Полный текст (215 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٥٤) بسندٍ صحيح من حديث أبي قتادة قال: قال رسول الله ﷺ : «يا أيها الناس ابتاعوا أنفسكم من الله من مال الله» . وانظر: «الصحيحة»(٢٧١) .
- وأخرج أحمد (٥/٢١٨-٢١٩) ، والطبراني في «الكبير» (٣٣٠٠، ٣٣٠١) وغيرهما من حديث أبي واقد الليثي قال: كنا نأتي النبي ﷺ إذا أُنزل عليه، فيُحدِّثنا، فقال لنا ذات يوم:
«إن الله قال: إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة» وإسناده حسن، وقال شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في «السلسلة الصحيحة»(١٦٣٩) : «وللحديث شواهد كثيرة معروفة، فهو حديث صحيح» .
أما بالنسبة إلى منعه وحرمانه، فإن ذلك محمود لمن ترتب في حقّه ما حصل مع الزاهدين والصالحين من الصحابة ومن سار على منوالهم، أمثال: أصحاب الصفّة.
أخرج أحمد (٦/١٨-١٩) -ومن طريقه ابن الشجري في «الأمالي» (٢/١٨٥) -، والترمذي(٢٣٦٨) ، وابن حبان(٧٢٤) ، وابن جرير في «تهذيب الآثار» (١/٢٨٧ رقم ٤٨٢- ط. شاكر) ، والطبراني (١٨ رقم ٧٩٨- ٨٠٠) ، وأبو نعيم (٢/١٧) بسندٍ صحيح عن فضالة بن عبيد، قال: كان رسول الله ﷺ إذا صلّى بالناس خرَّ رجال من قامتهم في الصلاة، لما بهم من الخصاصة (الجوع) -وهم من أصحاب الصُّفة- حتى يقول الأعراب: إن هؤلاء مجانين، فإذا قضى رسول الله ﷺ الصلاة انصرف إليهم، فقال:
«لو تعلمون ما لكم عند الله ، لأحببتم لو أنكم تزدادون حاجةً وفاقةً» .
وانظر: «السلسلة الصحيحة»(٢١٦٩) ، «رجحان الكفة» (ص ٢٨٨-٢٨٩- بتحقيقي) للمصنف =стр. 107
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = في أحاديث ونصوص كثيرة تساعد على هذا التفريق، وذكر المصنف جملة لا بأس بها، وإليك كلام بعض المحررين من العلماء يؤكد أن خيرية المال من أجل الثمرة المترتبة عليه:
* قال العز بن عبد السلام في أواخر «قواعد الأحكام» (٢/٣٦٢-٣٦٥) :
«فإن قيل: أيما أفضل، حال الأغنياء أم حالُ الفقراء؟ فالجواب: أن الناس أقسام:
أحدها: من يستقيمُ على الغنى، وتفسدُ أحواله بالفقر، فلا خلاف أن غنى هذا خيرٌ له من فقره.
القسم الثاني: من يستقيم على الفقر، ويفسده الغِنى، ويحمله على الطغيان، فلا خلافَ أن فقر هذا خيرٌ له من غِناه.
القسم الثالث: من إذا افتقر قام بجميع وظائف الفقر، كالرضا والصبر، وإن استغنى قام بجميع وظائف الغنى من البذل والإحسان وشُكرِ الملِك الديّان، فقد اختلف الناس في أي حالي هذا أفضل؟
فذهب قومٌ إلى أن الفقر لهذا أفضل.
وقال آخرون: غِناه أفضل، وهو المختار، لاستعاذته ﷺ من الفقر. ولا يجوز حمله على فقرِ النفس؛ لأنه خلاف للظاهر بغير دليل.
وقد يستدل لهؤلاء بأن الرسول ﷺ كان أغلب أحواله الفقر إلى أن أغناه الله بحصون خيبر، وفدك، والعوالي، وأموال بني النَّضير.
والجواب عن هذا: أن الأنبياء والأولياء لا يأتي عليهم يومٌ إلا كان أفضلَ من الذي قبله، فإنّ من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان أمسهُ خيراً من يومه فهو ملعون -أي مطرود- مغبونٌ، وقد خُتِمَ آخر أمر رسول الله ﷺ بالغنى، ولم يُخرجه غناه عما كان يتعاطاه في أيام فقره من البذل والإيثار والتقلل، حتى أنه مات ودرعه مرهونة عند يهودي على آصُعٍ من شعير.
وكيف لا يكون كذلك، وهو ﷺ يقول: «يا ابن آدم، إنك إن تبذل الفضل خيرٌ لك، وإن تمسكه شرٌّ لك» . أراد بالفضل: ما فضل عن الحاجة الماسّة، كما فعل ﷺ .
فمن سلك من الأغنياء هذا الطريق، فبذل الفضل كله مقتصراً على عيشٍ مثل عيشِ رسول الله ﷺ ، فلا امتراءَ أن غنى هذا خيرٌ من فقره.
ويدل على ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: «أتى فقراء المسلمين إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، ذهبَ ذوو الأموال بالدرجات العُلى والنعيم المقيم، يُعتقون ولا نجدُ ما نُعتق، ويتصدّقون ولا نجد ما نتصدّق، وينفقون ولا نجد ما نُنْفِق؟ فقال: ألا أدلكم علىأمرٍ إذا فعلتموه أدركتم به مَن كان قبلكم، وفُتّم به من بعدكم؟ قالوا: بلى، قال: تُسبِّحون الله -تعالى- وتحمدونه وتكبرونه على إثرِ كل صلاةٍ ثلاثاً وثلاثين مرة. فلما صنعوا ذلك سمعَ الأغنياء بذلك، فقالوا مثل ما قالوا، فذهب الفقراء إلى رسول الله ﷺ فأخبروه أنهم قد قالوا مثل ما قُلنا، فقال لهم رسول الله ﷺ : «فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء» » . =стр. 108
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٠٣٦) عن أبي أمامة، وله تتمة هي: «ولا تُلامُ على كفافٍ، وابدأ بمن تعول، واليدُ العُليا خيرٌ من اليد السُّفلى» .
