← Тафсир

Тафсир · id 14

استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة

سيف بن منصر الحارثي

Полный текст (896 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

والسيارات) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الهرري (٢). تخصيص الملائكة بالذكر لفضلهم وشرفهم . قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ (النحل: ٤٩). ٢٩٤ - قال السعدي ﵀: (﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ﴾ من الحيوانات الناطقة والصامتة، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الكرام خصهم بعد العموم لفضلهم وشرفهم وكثرة عبادتهم). ا. هـ (٣) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص الملائكة بالذكر بعد دخولهم في عموم الآية، وأن ذلك لفضلهم وشرفهم. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الشوكاني: (وعطف الملائكة على ما قبلهم، تشريفاً لهم، وتعظيماً) (٤)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: البغوي، والقرطبي، وأبو حيان، والبيضاوي، وأبوالسعود (٥) وذكر بعض المفسرين أوجهاً أخرى لمناسبة التخصيص، منها:

стр. 597

أولاً: لخروجهم من الموصوفين بالدبيب إذ لهم أجنحة يطيرون بها (١). ثانياً: أنه تعالى بين في آية الظلال أن الجمادات بأسرها منقادة لله تعالى وبين بهذه الآية أن الحيوانات بأسرها منقادة لله تعالى، لأن أخسها الدواب وأشرفها الملائكة، فلما بين في أخسها وفي أشرفها كونها منقادة لله تعالى كان ذلك دليلاً على أنها بأسرها منقادة خاضعة لله تعالى (٢). ولا تنافي بين هذه الأوجه بل المناسبة تحتملها جميعاً، لعدم وجود ما يمنع ذلك، وإنما ذكر بعض المفسرين ما وصل إليه استنباطه، مما لا يؤثر على استنباط غيره. والله أعلم. لم يذكر السرابيل التي تقي البرد لأن الذكر هنا لمكملات النعم . قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ (٨١)﴾ (النحل: ٨١). ٢٩٥ - قال السعدي ﵀: (﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ﴾ أي: ألبسة وثيابا ﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ ولم يذكر الله البرد لأنه قد تقدم أن هذه السورة أولها في أصول النعم وآخرها في مكملاتها ومتمماتها، ووقاية البرد من أصول النعم فإنه من الضرورة، وقد ذكره في أولها في قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ [النحل: ٥]). ا. هـ (٣)

стр. 598

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الاقتصار على ذكر الألبسة التي تقي الحر دون أن يذكر الألبسة التي تقي البرد، وأن مناسبة ذلك هو أن ذكر الألبسة التي تقي البرد من أصول النعم، وقد ذكرت في أول السورة لأن أول السورة في أصول النعم، أما النعم المذكورة التي في آخر السورة فهي من المكملات. وقد ذكر المفسرون مناسبات أخرى في تخريج عدم ذكر الألبسة التي تقي البرد وهي كالآتي: أولاً: خص الحر بالذكر لأن ما يقي من الحر يقي من البرد، وممن قال بذلك الزجاج، والشوكاني، والشنقيطي (١). ثانياً: حذف البرد لدلالة ضده عليه، وممن قال بذلك: المبرد، والبيضاوي، وأبوالسعود، الخازن. (٢) ثالثاً: وخص الحرّ هنا لأنه أكثر أحوال بلاد المخاطبين في وقت نزولها، والبرد فيها معدوم، وممن قال بذلك: ابن عطية، وابن عاشور. (٣). وأحسن ما يمكن القول به في هذا الاستنباط هو أن عدم ذكر الألبسة التي تقي البرد هنا إنما هو لأجل الاكتفاء، بمعنى أن ذكر أحد الضدين يكفي عن ذكر الآخر، خصوصاً أن ذكر ما يقي من البرد تقدم في أول السورة، كما في قوله تعالى: (﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ﴾ [النحل: ٥])، ويؤيد هذا أن السياق سياق امتنان فناسب الامتنان بما يقي من الحر وبما يقي من البرد كذلك.

стр. 599

وأما باقي تخريجات هذا الاستنباط فلا تخلو من تكلف وبعد، فما ذهب إليه السعدي فيه بعد، وتقسيم النعم التي ذكرت في السورة إلى أصول ومتممات يحتاج إلى دليل، كما أن التفريق بين ملبوس البرد وملبوس الحر وجعل الأول من الأصول والثاني من المتممات، فيه تفريق بين المتشابهات بلا حجة يعتمد عليها، فحاجة الناس إلى ألبسة البرد كحاجتهم على ألبسة الحر. وأما القول بأن ما يقي من الحر يقي من البرد، فهو خلاف المعروف فإن المعروف أن وقاية الحر رقيق القمصان ورفيعها، ووقاية البرد ضده ولو لبس الإنسان في كل واحد من الفصلين القيظ والشتاء لباس الآخر لعد من الثقلاء (١). وأما القول بأن السبب في ذلك هو أن أرض المخاطبين وقاية الحر فيها أهم من البرد، فلا يستقيم كثيراً؛ لأن البرد في هذه البلاد كذلك شديد، والسياق هنا سياق امتنان فناسب أن يكون الامتنان بما يقي في الحر والبرد. والله أعلم. تخصيص ذوي القربى بالذكر لتأكد حقهم في البر . قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ (النحل: ٩٠). ٢٩٦ - قال السعدي ﵀: (وخص الله إيتاء ذي القربى -

стр. 600

وإن كان داخلاً في العموم- لتأكد حقهم وتعين صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص ذوي القربى بالذكر مع دخولهم في عموم من أمر بالعدل والإحسان إليهم، وأن مناسبة ذلك هو تأكيد حقهم وتعين صلتهم. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال أبو السعود: (وهو تخصيصٌ إثرَ تعميمٍ اهتماماً بشأنه) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: البيضاوي، الألوسي، والشوكاني، وابن عاشور (٣). وهذا الاستنباط فيه إرشاد إلى الاهتمام بذوي الأرحام، وإيصال حقوقهم إليهم، مما يدل على اهتمام الشريعة الإسلامية بالترابط الاجتماعي، الذي يؤدي إلى تكوين أمة متحدة قوية قائمة بحقوق بعضها.

