سورة الصافات
خص الله المشارق بالذكر لدلالتها على المغارب .
قال تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ (الصافات: ٥).
٣٨٥ - قال السعدي ﵀: (وخص الله المشارق بالذكر، لدلالتها على المغارب، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص المشارق بالذكر دون المغارب، وأن مناسبة ذلك هي أن المشارق دالة على المغارب فاكتفى بذكرها، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها بعدها.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن جرير الطبري: (وترك ذكر المغارب لدلالة الكلام عليه، واستغني بذكر المشارق من ذكرها، إذ كان معلوماً أن معها المغارب) (٢)، وقال ابن القيم: (وخص المشارق هاهنا بالذكر إما لدلالتها على المغارب إذ الأمر
стр. 737
أن المتضايقان كل منهما يستلزم الآخر وإما لكون المشارق مطلع الكواكب ومظاهر الأنوار وإما توطئة لما ذكر بعدها من تزيين السماء بزينة الكواكب وجعلها حفظاً من كل شيطان: فذكر المشارق أنسب بهذا المعنى وأليق) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، وابن الجوزي، وابن كثير، وأبوحيان، والألوسي. (٢)
وأضاف بعض المفسرين معنى آخر للاقتصار على ذكر المشارق دون المغارب، وهو أن المشارق أكثر نفعاً، فقال الرازي بعد ذكره للوجه الأول الموافق لما ذكر المفسرون آنفاً: (والثاني أن الشرق أقوى حالاً من الغروب وأكثر نفعاً من الغروب فذكر الشرق تنبيهاً على كثرة إحسان الله تعالى على عباده، ولهذه الدقيقة استدل إبراهيم ﵇ بالمشرق فقال: ﴿فَإِن اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ﴾) (٣)، وأشار إليه كذلك الصاوي (٤).
استعمال القرعة عند الاشتباه في الحقوق .
قال تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١)﴾ (الصافات: ١٤١).
٣٨٦ - قال السعدي ﵀: (وفيها - أي من فوائد قصة يونس -: استعمال القرعة (٥) عند الاشتباه في مسائل الاستحقاق والحرمان إذ لم
стр. 738
يكن مرجح سواها) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية استعمال القرعة في مسائل الاستحقاق إذا لم يكن هناك مرجح، ووجه استنباط ذلك من الآية حكاية الله لوقوع ذلك ليونس ﵊ إذ وقعت القرعة عليه في الاستهام فرُمِي في البحر، ولم يُلحق الله ذلك بإنكار مما يدل على مشروعيته.
الموافقون:
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال السيوطي- عند إيراده هذه الآية-: (فيه دليل على الحكم بالقرعة) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن العربي، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والألوسي، والعثيمين (٣).
المخالفون:
خالف ابن عاشور في استنباط مشروعية القرعة من هذه الآية فقال:
стр. 739
(وعندي: أن ليس في الآية دليل على مشروعية القرعة في الفصل بين المتساويين لأنها لم تحك شرعاً صحيحاً كان قبل الإِسلام إذ لا يعرف دين أهل السفينة الذين أجرَوْا الاستهام على يونس، على أن ما أُجري الاستهام عليه قد أجمع المسلمون على أنه لا يجري في مثله استهام، فلو صح أن ذلك كان شرعاً لمن قبلنا فقد نسخه إجماع علماء أمتنا) (١).
النتيجة:
ما ذهب إليه السعدي ومن وافقه هو الصحيح، وأما ما قاله ابن عاشور فمردود من وجهين:
أولهما: إن إقرار الله لهذا الأمر في كتابه دون أن يتعقبه مغني عن معرفة ديانة أهل السفينة.
ثانيهما: إن الاستهام على مثل حالة يونس جائز حتى في شريعتنا إذ هو أخف الضررين وأدنى المفسدتين فلو قدر أن يكون مثل هذه الحالة في البحر وكان لا بد من رمي أحد الناس لتخف السفينة لم يكن في شريعتنا ما يمنع الاقتراع على رمي أحدهم إذ هلاك واحد أهون من هلاك الجميع (٢). والله أعلم.
ومما يؤيد المعنى المستنبط وهو مشروعية استعمال القرعة، ما جاء في حديث عائشة ﵂ قالت: كان النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج أقرع بين نسائه، فأيتهن يخرج سهمها خرج بها النبي ﷺ (٣)، والحديث واضح الدلالة على مشروعية القرعة عند التساوي في الحقوق.
стр. 740
سورة ص
لم يستمع داود لكلام الخصم الثاني، لدلالة السياق على صحة كلام الأول .
قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَمِنَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣) قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ (٢٤)﴾ (ص: ٢٣ - ٢٤).
٣٨٧ - قال السعدي ﵀: (فقال داود (١) - لما سمع كلامه - ومن المعلوم من السياق السابق من كلامهما، أن هذا هو الواقع، فلهذا لم يحتج أن يتكلم الآخر، فلا وجه للاعتراض بقول القائل: " لم حكم داود، قبل أن يسمع كلام الخصم الآخر "). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن عدم استماع داود لكلام الخصم
стр. 741
الثاني، إنما هو لصدق كلام الأول، ووجه استنباطه لصحة كلام الأول هو السياق، مما يبطل القول بأن داود تعجل في حكمه، أولم لم يستمع لقول الخصم الآخر.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الجصاص: (وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾ من غير أن يسأل الخصم عن ذلك يدل على أنه أخرج الكلام مخرج الحكاية والمثل على ما بينا، وأن داود قد كان عرف ذلك من فحوى كلامه، لولا ذلك لما حكم بظلمه قبل أن يسأل فيقر عنده أو تقوم عليه البينة به) (١)، وقال ابن عاشور: (قد عَلم داود من تساوقهما للخصومة ومن سكوت أحد الخصمين أنهما متقاربان على ما وصفه الحاكي منهما) (٢).
