الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز الإجارة بالمنفعة ولو كانت بضعاً، ووجه استنباط ذلك من الآية فعل موسى مع صاحب مدين، إذ أنكحه ابنته مقابل منفعة وهي العمل عنده ثمان حجج، وقد ذكر ذلك في القرآن إقراراً دون نكير.
الموافقون:
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال القصاب: (دليل على أن الإجارة جائز أن تجعل ثمناً للبضع ومهوراً للنساء) (١)، وقال إلكيا الهراسي: (فيه دليل على جعل منافع الحر صداقاً شرعاً) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن العربي، وابن عطية، وأبوحيان، والسيوطي، والألوسي. (٣)
المخالفون:
خالف في ذلك بعض المفسرين، فقالوا إنه لا دلالة في الآية على جعل منافع الحر مهراً، قال الجصاص: (قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٢٧)﴾ من الناس من يحتج بذلك في جواز عقد النكاح على منافع الحر وليس فيه دلالة على ما ذكروا لأنه شرط منافعه لشعيب ﵇ ولم يشرط لها مهراً، وجائز أن يكون قد كان النكاح جائزا في تلك الشريعة بغير بدل تستحقه المرأة فإن كان كذلك فهذا منسوخ بشريعة النبي ﷺ (٤)، وممن قال بذلك من
стр. 702
المفسرين أيضاً: الزمخشري، والرازي، وحقي (١).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه في استنباط جواز جعل الإجارة مهراً في النكاح من هذه الآية هو الصحيح، قال ابن الفرس: (وأما النكاح بالأجرة فبين في الآية، وقد جاء في شريعتنا وزانه، وهو إنكاح النبي ﷺ التي وهبت نفسها له الرجل الذي سأله إنكاحها منه ولم يكن عنده إلا آيات يحفظها، فأمره أن يعلمها ما عنده من القرآن ويتزوجها بذلك (٢)، فهذا تزويج بإجارة) (٣).
جواز عرض الرجل ابنته على من يتخيره .
قال تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ (٢٧)﴾ (القصص: ٢٧).
٣٦٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن خطبة الرجل لابنته الرجل الذي يتخيره، لا يلام عليه). ا. هـ (٤)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز عرض الرجل ابنته على من
стр. 703
يرضى دينه وخلقه، ووجه استنباط ذلك من الآية ماحكى الله على وجه الإقرار من عرض صاحب مدين ابنته على موسى.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال السيوطي: (فيها استحباب عرض الرجل وليته على أهل الخير والفضل، أن ينكحوها) (١)، وقال ابن العربي: (قوله: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ﴾ فيه عرض المولى وليته على الزوج، وهذه سنة قائمة: عرض صالح مدين ابنته على صالح بني إسرائيل، وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان ﵄، وعرضت الموهوبة نفسها على النبي ﷺ (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: القرطبي، وأبوحيان، والشوكاني، والهرري (٣).
وهذا الاستنباط فيه علاج لبعض العادات في بعض المجتمعات خصوصاً القبلية والتي تستعيب مثل هذا الأمر، وتجعله نوعاً من الإهانة للبنت وأهلها.
حسن الخلق مع الأجير والخادم .
قال تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ (٢٧)﴾ (القصص: ٢٧).
٣٦٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: أن من مكارم الأخلاق، أن يُحَسِّن خلقه لأجيره، وخادمه، ولا يشق عليه بالعمل، لقوله: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾). ا. هـ (٤)
стр. 704
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً سلوكياً، وهو حسن المعاملة مع الأجير والخادم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن صاحب مدين أخبر موسى بعدم إرادته المشقة عليه فيما اتفق معه من العمل.
وقد أشار الرازي إلى نحو ما ذهب إليه السعدي، فقال: (وهكذا كان الأنبياء ﵈ آخذين بالأسمح في معاملات الناس) (١)، وكما أشار إليه أبوحيان (٢).
وهذا الاستنباط فيه تأصيل قرآني لهذه القضية، حيث إن الحاجة في زماننا لهذا الخلق مع الخدم والعمال حاجة ملحة، إذ وجد من يعامل هؤلاء معاملة سيئة، ويهضم حقهم، ويتعامل معهم بنوع من الترفع والاستعلاء، وإظهار التكبر عليهم.
وفيه بيان لحفظ الإسلام لحقوق الإنسان، فهذا العامل والخادم حُفِظت حقوقهم، وروعوا في أعمالهم، فإذا كانت هذه الطبقة محفوظة الحقوق، فغيرها من باب أولى، مما يجعل الأمم الأخرى تتقدي بهدي الإسلام في حفظ الحقوق حفظاً حقيقياً.
جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود دون إشهاد .
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾ (القصص: ٢٨).
٣٦٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من الفوائد المستنبطة من قصة موسى -: جواز عقد الإجارة وغيرها من العقود (٣)
من دون
стр. 705
إشهاد لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)﴾). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز عقد الإجارة من دون إشهاد، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الاكتفاء بشهادة الله دون أحداً من الخلق.
وما استنبطه السعدي من هذه الآية في جواز العقود من غير إشهاد، فيه نظر؛ إذ عدم الذكر لا يدل على العدم، فربما أن يكون هناك إشهاد ولكنه لم يذكر في الآية، ومع هذا الاحتمال يسقط هذا الاستنباط.
