ومما يؤكد ذلك أن الوصف بالتكلم من أوصاف الكمال، وضده من أوصاف النقص، والله له الكمال المطلق (١).
نداء هارون لموسى بقوله ابن أم ترقيقاً له، وإلا فهو شقيقه .
قال تعالى: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي (١٥٠)﴾ (الأعراف: ١٥٠).
٢٢٧ - قال السعدي ﵀: (و ﴿قَالَ﴾ هنا ﴿ابْنَ أُمَّ﴾ هذا ترقيق لأخيه، بذكر الأم وحدها، وإلا فهو شقيقه لأمه وأبيه). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تذكير هارون موسى نسب الأم دون الأب مع أنهما شقيقان، وأن مناسبة ذلك هو الترقيق؛ إذ الأم أحق بالمراعاة.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط كثير من المفسرين، قال البغوي: (وإنما قال ابن أم وكان هارون أخاه لأبيه وأمه ليرققه ويستعطفه) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين: الطبري، وابن عطية، وابن
стр. 492
كثير، وأبو حيان، والبيضاوي، وأبوالسعود، والألوسي، والشوكاني. (١)
وقيل: إن هارون ﵇ كانت آثار الجمال والرحمة فيه ظاهرة، وكان مورده ومصدره ذلك، ولذا كان يلهج بذكر ما يدل على الرحمة، ومن هنا ذكر الأم ونسب إليها لأن الرحمة فيها أتم (٢).
والأول هو الأقرب، لكونه قول الأكثر؛ ولأن عادة العرب تتلطف وتتحنن بذكر الأمّ (٣).
مناسبة التعميم هنا دفع توهم خصوصية الدعوة بأهل الكتاب .
قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (١٥٨)﴾ (الأعراف: ١٥٨).
٢٢٨ - قال السعدي ﵀: (ولما دعا أهل التوراة من بني إسرائيل، إلى اتباعه، وكان ربما توهم متوهم، أن الحكم مقصور عليهم، أتى بما يدل على العموم فقال: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ أي: عربيكم، وعجميكم، أهل الكتاب منكم، وغيرهم). ا. هـ (٤)
стр. 493
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الإتيان بلفظ عام في دعوة الناس، وأن مناسبة ذلك دفع توهم قصر الدعوة على أهل الكتاب، فأتى بلفظ عام يدفع هذا التوهم.
قال البقاعي: (ولما تم ما نظمه تعالى في أثناء هذه القصص من جواهر أوصاف هذا النبي الكريم حثاً على الإيمان به وإيجاباً له على وجه علم منه أنه رسول الله إلى كل مكلف تقدم زمانه أو تأخر؛ أمره سبحانه أن يصرح بما تقدم التلويح إليه، ويصرّح بما أخذ ميثاق الرسل عليه تحقيقاً لعموم رسالته وشمول دعوته) (١)، وممن أشار إلى ذلك الخازن (٢).
وذهب بعض المفسرين إلى أن مناسبة هذه الآية الرد على اليهود الزاعمين أن النبي ﷺ مبعوث إلى العرب فقط، وممن قال بذلك من المفسرين: الرازي، والألوسي، والشوكاني، وابن عاشور (٣).
ولا تنافي بين المناسبتين فالمقصود بيان عموم رسالته ﷺ إلى عموم الخلق، وعدم اختصاصها لا بأهل الكتاب، ولا بغيرهم.
مناسبة ذكر المهتدين من قوم موسى حتى لا يتوهم متوهم أن المعايب تعمهم .
قال تعالى: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ (الأعراف: ١٥٩).
стр. 494
٢٢٩ - قال السعدي ﵀: (وكأن الإتيان بهذه الآية الكريمة فيه نوع احتراز مما تقدم، فإنه تعالى ذكر فيما تقدم جملة من معايب بني إسرائيل، المنافية للكمال المناقضة للهداية، فربما توهم متوهم أن هذا يعم جميعهم، فذكر تعالى أن منهم طائفة مستقيمة هادية مهدية). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي مناسبة الإتيان بهذه التي فيها ذكر قوم مهتدين من قوم موسى، بعد أن ذكر معايب لقوم موسى، وأن مناسبة ذلك دفع التوهم بأن المعايب تعمهم بل هناك منهم من هو مؤمن، ومتبع للحق.
قال ابن عاشور: (قصد به الاحتراس لئلا يتوهم أن ذلك قد عمله قوم موسى كلُّهُم) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: أبوحيان، والألوسي (٣).
وقال بعض المفسرين إن مناسبة ذلك هي: أن الله لما ذكر كتابته للرحمة لمن يتبع محمداً ﷺ من قوم موسى، ووصفهم بأنهم هم المفلحون، ذكر هنا حال خواص أتباع موسى ﵇ الذين كانوا متبعين له حق الاتباع وأن الرحمة ليست خاصة بمتبعي محمد ﷺ ، بل هي كذلك لمتبعي موسى ﵇، وممن قال بذلك: الهرري (٤).
وأشار البيضاوي إلى وجه آخر لهذه المناسبة فقال: (أتبع ذكرهم ذكر أضدادهم على ما هو عادة القرآن تنبيهاً على أن تعارض الخير والشر وتزاحم أهل الحق والباطل أمر مستمر) (٥).
стр. 495
والكل محتمل قال أبو السعود جامعاً بينها: (﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لدفع ما عسى يُوهِمه تخصيصُ كَتْبِ الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتّبعي رسولِ الله ﷺ من حِرمانِ أسلافِ قومِ موسى ﵇ من كل خير وبيانِ أن كلَّهم ليسوا كما حُكيت أحوالُهم بل منهم ﴿أُمَّةٌ يَهْدُونَ﴾ أي الناسَ ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي ملتبسين به أو يهدونهم بكلمة الحق ﴿وَبِهِ﴾ أي بالحق ﴿يَعْدِلُونَ﴾ أي في الأحكام الجاريةِ فيما بينهم، وصيغةُ المضارعِ في الفعلين لحكاية الحالِ الماضيةِ). (١)
стр. 496
سورة الأنفال
الفرار من الزحف لغير عذر من الكبائر .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٦)﴾ (الأنفال: ١٥ - ١٦).