стр. 601

سورة الإسراء الجمع في الذكر بين موسى ومحمد؛ لأن نبوتيهما أعظم النبوات . قال تعالى: ﴿وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾ (الإسراء: ٢). ٢٩٧ - قال السعدي ﵀: (كثيراً ما يقرن الباري بين نبوة محمد ﷺ ونبوة موسى ﷺ وبين كتابيهما وشريعتيهما لأن كتابيهما أفضل الكتب وشريعتيهما أكمل الشرائع ونبوتيهما أعلى النبوات وأتباعهما أكثر المؤمنين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الجمع بين نبوة محمد ﷺ ، وموسى ﵊، وأن مناسبة ذلك هو أن كتابيهما أفضل الكتب، وشريعتيهما أكمل الشرائع، ونبوتيهما أعلى النبوات. وقد أشار إلى هذا الجمع بعض المفسرين، قال الشنقيطي: (لما بين

стр. 602

جل وعلا في هذه الآية الكريمة عظم شأن نبيه محمد صلى الله علية وسلم، ذكر عظم شأن موسى بالكتاب العظيم، الذي أنزله إليه، وهو التوراة، مبيناً أنه جعله هدىً لبني إسرائيل، وكرر جل وعلا هذا المعنى في القرآن) (١). وقد حكى بعض المفسرين وجهاً آخر لمناسبة الجمع، قال الألوسي: (وعقب آية الإسراء بهذه استطراداً تمهيداً لذكر القرآن، والجامع أن موسى ﵇ أعطى التوراة بمسيره إلى الطور وهو بمنزلة معراجه لأنه منح ثمت التكليم وشرف باسم الكليم وطلب الرؤية مدمجاً فيه تفاوت ما بين الكتابين ومن أنزلا عليه وإن شئت فوازن بين ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: ١] و ﴿وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وبين ﴿هُدَى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ و ﴿يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: ٩]) (٢). أهل الفترات، وأطفال المشركين لا يعذبهم الله . قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ شَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ (الإسراء: ١٥). ٢٩٨ - قال السعدي ﵀: (واستدل بهذه الآية (٣) على أن أهل الفترات وأطفال المشركين، لا يعذبهم الله حتى يبعث إليهم رسولاً (٤)

стр. 603

لأنه منزه عن الظلم). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن أهل الفترة، وأطفال المشركين لا يعذبهم الله، ووجه استنباط ذلك من الآية بمفهوم المخالفة-مفهوم الغاية- حيث إن الله قيد العذاب ببعثة الرسل، فدل مفهوم القيد على أن من لم تصله دعوة الرسل فلا عذاب عليه، ومن هؤلاء أهل الفترة، وأطفال المشركين. الموافقون: وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي: (استدل به على أن أطفال المشركين، ومن لم تبلغه الدعوة لا يدخلون النار) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، وأبوحيان، والألوسي، والشوكاني، وابن عاشور. (٣) المخالفون: خالف بعض المفسرين فقالوا إن الآية لا تدل على نفي العذاب عنهم مطلقاً، وإنما العذاب المنفي هنا عذاب الدنيا دون الأخرى، وهذا القول منسوب إلى الجمهور، قال أبوحيان: (وذهب الجمهور إلى أن هذا في حكم الدنيا، أي إن الله لا يهلك أمّة بعذاب إلا من بعد الرسالة

стр. 604

إليهم والإنذار) (١)، ومنهم من قال إن أطفال المشركين يعذبون في الآخرة؛ لأن العذاب المنفي هنا إنما هو في حق من يجوز بعثة الرسل إليهم، وممن قال بذلك من المفسرين: إلكيا الهراسي، وابن الفرس (٢). النتيجة: والحق في هذا الاستنباط أن الآية لا بد أن تفهم مع النصوص الأخرى؛ حتى يستقيم الاستنباط من الآية، وعليه فالحق أن أهل الفترة، وأطفال المشركين، يمتحنون يوم القيامة، فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار، عملاً بالنصوص الواردة في ذلك، وجمعاً بين الأدلة الأخرى وبين هذه الآية، قال ابن كثير: (ومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في العَرَصَات، فمن أطاع دخل الجنة وانكشف علم الله فيهم بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة، وهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة الشاهد بعضها لبعض. وهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، ﵀، عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في "كتاب الاعتقاد" وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ النقاد) (٣)، وقال الشنقيطي: (الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي: هل يعذ المشركون بالفترة أو لا؟ هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا، لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل.

стр. 605

وإنما قلنا: إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين: الأول: أن هذا ثبت عن رسول الله ﷺ ، وثبوته عنه نص في محل النزاع، فلا وجه للنزاع البتة مع ذلك. الأمر الثاني: أن الجمع بين الأدلة واجب متى أمكن بلا خلاف، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا وجه للجمع بين الأدلة غلى هذا القول بالعذر والامتحان، فمن دخل النار هو الذي لم يمتثل ما أمر به عند الامتحان ويتفق بذلك جميع الأدلة، والعلم عند الله تعالى). (١) من تولى التربية من غير الوالدين فإن له حق البر . قال تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ (الإسراء: ٢٤). ٢٩٩ - قال السعدي ﵀: (﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا﴾ أي: ادع لهما بالرحمة أحياء وأمواتاً، جزاء على تربيتهما إياك صغيرا، وفهم من هذا أنه كلما ازدادت التربية ازداد الحق، وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه تربية صالحة غير الأبوين فإن له على من رباه حق التربية). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً تربوياً، وهو أن للمربي من غير الوالدين حقاً في البر على من رباه، ووجه استنباط ذلك بالقياس، حيث إن التربية العلة الجامعة بينهما، فلما كان حق البر للوالدين بسبب تربيتهما، قاس عليه حق المربي من غير الوالدين.