وذهب بعض المفسرين إلى أن هذا الحكم المباشر من داود دون أن يستمع إلى حجة الخصم الآخر إنما هو بناء على أحد أمرين: إما أن الطرف الآخر أقر وحينئذ فلا داعي لسماع دعواه، وإما أن يكون ذلك بناء على محذوف تقديره إن كان الأمر كما تقول فقد ظلمك (٣).
وما استنبطه السعدي ومن وافقه هو الأقرب إلى الصوب؛ إذ ليس في القصة ما يدل على إقرار الطرف الآخر، كما أن تقدير محذوف في الكلام لا يستقيم مع إمكانية فهم الكلام دون تقدير المحذوف (٤)، فلم يبق إلا القول بأن داود فهم من سياق الكلام صحة قول الطرف الأول، وحينها لم يحتج للاستماع لقول الطرف الثاني. والله أعلم.
стр. 742
سوء أدب الخصم لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق .
قال تعالى: ﴿* وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١) إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ (ص: ٢١ - ٢٢).
٣٨٨ - قال السعدي ﵀: (فصل في بعض الفوائد المستنبطة من قصة داود وسليمان ﵉:
ومنها: أنه لا يمنع الحاكم من الحكم بالحق سوء أدب الخصم وفعله ما لا ينبغي) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين استنباطاً متعلقاً بالسياسة الشرعية في الحكم بين الناس وهو أن سوء أدب الخصم لا يكون مانعاً للحاكم أن يحكم بالحق بين الخصمين، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الخصمين ساءا الأدب مع داود وذلك بدخولهما من فوق السور ولم يدخلا مع الباب، ومع سوء الأدب لم يكن مانعاً لداود أن يقول كلمة الحق بينهما من غير أن يكون لفعلهما أثر في الحكم.
قال القصاب: (دليل على أن الخصوم إذا خاطبوا الحاكم بمثله، وقالوا: اعدل في حكمك، ولا تجر علينا لم يكن ذلك منهما سوء أدب، ولا يجاز للحاكم أن يحد عليهما ولا يعاقبهما). (٢)
وهذا الاستنباط مهم للقضاة إذ يتعرضون لسوء أدب من الخصوم، فلا ينبغي أن يكون لذلك أثر في الحكم بين الخصوم.
стр. 743
المنصوح ولوكان كبير القدر يقبل النصيحة ممن دونه ولا يشمئز منها أو يتكبر عن قبولها .
قال تعالى: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢)﴾ (ص: ٢٢).
٣٨٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة داود وسليمان-: أن الموعوظ والمنصوح، ولو كان كبير القدر، جليل العلم، إذا نصحه أحد، أو وعظه، لا يغضب، ولا يشمئز، بل يبادره بالقبول والشكر، فإن الخصمين نصحا داود فلم يشمئز ولم يغضب ولم يثنه ذلك عن الحق، بل حكم بالحق الصرف) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً تربوياً سلوكياً، وهو قبول كبير القدر جليل العلم النصيحة، بل يبادر بشكر الناصح، ووجه استنباط ذلك من الآية أن داود قبل النصيحة من الخصمين عندما طلبا منه الحكم بالحق، ونصحاه بعدم الجور في الحكم.
قال الألوسي: (وفي تحمل داود ﵇ لذلك منهم دلالة على أنه يليق بالحاكم تحمل نحو ذلك من المتخاصمين لا سيما إذا كان ممن معه الحق فحال المرء وقت التخاصم لا يخفى،
والعجب من حاكم أو محكم أو من للخصوم نوع رجوع إليه كالمفتي كيف لا يقتدي بهذا النبي الأواب ﵊ في ذلك بل يغضب كل الغضب لأدنى كلمة تصدر ولو فلتة من أحد الخصمين يتوهم منها الحط لقدره ولو فكر في نفسه لعلم أنه بالنسبة إلى هذا النبي الأواب لا يعدل والله العظيم متك ذباب) (٢)،
стр. 744
وقال ابن عاشور: (ومخاطبة الخصم داود بهذا خارجة مخرج الحرص على إظهار الحق وهو في معنى الذكرى بالواجب فلذلك لا يعدّ مثلها جفاء للحاكم والقاضِي، وهو من قبيل: اتَّق الله في أمري) (١)
من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه .
قال تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ (ص: ٣٦).
٣٩٠ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة داود وسليمان-: القاعدة المشهورة "من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه" فسليمان ﵇ عقر الجياد الصافنات المحبوبة للنفوس، تقديما لمحبة الله، فعوضه الله خيرا من ذلك، بأن سخر له الريح الرخاء اللينة، التي تجري بأمره إلى حيث أراد وقصد، غدوها شهر، ورواحها شهر، وسخر له الشياطين، أهل الاقتدار على الأعمال التي لا يقدر عليها الآدميون) ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية القاعدة المشهورة من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن داود لما عقر الجياد المحبوبة إلى نفسه وكان ذلك لله بسبب إشغالها له عن طاعة الله، عوضه الله خيراً من هذه الجياد وذلك بأن أعطاه الله الريح تجري بأمره وهي أسرع من الخيل، وسخر له كذلك الشياطين الذين يعملون أعمالاً
стр. 745
بسرعة واقتدار، وهذا العوض كله خير من الخيل التي عقرها لله .
وقد أشار بعض المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال ابن كثير: (ولهذا لما خرج عنها لله تعالى عوضه الله تعالى ما هو خير منها وهي الريح التي تجري بأمره رخاء حيث أصاب غدوها شهر ورواحها شهر فهذا أسرع وخير من الخيل) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الحسن البصري، وحقي (٢).