أما ما يتعلق بذات الحكم وهو الإشهاد على العقود فقد تم الإشارة إليه. والله أعلم.
стр. 706
قرن السمع بالليل لأن سلطان السمع في الليل أبلغ، وقرن البصر بالنهار لأن سلطان البصر في النهار أبلغ .
قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَنَمُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَنَمُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢)﴾ (القصص: ٧١ - ٧٢).
٣٦٧ - قال السعدي ﵀: (وقال في الليل ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ وفي النهار ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ لأن سلطان السمع أبلغ في الليل من سلطان البصر، وعكسه النهار) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص السمع بالليل، ومناسبة تخصيص البصر بالنهار، وبين أن سلطان السمع في الليل أبلغ فناسب ذكره السمع مع الليل، وسلطان البصر في النهار أبلغ فناسب ذكر البصر مع النهار.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن القيم: (خص سبحانه النهار بذكر البصر لأنه محله وفيه سلطان البصر وتصرفه وخص الليل بذكر السمع لأن سلطان السمع يكون بالليل وتسمع فيه الحيوانات مالا تسمع في النهار لأنه وقت هدوء الأصوات وخمود الحركات وقوة سلطان السمع وضعف سلطان البصر والنهار بالعكس فيه قوة سلطان البصر وضعف سلطان السمع) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من
стр. 707
المفسرين أيضاً: البقاعي، والهرري (١).
وأشار بعض المفسرين إلى استنباطات أخرى لمعنى هذه المناسبة، فمنهم من قال: لما كانت استدامة الليل أشق من استدامة النهار لأن النوم الذي هو أجل الغرض فيه شبيه الموت والابتغاء من فضل الله تعالى الذي هو بعض فوائد النهار شبيه بالحياة قيل في الأول أفلا تسمعون أي سماع فهم وفي الثاني أفلا تبصرون أي ما أنتم عليه من الخطأ ليطابق كل من التذييلين الكلام السابق من التشديد والتوبيخ (٢).
ومنهم من قال: لاعتبار الأولية والآخرية ذيلت الآية الأولى بقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَسْمَعُونَ﴾ بناءً على أن المعنى أفلا تسمعون ممن سلف من آبائكم أو مما سلف منا أن آلهتكم لا تقدر على مثل ذلك والثانية بقوله سبحانه: ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ بناءً على أن المعنى أفلا تبصرون أنتم عجزها عن مثل ذلك (٣).
ومنهم من قال: وناسب السمع دليل فرض سرمدة الليل لأن الليل لو كان دائماً لم تكن للناس رؤية فإن رؤية الأشياء مشروطة بانتشار شيء من النور على سطح الجسم المرئي، فالظلمة الخالصة لا تُرى فيها المرئيات، ولذلك جيء في جانب فرض دوام الليل بالإنكار على عدم سماعهم، وجيء في جانب فرض دوام النهار بالإنكار على عدم إبصارهم (٤).
стр. 708
سورة العنكبوت
لما كان نفي تحملهم خطايا غيرهم موهماً عدم تحملهم الخطايا التي تسببوا فيها أعقب الله هذا النفي بيان تحملهم ما تسببوا فيه من الخطايا .
قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ (١٢) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ (١٣)﴾ (العنكبوت: ١٢ - ١٣).
٣٦٨ - قال السعدي ﵀: (ولما كان قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ (١٢)﴾ قد يتوهم منه أيضاً، أن الكفار الداعين إلى كفرهم -ونحوهم ممن دعا إلى باطله- ليس عليهم إلا ذنبهم الذي ارتكبوه، دون الذنب الذي فعله غيرهم، ولو كانوا متسببين فيه، قال: مخبراً عن هذا الوهم ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ﴾ أي: أثقال ذنوبهم التي عملوها ﴿وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ (١٣)﴾ وهي الذنوب التي بسببهم ومن جرائهم، فالذنب الذي فعله التابع لكل من التابع، والمتبوع حصته منه، هذا لأنه فعله وباشره، والمتبوع لأنه تسبب في فعله ودعا إليها). ا. هـ (١)
стр. 709
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين المناسبة بينهما، وذلك أن في الآية الأولى نفي تحمل خطايا الغير، فلما كان هذا النفي موهماً أن يتحمل من تسبب في الذنوب ذنبه وذنب غيره ممن كان سبباً في وقوعهم، أعقب الله هذا النفي بيان أن من تسبب في خطيئة وكان معيناً عليها فإن عليه من الوزر مثل ما على صاحبها.
وأشار بعض المفسرين إلى أمر آخر في هاتين الآيتين وهو توهم التعارض بينهما ففي الأولى نفي التحمل، وفي الثانية إثباته، وأجابوا عنه بأن المثبت غير المنفي فلا تعارض، فالمنفي هو تحمل الذنب مع براءة صاحبه الأصلي، والمثبت هو ذنب إضلال الغير، قال ابن عاشور: (والحمل المنفي هو ما كان المقصود منه دفع التبعة عن الغير وتبرئته من جناياته، فلا ينافيه إثبات حمل آخر عليهم هو حمل المؤاخذة على التضليل) (١)، وممن أشار إليه كذلك من المفسرين: الرازي، والخازن، ومحيي الدين شيخ زاده، وشهاب الدين الخفاجي، والشنقيطي (٢).
