← Тафсир

Тафсир · id 14

استنباطات الشيخ عبد الرحمن السعدي من القرآن الكريم عرض ودراسة

سيف بن منصر الحارثي

Полный текст (896 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

الأمر بحفظ الفرج مطلقاً، لأنه لا يباح في حالة من الأحوال، وأتى بمن للتبعيض في البصر لجوازه في بعض الأحوال . قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ (٣٠)﴾ (النور: ٣٠) ٣٣٩ - قال السعدي ﵀: (وتأمل كيف أمر بحفظ الفرج مطلقا، لأنه لا يباح في حالة من الأحوال، وأما البصر فقال: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ أتى بأداة " من " الدالة على التبعيض، فإنه يجوز النظر في بعض الأحوال لحاجة، كنظر الشاهد والعامل والخاطب، ونحو ذلك). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة دخول "من"على غض البصر دون حفظ الفرج، وأن مناسبة ذلك هو أن حفظ الفرج لا يباح في حالة من الأحوال، بينما النظر يجوز في بعض الأحوال كالنظرة الأولى التي بغير قصد، وكالنظر إلى المخطوبة ونحو ذلك. وقد وافق السعدي بعض المفسرين على هذا الاستنباط، قال أبوحيان: (ودخلت ﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ دون الفرج دلالة على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن الزوجة ينظر زوجها إلى محاسنها من الشعر والصدور والعضد والساق والقدم، وكذلك الجارية المستعرضة وينظر من الأجنبية إلى وجهها وكفيها وأما أمر الفرج فمضيق) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، والرازي، وأبوالسعود، وابن القيم، والألوسي. (٣)

стр. 667

الطفل المميز تستتر منه المرأة . قال تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ (٣١)﴾ (النور: ٣١). ٣٤٠ - قال السعدي ﵀: (﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ أي: الأطفال الذين دون التمييز، فإنه يجوز نظرهم للنساء الأجانب، وعلل تعالى ذلك، بأنهم لم يظهروا على عورات النساء، أي: ليس لهم علم بذلك، ولا وجدت فيهم الشهوة بعد ودل هذا، أن المميز تستتر منه المرأة، لأنه يظهر على عورات النساء). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية عدم جواز تمكين الطفل المميز من رؤية النساء والإطلاع على عوراتهن، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أباح إطلاع الأطفال غير المميزين على عورات النساء، فدل مفهوم المخالفة على عدم جواز ذلك للأطفال المميزين. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال السيوطي: (فيستدل به على تحريم نظر المراهق الذي فهم ذلك كالبالغ) (٢)، وقال ابن كثير: (فأما إن كان مراهقاً أو قريباً منه، بحيث يعرف ذلك ويدريه، ويفرق بين الشوهاء والحسناء، فلا يُمكّن من الدخول على النساء) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وحقي، والألوسي. (٤)

стр. 668

وهذا الاستنباط فيه فائدة كبيرة وذلك أن بعض النساء يتساهلن مع الأطفال دون تمييز بين من يميز ومن لا يميز، ففي هذا تنبيه على مثل هؤلاء خصوصاً في هذا الزمن الذي أصبح فيه بعض الأطفال على اطلاع واسع فيما يختص بعورات النساء من خلال وسائل الإعلام التي توفر لهم مثل ذلك، مما يجعل الحذر هنا أشد. العبد إذا لم يطلب الكتابة، أو علم سيده أنه لا خير في كتابته فلا يؤمر بمكاتبته . قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا (٣٣)﴾ (النور: ٣٢). ٣٤١ - قال السعدي ﵀: (ومفهوم الآية الكريمة، أن العبد إذا لم يطلب الكتابة (١)، لا يؤمر سيده أن يبتدئ بكتابته، وأنه إذا لم يعلم منه خيراً، بأن علم منه عكسه، إما أنه يعلم أنه لا كسب له، فيكون بسبب ذلك كلاً على الناس، ضائعاً، وإما أن يخاف إذا أعتق، وصار في حرية نفسه، أن يتمكن من الفساد، فهذا لا يؤمر بكتابته، بل ينهى عن ذلك لما فيه من المحذور المذكور). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن العبد إذا لم يطلب من سيده

стр. 669

الكتابة، وكذلك إذا لم يعلم السيد منه خيراً، أو علم منه شراً؛ فإنه في هذه الحالة لا يكون مأموراً بمكاتبته، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر بالكتابة إذا طلب المكاتب ذلك وبشرط أن يكون في المكاتب خيراً، فدل مفهوم المخالفة أن المكاتب إذا لم يكن كذلك فإنه لا يُكاتَب. أما الجزء الأول من الاستنباط وهو أن السيد لا يكاتب مملوكه إلا إذا طلب منه ذلك فهذا فيه نظر؛ إذ المكاتبة فعل بر ينبغي للإنسان المبادرة إليها، فإذا ندب للإنسان أن يكاتب مملوكه إذا طلب منه ذلك وله في ذلك أجر الامتثال، فلأن يؤجر على المبادرة ابتداء من باب أولى. وأما الجزء الثاني من الاستنباط وهو أن المكاتبة مشروطة بعلم الخير في المكاتب؛ فهذا صحيح يؤيده مفهوم الشرط في قوله تعالى: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فدل مفهوم الشرط أنه مع عدم علم الخيرية ينتفي الأمر بالمكاتبة، قال اللاحم: (ويفهم من الآية أنه إذا لم يتوفر هذا الشرط وهو قوله: ﴿إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فلا يؤمر بمكاتبتهم، سواء حمل الأمر على الوجوب، أو على الاستحباب، بل لا تنبغي مكاتبتهم، وذلك لئلا يضيع حق المالك، ويكون المملوك عالة على الغير) (١). وخالف بعض المفسرين في ذلك فقالوا إن انتفاء هذا الشرط إنما هو انتفاء للوجوب أو الاستحباب فقط أما الجواز فقائم، قال البيضاوي: (وهو شرط الأمر فلا يلزم من عدمه عدم الجواز) (٢)، ووافقه على ذلك: محيي الدين شيخ زاده، وشهاب الدين الخفاجي، حقي. (٣) ومفهوم الشرط يؤيد ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه، كما أن مكاتبة من لا خير فيه، فيه زيادة إيذاء للمجتمع فكون العبد الذي لا خير فيه مملوكاً أهون في اتقاء شره من كونه حراً، كما أن مكاتبة من لا خير فيه