стр. 606

وهذا الاستنباط من دقائق الأمور، وفيه حث على بذل البر للمربي وعدم نيسان حقه؛ إذ أن بعض الناس بعد استغناءه عن المربي يتنكر له، وإذا ارتفع عنه بمنزلة أو مال ربما نسي حقه الأول، ففي هذا تأكيد لحق المربي. ولم أجد أحد من المفسرين أشار إلى هذا الاستنباط، حسب المصادر التي اطلعت عليها. والله أعلم. النهي عن السؤال عن مسائل يقصد بها التعنت والتعجيز . قال تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾ (الإسراء: ٨٥). ٣٠٠ - قال السعدي ﵀: (وهذا متضمن لردع من يسأل المسائل، التي لا يقصد بها إلا التعنت والتعجيز، ويدع السؤال عن المهم، فيسألون عن الروح التي هي من الأمور الخفية، التي لا يتقن وصفها وكيفيتها كل أحد، وهم قاصرون في العلم الذي يحتاج إليه العباد. ولهذا أمر الله رسوله أن يجيب سؤالهم بقوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ أي: من جملة مخلوقاته، التي أمرها أن تكون فكانت، فليس في السؤال عنها كبير فائدة، مع عدم علمكم بغيرها. وفي هذه الآية دليل على أن المسؤول إذا سئل عن أمر، الأولى بالسائل غيره أن يعرض عن جوابه، ويدله على ما يحتاج إليه، ويرشده إلى ما ينفعه). ا. هـ (١)

стр. 607

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية النهي عن المسائل التي يقصد بها التعنت والتعجيز، وترك السؤال عن المهمات التي هو بحاجة إليها، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله لم يجب عن سؤال من سألوا عن الروح، ولم يفصل في الإجابة عن سؤالهم، مما يدل على أن السائل إذا سأل سؤالاً لا فائدة فيه أن لا يجاب عنه، وتكون الإجابة فيما يهمه ويستفيد منه ولو لم تكن ضمن السؤال، والآية تدل على ذلك بمفهوم الموافقة المساوي، فكما لم يجبهم عن سؤالهم عن الروح فُهِم منه عدم إجابتهم عن أي سؤال فيه تعنت كمثل سؤالهم عن ماهية الروح. قال الجصاص: (وقد دلت هذه الآية على جواز ترك جواب السائل عن بعض ما يسأل عنه لما فيه من المصلحة) (١). وهذا الاستنباط فيه تأديب للسائل على عدم السؤال فيما لا حاجة للسائل فيه، كما أن فيه دلالة على أن المفتي يجب أن يكون فقيهاً بحال السائل حيث يعطيه ما ينتفع به ولو لم يكن ضمن السؤال.

стр. 608

سورة الكهف إذا ترتب على الحساب وإحصاء المدة مصلحة حث عليه القرآن . قال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾ (الكهف: ١٢). ٣٠١ - قال السعدي ﵀: (وقال تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾، [الكهف: ١٢]،. وذلك لمعرفة كمال قدرة الله في إفاقتهم، فلو استمروا على نومهم لم يحصل الاطلاع على شيء من ذلك من قصتهم، فمتى ترتب على ضبط الحساب وإحصاء المدة، مصلحة في الدين والدنيا، كان مما حث وأرشد إليه القرآن). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أنه متى ترتب على إحصاء المدة وضبط الحساب مصلحة في الدين والدنيا كان مما حث عليه القرآن، ووجه

стр. 609

استنباط ذلك من الآية أن إحصاء مدة لبث الفتية في الكهف فيه بيان لكمال قدرة الله وعظمته. وفي هذا الاستنباط تأصيل قرآني لما يسمى اليوم بـ"لغة الأرقام"، حيث أثبت بعض الباحثين في التأثير والإقناع أن الإحصاءات الرقمية لها أثر كبير في إقناع الطرف المقابل والتأثير عليه، وفي هذا الاستنباط تأكيد لهذا المعنى إذ معرفة عدد المكث هنا له أثر كبير في يقين النفس بقدرة الله والإيمان به. صحة الوكالة والشركة . قال تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (١٩)﴾ (الكهف: ١٩). ٣٠٢ - قال السعدي ﵀: (وقد دلت هاتان الآيتان على عدة فوائد، منها: صحة الوكالة في البيع والشراء، وصحة الشركة في ذلك). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية صحة الوكالة، والشركة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر الوكالة هنا وهي توكيل الفتية أحدهم في شراء الطعام لهم، وكذلك اشتراكهم في قيمته، مما يدل على حل ذلك وإباحته، ولو كان محرماً لبينه الله ولم يقرهم عليه.

стр. 610

قال ابن العربي: (هذا يدل على صحة الوكالة) (١)، وقال القرطبي: (في هذه البعثة بالورق دليل على الوكالة وصحتها، قال ابن خويز منداد: تضمنت هذه الآية جواز الشركة؛ لأن الورق كان لجميعهم) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والألوسي، والعثيمين (٣). وقال بعض العلماء: لا تدل الآية على جواز التوكيل مطلقاً بل مع التقية والخوف، لأنهم لو خرجوا كلهم لشراء حاجاتهم لعلم به أعداؤهم في ظنهم فهم معذورون، فالآية تدل على توكيل المعذور دون غيره، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، وهو قول سحنون (٤) من أصحاب مالك في التوكيل على الخصام (٥). والصحيح أن الوكالة جائزة مطلقاً، ومما يؤيد ذلك ما جاء عن أبي هريرة قال: (كان لرجل على الَّنبي ﷺ سنّ من الإبل، فجاء يتقاضاه فقال: أعطوه فطلبوا سنّه فلم يجدوا إلا سناً فوقها. فقال: أعطوه، فقال: أوفيتني أوفى الله بك. وقال النَّبي ﷺ : (إن خياركم أحسنكم قضاء) (٦)، قال الشنقيطي: (فدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر صحيح البدن، فإن النَّبي ﷺ : أمر لأصحابه أن يعطوا عنه السن التي عليه وذلك