٢٣٠ - قال السعدي ﵀: (وهذا يدل على أن الفرار من الزحف من غير عذر من أكبر الكبائر، كما وردت بذلك الأحاديث الصحيحة (١) وكما نص هنا على وعيده بهذا الوعيد الشديد، ومفهوم الآية (٢): أن المتحرف للقتال، وهو الذي ينحرف من جهة إلى أخرى، ليكون أمكن له في القتال، وأنكى لعدوه، فإنه لا بأس بذلك، لأنه لم يول دبره فارا، وإنما ولى دبره ليستعلي على عدوه، أو يأتيه من محل يصيب فيه غرته، أو ليخدعه بذلك، أو غير ذلك من مقاصد المحاربين، وأن المتحيز إلى فئة تمنعه وتعينه على قتال الكفار، فإن ذلك جائز، فإن كانت الفئة في
стр. 497
العسكر، فالأمر في هذا واضح، وإن كانت الفئة في غير محل المعركة كانهزام المسلمين بين يدي الكافرين والتجائهم إلى بلد من بلدان المسلمين أو إلى عسكر آخر من عسكر المسلمين، فقد ورد من آثار الصحابة ما يدل على أن هذا جائز، ولعل هذا يقيد بما إذا ظن المسلمون أن الانهزام أحمد عاقبة، وأبقى عليهم، أما إذا ظنوا غلبتهم للكفار في ثباتهم لقتالهم، فيبعد - في هذه الحال -أن تكون من الأحوال المرخص فيها، لأنه - على هذا - لا يتصور الفرار المنهي عنه، وهذه الآية مطلقة، وسيأتي في آخر السورة تقييدها بالعدد). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن التولي من الزحف من أكبر الكبائر، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله توعد المتولين عن الزحف بالغضب، والنار، مما يدل على أن فعل ذلك من الكبائر.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن كثير: (فأما إن كان الفرار لا عن سبب من هذه الأسباب، فإنه حرام وكبيرة من الكبائر) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين: ابن العربي، وشهاب الدين الخفاجي، والألوسي، ومحمد رشيد رضا. (٣)
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط، فقالوا إن ذلك في يوم بدر خاصة، وأما ما عدا ذلك من الأيام فالفرار منه غير محرم وليس من
стр. 498
الكبائر، فجعلوا الإشارة في قوله"يومئذ"راجعة إلى يوم بدر، كما قالوا إن الآية منسوخة بآية الضعف، وممن قال بذلك الحسن وقتادة والضحاك (١).
النتيجة:
الصحيح ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه من أن التولي يوم الزحف من كبائر الذنوب، قال ابن الفرس: (وذهب الجمهور إلى أن ذلك المعنى من الآية محكم باق إلى يوم القيامة، وأن الفرار من الزحف من الكبائر، ويؤيده حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات-وفيه- التولي يوم الزحف) (٢)، قال ابن العربي: (وهذا نص في المسألة يرفع الخلاف، ويبين الحكم). (٣)
وأما ما ذكروه من رجوع الإشارة إلى يوم بدر، والنسخ، فالجواب عنه: أن الإشارة راجعة إلى يوم الزحف كما يفيده السياق، وأما النسخ فدعوى غير صحيحة فلا منافاة بين هذه الآية وآية الضعف، بل هذه الآية مقيدة بها، فيكون الفرار من الزحف محرماً بشرط ما بينه الله في آية الضعف (٤)، وأما الفرار مما زاد عن الضعف فغير كبيرة باتفاق. (٥)
стр. 499
الكافر إذا أعطي عهداً لا يجوز خيانته .
قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٥٧)﴾ (الأنفال: ٥٧).
٢٣١ - قال السعدي ﵀: (ودل تقييد هذه العقوبة في الحرب أن الكافر - ولو كان كثير الخيانة سريع الغدر - أنه إذا أُعْطِيَ عهداً لا يجوز خيانته وعقوبته). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية عدم جواز خيانة وعقوبة الكافر إذا أُعطي عهداً، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله قيد النكاية بهم في الحرب وعدم وجود العهد، فدل مفهوم القيد أنهم إذا أعطوا عهداً فلا تجوز خيانتهم، ولا غدرهم وعقوبتهم.
وهذا المعنى المستنبط فيه بيان وجه مشرق في تعامل أهل الإسلام مع غيرهم ولو كانوا أعداء لهم إذا أعطوهم عهداً، وأن هذا الدين يربي الناس على الوفاء بالعهود وعدم الغدر ولو بالأعداء.
لا يجوز نبذ العهد إلى الأعداء ما لم يخف منهم خيانة .
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ (الأنفال: ٥٨).
٢٣٢ - قال السعدي ﵀: (ودلت الآية على أنه إذا وجدت الخيانة المحققة منهم لم يحتج أن ينبذ إليهم عهدهم، لأنه لم يخف
стр. 500
منهم، بل علم ذلك، ولعدم الفائدة ولقوله: ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ وهنا قد كان معلوما عند الجميع غدرهم.
ودل مفهومها أيضا أنه إذا لم يُخَفْ منهم خيانة، بأن لم يوجد منهم ما يدل على ذلك، أنه لا يجوز نبذ العهد إليهم، بل يجب الوفاء إلى أن تتم مدته). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أنه إذا وجدت الخيانة المحققة من المعاهدين، فلا حاجة إلى نبذ العهد إليهم وإخبارهم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أباح نبذ العهد عند خوف الغدر والخيانة، فدل مفهوم الموافقة هنا أنه مع تحقق العلم بالغدر والخيانة يكون إباحة النبذ من باب أولى، حتى أنه لا يخبرهم بل ينتقض العهد مباشرة.
واستنبط كذلك أنه مع عدم وجود الخوف لا يجوز نبذ العهد إليهم بل يجب الوفاء به، ووجه استنباط ذلك من الآية بمفهوم المخالفة، حيث إن الإباحة هنا عند وجود الخوف من الخيانة فدل مفهوم ذلك أنه مع عدم وجود خوف الخيانة لا يجوز بل يحرم نبذ العهد.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط أكثر المفسرين، قال الألوسي: (ولزوم الإعلام عند أكثر العلماء الأعلام إذا لم تنقض مدة العهد أو لم يستفض نقضهم له ويظهر ظهوراً مقطوعاً به أما إذا انقضت المدة أو استفاض النقض وعلمه الناس فلا حاجة إلى ما ذكر ولهذا غزا النبي ﷺ أهل مكة من غير نبذ ولم يعلمهم بأنهم كانوا نقضوا العهد علانية
стр. 501
بمعاونتهم بني كتانه على قتل خزاعة حلفاء النبي ﷺ (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والرازي، والخازن، والقاسمي (٢).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط، فقالوا معناه إذا عاهدت قوما فعلمت منهم النقض بالعهد فلا توقع بهم سابقا إلى النقض حتى تلقي إليهم أنك قد نقضت العهد والموادعة، فيكونوا في علم النقض مستويين، ثم أوقع بهم، وممن قال بذلك: الأزهري، والنحاس (٣).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه من كون الاستفاضة في علم الخيانة كاف في عدم وجوب الإعلام بالنبذ هو الصحيح الذي تدل عليه الآية كما سبق.
