القتل، فحمل المطلق على المقيد، فجعل الإيمان شرطاً في الرقبة المعتقة.
الموافقون:
وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال البيضاوي: (والرقبة مقيدة بالإيمان عندنا قياساً على كفارة القتل) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن الفرس، والرازي، والخازن، والشنقيطي (٢).
المخالفون:
خالف بعض المفسرين في هذا الاستنباط وقالوا إن الآية مطلقة فلا دليل فيها على أن عتق الرقبة في كفارة الظهار لا بد أن تكون مؤمنة، قال الجصاص: (ظاهر قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ يقتضي جواز الكافرة، ولم يشترط الإيمان، ولا يجوز قياسها على كفارة القتل لامتناع جواز قياس المنصوص بعضه على بعض) (٣)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: القصاب، الزمخشري، وأبو حيان، وأبوالسعود، وشهاب الدين الخفاجي، وحقي، والشوكاني (٤).
النتيجة:
ما استنبطه السعدي ومن وافقه من اشتراط الإيمان في عتق الرقبة في كفارة الظهار هو الصحيح، ويؤيده أنه من باب حمل المطلق على المقيد مع اتحاد السبب وهو قول أكثر الأصوليين، كما أن هذا الاستنباط مؤيد
стр. 807
بما رواه معاوية بن الحكم قال: (كانت لي جارية فأتيت النبي ﷺ فقلت علي رقبة فأعتقها؟ فقال لها رسول الله ﷺ : أين الله؟ فقالت في السماء فقال: من أنا؟ فقالت أنت رسول الله ﷺ فقال ﷺ : أعتقها فإنها مؤمنة) (١)، قال ابن قدامة: (فعلل جواز إعتاقها عن الرقبة التي عليه بأنها مؤمنة فدل على أنه لا يجزئ عن الرقبة التي عليه إلا مؤمنة) (٢) كما أن الإعتاق إنعام، فتقييده بالإيمان يقتضي صرف هذا الإنعام إلى أولياء الله وحرمان أعداء الله، وعدم التقييد بالإيمان قد يفضي إلى حرمان أولياء الله، فوجب أن يتقيد بالإيمان تحصيلاً لهذه المصلحة (٣). والله أعلم.
إيقاع الظاهر مكان المضمر في الآية دليل على فضيلة الإيمان والعلم .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٍ (١١)﴾ (المجادلة: ١١).
٤٢٦ - قال السعدي ﵀: (ومن فوائد إيقاع الظاهر موقع المضمر (٤) في هذه الآية حيث قال: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ
стр. 808
أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ ولم يقل يرفعكم، ليدل ذلك على فضيلة الإيمان والعلم عموماً، وأن بهما تحصل الرفعة في الدنيا والآخرة، ويدل على أن من ثمرات العلم والإيمان سرعة الانقياد لأمر الله، وأن هذه الآداب ونحوها إنما تنفع صاحبها، ويحصل له بها الثواب إذا كانت صادرة عن العلم والإيمان، وهو أن تكون خالصة لوجه الله لا لغير ذلك من المقاصد). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً بلاغياً، وهو أن إيقاع الظاهر موقع المضمر في الآية في قوله"يرفع الله" إذ الأصل أن يقول يرفعكم؛ لأن الاسم إذا تقدم ذكره وأعيد مرة أخرى لا يكون ظاهراً وإنما يكون مضمراً، فإذا أُظهر فلا بد للإظهار من معنى، وهو هنا ما استنبطه السعدي، حيث قال إن ذلك دال على فضيلة العلم والإيمان.
وأشار البقاعي إلى معنى آخر لهذا الإظهار وهو الترغيب في الامتثال، فقال: (عبر بالجلالة وأعاد إظهارها موضع الضمير ترغيباً في الامتثال). (٢)
стр. 809
سورة الحشر
المهاجرون أفضل من الأنصار .
قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨)﴾ (الحشر: ٨).
٤٢٧ - قال السعدي ﵀: (قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ (١) ويدل ذلك على أن المهاجرين (٢)، أفضل من الأنصار (٣)(٤)، لأن الله قدمهم بالذكر، وأخبر أن الأنصار لا يجدون في
стр. 810
صدورهم حاجة مما أوتوا، فدل على أن الله تعالى آتاهم ما لم يؤت الأنصار ولا غيرهم، ولأنهم جمعوا بين النصرة والهجرة). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن المهاجرين أفضل من الأنصار، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله قدم ذكر المهاجرين على الأنصار في هذه الآية، فدل ذلك على أنهم أفضل.
وقد أشار إلى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: (ويقدمون المهاجرين على الأنصار) (٢)، وهذا التقديم لما فضلهم الله به من المنزلة والشرف والتقديم في الذكر والرتبة (٣).