стр. 746
سورة الزمر
خص الأنعام بالذكر من باقي البهائم لكثرة نفعها وتعلق كثير من المصالح بها .
قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ (٦)﴾ (الزمر: ٦).
٣٩١ - قال السعدي ﵀: (وخصها بالذكر، مع أنه أنزل لمصالح عباده من البهائم غيرها، لكثرة نفعها، وعموم مصالحها، ولشرفها، ولاختصاصها بأشياء لا يصلح غيرها، كالأضحية والهدي، والعقيقة، ووجوب الزكاة فيها، واختصاصها بالدية) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص الأنعام بالذكر من بين باقي البهائم، وأن مناسبة التخصيص بالذكر لها هو كثرة منافعها، وعموم مصالحها، واختصاصها بأشياء لا يصلح غيرها له كالأضحية والهدي ونحو ذلك.
وقد أشار بعض المفسرين إلى هذا الاستنباط، قال حقي:
стр. 747
(وخصصت هذه الأنواع الأربعة بالذكر لكثرة الانتفاع بها من اللحم والجلد والشعر والوبر) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وابن عاشور (٢).
مناسبة الآيتين لبعضهما أن في الأولى حث على إتباع أحسن القول، وفي الثانية تعيين لهذا الأحسن .
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ (١٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ (٢٣)﴾ (الزمر: ١٨ و ٢٣).
٣٩٢ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية نكتة، وهي: أنه لما أخبر عن هؤلاء الممدوحين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كأنه قيل: هل من طريق إلى معرفة أحسنه حتى نتصف بصفات أولي الألباب، وحتى نعرف أن من أثره علمنا أنه من أولي الألباب؟
قيل: نعم، أحسنه ما نص الله عليه ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية) ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي المناسبة بين الآيتين، وهي أن في الآية الأولى حث على إتباع أحسن القول الذي يسمعونه، وفي الثانية تحديد لهذا القول الحسن الذي ينبغي لنا إتباعه.
стр. 748
وقد أشار إلى نحو ذلك حقي، فقال: (ويحتمل أن يكون المعنى يستمعون القول مطلقاً قرآناً كان أو غيره فيتبعون أحسنه بالإيمان والعمل الصالح وهو القرآن لأنه تعالى قال في حقه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾) (١)
وفي هذا الاستنباط إشارة إلى أن الإنسان ينبغي له أن يوضح للناس ما يريد منهم، حتى يكونوا أكثر إتباعاً لما أراد منهم، حيث إن الغموض في القول وعدم الوضوح في المطلوب يترتب عليه تعثر في التنفيذ، أو تنفيذ ما لم يكن مطلوباً.
ذكر الواو في فتح أبواب الجنة، بينما لم تذكر عند فتح أبواب النار .
قال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا (٧١)﴾ وقال تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا (٧٣)﴾ (الزمر: ٧١ و ٧٣).
٣٩٣ - قال السعدي ﵀: (وقال في النار ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ وفي الجنة ﴿وَفُتِحَتْ﴾ بالواو، إشارة إلى أن أهل النار، بمجرد وصولهم إليها، فتحت لهم أبوابها من غير إنظار ولا إمهال، وليكون فتحها في وجوههم، وعلى وصولهم، أعظم لحرها، وأشد لعذابها.
وأما الجنة، فإنها الدار العالية الغالية، التي لا يوصل إليها ولا ينالها كل أحد، إلا من أتى بالوسائل الموصلة إليها، ومع ذلك، فيحتاجون لدخولها لشفاعة أكرم الشفعاء عليه، فلم تفتح لهم بمجرد ما
стр. 749
وصلوا إليها، بل يستشفعون إلى الله بمحمد ﷺ ، حتى يشفع، فيشفعه الله تعالى) ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة قوله "فتحت" في أهل النار بدون واو، بينما في أهل الجنة قال "وفتحت"بالواو، وأن مناسبة ذلك هو أن أهل النار بمجرد وصولهم إلى النار تفتح لهم الأبواب دون إمهال، بينما أهل الجنة يحتاجون إلى وسائل لوصولهم إلى الجنة من الشفاعة وغيرها؛ فلهذا أتى بالواو الدالة على ذلك.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى وجه آخر، فقالوا إن أبواب السجون تكون مغلقة حتى يأتي أصحاب السجن فتفتح لهم ثم يغلق عليهم فيها، وأما أصحاب الفرح فإن الأبواب تكون مفتحة لهم إكراماً لهم، قال أبو حيان: (﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾، ودل ذلك على أنه لا يفتح إلا إذا جاءت؛ كسائر أبواب السجون، فإنها لا تزال مغلقة حتى يأتي أصحاب الجرائم الذين
يسجنون فيها فيفتح ثم يغلق عليهم، وناسب كونها حالاً أن أبواب الأفراح تكون مفتحة لانتظار من تجيء إليها، بخلاف أبواب السجون) (٢)، وقال الرازي: (قوله تعالى: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ فإن قيل قال أهل النار فتحت أبوابها بغير الواو، وقال هاهنا بالواو فما الفرق؟ قلنا الفرق أن أبواب جهنم لا تفتح إلا عند دخول أهلها فيها، فأما أبواب الجنة ففتحها يكون متقدماً على وصولهم إليها بدليل قوله ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ (٥٠)﴾ [ص: ٥٠] فلذلك جيء بالواو كأنه قيل: حتى إذا جاءوها وقد فتحت أبوابها) (٣)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين: الزمخشري،
стр. 750
والثعالبي، والخازن، ومحيي الدين شيخ زاده، والألوسي، وابن عاشور. (١)
وذهب بعضهم إلى أن الواو في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ واو الثمانية لأن المفتح ثمانية أبواب، ولما كانت أبواب النار سبعة لا ثمانية لم يؤت بها، قال ابن هشام: (واو الثمانية، ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري، ومن النحويين الضعفاء كابن خالويهِ، ومن المفسرين كالثعلبي، وزعموا أن العرب إذا عدّوا قالوا: ستة، سبعة، وثمانية، إيذاناً بأن السبعة عدد تام، وأن ما بعدها عددٌ مستأنف) (٢).