стр. 611

توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النَّبي ﷺ مريضاُ ولا مسافراً، وهو ذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما) (١). جواز أكل مشهي المطاعم ما لم تخرج إلى حد الإسراف . قال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ أَحَدًا (١٩)﴾ (الكهف: ١٩). ٣٠٣ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة أصحاب الكهف-: جواز أكل الطيبات، والمطاعم اللذيذة، إذا لم تخرج إلى حد الإسراف المنهي عنه لقوله ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾ وخصوصاً إذا كان الإنسان لا يلائمه إلا ذلك ولعل هذا عمدة كثير من المفسرين، القائلين بأن هؤلاء أولاد ملوك لكونهم أمروه بأزكى الأطعمة، التي جرت عادة الأغنياء الكبار بتناولها). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز أكل الطيبات والمطاعم اللذيذة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن هؤلاء الفتية طلبوا طعاماً زكياً، بل تخيروا الأزكى في الأطعمة، ولم يأت عقب ذلك ذم، مما يدل على أن ذلك مباح. قال القاسمي: (دل قوله تعالى عنهم: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ على مشروعية استجادة الطعام واستطابته بأقصى ما يمكن؛ لصيغة التفضيل) (٣)،

стр. 612

وقال العثيمين: (في هذا دليل أيضاً أنه لا بأس على الإنسان أن يطلب أطيب الطعام) (١). وهذا الاستنباط فيه بيان سماحة هذا الدين في حله لطيبات الطعام، وهذا فيه تيسير على من كانت له رغبة في مثل ذلك، كما أن فيه رداً على بعض المتنطعين الذين قد لا يرغبون في مثل ذلك تزهداً وتديناً، وهو في الحقيقة ميل نفسي لهم فقط، فجاءت هذه الآية لبيان الحل والإباحة. والله أعلم. عدم تعقيب العدد سبعة يدل على أنه هو الصحيح . قال تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ (٢٢)﴾ (الكهف: ٢٢). ٣٠٤ - قال السعدي ﵀: (يخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب في عدة أصحاب الكهف، اختلافاً صادراً عن رجمهم بالغيب، وتقولهم بما لا يعلمون، وأنهم فيهم على ثلاثة أقوال: منهم: من يقول: ثلاثة، رابعهم كلبهم، ومنهم من يقول: خمسة، سادسهم كلبهم. وهذان القولان، ذكر الله بعدهما، أن هذا رجم منهم بالغيب، فدل على بطلانهما. ومنهم من يقول: سبعة، وثامنهم كلبهم، وهذا -والله أعلم- الصواب، لأن الله أبطل الأولين ولم يبطله، فدل على صحته، وهذا من الاختلاف الذي لا فائدة تحته، ولا يحصل بمعرفة عددهم مصلحة

стр. 613

للناس، دينية ولا دنيوية). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن عدد أصحاب الكهف سبعة وثامنهم كلبهم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله عقب القولين الأولين بأنهما رجم بالغيب، ولم يعقب على القول الثالث، مما يدل على صحته. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال ابن كثير: (يقول تعالى مخبرًا عن اختلاف الناس في عدة أصحاب الكهف، فحكى ثلاثة أقوال، فدل على أنه لا قائل برابع، ولما ضَعَّف القولين الأولين بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي: قولا بلا علم، كمن يرمي إلى مكان لا يعرفه، فإنه لا يكاد يصيب، وإن أصاب فبلا قصد، ثم حكى الثالث وسكت عليه أو قرره بقوله: ﴿وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فدل على صحته، وأنه هو الواقع في نفس الأمر) (٢)، وقال الرازي: (وتخصيص الشيء بالوصف يدل على أن الحال في الباقي بخلافه، فوجب أن يكون المخصوص بالظن الباطل هو القولان الأولان، وأن يكون القول الثالث مخالفاً لهما في كونهما رجماً بالظن) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، والقرطبي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، وأبوحيان، والبيضاوي، والسيوطي، الألوسي، والشنقيطي، والعثيمين. (٤)

стр. 614

لا ينبغي كثرة البحث في المسائل التي لا أهمية لها . قال تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا (٢٢)﴾ (الكهف: ٢٢). ٣٠٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة أصحاب الكهف-: أن كثرة البحث وطوله في المسائل التي لا أهمية لها لا ينبغي الانهماك به لقوله: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن المسائل التي لا أهمية لها لا ينبغي للإنسان الانهماك فيها وطول البحث فيها، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله عقب الكلام عن عدد أهل الكهف نهى في هذه الآية عن إطالة البحث فيها لعدم الأهمية والفائدة، وعمم هذه الفائدة في كل المسائل المشابهة. قال السيوطي: (ففيه تحريم الجدال بغير علم وبلا حجة ظاهرة) (٢)، وقال العثيمين: (وهذا يدل على أن ما لا خير فيه فلا ينبغي التعمق فيه) (٣). وهذا الاستنباط فيه إرشاد إلى عدم الاهتمام بفضول المسائل التي لا ينتفع بها الباحث، وصرف الهمم إلى ما يفيد من العلم.

стр. 615

قد يصلح الشخص للإفتاء في أمر، ولا يصلح استفتاؤه في أمر آخر . قال تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٢٢)﴾ (الكهف: ٢٢). ٣٠٦ - قال السعدي ﵀: (ففيها-أي قصة أصحاب الكهف-: دليل على المنع من استفتاء من لا يصلح للفتوى، إما لقصوره في الأمر المستفتى فيه، أو لكونه لا يبالي بما تكلم به، وليس عنده ورع يحجزه، وإذا نهي عن استفتاء هذا الجنس، فنهيه هو عن الفتوى، من باب أولى وأحرى. وفي الآية أيضا، دليل على أن الشخص، قد يكون منهياً عن استفتائه في شيء، دون آخر، فيستفتى فيما هو أهل له، بخلاف غيره، لأن الله لم ينه عن استفتائهم مطلقاً، إنما نهى عن استفتائهم في قصة أصحاب الكهف، وما أشبهها). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أصلاً من أصول الإفتاء والاستفتاء، وهو المنع من استفتاء من لا يصلح للإفتاء، كما أن الشخص قد يصلح للإفتاء في شيء ولا يصلح للإفتاء في شيء آخر، فيستفتى فيما هو أهل له فقط، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله نهى عن الاستفتاء بقيد وهو الاستفتاء عن عدد الفتية، مما يدل على أن استفتاءهم فيما دون ذلك مما هو من شأنهم لا بأس به. وهذا الاستنباط فيه تأصيل قرآني للتخصص في الإفتاء، حيث إن بعض التخصصات لا يمكن لبعض المفتين أن يفتي فيها لعدم علمه ببعض