وقال العثيمين موافقاً السعدي على هذا الاستنباط: (وأهل السنة يقدمون المهاجرين على الأنصار لأن المهاجرين جمعوا بين الهجرة والنصرة، والأنصار أتوا بالنصر فقط، فالمهاجرون تركوا أهلهم وأموالهم، وتركوا أوطانهم، وخرجوا إلي أرض هم فيها غرباء، كل ذلك هجرة إلي الله ورسوله، ونصرة لله ورسوله، والأنصار أتاهم النبي صلي الله عليه وسلم في بلادهم، ونصروا صلي الله عليه وسلم، ولا شك أنهم منعوه مما يمنعون منه أبناءهم ونساءهم.، ودليل تقديم المهاجرين: قوله تعالي: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فقدم المهاجرين على الأنصار، وقوله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١١٧]، فقدم المهاجرين، وقوله في الفئ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ [الحشر: ٨]، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الحشر: ٩]). (٤)
стр. 811
سورة الممتحنة
النهي عن التزوج بالكافرة غير الكتابية .
قال تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (١٠)﴾ (الممتحنة: ١٠).
٤٢٨ - قال السعدي ﵀: (وإذا نهى عن الإمساك بعصمتها (١) فالنهي عن ابتداء تزويجها أولى). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية النهي عن نكاح المرأة الكافرة، ووجه استنباط ذلك من أن الله نهى المؤمنين عن الإمساك بنسائهم الكافرات، فمن باب أولى أن يكون النهي عن ابتداء نكاح الكافرات، وهذا الاستنباط بمفهوم الموافقة - الأولى- حيث نهي عن استدامة نكاح الكافرات فمن باب أولى أن يكون النهي عن ابتداء نكاحهن.
قال القصاب: (دليل على أنه لا يحل لمسلم وطء كافرة إلا الكتابية
стр. 812
المستثناة في سورة النساء بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾). (١)
خروج البضع من ملك الزوج متقوم .
قال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا (١٠)﴾ (الممتحنة: ١٠).
٤٢٩ - قال السعدي ﵀: (وفي هذا (٢) دليل على أن خروج البضع من الزوج متقوم (٣)، فإذا أفسد مفسد نكاح امرأة رجل، برضاع أو غيره، كان عليه ضمان المهر). ا. هـ (٤)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الأزواج سواء كانوا من المؤمنين أو من الكفار كانوا مستحقين لنفقاتهم التي أنفقوها على زوجاتهم اللاتي
стр. 813
خرجن من عصمتهم، فأخذ السعدي من ذلك قياساً أن خروج البضع من الملك متقوم بالمهر الذي دفعه الزوج، وسواء في ذلك السبب الذي بسببه فقد الزوج ملك البضع.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط ابن القيم فقال: (وأمر الله نبيه والمؤمنين أن يمتحنوا من جاءهم من النساء فإن علموها مؤمنة لم يردوها إلى الكفار وأمرهم برد مهرها إليهم لما فات على زوجها من منفعة بضعها وأمر المسلمين أن يردوا على من ارتدت امرأته إليهم مهرها إذا عاقبوا بأن يجب عليهم رد مهر المهاجرة فيردونه إلى من ارتدت امرأته ولا يردونها إلى زوجها المشرك فهذا هو العقاب وليس من العذاب في شيء، وكان في هذا دليل على أن خروج البضع من ملك الزوج متقوم وأنه متقوم بالمسمى الذي هو ما أنفق الزوج لا بمهر المثل) (١).
стр. 814
سورة الصف
نصرة الحق تكون بالسعي بالأسباب التي تتم بها نصرة الحق .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ (١٤)﴾ (الصف: ١٤).
٤٣٠ - قال السعدي ﵀: (ودلت هذه الآية ونحوها باللزوم على الأمر بالسعي بالأسباب التي تتم بها نصرة الحق، كالتعلم والتعليم للعلوم النافعة ونحوها). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية وجوب السعي بالأسباب التي تتم بها نصرة الحق، ووجه استنباط ذلك من الآية بدلالة اللزوم، حيث الأمر بالنصرة يلزم منه الأمر بالأسباب التي تتم بها النصرة.
وهذا الاستنباط فيه لفتة دقيقة إلى أن نصرة الحق لا تتم بالعواطف والرغبات المجردة، بل لا بد من بذل الأسباب التي تتم بها نصرة الحق وأهله، فالنصرة تستلزم تعلم الأمور التي تحقق النصرة سواء كانت أموراً
стр. 815
اقتصادية أو إعلامية، أو سياسية، أو عسكرية، أو صناعية، ونحو ذلك حسب متطلبات النصر.
ومن ذلك كذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهو أساس من أساسات النصر، قال القصاب: (قوله: ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ حجة واضحة في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لا يشك أحد أن نصر الله إنما هو نصر دينه، ولا يكون نصره إلا بالمعونة على إقامة أمره ونهيه وعلوهما، والأخذ على يدي من يريد ذله وإهانته) (١).