وفي لفظ: «إن تُعط الفضلَ فهو خير لك، وإن تُمسكه فهو شرٌّ لك، وابدأ بمن تعول، ولا يلومُ الله على الكفاف» . أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة (٢/٣٦٢) وإسناده حسن.
وانظر: «السلسلة الصحيحة»(٢٤٧٣) .
وفي هذا الحديث فضل الكفاف، وهو قدر حاجة الإنسان، دون زيادة التي تسبب -في الغالب- الطُّغيان، وسيأتي لاحقاً إن الغنى مغلوب بهذه الخصلة الي لا تكاد تنفك عن الإنسان، ما لم يصل إلى أعلى المراتب وأكملها من التيّقظ والمراقبة وهضم النفس، والحرص على التواضع. =стр. 109
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٤٦٠) ، ومسلم (١٠٥٥، ٢٩٦٩) عن أبي هريرة رفعه: «اللهم ارزق آل محمد قوتاً» لفظ البخاري، ولفظ مسلم: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً» ، وعند أحمد (٢/٢٣٢) مثله، إلا «آل محمد» فعنده بدلها: «آل بيتي» . وزاد السيوطي عليه في «الجامع الصغير» -وأورده بلفظ مسلم-: «في الدنيا» ولا أصل لها. انظر: «السلسلة الصحيحة»(١٣٠) .
وعند بعضهم: «اللهم اجعل رزقي ورزق آل محمد كفافاً» . وطرقه عند:
وكيع في «الزهد»(١١٩) ، والترمذي(٢٣٦٢) ، والنسائي في «الكبرى» -كما في «التحفة» (١٠/٤٤٢) -، وابن ماجه(٤١٣٩) ، وابن أبي شيبة (١٣/٢٤٠) ، وأحمد (٢/٤٤٦، ٤٨١) ، وابن السني في «القناعة» (٥١، ٥٢) ، وأبي الشيخ في «أخلاق النبي ﷺ » (٢٢٤-٢٢٥) ، والبيهقي في «الكبرى» (٢/١٥٠) ، و «الدلائل» (١/٣٣٩) ، و «الشعب»(١٤٥٤) .
فهذا الذي أحبّه ﷺ لمحبّيه.
قال شيخنا العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- في «السلسلة الضعيفة» (١/٢٥٤) -بعد تخريجه لحديثي ابن عمرو وأبي هريرة السابقين- تحت (فائدة الحديث) :
«فيه وفي الذي قبله دليل على فضل الكفاف، وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك؛ رغبة في توفر نعيم الآخرة، وإيثاراً لما يبقى على ما يفنى، فينبغي للأمة أن تقتدي به ﷺ في ذلك. وقال القرطبي:
معنى الحديث أنه طلب الكفاف؛ فإن القوت ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة، وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً؛ كذا في «فتح الباري» (١١/٢٥١-٢٥٢) .
قلت: ومما لا ريب فيه أن الكفاف يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأحوال، فينبغي للعاقل أن يحرص على تحقيق الوضع الوسط المناسب له؛ بحيث لا ترهقه الفاقة ولا يسعى وراء الفضول الذي يوصله إلى التبسط والترفه؛ فإنه في هذه الحال قلما يسلم من عواقب جمع المال، لا سيما في هذا الزمان الذي كثرت فيه مفاتنه، وتيسرت علىالأغنياء سبله. أعاذنا الله -تعالى- من ذلك، ورزقنا الكفاف من العيش» .
قال أبو عبيدة: وانظر في تقرير معنى (الكفاف) عند أحمد (٣/١٠٢) ، ومن طريقه ابن بشران في «الأمالي»(١٠٧٣) ، ففيه تحقيق ما خيّر الله نبيه به بين أن يكون نبياً عبداً أو نبياً ملكاً، فاختار =стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٠٠٢) .
ويعجبني كلامٌ للخطابي في «غريب الحديث» (١/٧١١) عند شرحه لحديث أخرجه البخاري (رقم ٢٨٤٢) ، ومسلم (رقم ١٠٥٢) ، وغيرهما عن أبي سعيد، وفيه: «إن الخير لا يأتي إلا بالخير، ولكن الدنيا حُلوة خَضِرة» قال:
«قوله: «إن الخير لا يأتي إلا بالخير، ولكن الدنيا حلوة خضرة» مَثلٌ يريد أن جمع المال واكتسابه غير محرم، ولكن الاستكثار منه والخروج من حدّ الاقتصاد فيه ضار، كما أن الاستكثار من المأكل مُسقم والاقتصاد فيه محمود. ونظير هذا من الكلام قول الأحنف بن قيس. وقيل له: الحياءُ خير كله، فقال: «إنّ منه ضعفاً» . يريد أن ما خرج من حدّ الاعتدال لم يكن خيراً، لكن ذلك يستحيل ضعفاً وخوراً، كالجود إذا أفرط صار سرفاً، وكالشجاعة إذا أفرطت صارت تهوراً، وكالحزم إذا أفرط صار جُبناً، إلى ما أشبه هذا» .