стр. 616

التفاصيل التي تقوم عليها الفتيا، مما يجعل هناك ضرورة للإتيان بمتخصص. وهذا الأمر معمول به في بعض جهات الإفتاء مثل اللجنة الدائمة للإفتاء، حيث إنهم أدخلوا متخصصين في الجوانب الطبية فعند إرادة إصدار فتوى طبية يستمعون إلى تفاصيلها من طبيب متخصص، ثم ينزلون عليها الحكم الشرعي، وكذلك معمول به في المجمع الفقهي بمكة المكرمة. استحباب الذكر والدعاء طرفي النهار . قال تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ (٢٨)﴾ (الكهف: ٢٨). ٣٠٧ - قال السعدي ﵀: (وفي الآية (١)، استحباب الذكر والدعاء والعبادة طرفي النهار، لأن الله مدحهم بفعله، وكل فعل مدح الله فاعله، دل ذلك على أن الله يحبه، وإذا كان يحبه فإنه يأمر به، ويرغب فيه). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استحباب الذكر والعبادة والدعاء طرفي النهار، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله مدح فاعل ذلك، وكل شيء مدح الله فعله، أو مدح فاعله فإنه مستحب.

стр. 617

قال القصاب في ذكره بعض الفوائد من هذه الآية: (ومنها: أن الدعاء بالغداوات والعشيات أفضل وأجدر بالإجابة) (١). جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر . قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (٦٠)﴾ (الكهف: ٦٠). ٣٠٨ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه القصة العجيبة الجليلة، من الفوائد والأحكام والقواعد شيء كثير، ننبه على بعضه بعون الله: منها: جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤنة وطلب الراحة كما فعل موسى). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر؛ طلباً للراحة والكفاية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن موسى أخذ خادمه في السفر، وحكى الله قصته ولم ينبه على ما فعله موسى مما يدل على جواز ذلك. قال السيوطي: (وفيها أنه لا بأس بالاستخدام، واتخاذ الرقيق والخادم في السفر) (٣).

стр. 618

استحباب الأكل مع الخادم . قال تعالى: ﴿آَتِنَا غَدَاءَنَا (٦٢)﴾ (الكهف: ٦٢). ٣٠٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله، وأكلهما جميعاً، لأن ظاهر قوله: ﴿آَتِنَا غَدَاءَنَا﴾ إضافة إلى الجميع، أنه أكل هو وهو جميعاً). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استحباب إطعام الخادم من الطعام الذي تأكله، وأن يأكل معك، ووجه استنباط ذلك من الآية أن موسى دعا بالطعام وأضافه إليهما جميعاً، مما يدل على أنه لهما جميعاً، وأنهما سيأكلانه جميعاً. وهذا الاستنباط فيه تنبيه للعمل بهذا الأدب مع الخادم واحترام إنسانيته، وتقدير خدمته، وهذا فيه إرشاد لبعض الناس الذين يتعاملون مع الخدم بترفع، فلا يؤاكلونهم، ولا يعطونهم مما يأكلون بل يعطونهم من الأكل الرديء، فإذا عرفنا أن خلق الأنبياء مع الخدم هو التواضع معهم والأكل مما يأكلون كان علاجاً للتصرفات التي لا تليق مع الخدم، وكم في هذا الخلق من جبر لخواطرهم، وتأنيس لغربتهم. ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال له: (فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس) (٢)،

стр. 619

وقال البخاري: باب الأكل مع الخادم (١)، قال ابن حجر بعد ذكره هذه الترجمة: أي على قصد التواضع (٢)، وهذا الأمر الوارد في الحديث محمول على الاستحباب لا الوجوب بإجماع المسلمين (٣). العبد الذي لقيه موسى ليس نبياً . قال تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي (٨٢)﴾ (الكهف: ٨٢). ٣١٠ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: أن ذلك العبد الذي لقياه، ليس نبياً، بل عبداً صالحاً، لأنه وصفه بالعبودية، وذكر منة الله عليه بالرحمة والعلم، ولم يذكر رسالته ولا نبوته، ولو كان نبياً، لذكر ذلك كما ذكره غيره، وأما قوله في آخر القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ فإنه لا يدل على أنه نبي وإنما يدل على الإلهام والتحديث، كما يكون لغير الأنبياء، كما قال تعالى ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، ﴿وَأَوْحَى رَبَّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٦٨]). ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن العبد الذي لقيه موسى وهو الخضر ليس نبياً، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله وصفه بالعبودية، ولم يذكر نبوته ولا رسالته، ولو كان كذلك لذُكِر، وأما نسبته للأفعال التي فعلها

стр. 620

بأنها ليست من عنده، فهذا إلهام؛ فلا دلالة فيه على كونه نبي؛ إذ يحدث ذلك لغير الأنبياء. الموافقون: وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الخازن: (واستدل بعضهم بقوله وما فعلته عن أمري على أن الخضر كان نبياً لأن هذا يدل على الوحي وذلك للأنبياء، والصحيح أنه ولي الله وليس بنبي، وأجيب عن قوله : ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ إنه إلهام من الله له بذلك) (١)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الرازي (٢). المخالفون: خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط، وقالوا إن الآية تدل على أن هذا الخضر كان نبياً، قال أبوحيان: (أي وما فعلت ما رأيت من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار عن اجتهاد مني ورأي، وإنما فعلته بأمر الله وهذا يدل على أنه نبيّ أوحي إليه) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، والقرطبي، والبيضاوي، والألوسي، وابن عاشور (٤). النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح؛ إذ لوكان الخضر نبياً لجاء التصريح بذلك، والنبوة تحتاج إلى دليل صريح في إثباتها، فمثل هذا الفعل لا يكون دليلاً على النبوة.