стр. 816
سورة الجمعة
لا يذم المشتغل بالمعاملات إلا إذا ألهت عن واجب .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرُ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ شَهْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٩)﴾ (الجمعة: ٩).
٤٣١ - قال السعدي ﵀: (ومنها-أي من فوائد هذه الآية-: أن المعاملات مع إباحتها فالمشتغل بها غير مذموم، إذا لم تلهه عن ذكر الله الواجب من صلاة ونحوها، فإن ألهت عن ذلك فهي مذمومة وصاحبها خاسر). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أنه لا يذم المشتغل بالمعاملات، ما لم تلهه عن واجب؛ فإن ألهته عن واجب أصبحت مذمومة وصاحبها مذموم، ووجه استنباط ذلك من الآية تحريم البيع بعد نداء الجمعة الثاني مع أن الأصل فيه الإباحة إلا أن الاشتغال به في هذا الوقت يعد محرماً، وذلك لأنه كان سبباً في الإلهاء عن واجب، فلما كان الذم مخصوصاً بما
стр. 817
إذا ألهى عن واجب دل على أنه غير مذموم إذا لم يلهه عن واجب.
وهذا الاستنباط فيه الحث على العمل وأن من اشتغل بتجارة ونحوها فلا يعد مذموماً، ولا يكون ذلك ملهاة عن الآخرة، كما قد يتصوره بعض المتمزهدين، الذين يظنون أن الاشتغال بمثل ذلك مدعاة للانصراف عن أمر الآخرة.
كما أن هذا الاستنباط يكشف اللثام عن محاسن هذه الشريعة التي تحث على العمل، لا على الإنزواء كما يصوره بعض أعداءها، أومن لم يفهما على حقيقتها، ويكشف كذلك عن التوازن المطلوب في الحياة، حيث يستخدم المباح في مكانه ووقته.
لما كانت التجارة مظنة الغفلة عن ذكر الله أمر الله بالذكر .
قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ (الجمعة: ١٠).
٤٣٢ - قال السعدي ﵀: (ولما كان الاشتغال بالتجارة مظنة الغفلة عن ذكر الله وطاعته أمر الله بالإكثار من ذكره، فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة الأمر بذكر الله كثيراً بعد أن ذكر التجارة، وأن مناسبة ذلك هي أن التجارة مظنة الغفلة عن ذكر الله فناسب التذكير بالذكر بعد ذكرها.
стр. 818
وقد أشار بعض المفسرين إلى نحو ما قاله السعدي، قال البقاعي: (ولما كان السعي في طلب الرزق ملهياً عن الذكر، بين أنه أعظم السعي في المعاش وأن من غفل عنه لم ينجح له مقصد وإن تحايل له بكل الحيل وغير ذلك فقال: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ أي الذي بيده كل شيء ولا شيء لغيره فإنه لا رخصة في ترك ذكره أصلاً) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، وابن عاشور (٢).
وأشار بعض المفسرين إلى مناسبة أخرى وهي أنه لما ذكر الذكر مخصوصاً بالصلاة، ناسب الأمر بالذكر على وجه العموم لئلا يتوهم اختصاص الذكر بالصلاة، قال الصاوي: (قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ أتى به ثانية؛ إعلاماً بأن ذكر الله مأمور به في سائر الأحوال لا في خصوص الصلاة) (٣)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الألوسي (٤).
والذي يظهر - والله أعلم - أن المناسبة الأولى هي الأقرب فالاشتغال بالتجارة من الملهيات عن ذكر الله، فمناسبة التذكير بذكر الله لمن اشتغل بالتجارة هو الأقرب، وأما القول بأن المناسبة هي دفع توهم اختصاص الذكر بالصلاة ففيه بعد لا يخفى؛ إذ الذكر عبادة مستقلة لا يتوهم شخص بسقوطها، أو اختصاصها بحالة معينة دون غيرها. والله أعلم.
مشروعية النداء للصلوات الخمس .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ (٩)﴾ (الجمعة: ٩).
стр. 819
٤٣٣ - قال السعدي ﵀: (ومنها- أي من الفوائد التي دلت عليها هذه الآية-: مشروعية النداء يوم الجمعة وغيرها، لأن التقييد بيوم الجمعة دليل على أن هناك نداء لبقية الصلوات الخمس). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مشروعية الأذان للصلوات الخمس، ووجه استنباط ذلك من الآية بمفهوم الموافقة، حيث دلت الآية صراحة على مشروعية الأذان ليوم الجمعة، فدل مفهوم الموافقة - المساوي - على مشروعية الأذان لباقي الصلوات الخمس؛ لأن الحكم في الأمرين سواء، أي في الجمعة والصلوات الأخرى.
