتركه واجب، حيث إن الوعظ مع حصول المقصود
стр. 465
واجب، وتركه مع حصول ضد المقصود واجب.
ومما يؤيد ما ذهب إليه السعدي أن الشريعة مبنية على تحصيل المصالح ودرء المفاسد، كما أنها قائمة على تحقيق المقاصد الشرعية التي تهدف وراءها من النصح والإرشاد، فإذا كان الأمر سيأتي بمفاسد ولن يحقق المقاصد الشرعية فتركه حينئذ هو الواجب.
النبي ﷺ أفضل الرسل كلهم .
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾ (الأنعام: ٩٠).
٢١٠ - قال السعدي ﵀: (﴿أُولَئِكَ﴾ المذكورون ﴿الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ أي: امش -أيها الرسول الكريم- خلف هؤلاء الأنبياء الأخيار، واتبع ملتهم وقد امتثل ﷺ ، فاهتدى بهدي الرسل قبله، وجمع كل كمال فيهم. فاجتمعت لديه فضائل وخصائص، فاق بها جميع العالمين، وكان سيد المرسلين، وإمام المتقين، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين، وبهذا الملحظ، استدل بهذه من استدل من الصحابة، أن رسول الله ﷺ ، أفضل الرسل كلهم (١)). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن رسول الله ﷺ أفضل الرسل كلهم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر نبينا محمد ﷺ بالاقتداء بالرسل
стр. 466
جميعاً فامتثل وجمع كل كمال فيهم فاجتمعت فيه فضائل جعلته أفضل الرسل.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الألوسي: (ويكون في الآية دليل على أنه ﷺ أفضل منهم قطعاً لتضمنها أن الله تعالى هدى أولئك الأنبياء ﵈ إلى فضائل الأخلاق وصفات الكمال وحيث أمر رسول الله ﷺ أن يقتدي بهداهم جميعاً امتنع للعصمة أن يقال: إنه لم يمتثل فلا بد أن يقال:
إنه ﵊ قد امتثل وأتى بجميع ذلك وحصل تلك الأخلاق الفاضلة التي في جميعهم فاجتمع فيه من خصال الكمال ما كان متفرقاً فيهم وحينئذ يكون أفضل من جميعهم قطعاً كما أنه أفضل من كل واحد منهم وهو استنباط حسن) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين: الرازي، والطوفي، والخازن، وحقي، وابن عاشور، ومحمد رشيد رضا، والهرري. (٢)
الروح جسم يدخل ويخرج، ويُخَاطَب، ويُسَاكِن الجسد ويفارقه .
قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ (٩٣)﴾ (الأنعام: ٩٣).
٢١١ - قال السعدي ﵀: (وفيه دليل، على أن الروح جسم (٣)، يدخل ويخرج، ويخاطب، ويساكن الجسد، ويفارقه، فهذه
стр. 467
حالهم في البرزخ). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الروح جسم، ووجه استنباط ذلك من الآية وصفها بالخروج والإخراج، وهذا يلزم منه أن يكون الخارج جسماً فلو كان عرضاً لما صح وصفه بذلك.
وقد وافق السعدي بعض المفسرين في هذا الاستنباط، قال ابن القيم-في معرض ذكره أدلة الفرق بين الروح والجسد- فعند ذكره لهذه الآية بين وجوه الاستدلال منها فقال: (وفيها
أربعة أدلة: أحدها بسط الملائكة أيديهم لتناولها، والثاني وصفها بالإخراج والخروج، والثالث الإخبار عن عذابها في ذلك اليوم،
стр. 468
والرابع الإخبار عن مجيئها إلى ربها فهذه سبعة أدلة) (١)، وممن أشار إلي ذلك من المفسرين: الرازي (٢).
مشروعية تعلم علم التسيير .
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرُ قَدْ فَصَّلْنَا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧)﴾ (الأنعام: ٩٧).
٢١٢ - قال السعدي ﵀: (ودلت هذه الآية ونحوها، على مشروعية تعلم سير الكواكب ومحالّها الذي يسمى علم التسيير (٣)، فإنه لا تتم الهداية ولا تمكن إلا بذلك). ا. هـ (٤)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية تعلم علم التسيير، ووجه استنباطه من الآية أن الله ذكر النجوم على وجه الامتنان، وبين أن فيها منفعة وهي الاهتداء، والاهتداء بالنجوم لا يمكن أن يكون إلا بالتعلم، فدلت دلالة الالتزام أن تعلم التسيير مشروع إذ لازم الاهتداء التعلم.
قال ابن رجب: (وأما علم التسيير، فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء،
стр. 469
ومعرفة القبلة، والطرق جائز عند الجمهور) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين: الألوسي (٢).
إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة .
قال تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾ (الأنعام: ١٠٣).
٢١٣ - قال السعدي ﵀: (﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ لعظمته، وجلاله وكماله، أي: لا تحيط به الأبصار، وإن كانت تراه، وتفرح بالنظر إلى وجهه الكريم، فنفي الإدراك لا ينفي الرؤية، بل يثبتها بالمفهوم، فإنه إذا نفى الإدراك، الذي هو أخص أوصاف الرؤية، دل على أن الرؤية ثابتة.
فإنه لو أراد نفي الرؤية، لقال "لا تراه الأبصار" ونحو ذلك، فعلم أنه ليس في الآية حجة لمذهب المعطلة، الذين ينفون رؤية ربهم في الآخرة (٣)، بل فيها ما يدل على نقيض قولهم). ا. هـ (٤)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية وهي إثبات رؤية الله في
стр. 470
الآخرة، والرد على نفاة الرؤية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن نفي الإدراك الذي هو أخص أوصاف الرؤية يدل مفهومه أن الرؤية ممكنة، فلما كان النفي متعلقاً بالإدراك، دل مفهومه أن الرؤية ممكنة.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط جمهور المفسرين، قال البغوي: (وأما قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ علم أن الإدراك غير الرؤية لأن الإدراك هو: الوقوف على كُنهِ الشيء والإحاطة به، والرؤية: المعاينة، وقد تكون الرؤية بلا إدراك، فالله يجوز أن يُرى من غير إدراك) (١)، وقال ابن كثير: (وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن عطية، والرازي، وأبوحيان، والبيضاوي، وأبوالسعود، والألوسي، والشنقيطي. (٣)
المخالفون:
خالف المعتزلة فقالوا إن الآية تدل على نفي الرؤية، ووجه استنباط ذلك من الآية عندهم:
أولاً: أن الإدراك المضاف إلى الأبصار إنما هو الرؤية ولا فرق بين أدركته ببصري ورأيته إلا في اللفظ أو هما متلازمان لا يصح نفي أحدهما مع إثبات الآخر فلا يجوز رأيته وما أدركته ببصري ولا عكسه، فالآية نفت أن تراه الأبصار وذلك يتناول جميع الأبصار بواسطة اللام الجنسية في مقام
стр. 471
المبالغة في جميع الأوقات (١).
ثانياً: ولأنه تعالى تمدح بكونه لا يرى حيث ذكره في أثناء المدائح وما كان من الصفات عدمه مدحاً كان وجوده نقصاً يجب تنزيه الله تعالى عنه فظهر أنه يمتنع رؤيته سبحانه (٢).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه من جمهور المفسرين هو الصحيح، لقوة دلالة الآية عليه، فمفهوم المخالفة يدل على إثيات الرؤية، كما أن نفي الإدراك لا يعني نفي الرؤية؛ لأن نفي الأخص لا يلزم منه نفي الأعم، وكذلك السياق سياق مدح، فإثبات الرؤية هو المناسب لهذا السياق، إذ نفي الرؤية مطلقاً ليس من المدح لاشتراكه مع المعدومات، والنفي في صفات الله يتضمن مدحاً، فوجب أن يكون هنا هو إثبات الرؤية.
وأما ما استدل به المعتزلة فالجواب عليه كالآتي:
الأول: أن الإدراك ليس هو الرؤية المطلقة، وإنما هو الرؤية على نعت الإحاطة بجوانب المرئي كما فسره ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بها في أحد تفسيريه، وإليه ذهب الكثير من أئمة اللغة وغيرهم. والرؤية المكيفة بكيفية الإحاطة أخص مطلقاً من الرؤية المطلقة ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، فظهر صحة أن يقال: رأيته وما أدركه بصري أي ما أحاط به من جوانبه وإن لم يصح عكسه (٣).
ثانياً: لوكان المراد بقوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ إنه لا يرى بحال، لم يكن في ذلك مدح ولا كمال، لمشاركة المعدوم له في ذلك، فإن
стр. 472
العدم الصرف لا يرى، ولا تدركه الأبصار، والرب ﷻ يتعالى أن يمدح بما يشاركه فيه العدم المحض. (١)
إذا ثبت هذا فنقول: قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ يمتنع أن يفيد المدح والثناء إلا إذا دل على معنى موجود يفيد المدح والثناء، وهو عدم الإدراك والإحاطة لا نفي الرؤية، وبهذا التقرير فإن الكلام ينقلب عليهم حجة فسقط استدلال المعتزلة بهذه الآية من كل الوجوه (٢)
ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط وهو إثبات الرؤية في الآخرة، قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ [المطففين: ١٥]، فلما حجب أولئك في حال السخط دل على أن المؤمنين يرونه في حال الرضى وإلا لم يكن بينهما فرق (٣).
