بالنهى ولم يعلل ذلك بكفرهم ولهذا كانت الصلاة على الموتى من المؤمنين والقيام على قبورهم من السنة المتواترة). (١)
المحسن ليس بضامن التلف، بينما المسيء كالمفرط يضمن .
قال تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ (٩١)﴾ (التوبة: ٩١).
٢٤٦ - قال السعدي ﵀: (ويستدل بهذه الآية على قاعدة (٢) وهي: أن من أحسن على غيره، في نفسه أو في ماله، ونحو ذلك، ثم ترتب على إحسانه نقص أو تلف، أنه غير ضامن لأنه محسن (٣)، ولا سبيل على المحسنين، كما أنه يدل على أن غير المحسن -وهو المسيء- كالمفرط، أن عليه الضمان (٤)). ا. هـ (٥)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية وهي: أن المحسن لا يضمن ما ترتب على إحسانه من تلف أونقص؛ بسبب إحسانه، وعكسه المسيء فإنه يضمن لأنه كالمفرط.
стр. 527
قال الجصاص: (قوله تعالى: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَلِيمٍ﴾ عموم في أن كل من كان محسناً في شيء فلا سبيل عليه فيه ويحتج به في مسائل مما قد اختلف فيه، نحو من استعار ثوباً ليصلي فيه، أو دابة ليحج عليها فتهلك، فلا سبيل عليه في تضمينه؛ لأنه محسن، وقد نفى الله تعالى السبيل عليه نفياً عاماً) (١)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً من المفسرين: ابن العربي، والقرطبي (٢).
ومما يؤيد هذه القاعدة أن المحسن في مقام الأمين فلا يضمن، بينما المسئ في مقام المفرط فعليه الضمان.
مناسبة التعبير بقوله (فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) دون (فإن الله لا يرضى عنهم) .
قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِن اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ (التوبة: ٩٦).
٢٤٧ - قال السعدي ﵀: (وتأمل كيف قال: ﴿فَإِن اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ ولم يقل: "فإن الله لا يرضى عنهم" ليدل ذلك على أن باب التوبة مفتوح، وأنهم مهما تابوا هم أو غيرهم، فإن الله يتوب عليهم، ويرضى عنهم، وأما ما داموا فاسقين، فإن الله لا يرضى عليهم، لوجود المانع من رضاه، وهو خروجهم عن ما رضيه الله لهم من
стр. 528
الإيمان والطاعة، إلى ما يغضبه من الشرك، والنفاق، والمعاصي). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التصريح باسم الفاسقين دون أن يذكرهم بالضمير، وأن مناسبة ذلك فتح باب التوبة لهم، حيث إن سبب عدم الرضا عنهم بسبب الفسق لا لأجل ذواتهم.
وقد أشار إلى نحو هذه المناسبة بعض المفسرين، قال البقاعي: (﴿فَإِن اللَّهَ﴾ أي الذي له الغنى المطلق ﴿لَا يَرْضَى﴾ عنهم، هكذا كان الأصل ولكنه قال: ﴿عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ إشارة إلى تعليق الحكم بالوصف وتعميماً لكل من اتصف بذلك) (٢)، وقال ابن عاشور: (والعدول عن الإتيان بضمير (هم) إلى التعبير بصفتهم للدلالة على ذمهم وتعليل عدم الرضى عنهم، فالكلام مشتمل على خبر وعلى دليله فأفاد مفاد كلامين لأنه ينحلّ إلى: فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عنهم لأن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) (٣)، وممن قال بنحو ذلك: أبوحيان، وأبوالسعود، والألوسي (٤).
الأعراب كأهل الحاضرة منهم الممدوح، ومنهم المذموم .
قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٩٧)﴾ (التوبة: ٩٧).
стр. 529
٢٤٨ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن الأعراب (١) كأهل الحاضرة، منهم الممدوح ومنهم المذموم، فلم يذمهم الله على مجرد تعربهم وباديتهم، إنما ذمهم على ترك أوامر الله، وأنهم في مظنة ذلك). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الأعراب كأهل الحاضرة منهم المذموم ومنهم الممدوح، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذمهم على ترك أوامر الله، فدل تعليق الذم على ذلك أنهم ليسوا مذمومين لأجل أنهم أعراب، وإنما لكونهم تاركين أوامر الله، وفي مكان هم مظنة الجهل الذي سبباً في الترك.
وهذا الاستنباط مؤيد بأن الله في هذه الآيات مدحهم وبين أن منهم مؤمنين، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخَرُ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾. [التوبة: ٩٩].
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والتحقيق أن سكان البوادي لهم حكم الأعراب سواء دخلوا في لفظ الأعراب أم لم يدخلوا فهذا الأصل يوجب أن يكون جنس الحاضرة أفضل من جنس البادية وإن كان بعض أعيان البادية أفضل من أكثر الحاضرة مثلا) (٣).
وهذا الاستنباط فيه عدل وإنصاف لمن كان مؤمناً من الإعراب، كما أن فيه تحذيراً لأهل الحاضرة ألا يظنوا أن مجرد انتسابهم إلى الحاضرة
стр. 530
مزك لهم بل العبرة بالإيمان والامتثال، فقد يكون أعرابياً أفضل بامتثاله، وقد يكون صاحب حاضرة أقل لعصيانه.
كل معين على فعل الخير مطلوب، كما أن إدخال السرور على المؤمنين مطلوب .
قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٍ تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٠٣)﴾ (التوبة: ١٠٣).
٢٤٩ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ (١) ودل تعليل الآية الكريمة أن كل ما أعان على فعل الخير، ونشط عليه، وسكن قلب صاحبه أنه مطلوب ومحبوب لله، وأنه ينبغي للعبد مراعاته وملاحظته في كل شأن من شؤونه، فإن من تفطن له فتح له أبواباً نافعة له ولغيره بلا تعب ولا مشقة، وأنه ينبغي إدخال السرور على المؤمنين). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن كل أمر فيه إعانة على فعل الخير والتنشيط له فإنه محبوب ومطلوب، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بين أن دعاء النبي ﷺ للمتصدقين تسكن به قلوبهم وتطيب به نفوسهم، فيسارعون في أداء الصدقات رغبة في الثواب وفيما ينالونه من
стр. 531
بركة دعاء النبي لهم؛ فأخذ من هذا التعليل قياس غيره من المنشطات عليه.
