الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية دلالتها على طريقة نافعة من طرق الجدال وهي مقابلة بين الحق والباطل مع بيان ما في الحق من خير عاجل وآجل ما في الباطل من ضد ذلك، ووجه
استنباط ذلك من الآية أن يوسف بين لهؤلاء الفتيان في المجادلة معهم المقابلة بين الإله الذي يعبده، وبين الأرباب الذين يدعونهم من دون الله، وبين وجه كبير في الفرق وهو الوحدانية، والقدرة.
ولا شك أن هذه الطريقة نافعة جداً لمن أراد الله له الخير، كما أن فيها إقناعاً عقلياً بعظم الحق، وفيها كذلك إسقاط لراية الباطل، فما أن يقوم الحق إلا وتتهاوى أمامه رايات الباطل، وذلك ببيان مصالح الحق ومفاسد الباطل وهذا يكون بالمقابلة بين الحق والباطل.
تعبير الرؤيا فتوى شرعية .
قال تعالى: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ (يوسف: ٤١).
٢٧٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أن علم التعبير من العلوم الشرعية، وأنه يثاب الإنسان على تعلمه وتعليمه، وأن تعبير المرائي داخل في الفتوى، لقوله للفتيين: ﴿قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾ وقال الملك: ﴿أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ﴾ [يوسف: ٤٣] وقال الفتى ليوسف: ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ﴾ [يوسف: ٤٦] الآيات، فلا يجوز الإقدام على تعبير الرؤيا من غير علم). ا. هـ (١)
стр. 562
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن تعبير الرؤى داخل في الفتيا، فلا بد أن يكون عن علم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر في أكثر من آية في قصة يوسف أن تعبير الرؤيا فتيا.
والمقصود من ذلك أن الفتيا لا بد أن تكون عن علم، فكما لا يجوز التصدر للفتيا عن غير علم، لا يجوز التصدر لتعبير الرؤى من غير علم بأصول التعبير (١).
وهذا الاستنباط له فائدة في زماننا إذ انبرى لتعبير الرؤى خلق كثير، ولكن عندما يعلم بعضهم أن التعبير فتيا، فربما يرعوي ويترك التصدي لهذا الشأن خصوصاً لمعدومي الأهلية.
الاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه جائزة .
قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرٌ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (٤٢)﴾ (يوسف: ٤٢).
٢٧٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه لا بأس بالاستعانة بالمخلوق في الأمور العادية التي يقدر عليها بفعله أو قوله وإخباره كما قال يوسف للذي ظن أنه ناج
стр. 563
منهما: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مسألة عقدية، وهي جواز الاستعانة بالمخلوقين فيما يقدرون عليه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر عن يوسف استعانة بأحد الفتيين الذين استفتياه في الرؤيا طلب منه أن يذكره عند الملك، مما يدل على جواز الاستعانة بالمخلوقين فيما يقدرون عليه.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال القاسمي: (دلت الآية على جواز الاستعانة بمن هو مظنة كشف الغمة ولو مشركاً) (٢)، وممن قال بنحو ذلك من المفسرين: الزمخشري، وابن العربي، والرازي، والبيضاوي. (٣)
وقد أشار بعض المفسرين هنا إلى أن سبب لبث يوسف في السجن بضع سنين، أنه عندما طلب الاستعانة بالملك نسي الاستعانة بالله فعاقبه الله بأن لبث في السجن بضع سنين، قال الخازن: (والمعنى أن الشيطان أنسى يوسف ذكر ربه حتى ابتغى الفرج من غيره واستعان بمخلوق مثله في دفع الضرر وتلك غفلة عرضت ليوسف ﵇ فإن الاستعانة بالمخلوق في دفع الضرر جائزة إلا أنه لما كان مقام يوسف أعلى المقامات ورتبته أشرف
المراتب وهي منصب النبوة والرسالة لا جرم صار يوسف مؤاخذاً بهذا القدر فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين) (٤)، وأيدوا استنباطهم هذا بما جاء عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ : (لو لم
стр. 564
يقل -يعني: يوسف -الكلمة التي قال: ما لبث في السجن طول ما لبث. حيث يبتغي الفرج من عند غير الله) (١).
وهذا الاستنباط مردود وغير صحيح للآتي:
أولاً: أن هذا لا يليق بصغار المؤمنين، أن يكون طلب استعانتهم بالمخلوقين سبباً في نسيانهم الاعتماد على الله، فكيف بنبي.
ثانياً: أن ما فعله يوسف إنما هو من باب بذل الأسباب التي يجب على الإنسان بذلها، ولا يليق في حقه غير ذلك.
ثالثاً: أما الحديث فالجواب عنه ما قاله ابن كثير حيث قال بعد إيراده: (وهذا الحديث ضعيف جداً؛ لأن سفيان بن وَكِيع ضعيف، وإبراهيم بن يزيد -هو الخُوزي -أضعف منه أيضاً، وقد رُوي عن الحسن وقتادة مرسلا عن كل منهما، وهذه المرسَلات هاهنا لا تقبل لو قبل المرسل من حيث هو في غير هذا الموطن. والله أعلم) (٢).
تقييد السنين المجدبات بالسبع دليل على أن ما بعدها فيه رخاء .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ (يوسف: ٤٩).
٢٧٦ - قال السعدي ﵀: (وأما قوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾ [يوسف: ٤٩] أي يحصل للناس فيه غيث مغيث، تعيد الأراضي خصبها، ويزول عنها جدبها، وذلك مأخوذ من
стр. 565
تقييد السنين المجدبات بالسبع ; فدل هذا القيد على أنه يلي هذه السبع ما يزيل شدتها، ويرفع جدبها ; ومعلوم أن توالي سبع سنين مجدبات لا يبقي في الأرض من آثار الخضر والنوابت والزروع ونحوها لا قليلاً ولا كثيراً، ولا يرفع هذا الجدب العظيم إلا غيث عظيم ; وهذا ظاهر جدا، أخذه من رؤيا الملك ومن العجب أن جميع التفاسير التي وقفت عليها لم يذكروا هذا المعنى، مع وضوحه، بل قالوا: لعل يوسف ﷺ جاءه وحي خاص في هذا العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. والأمر لا يحتاج إلى ما ذكروه، بل هو ولله الحمد ظاهر من مفهوم العدد، وأيضاً ظاهر من السياق؛ فإنه جعل هذا التعبير والتفسير توضيحاً لرؤيا الملك). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن ذكر العام الذي يغاث فيه الناس مفهوم من الآية، ووجه استنباطه من الآية بمفهوم العدد، حيث إن السنين الشداد سبع سنين، فدل مفهوم ذلك أن بعد السبع السنين يأتي العام الذي يغاث الناس فيه.
