إذ هو معنى نقص ومصيبة، فلا يضاف إليه من الألفاظ إلا ما يستحسن منها دون ما يستقبح) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وأبوحيان، والبيضاوي، وابن عرفة، وابن المنير (٢).
وقال بعض المفسرين إن الاختلاف هنا إنما هو مراعاة لذوق العرب في استماع الكلام، فيحبون أن يسمعوا الكلام المختلف في اللفظ المتفق في المعنى، قال ابن الأنباري: (لما كان قوله: "فأردتُ" و"وأردنا" كل واحد منهما يصلح أن يكون خبراً عن الله ، وعن الخضر، أتبعهما بما يحصر الإِرادة عليه، ويزيلها عن غيره، ويكشف البُغية من اللفظتين الأولَيين، وإِنما قال: "فأردتُ" "فأردنا" "فأراد ربُّك"، لأن العرب تؤثر اختلاف الكلام على اتِّفاقه مع تساوي المعاني، لأنه أعذب على الألسن، وأحسن موقعاً في الأسماع، فيقول الرجل: قال لي فلان كذا، وأنبأني بما كان، وخبَّرني بما نال) (٣).
وهذا المعنى وإن كان وارداً وهو حسن؛ إلا أن زيادة المعنى عند الإمكان هو الأحسن فمع الإمتاع في تغيير الألفاظ، إلا أنها تحمل معان كذلك، فالأول يجمع بين الأمرين. والله أعلم.
الرضا بالأقدار المكروهة .
٣١٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي فوائد قصة موسى مع الخضر-: أن هذه القضايا التي أجراها الخضر هي قدر محض أجراها الله
стр. 632
وجعلها على يد هذا العبد الصالح، ليستدل العباد بذلك على ألطافه في أقضيته، وأنه يقدر على العبد أموراً يكرهها جداً، وهي صلاح دينه، كما في قضية الغلام، أو وهي صلاح دنياه كما في قضية السفينة، فأراهم نموذجاً من لطفه وكرمه، ليعرفوا ويرضوا غاية الرضا (١) بأقداره المكروهة). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من عموم إيراد هذه القصة أن الأقدار التي تجري على الناس وإن كانت مكروهة في ظاهرها، لكنها في خير للعبد في دينه ودنياه، ووجه استنباط ذلك من القصة ما أجراه الله على يد الخضر من
стр. 633
أمور منهل قتل الغلام ففي قتله سلامة دين أهله، وكذلك خرق السفينة ففي ذلك نجاة السفينة من المغتصبين.
وهذا الاستنباط فيه فائدة عظيمة جداً، فيطمئن الإنسان للأقدار المكروهة، ويعلم أن في ذلك خيراً له في دينه أو دنياه.
ومما يعين على ذلك علم العبد أن اختيار الله له خير له من اختياره لنفسه، وأن ما يجري عليه من أقدار وإن كانت مكروهة لكن إن صبر عليها ورضي بها كان له بذلك أجراً عظيماً.
стр. 634
سورة مريم
مناسبة التعبير بقوله فويل للذين كفروا دون قوله فويل لهم .
قال تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ (مريم: ٣٧).
٣٢٠ - قال السعدي ﵀: (وتأمل كيف قال: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بعد قوله ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ ولم يقل " فويل لهم " ليعود الضمير إلى الأحزاب، لأن من الأحزاب المختلفين، طائفة أصابت الصواب، ووافقت الحق، فقالت في عيسى: " إنه عبد الله ورسوله " فآمنوا به، واتبعوه، فهؤلاء مؤمنون، غير داخلين في هذا الوعيد، فلهذا خص الله بالوعيد الكافرين). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التعبير بقوله (فويل للذين كفروا) دون قوله فويل لهم، وأن مناسبة ذلك أن من الأحزاب طائفة
стр. 635
آمنت فخص الله الكافرين بالذكر حتى يخرج هؤلاء الذين آمنوا، فأتى بهذا اللفظ الذي يفصل هؤلاء عن هؤلاء.
وذهب بعض المفسرين إلى أن مناسبة الإتيان بهذا اللفظ هو تعميم الحكم بالكفر على الجميع، قال أبوالسعود: (﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم المختلفون عبّر عنهم بالموصول إيذاناً بكفرهم جميعاً وإشعاراً بعلة الحُكم) (١)، وممن قال بذلك أيضاً: الألوسي، وابن عاشور (٢).
وما ذهب إليه السعدي هو الصحيح؛ إذ فيه معنى موافق للواقع فقد صدق بعض هؤلاء الأحزاب فناسب الإتيان بلفظ يميزهم عن غيرهم.
ولعل في هذا اللفظ أيضاً بيان الدقة في العدل والإنصاف وذكر أهل الفضل وإن كانوا قلة.
الذم إنما هو لمتبعي الشهوات دون متناوليها .
قال تعالى: ﴿* فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ (مريم: ٥٩).
٣٢١ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩] عذاباً مضاعفاً شديداً - اتبعوا الشهوات بمعنى أرادوها وصارت هي همهم، وانقادوا لها وصاروا مطيعين لها، فلذلك قال: ﴿وَاتَّبَعُوا﴾ ولم يقل " تناولوا، وأكلوا " ونحوه لهذا المعنى، لأن هذا الذم إنما يتناول متبعي الشهوات، فمهما اشتهت نفوسهم فعلوه على أنه المقصود المتبوع، ومن
стр. 636
المعلوم أن النفس من طبعها أنها أمارة بالسوء، فإذا كان هذا طبعها علم أن ذمهم على اتباع الشهوات يدخل فيه المعاصي كلها، فلذلك رتب على هذا العقاب البليغ في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وهذا بخلاف المؤمن المطيع لله، فإنه - وإن تناول الشهوات - فإنه لا يتبعها ولا تصير أكبر همه، ولا مبلغ علمه، بل يتناولها على وجه تكون هي تابعة لغيرها لا متبوعه. وخواص المؤمنين يتناولون الشهوات بقصد التوسل بها إلى القربات فتنقلب طاعات). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الذم إنما هو لمتبعي الشهوات دو متناوليها بقيدها الشرعي وهو كونها حلالاً وبلا إسراف، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذم متبعي الشهوات، مما يدل على أن متناوليها ليسوا بمذمومين، فالذم خاص بالاتباع فقط دون مجرد التناول.