стр. 670

بناء على أن معنى الخيرية هنا المال فيه تكليف له بما لا يطيق وربما دفعه ذلك إلى فعل محرم من سرقة ونحوها، وبذل حياءه من أجل الحصول على مال يكون سبباً في إعتاقه. والله أعلم. السيد وولي الصغير مخاطبان بتعليم عبيدهم ومن تحت ولايتهم العلم والآداب . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ (٥٨)﴾ (النور: ٥٨). ٣٤٢ - قال السعدي ﵀: (وفي هاتين الآيتين فوائد، منها: أن السيد وولي الصغير، مخاطبان بتعليم عبيدهم ومن تحت ولايتهم من الأولاد، العلم والآداب الشرعية، لأن الله وجه الخطاب إليهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ﴾ الآية، ولا يمكن ذلك، إلا بالتعليم والتأديب). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن السيد وولي الصغير مخاطبان بتعليم عبيدهم ومن تحت ولايتهم، العلم والآداب الشرعية، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله وجه الخطاب إليهم، وهذا يلزم منه أنهم علموهم هذه الآداب من قبل ذلك. وقد أشار بعض المفسرين إلى نحو ذلك، قال ابن عاشور: (ووُجّه الخطاب إلى المؤمنين وجعلت صيغة الأمر موجهة إلى المماليك والصبيان

стр. 671

على معنى: لتأمروا الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم أن يستأذنوا عليكم، لأن على أرباب البيوت تأديب أتباعهم، فلا يشكل توجيه الأمر إلى الذين لم يبلغوا الحلم) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: الألوسي، واللاحم (٢). وهذا الاستنباط فيه إشارة إلى أهمية توجيه الصغار ومن للمرء عليهم ولاية إلى الآداب التي يجب عليهم امتثالها، إذ البعض يهمل أولاده إلى أن يشتد عودهم وتتأصل أخلاقهم فلا يستطيع حينئذ تعديل ما تعودوه من سوء الأخلاق. الصغير الذي دون البلوغ والمملوك لا يجوز أن يرى عورة غيره، ولا غيره يرى عورته . قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ (٥٨)﴾ (النور: ٥٨). ٣٤٣ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد الآية-: أن الصغير الذي دون البلوغ، لا يجوز أن يمكن من رؤية العورة، ولا يجوز أن ترى عورته، لأن الله لم يأمر باستئذانهم، إلا عن أمر ما يجوز، ومنها-أي من فوائد الآية-: أن المملوك أيضاً، لا يجوز أن يرى عورة سيده، كما أن سيده لا يجوز أن يرى عورته، كما ذكرنا في الصغير). ا. هـ (٣)

стр. 672

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الصغير الذي دون البلوغ، والمملوك لا يجوز أن ترى عورته، كما أنه لا يجوز أن يمكن من رؤية عورة غيره، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمرهم بالاستئذان في أوقات هي مظنة كشف العورات، فدل ذلك على عدم جواز رؤيتهم لعورات الآخرين وإلا لم يكن لأمرهم بالاستئذان معنى. قال القصاب: (ويدخل فيه أن ستر العورة على الأطفال الذين قد بلغوا مبلغ معرفتها فرض في كل وقت؛ إذ لا يأمر - جل وتعالى- بالاستئذان من أجل ذلك إلا وقد فرض سترها في كل وقت عنهم وعن ملك اليمين) (١)، وقال اللاحم في معرض ذكره للفوائد والأحكام من هذه الآية: (لا يجوز للأطفال المميزين ممن هم دون البلوغ النظر إلى عورة الرجل، كما لا يجوز للرجل أن ينظر إلى عورة الصبي والمملوك) (٢). وهذا الاستنباط فيه فائدة وهي أنه من القبيح أن يرى مماليكهم وأطفالهم عوراتهم لأن ذلك منظر يخجل منه المملوك وينطبع في نفس الطفل لأنه لم يعتد رؤيته، ولأنه يجب أن ينشأ الأطفال على ستر العورة حتى يكون ذلك كالسجية فيهم إذا كبروا (٣). ينبغي للمعلم والواعظ أن يقرن بالحكم دليله وتعليله . قال تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ (٥٨)﴾ (النور: ٥٨). ٣٤٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد الآية-

стр. 673

: أنه ينبغي للواعظ والمعلم ونحوهم، ممن يتكلم في مسائل العلم الشرعي، أن يقرن بالحكم، بيان مأخذه ووجهه، ولا يلقيه مجرداً عن الدليل والتعليل، لأن الله - لما بين الحكم المذكور- علله بقوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن المعلم ينبغي أن يقرن بالحكم الذي يعلمه الناس مأخذه ووجهه أي علته ودليله، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله لما بين الأوقات التي يحرم دخول الصبيان والمماليك فيها على غيرهم؛ بين علة ذلك الحكم وهو أنها أوقات تتكشف فيها العورات غالباً؛ فمنعوا من الدخول لأجل ذلك. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الرازي: (الآية دالة على أن الواجب اعتبار العلل في الأحكام إذا أمكن لأنه تعالى نبه على العلة في هذه الأوقات الثلاثة من وجهين: أحدهما: بقوله تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ والثاني: بالتنبيه على الفرق بين هذه الأوقات الثلاثة وبين ما عداها بأنه ليس ذاك إلا لعلة التكشف في هذه الأوقات الثلاثة، وأنه لا يؤمن وقوع التكشف فيها وليس كذلك ما عدا هذه الأوقات) (٢)، وقال البيضاوي: (وفيه دليل على تعليل الأحكام) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: محيي الدين شيخ زاده، وأبو السعود، وشهاب الدين الخفاجي، واللاحم (٤).