وأما ما قاله الأزهري والنحاس فالجواب عنه ما قاله القرطبي، حيث قال: (ما ذكره الأزهري والنحاس من إنباذ العهد مع العلم بنقضه يرده فعل النبي ﷺ في فتح مكة، فإنهم لما نقضوا لم يوجه إليهم بل غزاهم.
وهو أيضاً معنى الآية، لأن في قطع العهد منهم ونكثه مع العلم به حصول نقض عهدهم والاستواء معهم) (٤).
стр. 502
فأما مع غير العلم بنقض العهد منهم، أو الخوف من ذلك فلا يحل ولا يجوز نبذ العهد كما يدل عليه مفهوم الآية (١).
وجوب الاستعداد بكل قوة فيها إرهاب للعدو .
قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ (٦٠)﴾ (الأنفال: ٦٠).
٢٣٣ - قال السعدي ﵀: (أي ﴿وَأَعِدُّوا﴾ لأعدائكم الكفار الساعين في هلاككم وإبطال دينكم. ﴿مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ أي: كل ما تقدرون عليه من القوة العقلية والبدنية وأنواع الأسلحة ونحو ذلك مما يعين على قتالهم، فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات من المدافع والرشاشات، والبنادق، والطيارات الجوية، والمراكب البرية والبحرية، والحصون والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأْي: والسياسة التي بها يتقدم المسلمون ويندفع عنهم به شر أعدائهم، وتَعَلُّم الرَّمْيِ، والشجاعة والتدبير.
؛
ولهذا قال تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهذه العلة موجودة فيها في ذلك الزمان، وهي إرهاب الأعداء، والحكم يدور مع علته،
فإذا كان شيء موجود أكثر إرهابا منها، كالسيارات البرية والهوائية، المعدة للقتال التي تكون النكاية فيها أشد، كانت مأمورا بالاستعداد بها، والسعي لتحصيلها، حتى إنها إذا لم توجد
стр. 503
إلا بتعلُّم الصناعة، وجب ذلك، لأن ما لا يتم الواجب إلا به، فهو واجب). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن القوة التي يجب الاستعداد بها للعدو، داخل فيها الاستعداد بكل أنواع الأسلحة المعاصرة في هذا الزمن، ووجه استنباط ذلك من الآية أن القوة هنا
معناها الرمي لعلة إرهاب العدو، ولكن الحكم يدور مع علته فكلما جاء زمن فيه قوة أكثر إرهاباً كان يجب اتخاذ هذه القوة لأنها هي المأمور باتخاذها، كما أن عموم اتخاذ القوة هنا
يقتضي ذلك فاللفظ عام يشمل كل قوة في أي زمان وفي أي مكان، ثم ذكر استنباطاً آخر متعلق بهذا الاستنباط وهو وجوب تعلم هذه الصناعات لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإرهاب العدو لا يكون هنا إلا بهذه الأسلحة فكان تعلمها واجباً.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الجصاص: (عموم اللفظ شامل لجميع ما يستعان به على العدو من سائر أنواع السلاح وآلات الحرب) (٢)، وقال المراغي: (إعداد المستطاع من القوة؛ ويختلف هذا باختلاف الزمان والمكان، فالواجب على المسلمبن في هذا العصر صنع المدافع والطيارات والقنابل والدبابات والرصاص، وإنشاء السفن الحربية والغواصات ونحو ذلك، كما يجب عليهم تعلم الفنون والصناعات التي يتوقف عليها صنع هذه الأشياء وغيرها من قوى
стр. 504
الحرب) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، والألوسي، والقاسمي، وابن عاشور، ومحمد رشيد رضا (٢).
فائدة التقييد بالصبر، وكون الأمر بصيغة الخبر .
قال تعالى: ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلَّمَ أَن فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٦٦)﴾ (الأنفال: ٦٦).
٢٣٤ - قال السعدي ﵀: (وهذه الآيات صورتها صورة الإخبار عن المؤمنين، بأنهم إذا بلغوا هذا المقدار المعين يغلبون ذلك المقدار المعين في مقابلته من الكفار، وأن الله يمتن عليهم بما جعل فيهم من الشجاعة الإيمانية.
ولكن معناها وحقيقتها الأمر وأن الله أمر المؤمنين - في أول الأمر - أن الواحد لا يجوز له أن يفر من العشرة، والعشرة من المائة، والمائة من الألف.
ثم إن الله خفف ذلك، فصار لا يجوز فرار المسلمين من مثليهم من الكفار، فإن زادوا على مثليهم جاز لهم الفرار، ولكن يرد على هذا أمران:.
أحدهما: أنها بصورة الخبر، والأصل في الخبر أن يكون على
стр. 505
بابه، وأن المقصود بذلك الامتنان والإخبار بالواقع.
والثاني: تقييد ذلك العدد أن يكونوا صابرين بأن يكونوا متدربين على الصبر.
ومفهوم هذا أنهم إذا لم يكونوا صابرين، فإنه يجوز لهم الفرار، ولو أقل من مثليهم إذا غلب على ظنهم الضرر كما تقتضيه الحكمة الإلهية.
ويجاب عن الأول بأن قوله: ﴿الْآَنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ﴾ إلى آخرها، دليل على أن هذا أمر لازم وأمر محتم، ثم إن الله خففه إلى ذلك العدد،. فهذا ظاهر في أنه أمر، وإن كان في صيغة الخبر.
وقد يقال: إن في إتيانه بلفظ الخبر، نكتة بديعة لا توجد فيه إذا كان بلفظ الأمر، وهي تقوية قلوب المؤمنين، والبشارة بأنهم سيغلبون الكافرين ويجاب عن الثاني: أن المقصود بتقييد ذلك بالصابرين، أنه حث على الصبر، وأنه ينبغي منكم أن تفعلوا الأسباب الموجبة لذلك، فإذا فعلوها صارت الأسباب الإيمانية والأسباب المادية مبشرة بحصول ما أخبر الله به من النصر لهذا العدد القليل). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة مجيء الأمر بصيغة الخبر، وهي تقوية قلوب المؤمنين وبشارتهم بالنصر، بصورة لم تكن لو جاء الأمر بصيغة الأمر، كما أن قيد الصبر هنا لا مفهوم له؛ وإنما فائدته الحث على الصبر فلا مفهوم له حينئذ.