قلت: كثرة المال سبب للتنافس في الدنيا، ونسيان الآخرة، وحينئذٍ يقع الهلاك، فليست المفاضلة لكثرة المال لذاته، ولا بجمال الأثاث، وحسن المناظر.
فقد أخرج البزار (٣٦٧١- زوائده) ، من حديث أبي جحيفة قال: قال رسول الله ﷺ : «ستفتح عليكم الدنيا، حتى تنجَّدَ الكعبةُ» . قلنا: ونحن على ديننا اليوم، قال: وأنتم على دينكم اليوم، قلنا: فنحن يومئذٍ خير أم اليوم؟ قال: «بل أنتم اليوم خير» ، وإسناده جيد، قاله شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في «الصحيحة» (١٨٨٤، ٢٤٨٦) .
والخيرية ليست في اللذات والأموال والمظاهر الجوفاء!
قال الله -تعالى-: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثاً وَرِئْياً﴾ [مريم: ٧٤] . جاءت هذه الآية القرآنية الكريمة تشير إلى الأمم السابقة التي أُهلكت -والتي وردت قصصها في القرآن في مواضع أخرى- رداً على أولئك الذين لم يعرفوا التفريق بين المبادئ والأشياء ... أو قدّموا الأشياء والأثاث على هداية المبادئ والقيم والأفكار! قال -تعالى- في الآية السابقة لها: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ ايَاتُنَا بِيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ امَنُواْ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَّقَاماً وَأَحْسَنُ نَدِيّاً﴾ [مريم: ٧٣] فجاء الجواب: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ ... ﴾ الآية.
وقد يمثل القرن الذي نعيش فيه أبعاد هاتين الآيتين الكريمتين ... فأنت إذا دعوت الناس بهداية =стр. 111
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٢٤٧) رجب (١٣٩٩هـ) (ص ١٤-١٧) ، و «علوم القرآن» (ص ٣٧٤) للزرزور.
إذاً، العبرة في المال بثمرته والنتيجة المترتبة عليه، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- في «مجموع الفتاوى» (٢٠/١٤٣-١٤٤) بعد كلام:
«وأما نفس وجود السلطان والمال الذي يبتغى به وجه الله والقيام بالحق والدار الآخرة، ويستعان به على طاعة الله، ولا يفتن القلب عن محبة الله ورسوله والجهاد في سبيله، كما كان النبي ﷺ وأبو بكر وعمر، ولا يصده عن ذكر الله، فهذا من أكبر نعم الله -تعالى- على عبده إذا كان كذلك. ولكن قَلَّ أنْ تجدَ ذا سلطان أو مالٍ إلا وهو مبطأ مثبط عن طاعة الله ومحبته، متبع هواه فيما آتاه الله، وفيه نكول حال الحرب والقتال في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فبهذه الخصال يكتسب المهانة والذم دنيا وأخرى» .
وقال فيه (٢٠/١٤٤) مؤكِّداً أن شأن (المال) تحصيلاً وعدماً يخرَّج على قاعدة (الأمور بمقاصدها) ونصّ كلامه:
«فالشرف والمال لا يحمد مطلقاً ولا يذم مطلقاً، بل يحمد منه ما أعان على طاعة الله، وقد يكون ذلك واجباً، وهو ما لا بد منه في فعل الواجبات، وقد يكون مستحباً، وإنما يحمد إذا كان بهذه النية، ويذم ما استعين به على معصية الله أو صد عن الواجبات، فهذا محرم.
وينتقص منه ما شغل عن المستحبات وأوقع في المكروهات. والله أعلم» . =стр. 112
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وانظر: «القواعد الفقهية الخمس الكبرى والقواعد المندرجة تحتها من مجموع فتاوى ابن تيمية» (ص ١٢٩، ١٥٨) .
وقرر ابن تيمية -أيضاً- في «مجموع الفتاوى» (٢٠/١٤٨) أن الزهد الشرعي ليس هو ترك الدنيا، وقد يكون ذمُّها عند الكثيرين من باب الحب الزائد لها، قال -رحمه الله تعالى- بعد كلام:
«فأما مجرد مدح ترك الدنيا فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا تنظر إلى كثرة ذم الناس الدنيا ذماً غير ديني، فإن أكثر العامة إنما يذمونها لعدم حصول أغراضهم منها، فإنها لم تَصْفُ لأحد قط! ولو نال منها ما عساه أن ينال، وما امتلأت دار حبرة إلا امتلأت عبرة، فالعقلاء يذمون الجهال الذين يركنون إليها ويظنون بقاء الرياسة والمال وتناول الشهوات فيها، وهم مع هذا يحتاجون إلى ما لا بد لهم منه منها، وأكثرهم طالب لما يذمه منها، وهؤلاء حقيقة ذمهم لها ذم دنيوي لما فيها من الضرر الدنيوي، كما يذم العقلاء التجارة والصناعة التي لا ربح فيها، بل فيها تعب، وكما تذم معاشرة من يضرك ولا ينفعك في التزويج بسيئة الخلق، ونحو ذلك من الأمور التي لا تعود مضرتها ومنفعتها إلا إلى الدنيا -أيضاً-» . وانظره -أيضاً-: (٢٨/٣٩٤) .