стр. 674

وفائدة هذا المعنى المستنبط أن الكلام يكون أكثر إقناعاً للمتلقي، كما أن فيه إزالة الإشكال من ذهن المتلقي عن كيفية استخراج الحكم وعن بيان سبب تشريع هذا الحكم فيزيل الالتباس من الأذهان، وقرن الحكم بدليله وعلته هو أبلغ أنوع البلاغ. والله أعلم. ريق الصبي طاهر ولو بعد نجاسة كالقيء . قال تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ (٥٨)﴾ (النور: ٥٨). ٣٤٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد الآية-: أن ريق الصبي طاهر، ولو كان بعد نجاسة، كالقيء، لقوله تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ مع قول النبي ﷺ حين سئل عن الهرة: " إنها ليست بنجس، إنها من الطوافين عليكم والطوافات " (١)). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن ريق الصبي طاهر ولو بعد نجاسة كالقيء، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله رفع الحرج عن دخول الصبي في غير الأوقات الثلاثة فيدخل متى شاء ولا حرج عليه في ذلك لمشقة التحرز من دخوله في غير الأوقات الثلاثة، ثم وسع السعدي مدلول رفع

стр. 675

الحرج ليدخل فيه طهارة الريق؛ إذ مع مشقة التحرز منه كان ذلك سبباً في الحكم على ريقه بالطهارة، ثم قاس ذلك أيضاً على طهارة ريق الهرة وذلك لمشقة التحرز منها. وقد أشار إلى نحو ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (ويرخص في طهارته كما قال ذلك طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في الصبيان والهرة وغيرهم أنهم إن أصابتهم نجاسة إنها تطهر بمرور الريق عليها، ولا تحتاج إلى غسل لأنهم من الطوافين كما أخبر به الرسول ﷺ في الهرة مع علمه أنها تأكل الفأرة ولم تكن بالمدينة مياه تردها السنانير ليقال طهر فمها ورودها الماء، فعلم أن طهارة هذه الأفواه لا تحتاج إلى غسل). (١) جواز استخدام الأطفال بما لا يشق عليهم . قال تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ (٥٨)﴾ (النور: ٥٨). ٣٤٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها - أي من فوائد الآية-: جواز استخدام الإنسان من تحت يده، من الأطفال على وجه معتاد، لا يشق على الطفل لقوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز استخدام الإنسان من تحت يده من الأطفال على وجه معتاد لا مشقة فيه، ووجه استنباط ذلك من الآية صيغة المبالغة التي في الآية طوافون؛ فإنها توحي بكثرة استخدام هؤلاء لهؤلاء الأطفال.

стр. 676

وهذا فيه تنبيه لمن يسرف في استخدام الأطفال حتى يكون ذلك على حساب تربيتهم، ومستقبلهم، وقد وجد في زماننا قضايا كثيرة في استخدام الأطفال واستعبادهم، وقد وجد في بعض البلدان من يبيع ابنه لأجل أن يسترزق من وراءه، ففي هذا الاستنباط وضع حد لهذا الاستخدام وهو بما لا يشق على الطفل، ولا يكون سبباً في ضياعه. ففي هذا الاستنباط حفظ لحق من حقوق الأطفال وهو حق حدود استخدامه عند من يقوم عليه. العرف والعادة مخصص للألفاظ . قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا (٦١)﴾ (النور: ٦١). ٣٤٧ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآيات دليل على قاعدة عامة كلية وهي: أن " العرف والعادة مخصص للألفاظ، كتخصيص اللفظ للفظ" (١) فإن الأصل، أن الإنسان ممنوع من تناول طعام غيره، مع

стр. 677

أن الله أباح الأكل من بيوت هؤلاء، للعرف والعادة، فكل مسألة تتوقف على الإذن من مالك الشيء، إذا علم إذنه بالقول أو العرف، جاز الإقدام عليه). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية، وهي أن العرف والعادة مخصص للألفاظ، كتخصيص اللفظ للفظ، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أباح للمذكورين في الآية الأكل من بيوت هؤلاء دون أن يأذنوا لهم؛ لأن العرف أنهم لا يمنعون مثل هؤلاء من بيوتهم، فجعل الله ذلك العرف مخصص للمنع. وقد أشار الرازي إلى نحو من ذلك فقال: (أنه لما علم بالعادة أن هؤلاء القوم تطيب أنفسهم بأكل من يدخل عليهم والعادة كالإذن في ذلك، فيجوز أن يقال خصهم الله بالذكر، لأن هذه العادة في الأغلب توجد فيهم ولذلك ضم إليهم الصديق، ولما علمنا أن هذه الإباحة إنما حصلت في هذه الصورة لأجل حصول الرضا فيها، فلا حاجة إلى القول بالنسخ) (٢). يجوز للأب أن يتملك من مال ولده ما لا يضره . قال تعالى: ﴿وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ (٦١)﴾ (النور: ٦١). ٣٤٨ - قال السعدي ﵀: (وفيها دليل على أن الأب يجوز له أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره، لأن الله سمى بيته بيتاً للإنسان (٣)). ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الأب يجوز

стр. 678

له أن يأخذ من مال ولده بقدر لا يتضرر منه الولد، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله نسب بيت الولد للأب، مما يدل على أن الأب مالك لذلك البيت، وإلا كانت نسبة الملكية إليه عبثاً. وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن كثير: (استدل بهذا من ذهب إلى أنَّ مال الولد بمنزلة مال أبيه) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: ابن الفرس، والبيضاوي، والسيوطي (٢). ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أبي اجتاح مالي، فقال رسول الله ﷺ : (أنت ومالك لأبيك) (٣)، قال الخطابي في شرح لهذا

стр. 679

الحديث: (معناه يستأصله فيأتي عليه، ويشبه أن يكون ما ذكره السائل من اجتياح والده ماله إنما هو بسبب النفقة عليه وأن مقدار ما يحتاج إليه للنفقة عليه شيء كثير لا يسعه عفو ماله والفضل منه إلا أن يجتاح أصله ويأتي عليه، فلم يعذره النبي ﷺ ولم يرخص له في ترك النفقة وقال له أنت ومالك لوالدك على معنى أنه إذا احتاج إلى مالك أخذ منك قدر الحاجة كما يأخذ من مال نفسه، وإذا لم يكن لك مال وكان لك كسب لزمك أن تكتسب وتنفق عليه، فإما أن يكون أراد به إباحة ماله واعتراضه حتى يجتاحه ويأتي عليه لا على هذا الوجه فلا أعلم أحداً من الفقهاء ذهب إليه. والله أعلم) (١).