وقد أشار إلى قريب من ذلك البقاعي فقال: (﴿وَاتَّبَعُوا﴾ أي بغاية جهدهم) (٢).
وهذا الاستنباط فيه بيان الفرق بين من تكون له الشهوة قصداً يترك من أجلها أي شيء، ومن تكون الشهوة له عارض ولكنها ليست مقصودة لديه بل هي تبع.
وهذا الاستنباط فيه إشارة إلى ضابط من ضوابط تناول الشهوات، فإن الإنسان من طبعه الميل إلى حب الشهوة وفعلها، ولكن الفارق بين حدود المباح والمحظور في ذلك هو ميل القلب إليها بالكلية وجعلها مقصداً، فالمؤمن يجعلها عارضة، وأما غير المؤمن فيجعلها قصداً.
ولو أخذنا مثال الكرة في هذا الزمان لتبين لنا معنى هذا الاستنباط
стр. 637
واضحاً، ففرق بين من يلعب الكرة للرياضة وتقوية الجسم، ونحو ذلك من المقاصد المشروعة، وبين من يجعل الكرة همه الأكبر الذي يوالي ويعادي من أجله، بل ربما ترك الواجبات وفعل المحرمات من أجل ذلك، ففي الأول مارس الشهوة تبعاً، وفي الثاني مارس الشهوة قصداً فصار مذموماً.
стр. 638
سورة طه
الجمع بين الخلق والأمر في الذكر .
قال تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾ (طه: ٤ - ٦).
٣٢٢ - قال السعدي ﵀: (وكثيراً ما يقرن بين الخلق والأمر كما في هذه الآية وكما في قوله ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَرْضُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وفي قوله ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَرْضُ بَيْنَهُنَّ﴾ [الطلاق: ١٢]، وذلك أنه الخالق الآمر الناهي فكما أنه لا خالق سواه فليس على الخلق إلزام ولا أمر ولا نهي إلا من خالقهم وأيضاً فإن خلقه للخلق فيه التدبير القدري الكوني وأمره فيه التدبير الشرعي الديني فكما أن الخلق لا يخرج عن الحكمة فلم يخلق شيئاً عبثاً فكذلك لا يأمر ولا ينهى إلا بما هو عدل وحكمة وإحسان فلما بين أنه الخالق المدبر الآمر الناهي أخبر عن عظمته وكبريائه). ا. هـ (١)
стр. 639
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الجمع بين الخلق والأمر في الذكر، وأن مناسبة ذلك هو أن الإلزام بالأمر والنهي لا يكون إلا من الخالق، وكذلك الخلق فيه التدبير القدري الكوني، والأمر فيه التدبير الشرعي الديني، وفي ذلك بيان لعظمة الله وكبريائه.
وهذا الاستنباط فيه هدم لجميع المعبودات من دون الله؛ إذ لا يستحق العبادة إلا من كان له هذه العظمة والكبرياء، وهذا إنما هو لله الواحد القهار.
إخراج الكلام بطريقة الاستفهام لزيادة الاهتمام .
قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (١٧)﴾ (طه: ١٧).
٣٢٣ - قال السعدي ﵀: (قال: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ هذا، مع علمه تعالى، ولكن لزيادة الاهتمام في هذا الموضع، أخرج الكلام بطريق الاستفهام). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة إخراج الكلام هنا على طريقة الاستفهام، وأن ذلك لزيادة الاهتمام، أي الاهتمام بالعصا التي ستكون فيها معجزة بانقلابها إلى حية.
وقد أشار بعض المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال البغوي: (قوله : ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ سؤال تقرير، والحكمة في هذا
стр. 640
السؤال: تنبيهه وتوقيفه على أنها عصا حتى إذا قلبها حية علم أنه معجزة عظيمة. وهذا على عادة العرب، يقول الرجل لغيره: هل تعرف هذا؟ وهو لا يشك أنه يعرفه، ويريد أن ينضم إقراره بلسانه إلى معرفته بقلبه) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، وأبوحيان، والبيضاوي، وأبو السعود، والبقاعي، والهرري (٢).
الأصل في النوابت الإباحة .
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾ (طه: ٥٣).
٣٢٤ - قال السعدي ﵀: (﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾ أي: أنزل المطر ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [النحل: ٦٥] وأنبت بذلك جميع أصناف النوابت على اختلاف أنواعها، وتشتت أشكالها، وتباين أحوالها، فساقه، وقدره، ويسره، رزقاً لنا ولأنعامنا، ولولا ذلك لهلك من عليها من آدمي وحيوان، ولهذا قال: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤] وسياقها على وجه الامتنان، ليدل ذلك على أن الأصل في جميع النوابت الإباحة، فلا يحرم منهم إلا ما كان مضراً، كالسموم ونحوه). ا. هـ (٣)
стр. 641
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية، وهي أن الأصل في النوابت الإباحة، فلا يحرم منها إلا ما كان مضراً، ووجه استنباط ذلك أن الله ذكر النوابت في الآية على وجه الامتنان ليدل على أن الأصل في ذلك الإباحة.
стр. 642
سورة الأنبياء
بطلان القول ببقاء الخضر .
قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلَكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ (الأنبياء: ٣٤).