قال أبو عبيدة: ولذا من الخطإ (ذم المال) بإطلاق، وسيأتي التدليل على ذلك في غير موطن من كلام المصنّف، وقد غالى الصوفية -قديماً وحديثاً- بذلك، وتعقّبهم مجموعة من الأعلام، ومنهم القرطبي في مواطن من «تفسيره» ، منها (٣/٤١٧-٤٢٠) ، ونقل كلاماً لابن الجوزي، وسأعمل على ذكر كلامه بتمامه لأهميته، وأضع زياداتي عليه بين معقوفتين، والله المستعان، قال:
«لما أمر الله -تعالى- بالكتْب والإشهاد، وأخذ الرهان، كان ذلك نصاً قاطعاً على مراعاة حفظ الأموال وتنميتها، ورداً على الجهلة المتصوفة ورِعاعها الذين لا يرون ذلك، فيخرجون عن جميع أموالهم، ولا يتركون كفاية لأنفسهم وعيالهم، ثم إذا احتاج وافتقر عياله، فهو إما أن يتعرّض لمِنَن الإخوان أو لصدقاتهم، أو أن يأخذ من أرباب الدنيا وظلَمتهم، وهذا فعلٌ مذموم منهيٌّ عنه.
قال أبو الفرج الجوزي [في «تلبيس إبليس» (ص ١٧٦) ] :
«ولست أعجب من المتزهِّدين الذين فعلوا هذا مع قِلَّةِ علمهم، إنما أتعجَّب من أقوام لهم علم وعقل، كيف حثّوا على هذا، وأمروا به مع مضادته للشرع والعقل. فذكر المُحاسبي في هذا كلاماً كثيراً، وشيّده أبو حامد الطوسي [هو: أبو حامد الغزالي] ونصره. والحارث عندي أعذر من أبي حامد؛ لأن أبا حامد كان أفقه، غير أن دخوله في التصوّف أوجب عليه نصرة ما دخل فيه» .
قال المحاسبي في كلامٍ طويل له [في كتابه «النصائح» (ص ٢١) ] :
«ولقد بلغني أنه لما توفِّي عبد الرحمن بن عوف قال ناسٌ من أصحاب النبي ﷺ : إنما نخاف على عبد الرحمن فيما ترك. فقال كعب: سبحان الله! وما تخافون على عبد الرحمن؟ كسب طيباً، وأنفق طيباً، وترك طيباً. =стр. 113
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٦٢٨) ] . وقال: «ما نفعني مال كمال أبي بكر» [الحديث صحيح، وخرجته بتفصيل في تعليقي على «المجالسة»(١٥١) ] . وقال لعمرو بن العاص: «نعم المال الصالح، للرجل الصالح» . ودعا لأنس، وكان في آخر دعائه: «اللهم أكثر ماله وولده، وبارك له فيه» . وقال كعب: يا رسول الله! إنّ من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله. فقال: «أمسك عليه بعض مالك، فهو خير لك» . =стр. 114
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٣٠٧٢) ، وإسناده ضعيف] .
وكان سعد بن عبادة، يقول في دعائه: «اللهم وسّع علي» [سيأتي تخريجه (ص ١٤٠) ] .
وقال إخوة يوسف: ﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾ [يوسف: ٦٥] .
وقال شعيب لموسى: ﴿فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِندِكَ﴾ [القصص: ٢٧] .
وإن أيوب لما عُوفي نُثِر عليه رِجْل من جراد من ذهب، فأخذ يحثي في ثوبه ويستكثر منه، فقيل له: أما شبعت؟ فقال: يا رب! فقير يشبع من فضلك؟ [سيأتي تخريجه] .
وهذا أمر مركوز في الطباع.
وأما كلام المحاسبي فخطأ، يدل على الجهل بالعلم، وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال، من وضع الجهال، وخفيت عدم صحته عنه للحُوقه بالقوم. وقد روي بعض هذا، وإن كان طريقه لا يثبت؛ لأن في سنده ابن لَهِيعة، وهو مطعون فيه. قال يحيى: لا يحتجّ بحديثه.
والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة خمس وعشرين، وعبد الرحمن بن عوف توفي سنة اثنتين وثلاثين، فقد عاش بعد أبي ذر سبعَ سنين. =стр. 115
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم، يدل على أن حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة: إنا نخاف على عبد الرحمن!!
أو ليس الإجماع منعقداً على إباحة جمع المال من حِلِّه، فما وجه الخوف مع الإباحة؟ أو يأذن الشرع في شيءٍ ثم يعاقب عليه؟
هذا قلّة فهم وفقه.
ثم أينكر أبو ذر على عبد الرحمن، وعبد الرحمن خير من أبي ذر، بما لا يتقارب؟ ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده، دليل على أنه لم يسبر سير الصحابة، فإنه قد خلف طلحة ثلاث مئة بُهار، في كل بُهار ثلاثة قناطير. والبُهار: الحمل.
وكان مال الزبير خمسين ألفاً ومئتي ألف. [انظر في تحقيق مقدار ماله وتركته في تعليقي على «المجالسة» (رقم ٢٢٠٠) ] .
وخلّف ابن مسعود تسعين ألفاً.
وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلّفوها، ولم ينكر أحد منهم على أحد.
وأما قوله: «إن عبد الرحمن يحبو حبواً يوم القيامة» . فهذا دليل على أنه ما عرف الحديث، وأعوذ بالله أن يحبو عبد الرحمن في القيامة، أَفَتَرَى من سبق، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن أهل بدر والشورى يحبو؟ ثم الحديث يرويه عُمارة بن زاذان، وقال البخاري [في «التاريخ الكبير» (٣/٢/٥٠٥) ] : «ربما اضطرب حديثه» . وقال أحمد: «يروي عن أنس أحاديث مناكير» [وهذه رواية الأثرم عنه. انظر: «الجرح والتعديل» (٣/١/٣٦٦) و «التهذيب» (٧/٤١٧) ، و «بحر الدم» (رقم ٧٣١) ] . وقال أبوحاتم الرازي [في «الجرح والتعديل» (٣/١/٣٦٦) ] : «لا يحتج به» . وقال الدارقطني: «ضعيف» . [كذا في «سؤالات البرقاني» (رقم ٤٠١) وزاد: «لا يعتبر به» ، وترجمه في «الضعفاء والمتروكين» (رقم ٣٨٢) . وانظر: «الميزان» (٣/٧٩) ، وفي «التقريب» : «صدوق، كثير الخطأ» ] .