والذي يظهر والله أعلم أن فتح أبواب الجنة هو المناسب لحالة الإكرام، وإغلاق أبواب النار هو المناسب للهوان، قال البقاعي: (ولما كان إغلاق الباب المقصود عن قاصده دالاًّ على صغاره، دل على أن أمرهم كذلك بقوله ذاكراً غاية السوق: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا﴾ أي على صفة الذل والصغار، وأجاب " إذا " بقوله: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ أي بولغ كما يفعل في أبواب السجن لأهل الجرائم بعد تكاملهم عندها في الإسراع في فتحها ليخرج إليهم ما كان محبوساً بإغلاقها من الحرارة التي يلقاهم ذكاؤها وشرارها على حالة هي أمر من لقاء البهائم التي اختاروها في الدنيا على تقبل ما خالف أهويتهم من حسن الكلام،. . . ولما كان إغلاق الباب عن الآتي يدل على تهاون به، وفي وقوفه إلى أن يفتح له نوع هوان قال: ﴿وَفُتِحَتْ﴾ أي والحال أنها قد فتحت ﴿أَبْوَابُهَا﴾ أي إكراماً لهم قبل وصولهم إليها بنفس الفتح وبما يخرج إليهم من رائحتها، ويرون من زهرتها وبهجتها، ليكون ذلك لهم سائقاً ثانياً إلى ما لم يروا مثله ولا رأوا عنه ثانياً) (٣).
стр. 751
وأما القول بأنها واو الثمانية، فقول ضعيف لا يعول عليه (١)، قال ابن هشام: (إذ قيل (فتحت) في آية النار لأن أبوابها سبعة، ﴿وَفُتِحَتْ﴾ في آية الجنة إذ أبوابها ثمانية، وأقول: لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها؛ إذ ليس فيها ذكر عدد البتة، وإنما فيها ذكر الأبواب، وهي جمع لا بدل على عدد خاص) (٢)، وقال ابن كثير: (ومن زعم أن "الواو" في قوله: ﴿وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ واو الثمانية، واستدل به على أن أبواب الجنة ثمانية، فقد أبعد النّجْعَة وأغرق في النزع) (٣).
стр. 752
سورة فصلت
خص الأعضاء الثلاثة بالذكر؛ لأن أكثر الذنوب تقع بها .
قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾ (فصلت: ٢٠).
٣٩٤ - قال السعدي ﵀: (شهد عليهم كل عضو من أعضائهم، فكل عضو يقول: أنا فعلت كذا وكذا، يوم كذا وكذا، وخص هذه الأعضاء الثلاثة، لأن أكثر الذنوب، إنما تقع بها، أو بسببها). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة وهي السمع والبصر والجلود دون باقي الأعضاء، وأن مناسبة هذا التخصيص هو أن الأعضاء الثلاثة تقع بها الذنوب، فناسب تخصيصها بالذكر دون غيرها من الأعضاء.
قال الرازي: (ما رأيت للمفسرين في تخصيص هذه الأعضاء الثلاثة بالذكر سبباً وفائدة، وأقول لا شك أن الحواس خمسة السمع والبصر
стр. 753
والشم والذوق واللمس، ولا شك أن آلة اللمس هي الجلد، فالله تعالى ذكر هاهنا من الحواس وهي السمع والبصر واللمس، وأهمل ذكر نوعين وهما الذوق والشم، لأن الذوق داخل في اللمس من بعض الوجوه، لأن إدراك الذوق إنما يتأتى بأن تصير جلدة اللسان والحنك مماسة لجرم الطعام، فكان هذا داخلاً فيه فبقي حس الشم وهو حس ضعيف في الإنسان، وليس لله فيه تكليف ولا أمر ولا نهي) (١)، وممن أشار إلى ذلك كذلك من المفسرين أيضاً: أبوحيان (٢).
بينما ذهب ابن عاشور إلى معنى آخر في التخصيص فقال: (وتخصيص السمع والأبصار والجلود بالشهادة على هؤلاء دون بقية الجوارح لأن للسمع اختصاصاً بتلقي دعوة النبي ﷺ وتلقي آيات القرآن، فسمعهم يشهد عليهم بأنهم كانوا يصرفونه عن سماع ذلك كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: ٥]، ولأن للأبصار اختصاصاً بمشاهدة دلائل المصنوعات الدالة على انفراد الله تعالى بالخلق والتدبير فذلك دليل وحدانيته في إلهيته، وشهادة الجلود لأن الجلد يحوي جميع الجسد لتكون شهادة الجلود عليهم شهادة على أنفسها فيظهر استحقاقها للحرق بالنار لبقية الأجساد دون اقتصار على حرق موضع السمع والبصر) (٣).
ولم يظهر هناك نوع تعارض بين هذه التخريجات الثلاثة فكلها صحيحة ومرادة فيكون التخصيص لهذه الأعضاء لجميع ما ذكر. والله أعلم.
стр. 754
سورة الشورى
قول الصحابة حجة .
قال تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ (الشورى: ١٣). وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (١٥)﴾ (لقمان: ١٥).