قال محمد رشيد رضا: (ونكتة إيراد هذا الحكم بلفظ الخبر الإشارة إلى جعله بشارة بأن المؤمنين الصابرين الفقهاء يكونون كذلك فعلاً) (٢)،
стр. 506
وممن أشار إلى ذلك أيضاً: الجصاص، وشهاب الدين الخفاجي (١).
وأما بالنسبة لمفهوم وصف المؤمنين بالصبر؛ فالمراد منه تبشير المؤمنين بالنصر وحثهم على الصبر كما ختم الله هذه الآية ببيان عاقبة الصابرين معية الله لهم.
وأما أن يكون المفهوم أن لهم حق الفرار مع عدم الصبر، فليس مراداً هنا، ومما يدل على ذلك أن القيد إذا كان مسوقاً لفائدة معينة فإنه لا مفهوم له، والمراد هنا الحث على الصبر فلا مفهوم له إذاً.
стр. 507
سورة التوبة
القرآن كلام الله غير مخلوق .
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ شَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ (٦)﴾ (التوبة: ٦).
٢٣٥ - قال السعدي ﵀: (وفي هذا حجة صريحة لمذهب أهل السنة والجماعة، القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، لأنه تعالى هو المتكلم به، وأضافه إلى نفسه إضافة الصفة إلى موصوفها، وبطلان مذهب المعتزلة ومن أخذ بقولهم: أن القرآن مخلوق (١)). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية وهي أن القرآن كلام الله
стр. 508
ليس بمخلوق، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أضاف الكلام إليه، وإضافته الكلام إليه من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، فدل ذلك على أن القرآن كلام الله ليس بمخلوق، فهو صفة من صفاته وتعالى الله أن يكون شيئاً من صفاته مخلوقاً.
قال أبوحيان: (وكلام الله من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، لا من باب إضافة المخلوق إلى الخالق) (١)، وقال الدارمي (٢): (والحجة على هذه العصابة أيضا جميع ما احتججنا به من كتاب الله في تحقيق كلام الله وما روينا فيه من آثار رسول الله فمن بعده أن القرآن نفس كلام الله وأنه غير مخلوق فهي كلها داخلة عليهم كما تدخل على الجهمية لأن كل من آمن بالله وصدقه في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ شَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وفي قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾ [الفتح: ١٥]، فأيقن بأنه كلامه حقا كما سماه أصدق القائلين لزمه الإيمان بأنه غير مخلوق لأن الله ﵎ لم يجعل كلاما مخلوقا لنفسه صفة وكلاما ولم يضف إلى نفسه كلام غيره لأنه أصدق القائلين ولا يقاس كلام الله ب بيت الله وعبد الله وخلق الله وروح الله لأن الخلق ليس من الله ولا من صفاته وكلامه صفته ومنه خرج فلا يضاف إلى الله من الكلام إلا ما تكلم به ولو جاز أن ينسب كلام مخلوق إلى الله فيكون لله كلاما وصفة كما يضاف إليه بيت الله وعبد الله لجاز أن تقول كل ما يتكلم به آناء الليل والنهار من حق أو باطل أو شعر أو غناء أو نوح كلام الله فما فضل القرآن في هذا القياس على الرد، سائر كلام المخلوقين إن كان كله ينسب إلى الله ويقام لله صفة وكلاما في دعواكم فهذا ضلال بين) (٣)
стр. 509
وقال ابن القيم- بعد ذكره لأقوال من قال بخلق القرآن-: (وكل هذه الأقوال محدثة مبتدعة لم يقل شيئاً منها أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا إمام من أئمة المسلمين كمالك والثوري، والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وابن عيينة وغيرهم، بل هؤلاء كلهم متفقون على أن القرآن منزل غير مخلوق وأن الله أرسل به جبريل فنزل به جبريل على نبيه محمد فبلغه محمد إلى الناس فقرأه الناس بحركاتهم وأصواتهم وليس شيء من أفعال العباد وأصواتهم قديما ولا غير مخلوق ولكن كلام الله غير مخلوق ولم يكن السلف يقولون القرآن قديم، ولما أحدث الجهمية وموافقوهم من المعتزلة وغيرهم أنه مخلوق بائن من الله قال السلف والأئمة إنه كلام الله غير مخلوق). (١)
لما كان الأمر محل تقصير وخلل ناسب ختم الآية بالتوبة الجابرة لهذا النقص .
قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ (النور: ٣١).
٢٣٦ - قال السعدي ﵀: (ولما أمر تعالى بهذه الأوامر الحسنة، ووصى بالوصايا المستحسنة، وكان لا بد من وقوع تقصير من المؤمن بذلك، أمر الله تعالى بالتوبة، فقال: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ لأن المؤمن يدعوه إيمانه إلى التوبة ثم علق على ذلك الفلاح، فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ فلا سبيل إلى الفلاح إلا بالتوبة، وهي
стр. 510
الرجوع مما يكرهه الله، ظاهراً وباطناً، إلى: ما يحبه ظاهراً وباطناً، ودل هذا، أن كل مؤمن محتاج إلى التوبة، لأن الله خاطب المؤمنين جميعاً). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ختمها بالتذكير بالتوبة، وبين أن مناسبة ذلك هو أن الآية فيها جملة من الأوامر، وكان لا بد من وقوع تقصير في القيام بهذه الأوامر فناسب التذكير بما يمحو هذا التقصير ويجبره وهو التوبة.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الزمخشري: (أوامر الله ونواهيه في كل باب لا يكاد العبد الضعيف يقدر على مراعاتها، وإن ضبط نفسه واجتهد، ولا يخلو من تقصير يقع منه، فلذلك وصّى المؤمنين جميعاً بالتوبة والاستغفار، وبتأميل الفلاح، إذا تابوا واستغفروا) (٢)، وقال الشنقيطي: (أمر الله تعالى بهذه الآداب المذكورة في الآيات المتقدمة، وكان التقصير في امتثال تلك الأوامر قد يحصل علّم خلقه ما يتداركوه به، ما وقع منهم من التقصير في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وبين لهم أن ذلك إنما يكون بالتوبة، وهي
الرجوع عن الذنب والإنابة إلى الله تعالى بالاستغفار منه) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وأبوحيان، والخازن، والبقاعي، والألوسي، وابن عاشور (٤).
стр. 511
مناسبة تخصيص الجباه، والجنوب، والظهور بالكي .
قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ (٣٥)﴾ (التوبة: ٣٥).
٢٣٧ - قال السعدي ﵀: (وذكر المفسرون، رحمهم الله تعالى، مناسبة لتخصيص كي جباههم وجنوبهم وظهورهم، وذلك لأنه إذا جاءهم الفقير السائل صعر أحدهم بوجهه فإذا أعاد عليه ولاه جنبه، فإذا ألح عليه ولاه ظهره فاختصت هذه الثلاث لذلك جزاء وفاقا (١)، وظهر لي معنى أولى من هذا: وهو أن كي هذه المواضع الثلاثة هي أشد على الإنسان من غيرها، وهي متضمنة لجهاته الأربع: الأمام والخلف واليمين والشمال ; وهذه الوجوه التي يخرج منها الإنسان، فلما منعوا الواجب عليهم منعا تاما من جميع جهاتهم جوزوا بنقيض مقصودهم، فإن مقصودهم من المنع التمتع بتلك الأموال، وحصول النعيم بها وخوف وحرارة فقدها لو بذلوها فصار المنع هو عين العذاب فلو أنهم أخرجوها وقت الإمكان لسلموا من كيها وفازوا بأجرها). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص كي جباه وجنوب وظهور، مانعي الزكاة؛ وأن مناسبة ذلك هي أن هذه الجهات أشد على الإنسان من غيرها سواء في التعذيب أوفي إذهاب القوة والجمال، كما أن هذه الأعضاء تمثل الجهات الأربع فكما أن المنع كان تاماً من كل وجه ناسب أن يكون العذاب تاماً من كل جهة.
стр. 512
وقد قال بعض المفسرين بنحو ما قال السعدي، قال ابن عاشور: (والمعنى: تعميم جهات الأجساد بالكَي فإنّ تلك الجهات متفاوتة ومختلفة في الإحساس بألَم الكي، فيحصل مع تعميم الكي إذاقة لأصنافٍ من الآلام) (١)، وقال الشوكاني: (وخص الجباه، والجنوب والظهور؛ لكون التألم بكيها أشدّ لما في داخلها من الأعضاء الشريفة، وقيل: ليكون الكيّ في الجهات الأربع: من قدّام، وخلف، وعن يمين، وعن يسار) (٢).
وذكر بعض المفسرين أوجهاً أخرى في هذه المناسبة منها: ﴿فَتُكْوَى بِهَا﴾ أي بهذه الأموال ﴿جِبَاهُهُمْ﴾ التي هي أشرف أعضائهم لأنها مجمع الوجوه والرؤوس وموضع الجاه الذي يجمع المال لأجله لتعبيسهم بها في وجوه الفقراء ﴿وَجُنُوبُهُمْ﴾ التي يحوونه لملئها بالمآكل المشتهاة والمشارب المستلذة ولازورارهم بها عن الفقراء ﴿وَظُهُورُهُمْ﴾ التي يحوونه لتقويتها وتحميلها بالملابس وتجليتها ولتوليتهم إياها إذا اجتمعوا مع الفقراء في مكان (٣).
ومنها: أنها أشرف الأعضاء الظاهرة فإنها المشتملة على الأعضاء الرئيسة التي هي الدماغ والقلب والكبد (٤).
ومنها: أنها مجوفة فيصل إلى أجوافها الحر، بخلاف اليد والرجل (٥).
ومنها: أن كمال حال بدن الإنسان في جماله وقوته أما الجمال
стр. 513
فمحله الوجه، وأعز الأعضاء في الوجه الجبهة، فإذا وقع الكي في الجبهة، فقد زال الجمال بالكلية، وأما القوة فمحلها الظهر والجنبان، فإذا حصل الكي عليها فقد زالت القوة عن البدن، فالحاصل: أن حصول الكي في هذه الأعضاء الثلاثة يوجب زوال الجمال وزوال القوة، والإنسان إنما طلب المال لحصول الجمال ولحصول القوة (١).
وهذه المناسبات لا تنافي بينها، بل يزيد بعضها بعضاً وضوحاً وتقريباً للمعنى المراد، فالمعنى هو الترهيب من ترك زكاة الأموال، فلما تكون مناسبة كي هذه الأعضاء لكونها أشرف الأعضاء، وأكثر إيلاماً من غيرها، ولأنها محل الجمال والقوة، ولأنها محل التنعم بم حُرم منه الفقير، ولأنها تماثل الامتناع من كل وجه، ولأنها كذلك تماثل انصراف الغني عن الفقير إلى جهات أخرى، كل ذلك لا يوجد ما يمنع من كونه مقصوداً في هذه المناسبة، وإنما ظهر لبعض المفسرين استنباطاً لم يظهر للبعض الآخر وكلها معنية. والله أعلم.
الشهور المعروفة قد ألهم الله العباد لها وفطرهم عليها .
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (٣٦)﴾ (التوبة: ٣٦).
٢٣٨ - قال السعدي ﵀: (دليل على أن هذه الشهور المعروفة قد ألهم الله العباد لها وفطرهم عليها، وأن ذلك موافق لقدره وشرعه). ا. هـ (٢)
стр. 514
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الشهور المعروفة بأسمائها وترتيبها قد فطر الله الناس عليها، وألهمهم لها، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بين في هذه الآية أن هذا الأمر مكتوب يوم خلق الله السماوات والأرض، بينما الناس تعرف ذلك وتتعامل به قبل نزول الوحي، فهذا التوافق يدل على أن هؤلاء كانوا مفطورين على معرفة هذه الشهور وتسمياتها ومعرفة الحرم منها ونحو ذلك.
ولكن هذا الاستدلال لا يُسلّم؛ إذ يمكن القول بأن ذلك جاء إلى العرب من طريق بعض الأنبياء السابقين، فيكون الاستدلال بها على هذا احتمالي لا يمكن الجزم به إذ احتمالية كونه من الأمم الأخرى قوي. والله أعلم.
اللغة إلهام من الله لا اصطلاح .
قال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ (٣٦)﴾ (التوبة: ٣٦).
٢٣٩ - قال السعدي ﵀: (ويستدل بها من قال: إن اللغة إلهام من الله، لا اصطلاح اصطلح عليه العقلاء (١)).
стр. 515
ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن اللغة إلهام لا اصطلاح، ولم يبين السعدي هنا وجه استنباط ذلك من الآية، ولعل وجه ذلك هو التوافق على أسماء الشهور عند العرب ثم نزول القرآن مؤيداً لذلك، مما يدل على أن اللغة بشكل عام إلهام قياساً على الإلهام في أسماء الشهور.