стр. 680

سورة الفرقان ينبغي للمتحدث الإقتداء بالله في تدبير أمر الخلق . قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ (الفرقان: ٣٣). ٣٤٩ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أنه ينبغي للمتكلم في العلم من محدث ومعلم، وواعظ أن يقتدي بربه في تدبيره حال رسوله، كذلك العالم يدبر أمر الخلق فكلما حدث موجب أو حصل موسم، أتى بما يناسب ذلك من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية والمواعظ الموافقة لذلك). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن المعلم ينبغي أن يتدبر أمر الخلق، وذلك بالإتيان لهم بما يناسبهم من الكلام والمواعظ، فيجعل الكلام مناسباً للحدث الذي يتكلم فيه، ووجه استنباط ذلك من الآية الإقتداء بفعل الله مع رسوله ﷺ ؛ إذ وعد الله نبيه بأنه لا يأتي أهل الباطل بحديث إلا أنزل الله حقاً يدمغ ما قالوه من باطل.

стр. 681

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية- في معرض حديثه عن حجية قول الصحابي-: (الأصل قول الله تعالى وفعله وتركه القول وتركه الفعل وقول رسول الله صل الله عليه وسلم وفعله وتركه القول وتركه العمل وان كانت قد جرت عادة عامة الأصوليين أنهم لا يذكرون من جهة الله إلا قوله) (١)، وكذلك قال الشاطبي بعد أن ساق نصوصاً استخرج منها فوائد، طريق استخرجها الاقتداء بأفعال الله تعالى: (أن هذه الأمثلة وما جرى مجراها لم يستفد الحكم فيها من جهة وضع الألفاظ للمعاني وإنما استفيد من جهة أخرى وهي جهة الإقتداء بالأفعال) (٢). وهذا الاستنباط فيه تأصيل لهذه المسألة المهمة وهي مراعاة أحوال المخاطبين واهتماماتهم، وهذا يستدعي معرفة الأحوال والنوازل، وكل ما يستجد؛ حتى يكون الكلام مفيداً للمخاطَب. استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ (الفرقان: ٣٤). ٣٥٠ - قال السعدي ﵀: (﴿أُولَئِكَ﴾ الذين بهذه الحالة ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾ ممن آمن بالله وصدق رسله، ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا﴾ وهذا من باب استعمال أفضل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء (٣) فإن

стр. 682

المؤمنين حسن مكانهم ومستقرهم، واهتدوا في الدنيا إلى الصراط المستقيم وفي الآخرة إلى الوصول إلى جنات النعيم). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً لغوياً، وهو دلالة الآية على جواز استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر منه شيء، ووجه استنباط ذلك من الآية أن في الآية "شر"و"أضل" وهي في حق أهل النار فقط، فليس للطرف الآخر أي مشاركة في الضلال أوفي مكان أهل الضلال حتى يكون هناك نوع من المفاضلة بين المكانين، فدل ذلك على جواز استخدام أفعل التفضيل بما ليس للطرف الآخر فيه مشاركة. وقد أشار بعض المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال أبوحيان: (و ﴿شَرٌّ﴾ و ﴿أَضَلُّ﴾ ليسا على بابهما من الدلالة على التفضيل) (٢)، وممن قال بذلك أيضاً: الأيجي الشافعي (٣)، وابن عاشور، والشنقيطي. (٤) تكرار قوله تعالى "تبارك" لكثرة ماورد في هذه السورة من خيرات وإحسان، وما ورد فيها مما يبين عظمة الله وقدرته، وسعة رحمته وجوده . قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ (١)﴾ (الفرقان: ١). وقال تعالى:

стр. 683

﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ (١٠)﴾ (الفرقان: ١٠). وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا (٦١)﴾ (الفرقان: ٦١). ٣٥١ - قال السعدي ﵀: (كرر تعالى في هذه السورة الكريمة قوله: ﴿تَبَارَكَ﴾ ثلاث مرات لأن معناها كما تقدم أنها تدل على عظمة الباري وكثرة أوصافه، وكثرة خيراته وإحسانه، وهذه السورة فيها من الاستدلال على عظمته وسعة سلطانه ونفوذ مشيئته وعموم علمه وقدرته وإحاطة ملكه في الأحكام الأمرية والأحكام الجزائية وكمال حكمته، وفيها ما يدل على سعة رحمته وواسع جوده وكثرة خيراته الدينية والدنيوية ما هو مقتض لتكرار هذا الوصف الحسن). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآيات سبب تكرار قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾، وأن سبب التكرار لذلك هو ما احتوت عليه هذه السورة من كثير الخيرات الدينية والدنيوية التي أنعم الله بها على العباد، مما ناسب أن يكرر هذا اللفظ؛ لأنه يحمل معنى الكثرة والخير والنماء والزيادة الذي ذكره الله في هذه السورة. وقد قال بعض المفسرين بنحو ما قاله السعدي، فقال الكرماني: (قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾ هذه لفظة لا تستعمل إلا لله، ولا تستعمل إلا بلفظ الماضي، وجاءت في هذه السورة في ثلاث مواضع، تعظيماً لذكر الله؛ وخصت هذه المواضع بالذكر لأن ما بعدها عظائم، الأول ذكر الفرقان وهو القرآن المشتمل على معاني جميع كتب الله، والثاني ذكر النبي ﷺ ، والثالث ذكره للبروج والسيارات والشمس والقمر والليل والنهار ولولاها ما وجد في الأرض حيوان ولا نبات) (٢).