ينظر المحقون إلى الكلام لا إلى ذات المتكلم .
قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) (العنكبوت: ٤٨).
٣٦٩ - قال السعدي ﵀: (فمفهوم الآية الكريمة أن غير المبطلين وهم المحقون الذين قصدهم اتباع الحق أنهم لا يحصل عندهم
стр. 710
أدنى ريبة ولا شك ; ولو فرض أن الرسول ﷺ كان يتلو قبل نزوله كتاباً من الكتب السابقة ; أو كان يكتب لأن المحقين ينظرون ويتأملون في الكلام وما دل عليه بقطع النظر عن حالة الشخص). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً سلوكياً، وهو تعامل أهل الحق مع الكلام وقبولهم بقطع النظر عن حالة المتكلم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله قيد الارتياب بأهل الباطل فدل مفهوم المخالفة أن أهل الحق بخلافهم فهم يقبلون الحق ممن قاله.
وهذا الاستنباط يدل على عظم الأخلاق والسلوكيات التي يحث عليها الإسلام، وأن صاحب الحق يجب أن يكون هدفه الوصول إلى الحق.
كما أن العبرة هنا بالقول لا بالقائل، فمتى كان القول حقاً وجب قبوله، ومتى كان القول باطلاً وجب رده، وهذا فيه عدل، وتأصيل للبحث عن الحقيقة، ورسم طريق صحيح للوصول إلى الحق والصواب، ولا يخشى من هذا الإنصاف إلا أهل الباطل، أما الحق فيبحثون عنه حيث كان، وعند من كان.
стр. 711
سورة الروم
لا يؤجر المتصدق بصدقة مع وجود ما هو أوجب على المتصدق من نفقة أودين ونحو ذلك .
قال تعالى: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ (٣٩)﴾ (الروم: ٣٩).
٣٧٠ - قال السعدي ﵀: (ودل قوله: ﴿وَمَا آَتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ أن الصدقة مع اضطرار من يتعلق بالمنفق أو مع دَيْنٍ عليه لم يقضه ويقدم عليه الصدقة أن ذلك ليس بزكاة يؤجر عليه العبد ويرد تصرفه شرعا كما قال تعالى في الذي يمدح: ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨)﴾ [الليل: ١٨] فليس مجرد إيتاء المال خيراً حتى يكون بهذه الصفة وهو: أن يكون على وجه يتزكى به المؤتي). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن المتصدق لا يؤجر على صدقته إذا كان هناك أمور واجبة متعلقة به لم يقم بها كقضاء دين أوإنفاق واجب ونحو ذلك، ووجه استنباط ذلك من الآية أن التزكية بهذه الصدقة لا تتم
стр. 712
بفعل مستحب يفوت بسببه الواجب (١).
وما استنبطه السعدي من هذه الآية في غاية الدقة؛ إذ لم أجد من المفسرين من أشار إلى ذلك، ومقصود الصدقة هو التزكية والتطهر من الآثام، وهذا لا يتم مع وجود ترك الواجبات.
وفي هذا الاستنباط تأصيل لترتيب الأولويات، وأن الشريعة قائمة على أصول لا بد من مراعاتها، فمع أن هذا الفعل في ظاهره حسن فهو قربة وإنفاق، ولكنه ليس بمشروع لأن فيه توفيت ما هو أهم.
стр. 713
سورة السجدة
مناسبة تخصيص الإنسان بالذكر من باقي المخلوقات لشرفه وفضله .
قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ (السجدة: ٧).
٣٧١ - قال السعدي ﵀: (﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ أي: كل مخلوق خلقه الله، فإن الله أحسن خلقه، وخلقه خلقًا يليق به، ويوافقه، فهذا عام، ثم خص الآدمي لشرفه وفضله فقال: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ وذلك بخلق آدم ﵇، أبي البشر). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص الإنسان بالذكر من باقي المخلوقات، وبين أن مناسبة ذلك هو شرف الإنسان وفضله، فتخصيصه من سائر المخلوقات بالذكر دليل على شرفه وفضله.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط البقاعي فقال: (ولما كان
стр. 714
الحيوان أشرف الأجناس، وكان الإنسان أشرفه، خصه بالذكر ليقوم دليل الوحدانية بالأنفس كما قام قبل بالآفاق) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الرازي (٢).
وأشار ابن عاشور إلى معنى آخر في ذلك وهو كون الإنسان فيه ما يميزه عن باقي المخلوقات وهو العقل، فقال: (وتخلص من هذا الوصف العام إلى خلْق الإنسان لأن في خلقة الإنسان دقائق في ظاهره وباطنه وأعظمها العقل) (٣).
стр. 715
سورة الأحزاب
عدم جواز التكلم والإخبار بوقوع ووجود ما لم يجعله الله .
قال تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ (الأحزاب: ٤).