كما أن هذا الدعاء كان فيه إدخال السرور على نفوس المتصدقين فأخذ منه أيضاً أنه ينبغي إدخال السرور على النفوس بأي شيء تسعد به هذه النفوس وتطمئن.
وتكلم أهل الإدارة في عصرنا كثيراً عن ما يسمى بالثناء، وأهميته في زيادة الإنتاج، وهذا الاستنباط هو تأصيل لهذا المعنى من القرآن الكريم.
النية تغير العمل وإن كان فاضلاً .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا (١٠٨)﴾ (التوبة: ١٠٧ - ١٠٨).
٢٥٠ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآيات فوائد عدة: منها: أن العمل وإن كان فاضلاً تغيره النية، فينقلب منهياً عنه، كما قلبت نية أصحاب مسجد الضرار عملهم إلى ما ترى). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن العمل الفاضل قد تغيره النية فيصبح عكس ذلك، ووجه استنباط ذلك من الآية أن عمل هؤلاء المنافقين في أصله فاضلاً وهو بناء المسجد، ولكن نيتهم الخبيثة غيرت هذا العمل حتى
стр. 532
أصبح عملاً غير صالح، بل حرمت الصلاة فيه.
قال إلكيا الهراسي: (يدل على أن الأفعال تختلف بالقصود والإرادات) (١)، وهذا الاستنباط مؤيد بالقاعدة الفقهية الشهيرة وهي: أن الأمور بمقاصدها.
وهذا الاستنباط فيه بيان أن فضيلة العمل ذاته لا تكفي في قبوله وأفضليته، بل هناك ما يؤثر على هذا العمل وربما قلبه إلى الضد، فلا بد من اعتباره والتنبه له وهو النية.
كل ما كان سبباً في تفريق المؤمنين فهو منهي عنه .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٧)﴾ (التوبة: ١٠٧).
٢٥١ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد هذه الآية-: كل حالة يحصل بها التفريق بين المؤمنين، فإنها من المعاصي التي يتعين تركها وإزالتها، كما أن كل حالة يحصل بها جمع المؤمنين وائتلافهم، يتعين اتباعها والأمر بها والحث عليها، لأن الله علل اتخاذهم لمسجد الضرار بهذا المقصد الموجب للنهي عنه، كما يوجب ذلك الكفر والمحاربة لله ورسوله). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن كل ما يفرق المؤمنين فهو منهي
стр. 533
عنه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله علل النهي عن اتخاذ مسجد الضرار بعلل منها أنها سبب في التفريق بين المؤمنين، فأخذ من هذا المعنى أن كل ما كان سبباً في التفريق فهو محرم، وأخذ من مفهوم المخالفة لذلك أن كل ما فيه جمع لكلمة المؤمنين فهو مطلوب شرعاً.
قال إلكيا الهراسي: (. . . وأن الذي اتخذ لقصد التفريق بين المؤمنين لا تحل به حرمة، ولذلك قال: (لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا)، وأمر رسول الله ﷺ ، بهدمه) (١).
عدم جواز الصلاة في أماكن المعصية .
قال تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا (١٠٨)﴾ (التوبة: ١٠٨).
٢٥٢ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد هذه الآية-: النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، والبعد عنها، وعن قربها). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية النهي عن الصلاة في أماكن المعصية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله نهى عن الصلاة في مسجد الضرار وهو مكان معصية، فقاس السعدي على ذلك سائر أماكن المعصية.
قال الجصاص: (وهذا يدل على أن بعض الأماكن قد يكون أولى بفعل الصلاة فيه من بعض، وأن الصلاة قد تكون منهية عنها في بعضها) (٣).
стр. 534
أعمال المعصية الحسية لا تزال مبعدة لصاحبها عن الله حتى يزيلها .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ (١٠٧)﴾ (التوبة: ١٠٧).
٢٥٣ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد هذه الآية-: الأعمال الحسية الناشئة عن معصية الله لا تزال مبعدة لفاعلها عن الله بمنزلة الإصرار على المعصية حتى يزيلها ويتوب منها توبة تامة بحيث يتقطع قلبه من الندم والحسرات). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الأماكن الحسية للمعصية لا تزال مبعدة لمن أنشأها عن الله حتى يزيلها، ووجود هذه الأماكن هو بمنزلة الإصرار على المعصية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن مسجد الضرار مكان حسي للمعصية فكان بمثابة من يقترف المعصية ويقوم بها.
وهذا الاستنباط فيه ردع لمن يشجع المعاصي ويقوم بنشرها ويبني لها أبنية، وينشئ لها قنوات نشر من إعلام مسموع ومقروء، وأن ذلك معصية يحاسب عليها من فعلها حتى يزيلها، وبقاءها بمثابة الإصرار على المعصية.
فضيلة المسجد النبوي .
قال تعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ (١٠٨)﴾ (التوبة: ١٠٨).
стр. 535
٢٥٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد هذه الآية-: قوله تعالى: (لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ وَيَوْمَ (١)
إذا كان مسجد قباء (٢) مسجداً أسس على التقوى، فمسجد النبي ﷺ الذي أسسه بيده المباركة وعمل فيه واختاره الله له من باب أولى وأحرى). ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه فضيلة المسجد النبوي، وأنه مؤسس على التقوى، ووجه استنباط ذلك بقياس الأولى، حيث إن مسجد قباء مؤسس على التقوى، فالمسجد النبوي من باب أولى لأنه الأفضل بلا خلاف.
قال ابن كثير: (إذا كان مسجد قباء قد أسس على التقوى من أول يوم، فمسجد رسول الله ﷺ بطريق الأولى والأحرى) (٤).
стр. 536
ينبغي للمسلمين إعداد المتخصصين لكل مصلحة من مصالحهم .
قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ (١٢٢)﴾ (التوبة: ١٢٢).
٢٥٥ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية (١) أيضا دليل وإرشاد وتنبيه لطيف، لفائدة مهمة، وهي: أن المسلمين ينبغي لهم أن يعدوا لكل مصلحة من مصالحهم العامة من يقوم بها، ويوفر وقته عليها، ويجتهد فيها، ولا يلتفت إلى غيرها، لتقوم مصالحهم، وتتم منافعهم، ولتكون وجهة جميعهم، ونهاية ما يقصدون قصداً واحداً، وهو قيام مصلحة دينهم ودنياهم، ولو تفرقت الطرق وتعددت المشارب، فالأعمال متباينة، والقصد واحد، وهذه من الحكمة العامة النافعة في جميع الأمور). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أهمية إعداد المتخصصين لكل مصلحة من مصالح المسلمين، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر في هذه الآية أن تتفقه طائفة في الدين، فأخذ السعدي من ذلك أن هذه الطائفة ليست في العلوم الشرعية فقط بل تكون في التخصصات الأخرى التي تنفع الناس وهم بحاجة إليها.
وهذا الاستنباط فيه تأصيل قرآني لأهمية التخصص، ففيه بيان اهتمام الشريعة الإسلامية بما يحقق مصالح الناس في دينهم ودنياهم.
стр. 537
سورة يونس
التأمين على الدعاء دعاء .
قال تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا (٨٩)﴾ (يونس: ٨٩).
٢٥٦ - قال السعدي ﵀: (قال الله تعالى ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ هذا دليل على أن موسى، كان يدعو، وهارون يؤمن على دعائه، وأن الذي يؤمن، يكون شريكاً للداعي في ذلك الدعاء). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الذي يؤمن على الدعاء بمنزلة من يدعو، ووجه استنباط ذلك من الآية أن موسى ﵊ كان يدعو وهارون ﵊ يؤمن على هذا الدعاء، فأخبر الله عن إجابة دعوتهما مع أن الذي كان يدعو إنما هو موسى فقط، فدل ذلك على أن المؤمن على الدعاء بمنزلة من يدعو.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي: (واستدل به على أن التأمين دعاء) (٢)، وممن قال بذلك من
стр. 538
المفسرين أيضاً: الجصاص، والبيضاوي، والخازن، والألوسي (١).
وذكر بعض العلماء تخريجاً آخر لإضافة الدعوة إليهما، وهو أن الأصل أن الدعاء كان منهما جميعاً، وإنما أضيف إلى موسى لأصالته في الرسالة، قال الشوكاني: (ويجوز أن يكونا جميعاً داعيين، ولكن أضاف الدعاء إلى موسى في أوّل الكلام لأصالته في الرسالة) (٢)، كما أشار إليه الرازي كذلك (٣).
والتوجيه الأول هو الأقرب؛ لأن الثاني فيه تكلف معنى لا يؤيده لفظ الآية ومعناها الظاهر. والله أعلم.
стр. 539
سورة هود
ينبغي أن يكون رد السلام أبلغ من الابتداء .
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ (هود: ٦٩).
٢٥٧ - قال السعدي ﵀: (وأنه ينبغي أن يكون الرد-أي رد السلام-، أبلغ من الابتداء، لأن سلامهم بالجملة الفعلية، الدالة على التجدد، ورده بالجملة الاسمية، الدالة على الثبوت والاستمرار، وبينهما فرق كبير كما هو معلوم في علم العربية). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن رد السلام ينبغي أن يكون أبلغ من الابتداء، ووجه استنباط ذلك من الآية أن إبراهيم كان رده بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار، بينما كان ابتداء الملائكة السلام كان بالجملة الفعلية الدالة على التجدد، والجملة الاسمية أبلغ من الجملة الفعلية.
стр. 540
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال شهاب الدين الخفاجي: (ووجه كون الجواب أحسن أنه جملة اسمية دالة على الدوام والثبات، فهي أبلغ) (١)، وقال ابن عاشور: (ورفع المصدر أبلغ من نصبه، لأنّ الرّفع فيه تناسي معنى الفعل فهو أدلّ على الدّوام والثّبات، ولذلك خالف بينهما للدّلالة على أنّ إبراهيم ﵇ ردّ السّلام بعبارة أحسن من عبارة الرسل زيادة في الإكرام) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: ابن القيم، والبيضاوي، وأبو السعود، والألوسي. (٣)
الحث على السعي في الأعوان على الخير ولوكانوا من أهل الشر .
قال تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد (٨٠)﴾ (هود: ٨٠).
٢٥٨ - قال السعدي ﵀: (الحث على السعي في الأعوان على أمور الخير ودفع الشر، ولو كان المعاون على ذلك من أهل الشر، فإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر وبأقوام لا خلاق لهم عند الله، ولهذا قال لوط: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيد (٨٠)﴾، وأكثر الأنبياء يبعثهم الله في أشراف قومهم، ويحصل بذلك من تأييد الحق وقمع الباطل، والتمكن من الدعوة ما لا يحصل لو لم يكن كذلك). ا. هـ (٤)
стр. 541
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن السعي في إيجاد الأعوان على الخير أمر مطلوب، ولو كان المعاون من أهل الشر، ووجه استنباط ذلك من الآية أن لوطاً تمنى أن لوكان له قوة من البشر تعينه على قومه، وتدفع عنه شرهم، مما يدل على أن السعي في إيجاد المعاون على الحق أمر متعين؛ لأن به يحصل التمكين للحق وأهله.
ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث أبي هريرة ﵁، وفيه، ثم أمر بلالاً فنادى بالناس: (إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر) (١)
وهذا الاستنباط فيه تنبيه لمريدي نصرة الحق، أنهم في بعض الأحيان
стр. 542
قد يحتاجون إلى معاون فيه سوء، ولكن معاونته فيها رفع للحق، فلا حرج عليهم في السعي في تحقيق نصرة الحق.