стр. 684

سورة الشعراء كرر الأمر بالتقوى لتكريره دعوتهم . قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٠٨)﴾ (الشعراء: ١٠٨ و ١١٠). ٣٥٢ - قال السعدي ﵀: (﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ﴾ كرر ذلك ﵇، لتكريره دعوة قومه، وطول مكثه في ذلك). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هاتين الآيتين مناسبة تكرار الأمر بالتقوى، وأن ذلك لتكرير نوح ﵇ دعوة قومه وطول مكثه في دعوتهم، فناسب تكرار دعوتهم إلى التقوى. وذكر بعض المفسرين أن مناسبة التكرار هو التأكيد عليهم في هذا المعنى، قال أبوحيان: (ثم كرر الأمر بالتقوى والطاعة، ليؤكد عليهم ويقرر ذلك في نفوسهم، وإن اختلف التعليل، جعل الأول معلولاً لأمانته، والثاني لانتفاء أخذ الأجر) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، والقرطبي، والبيضاوي، والبقاعي، والألوسي، والشوكاني،

стр. 685

وابن عاشور. (١) بينما ذهب الرازي إلى أنه ليس هناك تكرار لاختلاف المعنى، فقال: (ولماذا كرر الأمر بالتقوى؟ جوابه: لأنه في الأول أراد ألا تتقون مخالفتي وأنا رسول الله، وفي الثاني: ألا تتقون مخالفتي ولست آخذ منكم أجراً فهو في المعنى مختلف ولا تكرار فيه، وقد يقول الرجل لغيره: ألا تتقي الله في عقوقي وقد ربيتك صغيراً! ألا تتقي الله في عقوقي وقد علمتك كبيراً) (٢). والتكرار واضح وبين؛ ولكن فائدته التأكيد على التقوى، وإن اختلف المتعلق. والله أعلم.

стр. 686

سورة النمل تعميم الربوبية لكل شيء؛ لدفع توهم اختصاص مكة بالربوبية . قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ (النمل: ٩١). ٣٥٣ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ لمَّا خصها بالذكر ربما وقع في بعض الأذهان تخصيص ربوبيته بها أزال هذا الوهم بقوله: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تعميم ربوبية الله لكل شيء، بعد أن خص مكة بالربوبية، وأن مناسبة ذلك هي دفع توهم تخصيص ربوبيته بمكة. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال

стр. 687

الألوسي: (وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ أي خلقاً وملكاً وتصرفاً، من غير أن يشاركه سبحانه شيء في شيء من ذلك تحقيق للحق، وتنبيه على أن إفراد مكة بالإضافة لما مر من التفخيم والتشريف مع عموم الربوبية لجميع الموجودات) (١)، وقال ابن عاشور: (وتعقيب هذا بجملة ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾ احتراس لئلا يتوهم من إضافة ربوبيته إلى البلدة اقتصار ملكه عليها) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: أبوالسعود، والبقاعي، وحقي (٣).

стр. 688

سورة القصص سنة التدرج . ٣٥٤ - قال السعدي ﵀: (ذكر الفوائد المستنبطة نصاً أو ظاهراً أو تعميماً أو تعليلاً من قصة موسى: ومنها: أن الله تعالى إذا أراد أمرا هيأ أسبابه، وأتى بها شيئا فشيئا بالتدريج، لا دفعة واحدة). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من عموم قصة موسى ﵊ مع فرعون، سنة من سنن الله في الكون وهي التدرج في الإتيان بأي أمر أراده الله، ووجه استنباط ذلك من القصة، أن الله أراد لموسى أن يكون نبياً وأن يكون له شأن؛ ولكن سنة الله التي لابد منها وهي التدرج شيئاً فشيئاً، فعند التأمل في قصة موسى نجد فيها تدرجات عجيبة الشأن، من كونه طفلاً أمه خائفة عليه من القتل، ثم يتربى في بيت فرعون، ثم يهرب كبيراً بعد قتل القبطي، ثم يعود بعد ذلك ليدعو فرعون الطاغوت ويهدم ألوهيته الزائفة، ويؤيده الله بالآيات والمعجزات، حتى نصره الله على فرعون وسحرته.

стр. 689

قال ابن عاشور: (وأنه إذا تعلقت إرادته بشيء هيأ له أسبابه بقدرته فأبرزه على أتقن تدبير) (١). وهذا الاستنباط فيه فائدة كبيرة للناس أفراداً وأمماً، أن الوصول إلى المعالي، وتحقيق الطموحات أياً كانت لا بد أن تكون عبر هذه السنة الكونية وهي التدرج. الأمة المستضعفة مهما بلغ عدوها من القوة لا ينبغي أن يستولي عليها اليأس . قال تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ (القصص: ٥). ٣٥٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن الأمة المستضعفة، ولو بلغت في الضعف ما بلغت، لا ينبغي لها أن يستولي عليها الكسل عن طلب حقها، ولا الإياس من ارتقائها إلى أعلى الأمور، خصوصاً إذا كانوا مظلومين، كما استنقذ الله أمة بني إسرائيل، الأمة الضعيفة، من أسر فرعون وملئه، ومكنهم في الأرض، وملكهم بلادهم، ومنها: أن الأمة ما دامت ذليلة مقهورة لا تأخذ حقها ولا تتكلم به، لا يقوم لها أمر دينها ولا دنياها ولا يكون لها إمامة فيه). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن الأمة مهما بلغت من الضعف،