٣٢٥ - قال السعدي ﵀: (وهذه الآية، تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر، وأنه مخلد في الدنيا، فهو قول، لا دليل عليه، ومناقض للأدلة الشرعية). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية بطلان القول ببقاء الخضر حياً، ووجه استنباط ذلك من الآية عموم نفي الخلد لأحد من الخلق، فدل على أن الخضر ليس بحي.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن كثير: (وقد استدل بهذه الآية الكريمة من ذهب من العلماء إلى أن الخضر،
стр. 643
عليه السلام، مات وليس بحي إلى الآن؛ لأنه بشر، سواء كان وليًا أو نبيًا أو رسولا وقد قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلَكَ الْخُلْدَ﴾) (١)، وقال الجزائري-في ذكره فوائد هذه الآية-: (إبطال ما شاع من أن الخضر حيَّ مخلد لا يموت لنفيه تعالى ذلك عن كل البشر) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: البخاري، وابن العربي، وابن الجوزي، والشنقيطي (٣).
المخالفون:
خالف في ذلك بعض المفسرين، وقالوا إن الخضر حي، وقالوا إن عموم الآية لا يشمل الخضر، وممن قال بذلك: القرطبي، وابن الصلاح، والنووي، والألوسي. (٤)
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، فالآية تدل على أن الخضر قد مات، وهو ظاهر عموم قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلَكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾، فقوله " لبشر " نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر من قبله، والخضر بشر من قبله، فلو كان شرب من عين الحياة وصار حياً خالداً إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد (٥).
ومما يؤيد هذا الاستنباط ما رواه عبد الله بن عمر قال: صلى بنا رسول الله ﷺ ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قال فقال:
стр. 644
(أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهرها أحد) (١)، والسياق هنا سياق نفي، "أحد"نكرة في سياق نفي، والنكرة في سياق النفي تعم، فهي تعم كل أحد، وهذا العموم يشمل الخضر.
وأما ما قاله المثبتون لحياة الخضر من أن عموم الآيات والأحاديث الدالة على موته، لا يشملها العموم، فالجواب عنه: إن العلماء مجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سنداً ومتناً، فالدعوى المجردة عن دليل من كتاب أو سنة لا يجوز أن يُخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعاً (٢)، وهذا هو الحال في النصوص المثبتة لوفاة الخضر نصوص عامة، لا بد من أدلة صحيحة تصلح لتخصيص هذا العموم وإخراج الخضر منه. والله أعلم.
كل ممقوت عند الله لا يطلق عليه ألفاظ التعظيم .
قال تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ (الأنبياء: ٥٨).
٣٢٦ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ أي إلا صنمهم الكبير، فإنه تركه لمقصد سيبينه، وتأمل هذا الاحتراز العجيب، فإن كل ممقوت عند الله، لا يطلق عليه ألفاظ التعظيم، إلا على وجه إضافته لأصحابه، كما كان النبي ﷺ إذا كتب إلى ملوك
стр. 645
الأرض المشركين يقول: " إلى عظيم الفرس " " إلى عظيم الروم " ونحو ذلك، ولم يقل " إلى العظيم " وهنا قال تعالى: ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ ولم يقل " كبيراً من أصنامهم " فهذا ينبغي التنبيه له، والاحتراز من تعظيم ما حقره الله، إلا إذا أضيف إلى من عظمه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن كل ممقوت عند الله لا يطلق عليه ألفاظ التعظيم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله لم يطلق لفظ الكبير على الصنم إلا مضافاً؛ احترازاً من تعظيمها وهي ممقوتة عند الله، فأخذ من ذلك أن كل ممقوت لا ينبغي تعظيمه.
وهذا من دقائق الاستنباطات، حيث لم أجد بعد بحث من قال بمثل ذلك من المفسرين.
وهذا الاستنباط فيه بيان التحرز من مدح وتعظيم كل الممقوتين؛ وقد غفل عن هذه المسألة أناس فعظموا من لم يستحق التعظيم ونسبوا إليهم مالا يستحقونه، ففي زماننا أصبح لكل مجال شهداء، حتى إن بعضهم نسب أهل الفجر إلى ذلك فقالوا شهداء الفن، وبعضهم ملاحدة شيوعيون، وغيرهم ويُعظمون بمثل ذلك، ففي هذا الاستنباط لفتة إلى هذا.
يأجوج ومأجوج هم هؤلاء الأمم الروس والصين وأمريكا والإفرنج .
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ (الأنبياء: ٩٦).
стр. 646
٣٢٧ - قال السعدي ﵀: (فعلم من ذلك أن يأجوج ومأجوج (١) هم هؤلاء الأمم؛ الروس والصين وأمريكا، والإفرنج (٢)، يوضح هذا قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ أي: حتى إذا انفتحوا على الناس فبرزوا بعد أن كانوا منحازين في ديارهم بهذا الوصف الذي ذكر الله عنهم ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ أي: مكان مرتفع كالجبال وما فوقها. ﴿يَنْسِلُونَ﴾ أي يسرعون.
وهذا مطابق لما هم عليه فإنهم في جميع أقطار الدنيا قد انفتحوا على الناس وأتوهم من كل جانب؛ ولهذا أتى بأداة التعميم، وهي قوله ﴿مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ فلم يبق جبل إلا صعدوه، ولا بحر عميق إلا عبروه، ولا صعب إلا سلكوه، وأبلغ من ذلك أنهم في جو السماء ينسلون؛ أي يسرعون بالطائرات التي جابت مشارق الأرض ومغاربها وجميع جهاتها فإذا لم يصدق عليهم هذا الوصف فمن تراه يصدق عليه؟ وإذا لم ينطبق عليهم هذا النعت فأخبرني بمن ينطبق عليه؟
وفي هذه الآية الكريمة برهان ودليل باهر على الإخبار بحدوث هذه المخترعات التي وصلوا بها إلى هذه الحال؛ لأن إخبار الله ورسوله بشيء
стр. 647
إخبار به وبما لا يتم ذلك إلا به، وذلك أنه لا يحصل تمكنهم من الإسراع والنسلان من كل حدب إلا بالصنائع الراقية، والمخترعات المدهشة). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن يأجوج ومأجوج هم أمم الصين وأمريكا والإفرنج، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ذكر عنهم أنهم يأتون من كل مكان، وبسرعة، وهذا ما تم اليوم؛ إذ أن هؤلاء ما تركوا مكاناً إلا أتوه وبسرعة هائلة، وأيد استنباطه بأن الإخبار عن مجيئهم من كل مكان وبسرعة، يلزم منه أن تكون لديهم وسائل سريعة مدهشة، وهذا هو الحاصل اليوم من وجود ناقلات وطائرات تمكنهم من الانتقال بكثرة وسرعة شديدة.