وكذلك حديث جرير بن عبد الله البجلي، قال: (كنا جلوساً مع النبي ﷺ ، فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة، فقال: "إنكم سترون ربكم عياناً، كما ترون هذا، لا تضامون في رؤيته) (٤)، وهذا الحديث صريح الدلالة على إثبات الرؤية.
الوسائل لها أحكام المقاصد .
قال تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا
стр. 473
بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٠٨)﴾ (الأنعام: ١٠٨).
٢١٤ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية الكريمة (١)، دليل للقاعدة الشرعية وهو أن الوسائل تعتبر بالأمور التي توصل إليها، وأن وسائل المحرم، ولو كانت جائزة تكون محرمة، إذا كانت تفضي إلى الشر). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية، وهي أن الوسائل لها أحكام المقاصد، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الوسائل التي تؤدي المحرم محرمة ولو كانت في ذاتها جائزة، فسب آلهة المشركين جائز في ذاته، ولكنه ممنوع هنا لأنه يؤدي إلى محرم آخر وهو سب المشركين لله .
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الألوسي: (واستدل بالآية على أن الطاعة إذا أدت إلى معصية راجحة وجب تركها فإن ما يؤدي إلى الشر شر) (٣)، وقال ابن العربي: (فمنع الله تعالى في كتابه أحداً أن يفعل فعلاً جائزاً يؤدي إلى محظور) (٤)، وقال ابن القيم: (وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز؛ لئلا يكون سبباً في فعل مالا
يجوز) (٥)،
стр. 474
وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، والطوفي، والبيضاوي، وأبوالسعود، وابن عاشور، والشوكاني. (١)
وهذا الاستنباط يبين عظم هذا الدين وسعيه لتحقيق المصالح، ودرء المفاسد، وأن الآمر والناهي، ومن يتعرض لمناقشة الناس لابد أن يكون على فقه ودراية بما يحقق المصلحة، وتجنب ما يمكن أن يؤدي إلى مفسدة ولوكان ذلك جائزاً.
كما أن فيه إشارة إلى استخدام ما يقرب المدعو إلى الإسلام والحق، والبعد عن الأمور التي يكون في إثارتها تنفير وإبعاد عن الحق.
لا يستدل على الحق بكثرة أهله .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (١١٦)﴾ (الأنعام: ١١٦).
٢١٥ - قال السعدي ﵀: (ودلت هذه الآية، على أنه لا يستدل على الحق، بكثرة أهله، ولا يدل قلة السالكين لأمر من الأمور أن يكون غير حق، بل الواقع بخلاف ذلك، فإن أهل الحق هم الأقلون عدداً، الأعظمون -عند الله- قدراً وأجراً، بل الواجب أن يستدل على الحق والباطل، بالطرق الموصلة إليه). ا. هـ (٢)
стр. 475
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الحق لا يقاس بكثرة أهله، كما أن قلة السالكين لأمر من الأمور لا يعني أنه باطل، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بين في الآية أنه لو اتبع أكثر من في الأرض لكان سبباً في ضلاله إذ الآية تقتضي أنّ أكثر أهل الأرض ضالّون بطريق الالتزام لأنّ المهتدي لا يُضِلّ مُتبعه (١)، فمفهوم المخالفة للفظ أكثر يدل على أن الأقل هم أهل الهداية.
وقد بين الشيخ محمد بن عبدالوهاب ﵀ في مسائل الجاهلية أن الاستدلال بالكثرة على الحق، والاستدلال بالقلة على الباطل من المسائل التي خالف فيها النبي ﷺ ما كان عليه أهل الجاهلية فقال: (أن من أكبر قواعدهم الاغترار بالأكثر، ويحتجون به على صحة الشئ، ويستدلون على بطلان الشئ بغربته وقلة أهله، فأتتهم الآيات بضد ذلك، وأوضحه في غير موضع من القرآن) (٢).
وهذا الاستنباط مؤيد بالواقع فإن أهل الحق في كل زمن هم الأقل، ولكنهم هم الأكثر تأثيراً، بل المتأمل للتأريخ يجد أن أكثر صناع الحق هم الأقل أما الكثرة فتابعة فقط.
وفي هذا الاستنباط تأنيس لأهل الحق خصوصاً في زمن الفتن والتفات عامة الناس عن الحق والزهد فيه.
كما أن فيه تثبيتاً لأهل الحق في زمن هم قلة فيه، والكثرة والغلبة لغيرهم.
стр. 476
الأصل في الأطعمة الإباحة .
قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا قُدِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ (١١٩)﴾ (الأنعام: ١١٩).