стр. 690

ومهما بلغ بها الحال من ضياع حقوقها، واستيلاء عدوها عليها؛ إلا أنه لا ينبغي أن يستولي عليها اليأس، وأنه ما دامت لا تأخذ حقها ولا تطالب به؛ فإنها لن تستعيد منه شيئاً، ووجه استنباط ذلك من عموم قصة بني إسرائيل مع فرعون؛ فقد بلغ من التكبر والسيطرة عليهم مبلغاً عظيماً؛ إلا أن الله مكن لهم وكتب لهم الخلاص من هذا الموقف، وهكذا ينبغي أن يكون في ذلك عبرة لكل أمة مستضعفة أن لا تيأس، وأن تعمل بأسباب الخلاص، وكما كتب الله لتلك الأمة الخلاص من فرعون، سيكتب الخلاص لأي أمة مستضعفة من أي طاغوت مستحدث. وهذا الاستنباط نافع جداً لأمتنا في وقتها المعاصر فمهما تكالبت عليها الأمم وسلبت حقوقها، وبلغ الأمر مبلغاً كبيراً في استضعافها، فلا ينبغي أن يهيمن اليأس عليها، خصوصاً أنها تملك مقومات النصر والتمكين في الأرض، تملكه بأمور لا تملكه أي أمة أخرى فموقعها الجغرافي، وإرثها الديني والحضاري، ومخزونها الأخلاقي، ووعدها السماوي، يجعلها أكثر بعداً من غيرها من اليأس والقنوط. لا يجوز قتل الكافر الذي له عهد بعقد أوعرف . قال تعالى: ﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾ (القصص: ١٥ - ١٦). ٣٥٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف، لا يجوز، فإن موسى ﵇ عدَّ قتله القبطي الكافر ذنباً، واستغفر الله منه). ا. هـ (١)

стр. 691

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً في السياسة الشرعية، وهو أن قتل الكافر الذي له عهد بعقد أو عرف غير جائز، ووجه استنباط ذلك بمفهوم الموافقة حيث إن موسى ﵊ استغفر من قتله للقبطي الكافر، مما يدل على أنه ارتكب ذنباً؛ إذ الاستغفار لا يكون إلا من ذنب، فدل ذلك على أن قتل الكافر المعاهد غير جائز. وقد أشار بعض المفسرين إلى نحو ما قاله السعدي، قال البيضاوي: (لأنه لم يؤمر بقتل الكفار أو لأنه كان مأموناً فيهم فلم يكن له اغتيالهم) (١)، وقال ابن عاشور: (وإنما قال موسى ذلك لأن قتل النفس مستقبح في الشرائع البشرية فإن حفظ النفس المعصومة من أصول الأديان كلها) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: أبوالسعود (٣). ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ قال: (من قتل معاهداً (٤) لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاماً) (٥)، قال الصنعاني: (وفي الحديث دليل على تحريم قتل المعاهد) (٦). وهذا الاستنباط فيه بيان خطأ ما يقوم به بعض الجهلة من استباحة دماء الكفار المعاهدين، أو الذين لهم عقود عمل مع الشركات أو غيرها، وكل هذا بحجة أنهم كفار، وهذا مرفوض شرعاً كما هو صريح الحديث

стр. 692

المتقدم، وكما هو ظاهر فعل موسى ﵊ فلو لم يكن ما فعله ذنباً لم يحتج إلى استغفار. والله أعلم. قاتل النفس مفسد، وإن زعم أنه مصلح . قال تعالى: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾ (القصص: ١٩). ٣٥٧ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن من قتل النفوس بغير حق، وزعم أنه يريد الإصلاح في الأرض، وتهييب أهل المعاصي، فإنه كاذب في ذلك، وهو مفسد كما حكى الله قول القبطي ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾ على وجه التقرير له، لا الإنكار). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً في السياسة الشرعية، وهو أن قتل النفس بغير حق إفساد وإن زعم صاحبه فيه الإصلاح، ووجه استنباط ذلك من الآية بمفهوم الموافقة حيث إن القبطي الذي أراد موسى قتله ذكّر موسى بأن فعله فعل الجبابرة الذين شأنهم قتل الناس بغير حق ونفى عنه الإصلاح، مما جعل موسى يرتدع عن قتله، مما يدل على أن القاتل مفسد وإن زعم أنه مصلح، وقد حكى الله قول القبطي إقراراً له دون إنكار. وهذا الاستنباط فيه تأكيد وتنبه لهذا المعنى؛ إذ أكثر الذين يقومون بالاعتداء بالقتل والتفجير حجتهم في ذلك دائماً إرادة الإصلاح، ونصرة

стр. 693

الدين، ولكن في هذا الاستنباط علاج لهذه الشبهة الشيطانية وإفساد لها، فإذا ما تيقن القاتل أنه بقتله مفسد غير مصلح فإنه سيبتعد عن هذا الفعل المشين. إخبار الرجل غيره بما قيل فيه على وجه التحذير ليس بنميمة . قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ (٢٠)﴾ (القصص: ٢٠). ٣٥٨ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه، على وجه التحذير له من شر يقع فيه، لا يكون ذلك نميمة -بل قد يكون واجباً- كما أخبر ذلك الرجل لموسى، ناصحاً له ومحذراً). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن إخبار الرجل غيره بما قيل فيه على وجه التحذير ليس بنميمة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن هذا الرجل أخبر موسى بما يدبر له من قومه وأنهم يأتمرون لقتله، وكان ذلك على وجه التحذير له، وذكر الله ذلك دون أن يتعقبه، بل ذكره على وجه الثناء عليه، مما يدل على جواز مثل ذلك. قال الألوسي: (واستدل القرطبي (٢) وغيره بالآية على جواز النميمة لمصلحة دينية) (٣).

стр. 694

وهذا المعنى المستنبط صحيح، قال النووي: (وكل هذا المذكور في النميمة إذا لم يكن فيها مصلحة شرعية فإن دعت حاجة إليها فلا منع منها وذلك كما إذا أخبره بأن إنسانا يريد الفتك به أو بأهله أو بماله أو أخبر الإمام أومن له ولاية بأن إنسانا يفعل كذا ويسعى بما فيه مفسدة ويجب على صاحب الولاية الكشف عن ذلك وإزالته فكل هذا وما أشبهه ليس بحرام وقد يكون بعضه واجباً وبعضه مستحباً على حسب المواطن) (١) الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان ولا يزيله . قال تعالى: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ (٧)﴾ (القصص: ٧)، وقال تعالى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا (٢١)﴾ (القصص: ٢١). ٣٥٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن الخوف (٢) الطبيعي من الخلق، لا ينافي الإيمان ولا يزيله، كما جرى لأم موسى ولموسى من تلك المخاوف). ا. هـ (٣)