وفيه كذلك أن نصرة الدين من عند الله، فإذا لم يقم أهل الحق بنصرة الحق هيأ الله أسباب نصرة الحق على يد غيرهم، ولو من أهل الباطل، فلا يغتر المصلحون، وليعلموا أن سيرهم في نصرة الحق لأنفسهم قبل أن تكون للحق ذاته.
إسناد التوفيق إلى الله في الإصلاح لدفع توهم التزكية في القيام بالإصلاح .
قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ (هود: ٨٨).
٢٥٩ - قال السعدي ﵀: (﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ أي: ليس لي من المقاصد إلا أن تصلح أحوالكم، وتستقيم منافعكم، وليس لي من المقاصد الخاصة لي وحدي، شيء بحسب استطاعتي.
ولما كان هذا فيه نوع تزكية للنفس، دفع هذا بقوله: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ أي: وما يحصل لي من التوفيق لفعل الخير، والانفكاك عن الشر إلا بالله تعالى، لا بحولي ولا بقوتي). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة إسناد التوفيق في الإصلاح
стр. 543
إلى الله، وأن مناسبة ذلك دفع توهم تزكية النفس في قيامها بالإصلاح، وأن ذلك إنما هو توفيق من الله لا من المصلح ذاته.
وهذا الاستنباط فيه عبرة للقائمين بالإصلاح أن ما يحصل لهم من توفيق وتأثير إنما هو توفيق من الله، فلا يدخل في نفوسهم شيء من الغرور والعجب، ونحو ذلك مما يفسد العمل.
الكفار مخاطبون بأصل الشريعة، وكذلك بفروعها .
قال تعالى: ﴿* وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ (هود: ٨٤).
٢٦٠ - قال السعدي ﵀: (أن الكفار، كما يعاقبون، ويخاطبون، بأصل الإسلام، فكذلك بشرائعه وفروعه (١)، لأن شعيباً دعا قومه إلى التوحيد، وإلى إيفاء المكيال والميزان، وجعل الوعيد، مرتبا على مجموع ذلك). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الكفار مخاطبون بأصل الشريعة
стр. 544
وفروعها، ووجه استنباط ذلك من الآية أن شعيباً ﵇ دعا قومه إلى التوحيد وهو أصل، ودعاهم كذلك إلى إيفاء الكيل والميزان وهو فرع، وجعل الوعيد عليهما مما يؤيد أنهم مخاطبون بالأصل والفرع وإلا لفرق بينهما في العقوبة، والخطاب كذلك.
المال أمانة فلا يجوز للإنسان أن يفعل به ما شاء .
قال تعالى: ﴿وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥)﴾ (هود: ٨٥).
٢٦١ - قال السعدي ﵀: (أن المال الذي يرزقه الله الإنسان - وإن كان الله قد خوله إياه - فليس له أن يصنع فيه ما يشاء، فإنه أمانة عنده، عليه أن يقيم حق الله فيه بأداء ما فيه من الحقوق، والامتناع من المكاسب التي حرمها الله ورسوله، لا كما يزعمه الكفار، ومن أشبههم، أن أموالهم لهم أن يصنعوا فيها ما يشاءون ويختارون، سواء وافق حكم الله، أو خالفه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن المال أمانة عند من رزقه الله المال، فلا يجوز له أن يفعل به ما شاء بل يجب أن يقيم أمر الله فيه بأداء الحقوق، والامتناع عن الكسب المحرم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن شعيباً أمر قومه بالوفاء بالمكيال والميزان، ونهاهم عن بخس أموال الآخرين، مما يدل على أن الأموال أمانة وليست مجرد أمر يستطيع الإنسان أن يفعل فيه ما يريد.
стр. 545
وهذا الاستنباط فيه تنبيه لأصحاب الأموال أن يراقبوا الله في صرف أموالهم، وأنهم محاسبون على ذهاب الأموال فيما حرم الله، فالملكية للأموال لا تعني صرفها في كل شيء.
كما أن فيه تأصيل لما يسمى اليوم ترشيد الاستهلاك، فلا يعني امتلاك الشيء أن يفعل الإنسان فيه ما يريد بل يجب أن يكون ذلك وفق الحاجة والمباح، فإذا خرج عن الحاجة وقع في الإسراف وهو محرم، وإذا خرج عن المباح وقع في الحرام.
الإصلاح يكون بقدر المستطاع .
قال تعالى: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (٨٨)﴾ (هود: ٨٨).
٢٦٢ - قال السعدي ﵀: (أن من قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن ملوماً ولا مذموماً في عدم فعله ما لا يقدر عليه فعلى العبد أن يقيم من الإصلاح في نفسه وفي غيره ما يقدر عليه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الإصلاح يكون بقدر المستطاع، فمن قام بما يقدر عليه من الإصلاح لم يكن مذموماً في ترك ما لا يقدر عليه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن شعيباً ربط إصلاحه باستطاعته، مما يدل على أن الإصلاح مربوط بالاستطاعة والقدرة، فمن فعل ما يقدر عليه فقد وفى.
وهذا الاستنباط قاعدة دعوية مهمة، فإذا فقه الداعية ذلك خف عليه ما لم يستطع إصلاحه، وكف عن جلد ذاته في أمور ليس في استطاعته
стр. 546
إصلاحها لعدم القدرة على ذلك، خصوصاً في هذا الزمن الذي توسع فيه الخرق على الراقع.
كما أن في هذا الاستنباط كف اللوم عن الدعاة والمصلحين فيما لم يقدروا على القيام به وإصلاحه، وأنه يجب رفع اللائمة عنهم؛ لأنهم قاموا بما يستطيعون، فحينئذ لا لوم عليهم فيما لم يستطيعوه.
السعي في الأمور التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين متعين .
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ (٩١)﴾ (هود: ٩١).