ولم أجد من المفسرين من وافق السعدي على هذا الاستنباط، بل ذكر جمع من المفسرين أن هذا الإخبار لا بد أن يكون عن وحي، قال أبوالسعود: (وأحكامُ هذا العام المبارك ليست مستنبَطةً من رؤيا الملكِ وإنما تلقاها ﵇ من جهة الوحي) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، والرازي، والقرطبي، والبيضاوي، وشهاب الدين خفاجي، والألوسي، ومحمد رشيد رضا (٣).
стр. 566
وقد قال بعض المفسرين أن استنباط يوسف لعام الإغاثة هو من باب أن انتهاء الجدب بالخصب، أو بأن السنة الإِلهية على أن يوسع الله على عباده بعدما ضيق عليهم، قال ابن عاشور: (فهو بشارة وإدخال المسرة والأمل بعد الكلام المؤيس، وهو من لازم انتهاء مدة الشدة، ومن سنن الله تعالى في حصول اليسر بعد العسر) (١)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً: محيي الدين شيخ زاده (٢).
وما ذهب إليه السعدي استنباط قوي من الرؤيا، إذ هو مؤيد بمفهوم العدد، ولا يمنع أنه فهم ذلك كذلك من حصول اليسر بعد العسر، وأن زمن الشدة لا بد أن يكون بعده فرج.
وأما كون ذلك وحي فلا حاجة إلى ذلك إذ الدلائل تدل عليه من غير حاجة إلى الوحي كما ذكره السعدي. والله أعلم.
دفع التهمة عن النفس أمر لا يلام عليه الإنسان .
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠)﴾ (يوسف: ٥٠).
٢٧٧ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه لا يلام الإنسان على السعي في دفع التهمة عن نفسه، وطلب البراءة لها، بل يحمد على ذلك، كما امتنع يوسف عن
стр. 567
الخروج من السجن حتى تتبين لهم براءته بحال النسوة اللاتي قطعن أيديهن). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الإنسان لا يلام على دفع التهمة عن نفسه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف امتنع عن الخروج من السجن دفعاً للتهمة التي وجهت له بسبب النسوة حتى ثبتت براءته.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال البيضاوي: (وفيه دليل على أنه ينبغي أن يجتهد في نفي التهم ويتقي مواقعها) (٢)، وقال السيوطي: (فيه سعي الإنسان في براءة نفسه، لئلا يُتهم بخيانة أونحوها، خصوصاً الأكابر ومن يُقتدى بهم) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين: الجصاص، وإلكيا الهراسي، والرازي، والألوسي، ومحمد رشيد رضا (٤).
ويؤيد هذا المعنى المستنبط ما قاله النبي ﷺ لرجلين من الأنصار مرا عليه ومعه صفية بنت حيي، فقال: (على رسلكما إنها صفية بنت حيي، فقالا: سبحان الله يا رسول الله قال: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما شراً) (٥)، قال النووي في شرحه
стр. 568
لهذا الحديث: (وفيه استحباب التحرز من التعرض لسوء ظن الناس في الإنسان، وطلب السلامة والاعتذار بالأعذار الصحيحة، وأنه متى فعل ما قد ينكر ظاهره مما هو حق، وقد يخفى، أن يبين حاله ليدفع ظن السوء) (١).
لا بأس أن يخبر الإنسان عن صفات الكمال في نفسه .
قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ (يوسف: ٥٥).
٢٧٨ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه لا بأس أن يخبر الإنسان عما في نفسه من صفات الكمال من علم أو عمل، إذا كان في ذلك مصلحة، ولم يقصد به العبد الرياء، وسلم من الكذب، لقول يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ وكذلك لا تذم الولاية، إذا كان المتولي فيها يقوم بما يقدر عليه من حقوق الله وحقوق عباده، وأنه لا بأس بطلبها، إذا كان أعظم كفاءة من غيره، وإنما الذي يذم، إذا لم يكن فيه كفاية، أو كان موجودا غيره مثله، أو أعلى منه، أو لم يرد بها إقامة أمر الله، فبهذه الأمور، ينهى عن طلبها، والتعرض لها). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن إخبار الإنسان عن نفسه بصفات
стр. 569
الكمال جائز إذا لم يكن في ذلك كذب أو رياء، وكان في هذا الإخبار مصلحة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف طلب من العزيز أن يتولى خزائن الأرض، وأخبر عن نفسه بأنه حفيظ عليم، ولم يُلم على ذلك.
وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الألوسي: (وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جهل أمره، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلاً وكان متعيناً لذلك) (١)، وممن قال بذلك من
المفسرين أيضاً: الجصاص، والقصاب الكرجي، وإلكيا الهراسي، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، ابن كثير، والبيضاوي، وأبوالسعود، والسيوطي، وابن عاشور. (٢)
وقد يشكل على هذا الاستنباط النهي الوارد عن تزكية النفس في قوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] وكذلك النهي الوارد عن طلب الإمارة كما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة قال: (قال رسول الله ﷺ : يا عبد الرحمن لا تسأل الإمارة فإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها) (٣).
والجواب عن ذلك كالآتي:
стр. 570
أولاً: مدح النفس بما فيها للمصلحة ليس بمحرم إنما المحرم إذا كان المراد التطاول، والوصول إلى غير ما يحل، قال الرازي: (مدح النفس إنما يكون مذموماً إذا قصد الرجل به التطاول والتفاخر والتوصل إلى غير ما يحل، فأما على غير هذا الوجه فلا نسلم أنه محرم فقوله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢] المراد منه تزكية النفس حال ما يعلم كونها غير متزكية) (١).