وقوله: «تركُ المال الحلال أفضل من جمعه» ليس كذلك، ومتى صحَّ القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء.
وكان سعيد بن المسيب يقول: «لا خير فيمن لا يطلب المال، يقضي به ديْنه، ويصون به عِرضه، فإن مات تركه ميراثاً لمن بعده» [سيأتي تخريجه] .
وخلّف ابن المسيب أربع مئة دينار، وخلّف سفيان الثوري مئتين، وكان يقول: «المال في هذا الزمان سلاح» [سيأتي عند المصنف] . =стр. 116
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١٦١٠) من حديث سعيد بن زيد رفعه] » .
قال أبو عبيدة: بالنسبة إلى قصة دخول الصحابي الجليل عبد الرحمن بن عوف ﵁ الجنة زحفاً، فلم تثبت، وهذا التفصيل:
ورد ذلك في حديث أخرجه أحمد في «المسند» (٦/١١٥) ، وعبد بن حميد في «المسند» (٣/١٧٨ رقم ١٣٨١- المنتخب) ، والطبراني في «المعجم الكبير» (١/١٢٩ رقم ٢٦٤) ، والبزار في «المسند» (٣/٢٠٩ رقم ٢٥٨٦- زوائده) ، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (١/٣٨٤) ، و «الحلية» (١/٩٨) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٠/١١٧) ، وابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/١٣) في طريق عمارة بن زاذان، عن ثابت البناني، عن أنس، وذكره.
وهذا إسناد ضعيف جدّاً، قال المصنف في «الأجوبة المرضية» (٢/٥٧٩- ٥٨٠) : «ومداره على عمارة بن زاذان، وقد ضعفه النسائي، والدارقطني، وأحمد في رواية الأثرم، بل ذكر ابن الجوزي الحديث في «موضوعاته» من «مسند أحمد» ونقل عنه أنه كذب منكر، قال: «وعمارة يروي أحاديث مناكير» .
قلت: عبارة ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/١٣) :
«قال أحمد بن حنبل: هذا الحديث كذب منكر، قال: وعمارة يروي أحاديث مناكير.
وقال أبو حاتم الرازي: عمارة بن زاذان لا يحتج به، وقد روى الجراح بن منهال إسناداً عن عبد الرحمن بن عوف، فإن النبي ﷺ قال: «يا ابن عوف إنك من الأغنياء، وإنك لا تدخل الجنة إلا زحفاً فأقرض ربك يطلق قدميك» . قال النسائي: «هذا حديث موضوع، والجراح متروك الحديث» . وقال يحيى: «ليس حديث الجراح بشيء» . وقال ابن المديني: «لا يكتب حديثه» . وقال ابن حبان: «كان يكذب» . وقال الدارقطني: «روى عنه ابن إسحاق، فقلب اسمه فقال منهال بن الجراح: وهو متروك» » ا. هـ.
وقال الحافظ ابن حجر في «القول المسدد» (ص ٢٨) : «والذي أراه عدم التوسع في الكلام فإنه يكفينا شهادة الإمام أحمد بأنه كذب، وأولى محامله أن نقول هو من الأحاديث التي أمر الإمام أحمد أن يضرب عليها» . =стр. 117
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وقال الحافظ ابن كثير في «البداية والنهاية» (ج ٧ص ١٦٤) : «تفرد به عُمارة بن زاذان الصيدلاني، وهو ضعيف» .
وانظر ترجمة (عمارة بن زاذان) في «الجرح والتعديل» (٦/٣٦٥) ، و «الضعفاء والمتروكين» (رقم ٣٨٢) ، و «الضعفاء الكبير» (٣/٣١٥) ، و «بحر الدم» (ص ٣١٠) ، و «الضعفاء» لابن الجوزي (٢/٢٠٣) ، و «تهذيب الكمال» (٢١/٢٤٣) ، و «تهذيب التهذيب» (٧/٣٦٥) ، و «الميزان» (٣/٧٩) ، ولقصة عبد الرحمن بن عوف طرق مدارها على واهين ومتروكين وكذابين، وسأعمل -إن شاء الله تعالى- على ذكرها وبسطها بالتفصيل في جزء لاحق من كتابي «قصص لا تثبت» .
وقد ذكرها المصنف في «الأجوبة المرضية» (٢/٥٧٧-٥٨١) وقال في خاتمتها: «وبالجملة؛ فقد قال الهيثمي [في «كشف الأستار» (٣/٢٠٩ عقب رقم ٢٥٨٧) ] وأقره العراقي [في تخريج أحاديث الإحياء» (٥/٢٤٠٩) ]-رحمهما الله- أنه لا يثبت في دخوله زحفاً حديث» . انتهى.
وقد شهد ﵁ بدراً والحديبية، ومعلوم أن الله قال في أهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ، فلو ارتكب امرؤ منهم ما لا يجوز -وقد عصمهم الله إن شاء الله من ذلك- فهو مغفور له، هذا مع أن كسبه حلال من تجارته ببركة دعائه ﷺ حيث قال: «بارك الله لك» ، وفعل ما فعله للفقراء من الخير. ورواية من تقدم ممن طعن فيه لا يقدح في أهل بدر، والله الموفق» . وسبق ضعفها عن ابن الجوزي فيما نقله عنه القرطبي -رحمهما الله- وتكلمت عليها في تعليقي على «المستجاد» للتنوخي (ص ٢٠-٢١ رقم ٩) .