٣٩٥ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية، أن الله ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ مع قوله: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (١٥)﴾ مع العلم بأحوال الصحابة ﵃، وشدة إنابتهم، دليل على أن قولهم حجة (١)،
خصوصاً الخلفاء الراشدين، ﵃
стр. 755
أجمعين). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين، أن قول الصحابي حجة، ووجه استنباط ذلك أن الله أمر باتباع سبيل من أناب إليه، والصحابة ﵃ من أعظم المنيبين إلى الله، فدل ذلك
على أن قولهم حجة.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط ابن القيم فقال-في معرض كلامه عن أدلة وجوب إتباع قول الصحابي-: (قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ (١٥)﴾ وكل من الصحابة منيب إلى الله فيجب إتباع سبيله، وأقواله واعتقاداته من أكبر سبيله، والدليل على أنهم منيبون إلى الله تعالى، أن الله تعالى قد هداهم وقد قال: ﴿وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾) (٢).
العفو الذي لا صلاح فيه منهي عنه .
قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٤٠)﴾ (الشورى: ٤٠).
стр. 756
٣٩٦ - قال السعدي ﵀: (ويستثنى من هذا الأصل-وهو العفو عن الناس- العفو عن المجرم المفسد المتمرد الذي العفو عنه مما يزيده في عتوه وتمرده (١)، فالواجب في مثل هذا الردع والزجر بكل ممكن، ولعل هذا يؤخذ من القيد الذي ذكره الله بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ﴾ فشرط الله أن يكون العفو فيه صلاح، فأما العفو الذي لا صلاح فيه، بل فيه ضده، فهو منهي عنه، والله أعلم). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً متعلقاً بالسياسة الشرعية وهو أن العفو عن المفسد منهي عنه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله قيد العفو بالصلاح، فدل مفهوم القيد أن العفو الذي لا صلاح فيه منهي عنه.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال العثيمين: (ولكنه بين في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ (الشورى: ٤٠) أن العفو لا يكون خيراً إلا إذا كان فيه إصلاح، فإذا أساء إليك شخص معروف بالإساءة والتمرد والطغيان على عباد الله، فالأفضل ألا تعفو عنه، وأن تأخذ بحقك؛ لأنك إذا عفوت ازداد شره. فمن كان عفوه إفساداً لا إصلاحاً، فإنه آثم بهذا العفو، ولأن العفو إحسان والفساد إساءة، ودفع الإساءة أولى، بل العفو حينئذ محرم) (٣)، وممن أشار إلى
стр. 757
ذلك من المفسرين أيضاً: الجصاص، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، ومحيي الدين شيخ زاده، وشهاب الدين الخفاجي (١).
стр. 758
سورة الفتح
فضيلة الخلفاء الراشدين ووجوب طاعتهم .
قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيد تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا (١٦)﴾ (الفتح: ١٦).
٣٩٧ - قال السعدي ﵀: (ودلت هذه الآية على فضيلة الخلفاء الراشدين، الداعين لجهاد أهل البأس من الناس، وأنه تجب طاعتهم في ذلك). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية فضيلة الخلفاء الراشدين، ووجوب طاعتهم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر المخلفين بالطاعة عند الدعوة إلى القتال، والخلفاء لا سيما أبي بكر وعمر ﵄ دعوا إلى القتال، فأبو بكر دعا إلى قتال بني حنيفة، وعمر دعا إلى قتال فارس والروم، فدل على خلافتهما؛ إذ من لا يكون صحيح الخلافة لا تجب طاعته.
стр. 759
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الجصاص: (دليل على صحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان ﵃؛ لأن أبا بكر الصديق دعاهم إلى قتال بني حنيفة ودعاهم عمر إلى قتال فارس والروم، وقد ألزمهم الله إتباع طاعة من يدعوهم إليه بقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ فأوعدهم الله على التخلف عمن دعاهم إلى قتال هؤلاء، فدل على صحة إمامتهما، إذ كان المتولي عن طاعتهما مستحقاً للعقاب) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: القصاب، وابن العربي، وإلكيا الهراسي، وابن الفرس، والرازي، والقرطبي، والطوفي. (٢)
درء المفاسد مقدم على جلب المصالح .
قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾ (الفتح: ٢٥).
٣٩٨ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ﴾ (٣) إلى قوله: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا
стр. 760
أَلِيمًا (٢٥)﴾ يستدل بها على أن درء المفاسد أولى من جلب المصالح (١)). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية، وهي أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله منع المؤمنين من القتال خشية أن يصيب المؤمنين أذى، فقتال الكفار مصلحة لأن فيه إعزاز للدين وأهله، وأذى المؤمنين المستضعفين مفسدة، فقدم هنا درء المفسدة على جلب المصلحة، فترك قتال الكفار مع أنه مصلحة، لدرء مفسدة قتل المؤمنين.
стр. 761
سورة الحجرات
ختم الآية بهذين الاسمين للحث على الامتثال، والترهيب من عدمه .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾ (الحجرات: ١).
٣٩٩ - قال السعدي ﵀: (وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ (١) أي: لجميع الأصوات في جميع الأوقات، في خفي المواضع والجهات، ﴿عَلِيمٌ﴾ بالظواهر والبواطن، والسوابق واللواحق، والواجبات والمستحيلات والممكنات.
وفي ذكر الاسمين الكريمين -بعد النهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والأمر بتقواه- حث على امتثال تلك الأوامر الحسنة، والآداب المستحسنة، وترهيب عن عدم الامتثال). ا. هـ (٢)
стр. 762
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة ختمها بهذين الاسمين العظيمين لله، وهما: "السميع"و"العليم"، وأن مناسبة ذلك هو الحث على امتثال الأدب مع رسول الله ﷺ وترك التقدم بين يديه، والترهيب من ترك امتثال ذلك، ووجه الترغيب والترهيب في ذلك أن الله سميع لما تقولون، عليم بما تريدون بقولكم إذا قلتم، لا يخفى عليه شيء من ضمائر صدوركم، وغير ذلك من أموركم وأمور غيركم، فإن كان امتثالاً لأمر الله فلكم الثواب، فكان ترغيباً، وإن كان تركاً للامتثال فلكم العقاب، فكان ترهيباً.