٣٧٢ - قال السعدي ﵀: (وهذه قاعدة عامة في التكلم في كل شيء، والإخبار بوقوع ووجود، ما لم يجعله الله تعالى، ولكن خص هذه الأشياء المذكورة، لوقوعها، وشدة الحاجة إلى بيانها). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة عامة وهي عدم جواز التكلم والإخبار بوقوع ووجود ما لم يجعله الله، ووجه استنباط هذه القاعدة من الآية بمفهوم الموافقة حيث إن دعوى أن يكون لرجل قلبين في جوفه، ودعوى تحريم الزوجة بالظهار، وتبني الأدعياء مجرد قول بالأفواه لا حقيقة له، ولا يغير من الواقع شيئاً، والحقائق لا تنقلب بمجرد الادعاء فالزوجة
стр. 716
لا تكون أمّاً والمدعى بنوته لا يكون ابناً، فهو إخبار بوقوع ووجود أمور لم يجعلها الله (١)، فاستنبط السعدي من ذلك قاعدة عامة في مثل هذه الأمور، وجعل تخصيص الأمرين بالذكر لشدة الحاجة في التنبيه عليهما وإلا فالقاعدة عامة.
وقد أشار بعض المفسرين إلى نحو ما قرره السعدي، قال ابن عاشور: (وهو تشريع الاعتبار بحقائق الأشياء ومعانيها، وأن مواهي الأمور لا تتغير بما يلصق بها من الأقوَال المنافية للحقائق، وأن تلك الملصقات بالحقائق هي التي تحجب العقول عن التفهم في الحقائق الحق، وهي التي تَرِينُ على القلوب بتلبيس الأشياء. . . وهذا كله زيادة تحريض على تلقي أمر الله بالقبول والامتثال ونبذ ما خالفه) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، والشوكاني (٣).
الاحتجاج بأفعال الرسول ﷺ .
قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخَرُ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (٢١)﴾ (الأحزاب: ٢١).
٣٧٣ - قال السعدي ﵀: (واستدل الأصوليون في هذه الآية، على الاحتجاج بأفعال الرسول ﷺ (٤)،
وأن الأصل، أن أمته أسوته
стр. 717
في الأحكام، إلا ما دل الدليل الشرعي على الاختصاص به). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية ما استنبطه الأصوليون من دلالتها على الاحتجاج بفعل النبي ﷺ ، ووجه استنباط ذلك من الآية عموم الأسوة في النبي ﷺ ، ومنها الاقتداء بأفعاله.
стр. 718
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن كثير: (هذه الآية الكريمة أصل كبير في التأسي برسول الله ﷺ في أقواله وأفعاله وأحواله) (١)، وقال الطوفي: (يحتج بها على التأسي به ﷺ في أفعاله) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والقرطبي، والسيوطي، والألوسي، وابن عاشور (٣).
مناسبة تعقيب النهي عن الخضوع بالقول، بالحث على اللين لدفع توهم إرادة الغلظة في الخضوع .
قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ (الأحزاب: ٣٢).
٣٧٤ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ (٤) ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ أي: غير غليظ، ولا جاف كما أنه ليس بِلَيِّنٍ خاضع). ا. هـ (٥)
стр. 719
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الحث على اللين بعد النهي عن الخضوع بالقول، وأن مناسبة ذلك هو دفع توهم إرادة الإغلاظ في القول، فالمراد عدم الخضوع لا الإغلاظ القول.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال ابن القيم: (فنهاهن عن الخضوع بالقول، فربما ذهب الوهم إلى الإذن في الإغلاظ في القول والتجاوز، فرفع هذا الوهم
بقوله: ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الرازي (٢).
وقد ذكر ابن عاشور وجهاً آخر وهو أن الأمر بالخضوع قد يفهم منه الإسرار بالقول، فدفع هذا التوهم بالأمر بالأمر بالقول المعروف، قال ابن عاشور: (وعَطْفُ ﴿وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ على ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ﴾ بمنزلة الاحتراس لئلا يحسبن أن الله كلفهن بخفض أصواتهن كحديث السرار) (٣).
والذي يظهر والله أعلم أن كلا الأمرين مقصود هنا، فالتعقيب بالقول المعروف لدفع توهم إرادة الإغلاظ، أو الإسرار، وتقرير حالة الوسط هنا وهو الكلام لكن بدون إغلاظ ولا إسرار. والله أعلم.
التعليم الفعلي أبلغ من التعليم القولي .
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَشَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ
стр. 720
حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ (الأحزاب: ٣٧).
٣٧٥ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآيات (١) المشتملات على هذه القصة، فوائد:
ومنها: أن التعليم الفعلي، أبلغ من القولي، خصوصاً، إذا اقترن بالقول، فإن ذلك، نور على نور). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه القصة عموماً-وهي قصة زيد بن حارثة وزينب بنت جحش- أن التعليم الفعلي أبلغ من التعليم القولي، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أراد أن يشرع للناس أن الأدعياء ليسوا كالأبناء من كل وجه، وأن نكاح زوجاتهم جائز لمن تبناهم، ولكن لأجل أن يكون هذا أرسخ في عقول الناس، وأبلغ في تعليمهم جعل الله ذلك فعلياً مع النبي ﷺ وزيد بن حارثة، ليكون ذلك أبلغ في التعليم وترسيخ الحكم، ومن هنا استنبط السعدي أن التعليم بالفعل أبلغ من التعليم بالقول.