قال أبوعبيدة: المهم الآن -وقد طال بك الكلام، فأرجو المعذرة، فإنه لا يخلو من فائدة- أن أُكِّد لك التفصيل، وأنّ (المال) قد يحمد، وقد يذمّ من خلال تحقيق معانٍ كثيرة واردة في أحاديث شهيرة عديدة، وجمعها على وجهٍ حسن مع تعليق متين: العز في (الباب العاشر: الإحسان ببذل الأموال) من كتابه: «شجرة المعارف والأحوال وصالح الأقوال والأعمال» (ص ٢٣٥- ٢٦٠) ، والتفصيل يطول، والإحالة المذكورة مُغنية مُشبعة فيما يخص المسألة.
بقي بعد هذا كلّه:
التأكيدُ على صحة ما قاله المصنف -وهو لبّ رسالته وخلاصتها- مهم، وهو الصواب بلا شك، إذ يستحيل الوقوف على وجه الجمع بين المدح والذم إلاَّ بأن تعرف حكمة المال ومقصوده، وآفاته، وغوائله، حتى ينكشف لك أنه خيرٌ من وجه، وشرٌّ من وجه، وأنه محمودٌ من حيث هو خيرٌ، ومذمومٌ من حيث هو شر، وأنه ليس بخير محض، ولا هو شر محض، بل هو سبب الأمرين جميعاً، وما هذا وصفه فيمدح لا محالة مرّة، ويذم أخرى، ولكن البصير المميّز يدرك أن المحمود منه غير المذموم، وبيانها الاستمداد منه بما يصلح الحال لحفظ الدّين والقوة على الطاعة المفضية به إلى =стр. 118
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = سعادة الآخرة التي هي النعيم الدائم، والملك المقيم، ولا بدّ من مطعم، ومشرب، ومسكن، ومنكح، وملبس، فمن المطاعم إبقاء البدن، ومن المناكح إبقاء النسل، ومن البدن تكميل النفس وتزكيتها وتزيينها بالعلم والخُلق، ومن عرف هذا الترتيب فقد عرف قدر المال، ووجه شرفه، وأنه من حيث ضرورة البدن إلى هذه الأسباب لتصح العبادة.
فمن عرف فائدة ذلك وغايته ومقصده؛ استعمله لتلك الغاية، ملتفتاً إليها غير ناسٍ لها، فقد أحسن وانتفع، وكان ما حصل له من الغرض محموداً في حقّه، فإذاً المال آلة ووسيلة إلى مقصود صحيح، ويصلح أن يتّخذ آلة ووسيلة إلى مقاصد فاسدة، وهي المقاصد الصادّة عن سعادة الآخرة، ويسدّ سبيل العلم والعمل، فهو إذ ذاك محمود مذموم، محمود بالإضافة إلى المقصود المحمود، ومذموم بالإضافة إلى المقصود المذموم، فمن أخذ من الدنيا أكثر مما يكفيه فقد أخذ حتفه، وهو لا يشعر.
ولمّا كانت الطباع مائلة إلى اتباع الشهوات القاطعة لسبيل الله، وكان المال مسهّلاً لها وآلة إليها عظم الخطر فيما يزيد على قدر الكفاية، فاستعاذ بعض الزهاد من شره.
واعلم أن المال مثل حيّة فيها سمٌ وترياق، ففوائدها ترياقها، وغوائلها سمومها، فمن عرف غوائلها وفوائدها أمكنه أن يحترز من شرّها، ويستدرّ منها خيرها.
أمّا الفوائد فهي تنقسم إلى: دنيوية ودينية، أما الدنيوية؛ فلا حاجة في ذكرها، فإن معرفتها مشتركة بين أصناف الخلق، ولولا ذلك لم يتهالكوا على طلبها، وأما الدينية فنحصر جميعها في ثلاثة أنواع:
النوع الأول: أن ينفقه على نفسه إما في عبادة أو في الاستعانة على العبادة.
أمّا العبادة كالاستعانة على الحج، والصدقة؛ فإنه لا يتوصل إليهما إلا بالمال، وهما من أمّهات القربات، والفقير محرومٌ عن فضلهما.
وأما فيما يقويه على العبادة، وذلك هو المطعم والملبس والمنكح، فإنّ هذه الضرورات إذا لم تتيسّر كان القلب منصرفاً إلى تدبيرها، فلا يتفرّغ للدّين، وما لا يتوصل إلى العبادة إلا به فهو عبادة، وأخذ الكفاية من الدنيا للاستعانة على الدين من الفوائد الدينية، فلا يدخل في هذه التنعّم والزيادة على الحاجة، فإن ذلك من حظوظ الدنيا فقط.
النوع الثاني: ما تصرفه إلى الناس من صدقة واستخدام ومرؤة ووقاية العرض.
أما الصدقة فلا يخفى ثوابها، وأنها لتطفئ غضب الرب، وفضائلها معروفة فلا نطوِّل بذكرها.