٢٦٣ - قال السعدي ﵀: (أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة قد يعلمون بعضها وقد لا يعلمون شيئاً منها وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم أو أهل وطنهم الكفار كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين لا بأس بالسعي فيها بل ربما تعين ذلك لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان، فعلى هذا لو ساعد المسلمون الذين تحت ولاية الكفار وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية وتحرص على إبادتها وجعلهم عمَلَةً وخَدَمًا لهم، نعم إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين وهم الحكام فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة والله أعلم). ا. هـ (١)
стр. 547
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الله يدافع عن المؤمنين بأمور كثيرة، وأن السعي فيها متعين، ووجه استنباط ذلك من الآية أن قوم شعيب كانوا يريدون رجمه لولا أن الله دفع عنه ذلك بسبب قومه، فأخذ السعدي من ذلك أن السعي في وسائل الدفع مطلوب.
وهذا الاستنباط فيه فائدة كبيرة وهي أن البحث عن السنن التي سنها الله في الكون والتي يحصل بها الدفع أمر يجب الأخذ به والبحث عنه والسعي في تحقيقه حفاظاً على الحق وأهله.
стр. 548
سورة يوسف
قصة يوسف فيها دلالة من دلالات النبوة .
قال تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ (يوسف: ٣).
٢٦٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها: ما فيها من الأدلة على صحة نبوة محمد ﷺ ، حيث قصَّ على قومه هذه القصة الطويلة، وهو لم يقرأ كتب الأولين ولا دارس أحداً، يراه قومه بين أظهرهم صباحا ومساء، وهو أمِّيٌّ لا يخط ولا يقرأ، وهي موافقة، لما في الكتب السابقة، وما كان لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من عموم قصة يوسف ﵇ دلالتها على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ ، ووجه ذلك أنه ﷺ كان أمياً، ولم يكن له اطلاع على كتب السابقين، ولم يكن كذلك مجالسة لهم أو مدارسة معهم، ومع ذلك جاءت قصة يوسف كاملة، مما يدل على أن ذلك وحي من الله، مما يدل
стр. 549
على صحة وتقرير نبوة نبينا محمد ﷺ بأقوى برهان عقلي، وأعظم دليل نقلي (١).
تعبير الرؤى مبني على المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة .
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرُ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ (يوسف: ٤).
٢٦٥ - قال السعدي ﵀: (فلنذكر ما يستنبط من هذه القصة العظيمة من الفوائد، منها: أن فيها أصلاً لتعبير الرؤيا، وأن علم التعبير من العلوم المهمة التي يعطيها الله من يشاء من عباده، وإن أغلب ما تبنى عليه المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة، فإن رؤيا يوسف التي رأى أن الشمس والقمر، وأحد عشر كوكباً له ساجدين، وجه المناسبة فيها: أن هذه الأنوار هي زينة السماء وجمالها، وبها منافعها، فكذلك الأنبياء والعلماء، زينة للأرض وجمال، وبهم يهتدى في الظلمات كما يهتدى بهذه الأنوار، ولأن الأصل أبوه وأمه، وإخوته هم الفرع، فمن المناسب أن يكون الأصل أعظم نورا وجرما، لما هو فرع عنه. فلذلك كانت الشمس أمه، والقمر أباه، والكواكب إخوته.
ومن المناسبة أن الشمس لفظ مؤنث، فلذلك كانت أمه، والقمر والكواكب مذكرات، فكانت لأبيه وإخوته،. ومن المناسبة أن الساجد معظم محترم للمسجود له، والمسجود له معظم محترم، فلذلك دل ذلك على أن
стр. 550
يوسف يكون معظما محترما عند أبويه وإخوته). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أصلاً من أصول تعبير الرؤيا، وهو بناء تعبير الرؤيا على المناسبة والمشابهة في الاسم والصفة.
قال السيوطي: (هي أصل في تعبير الرؤيا) (٢).
وهذا الاستنباط فيه أن تعبير الرؤيا لابد أن يكون مبنياً على أصول وشواهد في الرؤيا، فالتعبير ليس مجرد تخرص وإنما هو مبني على رموز في الرؤيا يجب اعتبارها في تفسير الرؤيا.
مما ينبغي فعله البعد عن أسباب الشر، وكتم ما يخشى ضرره .
قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ (يوسف: ٥).
٢٦٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه ينبغي البعد عن أسباب الشر، وكتمان ما تخشى مضرته، لقول يعقوب ليوسف ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾). ا. هـ (٣)
стр. 551
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية البعد عن أسباب الشر، وكتمان ما تخشى مضرته، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يعقوب ﵇ قال لابنه يوسف بعد أن قص عليه الرؤيا وعرف منها يعقوب الخير الذي سيناله يوسف، وأنه سيحسد من إخوته فدله على كتمان ذلك، فأخذ السعدي من ذلك أن ما تخشى مضرته فإنه يكتم.
قال الجصاص: (وهو أصل في جواز ترك إظهار النعمة وكتمانه عند من يخشى حسده وكيده) (١)، وممن قال به كذلك من المفسرين: إلكيا الهراسي، والقرطبي، وابن كثير (٢).
جواز ذكر الإنسان بما يكره، نصحاً لغيره .
قال تعالى: ﴿قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ (يوسف: ٥).
٢٦٧ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه يجوز ذكر الإنسان بما يكره على وجه النصيحة لغيره لقوله: ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا﴾). ا. هـ (٣)
стр. 552
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز ذكر الإنسان بما يكره؛ إذا كان ذلك نصحاً للغير، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يعقوب ﵇ حذر يوسف من كيد إخوته، مما يدل على أن فعل مثل ذلك ليس داخلاً في الغيبة.
قال القرطبي- موافقاً السعدي على هذا الاستنباط-: (وفي هذه الآية دليل على أن مباحاً أن يحذر المسلم أخاه المسلم ممن يخافه عليه ولا يكون داخلاً في معنى الغيبة لأن يعقوب ﵇ قد حذر يوسف أن يقص رؤياه على أخوته فيكيدوا له كيدا) (١).
وهذا الاستنباط ينبغي أخذه بالتوسط والاعتدال، وبضوابطه الشرعية، لأن فتح الباب في الغيبة بحجة التحذير قد يدخل فيه هوى النفوس فلا بد من ضبط المسألة بضوابط الشرع.