ولم أجد من أشار إلى ذلك من المفسرين أو الفقهاء، وربما كان سبب الإعراض عن استنباط مثل ذلك أن مشروعيته واضحة الأدلة فلا داعي لاستنباطها من مثل هذه الآية، ولكن حس الاستنباط الذي وهبه الله للسعدي يجعله يقف على مثل هذه المواقف النادرة.
تحريم الكلام والإمام يخطب .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرُ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ (٩)﴾ (الجمعة: ٩).
٤٣٤ - قال السعدي ﵀: (ومنها - أي من الفوائد التي تدل عليها الآية -: تحريم الكلام والإمام يخطب (٢)، لأنه إذا كان الاشتغال
стр. 820
بالبيع ونحوه - ولو كان المشتغل بعيداً عن سماع الخطبة - محرماً فمن كان حاضراً تعين عليه أن لا يشتغل بغير الاستماع، كما أيد هذا الاستنباط الأحاديث الكثيرة (١)). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية تحريم الكلام والإمام يخطب، ووجه استنباط ذلك بالقياس، حيث حرم الاشتغال بالبيع ولو كان المشتغل بعيداً عن سماع الخطبة، فدل من باب أولى تحريم الكلام لمن كان حاضراً لها، فالتحريم هنا بقياس الأولى.
ولم أجد من أشار إلى ذلك من المفسرين. والله أعلم.
المشتغل بالطاعة إذا رأى من نفسه طموحاً إلى الدنيا عالجها بتذكيرها ما عند الله من الخيرات .
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ شَهْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ (١١)﴾ (الجمعة: ١١).
стр. 821
٤٣٥ - قال السعدي ﵀: (ومنها - أي من الفوائد التي تدل عليها الآية -: أن المشتغل بعبادة الله وطاعته إذا رأى من نفسه الطموح إلى ما يلهيها عن هذا الخير من اللذات الدنيوية والحظوظ النفسية شرع أن يذكرها ما عند الله من الخيرات، وما لمؤثر الدين على الهوى، وما يترتب من الضرر والخسران على ضده). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً تربوياً وهو أن المشتغل بعبادة الله وطاعته إذا رأى من نفسه طموحاً إلى الدنيا، وإقبالاً عليها أن يذكرها ما عند الله من الخير، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر نبيه أن يعظ - أولئك الذين انصرفوا عنه وهو يخطب لأجل سماعهم بالقافلة التي تحمل البضائع- بأن ما عند الله من الأجر والنعيم خير مما انصرفوا إليه، فأخذ السعدي من هذا التوجيه الرباني هذا الاستنباط وجعل منه قاعدة عامة في علاج الانصراف من العبادة إلى الدنيا.
وهذا الاستنباط نافع جداً خصوصاً في زماننا الذي انفتحت فيه الدنيا على مصراعيها، وأصبحت الفتنة بها والجري وراءها والاشتغال بها أكبر من ذي قبل، فهذا هو العلاج الرباني وهو تذكر الآخرة ونعيمها، ومن ثم المقارنة بين النعيمين، والموازنة بينهما، وعند ذلك يحصل العلاج لمن أراد الله له الخير.
стр. 822
سورة التغابن
لما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد فيما على العبد فيه ضرر موهم للغلظة عليهم دفع ذلك بالترغيب في العفو والصفح عنهم .
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ (التغابن: ١٤).
٤٣٦ - قال السعدي ﵀: (ولما كان النهي عن طاعة الأزواج والأولاد، فيما هو ضرر على العبد، والتحذير من ذلك، قد يوهم الغلظة عليهم وعقابهم، أمر تعالى بالحذر منهم، والصفح عنهم والعفو، فإن في ذلك، من المصالح ما لا يمكن حصره، فقال: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِن اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ لأن الجزاء من جنس العمل). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تعقيب النهي عن طاعة الأولاد
стр. 823
والأزواج بالعفو والصفح عنهم، وأن مناسبة ذلك هي أن التحذير منهم قد يوهم إيقاع العقوبة والغلظة عليهم، فناسب الترغيب في العفو والصفح عنهم؛ لدفع هذا التوهم.
وقد أشار البقاعي إلى نحو ما استنبطه السعدي، فقال: (ولما كان قد يقع ما يؤذي مع الحذر لأنه لا يغني من قدر أو مع الاستسلام، وكان وكل المؤذي إلى الله أولى وأعظم في الاستنصار، قال مرشداً إلى ذلك: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾) (١).
وأشار بعض المفسرين إلى مناسبة أخرى وهي أن هذا الحذر قد يصدر عنه نوع من الجفاء والعزوف عن الزوجة والأبناء، والهروب من المسؤولية تجاههم مما قد يورث عداوة
أشد، فناسب ذكر العفو بعده، قال حقي: (وفى الحث على العفو والصفح إشارة إلى أن ليس المراد من الأمر بالحذر تركهم بالكلية والإعراض عن معاشرتهم ومصاحبتهم) (٢).