وفي هذا الاستنباط تأصيل قرآني لما يُسمَى اليوم التعليم بالوسيلة، وهو تعليم فعلي أكثر منه قولي، ويعد هذا النوع من التعليم أفضل من غيره في ترسيخ المعلومة وفهمها الفهم الصحيح.
وقد استخدم النبي ﷺ هذا النوع من التعليم في حياته كثيراً، فعلم
стр. 721
الصحابة الوضوء بالفعل، وعلمهم الصلاة بالفعل، ونقلوا كثيراً من أخلاقه وتعاملاته الرائعة مع الصحابة ﵃ بالفعل أكثر منه بالقول.
المحبة التي في القلب لغير الزوجة لا يأثم عليها الزوج إذا لم يقترن بها محذور .
قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ (٣٧)﴾ (الأحزاب: ٣٧).
٣٧٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد الآية-: أن المحبة التي في قلب العبد، لغير زوجته ومملوكته، ومحارمه، إذا لم يقترن بها محذور، لا يأثم عليها العبد، ولو اقترن بذلك أمنيته، أن لو طلقها زوجها، لتزوجها من غير أن يسعى في فرقة بينهما، أو يتسبب بأي سبب كان، لأن الله أخبر أن الرسول ﷺ ، أخفى ذلك في نفسه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن المحبة التي في قلب العبد لامرأة ليست بزوجته، وتمنيه زواجها إذا طلقت ليس بمحذور ولا يأثم عليه العبد، ووجه استنباط ذلك من الآية أن النبي ﷺ قد وقع في قلبه ذلك لزينب بنت جحش أن لو طلقها زيد لتزوجها، ولم يذكر الله ذلك على وجه اللوم له، مما يدل على جوازه إن حصل في قلب العبد.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال البغوي: (وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه في مثل هذه الأشياء ما
стр. 722
لم يقصد فيه المآثم، لأن الود وميل النفس من طبع البشر) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، وابن عاشور (٢).
كما أن هذا يكشف خلقاً عظيماً عند النبي ﷺ ، فلم يتكلم مع زيد إلا بما يصلح له، مجاهداً ما تهوى نفسه ويتمنى، وهذا يدل على كمال خلق النبي ﷺ ، ومدى تمكنه من إلزام نفسه للكمال الأخلاقي.
المستشار مؤتمن، أن يشير بما هو أصلح للمستشير .
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ (٣٧)﴾ (الأحزاب: ٣٧).
٣٧٧ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد الآية-: أن المستشار مؤتمن، يجب عليه -إذا استشير في أمر من الأمور- أن يشير بما يعلمه أصلح للمستشير ولو كان له حظ نفس، فتقدم مصلحة المستشير على هوى نفسه وغرضه). ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن المستشار مؤتمن، يجب عليه لأن يشير بما هو أصلح للمستشير ولو خالف حظ نفسه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن النبي ﷺ عندما استشاره زيد بن حارثة في طلاقه لزينب بنت جحش، أشار عليه النبي ﷺ بالإمساك وعدم الطلاق؛ مع أن في نفسه ميل لزينب، ولكنه قدم مصلحة المستشير وهو زيد على المستشار وهو نفسه ﷺ .
стр. 723
قال ابن عاشور: (وأما إشارة النبي ﵊ على زيد بإمساك زوجه مع علمه بأنها ستصير زوجة له فهو أداء لواجب أمانة الاستنصاح والاستشارة، إذ لا يخفى أن الاستشارة طلب النظر فيما هو صلاح للمستشير لا ما هو صلاح للمستشار، ومن حق المستشار إعلام المستشير بما هو صلاح له في نظر المشير، وإن كان صلاح المشير في خلافه) (١).
وهذا الاستنباط فيه تأصيل قرآني لمعنى كبير من معاني الاستشارة، وأن المستشار مؤتمن يجب أن يؤدي النصح ولو كان خلافاً لهوى نفسه.
الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ (٤٩)﴾ (الأحزاب: ٤٩).
٣٧٨ - قال السعدي ﵀: (ويستدل بهذه الآية، على أن الطلاق، لا يكون إلا بعد النكاح (٢)، فلو طلقها قبل أن ينكحها، أو علق
стр. 724
طلاقها على نكاحها، لم يقع، لقوله: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فجعل الطلاق بعد النكاح، فدل على أنه قبل ذلك، لا محل له، وإذا كان الطلاق الذي هو فرقة تامة، وتحريم تام، لا يقع قبل النكاح، فالتحريم الناقص، لظهار، أو إيلاء ونحوه، من باب أولى وأحرى، أن لا يقع قبل النكاح، كما هو أصح قَوْلي العلماء). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الطلاق لا يكون إلا بعد نكاح، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله جعل الطلاق بعد النكاح، ورتبه بثم، مما يدل على أنه قبل ذلك لا محل له.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال إلكيا الهراسي: (يدل على أن لا طلاق قبل النكاح، فإنه رتب عليه بكلمة"ثم") (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: البغوي، والقصاب، وابن الجوزي، والرازي، وأبوحيان، والخازن، والسيوطي، والهرري (٣).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط، وقالوا لا دلالة في الآية على أن الطلاق لا يكون إلا بعد النكاح، قال ابن الفرس- في رده لدلالة
стр. 725
الآية على أن لا طلاق قبل النكاح-: (ولا هي حجة في الآية لمن منع من ذلك؛ لأنه تعالى إنما أخبر بحكم الطلاق إذا وقع بعد النكاح ولم يذكر حكمه إذا وقع قبل ذلك، ولا يقتضي نفياً ولا إثباتاً) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص (٢).