стр. 621

وأما ما استدل به المستنبطون نبوة الخضر من هذه الآية، فضعيف، قال الرازي: (احتج الأصم على نبوته بقوله في أثناء القصة: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ ومعناه فعلته بوحي الله، وهو يدل على النبوة، وهذا أيضاً دليل ضعيف وضعفه ظاهر) (١)، والضعف هنا هو لاحتمال أن يكون ذلك إلهاماً وليس وحياً، وحينها يسقط استنباط النبوة من هذه الآية. والله أعلم. تواضع الفاضل للتعلم لمن دونه . قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ (الكهف: ٦٦). ٣١١ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: تواضع الفاضل للتعلم ممن دونه، فإن موسى -بلا شك- أفضل من الخضر). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أدباً مهماً من آداب طلب العلم، وهو تواضع الفاضل للتعلم ممن هو دونه، ووجه استنباط ذلك تواضع موسى للخضر للتعلم منه؛ حيث استأذنه في أن يكون تابعاً له، وهذه التبعية مقابل التعليم كذلك، مع أن موسى أفضل من الخضر بلا نزاع. قال السيوطي: (وفيها تواضع المتعلم لمن يتعلم منه ولو كان دونه في المرتبة) (٣)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: ابن العربي،

стр. 622

والقرطبي. (١) وهذا الاستنباط فيه أن المتعلم ينبغي أن يكون متواضعاً للتعلم ممن هو دونه حتى يحصل ما يريده من علم، فإذا تكبر الإنسان عن التعلم لأجل أن من يتعلم منه دونه في الفضل؛ فإن ذلك سيكون سبباً في جهله، وعند الموازنة بين ذلك نجد أن التواضع للمفضول لأخذ العلم عنه، أهون من بقاء الإنسان جاهلاً. تعلم الفاضل العلم الذي لم يمهر فيه، ممن مهر فيه . قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ (الكهف: ٦٦). ٣١٢ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: تعلم العالم الفاضل للعلم الذي لم يتمهر فيه، ممن مهر فيه، وإن كان دونه في العلم بدرجات كثيرة، فإن موسى ﵇ من أولي العزم من المرسلين، الذين منحهم الله وأعطاهم من العلم ما لم يعط سواهم، ولكن في هذا العلم الخاص كان عند الخضر، ما ليس عنده، فلهذا حرص على التعلم منه، فعلى هذا، لا ينبغي للفقيه المحدث، إذا كان قاصراً في علم النحو، أو الصرف، أو نحوه من العلوم، أن لا يتعلمه ممن مهر فيه، وإن لم يكن محدثاً ولا فقيهاً). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية تعلم الفاضل العلم الذي لم يمهر فيه

стр. 623

ممن مهر فيه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن موسى كان نبياً عالماً، ولكن العلم الذي كان عند الخضر من العلوم التي لم يكن موسى عالماً بها، فذهب إلى الخضر الذي كان عالماً بهذه العلوم ليتعلمها منه. قال الشوكاني: (وقد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا اختص أحدهما بعلم لا يعلمه الآخر، فقد كان علم موسى علم الأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان علم الخضر علم بعض الغيب ومعرفة البواطن) (١). وهذا فيه إشارة إلى أهمية التكامل في العلم والتعليم؛ إذ لا يمكن للشخص مهما كانت قدراته أن يكون عالماً بكل شيء، فحينها يحتاج إلى أن يتعلم بعض العلوم من غيره، وقد يكون هذا الغير دونه في المرتبة والفضل، والتعلم من المفضول أولى من الجهل. جواز ركوب البحر . قال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ (الكهف: ٧١). ٣١٣ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: جواز ركوب البحر (٢)، في غير الحالة التي

стр. 624

يخاف منها). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز ركوب البحر، ووجه استنباط ذلك أن الله ذكر عن موسى والخضر ركوب السفينة، والسفينة لا تكون إلا في البحر، ولم ينكر عليهما كونهما في البحر مما يدل على جواز ذلك. إجراء الأمور على ظاهرها . قال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (٧١)﴾ (الكهف: ٧١) وقال تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (٧٤)﴾ (الكهف: ٧٤). ٣١٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتعلق بها الأحكام الدنيوية، في الأموال، والدماء وغيرها، فإن موسى ﵇، أنكر على الخضر خرقه السفينة، وقتل الغلام، وأن هذه الأمور ظاهرها، أنها من المنكر، وموسى ﵇ لا يسعه السكوت عنها، في غير هذه الحال، التي صحب عليها الخضر، فاستعجل ﵇، وبادر إلى الحكم في

стр. 625

حالتها العامة، ولم يلتفت إلى هذا العارض، الذي يوجب عليه الصبر، وعدم المبادرة إلى الإنكار). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الأمور تجري أحكامها على ظاهرها، وتتعلق بها أحكامها الدنيوية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن موسى أنكر على الخضر خرق السفينة التي فيها إتلاف للمال، وأنكر عليه قتل الغلام الذي فيه إراقة الدم بلا حق، فأخذ من ذلك جواز إجراء الأمور على ظواهرها. قال النووي: (وفيه الحكم بالظاهر حتى يتبين خلافه؛ لإنكار موسى). (٢) وهذا الاستنباط لا بد له من ضوابط أخرى؛ فإن جاز إجراء الأمور على ظاهرها، إلا أنه ينبغي التثبت في هذا الظاهر، فقد يكون هناك ما يستدعي الفعل أو الترك، وقد يكون هذا الفعل في ظاهره منكراً، ولكنه يكون من باب أدنى المفسدتين بالنسبة لمرتكبه، فيكون معذوراً به. والله أعلم. إتلاف بعض مال الغير بلا إذن جائز لمصلحة المحافظة عليه . قال تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَدْوِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ (الكهف: ٧٩).