ثانياً: أما الحديث فالجواب عنه: أن طلب الولاية المنهي عنه إذا كان هناك من يساويه في الفضل؛ لأن طلبها مع وجود غيره ممن هو أكفأ يدل على أنه يريد نفع نفسه لا يريد نفع الخلق، أما إذا لم يكن هناك غيره، وكان يريد نفع الخلق فالواجب عليه أن يتقدم لهذه الولاية وليست من باب النهي الوارد حينئذ، وعند التأمل في الولاية التي طلبها يوسف نجد أنه كان كفواً ليس لا ينافسه غيره، كما أنه يريد نفع الناس إذ طلب أمراً يرى احتياج الناس إليه فيه، قال ابن عاشور: (وهذه الآية أصل لوجوب عرض المرء نفسه لولاية عمل من أمور الأمة إذا علم أنه لا يصلح له غيره لأن ذلك من النصح للأمة، وخاصة إذا لم يكن ممّن يتهم على إيثار منفعة نفسه على مصلحة الأمة. وقد علم يوسف ﵇ أنه أفضل الناس هنالك لأنه كان المؤمن الوحيد في ذلك القطر، فهو لإيمانه بالله يبث أصول الفضائل التي تقتضيها شريعة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب ﵈، فلا يعارض هذا ما جاء في حديث عبد الرحمن بن سمرة؛ لأن عبد الرحمان بن سمرة لم يكن منفرداً بالفضل من بين أمثاله ولا راجحاً على جميعهم) (٢)، وقال الخازن: (قلت إنما يكره طلب الإمارة إذا لم يتعين عليه طلبها فإذا تعين عليها طلبها وجب ذلك عليه ولا كراهية فيه، وقيل إنه علم انه سيحصل قحط وشدة إما بطريق الوحي من الله أو بغيره وربما أفضى ذلك إلى هلاك معظم الخلق، وكان في طلب الإمارة إيصال
стр. 571
الخير والراحة إلى المستحقين وجب عليه طلب الأمارة لهذا السبب) (١).
اعتبار الكفاءة والأمانة في الولايات والوظائف .
قال تعالى: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ (يوسف: ٥٥).
٢٧٩ - قال السعدي ﵀: (قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥]، ﴿إِن خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]. يدل على اعتبار الكفاءة والأمانات في الولايات والوظائف كلها بحسب ما يليق بالولاية، فإن لم يحصل الأكمل في هذه الصفات فالأمثل فيها). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين، استنباطاً متعلقاً بالسياسة الشرعية وهو اعتبار الكفاءة والأمانة في الولايات والوظائف من الأمور المعتبرة شرعاً، بحسب كل ولاية ما تحتاج، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف عرض نفسه بالكفاءة لهذا المنصب الذي طلبه وكانت كفاءته الأمانة والعلم، وموسى كانت كفاءته القوة والأمانة، فأخذ السعدي من ذلك اعتبار الكفاءة في الولايات.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (فليس عليه أن يستعمل إلا أصلح الموجود، وقد لا يكون في موجوده من هو أصلح لتلك الولاية، فيختار الأمثل فالأمثل في كل منصب بحسبه، وإذا فعل ذلك بعد الاجتهاد التام،
стр. 572
وأخذه للولاية بحقها، فقد أدى الأمانة، وقام بالواجب في هذا، وصار في هذا الموضع من أئمة العدل المقسطين عند الله، وينبغي أن يعرف الأصلح في كل منصب، فإن الولاية لها ركنان: القوة والأمانة. كما قال تعالى: ﴿إِن خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]) (١).
وهذا الاستنباط تأصيل لما يسمى اليوم في علم الإدارة الكفاءة الإدارية، وهو كون المدير يحصل على مجموعة من الصفات الإدارية حتى يحصل على هذه الدرجة.
كما أن هذا الاستنباط يستفاد منه محاربة المحسوبية والوساطة التي من شأنها تقديم من ليس كفؤاً؛ لأن ضرر تقديم من كان كذلك يكون على المصلحة العامة للناس.
انعقاد العقود بما يدل عليها من قول وفعل .
قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٦٢)﴾ (يوسف: ٦٢).
٢٨٠ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أن العقود تنعقد بما يدل عليها من قول وفعل، لا فرق بين عقود التبرعات وعقود المعاوضات (٢)، لأن يوسف ﷺ ملك
стр. 573
إخوته بضاعتهم التي اشتروا بها ميرتهم من حيث لا يشعرون، ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم في رحالهم، الآية، وذلك من دون إيجاب وقبول قولي، لأن الفعل والرضى يدل على ذلك). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن العقود تنعقد بما يدل عليها من قول أو فعل، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف رد بضاعة إخوته في رحالهم دون أن يخبرهم بها، ودون أن يكون هناك إيجاب أو قبول من الطرفين، مما يدل على أن العقود تنعقد بما يدل عليها.
استعمال الأسباب الدافعة للعين جائز .
قال تعالى: ﴿وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ (٦٧)﴾ (يوسف: ٦٧).
٢٨١ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أن استعمال الأسباب الدافعة للعين أو غيرها من المكاره، أو الرافعة لها بعد نزولها، غير ممنوع، بل جائز، وإن كان لا يقع شيء إلا بقضاء وقدر، فإن الأسباب أيضاً من القضاء والقدر، لأمر
стр. 574
يعقوب حيث قال لبنيه: ﴿يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية استعمال الأسباب الدافعة للعين، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يعقوب أمر أبناءه أن يدخلوا من أبواب متفرقة، حتى لا ترصدهم عين حاسد إذا دخلوا جميعاً؛ إذ دخولهم جميعاً يلفت النظر، ويستدعي حصول مثل ذلك.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال القصاب: (حجة في الاحترازات خشية العين؛ لأن يعقوب ﷺ ، نبي وقد فكر في هذا) (٢)، وقال السيوطي: (ففيه أن العين حق، وأن الحذر لا يرد القدر، ومع ذلك لا بد من ملاحظة الأسباب) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: البغوي، والجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن العربي، وابن عطية، والرازي، والقرطبي، والطوفي، وأبوحيان، والبيضاوي، والألوسي، والشوكاني. (٤)
والعين حق كما جاء في حديث ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله قال: (العين حق ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم
стр. 575
فاغسلوا) (١)، وهذا الحديث واضح الدلالة على أثر العين.
وقد جاء في الشريعة الإسلامية الحث على اتخاذ بعض الأسباب الواقية من العين منها:
أولاً: اجتناب من عرف بالعين والتحرز منه.
ثانياً: الرقية الواقية من العين.
ثالثاً: الاغتسال ممن طلب منه ذلك، لكي يغتسل به المصاب، فهو أفضل العلاج كما قرره النبي ﷺ ، والواقع يشهد بذلك أيضاً (٢).