٢١٦ - قال السعدي ﵀: (ودلت الآية الكريمة (١)، على أن الأصل في الأشياء والأطعمة الإباحة (٢)، وأنه إذا لم يرد الشرع بتحريم شيء منها، فإنه باق على الإباحة، فما سكت الله عنه فهو حلال، لأن الحرام قد فصله الله، فما لم يفصله الله فليس بحرام). ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية، وهي أن الأصل في الأطعمة الإباحة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أنكر على من لم يأكل مما ذكر اسم الله عليه، وبين أن المحرم قد فصله وبينه، مما يدل على أن غير المحرم حلال، فالأصل الحل أما المحرم فقد تم بيانه وتفصيله.
وقد وافق السعدي بعض المفسرين على هذا الاستنباط، قال الألوسي: (﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١١٩]، بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] الآية فبقي ما عدا ذلك
стр. 477
على الحل) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: أبوالسعود، وجلال الدين المحلي (٢).
إلهامات الصوفية لاتدل بمجردها على أنها حق أوباطل حتى تعرض على الكتاب والسنة .
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ (١٢١)﴾ (الأنعام: ١٢١).
٢١٧ - قال السعدي ﵀: (ودلت هذه الآية الكريمة على أن ما يقع في القلوب من الإلهامات والكشوف (٣)، التي يكثر وقوعها عند الصوفية (٤) ونحوهم، لا تدل -بمجردها على أنها حق، ولا تصدق حتى تعرض على كتاب الله وسنة رسوله.
стр. 478
فإن شهدا لها بالقبول قبلت، وإن ناقضتهما ردت، وإن لم يعلم شيء من ذلك، توقف فيها ولم تصدق ولم تكذب، لأن الوحي والإلهام، يكون من الرحمن ويكون من الشيطان، فلا بد من التمييز بينهما والفرقان، وبعدم التفريق بين الأمرين، حصل من الغلط والضلال، ما لا يحصيه إلا الله). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الإلهامات والكشوف التي تكون عند الصوفية، لا تدل على أنها حق بمجرد ادعاء وقوعها؛ لأن الوحي منه ما هو من الرحمن ومنه ما هو من الشيطان، والميزان المميز لذلك هو الكتاب والسنة فهما الميزان لما هو من عند الرحمن ولما هو من وحي الشيطان، فدل ذلك على أن كشوفات وإلهامات الصوفية لا بد فيها من التبين، فلا يعني إدعاء الوحي أنها صحيحة مطلقاً؛ إذ قد تكون من وحي الشيطان.
وهذا الاستنباط نافع لمن اغتر ببعض الكشوفات والإلهامات الباطلة، فعليه أن يعرض ذلك على الكتاب والسنة حتى يميز بين الحق والباطل.
وهذا فيه بيان عظمة هذا الدين، وجانب من حمايته، فلا يكون لعبة في أيدي المغرضين الذين يلعبون بعقول بعض البسطاء من العامة.
كما أن في بيان هذا الميزان رد على من يطعن في هذا الدين بسبب بعض التصرفات الغير شرعية من مثل أصحاب الكشوف، ففي تقييد قبول ذلك بموافقة الكتاب والسنة حماية من هذا الطعن، وتسفيه لأصحاب هذا الفعل من أهل الإسلام قبل غيرهم.
стр. 479
مناسبة تخصيص النخل والزرع بالذكر .
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ (١٤١)﴾ (الأنعام: ١٤١).
٢١٨ - قال السعدي ﵀: (﴿وَ﴾ أنشأ تعالى ﴿النَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ﴾ أي: كله في محل واحد، ويشرب من ماء واحد، ويفضل الله بعضه على بعض في الأكل، وخص تعالى النخل والزرع على اختلاف أنواعه لكثرة منافعها، ولكونها هي القوت لأكثر الخلق). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي مناسبة تخصيص النخل والزرع بالذكر مع دخولهما في عموم الجنات، وقال إن مناسبة هذا التخصيص هو كونها كثيرة المنافع، ولأنها قوت أكثر الخلق.
وقد أشار بعض المفسرين إلى نحو ذلك، فقال أبوحيان: (والظاهر دخول ﴿وَالنَّخْلَ﴾ وما بعده في قوله: ﴿جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ﴾ فاندرج في ﴿جَنَّاتٍ﴾ وخص بالذكر وجرد تعظيماً لمنفعته والامتنان به) (٢)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً: البقاعي، ومحمد رشيد رضا (٣).