وما أشار إليه السعدي فيه لفتة دقيقة في معالجة المشاكل الأسرية وأن عداوة الزوجة والأولاد لا ينبغي أن تقابل إلا بالعفو والصفح والغفران، وأن ذلك يخفف أو يذهب أو يجنب الزوج والولد نتائج هذا العداء، وأنه خير من المشاحة والخصام (٣)، وأنه مهما بدر من الأبناء أو الزوجة إلا أنه لا يبرر استخدام العنف ضدهم، ولذا يبرز هذا الاستنباط محاربة الإسلام لما يسمى اليوم بالعنف الأسري، فإذا كان المسلم مأموراً بالعفو والصفح عن أفراد الأسرة مع صدور الأذى منهم، فهو مأمور بعدم إصدار العنف ضدهم إذا لم يبدر منهم أذى من باب أولى.
стр. 824
يأتي من المأمور بما يستطيع ويسقط عنه ما عجز عنه .
قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ (١٦)﴾ (التغابن: ١٦).
٤٣٧ - قال السعدي ﵀: (فهذه الآية، تدل على أن أنه إذا قدر على بعض المأمور، وعجز عن بعضه، فإنه يأتي بما يقدر عليه، ويسقط عنه ما يعجز عنه (١)، كما قال النبي ﷺ : (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) (٢)). ا. هـ (٣)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية، وهي أن من عجز عن المأمور أتى منه بما يستطيع ويسقط عنه الباقي، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله أمر بالتقوى، ثم بين أن المطلوب من التقوى هو قدر المستطاع.
وهذه القاعدة تبين لنا يسر الإسلام وسهولته، وكذلك الدقة والنظام فيه، فسقوط بعض الواجب لا يعني سقوط الواجب بالكلية، كما أن هذه القاعدة تؤصل لنا البدائل التي يجب علينا الاستعداد بها عند العجز عن القيام بالأمر على وجهه المطلوب تماماً.
стр. 825
سورة الطلاق
إذا لم يقبل الرضيع إلا ثدي أمه أجبرت على إرضاعه، وكان لها أجرة المثل .
قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ شَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَأْتَمِرُوا بَيْنَكُمْ بِمَعْرُوفٍ وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ (الطلاق: ٦).
٤٣٨ - قال السعدي ﵀: (﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ﴾ بأن لم يتفقوا على إرضاعها لولدها، فلترضع له أخرى غيرها وهذا حيث كان الولد يقبل ثدي غير أمه، فإن لم يقبل إلا ثدي أمه، تعينت لإرضاعه، ووجب عليها، وأجبرت إن امتنعت (١)، وكان لها أجرة
стр. 826
المثل إن لم يتفقا على مسمى، وهذا مأخوذ من الآية الكريمة من حيث المعنى، فإن الولد لما كان في بطن أمه مدة الحمل، ليس له خروج منه، عين تعالى على وليه النفقة، فلما ولد، وكان يمكن أن يتقوت من أمه ومن غيرها، أباح تعالى الأمرين، فإذا كان بحالة لا يمكن أن يتقوت إلا من أمه كان بمنزلة الحمل، وتعينت أمه طريقًا لقوته). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية أن الرضيع إذا لم يقبل إلا ثدي أمه أجبرت على إرضاعه وكان لها أجرة المثل، ووجه استنباط ذلك من الآية القياس، حيث إن الطفل لما كان في بطن
أمه وجب على والده النفقة مدة الحمل إذ في هذه الحالة أمه هي السبيل الوحيد لحياته، فإذا كان بحالة لا يمكن أن بعيش إلا بإرضاع أمه له أجبرت على ذلك قياساً على حالها في الحمل، وكان لها أجرة المثل قياساً على إنفاق الزوج عليها في حالة الحمل.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الضحاك: (إن أبت الأمّ أن ترضع استأجر لولده أخرى، فإن لم يقبل أجبرت أمه على الرضاع بالأجر) (٢)، وقال السيوطي: (يدل على أن الأم لا تجبر على الرضاع حيث وجد له غيرها، وقبل الصبي ثديها، وإلا
стр. 827
أجبرت عليه) (١)، وممن قال بذلك من المفسرين أيضاً: ابن العربي، وابن عطية، والقرطبي، وأبوحيان، والألوسي، والهرري (٢).
стр. 828
سورة الملك
خص الله التوكل بالذكر لأن وجود الأعمال وكمالها متوقف عليه .
قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا (٢٩)﴾ (الملك: ٢٩).
٤٣٩ - قال السعدي ﵀: (قال تعالى: ﴿آَمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ والإيمان يشمل التصديق الباطن، والأعمال الباطنة والظاهرة، ولما كانت الأعمال، وجودها وكمالها، متوقفة على التوكل، خص الله التوكل من بين سائر الأعمال، وإلا فهو داخل في الإيمان، ومن جملة لوازمه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تخصيص التوكل بالذكر من دون سائر الأعمال مع دخوله في عموم مسمى الإيمان، وبين أن مناسبة ذلك هو أن وجود الأعمال وكمالها متوقف على التوكل، فناسب تخصيصهمن بينها.