قال السيوطي: (فيستدل به لمن قال: إن اللغات توقيفية) (٢)، وهذا الاستنباط يعد من الاستنباطات الخفية، ومما يؤيده موافقة العدد للواقع، مما يعني الموافقة على أسمائها، وهذا يدل على كونها توقيفاً؛ إذ لو كانت اصطلاحاً لكان فرق في الأسماء. والله أعلم.
الحزن قد يعرض لخواص العباد .
قال تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِن اللَّهَ مَعَنَا (٤٠)﴾ (التوبة: ٤٠).
٢٤٠ - قال السعدي ﵀: (قوله ﴿لَا تَحْزَنْ إِن
стр. 516
اللَّهَ مَعَنَا﴾ (١) وفيها: أن الحزن (٢) قد يعرض لخواص عباد الله الصديقين، مع أن الأولى -إذا نزل بالعبد- أن يسعى في ذهابه عنه، فإنه مضعف للقلب، موهن للعزيمة). ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الحزن قد يعرض لخواص العباد الصديقين، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر نهي النبي ﷺ لأبي بكر عن الحزن، مما يدل على وقوعه منه، ولكن وقوع الحزن لا يعني الاستسلام له بل يجب السعي لإذهابه كما فعل النبي ﷺ لأبي بكر بتذكيره معية الله، التي بتذكرها يذهب كل حزن.
والحزن أمر طبيعي نفسي قد يعرض للعبد الصالح، ولا يكون ذلك مثلبة في صدقه ودينه، ولا في خلقه وشجاعته، وقد حزن النبي ﷺ لموت ابنه إبراهيم، ولموت خديجة، وعمه أبي طالب، وإنما يكون الحزن مذموماً عندما يكون له أثر على العزيمة، وإضعاف إيمان العبد بالقضاء والقدر.
стр. 517
جواز دفع الزكاة، لفك الأسير، وإعتاق الرقاب المستقلة .
قال تعالى: ﴿* إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ (٦٠)﴾ (التوبة: ٦٠).
٢٤١ - قال السعدي ﵀: (الرقاب: وهم المكاتبون (١) الذين قد اشتروا أنفسهم من ساداتهم، فهم يسعون في تحصيل ما يفك رقابهم، فيعانون على ذلك من الزكاة، وفك الرقبة المسلمة التي في حبس الكفار داخل في هذا، بل أولى، ويدخل في هذا أنه يجوز أن يعتق منها الرقاب استقلالاً (٢) لدخوله في قوله: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾). ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن فك الرقاب المسلمة التي في الأسر داخل في معنى الرقاب في هذه الآية، ووجه استنباط ذلك من الآية قياس الأولى، فإذا كان فك المسلم عن رق المسلم جائز ففك المسلم من رق الكافر من باب أولى، كما أن عموم الرقاب يستنبط منه دخول عتق الرقاب استقلالاً لعدم وجود ما يمنع من ذلك.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال القرطبي: (واختلفوا في فك الأسارى منها، فقال أصبغ: لا يجوز، وهو قول ابن قاسم، وقال ابن حبيب: يجوز، لأنها رقبة ملكت بملك الرق
стр. 518
فهي تخرج من رق إلى عتق، وكان ذلك أحق وأولى من فكاك الرقاب الذي بأيدينا، لأنه إذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزاً من الصدقة، فأحرى وأولى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر وذله) (١)، كما أن إطلاق الرقاب يقتضي رقبة كاملة، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن العربي، والشوكاني، وابن عاشور (٢)
المخالفون:
خالف بعض المفسرين فقالوا مفهوم عموم إطلاق الآية يدل على أن الأسرى لا يدخلون في الرقاب هنا، وأنه إنما أراد بذلك من لو اشتراه الإنسان لما عتق عليه، والأسير لا يمكن تملكه فليس برقبة (٣).
كما خالف بعض المفسرين فقالوا إن العتق المستقل للرقاب غير داخل في الآية، قال الجصاص: (الرقبة لا يسمى صدقة، وما أعطي في ثمن الرقبة فليس بصدقة لأن بائعها أخذه ثمنا لعبده فلم تحصل بعتق الرقبة صدقة، وليس في ذلك قربة، وإنما القربة في أن يعطى العبد نفسه حتى يفك به رقبته، وذلك لا يكون إلا بعد الكتابة، وأيضاً فإن الصدقة تقتضي تمليكا والعبد لم يملك شيئا بالعتق، وإنما سقط عن رقبته، وهو ملك للمولى، ولم يحصل ذلك الرق للعبد لأنه لو حصل له لوجب أن يقوم فيه مقام المولى فيتصرف في رقبته كما يتصرف المولى، فثبت أن الذي حصل للعبد إنما هو سقوط ملك المولى، وأنه لم يملك بذلك شيئا، فلا يجوز أن يكون ذلك مجزيا من الصدقة إذ شرط الصدقة وقوع الملك للمتصدق عليه) (٤)، وممن قال بذلك من المفسرين: الطبري (٥).
стр. 519
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، من أن الآية شاملة لعتق الأسارى من المسلمين بدلالة الأولى، قال ابن العربي: (وإذا كان فك المسلم عن رق المسلم عبادة وجائزاً من الصدقة فأولى وأحرى أن يكون ذلك في فك المسلم عن رق الكافر وذله) (١)، وكذلك عتق الرقاب المستقلة ودلالة الآية عليه من حيث إنه لوأراد عتق المكاتب فقط لنص عليه، فلما عدل إلى الرقاب دل على أن المقصود هو العتق سواء مكاتب أوغيره (٢).
وأما التقييدات التي ذكرها أصحاب الأقوال المخالفة لهذين الاستنباطين حيث منعوا فك الأسير، وإعتاق الرقبة استقلالاً فهو تحكم في الآية يحتاج إلى دليل آخر غير الآية حتى يثبت. (٣) والله أعلم.
ذكر أوصاف المنافقين دون أسماءهم للستر، ولدخول من شابههم ممن يأتي بعدهم .
قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ (٦٤)﴾ (التوبة: ٦٤).
٢٤٢ - قال السعدي ﵀: (فما زال الله يقول: ومنهم ومنهم، ويذكر أوصافهم، إلا أنه لم يعين أشخاصهم (٤) لفائدتين:
стр. 520
إحداهما: أن الله سِتِّيرٌ يحب الستر على عباده.