وما ذكره السعدي هنا فيه نوع جزم من أن هذه الأمم هي يأجوج ومأجوج، وهذا فيه نظر، وغاية ما يمكن القول به هنا أن يأجوج ومأجوج سيكون خروجهم من المشرق، ولكن الجزم بشيء محدد يحتاج إلى بحث جماعي من علماء الأمة فمثل هذا التنزيل لا يكفي فيه انفراد عالم وإن جل قدره، قال العثيمين بعد سؤاله عن يأجوج ومأجوج هل هم أهل الصين؟ فقال: لا يثبت (٢)، كما أن النصوص الواردة في خروجهم تدل على أن لهم خروجاً مميزاً في الإفساد، وأن ذلك يكون في زمن عيسى ﵇، وأن هلاكهم يكون على يده، مما يدل على أن ما ذهب إليه السعدي فيه بعد (٣). والله أعلم.
стр. 648
وممن قال ببطلان هذا القول الشيخ حمود التويجري (١)، حيث قال: (وبعض العصريين يزعمون أن يأجوج ومأجوج هم جميع دول الكفر المتفوقين في الصناعات الحديثة، وقد رأيت هذا القول الباطل في بعض مؤلفات المتكلفين العصريين. . . وقد قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ (الأنبياء: ٩٦). وفي هاتين الآتين أبلغ الرد على من زعم أن يأجوج ومأجوج هم دول الإفرنج أوغيرهم من دول المشرق والمغرب الذين لم يزالوا مختلطين بغيرهم من الناس، ولم يجعل بينهم وبين الناس سد، ومن المعلوم أن دول آسيا وأوربا وأمريكا لم تزل في أماكنها منذ زمان طويل، وأنه ليس بينهم وبين غيرهم سد من حديد يمنعهم من الخروج والاختلاط بغيرهم من الناس، فصفة يأجوج ومأجوج لا تنطبق على شيء من الدول المعروفة الآن، وقد تقدم في عدة أحاديث صحيحة أن يأجوج ومأجوج إنما يخرجون بعد نزول عيسى وقتل الدجال، وأنهم لا يمكثون بعد خروجهم على الناس إلا مدة يسيرة، وأما عدم رؤيتهم وعدم رؤية السد فهذا قد يكون بصارف من الله فلا يلزم من عدم رؤيتهم عدم وجودهم) (٢).
وأشار التويجري إلى أن السعدي تراجع عن قوله هذا بعد إنكار بعض علماء نجد عليه في هذه المسألة، وغاية ما ذكره التويجري أن السعدي لم يذكر هذا القول في التفسير، وهو بعد كتابته رسالة يأجوج ومأجوج (٣)، إلا أن هذا لا يكفي في إثبات رجوع السعدي عن ذلك حيث
стр. 649
إنه لم يصرح بالرجوع عن اختياره هذا، فعدم ذكره له لا يدل على التراجع، بل العادة أن من قال بمثل هذا القول ثم تراجع عنه أنه يصرح بذلك فالتلميح هنا لا يكفي. والله أعلم.
стр. 650
سورة الحج
قدم الطواف على الاعتكاف والصلاة لاختصاصه بالبيت .
قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ (الحج: ٢٦).
٣٢٨ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ (١) وقدم الطواف على الاعتكاف والصلاة، لاختصاصه بهذا البيت، ثم الاعتكاف، لاختصاصه بجنس المساجد). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تقديم ذكر الطواف قبل الاعتكاف والصلاة، وأن مناسبة ذلك هو اختصاص الطواف بالبيت،
стр. 651
والكلام هنا عن البيت، ثم قدم الاعتكاف قبل الصلاة لاختصاصه بجنس المساجد فلا اعتكاف في غير المسجد.
ختم الآية بالأمر بالطواف لبيان أن الطواف ليس معلقاً بالنسك .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ (الحج: ٢٩).
٣٢٩ - قال السعدي ﵀: (﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (١) أي: القديم، أفضل المساجد على الإطلاق، المعتق: من تسلط الجبابرة عليه. وهذا أمر بالطواف، خصوصاً بعد الأمر بالمناسك عموماً، لفضله، وشرفه، ولكونه المقصود، وما قبله وسائل إليه.
ولعله -والله أعلم أيضاً- لفائدة أخرى، وهو: أن الطواف مشروع كل وقت، وسواء كان تابعاً لنسك، أم مستقلاً بنفسه). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الطواف مشروع كل وقت سواء كان تابعاً لنسك أم مستقلاً، ووجه استنباط ذلك ختم آية المناسك بالأمر به.
وهذا المعنى المستنبط صحيح في ذاته إجماعاً فالطواف مشروع مطلقاً لا علاقة له بالنسك، بل هو عبادة مستقلة؛ لكن استنباطه من هذه الآية فيه نظر، وبعد؛ والسبب أن الآية في طواف الإفاضة، كما قال
стр. 652
الطبري: (وعني بالطواف الذي أمر جلّ ثناؤه حاجٌ بيته العتيق به في هذه الآية طواف الإفاضة الذي يُطاف به بعد التعريف، إما يوم النحر وإما بعده، لا خلاف بين أهل التأويل في ذلك) (١)، وبناء على ذلك فلا مجال للاستنباط في الآية إذ معناها في طواف الإفاضة فقط، ومن هنا نعلم أن ما ذهب إليه السعدي هنا بعيد. والله أعلم.