وقد أشار البقاعي إلى قريب من ذلك فقال: (ولما كان سبحانه مع كل بعلمه، وأقرب إليه من نفسه، فكان مع ذلك غيباً محضاً لكونه محتجباً برداء الكبر وإزار العظمة والقهر، وكان الإنسان لما غاب عنه نساء، ذكره مرهباً بقوله مستأنفاً أو معللاً مؤكداً تنبيهاً على ما في ذلك من الغرابة والعظمة التي يحق للإنسان مجاهدة نفسه لأجلها في الإيمان به والمواظبة على الاستمرار على استحضاره، لأن أفعال العاصي أفعال من ينكره: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال، ولما كان ما يتقدم فيه إما قولاً أو فعلاً قال: ﴿سَمِيعٌ﴾ أي لأقوالكم أن تقولوها ﴿عَلِيمٌ﴾ أي بأعمالكم قبل أن تعملوها) (١).
وقال ابن عاشور: (وجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ في موضع العلة للنهي عن التقدم بين يدي الله ورسوله وللأمر بتقوى الله، والسميع: العليم بالمسموعات، والعليم أعم وذكرها بين الصفتين كناية عن التحذير من المخالفة ففي ذلك تأكيد للنهي والأمر) (٢).
стр. 763
أموال البغاة معصومة .
قال تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي شَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ (٩)﴾ (الحجرات: ٩).
٤٠٠ - قال السعدي ﵀: (وفي هاتين الآيتين من الفوائد، غير ما تقدم: أن أموالهم معصومة (١) - أي البغاة- (٢)؛ لأن الله أباح دماءهم وقت استمرارهم على بغيهم خاصة، دون أموالهم). ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن أموال البغاة معصومة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أباح قتالهم فقط، مما يدل على أن أموالهم معصومة.
وقد أشار بعض المفسرين إلى هذا المعنى، قال القاسمي: (وقد اتفق الفقهاء على حرمة قتل مدبرهم، وجريحهم، وأنه لا يغنم لهم مال، ولا تسبى لهم ذرية؛ لأنهم لم يكفروا ببغيهم ولا قتالهم، وعصمة الأموال تابعة لدينهم، ولذا يجب رد ذلك إن أخذ منهم) (٤)، وممن أشار إلى ذلك من
стр. 764
المفسرين أيضاً: الجصاص، ومحيي الدين شيخ زاده (١).
معرفة الأنساب مطلوبة شرعاً .
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا (١٣)﴾ (الحجرات: ١٣).
٤٠١ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية دليل على أن معرفة الأنساب، مطلوبة مشروعة، لأن الله جعلهم شعوبًا وقبائل، لأجل ذلك). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن معرفة الأنساب مطلوبة شرعاً، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله بين في الآية أنه جعل الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا بينهم، وهذا لا يتم إلا بمعرفة الأنساب، فدلت الآية على مشروعية تعلم الأنساب.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن الفرس: (وفي الآية دليل واضح على تعلم الأنساب) (٣)، وقال الطوفي: (هذا أصل في مشروعية علم النسب) (٤)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: السيوطي، والقاسمي (٥).
стр. 765
سورة الذاريات
مشروعية الضيافة .
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤)﴾ (الذاريات: ٢٤).
٤٠٢ - قال السعدي ﵀: (فصل في ذكر بعض ما تضمنته هذه القصة-قصة إبراهيم ﵊ مع الملائكة- من الحكم والأحكام:
منها: مشروعية الضيافة، وأنها من سنن إبراهيم الخليل، الذي أمر الله هذا النبي وأمته، أن يتبعوا ملته، وساقها الله في هذا الموضع، على وجه المدح له والثناء). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية الضيافة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله ساقها على وجه المدح والثناء لإبراهيم، ونحن مأمورون بالاقتداء بإبراهيم، مما يدل على مشروعية ذلك.
стр. 766
وقد جاء في شريعتنا ما يؤيد هذا المعنى المستنبط ويؤكد عليه بل يحث عليه، وهو ما جاء في حديث أبى هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (. . . ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) (١)، والضيافة من آداب الإسلام وخلق النبيين والصالحين (٢).
وفائدة هذا الاستنباط تأكيد نقل الضيافة من كونها عادة إلى كونها عبادة؛ تأكيداً على هذا الخلق العظيم، وحثاً للناس عليه؛ إذ كونه عبادة سيكون حرص الناس على امتثاله أكثر ما لو كان مجرد عادة يستوي فيها الامتثال من عدمه.
بيت إبراهيم كان مأوى الأضياف دلالة على كرمه .
قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ (الذاريات: ٢٥).
٤٠٣ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة إبراهيم ﵊ مع الملائكة-: أن إبراهيم ﵇، قد كان بيته، مأوى للطارقين والأضياف، لأنهم دخلوا عليه من غير استئذان). ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن بيت إبراهيم ﵊
стр. 767
مأوى للأضياف، ووجه استنباط ذلك من الآية أن هؤلاء دخلوا البيت من غير استئذان، فدل على أن الداخل غير مستنكر في هذا البيت لأنه بيت كرم، فالأضياف يدخلونه باستمرار مما يسقط الاستئذان فيه، فهو مأوى للكل.