جواز استعمال الحيل التي يُتوصل بها إلى الحقوق .
قال تعالى: ﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ (٧٦)﴾ (يوسف: ٧٦).
٢٨٢ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: جواز استعمال المكايد التي يتوصل بها إلى الحقوق، وأن العلم بالطرق الخفية الموصلة إلى مقاصدها مما يحمد عليه العبد، وإنما الممنوع، التحيل على إسقاط واجب، أو فعل محرم). ا. هـ (٣)
стр. 576
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز استخدام الحيل والمكايد التي يتوصل بها إلى الحقوق، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف وضع السقاية في رحل أخيه؛ ليتوصل بها إلى بقائه عنده.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الشوكاني: (وفي الآية دليل على جواز التوصل إلى الأغراض الصحيحة بما صورته صورة الحيلة والمكيدة إذا لم يخالف ذلك شرعاً ثابتاً) (١)، وقال الجصاص: (وفيما حكى الله تعالى من أمر يوسف وما عامل به إخوته في قوله: ﴿فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ دلالة على
إجازة الحيلة في التوصل إلى المباح واستخراج الحقوق وذلك لأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ولم ينكره) (٢)، وقال ابن القيم: (وفيها تنبيه على أن العلم الذي يتوصل به إلى المقاصد الحسنة مما يرفع الله به درجات العبد) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: إلكيا الهراسي، وابن العربي، والزمخشري. (٤)
وقد ذكر بعض المفسرين وجهاً آخر لهذا الاستنباط وهو جواز الوصول إلى الحق بأي صورة، وجعلوا في ذلك إطلاقاً، حيث يفهم منه استخدام الحيل ولو غير المشروعة، وممن قال بذلك الحنفية، قال ابن العربي: (خلافاً لأبي حنيفة في تجويزه الحيل، وإن خالفت الأصول، وخرمت التحليل) (٥).
وهذا الاستنباط باطل، وغير جائز، قال ابن القيم: (فصل: استنباط
стр. 577
خاطيء من قصة يوسف، وقد احتج بعض الفقهاء بقصة يوسف على أنه جائز للإنسان التوصل إلى أخذ حقه من الغير بما يمكنه الوصول إليه بغير رضا من عليه الحق، قال شيخنا ﵁-يعني ابن تيمية- وهذه الحجة ضعيفة فإن يوسف لم يكن يملك حبس أخيه عنده بغير رضاه ولم يكن هذا الأخ ممن ظلم يوسف حتى يقال إنه قد اقتص منه وإنما سائر الإخوة هم الذين كانوا قد فعلوا ذلك. . . ولم يكن قصد يوسف باحتباس أخيه الانتقام من إخوته فإنه كان أكرم من هذا وكان في ذلك من الإيذاء لأبيه أعظم مما فيه من إيذاء إخوته وإنما هو أمر أمره الله به ليبلغ الكتاب أجله ويتم البلاء الذي استحق به يعقوب ويوسف قصد القصاص منهم بذلك فليس هذا موضع الخلاف بين العلماء فإن الرجل له أن يعاقب بمثل ما عوقب به وإنما موضع الخلاف هل يجوز له أن يسرق أو يخون من سرقه أو خانه مثل ما سرق منه أو خانه إياه.
وقصة يوسف لم تكن من هذا الضرب نعم لو كان يوسف أخذ أخاه بغير أمره لكان لهذا المحتج شبهة مع أنه لا دلالة في ذلك على هذا التقدير أيضا فإن مثل هذا لا يجوز في شرعنا بالاتفاق وهو أن يحبس رجل برئ ويعتقل للانتقام من غيره من غير أن يكون له جرم ولو قدر إن ذلك وقع من يوسف فلا بد أن يكون بوحي من الله ابتلاء منه لذلك المعتقل كما ابتلى إبراهيم بذبح ابنه فيكون المبيع له على هذا التقدير وحيا خاصا كالوحي الذي جاء إبراهيم بذبح ابنه وتكون حكمته في حق المبتلى امتحانه وابتلاؤه لينال درجة الصبر على حكم الله والرضا بقضائه) (١).
لكل نفس ما كسبت ولا تزر وازرة وزر أخرى .
قال تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ (يوسف: ٧٩).
стр. 578
٢٨٣ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: الدلالة على الأصل الكبير الذي أعاده الله وأبداه في كتابه: أن لكل نفس ما كسبت من الخير والثواب، وعليها ما اكتسبت من الشر والعقاب، وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى، لقوله: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن لكل نفس ما كسبت من الخير، وعليها ما اكتسبت من الشر، وأنه لاتزر وازرة وزر أخرى، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف ﵊ لم يأخذ أحداً من إخوتة بدلاً عن من وجد المتاع في رحله، وبين سبب عدم مؤاخذة الغير أن فيه ظلماً، مما يدل على أنه لاتزر وازرة وزر أخرى.
ومما يدل على ذلك من الآية أنه صدّر الرفض بالتعوذ بالله، والتعوذ لا يكون إلا من شيء لا يرضاه الله، فدل على أن مؤاخذة الغير بما فعله غيره، غير جائز.
يكون الإحسان إحساناً إذا لم يتضمن فعل محرم أوترك واجب .
قال تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ (يوسف: ٧٩).
٢٨٤ - قال السعدي ﵀: (ويؤخذ منه -أي من قصة
стр. 579
يوسف- مسألة دقيقة، وهو أن الإحسان إنما يكون إحساناً إذا لم يتضمن فعل محرم أو ترك واجب، فإنهم طلبوا من يوسف أن يحسن إليهم بترك هذا الأخ أن يذهب إلى أبيه ويأخذ أحدهم بدله ; فامتنع وقال: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ [يوسف: ٧٩] فالإحسان إذا تضمن ترك العدل كان ظلماً، ولهذا كان تخصيص بعض الأولاد على بعض، وبعض الزوجات على بعض - وإن كان إحساناً إلى المخصص والمفضل - لا يجوز لأنه ترك للعدل، وكذلك ما أشبه ذلك، والله أعلم). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً سلوكياً وهو أن الإحسان إنما يكون إحساناً إذا لم يتضمن فعل محرم، أوترك واجب، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف امتنع عن مؤاخذة غير من وجد السقاية في رحله؛ لأن هذا وإن كان إحساناً إلا أنه تضمن مؤاخذة غير المقصود، فلم يكن حينئذ إحساناً.