стр. 626

٣١٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها (١) -أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: القاعدة الكبيرة أيضاً وهي أن " عمل الإنسان في مال غيره، إذا كان على وجه المصلحة وإزالة المفسدة، أنه يجوز، ولو بلا إذن حتى ولو ترتب على عمله إتلاف بعض مال الغير كما خرق الخضر السفينة لتعيب، فتسلم من غصب الملك الظالم، فعلى هذا لو وقع حرق، أو غرق، أو نحوهما، في دار إنسان أو ماله، وكان إتلاف بعض المال، أو هدم بعض الدار، فيه سلامة للباقي، جاز للإنسان بل شرع له ذلك، حفظاً لمال الغير، وكذلك لو أراد ظالم أخذ مال الغير، ودفع إليه إنسان بعض المال افتداء للباقي جاز، ولو من غير إذن). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن إتلاف مال الغير إذا كان على وجه المصلحة له، فإنه يجوز، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الخضر خرق السفينة وهذا إحداث عيب فيها؛ ولكن كان لأجل مصلحة تعود على أصحاب السفينة وهي حفظها من استيلاء الملك عليها، وقد ذكر ذلك في القصة دون تعقيب، مما يدل على جواز فعل مثل ذلك. قال السيوطي: (وأنه يجوز إتلاف بعض مال الغير أوتعييبه لوقاية باقيه، كمال المودع واليتيم) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، والقصاب، والقرطبي، والرازي، والعثيمين (٤).

стр. 627

التأدب مع المعلم في الخطاب . قال تعالى: ﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ (الكهف: ٦٦). ٣١٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: التأدب مع المعلم، وخطاب المتعلم إياه ألطف خطاب، لقول موسى ﵇: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾ فأخرج الكلام بصورة الملاطفة والمشاورة، وأنك هل تأذن لي في ذلك أم لا وإقراره بأنه يتعلم منه، بخلاف ما عليه أهل الجفاء أو الكبر، الذي لا يظهر للمعلم افتقارهم إلى علمه، بل يدعي أنه يتعاون هم وإياه، بل ربما ظن أنه يعلم معلمه، وهو جاهل جداً، فالذل للمعلم، وإظهار الحاجة إلى تعليمه، من أنفع شيء للمتعلم). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً سلوكياً، وهو التأدب مع المعلم في الخطاب، ووجه استنباط ذلك من الآية أن موسى لما خاطب الخضر خاطبه بألين خطاب، بأن أظهر له حاجته إليه في العلم، واستأذنه في الاتباع، مظهراً فضل المعلم وحاجته إليه. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال البيضاوي: (وقد راعى في ذلك غاية التواضع والأدب، فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعاً له، وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله عليه) (٢)، وقال الرازي: (اعلم أن هذه الآيات تدل على أن موسى ﵇ راعى أنواعاً كثيرة من الأدب واللطف عندما أراد أن يتعلم

стр. 628

من الخضر، فأحدها: أنه جعل نفسه تبعاً له، وثانيها: أن استأذن في إثبات هذا التبعية فإنه قال هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعاً لك وهذا مبالغة عظيمة في التواضع، وثالثها: أنه قال على أن: ﴿تُعَلِّمَنِ﴾ وهذا إقرار له على نفسه بالجهل وعلى أستاذه بالعلم، ورابعها: أنه قال: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ وصيغة من للتبعيض فطلب منه تعليم بعض ما علمه الله، وهذا أيضاً مشعر بالتواضع كأنه يقول له لا أطلب منك أن تجعلني مساوياً في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزأً من أجزاء علمك، كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزأً من أجزاء ماله، وخامسها: أن قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ اعتراف بأن الله علمه ذلك العلم، وسادسها: أن قوله: ﴿رُشْدًا﴾ طلب منه للإرشاد والهداية والإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلال. وسابعها: أن قوله: ﴿تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ معناه أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به وفيه إشعار بأنه يكون إنعامك علي عند هذا التعليم شبيهاً بإنعام الله تعالى عليك في هذا التعليم ولهذا المعنى قيل أنا عبد من تعلمت منه حرفاً) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، والقرطبي، وأبو حيان، وأبو السعود، والألوسي، والشوكاني. (٢) إرشاد المعلم للمتعلم في إيراد السؤال . قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (٧٠)﴾ (الكهف: ٧٠).

стр. 629

٣١٧ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: أن المعلم إذا رأى المصلحة في إيزاعه للمتعلم أن يترك الابتداء في السؤال عن بعض الأشياء، حتى يكون المعلم هو الذي يوقفه عليها، فإن المصلحة تتبع، كما إذا كان فهمه قاصراً، أو نهاه عن الدقيق في سؤال الأشياء التي غيرها أهم منها، أو لا يدركها ذهنه، أو يسأل سؤالاً لا يتعلق في موضع البحث). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً تربوياً، وهو تعليم المتعلم السؤال، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الخضر علّم موسى متى السؤال حيث أرشده أن السؤال يكون بعد إرشاد الخضر له وليس عند حاجة موسى إليه. قال الزمخشري- بعد تفسيره لهذه الآية -: (وهذا من آداب المتعلم مع العالم والمتبوع مع التابع) (٢)، وممن قال به كذلك من المفسرين: أبوالسعود (٣). وهذا الأدب من أهم الآداب التي ينبغي للمتعلم مراعاتها في أثناء تعليمه؛ إذ في المبادرة بالسؤال استباق للمعلومة التي ربما ستأتي ولكن لم يحن وقت إيرادها، كما أن في المبادرة بالسؤال إرباك للمعلم في تقديم معلومة حقها التأخير، حيث إن بعض المعلومات قد تكون أهميتها ليست بتلك، ولكن السؤال هو الذي قدمها.