стр. 829
وأشار بعض المفسرين إلى معنى آخر، وهو أن ذكر التوكل لبيان أن المؤمنين توكلهم على الله، بخلاف المشركين الذين توكلهم على أموالهم، وعلى رجالهم، قال ابن عاشور: (توكلنا عليه دون غيره تعريضاً بمخالفة حال المشركين إذ توكلوا على أصنامهم وأشركوها في التوكل مع الله، أو نَسُوا التوكل على الله باشتغال فكرتهم بالتوجه إلى الأصنام) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: الزمخشري، والصاوي، والقاسمي (٢).
стр. 830
سورة الحاقة
تكرار لفظ الحاقة لأجل التفخيم والتعظيم .
قال تعالى: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ (الحآقة: ١ - ٣).
٤٤٠ - قال السعدي ﵀: (﴿الْحَاقَّةُ (١)﴾ من أسماء يوم القيامة، لأنها تحق وتنزل بالخلق، وتظهر فيها حقائق الأمور، ومخبآت الصدور، فعظم تعالى شأنها وفخمه، بما كرره من قوله: ﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (٣)﴾ فإن لها شأناً عظيماً وهولاً جسيماً). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآيات فائدة تكرار لفظ الحاقة، وأن فائدة التكرار هنا هي إرادة تعظيم وتفخيم يوم القيامة.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط جمع من المفسرين، قال الزركشي - في تعداد فوائد التكرار-: (التعظيم والتهويل كقوله تعالى:
стр. 831
﴿الْحَاقَّةُ (١) مَا الْحَاقَّةُ (٢)﴾) (١)، وقال الصاوي- في بيان معنى هذا التكرار في هذه الآية-: (حكمة تكرار الاستفهام، زيادة تعظيم لها، وتهويل لشأنها) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: ابن عطية، والرازي، وأبوحيان، وأبو السعود، والسيوطي، والألوسي، والقاسمي، والشوكاني (٣).
стр. 832
سورة نوح
خص الوالدين بالدعاء قبل التعميم لتأكد حقهم وتقديم برهم .
قال تعالى: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ (٢٨)﴾ (نوح: ٢٨).
٤٤١ - قال السعدي ﵀: (خص المذكورين لتأكد حقهم وتقديم برهم، ثم عمم الدعاء). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة تقديم نوح ﵇ لوالديه في الدعاء، وأن ذلك لتأكد حقهم في البر.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين، قال الرازي: (إنما خص نفسه أولاً بالدعاء ثم المتصلين به لأنهم أولى وأحق بدعائه ثم عم المؤمنين والمؤمنات) (٢)، وقال الخازن: (وإنما بدأ بنفسه لأنها أولى بالتخصيص والتقديم ثم ثنى بالمتصلين به لأنهم أحق بدعائه من غيرهم ثم
стр. 833
عمم جميع المؤمنين والمؤمنات ليكون ذلك أبلغ في الدعاء) (١)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: محيي الدين شيخ زاده، وحقي (٢).
стр. 834
سورة القيامة
التأني في أخذ العلم وعدم العجلة في السؤال .
قال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ (القيامة: ١٦).
٤٤٢ - قال السعدي ﵀: (وفي هذه الآية أدب لأخذ العلم، أن لا يبادر المتعلم المعلم قبل أن يفرغ من المسألة التي شرع فيها، فإذا فرغ منها سأله عما أشكل عليه، وكذلك إذا كان في أول الكلام ما يوجب الرد أو الاستحسان، أن لا يبادر برده أو قبوله، حتى يفرغ من ذلك الكلام، ليتبين ما فيه من حق أو باطل، وليفهمه فهماً يتمكن به من الكلام عليه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية استنباطاً تربوياً وهو عدم التعجل في أخذ العلم من المعلم حتى يفرغ المعلم من كلامه، ووجه استنباط ذلك من الآية أن الله نهى النبي ﷺ عن استعجال أخذ الوحي من جبريل عند نزوله، فكان في ذلك إشارة إلى هذا الأدب؛ إذ النهي عن الشيء أمر بضده.
стр. 835
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط ابن القيم، فقال- في معرض كلامه عن أسرار سورة القيامة-: (ومن أسرارها أنها تضمنت التأني والتثبت في تلقي العلم وأن لا يحمل السامع شدة محبته وحرصه وطلبه على مبادرة المعلم بالأخذ قبل فراغه من كلامه بل من آداب الرب التي أدب بها نبيه ﷺ أمره بترك الاستعجال على تلقي الوحي بل يصبر إلى أن يفرغ جبريل من قراءته ثم يقرأه بعد فراغه عليه فهكذا ينبغي لطالب العلم ولسامعه أن يصبر على معلمه حتى يقضي كلامه ثم يعيده عليه أو يسأل عما أشكل عليه منه ولا يبادره قبل فراغه) (١).