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر وهو أن مناسبة التخصيص لما فيهما من الفضيلة على سائر ما ينبت في الجنات، قال محيي الدين شيخ زاده: (وأفرد النخل والزرع بالذكر وهما داخلان في الجنات لما فيهما من الفضيلة على سائر ما ينبت في الجنان) (٤)، وممن قال بذلك أيضاً:
стр. 480
القرطبي، والشوكاني (١).
وكلا المناسبتين واردة هنا فالتخصيص بالذكر لكونه الأنفع فيعظم الامتنان به، ولفضله على سائر النباتات التي في الجنات. والله أعلم.
الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح حلال .
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا (١٤٥)﴾ (الأنعام: ١٤٥).
٢١٩ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وهو الدم الذي يخرج من الذبيحة عند ذكاتها، فإنه الدم الذي يضر احتباسه في البدن، فإذا خرج من البدن زال الضرر بأكل اللحم، ومفهوم هذا اللفظ، أن الدم الذي يبقى في اللحم والعروق بعد الذبح، أنه حلال طاهر). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الدم الذي يبقى في العروق واللحم ليس بمحرم، ووجه استنباط ذلك من الآية من قوله مسفوحاً، فدل مفهوم المخالفة - مفهوم الصفة - أن ما ليس بمسفوح فليس بمحرم.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط كثير من المفسرين، قال الطبري: (وفي اشتراطه جل ثناؤه في الدم عند إعلامه عبادَه تحريمه إياه، المسفوحَ منه دون غيره، الدليلُ الواضح أنَّ ما لم يكن منه مسفوحًا،
стр. 481
فحلال غير نجس) (١)، وقال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبَّع المسلمون من العروق ما تتبعتِ اليهود (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: البغوي، والجصاص، وابن العربي، وابن عطية، والزمخشري، والقرطبي، وأبو حيان، والسيوطي، والألوسي، وابن عاشور (٣).
وهذا الاستنباط فيه بيان وجه حسن من أوجه التيسير ورفع المشقة عن هذه الأمة.
مناسبة ذكر الخنزير لدفع توهم كونه حلالاً من ضمن بهيمة الأنعام .
قال تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ (١٤٥)﴾ (الأنعام: ١٤٥).
٢٢٠ - قال السعدي ﵀: (ولعل مناسبة ذكر الخنزير هنا على هذا الاحتمال (٤)، أن بعض الجهال قد يدخله في بهيمة الأنعام، وأنه
стр. 482
نوع من أنواع الغنم، كما قد يتوهمه جهلة النصارى وأشباههم، فينمونها كما ينمون المواشي، ويستحلونها، ولا يفرقون بينها وبين الأنعام، فهذا المحرم على هذه الأمة كله من باب التنزيه لهم والصيانة). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ذكر الخنزير ضمن المحرمات، وأن مناسبة ذلك دفع توهم كونه حلالاً، فيُنمى ويُستحل.
وقد قال بنحو ذلك أبوحيان، حيث قال: (وذكر ﴿الخنزير﴾ وإن لم يكن من ثمانية الأزواج لأن من الناس من كان يأكله إذ ذاك ولأنه أشبه شيء بثمانية الأزواج في كونه ليس سبعاً مفترساً يأكل اللحوم ويتغذى بها، وإنما هو من نمط الثمانية في كونه يعيش بالنبات ويرعى كما ترعى الثمانية) (٢)، وبنحو ذلك قال البقاعي (٣).
وقد ظهر في زماننا حكمة أخرى من حكم تحريم أكل لحم الخنزير؛ إذ ظهرت انفلونزا الخنازير والتي أصبحت مصنفة في العالم أنها وباء، بل تسببت في وفيات في العالم، وكلفت الدول والمنشئات الصحية أموالاً طائلة، وكانت الإصابة في البلدان التي تعتني بتربية الخنازير أكثر وخسارتها المالية أكثر بسبب ما أتلفوه منها، فلله الحكمة البالغة في تحريم المحرمات إذ أن ظهور الحكمة أو بعض الحكمة لا يكون إلا بعد زمان طويل، لا تدركه بعض الأجيال، ولكنه في علم الله فسبحان العليم.
стр. 483
حسب عقل العبد يكون قيامه بأمر الله .
قال تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ (الأنعام: ١٥١).
٢٢١ - قال السعدي ﵀: (﴿ذَلِكُمْ﴾ المذكور ﴿وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١)﴾ عن الله وصيته، ثم تحفظونها، ثم تراعونها وتقومون بها. ودلت الآية على أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أنه بحسب عقل العبد يكون قيامه بما أمر الله به، فكلما كان العقل أكبر وأنضج وأكثر فهماً كان قبوله لأمر الله، وكلما نقص عقل العبد كلما كثر تركه وتكاسله عن القيام بما أمر الله به، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بعد بيانه لهذه المحرمات بين أن العقل يدل على النفور منها وأن في استخدام العقل كفاية في بيان حرمتها وعدم الوقوع فيها لتمييز العقل بين الضار والنافع، فأخذ السعدي من عموم المعنى أن الممتثل لأمر الله صاحب عقل، وعلى قدر امتثاله يكون عقله.