كما أن مثل هذا الفعل ليس مدعاة لتكثير الظنون والاتهامات حول من ارتكبه، فهنا قال يعقوب إنه من كيد الشيطان وعداوته، ولم يتوسع في بيان عداوتهم ليوسف بل كأنه اعتذر لهم بأن هذا من سيطرة الشيطان عليهم.
وجوب العدل في المحبة بين الأولاد، وعدم التمييز بينهم ظاهراً .
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ (يوسف: ٨).
стр. 553
٢٦٨ - قال السعدي ﵀: (ومن فوائد هذه القصة أنه يتعين على الإنسان أن يعدل بين أولاده، وينبغي له إذا كان يحب أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك ما أمكنه، وأن لا يفضله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء، فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرهم به واتفاقهم فيما بينهم ; ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف وعدم صبره عنه وانشغاله به عنهم سعوا في أمر وخيم، وهو التفريق بينه وبين أبيه، فقالوا: ﴿لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨) اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (٩)﴾ [يوسف: ٨، ٩] وهذا صريح جداً أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا بيوسف من التفريق بينه وبين أبيه هو تميزه بالمحبة. . . والمقصود: أن الذي حمل إخوة يوسف على ما فعلوا هو تمييز يعقوب ليوسف). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً تربوياً، وهو وجوب العدل بين الأولاد، وإخفاء التمييز في المحبة بينهم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الفتنة التي حصلت بين يوسف وإخوته كانت بسبب تمييز يعقوب في محبته ليوسف، فدل ذلك على أن العدل بين الأولاد في المحبة مما يقوي أواصر المحبة بينهم.
وهذا الاستنباط فيه الاهتمام بالعدل بين الأولاد حتى لا يؤثر ذلك على مستقبل ودهم مع بعضهم؛ إذ في التفضيل بينهم زرع الإحن بينهم وتفريق صفهم.
стр. 554
الشيء المتداول ولو على غير الشرع يصير من جملة الأموال ولا إثم على من باعه واشتراه مع عدم علمه بذلك .
قال تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (٢٠)﴾ (يوسف: ٢٠).
٢٦٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أن الشيء إذا تداولته الأيدي وصار من جملة الأموال، ولم يعلم أنه كان على غير وجه الشرع، أنه لا إثم على من باشره ببيع أو شراء، أو خدمة أو انتفاع، أو استعمال (١)، فإن يوسف ﵇ باعه إخوته بيعاً حراماً لا يجوز، ثم ذهبت به السيارة إلى مصر فباعوه بها، وبقي عند سيده غلاماً رقيقاً، وسماه الله شراء، وكان عندهم بمنزلة الغلام الرقيق المكرم). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الشيء المتداول بالبيع والشراء والذي أصله ليس على وجه الشرع، يصير من جملة الأموال فلا إثم على من باعه أو اشتراه أو استعمله أو انتفع به ونحو ذلك إذا لم يعلم بحقيقة أصله، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر عن يوسف ذلك وكيف حصل فيه البيع والشراء مع أن أصله حر لا يجوز بيعه ولا شراؤه، ولكن
стр. 555
لعدم علم من فعل ذلك لم يذكر الله بعد ذلك شيئاً يبين حرمة ما فعلوا مما يدل على الجواز؛ لأن الله لا يذكر في القرآن شيئاً يحتاج إلى تعقيب وبيان إلا وبينه.
ومما يؤيد هذا الاستنباط أن المشقة تجلب التيسير، فلو كلف الإنسان البحث عن مصدر كل مال لكان في ذلك حرج ومشقة، ولكن رحم الله الخلق فلم يكلفهم بذلك، وعليه فلا إثم على من باشر بيع أوشراء أوخدمة أواستعمال ولم يعلم أنه كان على غير الشرع (١).
الهروب من مواقع الفتن، وأسباب المعصية .
قال تعالى: ﴿وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ (يوسف: ٢٥).
٢٧٠ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-:: أنه ينبغي للعبد إذا رأى محلا فيه فتنة وأسباب معصية، أن يفر منه ويهرب غاية ما يمكنه، ليتمكن من التخلص من المعصية، لأن يوسف ﵇ -لما راودته التي هو في بيتها- فر هارباً، يطلب الباب ليتخلص من شرها). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أنه ينبغي للعبد الهروب من أماكن
стр. 556
الفتنة، وأسباب المعصية؛ حتى ينجو من ذلك، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف هرب من موقع الفتنة لما دعته امرأة العزيز.
وهذا الاستنباط استنباطاً سلوكياً في كيفية التعامل مع المعصية وموقع الفتنة وأسبابها، وأن الهرب وعدم التعرض لذلك من أسباب النجاة، وفيه زجر وعظة لبعض العصاة في زماننا الذين يذهبون بأنفسهم إلى أماكن المعصية، ويتعرضون لأسباب الفتنة سواء ما كان منها مسموعاً أو مرئياً أو مكتوباً، فالهروب من الفاحشة والفتنة أمر ممدوح (١).
العمل بالقرائن عند الاشتباه .
قال تعالى: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلُهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧)﴾ (يوسف: ٢٦ - ٢٧).
٢٧١ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أن القرائن يعمل بها عند الاشتباه (٢)، فلو تخاصم رجل وامرأته في شيء من أواني الدار، فما يصلح للرجل فإنه للرجل، وما يصلح للمرأة فهو لها، إذا لم يكن بينة، وكذا لو تنازع نجار وحداد في آلة حرفتهما من غير بينة، والعمل بالقافة في الأشباه والأثر، من هذا الباب، فإن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وحكم بها في قد القميص، واستدل بقدِّه من دبره على صدق يوسف وكذبها.