وهذا الأدب من أهم الآداب في تلقي العلم، وبامتثاله يحصل الطالب علماً نافعاً، وبحرمانه يفوت عليه علماً.
بيان النبي ﷺ لمعاني القرآن .
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ (القيامة: ١٩)
٤٤٣ - قال السعدي ﵀: (وفيها أن النبي ﷺ كما بين للأمة ألفاظ الوحي، فإنه قد بين لهم معانيه (٢)). ا. هـ (٣)
стр. 836
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية بيان النبي ﷺ بمعاني القرآن، ووجه استنباط ذلك من الآية بدلالة اللازم، فوعد الله نبيه ببيان معاني القرآن، فلزم من ذلك أن يكون النبي ﷺ قد بين للأمة هذه المعاني، فدلالة الآية على ذلك باللازم؛ إذ بيان المعاني ملازم لبيان الألفاظ (١).
وممن أشار إلى ذلك العثيمين فقال: (قوله تعالي: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ [القيامة: ١٩]، يتضمن هذا وهذا، أي: بيان لفظه وبيان معناه) (٢)
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (يجب أن يعلم أن النبي بين لأصحابه معاني القرآن كما بين لهم ألفاظه فقوله تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] يتناول هذا وهذا). (٣)
стр. 837
سورة الإنسان
تخصيص الحرير بالذكر لأنه اللباس الظاهر الدال على النعمة العظيمة .
قال تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ (الإنسان: ١٢).
٤٤٤ - قال السعدي ﵀: (ولعل الله إنما خص الحرير، لأنه لباسهم الظاهر، الدال على حال صاحبه). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية معنى تخصيص التحرير بالذكر مع دخوله في عموم نعيم الجنة، وبين أن معنى هذا التخصيص هو أن الحرير اللباس الظاهر الدال على نعيم صاحبه؛ إذ لا يلبسه إلا صاحب نعمة.
وقد أشار البقاعي إلى نحو ما قال السعدي، فقال: (ولما ذكر ما يكسو الباطن، ذكر ما يكسو الظاهر فقال: ﴿وَحَرِيرًا﴾ أي هو في غاية العظمة) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: ابن عاشور (٣).
стр. 838
وأشار بعض المفسرين إلى استنباطات أخرى لمعنى تخصيص الحرير بالذكر، فمنهم من قال: عوضاً عن حرير الدنيا الذي كان محرماً عليهم لبسه فناسب أن يكون الجزاء من جنس العمل، قال الشوكاني: (وألبسهم الحرير، وهو لباس أهل الجنة عوضاً عن تركه في الدنيا امتثالاً لما ورد في الشرع من تحريمه) (١)، وممن أشار إليه من المفسرين أيضاً: القرطبي (٢).
ومن المفسرين من قال إن المناسبة في ذلك هي أنه لما كان الإيثار بالمحبوبات يسبب الجوع والعري ناسب في جزاءه ذكر ما يسد الجوع، ويكسو العري، قال الزمخشري: (فإن قلت: ما معنى ذكر الحرير مع الجنة؟ قلت: المعنى وجزاهم بصبرهم على الإيثار وما يؤدّي إليه من الجوع والعري بستاناً فيه مأكل هنيّ، ﴿وَحَرِيرًا﴾ فيه ملبس بهيّ) (٣)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: أبوحيان، وحقي (٤).
وذهب ابن القيم إلى معنى آخر فقال: (فلما كان في الصبر الذي هو حبس النفس عن الهوى خشونة وتضييق جازاهم على ذلك نعومة الحرير وسعة الجنة) (٥).
стр. 839
سورة عبس
لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة موهومة .
قال تعالى: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠)﴾ (عبس: ٥ - ١٠).
٤٤٥ - قال السعدي ﵀: (فدل هذا على القاعدة المشهورة، أنه: " لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة متوهمة (١) "). ا. هـ (٢)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية قاعدة فقهية، وهي أنه لا يترك أمر معلوم لأمر موهوم، ولا مصلحة متحققة لمصلحة موهومة، ووجه استنباط
стр. 840
ذلك أن الله عاتب النبي ﷺ في انصرافه عن الأعمى، واشتغاله بالغني، وذلك لأن الأعمى جاء باحثاً عن الهدى فالمصلحة فيه متحققة، بينما الغني معرض فالمصلحة فيه متوهمة، فكان في ذلك تأصيلاً لهذه القاعدة؛ إذ جاء العتاب على ترك المصلحة المتحققة وهي هداية الأعمى، لأجل مصلحة متوهمة وهي هداية الغني.