وهذا المعنى المستنبط تدل عليه أدلة كثيرة منها ما أشار إليه السعدي وهو ميل الرجل إلى إحدى زوجتيه فهذا وإن كان إحساناً إليها لكنه غير جائز؛ لأنه تضمن ترك العدل، فالمعنى المستنبط صحيح في ذاته، ولكن استنباطه من هذه الآية فيه نظر؛ إذ امتناع يوسف عن مؤاخذة غير أخيه لقصد أنه يريده هو دون غيره، كما أنه يعلم أنه غير سارق في الأصل وإنما هي حيلة لأجل بقائه عنده، فأخذ غيره ليس فيه فعل محرم ولا ترك واجب. والله أعلم.
стр. 580
جواز استعمال المعاريض القولية أو الفعلية المانعة من الكذب .
قال تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ (يوسف: ٧٩).
٢٨٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أنه ينبغي لمن أراد أن يوهم غيره، بأمر لا يحب أن يطلع عليه، أن يستعمل المعاريض (١) القولية والفعلية المانعة له من الكذب، كما فعل يوسف حيث ألقى الصُّواع في رحل أخيه، ثم استخرجها منه، موهماً أنه سارق، وليس فيه إلا القرينة الموهمة لإخوته، وقال بعد ذلك: ﴿مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ﴾ ولم يقل "من سرق متاعنا" وكذلك لم يقل "إنا وجدنا متاعنا عنده" بل أتى بكلام عام يصلح له ولغيره، وليس في ذلك محذور، وإنما فيه إيهام أنه سارق ليحصل المقصود الحاضر، وأنه يبقى عند أخيه وقد زال عن الأخ هذا الإيهام بعد ما تبينت الحال). ا. هـ (٢)
стр. 581
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز استخدام المعاريض القولية والفعلية المانعة من الكذب، ووجه استنباط ذلك من الآية أن يوسف استخدمها عندما وضع السقاية في رحل أخيه، فعند استخراجها قال كلمة تصلح لأكثر من معنى وهي قوله من وجدنا متعانا عنده، فهي تحتمل عنده سارقاً لها، وتحتمل عنده لغير ذلك، فكان في استخدام هذا اللفظ مندوحة عن التصريح بالكذب، ومن هنا استنبط السعدي جواز استخدام المعاريض عند الحاجة إليها.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال القصاب: (حجة في جواز المعاريض) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن تيمية، وأبوالسعود (٢).
ومما يؤيد المعنى المستنبط ما قاله البخاري في صحيحه: باب المعاريض مندوحة عن الكذب (٣)، وقال إسحق سمعت أنساً، مات ابن لأبي طلحة فقال كيف الغلام؟ قالت أم سليم هدأ نفسه وأرجو أن يكون قد استراح، وظن أنها صادقة (٤)، قال ابن حجر: (وفي الحديث: مشروعية المعاريض الموهمة إذا دعت الضرورة إليها) (٥).
стр. 582
سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه ليس بممنوع .
قال تعالى: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا (٨٣)﴾ (يوسف: ٨٣).
٢٨٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها -أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه غير ممنوع ولا محرم، فإن يعقوب قال لأولاده بعد ما امتنع من إرسال يوسف معهم حتى عالجوه أشد المعالجة، ثم قال لهم بعد ما أتوه، وزعموا أن الذئب أكله ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ وقال لهم في الأخ الآخر: ﴿هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ﴾ [يوسف: ٦٤]
ثم لما احتبسه يوسف عنده، وجاء إخوته لأبيهم قال لهم: ﴿قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ فهم في الأخيرة - وإن لم يكونوا مفرطين - فقد جرى منهم ما أوجب لأبيهم أن قال ما قال، من غير إثم عليه ولا حرج). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن سوء الظن مع وجود القرائن الدالة عليه ليس بمحرم، ووجه استنباط ذلك أن يعقوب قال لأولاده لما رجعوا إليه وأخبروه عن ابنه الثاني قال لهم بل فعلتم به ما فعلتم بيوسف من قبل، وأساء الظن بهم مستدلاً عليه بفعلهم الأول.
وقد أشار بعض المفسرين إلى نحو من ذلك، قال ابن عاشور: (وأما تهمته أبناءه بأن يكونوا تمالؤوا على أخيهم بنيامين فهو ظن مستند إلى
стр. 583
القياس على ما سبق من أمرهم في قضية يوسف ﵇ (١)، وممن أشار إلى ذلك أيضاً: ابن كثير، وأبوحيان (٢).
وقيل إن القرينة التي استند إليها يعقوب في ظنه هو كون المؤاخذة على السرقة ليست من دين هؤلاء بل هي من دين يعقوب، فقام ذلك مقام القرينة، وأورثه شبهة لاتهامهم بقصد السوء لأخيهم (٣).
الإيمان الكامل واليقين بالله الذي اتصف به يوسف .
٢٨٧ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: فضل الإيمان الكامل واليقين والطمأنينة بالله وبذكره حيث اتصف بها يوسف ﷺ فأوجبت له الثبات في أموره كلها والاشتغال فيما هو يصدره من وظائفه الحاضرة، وهو في أحواله وتنقلاته مطمئن القلب ثابت النفس ليس عنده قلق لبعده عن أبيه وأحبابه، مع ما يعلمه من شدة الشوق والحب المفرط بينه وبين والديه خصوصا أبوه يعقوب، وهو يعلم المكان الذي هو فيه ويتمكن من مراسلته، ولكن اقتضت حكمة الله أن لا يحصل اللقاء إلا في تلك الحال التي اشتدت مشقتها وعظمت شدتها، فأعانه الله وأيده بروح منه، وهذا من أجل ثمرات الإيمان). ا. هـ (٤)
الدراسة:
استنبط السعدي من عموم الأحوال التي مر بها يوسف عليه الصلاة
стр. 584
والسلام، اتصافه بالإيمان الكامل، واليقين بالله، ووجه استنباط ذلك من الأحوال التي مر بها يوسف ﵊ أنه تمكن من الذهاب إليه أبيه واللقاء بأحبابه الذين طال فراقه لهم، وكان يعرف المكان والطريق، ولكنه لم يذهب لأنه مطمئن واثق بالله في أنه لا بد أن يحصل اللقاء، ولكن في الوقت الذي يختاره الله، وهذا الثبات لا يكون إلا من قلب قد امتلأ إيماناً وثقة بالله، ومن هنا استنبط السعدي اتصاف يوسف بذلك.