وهذا الاستنباط يصلح فيما لو كان الأمر بالطواف عاماً، فلما تبين خصوصية المعنى فلا مجال لهذا الاستنباط حينئذ.
الإتيان بـ "من" لبيان سهولة ما أمر الله من الإنفاق .
قال تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣٥)﴾ (الحج: ٣٥).
٣٣٠ - قال السعدي ﵀: (﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ وهذا يشمل جميع النفقات الواجبة، كالزكاة، والكفارة، والنفقة على الزوجات والمماليك، والأقارب، والنفقات المستحبة، كالصدقات بجميع وجوهها، وأتي بـ ﴿من﴾ المفيدة للتبعيض، ليعلم سهولة ما أمر الله به ورغب فيه، وأنه جزء يسير مما رزق الله، ليس للعبد في تحصيله قدرة، لولا تيسير الله له ورزقه إياه، فيا أيها المرزوق من فضل الله، أنفق مما رزقك الله، ينفق الله عليك، ويزدك من فضله). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التعبير بـ (من) التبعيضية عند
стр. 653
طلب الإنفاق، وأن مناسبة ذلك هو بيان سهولة ما أمر الله به من الإنفاق وأنه جزء يسير مما أعطى الله العبد.
وهذا الاستنباط يبين لنا نعمة الله على العباد ورحمته بهم؛ إذ أعطاهم الكثير وطلب منهم القليل، ولو تأملنا مقدار الزكاة الواجبة في المال لعرفنا رحمة الله بنا ومقدار نعمته علينا.
وهذا الاستنباط لا يعني عدم التصدق بالمال الكثير فقد تصدق أبو بكر ﵁ بماله كله، وتصدق عمر ﵁ بنصف ماله، وإنما المراد من ذلك التخفيف في التكليف، فأما من كانت نفسه تسمح بالكثير فلا يوجد مانع شرعي من ذلك.
الأمر بالشيء والنهي عنه يدخل فيه ما لا يتم إلا به .
قال تعالى: ﴿وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ (٤١)﴾ (الحج: ٤١).
٣٣١ - قال السعدي ﵀: (﴿وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ كل منكر شرعاً وعقلاً معروف قبحه، والأمر بالشيء والنهي عنه يدخل فيه ما لا يتم إلا به، فإذا كان المعروف والمنكر يتوقف على تعلم وتعليم، أجبروا الناس على التعلم والتعليم، وإذا كان يتوقف على تأديب مقدر شرعا، أو غير مقدر، كأنواع التعزير، قاموا بذلك، وإذا كان يتوقف على جعل أناس متصدين له، لزم ذلك، ونحو ذلك مما لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا به). ا. هـ (١)
стр. 654
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذا كان متوقفاً على تعلم أمر أو تعليمه ونحو ذلك من الأمور، فإنه يجب تعلم هذه الأمور لأن ما لا يتم الأمر إلا به فهو مأمور به.
وهذا الاستنباط فيه تأصيل لتعلم فقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن من تصدى لهذه المهمة الشريفة يجب عليه أن يتعلم الأمور التي يحصل بها مقصود هذه المهمة، فهو تأصيل لما يسمى اليوم بـ "تأهيل عضو الهيئة".
كما أن جزءاً من هذا الاستنباط يتعرض لجعل أناس يتصدون للأمر والنهي، وهذا فيه رد لمن يعترض على جهاز الهيئة، وأنه لا داعي له إذ الكل مسلمون، ولكن هذا الاستنباط يرد عليهم وأنه يجب جعل من يقوم على هذه المهمة، لأنه من تمام قيامها.
لدفع توهم التكليف بما لا يطاق بين أن الدين لا حرج فيه .
قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (٧٨)﴾ (الحج: ٧٨).
٣٣٢ - قال السعدي ﵀: (ولما كان قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ربما توهم متوهم أن هذا من باب تكليف ما لا يطاق، أو تكليف ما يشق، احترز منه بقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾). ا. هـ (١)
стр. 655
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الإتيان بالآية التي فيها بيان رفع الحرج والمشقة، بعد الآية التي فيها الأمر ببذل الجهد، وأن مناسبة ذلك هو دفع توهم التكليف بما لا يطاق، فالأمر بالمجاهدة في حدود الطاقة لا غير.
قال شهاب الدين الخفاجي: (الظاهر أن حق جهاده تعالى لما كان متعسراً ذيله بهذا ليبين أن المراد ما هو بحسب قدرتهم لا ما يليق به جل وعلا من كل الوجوه) (١).
وهذا الاستنباط فيه فائدة أخرى وهي سد الطرق التي يمكن أن يلج منها أهل الغلو والتنطع، فهذه الآية كانت ستكون مستنداً لهم لولا أن الله قطع عليهم ذلك بالآية التي بعدها، وهكذا كلام الله متقن محكم غاية الإحكام.
стр. 656
سورة المؤمنون
تحريم نكاح المتعة .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَنَمُ مَلُومِينَ (٦)﴾ (المؤمنون: ٥ - ٦).