قال ابن القيم - موافقاً السعدي على هذا الاستنباط -: (قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ فلم يذكر استئذانهم، ففي هذا دليل على أنه كان قد عرف بإكرام الضيفان واعتياد قراهم فبقي منزله مضيفة مطروقاً لمن ورده لا يحتاج إلى الاستئذان بل استئذان الداخل دخوله، وهذا غاية ما يكون من الكرم) (١)
المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها .
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِلْمٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ (الذاريات: ٢٦).
٤٠٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة إبراهيم ﵊ مع الملائكة-: المبادرة إلى الضيافة والإسراع بها، لأن خير البر عاجله؛ ولهذا بادر إبراهيم بإحضار قرى أضيافه). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أدباً من آداب الضيافة وهو المبادرة والإسراع في إكرام الضيف وعدم التأخر عليه، ووجه استنباط ذلك من
стр. 768
الآية أن إبراهيم عجل بضيافة أضيافه ولم يتأخر عليهم، مما يدل على أن ذلك هو الأفضل في حق الضيف.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الألوسي: (وتشعر الفاء بأنه ﵇ بادر بالذهاب ولم يمهل وقد ذكروا أن من أدب المضيف أن يبادر بالقرى من غير أن يشعر به الضيف حذراً من أن يمنعه الضيف، أو يصير منتظراً) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وأبوحيان، وابن كثير، والبيضاوي، وأبو السعود، والصاوي والشنقيطي. (٢)
الذبيحة التي أعدت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له ليس فيها إهانة .
قال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِلْمٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ (الذاريات: ٢٦).
٤٠٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة إبراهيم ﵊ مع الملائكة-: أن الذبيحة الحاضرة، التي قد أعدت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له، ليس فيها أقل إهانة، بل ذلك من الإكرام، كما فعل إبراهيم ﵇، وأخبر الله أن ضيفه مكرمون). ا. هـ (٣)
стр. 769
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الذبيحة التي أعدت لغير الضيف الحاضر إذا جعلت له، فليس عليه فيها إهانة، ووجه استنباط ذلك من الآية أن إبراهيم قدم لضيوفه عجلاً كان قد أعده قبل مجيئهم إليه، فدل على أن فعل مثل لا يعد منقصة في حق الضيف.
قال أبوحيان مشيراً إلى هذا الاستنباط: (وكونه عطف، "فجاء" على فراغ يدل على سرعة مجيئه بالقرا، وأنه كان معداً عنده لمن يرد عليه، وقال في سورة هود: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] وهذا يدل أيضاً على أنه كان العجل سابقاً شيه قبل مجيئهم) (١).
بينما خالف الألوسي في ذلك وقال ليس في الآية دلالة على ذلك بل إكرام الضيف يتمثل في صنع طعام جديد لا في الإتيان بطعام صنع من قبله، قال الألوسي: (واختلف في هذا العجل هل كان مهيئاً قبل مجيئهم أو أنه هيئ بعد أن جاؤوا؟ قولان اختار أبو حيان أولهما لدلالة السرعة بالإتيان به على ذلك، ويختار الفقير ثانيهما لأنه أزيد في العناية وأبلغ في الإكرام، وليست السرعة نصاً في الأول كما لا يخفى) (٢).
والذي يظهر والله أعلم أن الآية لا دلالة فيها على هذا الاستنباط؛ لعدم وجود ما يدل على أن العجل كان مهيئاً قبل مجيئهم، مما يجعل هذا الاستنباط من الآية فيه بعد. والله أعلم.
أما المعنى المستنبط فصحيح؛ إذ المقصود من الضيافة الإكرام وسد حاجة الضيف، وإشراكه في ذبيحة ذبحت قبل مجيئه يحقق المقصود، كما أن في خلاف ذلك إسراف، وليس في إطعامه طعاماً أعد لغيره إهانة له.
стр. 770
خدمة المضيف أضيافه بنفسه .
قال تعالى: ﴿فَجَاءَ بِعِلْمٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ (الذاريات: ٢٦).
٤٠٦ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة إبراهيم ﵊ مع الملائكة-: أن إبراهيم، هو الذي خدم أضيافه، وهو خليل الرحمن، وكبير من ضيف الضيفان). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أدباً من آداب الضيافة وهو خدمة الضيف بنفسه دون غيره من الخدم، ووجه استنباط ذلك أن إبراهيم هو الذي خدم ضيوفه بنفسه فقرب إليهم العجل إليهم وهذا أبلغ في الإكرام.
قال ابن القيم: (قوله: ﴿فَجَاءَ بِعِلْمٍ سَمِينٍ﴾ دل على خدمته للضيف بنفسه، ولم يقل: فأمر لهم، بل هو الذي ذهب وجاء بنفسه ولم يبعثه مع خادمه وهذا أبلغ في إكرام الضيف) (٢).
وهذا الأدب فيه تأديب لبعض النفوس التي داخلتها الأنفة في مثل ذلك، وتذكير بأصول الكرم الصحيحة، وأن خدمة الضيف ليس فيها مهانة حتى لو كان الضيف أقل مكانة، اقتداء بإبراهيم ﵊.
من أدب الضيافة نقل الطعام إلى الضيف لا نقل الضيف إلى الطعام .
قال تعالى: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ (٢٧)﴾ (الذاريات: ٢٧).