النتيجة:
وما ذهب إليه السعدي من أن الآية تدل على أن لا طلاق قبل النكاح هو الصحيح، ومما يؤيد صحته أنه استنباط ابن عباس ﵄، وقد قال في ذلك بعد تلاوته هذه الآية: (فلا يكون طلاق حتى يكون نكاح) (٣).
تصدير الآية بخطاب المؤمنين، وعدم لومهم على الطلاق، يدل على جوازه .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ (٤٩)﴾ (الأحزاب: ٤٩).
٣٧٩ - قال السعدي ﵀: (ويدل على جواز الطلاق (٤)، لأن الله أخبر به عن المؤمنين، على وجه لم يلمهم عليه، ولم يؤنبهم،
стр. 726
مع تصدير الآية بخطاب المؤمنين). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز الطلاق، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله صدر الآية بخطاب المؤمنين، ولم يلمهم على الطلاق، مما يدل على جوازه.
وفائدة هذا الاستنباط هو دفع توهم أن يكون الطلاق منقصة لأهل الإيمان؛ إذ قد يكون الطلاق هو وسيلة للحفاظ على الإيمان؛ لأن إمساك المرأة مع عدم القيام بحقوقها مؤثر على الإيمان وصاحبه.
والطلاق هو من محاسن هذه الشريعة؛ إذ مع فساد العشرة بين الزوجين يكون الطلاق هو السبيل للتخلص من هذه العلاقة التي أصبحت ثقلاً على أصحابها، والطلاق يميز دين الإسلام عن غيره من الأعراف التي تلزم بقاء الحياة الزوجية ولو مع تعثرها كما هو عند بعض المسيحيين، كما أن هذا يزيد وضوح التوازن في الإسلام.
كما أن النداء بالإيمان في أول هذا الحكم الشرعي يدل على أن امتثال الأوامر من مقتضيات الإيمان (٢)، وأن الإيمان هو السبب في القيام بالأوامر، فمتى وجد الإيمان وجد الامتثال.
الفراق بالموت تعتد له المرأة ولو قبل الدخول .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾ (الأحزاب: ٤٩).
стр. 727
٣٨٠ - قال السعدي ﵀: (ومفهوم الآية أن الفراق بالموت تعتد له الزوجة المعقود عليها ولو قبل الدخول (١)، وكما يؤخذ من مفهوم هذه الآية فإنه يؤخذ من عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن المرأة المعقود عليها والمتوفى عنها زوجها تعتد ولو قبل الدخول عليها، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله جعل الفراق بالطلاق قبل الدخول لا عدة على المرأة فيه، فدل مفهوم المخالفة للقيد أن غير المطلقة تعتد، وهي التي مات عنها زوجها ولو قبل الدخول، كما أن هذا الاستنباط يؤخذ من عموم آية البقرة.
وهنا نلاحظ أن السعدي استنبط الحكم من آيتين، أما الأولى فمن مفهومها، ولم أجد من استنبط هذا الحكم من هذه الآية غير السعدي حسب ما اطلعت عليه من مصادر تفسيرية وفقهية.
وأما ما استنبطه السعدي من عموم آية البقرة فهذا أشار إليه بعض المفسرين، قال القرطبي: (عدة الوفاة تلزم الحرة والأمة والصغيرة والكبيرة والتي لم تبلغ المحيض، والتي حاضت واليائسة من المحيض والكتابية دخل بها أو لم يدخل بها إذا كانت غير حامل وعدة جميعهن إلا الأمة أربعة أشهر وعشرة أيام، لعموم الآية في قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾) (٣)، وممن أشار إليه كذلك من المفسرين: ابن
стр. 728
العربي، وابن كثير، والخازن، والألوسي، والسيوطي، والعثيمين. (١)
عدم الاحتجاب عن الأعمام والأخوال بدلالة الأولى .
قال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آَبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ (٥٥)﴾ (الأحزاب: ٥٥).
٣٨١ - قال السعدي ﵀: (ولم يذكر فيها الأعمام، والأخوال، لأنهن إذا لم يحتجبن عمن هن عماته ولا خالاته، من أبناء الإخوة والأخوات، مع رفعتهن عليهم، فعدم احتجابهن عن عمهن وخالهن، من باب أولى). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز عدم احتجاب المرأة عن أعمامها وأخوالها، ووجه استنباط ذلك من الآية بمفهوم الموافقة، حيث إنه ذكر في الآية أبناء الإخوة وأبناء الأخوات، فيكون ذكر الأعمام والأخوال من باب أولى.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن عاشور: (ولم يذكر من أصناف الأقرباء الأعمام ولا الأخوال لأن ذكر أبناء الإِخوان وأبناء الأخوات يقتضي اتحاد الحكم، من أنه لما رفِع الحرج عنهن فيمن هن عمات لهن أو خالات كان رفع الحرج عنهن في
стр. 729
الأعمام والأخوال كذلك) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وأبو السعود، والألوسي (٢).