٣٣٣ - قال السعدي ﵀: (وعموم هذه الآية، يدل على تحريم نكاح المتعة (١)، فإنها ليست زوجة حقيقة مقصوداً بقاؤها، ولا مملوكة). ا. هـ (٢)
стр. 657
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية تحريم نكاح المتعة، ووجه استنباط ذلك من الآية عموم الآية، حيث بين الله أن التي تحل إنما هي الزوجة والمملوكة، فدل هذا العموم على تحريم ما عدا ذلك.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال إلكيا الهراسي: (يقتضي تحريم المتعة إذ ليست بزوجة ولا ملك يمين) (١)، وقال الشوكاني: (وقد دلت هذه الآية على تحريم نكاح المتعة) (٢)،
وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، والرازي، والقرطبي، والطوفي، والسيوطي، والألوسي، والشنقيطي (٣).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في استنباط تحريم نكاح المتعة من هذه الآية، قال الزمخشري: (فإن قلت: هل فيه دليل على تحريم المتعة؟ قلت: لا؛ لأنّ المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صحّ النكاح) (٤)، وقال أبو السعود: (وليس فيه ما يدل حتماً على تحريم المتعة) (٥)، وممن قال به أيضاً من المفسرين: أبوحيان، ومال إليه ابن العربي (٦).
стр. 658
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح في استنباط تحريم المتعة من الآية، لعموم الآية ولا مخصص لهذا العموم؛ ولأن زوجة المتعة تختلف في أشياء كثيرة عن الزوجة الحقيقية الشرعية فلما لم تكن زوجة كانت من جملة المحرمات، قال الشنقيطي: (المرأة المستمتع بها في نكاح المتعة، ليست زوجة، ولا مملوكة، أما كونها غير مملوكة فواضح، وأما الدليل على كونها غير زوجة، فهو انتفاء لوازم الزوجية عنها كالميراث والعدة والطلاق والنفقة، ونحو ذلك، فلو كانت زوجة لورثت واعتدت ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة، فلما انتفت عنها لوازم الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة، لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم بإجماع العقلاء) (١).
يشترط في حل المملوكة أن تكون كلها في ملك المالك .
قال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ (٦)﴾ (المؤمنون: ٦).
٣٣٤ - قال السعدي ﵀: (ويدل قوله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أنه يشترط في حل المملوكة أن تكون كلها في ملكه، فلو كان له بعضها لم تحل، لأنها ليست مما ملكت يمينه، بل هي ملك له ولغيره، فكما أنه لا يجوز أن يشترك في المرأة الحرة زوجان، فلا يجوز أن يشترك في الأمة المملوكة سيدان). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن المملوكة لا تحل لمالكها إلا إذا
стр. 659
كانت في ملكه كاملة، فإذا كان له بعضها فإنها لا تحل له، ووجه استنباط ذلك من الآية أن لفظ الآية يدل على أنه لا بد أن تكون ملكه كاملة، فدل مفهوم المخالفة أنها لو كان بعضها له والبعض الآخر لغيره فإنها لا تحل له.
قال الكاساني (١): (فلا يجوز للرجل أن يتزوج بجاريته ولا بجارية مشتركة بينه وبين غيره) (٢).
والسبب في عدم حليتها لأحد المالكين؛ أنه لم تتمحض ملكيتها لأي واحد منهما فحرمت على الجميع. والله أعلم.
تخصيص شجرة الزيتون بالذكر لخصوصية مكانها، ومنافعها .
قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (٢٠)﴾ (المؤمنون: ٢٠).
٣٣٥ - قال السعدي ﵀: (﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ﴾ وهي شجرة الزيتون، أي: جنسها، خصت بالذكر، لأن مكانها خاص في أرض الشام، ولمنافعها). ا. هـ (٣)
стр. 660
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص شجرة الزيتون بالذكر، وأن مناسبة ذلك هو خصوصية المكان، ولكثرة المنافع كذلك.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال ابن عاشور: (وتخصيصها بالذكر مع طي كون الناس منها يأكلون تنويه بشأنها، وإيماء إلى كثرة منافعها لأن من ثمرتها طعاماً وإصلاحاً ومداواة، ومن أعوادها وَقود وغيره) (١)، وقال الألوسي: (والمراد بهذه الشجرة شجرة الزيتون وتخصيصها بالذكر من بين سائر الأشجار لاستقلالها بمنافع معروفة. . . وتخصيصها بالوصف بالخروج من الطور مع خروجها من سائر البقاع أيضاً وأكثر ما تكون في المواضع التي زاد عرضها عليها ميلها واشتد بردها وكانت جبلية ذا تربة بيضاء أو حمراء لتعظيمها أو لأنه المنشأ الأصلي لها، ولعل جعله للتعظيم أولى فيكون هذا مدحاً لها باعتبار مكانها) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، والقرطبي، وأبو السعود، والشوكاني (٣).
стр. 661
سورة النور
إذا نكلت المرأة ولاعن الرجل يقام عليها الحد .
قال تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾ (النور: ٨).
٣٣٦ - قال السعدي ﵀: (وهل يقام عليها الحد، بمجرد لعان الرجل ونكولها أم تحبس؟ فيه قولان للعلماء (١)، الذي يدل عليه الدليل، أنه يقام عليها الحد، بدليل قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ﴾ إلى آخره، فلولا أن العذاب وهو الحد قد وجب بلعانه، لم يكن لعانها دارئاً له). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الملاعنة إذا نكلت عن الإيمان،
стр. 662
وحلف الملاعن، فإنه يقام عليها الحد، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بين أن درأها للحد إنما هو بالأيمان، فدل مفهوم المخالفة لذلك أنه بعدم الأيمان يقام عليها الحد.
الموافقون:
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الشنقيطي: (ومفهوم مخالفة الآية يدل على أنها لو نكلت عن شهاداتها، لزمها الحد بسبب نكولها مع شهادات الزوج، وهذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، فشهادات الزوج القاذف تدرأ عنه هو حد القذف، وتوجه إليها هي حد الزنى، وتدفعه عنها شهاداتها) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: إلكيا الهراسي، والرازي، والبيضاوي، والخازن، والسيوطي، وابن عاشور (٢).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط، وقالوا إن المراد بالعذاب هنا هو الحبس لا إقامة الحد، كما أنه لا يجوز إقامة الحد عليها بترك اللعان؛ لأنه ليس ببينة ولا إقرار، قال أبوالسعود: (﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ أي العذابَ الدنيويَّ وهو الحبسُ المغيَّا على أحدِ الوجهينِ بالرَّجمِ الذي هو أشدُّ العذابِ) (٣)، وممن قال بذلك أيضاً من المفسرين: الجصاص، والألوسي (٤).