وأما المرؤة فنعني بها: صرف المال إلى الأغنياء والأشراف في ضيافة، وهدية، وإعانة، وما يجري مجراه، فإن هذه لا تسمى صدقة، بل الصدقة ما تسلم إلى المحتاج إلا أن هذا -أيضاً- من الفوائد =стр. 119
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = الدينية، إذ به يكتسب العبد الإخوان والأصدقاء، وبه يكتسب صفة السّخاء، ويلتحق بزمرة الأسخياء، فلا يوصف بالجود إلا من يصطنع المعروف، ويسلك سبيل المرؤة، وهذا -أيضاً- مما يعظم الثواب فيه، فقد وردت أخبار كثيرة فيها الحث على الهدايا، والضيافات، وإطعام الطعام من غير اشتراط الفقر والفاقة في مصارفها، وبيّنتُ قسماً حسناً منها في كتابي «المرؤة وخوارمها» .
وأمّا وقاية العرض فنعني به بذل المال لدفع هجو الشعراء، وثلب السفهاء، ودفع شرّهم، وقطع ألسنتهم، وهذا -أيضاً- مع فائدته في العاجلة فهو من الحظوظ الدينية- أيضاً-.
وقال رسول الله ﷺ : «ما وقي به المرء عرضه؛ فهو له صدقة» ، فكيف ولا؟ وفيه منع المغتاب عن معصية الغيبة، واحتراز عما يثور من كلامه من العداوة التي تحمل في المكاره والانتقام على مجاوزة الحدّ في الشرع، وبيّنت هذا في مقدمة كتابي «شعر خالف الشرع» يسر الله إتمامه بمنه وكرمه.
وأما الاستخدام فهو أن الأعمال التي يحتاج إليها الإنسان لتهيئة أسبابه كثيرة، ولو تولاّها بنفسه ضاعت أوقاته، وتعذّر عليه سلوك سبيل الآخرة، بالفكر والذكر الذي هو أعلى مقامات السالكين، ومن لا مال له افتقر إلى أن يتولىّ بنفسه خدمة نفسه من شراء الطعام، وطبخه، وكنسه البيت، حتى نسخ الكتاب الذي يحتاج إليه، وكلّ ما يتصور أن يقوم به غيرك، ويحصل غرضك، فأنت مغبون إذا اشتغلت به، إذ عليك من العلم والعمل والفكر والذكر ما لا يتصور أن يقوم به غيرك، فتضييع الوقت في غيره خسران.
واعلم أن الزائد من المال الذي يفضل عما يحتاج إليه من الكفاف يجرّ إلى المعاصي فإن الشهوات متقاضية والعجز قد يحول بين المرء والمعصية، ومن العصمة أن لا يقدر ومتى كان الإنسان آيساً عن نوع من المعصية لم تتحرك داعيته، فإذا استشعر القدرة عليه انبعثت، والمال نوع من القدرة يحرّك داعية المعاصي وارتكاب الفجور، فإن اقتحم ما اشتهاه هلك، وإن صبر وقع في شدّة، إذ الصبر مع القدرة أشد و (فتنة السراء أشد من فتنة الضراء) .
النوع الثالث: أنه يجر إلى التنعم في المباحات، وهذا أقلّ الدرجات فمتى يقدر صاحب المال أن يتناول خبز الشعير، ويلبس الثوب الخشن، ويترك لذائذ الأطعمة كما كان يقدر عليه سليمان ﵇ في ملكه، وأحسن أحواله أن يترك التنعّم بالدنيا لما يعلم من سرعة انقضائها لئلا يمرن عليه نفسه، فيصير التنعّم مألوفاً عنده، ومحبوباً إليه لا يصبر عنه، ويجرّه البعض منه إلى البعض، وإذا اشتد أنسه به ربّما لا يقدر على التوصّل إليه بالكسب الحلال، فيقتحم الشبهات، ويخوض في المراءاة، والمداهنة، والكذب، والنفاق، وسائر الأخلاق المردية، لينتظم له أمر دنياه، ويتيسّر له تنعُمُه، فإنَّ من كثر ماله كثرت حاجته إلى الناس، ومن احتاج إلى الناس فلا بدّ أن ينافقهم ويعصي الله في طلب =стр. 120
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = رضاهم، فإن سلم الإنسان من مباشرة المحظورات فلا يسلم عن هذا أصلاً، ومن الحاجة إلى الخلق تثور العداوة والصداقة ويبتني عليه الحسد، والحقد، والرّياء، والكبر، والكذب، والغيبة، والنميمة، وسائر المعاصي التي تخصّ القلب واللسان، ولا يخلو عن التعدي -أيضاً- إلى سائر الجوارح، وكل ذلك يلزم من شؤم المال، والحاجة إلى حفظه وإصلاحه، وهذا لاينفك عنه أحد من أصحاب المال. ثم إنه يلهيه إصلاح ماله عن ذكر الله -تعالى- وكل ما شغل عن ذكر الله فهو خسرانٌ.
ولذلك قال عيسى ﵇: «في المال ثلاث خصال: أن يأخذه من غير حله. فقيل: إن أخذه من حله؟ فقال: يضعه في غير حقه. فقيل: إن وضعه في حقه؟ فقال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله -تعالى-» .
وهذا هو الداء العضال. فإن أصل العبادات ومخّها وسرّها ذكر الله -تعالى- والفكر في جلاله ومصنوعاته، ويحتاج ذلك إلى قلب فارغ، وصاحب الضيعة يمسي ويصبح متفكراً في خصومة الفلاح ومحاسبته، وخصومة الشركاء ومنازعتهم في الماء والحدود، وخصومة أعوان السلطان في الخراج، وخصومة الأجراء في التقصير في العمارة، وخصومة الفلاحين في خيانتهم، وصاحب التجارة يكون متفكراً في خيانة شريكه وانفراده بالربح وتقصيره في العمل، وتضييعه للمال، وكذلك صاحب المواشي، وهكذا سائر أصناف الأموال، وأبعدها عن كثرة الاشتغال النقد المكنوز تحت الأرض، ولا يزال الفكر متردداً فيما يصرف إليه، وفي كيفية حفظه، وفي الخوف ممن يعثر عليه، وفي دفع أطماع الناس عنه، وأودية أفكار أهل الدنيا لا نهاية لها، والّذي معه قوت يومه في سلامة عن جميع ذلك، وما يقاسيه أرباب الأموال في الدنيا من الخوف والحزن، والغمّ والهمّ، والتعب في دفع الحساد، وتجشّم المصاعب في حفظ الأموال وكسبها، فإذا ترياق الأموال أخذ الضرورة من ذلك مما بيّناه فيما تقدّم ما لا غنى عنه لإصلاح البدن، بتوفيره على العبادة، وصرف الزائد إلى الجيران في الخيرات من الصدقات وغيره، وماعداه آفات.