стр. 557
ومما يدل على هذه القاعدة، أنه استدل بوجود الصُّواع في رحل أخيه على الحكم عليه بالسرقة، من غير بينة شهادة ولا إقرار، فعلى هذا إذا وجد المسروق في يد السارق، خصوصاً إذا كان معروفاً بالسرقة، فإنه يحكم عليه بالسرقة، وهذا أبلغ من الشهادة، وكذلك وجود الرجل يتقيأ الخمر، أو وجود المرأة التي لا زوج لها ولا سيد، حاملاً فإنه يقام بذلك الحد، ما لم يقم مانع منه، ولهذا سمى الله هذا الحاكم شاهدا فقال: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلُهَا﴾). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية العمل بالقرائن عند الاشتباه، ووجه استنباط ذلك
من الآية أن شاهد يوسف شهد بالقرينة، وهي مكان القطع من الثوب، فإذا كان القد من
الأمام فهو قرينة على صدقها، لأنه دال على إقباله، وإن كان القد من الخلف فهو قرينة على صدقه، لأنه دال على إدباره وهروبه.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الشنقيطي: (يفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين، وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب؛ لأن كون القميص مشقوقاً من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها، وهي تنوشه من خلفه) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، والهراسي، وابن عطية، وابن الفرس، والقرطبي، والطوفي، والألوسي، وابن عاشور. (٣)
стр. 558
تقديم الأهم فالأهم .
قال تعالى: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْلٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٧) وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٣٨)﴾ (يوسف: ٣٧ - ٣٨).
٢٧٢ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه يبدأ بالأهم فالأهم، وأنه إذا سئل المفتي، وكان السائل حاجته في غير سؤاله أشد أنه ينبغي له أن يعلمه ما يحتاج إليه قبل أن يجيب سؤاله، فإن هذا علامة على نصح المعلم وفطنته، وحسن إرشاده وتعليمه، فإن يوسف - لما سأله الفتيان عن الرؤيا - قدم لهما قبل تعبيرها دعوتهما إلى الله وحده لا شريك له). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية تقديم المفتي للسائل ما هو بحاجة إليه ولو لم يكن ضمن سؤاله، وأن هذا من باب تقديم الأهم فالمهم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف لما سأله الفتيان عن الرؤيا، بدأ بالكلام معهما عن التوحيد؛ لأنه الأهم في حقهما.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الزمخشري: (وهذه طريقة على كل ذي علم أن يسلكها مع الجهال والفسقة، إذا استفتاه واحد منهم أن يقدم الهداية والإرشاد والموعظة
стр. 559
والنصيحة أولاً، ويدعوه إلى ما هو أولى به وأوجب عليه مما استفتى فيه ثم يفتيه بعد ذلك) (١)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً من المفسرين: الرازي، والألوسي. (٢)
وهذه الطريقة في الفتيا تدل على فقه المُستفتَى، وحرصه على مصلحة المستفتِي التي ربما لا تظهر له وقد يفوت عليه إدراكها.
وقد ذكر بعض المفسرين (٣) أوجهاً أخرى لتقديم يوسف الكلام عن التوحيد قبل أن يفسر رؤيا الغلامين، من أهمها:
أولاً: لعله ﵇ أراد أن يبين أن درجته في العلم أعلى وأعظم مما اعتقدوا فيه.
ثانياً: لعله ﵇ لما علم أن ذلك الرجل سيصلب اجتهد في أن يدخله في الإسلام حتى لا يموت على الكفر، ولا يستوجب العقاب الشديد.
ثالثاً: أنه لما كان جواب أحد السائلين أنه يصلب، ولا شك أنه متى سمع ذلك عظم حزنه وتشتد نفرته عن سماع هذا الكلام، فرأى أن الصلاح أن يقدم قبل ذلك ما يؤثر معه بعلمه وكلامه، حتى إذا جاء بها من بعد ذلك خرج جوابه عن أن يكون بسبب تهمة وعداوة.
وما ذكره السعدي ومن وافقه لا يتنافى مع هذا الكلام؛ إذ الكلام هنا إنما هو تفسير لسبب التقديم وبيان الحاجة لتقديم الكلام عن التوحيد، وعلى أي حال فهو قدم الأهم في الفتيا، ولا يضر هنا بيان السبب الذي لأجله قُدم. والله أعلم.
стр. 560
بيان طريقة نافعة من طرق الجدال .
قال تعالى: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرَ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ (يوسف: ٣٩).
٢٧٣ - قال السعدي ﵀: (ومن فوائد القصة الإرشاد إلى طريق نافع من طرق الجدال، والمقابلة بين الحق والباطل، وهو بيان ما في الحق من الخير والمنافع العاجلة والآجلة، وما في الباطل من ضد ذلك، قال تعالى في دعوة يوسف للتوحيد: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرَ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٣٩)﴾ فذكر ما في الشرك من القبح وسوء الحال واتباع الظنون الباطلة، وأن كل طائفة من الشرك لهم معبود، إما نار أو صنم أو قبر أو ميت، أو غير ذلك من المعبودات المتفرقة التي لا تملك لنفسها ولا لأهلها نفعا ولا ضرا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا. وكل طائفة تضلل الأخرى، وكلهم ضالون هالكون، فهل هذه الأرباب والمعبودات خير أم الله الواحد القهار؟ فذكر له ثلاثة أوصاف عامة عظيمة: أنه الله الذي له الأسماء والصفات العليا، ومنه النعم كلها وبذلك استحق أن يكون الله المألوه، إله أهل الأرض وأهل السماء، وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله وأنه الواحد المتفرد بكل صفة كمال، المتوحد بنعوت الجلال والجمال، الذي لا شريك له في شيء من الأفعال ; وأنه القهار لكل شيء ; فجميع العالم العلوي والسفلي كلهم مقهورون بقدرته، خاضعون لعظمته، متذللون لعزته وجبروته، فمن هذه صفاته العظيمة هو الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، لا شريك له). ا. هـ (١)
стр. 561
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية دلالتها على طريقة نافعة من طرق الجدال وهي مقابلة بين الحق والباطل مع بيان ما في الحق من خير عاجل وآجل ما في الباطل من ضد ذلك، ووجه
استنباط ذلك من الآية أن يوسف بين لهؤلاء الفتيان في المجادلة معهم المقابلة بين الإله الذي يعبده، وبين الأرباب الذين يدعونهم من دون الله، وبين وجه كبير في الفرق وهو الوحدانية، والقدرة.