وذهب عكرمة، والشعبي إلى أن عدم ذكر الأعمام والأخوال لأنهما قد يصفان ذلك لبنيهما (٣).
وذكر بعض المفسرين وجهاً آخر وهو أن عدم ذكر الأخوال والأعمام لأنهما يجريان مجرى الوالدين، قال البيضاوي: (وإنما لم يذكر العم والخال لأنهما بمنزلة الوالدين ولذلك سمى العم أبا في قوله ﴿وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا﴾) (٤).
والذي يظهر والله أعلم أن القول بأن عدم ذكر الأعمام والأخوال هنا إما لأنهما بمنزلة الوالدين، أو لدخولهما بطريقة الأولى، وكلا الأمرين محتمل.
أما ما ذهب إليه عكرمة والشعبي من أن عدم ذكر هنا لأجل أن لا يصفان ذلك لبنيهما، فضعيف، قال الشوكاني- بعد ذكره لهذا القول-: (وهذا ضعيف جدّاً، فإن تجويز وصف المرأة لمن تحلّ له ممكن من غيرهما ممن يجوز له النظر إليها، لا سيما أبناء الإخوة، وأبناء الأخوات) (٥)، وقد ضعف هذا الوجه كذلك الألوسي (٦).
стр. 730
نفي أهل الشر الذين يتضرر بإقامتهم .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠)﴾ (الأحزاب: ٦٠)
٣٨٢ - قال السعدي ﵀: (وهذا فيه دليل (١)، لنفي أهل الشر، الذين يتضرر بإقامتهم بين أظهر المسلمين، فإن ذلك أحسم للشر، وأبعد منه). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية جواز نفي أهل الشر الذين يتضرر المسلمون بإقامتهم بين أظهرهم، ووجه استنباط ذلك من الآية القياس على جواز نفي أهل النفاق الذين أباح الله لنبيه نفيهم بسبب ما يقومون به من إضرار بالمسلمين بنشر الشائعات والأكاذيب ونحو ذلك من الإرجاف، فقاس السعدي على ذلك جواز نفي كل من كان ببقاءه بين المسلمين إفساداً.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط الجصاص فقال: (في هذه الآية دلالة على أن الإرجاف بالمؤمنين والإشاعة بما يغمهم ويؤذيهم يستحق به التعزير والنفي إذا أصر عليه ولم ينته عنه) (٣).
ومما يؤيد المعنى المستنبط وهو نفي أهل الشر ما جاء في حديث ابن عباس ﵄، قال: (لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: أخرجوهم من بيوتكم)، وأخرج فلاناً،
стр. 731
وأخرج عمر فلاناً (١)، قال ابن بطال: (وفى حديث ابن عباس إخراج كل من يتأذى به الناس بإظهار المعاصي والمنكر، ونفيهم عن مواضع التأذي بهم) (٢).
стр. 732
سورة فاطر
أهل الجنة لا ينامون .
قال تعالى: ﴿لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ (فاطر: ٣٥).
٣٨٣ - قال السعدي ﵀: (ويدل على أنهم لا ينامون في الجنة (١)، لأن النوم فائدته زوال التعب، وحصول الراحة به، وأهل الجنة بخلاف ذلك، ولأنه موت أصغر، وأهل الجنة لا يموتون، جعلنا الله منهم، بمنه وكرمه). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن أهل الجنة لا ينامون، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله نفى عنهم النصب واللغوب، فلزم من ذلك أنهم لا ينامون، فدلالة الآية على عدم نوم أهل الجنة دلالة التزام، حيث إن انتفاء التعب يلزم منه انتفاء النوم.
стр. 733
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط الصاوي (١) حيث قال: (فلا نوم في الجنة لعدم التعب فيها) (٢).
стр. 734
سورة يس
مناسبة ذكر اسم الله "الرحمن" دون غيره من أسماء الله الأخرى .
قال تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾ (يس: ٥٢).
٣٨٤ - قال السعدي ﵀: (ولا تحسب أن ذكر الرحمن في هذا الموضع، لمجرد الخبر عن وعده، وإنما ذلك للإخبار بأنه في ذلك اليوم العظيم، سيرون من رحمته ما لا يخطر على الظنون، ولا حسب به الحاسبون). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة التعبير باسم "الرحمن" دون غيره من أسماء الله ﷻ ، وأن مناسبة ذلك هي الإخبار عن رحمة الله للخلق في ذلك اليوم.
قال الألوسي: (وقيل آثره المجيبون من المؤمنين لما أن الرحمة قد
стр. 735
غمرتهم فهي نصب أعينهم) (١).
وقال بعض المفسرين إن التعبير باسم "الرحمن"في هذه الآية تقريعاً للكفار وتكبيتاً لهم؛ إذ كانوا ينكرون اسم الرحمن مع إنكارهم للبعث، فناسب ذكره هنا تقريعاً لهم، قال ابن عاشور: (وأتوا في التعبير عن اسم الجلالة بصفة الرحمان إكمالاً للتحسر على تكذيبهم بالبعث بذكر ما كان مقارناً للبعث في تكذيبهم وهو إنكار هذا الاسم كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ (الفرقان: ٦٠)) (٢).