стр. 663
النتيجة:
ماذهب إليه السعدي ومن وافقه من المفسرين هو الصحيح، من أن الآية تدل على أن الملاعنة عند حلف الملاعن ونكولها فإنه يقام عليها الحد، قال الطبري: (وإنما قلنا: الواجب عليها إذا هي امتنعت من الالتعان بعد التعان الزوج الحدّ الذي وصفنا، قياساً على إجماع الجميع على أن الحدّ إذا زال عن الزوج بالشهادات الأربع على تصديقه فيما رماها به، أن الحدّ عليها واجب، فجعل الله أيمانه الأربع، والتعانه في الخامسة مخرجاً له من الحدّ الذي يجب لها برميه إياها، كما جعل الشهداء الأربعة مخرجاً له منه في ذلك وزائلا به عنه الحدّ، فكذلك الواجب أن يكون بزوال الحدّ عنه بذلك واجباً عليها حدّها، كما كان بزواله عنه بالشهود واجباً عليها، لا فرق بين ذلك). (١)
تعظيم حرمة عرض المسلم .
قال تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ (النور: ١٣).
٣٣٧ - قال السعدي ﵀: (﴿فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ وإن كانوا في أنفسهم قد تيقنوا ذلك، فإنهم كاذبون في حكم الله، لأن الله حرم عليهم التكلم بذلك، من دون أربعة شهود، ولهذا قال: ﴿فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ ولم يقل " فأولئك هم الكاذبون " وهذا كله، من تعظيم حرمة عرض المسلم، بحيث لا يجوز
стр. 664
الإقدام على رميه، من دون نصاب الشهادة بالصدق). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية تعظيم حرمة عرض المسلم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله سمى الذين يشهدون بالقذف وهم دون الأربعة كاذبين؛ حتى لو كانوا صادقين في أنفسهم، ولكنهم في حكم الله كاذبين، وذلك صيانة لأعراض المسلمين.
ويؤخذ من هذا الاستنباط أن أحكام الشريعة الإسلامية مبنية على الحقائق والدلائل الظاهرة، وليست مبنية على النوايا حتى ولو كانت حسنة.
وأشار الرازي إلى معنى آخر فقال: (فإن قيل: أليس إذا لم يأتوا بالشهداء فإنه يجوز كونهم صادقين كما يجوز كونهم كاذبين فلم جزم بكونهم كاذبين؟ والجواب من وجهين: الأول: أن المراد بذلك الذين رموا عائشة خاصة وهم كانوا عند الله كاذبين، والثاني: المراد فأولئك عند الله في حكم الكاذبين فإن الكاذب يجب زجره عن الكذب، والقاذف إن لم يأت بالشهود فإنه يجب زجره فلما كان شأنه شأن الكاذب في الزجر لا جرم أطلق عليه لفظ الكاذب مجازاً) (٢).
التعبير بقوله "تستأنسوا" أحسن من التعبيربـ "تستأذنوا"؛ لأنه يشمل الاستئذان والتعليل .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ شَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلُهَا (٢٧)﴾ (النور: ٢٧).
стр. 665
٣٣٨ - قال السعدي ﵀: (الإتيان بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ شَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ (١) [النور: ٢٧] أحسن من قوله " تستأذنوا " لأن (تستأنسوا) تتضمن الاستئذان وزيادة التعليل، وأن الحكمة التي شرع الله الاستئذان لأجلها هي حصول الاستئناس من عدم الوحشة). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن التعبير في الآية بالاستئناس، أحسن من التعبير بالاستئذان، ووجه ذلك أن الاستئناس يتضمن الاستئذان وزيادة التعليل، وهو بيان الحكمة من الاستئذان وهي الاستئناس ورفع الوحشة.
وقد أشار إلى قريب من ذلك ابن عاشور فقال: (عُبر عن الاستئذان بالاستئناس مع ما في ذلك من الإيماء إلى علة مشروعية الاستئذان، وفي ذلك من الآداب أن المرء لا ينبغي أن يكون كلاًّ على غيره، ولا ينبغي له أن يعرض نفسه إلى الكراهية والاستثقال، وأنه ينبغي أن يكون الزائر والمزور متوافقين متآنسين وذلك عون على توفر الأخوة الإسلامية) (٣).
стр. 666
الأمر بحفظ الفرج مطلقاً، لأنه لا يباح في حالة من الأحوال، وأتى بمن للتبعيض في البصر لجوازه في بعض الأحوال .
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (٣٠)﴾ (النور: ٣٠)
٣٣٩ - قال السعدي ﵀: (وتأمل كيف أمر بحفظ الفرج مطلقا، لأنه لا يباح في حالة من الأحوال، وأما البصر فقال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أتى بأداة " من " الدالة على التبعيض، فإنه يجوز النظر في بعض الأحوال لحاجة، كنظر الشاهد والعامل والخاطب، ونحو ذلك). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة دخول "من"على غض البصر دون حفظ الفرج، وأن مناسبة ذلك هو أن حفظ الفرج لا يباح في حالة من الأحوال، بينما النظر يجوز في بعض الأحوال كالنظرة الأولى التي بغير قصد، وكالنظر إلى المخطوبة ونحو ذلك.
وقد وافق السعدي بعض المفسرين على هذا الاستنباط، قال أبوحيان: (ودخلت ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ دون الفرج دلالة على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن الزوجة ينظر زوجها إلى محاسنها من الشعر والصدور والعضد والساق والقدم، وكذلك الجارية المستعرضة وينظر من الأجنبية إلى وجهها وكفيها وأما أمر الفرج فمضيق) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، والرازي، وأبوالسعود، وابن القيم، والألوسي. (٣)
стр. 667
الطفل المميز تستتر منه المرأة .
قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ (٣١)﴾ (النور: ٣١).
٣٤٠ - قال السعدي ﵀: (﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: الأطفال الذين دون التمييز، فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب، وعلل تعالى ذلك، بأنهم لم يظهروا على عورات النساء، أي: ليس لهم علم بذلك، ولا وجدت فيهم الشهوة بعد ودل هذا، أن المميز تستتر منه المرأة، لأنه يظهر على عورات النساء). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية عدم جواز تمكين الطفل المميز من رؤية النساء والإطلاع على عوراتهن، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أباح إطلاع الأطفال غير المميزين على عورات النساء، فدل مفهوم المخالفة على عدم جواز ذلك للأطفال المميزين.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال السيوطي: (فيستدل به على تحريم نظر المراهق الذي فهم ذلك كالبالغ) (٢)، وقال ابن كثير: (فأما إن كان مراهقاً أو قريباً منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يُمكّن من الدخول على النساء) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وحقي، والألوسي. (٤)
стр. 668
وهذا الاستنباط فيه فائدة كبيرة وذلك أن بعض النساء يتساهلن مع الأطفال دون تمييز بين من يميز ومن لا يميز، ففي هذا تنبيه على مثل هؤلاء خصوصاً في هذا الزمن الذي أصبح فيه بعض الأطفال على اطلاع واسع فيما يختص بعورات النساء من خلال وسائل الإعلام التي توفر لهم مثل ذلك، مما يجعل الحذر هنا أشد.
العبد إذا لم يطلب الكتابة، أو علم سيده أنه لا خير في كتابته فلا يؤمر بمكاتبته .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (٣٣)﴾ (النور: ٣٢).
٣٤١ - قال السعدي ﵀: (ومفهوم الآية الكريمة، أن العبد إذا لم يطلب الكتابة (١)، لا يؤمر سيده أن يبتدئ بكتابته، وأنه إذا لم يعلم منه خيراً، بأن علم منه عكسه، إما أنه يعلم أنه لا كسب له، فيكون بسبب ذلك كلاً على الناس، ضائعاً، وإما أن يخاف إذا أعتق، وصار في حرية نفسه، أن يتمكن من الفساد، فهذا لا يؤمر بكتابته، بل ينهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن العبد إذا لم يطلب من سيده
стр. 669
الكتابة، وكذلك إذا لم يعلم السيد منه خيراً، أو علم منه شراً؛ فإنه في هذه الحالة لا يكون مأموراً بمكاتبته، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر بالكتابة إذا طلب المكاتب ذلك وبشرط أن يكون في المكاتب خيراً، فدل مفهوم المخالفة أن المكاتب إذا لم يكن كذلك فإنه لا يُكاتَب.
أما الجزء الأول من الاستنباط وهو أن السيد لا يكاتب مملوكه إلا إذا طلب منه ذلك فهذا فيه نظر؛ إذ المكاتبة فعل بر ينبغي للإنسان المبادرة إليها، فإذا ندب للإنسان أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك وله في ذلك أجر الامتثال، فلأن يؤجر على المبادرة ابتداء من باب أولى.
وأما الجزء الثاني من الاستنباط وهو أن المكاتبة مشروطة بعلم الخير في المكاتب؛ فهذا صحيح يؤيده مفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فدل مفهوم الشرط أنه مع عدم علم الخيرية ينتفي الأمر بالمكاتبة، قال اللاحم: (ويفهم من الآية أنه إذا لم يتوفر هذا الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فلا يؤمر بمكاتبتهم، سواء حمل الأمر على الوجوب، أو على الاستحباب، بل لا تنبغي مكاتبتهم، وذلك لئلا يضيع حق المالك، ويكون المملوك عالة على الغير) (١).
وخالف بعض المفسرين في ذلك فقالوا إن انتفاء هذا الشرط إنما هو انتفاء للوجوب أو الاستحباب فقط أما الجواز فقائم، قال البيضاوي: (وهو شرط الأمر فلا يلزم من عدمه عدم الجواز) (٢)، ووافقه على ذلك: محيي الدين شيخ زاده، وشهاب الدين الخفاجي، حقي. (٣)
ومفهوم الشرط يؤيد ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه، كما أن مكاتبة من لا خير فيه، فيه زيادة إيذاء للمجتمع فكون العبد الذي لا خير فيه مملوكاً أهون في اتقاء شره من كونه حراً، كما أن مكاتبة من لا خير فيه
стр. 670
بناء على أن معنى الخيرية هنا المال فيه تكليف له بما لا يطيق وربما دفعه ذلك إلى فعل محرم من سرقة ونحوها، وبذل حياءه من أجل الحصول على مال يكون سبباً في إعتاقه. والله أعلم.
السيد وولي الصغير مخاطبان بتعليم عبيدهم ومن تحت ولايتهم العلم والآداب .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ (٥٨)﴾ (النور: ٥٨).
٣٤٢ - قال السعدي ﵀: (وفي هاتين الآيتين فوائد، منها: أن السيد وولي الصغير، مخاطبان بتعليم عبيدهم ومن تحت ولايتهم من الأولاد، العلم والآداب الشرعية، لأن الله وجه الخطاب إليهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ الآية، ولا يمكن ذلك، إلا بالتعليم والتأديب). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن السيد وولي الصغير مخاطبان بتعليم عبيدهم ومن تحت ولايتهم، العلم والآداب الشرعية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله وجه الخطاب إليهم، وهذا يلزم منه أنهم علموهم هذه الآداب من قبل ذلك.
وقد أشار بعض المفسرين إلى نحو ذلك، قال ابن عاشور: (ووُجّه الخطاب إلى المؤمنين وجعلت صيغة الأمر موجهة إلى المماليك والصبيان