وهذا الاستنباط فيه إشارة إلى أن المسلم ينبغي أن يسعى أن يكون متصفاً بهذه الصفة التي تضمن له السعادة والثبات في هذه الحياة.
رجاء الرحمة يكون حسب إيمان العبد .
قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ (يوسف: ٨٧).
٢٨٨ - قال السعدي ﵀: (ودل هذا على أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أنه بحسب إيمان العبد يكون رجاؤه لرحمة الله وروحه، ووجه استنباط ذلك من مفهوم المخالفة في الآية، حيث بين الله أن اليأس إنما يكون من الكافرين، فدل مفهوم المخالفة أن الرجاء في رحمة الله يكون من المؤمنين، فكلما زاد إيمان العبد كلما زاد رجاؤه فيما عند الله.
стр. 585
ومن هذا الاستنباط يستطيع الإنسان أن يقيس إيمانه؛ إذ عند حدوث الملمات يكون الرجاء في رحمة الله هو علامة إيمان العبد، بينما اليأس والاستسلام علامة من علامات ضعف الإيمان بالله، وإنما كان اليأس علامة من علامات الضعف الإيماني لأنه ناتج عن عدم الثقة بقدرة الله على تغيير الأمور، أو عدم علم الله بهذا الأمر، أما عند اكتمال اليقين بقدرة الله وعلمه فهنا يكون الرجاء في الله عظيماً.
فالرجاء في الله والاتصال الوثيق به يتجلى في قلوب الصفوة المختاره؛ فيصبح عندها أصدق من الواقع المحسوس الذي تلمسه الأيدي وتراه الأبصار. (١)
جواز الإخبار بما يجد الإنسان من مرض أو فقر على غير وجه التسخط .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ (٨٨)﴾ (يوسف: ٨٨).
٢٨٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: جواز إخبار الإنسان بما يجد، وما هو فيه من مرض أو فقر ونحوهما، على غير وجه التسخط، لأن إخوة يوسف قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ ولم ينكر عليهم يوسف). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز إخبار الإنسان عن نفسه بما
стр. 586
يعانيه من مرض أو فقر ونحو ذلك إذا لم يكن على سبيل التشكي والتسخط، ووجه استنباط ذلك من الآية أن إخوة يوسف شكوا عليه حالهم، وأقرهم على ذلك، فلو كان غير جائز لأنكر عليهم.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الجصاص: (لما ترك يوسف ﵇ النكير عليهم في قوله: ﴿مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ﴾ دل ذلك على جواز إظهار مثل ذلك عند الحاجة إليه وأنه لا يجري مجرى الشكوى من الله تعالى) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن الفرس، والقرطبي، والقاسمي، والشوكاني. (٢)
ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث عائشة ﵂، حين قالت للنبي ﷺ : وا رأساه، فقال رسول الله ﷺ " ذاك لو كان وأنا حي، فأستغفر لك وأدعو لك "، فقالت عائشة واثكلياه، والله إنى لأظنك تحب موتى، ولوكان ذاك لظللت آخر يومك معرساً ببعض أزواجك، فقال النبي ﷺ : بل أنا وارأساه) (٣)، وبوب البخاري على هذا الحديث قائلاً: باب ما رخص للمريض أن يقول أنا وجع، أو وا رأساه، أو اشتد بي الوجع، وقول أيوب ﵇: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ (٤) [الأنبياء: ٨٣].، قال ابن حجر نقلاً عن القرطبي: (وأما مجرد التشكي فليس مذموماً حتى يحصل التسخط للمقدور) (٥).
стр. 587
العبرة بكمال النهاية لا بنقص البداية .
قال تعالى: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (٩١)﴾ (يوسف: ٩١).
٢٩٠ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة يوسف-: أن العبرة في حال العبد بكمال النهاية، لا بنقص البداية، فإن أولاد يعقوب ﵇ جرى منهم ما جرى في أول الأمر، مما هو أكبر أسباب النقص واللوم، ثم انتهى أمرهم إلى التوبة النصوح، والسماح التام من يوسف ومن أبيهم، والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة، وإذا سمح العبد عن حقه، فالله خير الراحمين.
ولهذا - في أصح الأقوال - أنهم كانوا أنبياء (١) لقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ وهم أولاد يعقوب الاثنا عشر وذريتهم، ومما يدل على ذلك أن في رؤيا يوسف، أنه رآهم كواكب نيرة، والكواكب فيها النور والهداية الذي من صفات الأنبياء، فإن لم يكونوا أنبياء فإنهم علماء هداة). ا. هـ (٢)
стр. 588
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن العبرة في أحوال العباد بكمال النهاية لا بنقص البداية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن إخوة يوسف كانت بدايتهم التآمر على يوسف ولكن لا يعد ذلك من المعايب التي يعابون بها إلى الآن؛ لأن كمال نهايتهم بالتوبة أصلح عيبهم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وكان عمر وخالد بن الوليد ﵄ من أشد الناس على الإسلام فلما أسلما تقدما على من سبقهما إلى الإسلام. . . وهذا وغيره مما يبين أن الاعتبار بكمال النهاية لا بنقص البداية) (١).
وهكذا في الحكم على العباد ينبغي أن يكون بالمآل الذي آلوا إليه لا بالبداية التي بدأوها وهذا فيه إنصاف في الحكم على الآخرين، كما أن فيه تشجيع على الإقلاع عن المعايب لأن الأحوال التي بعدها هي التي عليها المعول.
стр. 589
سورة إبراهيم
علوم العربية مما ينبغي تعلمها؛ لتوقف بيان القرآن على ذلك .
قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ (٤)﴾ (إبراهيم: ٤).
٢٩١ - قال السعدي ﵀: (ويستدل بهذه الآية الكريمة (١) على أن علوم العربية الموصلة إلى تبيين كلامه وكلام رسوله أمور مطلوبة محبوبة لله لأنه لا يتم معرفة ما أنزل على رسوله إلا بها إلا إذا كان الناس بحالة لا يحتاجون إليها، وذلك إذا تمرنوا على العربية، ونشأ عليها صغيرهم وصارت طبيعة لهم فحينئذ قد اكتفوا المؤنة، وصلحوا لأن يتلقوا عن الله وعن رسوله ابتداء كما تلقى عنهم الصحابة ﵃. ا. هـ (٢)
стр. 590
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن تعلم علوم العربية أمر مطلوب، ووجه استنباط ذلك من الآية أن علوم العربية هي التي يتم بها تبيين كلام الله، وتبيين كلام الله لا يتم إلا بذلك، فكان تعلم العربية أمراً مطلوباً.