فبالعقل يعرف العبد فوائد هذه التكاليف ومنافعها في الدين والدنيا (٢)، فمن استخدم عقله امتثل، ومن لم يستخدم عقله في معرفة هذه الفوائد قل امتثاله، ولأنّ ملابسة بعض هذه المحرّمات ينبئ عن خساسة عقل، بحيث ينزّل ملابسوها منزلة من لا يعقل (٣).
وهذا المعنى المستنبط صحيح، ولكنه لوقيد كذلك بالتوفيق من الله لكان أكثر دقة، إذ نرى أصحاب عقول لكن أصحابها أهل معصية لله؛
стр. 484
لعدم توفيق الله لهم، فالعقل سبب لا يكفي لوحده للقيام بأمر الله ما لم يقارنه التوفيق من الله والهداية منه .
لا يجوز قربان مال اليتيم على وجه فيه مضرة، أولا مضرة فيه ولا منفعة .
قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ شَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ (١٥٢)﴾ (الأنعام: ١٥٢).
٢٢٢ - قال السعدي ﵀: (﴿﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ﴾ بأكل، أو معاوضة على وجه المحاباة لأنفسكم، أو أخذ من غير سبب ﴿إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: إلا بالحال التي تصلح بها أموالهم، وينتفعون بها، فدل هذا على أنه لا يجوز قربانها، والتصرف بها على وجه يضر اليتامى، أو على وجه لا مضرة فيه ولا مصلحة). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أنه لا يجوز قربان مال اليتيم على وجه فيه مضرة، أوعلى وجه لا مضرة فيه ولا مصلحة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله نهى عن قربان مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن، فدل مفهوم المخالفة أن ما ليس بأحسن منهي عنه، كأن يكون فيه مضرة، أو لا مضرة فيه ولا مصلحة.
وهذا الاستنباط فيه المبالغة في المحافظة على مال اليتيم، وعدم المخاطرة به في الأمور التي يمكن أن تكون سبباً في إنزال الضرر به وإتلافه، وكذلك عدم التصرف فيه بما لا ضرر فيه ولا مصلحة ولعله يشير
стр. 485
هنا إلى اقتراضه، أو إقراضه للآخرين، وهذا ربما عرض مال اليتيم للضياع والتلف، فلا بد أن تكون طريقة استثمار مال اليتيم بالطريقة الحسنة، وهي النّافعة التي لا ضرّ فيها لليتيم ولا لماله، بل فيها ما يصلح المال ويوفره (١).
لا تكليف فوق الطاقة .
قال تعالى: ﴿لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا (١٥٢)﴾ (الأنعام: ١٥٢).
٢٢٣ - قال السعدي ﵀: (وبهذه الآية ونحوها استدل الأصوليون، بأن الله لا يكلف أحدا ما لا يطيق (٢)، وعلى أن من اتقى الله فيما أمر، وفعل ما يمكنه من ذلك، فلا حرج عليه فيما سوى ذلك). ا. هـ (٣)
стр. 486
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مسألة أصولية وهي عدم وقوع تكليف ما لا يطاق، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بعد أمره لكافل اليتيم بالمحافظة على مال اليتيم والأمر كذلك بالوفاء في الميزان ولا شك أن هذه من الأمور الشاقة على النفس والتحرز منها قد يكون فيه مشقة بع ذلك كله بين لهم أن التكليف إنما هو في حدود الاستطاعة، فأخذ السعدي من ذلك دليلاً على عدم جواز تكليف ما لا يطاق.
قال السيوطي: (استدل به على منع تكليف مالا يطاق) (١)، وقد أشار إلى ذلك بعض المفسرين منهم: الجصاص، وابن عطية، والقرطبي، والألوسي، والشوكاني ومحمد رشيد رضا، والهرري (٢).