стр. 841
سورة التكوير
العبد له مشيئة لكنها تابعة لمشيئة الله، خلافاً للقدرية النفاة، والقدرية المجبرة .
قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ (التكوير: ٢٨ - ٢٩).
٤٤٦ - قال السعدي ﵀: (كما قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾. فهذه الآية فيها رد على القدرية النفاة وعلى القدرية المجبرة (١): وإثبات للحق الذي
стр. 842
عليه أهل السنة والجماعة. فقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾، أثبت: أنه لهم مشيئة حقيقية، وفعلاً حقيقياً - وهو الاستقامة - باختيارهم، فهذا رد على الجبرية. وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ أخبر: أن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله، وأنها لا توجد بدونها، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ففيها رد على القدرية القائلين: " إن مشيئة العباد مستقلة، ليست تابعة لمشيئة الله ": بل عندهم يشاء العباد ويفعلون ما لا يشاؤه الله، ولا يقدره ودلت الآية على الحق الواضح، وهو: أن العباد هم الذين يعملون الطاعات والمعاصي حقيقة، ليسوا مجبورين عليها: وأنها - مع ذلك - تابعة لمشيئة الله كما تقدم كيفية وجه ذلك). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هاتين الآيتين الرد على القدرية النفاة الذين يقولون إن العبد له مشيئة مستقلة ليست تابعة لمشيئة الله، وكذلك على الجبرية القائلين إن العبد لا مشيئة له وأنه مجبور على فعل نفسه فهو كالريشة في مهب الريح، ووجه استنباط هذا الرد أن في قوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ إثبات مشيئة العبد وأن له فعلاً حقيقة وذلك
стр. 843
رد على الجبرية، وفي قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إثبات أن مشيئتهم تابعة لمشيئة الله وليست مستقلة وذلك رد على القدرية.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط بعض المفسرين،، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذه الآية رد على الطائفتين المجبرة الجهمية والمعتزلة القدرية فإنه تعالى قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾ فأثبت للعبد مشيئة وفعلاً ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ فبين أن مشيئة العبد معلقة بمشيئته الله) (١)، وقال ابن القيم: (وقوله: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ﴾ رد على الجبرية القائلين بأن العبد لا مشيئة له أو أن مشيئته مجرد علامة على حصول الفعل لا ارتباط بينها وبينه إلا مجرد اقتران عادي من غير أن يكون سبباً فيه.
وقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ رد على القدرية القائلين بأن مشيئة العبد مستقلة بإيجاد الفعل من غير توقف على مشيئة الله بل متى شاء العبد الفعل وجد ويستحيل عندهم تعلق مشيئة الله بفعل العبد بل هو يفعله بدون مشيئة الله فالآيتان مبطلتان لقول الطائفتين) (٢)، وممن أشار إلى ذلك من المفسرين أيضاً: السيوطي، وابن عاشور (٣).
стр. 844
سورة البروج
قرن الودود بالغفور ليدل على أن أهل الذنوب إذا تابوا غفر لهم وأحبهم .
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ (١٤)﴾ (البروج: ١٤).
٤٤٧ - قال السعدي ﵀: (وفي هذا سر لطيف، حيث قرن ﴿الودود﴾ بالغفور، ليدل ذلك على أن أهل الذنوب إذا تابوا إلى الله وأنابوا، غفر لهم ذنوبهم وأحبهم، فلا يقال: بل تغفر ذنوبهم، ولا يرجع إليهم الود، كما قاله بعض الغالطين). ا. هـ (١)
الدراسة:
استنبط السعدي من هذه الآية مناسبة قرن الودود بالغفور في هذه الآية، وبين أن مناسبة ذلك هو الدلالة على أن أهل الذنوب إذا تابوا غفر الله لهم وأحبهم.
وقد وافق السعدي على هذا الاستنباط ابن القيم فقال: (وما ألطف اقتران اسم الودود بالرحيم وبالغفور فإن الرجل قد يغفر لمن أساء إليه ول
стр. 845
ايحبه وكذلك قد يرحم من لا يحب والرب تعالى يغفر لعبده إذا تاب إليه ويرحمه ويحبه مع ذلك فإنه يحب التوابين وإذا تاب إليه عبده أحبه ولو كان منه ما كان) (١).
وهذا يدل على كمال حلم الله وسعة رحمته أن يغفر للمسيء ثم يجمع له مع ذلك المحبة، بل يدل ذلك على كمال قدرة الله جل وعلا، قال البقاعي: (ولما ذكر سبحانه بطشه، وكان القادر على العنف قد لا يقدر على اللطف، وإن قدر فربما لم يقدر على الإبلاغ في ذلك، وكان لا يقدر على محو الذنوب أعيانها وآثارها على كل أحد بحيث لا يحصل لصاحبها عقاب ولا عتاب من أحد أصلاً إلا من كان قادراً على كل شيء) (٢).