стр. 695

الدراسة: استنبط السعدي من هاتين الآيتين مسألة عقدية وهي أن الخوف الطبيعي لا ينافي الإيمان ولا يزيله، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله جل وعلا ذكر الخوف عن موسى وأمه، ولم يذكر ذلك بتعقيب، فلو كان مما لا يجوز لبينه الله ونهى عنه، فدل ذلك على أن الخوف في مثل هذه الأحوال لا يؤثر على الإيمان ولا يلام عليه الإنسان. قال عبدالرحمن بن حسن (١): (الخوف الطبيعي، وهو الخوف من عدو أو سبع أو غير ذلك فهذا لا يذم، كما قال تعالى في قصة موسى ﵇: (﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا﴾) (٢). الناظر في العلم إذا لم يترجح عنده أحد القولين فإنه يستهدي ربه ليهديه الصواب . قال تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾ (القصص: ٢٢). ٣٦٠ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن الناظر في العلم عند الحاجة إلى التكلم فيه، إذا لم يترجح عنده أحد القولين، فإنه يستهدي ربه، ويسأله أن يهديه

стр. 696

الصواب من القولين، بعد أن يقصد بقلبه الحق ويبحث عنه، فإن الله لا يخيب مَنْ هذه حاله، كما خرج موسى تلقاء مدين فقال: ﴿عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن من كان باحثاً في العلم ولم يترجح عنده أحد القولين فإنه يسأل الله الهداية إلى الصواب ومن فعل ذلك مخلصاً لم يخيبه الله، ووجه استنباط ذلك أن موسى ﵊ لما خرج إلى مدين ولم يكن يعرف الطرق سأل الله أن يهديه إلى الطرق الموصل إليها فاستجاب الله دعاءه، فأخذ السعدي من ذلك أن من تحير في مسألة من مسائل العلم وسأل الله بصدق هداه الله إلى الصواب. ونجد كذلك أن دلالة قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢)﴾، تدل فيما تدل عليه على أن الخروج لطلب العلم والمعرفة والفهم تكمن في النفسية التي تستطيع بشخصيتها أن تستهدي بالله ، لأن الهداية الإلهية أساس طلب العلم، وهذا من أهم مبادئ السلوك التربوي الحديث التي سبقت آيات سورة القصص نظريات التربية الحديثة إلى أبرزها (٢)، وحقيقة الأمر أن العبد مفتقر إلى ما يسأله من العلم والهدى، طالب سائل، فبذكر الله والافتقار إليه يهديه الله ويدله (٣)، كما قال الله-في الحديث القدسي-: (كلكم ضال إلا من هديته، فاستهدوني أهدكم) (٤).

стр. 697

جواز خروج المرأة في حوائجها، وتكليمها للرجال من غير محذور . قال تعالى: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ (١٢)﴾ (القصص: ١٢). وقال تعالى: ﴿قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ (٢٥)﴾ (القصص: ٢٥). ٣٦١ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى-: جواز خروج المرأة في حوائجها، وتكليمها للرجال (١)، من غير محذور، كما جرى لأخت موسى وابنتي صاحب مدين). ا. هـ (٢) الدراسة: استنبط السعدي من هاتين الآيتين جواز خروج المرأة لقضاء حوائجها، وتكليمها الرجال من غير محذور، ووجه استنباط ذلك من الآتين أن الله ذكر في الآية الأولى تكليم أخت موسى ودلالتها لهم، وفي الآية الأخرى ذكر الله بنت صاحب مدين وكلامها ليوسف، ولم يأت عقب

стр. 698

ذلك منع أو تحذير مما يدل على الجواز مع أمن المحذور، فأخذ السعدي من ذلك جواز خروج المرأة وكلامها مع الرجال إذا أمنت الفتنة على نفسها وعلى من تتحدث معهم. قال السيوطي موافقاً السعدي على هذا الاستنباط: (وفيه مشروعية ستر الوجه للمرأة، وأنه لا بأس بكلامها مع الرجال). (١) ومما يؤيد هذا المعنى المستنبط ما جاء في حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال كان الفضل رديف النبي ﷺ فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه فجعل النبي ﷺ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت إن فريضة الله أدركت أبى شيخاً كبيراً، لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه قال: (نعم)، وذلك فى حجة الوداع (٢). قال ابن حجر في معرض كلامه عن فوائد هذا الحديث: (وفيه: جواز كلام المرأة وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة كالاستفتاء عن العلم والترافع في الحكم والمعاملة) (٣). إذا عمل العبد العمل لله ثم حصل له مكافأة على ذلك فلا لوم عليه في قبولها . قال تعالى: ﴿فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا (٢٥)﴾ (القصص: ٢٥).

стр. 699

٣٦٢ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى-: أن العبد إذا فعل العمل لله تعالى، ثم حصل له مكافأة عليه من غير قصد بالقصد الأول، أنه لا يلام على ذلك، كما قبل موسى مجازاة صاحب مدين عن معروفه الذي لم يبتغ له، ولم يستشرف بقلبه على عوض). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية أن العبد إذا عمل عملاً لله، ثم حصل على مكافأة على هذا العمل من غير أن يقصد ذلك، فلا لوم عليه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن موسى ﵊ فعل فعله الأول وهو تقديم بنات صاحب مدين في السقيا، دون أن يكون له قصد الحصول على أجرة، ثم جازى صاحب مدين موسى عن معروفه، وقبل موسى ذلك، ولم يأت في القرآن توجيه لوم إلى موسى في قبوله ذلك؛ مما يدل على جواز مثل ذلك. وقد وجه بعض المفسرين ذهاب موسى هنا إلى أنه استجابة للدعوة لا لأجل الحصول على الأجر مما يجعل استنباط هذا المعنى هنا غير مستقيم، قال الشوكاني: (ويجاب عنه: بأنه اتبع سنة الله في إجابة دعوة نبيّ من أنبياء الله، ولم تكن تلك الإجابة لأجل أخذ الأجر على هذا العمل، ولهذا ورد أنه لما قدّم إليه الطعام قال: إنا أهل بيت لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهباً) (٢) وقال آخرون إن ذهابه هنا لأجل طلب رأي الشيخ، قال الألوسي: (ليتبرك برؤية الشيخ ويستظهر برأيه لا طمعاً بما صرحت به من الأجر) (٣)،