والثانية: أن الذم على من اتصف بذلك الوصف من المنافقين، الذين توجه إليهم الخطاب وغيرهم إلى يوم القيامة، فكان ذكر الوصف أعم وأنسب، حتى خافوا غاية الخوف). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ذكر المنافقين بأوصافهم دون التصريح بأشخاصهم، وأن مناسبة ذلك هو إرادة الستر عليهم، والذم لمن اتصف بمثل هذه الصفات ممن يأتي بعدهم.
وقال البقاعي: (وعبر بالوصف الدال على الرسوخ تحذيراً لهم من أدنى النفاق فإنه يجر إلى أعلاه) (٢).
وما ذهب إليه السعدي في غاية المناسبة، فهو متوافق مع عدل الشريعة، وحسن تعاملها حتى مع المخالف، وإعطاء الفرصة للمخطئ أن يقلع عن خطأه، فعدم التصريح بأسماء المنافقين يحمل هذه المعاني السامية كلها.
كما أن في عدم التصريح بأسمائهم مراعاة لمشاعر من يخرج من أصلابهم من المؤمنين، وهذا فيه التنبه لعدم جرح مشاعر المؤمنين الذين حصل من آبائهم تقصير.
стр. 521
من أسر سريرة فيها مكر بالدين واستهزاء فإن الله يظهرها ويفضح صاحبها .
قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ (٦٤)﴾ (التوبة: ٦٤).
٢٤٣ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآيات دليل على أن من أسر سريرة خصوصاً السريرة التي يمكر فيها بدينه ويستهزئ به وبآياته ورسوله فإن الله تعالى يظهرها ويفضح صاحبها ويعاقبه أشد العقوبة). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن من أسر سريرة فيها مكر واستهزاء بهذا الدين وأهله فإن الله يفضحه، ويظهر ما يضمره، ويعاقبه عليها أشد العقوبة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن المنافقين كانوا يخفون في أنفسهم الكيد والمكر والاستهزاء بهذا الدين، وكان ذلك سريرة في قلوبهم حتى فضحهم الله في هذه السورة وبين ما تحتويه هذه القلوب الفاسدة، فأخذ السعدي من هذا المعنى الخاص بالمنافقين معنى عام لكل من وافقهم على ذلك، بأن الله سيفضحه ويكشف أمره.
وهذا الاستنباط فيه ترهيب لمن كان في قلبه مرض على الإسلام وأهله، ووعيد له بأن الله سيفضحه ولو بعد حين، وربما أن يكون في ذلك فائدة التحذير عن مثل هذه الأمور التي هذا وعيدها.
والواقع يشهد بصحة هذا الاستنباط فعلى مر الزمن لا يزال الكشف عن كل صاحب دسيسة على الإسلام وأهله.
стр. 522
الاستغفار سبعين مرة للمبالغة، وإلا فلا مفهوم له .
قال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَقْدِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٨٠)﴾ (التوبة: ٨٠).
٢٤٤ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ على وجه المبالغة، وإلا فلا مفهوم لها). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن العدد الوارد في الاستغفار في هذه الآية لا مفهوم له وإنما المراد منه المبالغة والتأكيد.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال البغوي: (وذكر عدد السبعين للمبالغة في اليأس على طمع المغفرة) (٢)، وقد قال به جمع من المفسرين منهم: الجصاص، وإلكيا الهراسي، والرازي، وأبوحيان، والبيضاوي، وأبوالسعود، وجلال الدين المحلي، والخازن، والشوكاني (٣).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين، فقالوا إن العدد سبعين في هذه الآية له
стр. 523
مفهوم، حيث إن الزيادة على ذلك نافعة، مستدلين على ذلك بقوله ﷺ : (سأزيده على السبعين) (١)، وهذا فيه دلالة على أن النبي ﷺ فهم أن العدد هنا له مفهوم (٢).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح؛ لأن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة أن يأتي الكلام على وجه المبالغة والتأكيد، فما جاء لأجل التوكيد فلا مفهوم له، قال الطوفي: (أما هذا الموضع بعينه فلم يرد به المفهوم؛ لما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لو أعلم أني إن زدت على السبعين عفر لهم لزدت) (٣)، وإنما خرج مخرج المبالغة والتكثير؛ لأن العرب لهجت بالسبعين كثيراً حتى تداولوها في معرض التكثير) (٤).
وأما ما استدل به أصحاب القول بالمفهوم، فأجاب عنه ابن عاشور بقوله: (وأمّا ما رواه البخاري من حديث أنس بن عياض وأبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أنّ النبي ﷺ قال: " وسأزيد على السبعين " فهو توهم من الراوي لمنافاته روايةَ عمرَ بن الخطاب، وروايةُ عمَر أرجح لأنّه صاحب القصّة، ولأنّ تلك الزيادة لم تُرو من
حديث يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر عند الترمذي وابن ماجة والنسائي) (٥)، وقال الجصاص: (وهذا خطأ من راويه) (٦).
стр. 524
مشروعية الصلاة على المؤمنين والوقوف على قبورهم للدعاء لهم .
قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ (٨٤)﴾ (التوبة: ٨٤).
٢٤٥ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دليل على مشروعية الصلاة على المؤمنين، والوقوف عند قبورهم للدعاء لهم، كما كان النبي ﷺ ، يفعل ذلك في المؤمنين (١)، فإن تقييد النهي بالمنافقين يدل على أنه قد كان متقرراً في المؤمنين). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية الصلاة على المؤمنين والوقوف عند قبورهم، ووجه استنباط ذلك من الآية من مفهوم المخالفة - مفهوم الصفة- فلما نهى عن الصلاة على المنافقين دل مفهوم ذلك على مشروعية الصلاة على المؤمنين.
الموافقون:
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي: (ومفهومه وجوب الصلاة على المسلم ودفنه، ومشروعية الوقوف
стр. 525
على قبره، والدعاء له والاستغفار) (١)، وممن قال به من المفسرين أيضاً: شيخ الإسلام ابن تيمية، والجصاص، وابن عرفة (٢).