وعدم تكليف مالا يطاق هو اللائق بالشريعة الإسلامية التي جاءت لرفع الحرج والمشقة، بل فيها سقوط الواجب عن الذي لا يستطيع القيام به، وفيها القيام بما يقدر عليه من الواجب، بل جاء فيها جواز فعل المحظور عند الضرورة فكل هذا يؤيد القول بعدم تكليف مالا يطاق، قال ابن عاشور: (وهذا دليل على عدم وقوع التكليف بما فوق الطاقة في أديان الله تعالى لعموم قوله تعالى: ﴿نَفْسًا﴾ في سياق النفي، لأنّ الله تعالى ما شرع التكليف إلاّ للعمل واستقامة أحوال الخلق، فلا يكلّفهم ما لا يطيقون فعله، وما ورد من ذلك فهو في سياق العقوبات، هذا حكم عام في الشرائع كلّها، وامتازت شريعة الإسلام باليسر والرفق، ولذلك كان من قواعد الفقه العامة "المشقّةُ تجلب التيسير"، وكانت المشقة مظنّة الرخصة، وما ورد من التكاليف الشاقّة فأمر نادر، في أوقات الضرورة) (٣)
стр. 487
سورة الأعراف
من استعان بالنعم على المعاصي فإنه يعاقب عليها .
قال تعالى: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةُ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣٢)﴾ (الأعراف: ٣٢).
٢٢٤ - قال السعدي ﵀: (ومفهوم الآية أن من لم يؤمن بالله، بل استعان بها على معاصيه، فإنها غير خالصة له ولا مباحة، بل يعاقب عليها وعلى التنعم بها، ويُسأل عن النعيم يوم القيامة (١)). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن غير المؤمن إذا استمتع بالنعم، واستعان بها على المعاصي، فإن الله يعاقبه عليها، ووجه استنباط ذلك من
стр. 488
الآية أن الله أباح هذه النعم للمؤمنين في الدنيا وبين أنها خالصة لهم بمعنى أنهم لا يعاقبون عليها ولا يعذبون، فدل مفهوم المخالفة - مفهوم الصفة-أن غير المؤمنين لا تكون هذه النعم خالصة لهم ولا مباحة بل يعاقبون عليها ويسألون عنها.
وهذا الاستنباط فيه تنبيه لشرف المؤمن عند الله فيتمتع بالنعم في الدنيا، ولا يسأل ولا يعاقب عليها في الآخرة، بخلاف غير المؤمن فإنه يسأل عنها يوم القيامة ويحاسب عليها جزاء كفره.
أرواح المؤمنين تفتح لها أبواب السماء .
قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ (٤٠)﴾ (الأعراف: ٤٠).
٢٢٥ - قال السعدي ﵀: (ومفهوم الآية أن أرواح المؤمنين المنقادين لأمر الله المصدقين بآياته، تفتح لها أبواب السماء حتى تعرج إلى الله، وتصل إلى حيث أراد الله من العالم العلوي، وتبتهج بالقرب من ربها والحظوة برضوانه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن أرواح المؤمنين تُفتح لها أبواب السماء، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر في الآية أن أبواب السماء لا تفتح للمكذبين والمستكبرين عن آيات الله، فدل مفهوم المخالفة على أن المؤمنين تفتح لهم أبواب السماء.
стр. 489
قال ابن عباس ﵁: لا تفتح لأرواحهم، وتفتح لأرواح المؤمنين (١).
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين منهم: ابن عطية، والرازي، والطوفي، وابن القيم، والألوسي. (٢)
ومما يؤيد هذا الاستنباط ما جاء في حديث البراء بن عازب ﵁، في ذكر قبض روح المؤمن وفيه: (فيصعدون بها فلا يمرون -يعني-بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان، بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا، حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا، فيستفتحون له، فيفتح له) (٣)، والحديث واضح الدلالة على أن أرواح المؤمنين تفتح لها أبواب السماء كما هو مفهوم الآية.
من أنكر كلام الله فقد أنكر خصائص إلهية الله .
قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ (١٤٨)﴾ (الأعراف: ١٤٨).
٢٢٦ - قال السعدي ﵀: (وفيها دليل على أن من أنكر كلام الله (٤)، فقد أنكر خصائص إلهية الله تعالى، لأن الله ذكر أن عدم
стр. 490
الكلام دليل على عدم صلاحية الذي لا يتكلم للإلهية). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية، وهي الرد على منكري صفة الكلام لله ، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أنكر على قوم موسى اتخاذهم العجل، وبين لهم أن
من الأمور التي لا يستحق العجل الألوهية بسببها كونه لا يتكلم، فدل ذلك أن صفة الكلام من خصائص الألوهية ففيه الرد على من أنكر صفة الكلام لله .
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال ابن القيم: (نبه بهذا الدليل على أن من لا يُكلِم ولا يَهدي لا يصلح أن يكون إلهاً) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن عطية، الرازي، والقرطبي، وأبوالسعود، وابن عاشور، ومحمد رشيد رضا، والهرري (٣).
стр. 491
ومما يؤكد ذلك أن الوصف بالتكلم من أوصاف الكمال، وضده من أوصاف النقص، والله له الكمال المطلق (١).
نداء هارون لموسى بقوله ابن أم ترقيقاً له، وإلا فهو شقيقه .
قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي (١٥٠)﴾ (الأعراف: ١٥٠).
٢٢٧ - قال السعدي ﵀: (و ﴿قَالَ﴾ هنا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تذكير هارون موسى نسب الأم دون الأب مع أنهما شقيقان، وأن مناسبة ذلك هو الترقيق؛ إذ الأم أحق بالمراعاة.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط كثير من المفسرين، قال البغوي: (وإنما قال ابن أم وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين: الطبري، وابن عطية، وابن
стр. 492
كثير، وأبو حيان، والبيضاوي، وأبوالسعود، والألوسي، والشوكاني. (١)
وقيل: إن هارون ﵇ كانت آثار الجمال والرحمة فيه ظاهرة، وكان مورده ومصدره ذلك، ولذا كان يلهج بذكر ما يدل على الرحمة، ومن هنا ذكر الأم ونسب إليها لأن الرحمة فيها أتم (٢).
والأول هو الأقرب، لكونه قول الأكثر؛ ولأن عادة العرب تتلطف وتتحنن بذكر الأمّ (٣).
مناسبة التعميم هنا دفع توهم خصوصية الدعوة بأهل الكتاب .
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (١٥٨)﴾ (الأعراف: ١٥٨).
٢٢٨ - قال السعدي ﵀: (ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم). ا. هـ (٤)
стр. 493
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الإتيان بلفظ عام في دعوة الناس، وأن مناسبة ذلك دفع توهم قصر الدعوة على أهل الكتاب، فأتى بلفظ عام يدفع هذا التوهم.
قال البقاعي: (ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم حثاً على الإيمان به وإيجاباً له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف تقدم زمانه أو تأخر؛ أمره سبحانه أن يصرح بما تقدم التلويح إليه، ويصرّح بما أخذ ميثاق الرسل عليه تحقيقاً لعموم رسالته وشمول دعوته) (١)، وممن أشار إلى ذلك الخازن (٢).
وذهب بعض المفسرين إلى أن مناسبة هذه الآية الرد على اليهود الزاعمين أن النبي ﷺ مبعوث إلى العرب فقط، وممن قال بذلك من المفسرين: الرازي، والألوسي، والشوكاني، وابن عاشور (٣).
ولا تنافي بين المناسبتين فالمقصود بيان عموم رسالته ﷺ إلى عموم الخلق، وعدم اختصاصها لا بأهل الكتاب، ولا بغيرهم.
مناسبة ذكر المهتدين من قوم موسى حتى لا يتوهم متوهم أن المعايب تعمهم .
قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ (الأعراف: ١٥٩).
стр. 494
٢٢٩ - قال السعدي ﵀: (وكأن الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوع احتراز مما تقدم، فإنه تعالى ذكر فيما تقدم جملة من معايب بني إسرائيل، المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهم متوهم أن هذا يعم جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي مناسبة الإتيان بهذه التي فيها ذكر قوم مهتدين من قوم موسى، بعد أن ذكر معايب لقوم موسى، وأن مناسبة ذلك دفع التوهم بأن المعايب تعمهم بل هناك منهم من هو مؤمن، ومتبع للحق.
قال ابن عاشور: (قصد به الاحتراس لئلا يتوهم أن ذلك قد عمله قوم موسى كلُّهُم) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: أبوحيان، والألوسي (٣).
وقال بعض المفسرين إن مناسبة ذلك هي: أن الله لما ذكر كتابته للرحمة لمن يتبع محمداً ﷺ من قوم موسى، ووصفهم بأنهم هم المفلحون، ذكر هنا حال خواص أتباع موسى ﵇ الذين كانوا متبعين له حق الاتباع وأن الرحمة ليست خاصة بمتبعي محمد ﷺ ، بل هي كذلك لمتبعي موسى ﵇، وممن قال بذلك: الهرري (٤).
وأشار البيضاوي إلى وجه آخر لهذه المناسبة فقال: (أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن تنبيهاً على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر مستمر) (٥).
стр. 495
والكل محتمل قال أبو السعود جامعاً بينها: (﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لدفع ما عسى يُوهِمه تخصيصُ كَتْبِ الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتّبعي رسولِ الله ﷺ من حِرمانِ أسلافِ قومِ موسى ﵇ من كل خير وبيانِ أن كلَّهم ليسوا كما حُكيت أحوالُهم بل منهم ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ أي الناسَ ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي ملتبسين به أو يهدونهم بكلمة الحق ﴿وَبِهِ﴾ أي بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أي في الأحكام الجاريةِ فيما بينهم، وصيغةُ المضارعِ في الفعلين لحكاية الحالِ الماضيةِ). (١)