ولا شك أن هذه الطريقة نافعة جداً لمن أراد الله له الخير، كما أن فيها إقناعاً عقلياً بعظم الحق، وفيها كذلك إسقاط لراية الباطل، فما أن يقوم الحق إلا وتتهاوى أمامه رايات الباطل، وذلك ببيان مصالح الحق ومفاسد الباطل وهذا يكون بالمقابلة بين الحق والباطل.
تعبير الرؤيا فتوى شرعية .
قال تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ (يوسف: ٤١).
٢٧٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير المرائي داخل في الفتوى، لقوله للفتيين: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ وقال الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقال الفتى ليوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] الآيات، فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم). ا. هـ (١)
стр. 562
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن تعبير الرؤى داخل في الفتيا، فلا بد أن يكون عن علم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر في أكثر من آية في قصة يوسف أن تعبير الرؤيا فتيا.
والمقصود من ذلك أن الفتيا لا بد أن تكون عن علم، فكما لا يجوز التصدر للفتيا عن غير علم، لا يجوز التصدر لتعبير الرؤى من غير علم بأصول التعبير (١).
وهذا الاستنباط له فائدة في زماننا إذ انبرى لتعبير الرؤى خلق كثير، ولكن عندما يعلم بعضهم أن التعبير فتيا، فربما يرعوي ويترك التصدي لهذا الشأن خصوصاً لمعدومي الأهلية.
الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة .
قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرٌ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ (يوسف: ٤٢).
٢٧٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه لا بأس بالاستعانة بالمخلوق في الأمور العادية التي يقدر عليها بفعله أو قوله وإخباره كما قال يوسف للذي ظن أنه ناج
стр. 563
منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية، وهي جواز الاستعانة بالمخلوقين فيما يقدرون عليه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر عن يوسف استعانة بأحد الفتيين الذين استفتياه في الرؤيا طلب منه أن يذكره عند الملك، مما يدل على جواز الاستعانة بالمخلوقين فيما يقدرون عليه.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال القاسمي: (دلت الآية على جواز الاستعانة بمن هو مظنة كشف الغمة ولو مشركاً) (٢)، وممن قال بنحو ذلك من المفسرين: الزمخشري، وابن العربي، والرازي، والبيضاوي. (٣)
وقد أشار بعض المفسرين هنا إلى أن سبب لبث يوسف في السجن بضع سنين، أنه عندما طلب الاستعانة بالملك نسي الاستعانة بالله فعاقبه الله بأن لبث في السجن بضع سنين، قال الخازن: (والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه حتى ابتغى الفرج من غيره واستعان بمخلوق مثله في دفع الضرر وتلك غفلة عرضت ليوسف ﵇ فإن الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة إلا أنه لما كان مقام يوسف أعلى المقامات ورتبته أشرف
المراتب وهي منصب النبوة والرسالة لا جرم صار يوسف مؤاخذاً بهذا القدر فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين) (٤)، وأيدوا استنباطهم هذا بما جاء عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : (لو لم
стр. 564
يقل -يعني: يوسف -الكلمة التي قال: ما لبث في السجن طول ما لبث. حيث يبتغي الفرج من عند غير الله) (١).
وهذا الاستنباط مردود وغير صحيح للآتي:
أولاً: أن هذا لا يليق بصغار المؤمنين، أن يكون طلب استعانتهم بالمخلوقين سبباً في نسيانهم الاعتماد على الله، فكيف بنبي.
ثانياً: أن ما فعله يوسف إنما هو من باب بذل الأسباب التي يجب على الإنسان بذلها، ولا يليق في حقه غير ذلك.
ثالثاً: أما الحديث فالجواب عنه ما قاله ابن كثير حيث قال بعد إيراده: (وهذا الحديث ضعيف جداً؛ لأن سفيان بن وَكِيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد -هو الخُوزي -أضعف منه أيضاً، وقد رُوي عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما، وهذه المرسَلات هاهنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن. والله أعلم) (٢).
تقييد السنين المجدبات بالسبع دليل على أن ما بعدها فيه رخاء .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ (يوسف: ٤٩).
٢٧٦ - قال السعدي ﵀: (وأما قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩] أي يحصل للناس فيه غيث مغيث، تعيد الأراضي خصبها، ويزول عنها جدبها، وذلك مأخوذ من
стр. 565
تقييد السنين المجدبات بالسبع ; فدل هذا القيد على أنه يلي هذه السبع ما يزيل شدتها، ويرفع جدبها ; ومعلوم أن توالي سبع سنين مجدبات لا يبقي في الأرض من آثار الخضر والنوابت والزروع ونحوها لا قليلاً ولا كثيراً، ولا يرفع هذا الجدب العظيم إلا غيث عظيم ; وهذا ظاهر جدا، أخذه من رؤيا الملك ومن العجب أن جميع التفاسير التي وقفت عليها لم يذكروا هذا المعنى، مع وضوحه، بل قالوا: لعل يوسف ﷺ جاءه وحي خاص في هذا العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. والأمر لا يحتاج إلى ما ذكروه، بل هو ولله الحمد ظاهر من مفهوم العدد، وأيضاً ظاهر من السياق؛ فإنه جعل هذا التعبير والتفسير توضيحاً لرؤيا الملك). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن ذكر العام الذي يغاث فيه الناس مفهوم من الآية، ووجه استنباطه من الآية بمفهوم العدد، حيث إن السنين الشداد سبع سنين، فدل مفهوم ذلك أن بعد السبع السنين يأتي العام الذي يغاث الناس فيه.
ولم أجد من المفسرين من وافق السعدي على هذا الاستنباط، بل ذكر جمع من المفسرين أن هذا الإخبار لا بد أن يكون عن وحي، قال أبوالسعود: (وأحكامُ هذا العام المبارك ليست مستنبَطةً من رؤيا الملكِ وإنما تلقاها ﵇ من جهة الوحي) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وشهاب الدين خفاجي، والألوسي، ومحمد رشيد رضا (٣).