المخالفون:
خالف ابن العربي في ذلك، فقال: (قوله تعالى ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية: نص في الامتناع من الصلاة على الكفار، وليس فيه دليل على الصلاة على المؤمنين، وقد وهم بعض أصحابنا فقال: إن الصلاة على الجنازة فرض على الكفاية، بدليل قوله: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ فنهى الله عن الصلاة على الكفار، فدل على وجوبها على المؤمنين، وهذه غفلة عظيمة؛ فإن الأمر بالشيء نهي عن أضداده كلها عند بعض العلماء لفظاً، وباتفاقهم معنى، فأما النهي عن الشيء فقد اتفقوا في الوجهين على أنه أمر بأحد أضداده لفظاً أو معنى، وليست الصلاة على المؤمنين ضداً مخصوصاً للصلاة على الكافرين؛ بل كل طاعة ضد لها، فلا يلزم من ذلك تخصيص الصلاة على المؤمنين دون سائر الأضداد). (٣)
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في دلالة الآية على الصلاة على المؤمنين هو الصحيح، الذي يدل عليه لفظ الآية بمفهوم مخالفتها، وتعليلها، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فنهى نبيه عن الصلاة عليهم والقيام على قبورهم لأنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم كافرون فلما نهى عن هذا وهذا لأجل هذه العلة وهى الكفر دل ذلك على انتفاء هذا النهى عند انتفاء هذه العلة، ودل تخصيصهم بالنهى على أن غيرهم يصلى عليه ويقام على قبره إذ لو كان هذا غير مشروع فى حق أحد لم يخصوا
стр. 526
بالنهى ولم يعلل ذلك بكفرهم ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة). (١)
المحسن ليس بضامن التلف، بينما المسيء كالمفرط يضمن .
قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (٩١)﴾ (التوبة: ٩١).
٢٤٦ - قال السعدي ﵀: (ويستدل بهذه الآية على قاعدة (٢) وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن (٣)، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان (٤)). ا. هـ (٥)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية وهي: أن المحسن لا يضمن ما ترتب على إحسانه من تلف أونقص؛ بسبب إحسانه، وعكسه المسيء فإنه يضمن لأنه كالمفرط.
стр. 527
قال الجصاص: (قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَلِيمٍ﴾ عموم في أن كل من كان محسناً في شيء فلا سبيل عليه فيه ويحتج به في مسائل مما قد اختلف فيه، نحو من استعار ثوباً ليصلي فيه، أو دابة ليحج عليها فتهلك، فلا سبيل عليه في تضمينه؛ لأنه محسن، وقد نفى الله تعالى السبيل عليه نفياً عاماً) (١)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً من المفسرين: ابن العربي، والقرطبي (٢).
ومما يؤيد هذه القاعدة أن المحسن في مقام الأمين فلا يضمن، بينما المسئ في مقام المفرط فعليه الضمان.
مناسبة التعبير بقوله (فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) دون (فإن الله لا يرضى عنهم) .
قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ (التوبة: ٩٦).
٢٤٧ - قال السعدي ﵀: (وتأمل كيف قال: ﴿فَإِن اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ ولم يقل: "فإن الله لا يرضى عنهم" ليدل ذلك على أن باب التوبة مفتوح، وأنهم مهما تابوا هم أو غيرهم، فإن الله يتوب عليهم، ويرضى عنهم، وأما ما داموا فاسقين، فإن الله لا يرضى عليهم، لوجود المانع من رضاه، وهو خروجهم عن ما رضيه الله لهم من
стр. 528
الإيمان والطاعة، إلى ما يغضبه من الشرك، والنفاق، والمعاصي). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التصريح باسم الفاسقين دون أن يذكرهم بالضمير، وأن مناسبة ذلك فتح باب التوبة لهم، حيث إن سبب عدم الرضا عنهم بسبب الفسق لا لأجل ذواتهم.
وقد أشار إلى نحو هذه المناسبة بعض المفسرين، قال البقاعي: (﴿فَإِن اللَّهَ﴾ أي الذي له الغنى المطلق ﴿لَا يَرْضَى﴾ عنهم، هكذا كان الأصل ولكنه قال: ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ إشارة إلى تعليق الحكم بالوصف وتعميماً لكل من اتصف بذلك) (٢)، وقال ابن عاشور: (والعدول عن الإتيان بضمير (هم) إلى التعبير بصفتهم للدلالة على ذمهم وتعليل عدم الرضى عنهم، فالكلام مشتمل على خبر وعلى دليله فأفاد مفاد كلامين لأنه ينحلّ إلى: فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عنهم لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) (٣)، وممن قال بنحو ذلك: أبوحيان، وأبوالسعود، والألوسي (٤).
الأعراب كأهل الحاضرة منهم الممدوح، ومنهم المذموم .
قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾ (التوبة: ٩٧).
стр. 529
٢٤٨ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن الأعراب (١) كأهل الحاضرة، منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم الله على مجرد تعربهم وباديتهم، إنما ذمهم على ترك أوامر الله، وأنهم في مظنة ذلك). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الأعراب كأهل الحاضرة منهم المذموم ومنهم الممدوح، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذمهم على ترك أوامر الله، فدل تعليق الذم على ذلك أنهم ليسوا مذمومين لأجل أنهم أعراب، وإنما لكونهم تاركين أوامر الله، وفي مكان هم مظنة الجهل الذي سبباً في الترك.
وهذا الاستنباط مؤيد بأن الله في هذه الآيات مدحهم وبين أن منهم مؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخَرُ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾. [التوبة: ٩٩].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والتحقيق أن سكان البوادي لهم حكم الأعراب سواء دخلوا في لفظ الأعراب أم لم يدخلوا فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة مثلا) (٣).
وهذا الاستنباط فيه عدل وإنصاف لمن كان مؤمناً من الإعراب، كما أن فيه تحذيراً لأهل الحاضرة ألا يظنوا أن مجرد انتسابهم إلى الحاضرة
стр. 530
مزك لهم بل العبرة بالإيمان والامتثال، فقد يكون أعرابياً أفضل بامتثاله، وقد يكون صاحب حاضرة أقل لعصيانه.
كل معين على فعل الخير مطلوب، كما أن إدخال السرور على المؤمنين مطلوب .
قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٍ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ (التوبة: ١٠٣).
٢٤٩ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) ودل تعليل الآية الكريمة أن كل ما أعان على فعل الخير، ونشط عليه، وسكن قلب صاحبه أنه مطلوب ومحبوب لله، وأنه ينبغي للعبد مراعاته وملاحظته في كل شأن من شؤونه، فإن من تفطن له فتح له أبواباً نافعة له ولغيره بلا تعب ولا مشقة، وأنه ينبغي إدخال السرور على المؤمنين). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن كل أمر فيه إعانة على فعل الخير والتنشيط له فإنه محبوب ومطلوب، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بين أن دعاء النبي ﷺ للمتصدقين تسكن به قلوبهم وتطيب به نفوسهم، فيسارعون في أداء الصدقات رغبة في الثواب وفيما ينالونه من