وعلم اللغة العربية من أهم شروط المفسر الذي يريد أن يعرف معنى كلام الله، قال السيوطي في معرض كلامه عن العلوم التي يحتاج المفسر إليها: (أحدها: اللغة لأن بها يعرف شرح مفردات الألفاظ ومدلولاتها بحسب الوضع، قال مجاهد: لا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يتكلم في كتاب الله إذا لم يكن عالماً بلغات العرب، الثاني: النحو، الثالث: التصريف، الرابع: الاشتقاق، الخامس والسادس، والسابع: المعاني، والبيان، والبديع). (١)
стр. 591
سورة الحجر
التأكيد بعد التأكيد في سجود الملائكة ليدل على أنه لم يتخلف منهم أحد .
قال تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ (الحجر: ٣٠).
٢٩٢ - قال السعدي ﵀: (﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾ تأكيد بعد تأكيد ليدل على أنه لم يتخلف منهم أحد، وذلك تعظيماً لأمر الله وإكراماً لآدم حيث علم ما لم يعلموا). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التأكيد بعد التأكيد في هذه الآية، وهو دلالته على التأكيد أنه لم يتخلف منهم أحد في السجود.
الموافقون:
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن عاشور: (تأكيد على تأكيد، أي لم يتخلّف عن السجود أحد منهم) (٢)،
стр. 592
وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الخليل، وسيبويه، والزجاج، وابن عطية، وأبو حيان، والبيضاوي. (١)
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في ذلك، فقالوا إن مناسبة الإتيان بكل هنا هو أنه من المحتمل أن يكون الذي سجد بعضهم فذكر"كلهم"ليزول الإشكال، ثم كان يحتمل أنهم سجدوا في أوقات مختلفة فزال ذلك الإشكال بقوله"أجمعون" ليؤكد بذلك كله أنهم سجدوا جميعاً وفي وقت واحد، وممن قال بذلك من المفسرين: المبرد، والفراء (٢).
النتيجة:
وما ذهب إليه الفراء والمبرد هو الصحيح؛ لأن هذا هو المناسب لبلاغة القرآن، قال الألوسي: (فالحق في المسألة مع الفراء، والمبرد وذلك هو الموافق لبلاغة التنزيل) (٣)، كما أن التأسيس أولى من التأكيد.
وقد اعترض أصحاب القول الأول بأن أجمعين معرفة فلا يكون حالاً، قال البيضاوي: (وقيل أكد بالكل للإِحاطة وبأجمعين للدلالة على أنهم سجدوا مجتمعين دفعة، وفيه نظر إذ لو كان الأمر كذلك كان الثاني حالاً لا تأكيداً) (٤)، وأجاب عن ذلك أبو السعود بقوله: (﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد الملائكة ﴿كُلُّهُمْ﴾ بحيث لم يشذ منهم أحد ﴿أَجْمَعُونَ﴾ بحيث لم يتأخر في ذلك أحد
стр. 593
منهم عن أحد ولا اختصاص لإفادة هذا المعنى بالحالية بل يفيده التأكيد أيضاً فإن الاشتقاق الواضح يرشد إلى أن فيه معنى الجمع والمعية بحسب الوضع والأصل في الخطاب التنزيل على أكمل أحوال الشيء ولا ريب في أن السجود معاً أكمل أصناف السجود لكن شاع استعماله تأكيداً وأقيم مقام كل في إفادة معنى الإحاطة من غير نظر إلى الكمال فإذا فهمت الإحاطة من لفظ آخر لم يكن بد من مراعاة الأصل صوناً للكلام عن الإلغاء) (١).
стр. 594
سورة النحل
ذكر ما استجد من المركوبات الحديثة .
قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ (النحل: ٨).
٢٩٣ - قال السعدي ﵀: (﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مما يكون بعد نزول القرآن من الأشياء، التي يركبها الخلق في البر والبحر والجو، ويستعملونها في منافعهم ومصالحهم، فإنه لم يذكرها بأعيانها، لأن الله تعالى لا يذكر في كتابه إلا ما يعرفه العباد، أو يعرفون نظيره، وأما ما ليس له نظير في زمانهم فإنه لو ذكر لم يعرفوه ولم يفهموا المراد منه، فيذكر أصلاً جامعاً يدخل فيه ما يعلمون وما لا يعلمون، كما ذكر نعيم الجنة وسمى منه ما نعلم ونشاهد نظيره، كالنخل والأعناب والرمان، وأجمل ما لا نعرف له نظيراً في قوله: ﴿فِيهِمَا مِنْ كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ (٥٢)﴾ [الرحمن: ٥٢]. فكذلك هنا ذكر ما نعرفه من المراكب كالخيل والبغال والحمير والإبل والسفن، وأجمل الباقي في قوله: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾). ا. هـ (١)
стр. 595
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً إعجازياً، وهذا الاستنباط هو أن المراكب المستحدثة سواء منها ما يستخدم في الجو، أوفي البر، أوفي البحر، قد ذكرها الله في كتابه في هذه الآية، ولكن طريقة القرآن أن لا يذكر فيه إلا ما له نظير يعرفه الناس، وما عدا ذلك فإنه يذكره في أصل عام يدخل فيه ما يعرفونه، وما يستجد بعدهم، وهذا الاستنباط هو من قبيل الإعجاز الغيبي.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن عاشور: (فالذي يظهر لي أن هذه الآية من معجزات القرآن الغيبية العلمية، وأنها إيماء إلى أن الله سيلهم البشر اختراع مراكب هي أجدى عليهم من الخيل والبغال والحمير، وتلك العجلات التي يركبها الواحد ويحركها برجليه وتسمى (بسكلات)، وأرتال السكك الحديدية، والسيارات المسيّرة بمصفّى النفط وتسمى (أطوموبيل)، ثم الطائرات التي تسير بالنفط المصفّى في الهواء، فكل هذه مخلوقات نشأت في عصور متتابعة لم يكن يعلمها من كانوا قبل عصر وجود كل منها.