стр. 700

وهذا أيضاً يجعل استنباط ما ذهب إليه السعدي فيه بعد كذلك. والذي يظهر أن استنباط هذا المعنى من هذه الآية فيه بعد، وذلك لاحتمال أن ذهاب موسى ليس لأخذ الأجرة، فمثله لا يليق به أن يأخذ الأجرة على ما تبرع به من معروف (١). والله أعلم. جواز الإجارة بالمنفعة ولو كانت المنفعة بضعاً . قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٢٧)﴾ (القصص: ٢٧). ٣٦٣ - قال السعدي ﵀: (ومنها (٢) -أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أنه تجوز الإجارة بالمنفعة، ولو كانت المنفعة بضعاً (٣)). ا. هـ (٤)

стр. 701

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز الإجارة بالمنفعة ولو كانت بضعاً، ووجه استنباط ذلك من الآية فعل موسى مع صاحب مدين، إذ أنكحه ابنته مقابل منفعة وهي العمل عنده ثمان حجج، وقد ذكر ذلك في القرآن إقراراً دون نكير. الموافقون: وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال القصاب: (دليل على أن الإجارة جائز أن تجعل ثمناً للبضع ومهوراً للنساء) (١)، وقال إلكيا الهراسي: (فيه دليل على جعل منافع الحر صداقاً شرعاً) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن العربي، وابن عطية، وأبوحيان، والسيوطي، والألوسي. (٣) المخالفون: خالف في ذلك بعض المفسرين، فقالوا إنه لا دلالة في الآية على جعل منافع الحر مهراً، قال الجصاص: (قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٢٧)﴾ من الناس من يحتج بذلك في جواز عقد النكاح على منافع الحر وليس فيه دلالة على ما ذكروا لأنه شرط منافعه لشعيب ﵇ ولم يشرط لها مهراً، وجائز أن يكون قد كان النكاح جائزا في تلك الشريعة بغير بدل تستحقه المرأة فإن كان كذلك فهذا منسوخ بشريعة النبي ﷺ (٤)، وممن قال بذلك من

стр. 702

المفسرين أيضاً: الزمخشري، والرازي، وحقي (١). النتيجة: ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في استنباط جواز جعل الإجارة مهراً في النكاح من هذه الآية هو الصحيح، قال ابن الفرس: (وأما النكاح بالأجرة فبين في الآية، وقد جاء في شريعتنا وزانه، وهو إنكاح النبي ﷺ التي وهبت نفسها له الرجل الذي سأله إنكاحها منه ولم يكن عنده إلا آيات يحفظها، فأمره أن يعلمها ما عنده من القرآن ويتزوجها بذلك (٢)، فهذا تزويج بإجارة) (٣). جواز عرض الرجل ابنته على من يتخيره . قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٢٧)﴾ (القصص: ٢٧). ٣٦٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيره، لا يلام عليه). ا. هـ (٤) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز عرض الرجل ابنته على من

стр. 703

يرضى دينه وخلقه، ووجه استنباط ذلك من الآية ماحكى الله على وجه الإقرار من عرض صاحب مدين ابنته على موسى. وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال السيوطي: (فيها استحباب عرض الرجل وليته على أهل الخير والفضل، أن ينكحوها) (١)، وقال ابن العربي: (قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ فيه عرض المولى وليته على الزوج، وهذه سنة قائمة: عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ﵄، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي ﷺ (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: القرطبي، وأبوحيان، والشوكاني، والهرري (٣). وهذا الاستنباط فيه علاج لبعض العادات في بعض المجتمعات خصوصاً القبلية والتي تستعيب مثل هذا الأمر، وتجعله نوعاً من الإهانة للبنت وأهلها. حسن الخلق مع الأجير والخادم . قال تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ (٢٧)﴾ (القصص: ٢٧). ٣٦٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن من مكارم الأخلاق، أن يُحَسِّن خلقه لأجيره، وخادمه، ولا يشق عليه بالعمل، لقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾). ا. هـ (٤)

стр. 704

الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً سلوكياً، وهو حسن المعاملة مع الأجير والخادم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن صاحب مدين أخبر موسى بعدم إرادته المشقة عليه فيما اتفق معه من العمل. وقد أشار الرازي إلى نحو ما ذهب إليه السعدي، فقال: (وهكذا كان الأنبياء ﵈ آخذين بالأسمح في معاملات الناس) (١)، وكما أشار إليه أبوحيان (٢). وهذا الاستنباط فيه تأصيل قرآني لهذه القضية، حيث إن الحاجة في زماننا لهذا الخلق مع الخدم والعمال حاجة ملحة، إذ وجد من يعامل هؤلاء معاملة سيئة، ويهضم حقهم، ويتعامل معهم بنوع من الترفع والاستعلاء، وإظهار التكبر عليهم. وفيه بيان لحفظ الإسلام لحقوق الإنسان، فهذا العامل والخادم حُفِظت حقوقهم، وروعوا في أعمالهم، فإذا كانت هذه الطبقة محفوظة الحقوق، فغيرها من باب أولى، مما يجعل الأمم الأخرى تتقدي بهدي الإسلام في حفظ الحقوق حفظاً حقيقياً. جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود دون إشهاد . قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾ (القصص: ٢٨). ٣٦٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود (٣) من دون

стр. 705

إشهاد لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾). ا. هـ (١) الدراسة: استنبط السعدي من هذه الآية جواز عقد الإجارة من دون إشهاد، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الاكتفاء بشهادة الله دون أحداً من الخلق. وما استنبطه السعدي من هذه الآية في جواز العقود من غير إشهاد، فيه نظر؛ إذ عدم الذكر لا يدل على العدم، فربما أن يكون هناك إشهاد ولكنه لم يذكر في الآية، ومع هذا الاحتمال يسقط هذا الاستنباط. أما ما يتعلق بذات الحكم وهو الإشهاد على العقود فقد تم الإشارة إليه. والله أعلم.
следующие страницы →