стр. 630

استعمال الأدب مع الله في الألفاظ . قال تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا (٧٩)﴾ (الكهف: ٧٩). وقال تعالى: ﴿فَأَرَادَ رَبَّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ (٨٢)﴾ (الكهف: ٨٢). ٣١٨ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: استعمال الأدب مع الله تعالى في الألفاظ، فإن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه بقوله ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ وأما الخير، فأضافه إلى الله تعالى لقوله: ﴿فَأَرَادَ رَبَّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ كما قال إبراهيم ﵇ ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (٨٠)﴾ [الشعراء: ٨٠]، وقالت الجن: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (١٠)﴾ [الجن: ١٠] مع أن الكل بقضاء الله وقدره). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً سلوكياً، وهو الأدب مع الله في الألفاظ، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الخضر أضاف عيب السفينة إلى نفسه، وأما استخراج الكنز للأيتام فأضافه إلى الله، كل ذلك تأدباً مع الله جل شأنه في الألفاظ التي يتكلم بها المرء. قال القرطبي: (لما كان ذلك خيراً كله أضافه إلى الله تعالى وأضاف عيب السفينة إلى نفسه رعاية للأدب لأنها لفظة عيب فتأدب بأن لم يسند الإرادة فيها إلا إلى نفسه، كما تأدب إبراهيم ﵇ في قوله: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ فأسند الفعل قبل وبعد إلى الله تعالى، وأسند إلى نفسه المرض،

стр. 631

إذ هو معنى نقص ومصيبة، فلا يضاف إليه من الألفاظ إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وأبوحيان، والبيضاوي، وابن عرفة، وابن المنير (٢). وقال بعض المفسرين إن الاختلاف هنا إنما هو مراعاة لذوق العرب في استماع الكلام، فيحبون أن يسمعوا الكلام المختلف في اللفظ المتفق في المعنى، قال ابن الأنباري: (لما كان قوله: "فأردتُ" و"وأردنا" كل واحد منهما يصلح أن يكون خبراً عن الله ، وعن الخضر، أتبعهما بما يحصر الإِرادة عليه، ويزيلها عن غيره، ويكشف البُغية من اللفظتين الأولَيين، وإِنما قال: "فأردتُ" "فأردنا" "فأراد ربُّك"، لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتِّفاقه مع تساوي المعاني، لأنه أعذب على الألسن، وأحسن موقعاً في الأسماع، فيقول الرجل: قال لي فلان كذا، وأنبأني بما كان، وخبَّرني بما نال) (٣). وهذا المعنى وإن كان وارداً وهو حسن؛ إلا أن زيادة المعنى عند الإمكان هو الأحسن فمع الإمتاع في تغيير الألفاظ، إلا أنها تحمل معان كذلك، فالأول يجمع بين الأمرين. والله أعلم. الرضا بالأقدار المكروهة . ٣١٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض أجراها الله

стр. 632

وجعلها على يد هذا العبد الصالح، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أموراً يكرهها جداً، وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجاً من لطفه وكرمه، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا (١) بأقداره المكروهة). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من عموم إيراد هذه القصة أن الأقدار التي تجري على الناس وإن كانت مكروهة في ظاهرها، لكنها في خير للعبد في دينه ودنياه، ووجه استنباط ذلك من القصة ما أجراه الله على يد الخضر من

стр. 633

أمور منهل قتل الغلام ففي قتله سلامة دين أهله، وكذلك خرق السفينة ففي ذلك نجاة السفينة من المغتصبين. وهذا الاستنباط فيه فائدة عظيمة جداً، فيطمئن الإنسان للأقدار المكروهة، ويعلم أن في ذلك خيراً له في دينه أو دنياه. ومما يعين على ذلك علم العبد أن اختيار الله له خير له من اختياره لنفسه، وأن ما يجري عليه من أقدار وإن كانت مكروهة لكن إن صبر عليها ورضي بها كان له بذلك أجراً عظيماً.

стр. 634

سورة مريم مناسبة التعبير بقوله فويل للذين كفروا دون قوله فويل لهم . قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ (مريم: ٣٧). ٣٢٠ - قال السعدي ﵀: (وتأمل كيف قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعد قوله ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ ولم يقل " فويل لهم " ليعود الضمير إلى الأحزاب، لأن من الأحزاب المختلفين، طائفة أصابت الصواب، ووافقت الحق، فقالت في عيسى: " إنه عبد الله ورسوله " فآمنوا به، واتبعوه، فهؤلاء مؤمنون، غير داخلين في هذا الوعيد، فلهذا خص الله بالوعيد الكافرين). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التعبير بقوله (فويل للذين كفروا) دون قوله فويل لهم، وأن مناسبة ذلك أن من الأحزاب طائفة

стр. 635

آمنت فخص الله الكافرين بالذكر حتى يخرج هؤلاء الذين آمنوا، فأتى بهذا اللفظ الذي يفصل هؤلاء عن هؤلاء. وذهب بعض المفسرين إلى أن مناسبة الإتيان بهذا اللفظ هو تعميم الحكم بالكفر على الجميع، قال أبوالسعود: (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم المختلفون عبّر عنهم بالموصول إيذاناً بكفرهم جميعاً وإشعاراً بعلة الحُكم) (١)، وممن قال بذلك أيضاً: الألوسي، وابن عاشور (٢). وما ذهب إليه السعدي هو الصحيح؛ إذ فيه معنى موافق للواقع فقد صدق بعض هؤلاء الأحزاب فناسب الإتيان بلفظ يميزهم عن غيرهم. ولعل في هذا اللفظ أيضاً بيان الدقة في العدل والإنصاف وذكر أهل الفضل وإن كانوا قلة. الذم إنما هو لمتبعي الشهوات دون متناوليها . قال تعالى: ﴿* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ (مريم: ٥٩). ٣٢١ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩] عذاباً مضاعفاً شديداً - اتبعوا الشهوات بمعنى أرادوها وصارت هي همهم، وانقادوا لها وصاروا مطيعين لها، فلذلك قال: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ ولم يقل " تناولوا، وأكلوا " ونحوه لهذا المعنى، لأن هذا الذم إنما يتناول متبعي الشهوات، فمهما اشتهت نفوسهم فعلوه على أنه المقصود المتبوع، ومن
следующие страницы →