وإلهام الله الناس لاختراعها هو ملحق بخلق الله، فالله هو الذي ألهم المخترعين من البشر بما فطرهم عليه من الذكاء والعلم وبما تدرجوا في سلّم الحضارة واقتباس بعضهم من بعض إلى اختراعها، فهي بذلك مخلوقة لله تعالى لأن الكلّ من نعمته) (١)، وقال الشنقيطي: (ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يخلق ما لا يعلم المخاطبون وقت نزولها، وأبهم الذي يخلقه لتعبيره عنه بالموصول ولم يصرح هنا بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على أن منه ما هو من المركوبات، وقد شوهد ذلك في إنعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية، كالطائرات، والقطارات،
стр. 596
والسيارات) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الهرري (٢).
تخصيص الملائكة بالذكر لفضلهم وشرفهم .
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ (النحل: ٤٩).
٢٩٤ - قال السعدي ﵀: (﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ من الحيوانات الناطقة والصامتة، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الكرام خصهم بعد العموم لفضلهم وشرفهم وكثرة عبادتهم). ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص الملائكة بالذكر بعد دخولهم في عموم الآية، وأن ذلك لفضلهم وشرفهم.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الشوكاني: (وعطف الملائكة على ما قبلهم، تشريفاً لهم، وتعظيماً) (٤)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيان، والبيضاوي، وأبوالسعود (٥)
وذكر بعض المفسرين أوجهاً أخرى لمناسبة التخصيص، منها:
стр. 597
أولاً: لخروجهم من الموصوفين بالدبيب إذ لهم أجنحة يطيرون بها (١).
ثانياً: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى، لأن أخسها الدواب وأشرفها الملائكة، فلما بين في
أخسها وفي أشرفها كونها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلاً على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى (٢).
ولا تنافي بين هذه الأوجه بل المناسبة تحتملها جميعاً، لعدم وجود ما يمنع ذلك، وإنما ذكر بعض المفسرين ما وصل إليه استنباطه، مما لا يؤثر على استنباط غيره. والله أعلم.
لم يذكر السرابيل التي تقي البرد لأن الذكر هنا لمكملات النعم .
قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ (٨١)﴾ (النحل: ٨١).
٢٩٥ - قال السعدي ﵀: (﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ أي: ألبسة وثيابا ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر الله البرد لأنه قد تقدم أن هذه السورة أولها في أصول النعم وآخرها في مكملاتها ومتمماتها، ووقاية البرد من أصول النعم فإنه من الضرورة، وقد ذكره في أولها في قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ [النحل: ٥]). ا. هـ (٣)
стр. 598
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الاقتصار على ذكر الألبسة التي تقي الحر دون أن يذكر الألبسة التي تقي البرد، وأن مناسبة ذلك هو أن ذكر الألبسة التي تقي البرد من أصول النعم، وقد ذكرت في أول السورة لأن أول السورة في أصول النعم، أما النعم المذكورة التي في آخر السورة فهي من المكملات.
وقد ذكر المفسرون مناسبات أخرى في تخريج عدم ذكر الألبسة التي تقي البرد وهي كالآتي:
أولاً: خص الحر بالذكر لأن ما يقي من الحر يقي من البرد، وممن قال بذلك الزجاج، والشوكاني، والشنقيطي (١).
ثانياً: حذف البرد لدلالة ضده عليه، وممن قال بذلك: المبرد، والبيضاوي، وأبوالسعود، الخازن. (٢)
ثالثاً: وخص الحرّ هنا لأنه أكثر أحوال بلاد المخاطبين في وقت نزولها، والبرد فيها معدوم، وممن قال بذلك: ابن عطية، وابن عاشور. (٣).
وأحسن ما يمكن القول به في هذا الاستنباط هو أن عدم ذكر الألبسة التي تقي البرد هنا إنما هو لأجل الاكتفاء، بمعنى أن ذكر أحد الضدين يكفي عن ذكر الآخر، خصوصاً أن ذكر ما يقي من البرد تقدم في أول السورة، كما في قوله تعالى: (﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ [النحل: ٥])، ويؤيد هذا أن السياق سياق امتنان فناسب الامتنان بما يقي من الحر وبما يقي من البرد كذلك.
стр. 599
وأما باقي تخريجات هذا الاستنباط فلا تخلو من تكلف وبعد، فما ذهب إليه السعدي فيه بعد، وتقسيم النعم التي ذكرت في السورة إلى أصول ومتممات يحتاج إلى دليل، كما أن التفريق بين ملبوس البرد وملبوس الحر وجعل الأول من الأصول والثاني من المتممات، فيه تفريق بين المتشابهات بلا حجة يعتمد عليها، فحاجة الناس إلى ألبسة البرد كحاجتهم على ألبسة الحر.
وأما القول بأن ما يقي من الحر يقي من البرد، فهو خلاف المعروف فإن المعروف أن وقاية الحر رقيق القمصان ورفيعها، ووقاية البرد ضده ولو لبس الإنسان في كل واحد من الفصلين القيظ والشتاء لباس الآخر لعد من الثقلاء (١).
وأما القول بأن السبب في ذلك هو أن أرض المخاطبين وقاية الحر فيها أهم من البرد، فلا يستقيم كثيراً؛ لأن البرد في هذه البلاد كذلك شديد، والسياق هنا سياق امتنان فناسب أن يكون الامتنان بما يقي في الحر والبرد. والله أعلم.
تخصيص ذوي القربى بالذكر لتأكد حقهم في البر .
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (النحل: ٩٠).
٢٩٦ - قال السعدي ﵀: (وخص الله إيتاء ذي القربى -
стр. 600
وإن كان داخلاً في العموم- لتأكد حقهم وتعين صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص ذوي القربى بالذكر مع دخولهم في عموم من أمر بالعدل والإحسان إليهم، وأن مناسبة ذلك هو تأكيد حقهم وتعين صلتهم.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال أبو السعود: (وهو تخصيصٌ إثرَ تعميمٍ اهتماماً بشأنه) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: البيضاوي، الألوسي، والشوكاني، وابن عاشور (٣).
وهذا الاستنباط فيه إرشاد إلى الاهتمام بذوي الأرحام، وإيصال حقوقهم إليهم، مما يدل على اهتمام الشريعة الإسلامية بالترابط الاجتماعي، الذي يؤدي إلى تكوين أمة متحدة قوية قائمة بحقوق بعضها.