стр. 771
٤٠٧ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة إبراهيم ﵊ مع الملائكة-: أنه قربه إليهم في المكان الذي هم فيه، ولم يجعله في موضع، ويقول لهم: " تفضلوا، أو ائتوا إليه " لأن هذا أيسر عليهم وأحسن). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أدباً من آداب الضيافة وهو جلب الطعام إلى الضيف، لا أن يُنقل الضيف إلى الطعام، ووجه استنباط ذلك من الآية أن إبراهيم قرب الطعام إلى أضيافه ولم يقربهم إلى الطعام؛ لأن ذلك أبلغ في الإكرام، مما يدل على هذا الأدب.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال ابن القيم: (أنه قربه ولم يقربهم إليه وهذا أبلغ في الكرامة أن يجلس الضيف ثم يُقرب الطعام إليه ويُحمل إلى حضرته ولا تضع الطعام في ناحية ثم تأمر ضيفك بأن يتقرب إليه) (٢) وقال الألوسي: (وفيه دليل على أن من إكرام الضيف أن يقدم له أكثر مما يأكل وأن لا يوضع الطعام بموضع ويدعى الضيف إليه) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، وأبوحيان، وابن كثير، والخازن، وابن عاشور، والشنقيطي (٤).
والذي يظهر والله أعلم أن هذا الأدب مرجعه العرف، فقد يكون العرف في إكرام الضيف تقريب الطعام إليه، وقد يكون في نقله إلى مكان الطعام كما هو الحاصل في زماننا؛ إذ نقل الطعام إلى الضيف في مكان
стр. 772
الجلوس اليوم قد يكون فيه خلاف الإكرام؛ فمكان الجلوس غير مهيأ للأكل مما قد يجعل الضيف في ضيق وهذا ينافي الإكرام، قال العثيمين: (قوله ﵎
عن إبراهيم: ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ ينبغي أن يجعل هذا حسب عادة الناس، إذا كان من الإكرام أن تأتي بالطعام إلى محل جلوسهم فأت به، وإذا كان من الإكرام أن تجعله في محل آخر فافعل) (١).
حسن ملاطفة الضيف بالكلام .
قال تعالى: ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ (الذاريات: ٢٧).
٤٠٨ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة إبراهيم ﵊ مع الملائكة-: حسن ملاطفة الضيف في الكلام اللين، خصوصًا، عند تقديم الطعام إليه، فإن إبراهيم عرض عليهم عرضًا لطيفًا، وقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ ولم يقل: " كلوا " ونحوه من الألفاظ، التي غيرها أولى منها، بل أتى بأداة العرض، فقال: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾ فينبغي للمقتدي به أن يستعمل من الألفاظ الحسنة، ما هو المناسب واللائق بالحال، كقوله لأضيافه: " ألا تأكلون " أو: "ألا تتفضلون علينا وتشرفوننا وتحسنون إلينا " ونحوه). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أدباً من آداب الضيافة وهو حسن ملاطفة الضيف بالكلام، ووجه استنباط ذلك من الآية أن إبراهيم عرض
стр. 773
على أضيافه الأكل من الطعام بلفظ فيه لين وأدب وهو استخدام العرض لا الأمر، ولا يخفى ما في هذا من التلطف مع الضيف.
وقد وافق بعض المفسرين السعدي على هذا الاستنباط، قال الشنقيطي في معرض كلامه عن الآداب المأخوذه من هذه القصة: (ملاطفته بالكلام بغاية الرفق، كقوله ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾) (١)، وقال العثيمين: (لم يقل كلوا إنما عرضه عليهم عرضاً؛ لأن هذا أبلغ في الإكرام، والعرض أخف وألطف من الأمر) (٢)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: الرازي، والبيضاوي، والخازن، وابن عاشور. (٣)
تأمين الإنسان لمن خاف منه .
قال تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ (٢٨)﴾ (الذاريات: ٢٨).
٤٠٩ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد قصة إبراهيم ﵊ مع الملائكة-: أن من خاف من الإنسان لسبب من الأسباب، فإن عليه أن يزيل عنه الخوف، ويذكر له ما يؤمن روعه، ويسكن جأشه، كما قالت الملائكة لإبراهيم لما خافهم: ﴿لَا تَخَفْ﴾ وأخبروه بتلك البشارة السارة، بعد الخوف منهم). ا. هـ (٤)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن من خاف من إنسان لسبب، فإن
стр. 774
على الطرف المخوف منه إزالة الأسباب التي سببت الخوف منه؛ لإزالة روعة الطرف الخائف، ووجه استنباط ذلك من الآية هو الاقتداء بفعل الملائكة مع إبراهيم، حيث إنهم أمنوه لما خافهم، وأزالوا خوفه منهم، بأن أخبروه من هم، وماذا يريدون.
وهذا الاستنباط فيه تأصيل قرآني لهذا الخلق الرفيع وهو رفع الاستيحاش من قلوب الناس الذين تظن أنهم خافوا منك لسبب ما؛ وذلك بتوضيح الأمور التي من شأنها إزالة هذا الخوف، كأن يخبر الإنسان من هو، وما هدفه، وماذا يريد ونحو ذلك من الأمور التي تعرّف الناس به وتجعلهم يأمنون جانبه.
стр. 775
سورة الطور
ارتهان الإنسان بعمله يدفع توهم أن أهل النار يلحق الله بهم أبناءهم وذريتهم .
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ (الطور: ٢١).
٤١٠ - قال السعدي ﵀: (ولما كان ربما توهم متوهم أن أهل النار كذلك، يلحق الله بهم أبناءهم وذريتهم، أخبر أنه ليس حكم الدارين حكماً واحداً، فإن النار دار العدل، ومن عدله تعالى أن لا يعذب أحداً إلا بذنب، ولهذا قال: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾ أي: مرتهن بعمله، فلا تزر وازرة وزر أخرى، ولا يحمل على أحد ذنب أحد، هذا اعتراض من فوائده إزالة الوهم المذكور). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾، وهي إزالة وهم أن أهل النار كأهل الجنة يلحق الله بهم أبناءهم وذريتهم.