وقال بعض المفسرين إن هذا القول هو قول الكفار (٣) ومناسبة تعبيرهم باسم الرحمن طمعاً في رحمة الله (٤).
стр. 736
سورة الصافات
خص الله المشارق بالذكر لدلالتها على المغارب .
قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ (الصافات: ٥).
٣٨٥ - قال السعدي ﵀: (وخص الله المشارق بالذكر، لدلالتها على المغارب، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص المشارق بالذكر دون المغارب، وأن مناسبة ذلك هي أن المشارق دالة على المغارب فاكتفى بذكرها، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها بعدها.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن جرير الطبري: (وترك ذكر المغارب لدلالة الكلام عليه، واستغني بذكر المشارق من ذكرها، إذ كان معلوماً أن معها المغارب) (٢)، وقال ابن القيم: (وخص المشارق هاهنا بالذكر إما لدلالتها على المغارب إذ الأمر
стр. 737
أن المتضايقان كل منهما يستلزم الآخر وإما لكون المشارق مطلع الكواكب ومظاهر الأنوار وإما توطئة لما ذكر بعدها من تزيين السماء بزينة الكواكب وجعلها حفظاً من كل شيطان: فذكر المشارق أنسب بهذا المعنى وأليق) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، وابن الجوزي، وابن كثير، وأبوحيان، والألوسي. (٢)
وأضاف بعض المفسرين معنى آخر للاقتصار على ذكر المشارق دون المغارب، وهو أن المشارق أكثر نفعاً، فقال الرازي بعد ذكره للوجه الأول الموافق لما ذكر المفسرون آنفاً: (والثاني أن الشرق أقوى حالاً من الغروب وأكثر نفعاً من الغروب فذكر الشرق تنبيهاً على كثرة إحسان الله تعالى على عباده، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم ﵇ بالمشرق فقال: ﴿فَإِن اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾) (٣)، وأشار إليه كذلك الصاوي (٤).
استعمال القرعة عند الاشتباه في الحقوق .
قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ (الصافات: ١٤١).
٣٨٦ - قال السعدي ﵀: (وفيها - أي من فوائد قصة يونس -: استعمال القرعة (٥) عند الاشتباه في مسائل الاستحقاق والحرمان إذ لم
стр. 738
يكن مرجح سواها) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية استعمال القرعة في مسائل الاستحقاق إذا لم يكن هناك مرجح، ووجه استنباط ذلك من الآية حكاية الله لوقوع ذلك ليونس ﵊ إذ وقعت القرعة عليه في الاستهام فرُمِي في البحر، ولم يُلحق الله ذلك بإنكار مما يدل على مشروعيته.
الموافقون:
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي- عند إيراده هذه الآية-: (فيه دليل على الحكم بالقرعة) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن العربي، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والألوسي، والعثيمين (٣).
المخالفون:
خالف ابن عاشور في استنباط مشروعية القرعة من هذه الآية فقال:
стр. 739
(وعندي: أن ليس في الآية دليل على مشروعية القرعة في الفصل بين المتساويين لأنها لم تحك شرعاً صحيحاً كان قبل الإِسلام إذ لا يعرف دين أهل السفينة الذين أجرَوْا الاستهام على يونس، على أن ما أُجري الاستهام عليه قد أجمع المسلمون على أنه لا يجري في مثله استهام، فلو صح أن ذلك كان شرعاً لمن قبلنا فقد نسخه إجماع علماء أمتنا) (١).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، وأما ما قاله ابن عاشور فمردود من وجهين:
أولهما: إن إقرار الله لهذا الأمر في كتابه دون أن يتعقبه مغني عن معرفة ديانة أهل السفينة.
ثانيهما: إن الاستهام على مثل حالة يونس جائز حتى في شريعتنا إذ هو أخف الضررين وأدنى المفسدتين فلو قدر أن يكون مثل هذه الحالة في البحر وكان لا بد من رمي أحد الناس لتخف السفينة لم يكن في شريعتنا ما يمنع الاقتراع على رمي أحدهم إذ هلاك واحد أهون من هلاك الجميع (٢). والله أعلم.
ومما يؤيد المعنى المستنبط وهو مشروعية استعمال القرعة، ما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين نسائه، فأيتهن يخرج سهمها خرج بها النبي ﷺ (٣)، والحديث واضح الدلالة على مشروعية القرعة عند التساوي في الحقوق.
стр. 740
سورة ص
لم يستمع داود لكلام الخصم الثاني، لدلالة السياق على صحة كلام الأول .
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَمِنَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ (٢٤)﴾ (ص: ٢٣ - ٢٤).
٣٨٧ - قال السعدي ﵀: (فقال داود (١) - لما سمع كلامه - ومن المعلوم من السياق السابق من كلامهما، أن هذا هو الواقع، فلهذا لم يحتج أن يتكلم الآخر، فلا وجه للاعتراض بقول القائل: " لم حكم داود، قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر "). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن عدم استماع داود لكلام الخصم