قال أبو عبيدة: يتضح مما مضى أنّ خيرية المال بثمرته، وأنه يراد لغيره ولا يراد لعينه. وقد كشف عن ذلك ابن الجوزي في كلام نقله عنه ابن مفلح الحنبلي في كتابه «الآداب الشرعية» (٣/ ٤٦٩-٤٧٠) ، قال:
«قال ابن الجوزي: وأما التفضيل بين الغني والفقير؛ فظاهر النقل يدل على تفضيل الفقير، ولكن لا بد من تفصيل فنقول: إنما يتصور الشك والخلاف في فقير صابر ليس بحريص بالإضافة إلى غني شاكر ينفق ماله في الخيرات، أو فقير حريص مع غني حريص، إذ لا يخفى أن الفقير القانع أفضل من الغني الحريص، فإن كان الغني متمتعاً بالمال في المباحات فالفقير القنوع أفضل منه. =стр. 121
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكشف الغطاء في هذا إنما يراد لغيره ولا يراد لعينه، ينبغي أن يضاف إلى مقصوده، إذ به يظهر فضله، والدنيا ليست محذورة لعينها بل لكونها عائقة عن الوصول إلى الله -تعالى-، والفقر ليس مطلوباً لعينه لكن لأن فيه فقد العائق عن الله -تعالى- وعدم التشاغل عنه، وكم من غني لا يشغله الغنى عن الله -تعالى- كسليمان ﵇، وكذلك عثمان وعبد الرحمن بن عوف ﵄. وكم من فقير شغله فقره عن المقصود وصرفه عن حب الله -تعالى- والأنس به، وإنما التشاغل له حب الدنيا، إذ لا يجتمع معه حب الله -تعالى-؛ فإن المحب للشيء مشغول به، سواء كان في فراقه أو في وصاله، بل قد يكون شغله في فراقه أكثر، والدنيا مشوقة الغافلين، فالمحروم منها مشغول بطلبها، والقادر عليها مشغول بحفظها والتمتع بها.
وإن أخذت الأمر باعتبار الأكثر، فالفقير عن الخطر أبعد؛ لأن فتنة السراء أشد من فتنة الضراء، ومن العصمة أن لا تجد، ولما كان ذلك في طبع الآدميين إلا القليل منهم جاء الشرع بذم الغنى وفضل الفقر، وذكر كلاماً كثيراً» .
وقال القرطبي في «تفسيره» (٥/٣٤٣) [سورة النساء: ٩٥]-ونقل طرفاً منه ابن مفلح في «الآداب الشرعية» على إثر كلام ابن الجوزي السابق وفات المحققان توثيق النَّصين-:
«وتعلّق بها -أيضاً- من قال: إن الغِنى أفضل من الفقر؛ لذكر الله -تعالى- المال الذي يوصل به إلى صالح الأعمال. وقد اختلف الناس في هذه المسألة مع اتفاقهم أن ما أحوج من الفقر مكروه، وما أبطر من الغِنى مذموم، فذهب قوم إلى تفضيل الغِنى؛ لأن الغنيّ مقتدر والفقير عاجز، والقدرة أفضل من العجز. قال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب النباهة. وذهب آخرون إلى تفضيل الفقر، لأن الفقير تارك، والغني ملابس، وترك الدنيا أفضل من ملابستها، قال الماوردي: وهذا مذهب من غلب عليه حب السلامة، وذهب آخرون إلى تفضيل التوسط بين الأمرين بأن يخرج عن حدّ الفقر إلى أدنى مراتب الغنى ليصل إلى فضيلة الأمرين، وليسلم من مذمة الحالين. قال الماوردي: وهذا مذهب من يرى تفضيل الاعتدال وأن «خير الأمور أوسطها» . ولقدأحسن الشاعر الحكيم حيث قال:
ألا عائذ بالله من عدم الغِنى ... ومن رغبةٍ يوماً إلى غير مرغبِ»
قال أبو عبيدة: وكلام الماوردي في «أدب الدنيا والدين» (ص ١٩٧- ط. الأميرية، سنة ١٣٤٤هـ- ١٩٢٥م) وكلامه من نقل القرطبي السابق: «وقد اختلف الناس ... » إلى آخره بالحرف دون ما يوهمه أنه المعزو له فقط.
وانظر: «سياسة النفوس» لسنان بن قرة (ت ٣٣١هـ) (ص ٥٥- تحقيق عبد الفتاح الغاوي) ، وسيأتيك في التعليق على (ص ١٥٥ وما بعد) تفصيل مطوّل محرّر -إن شاء الله- في التفضيل يؤكد المنوّه به هنا، فانظره فإنه مفيد، والله الموفق للخيرات، والهادي إلى الصالحات.стр. 122
صدور صِلةٍ أو نحوها من الكافر فيه كان حظه فيه ما خُول فيه من صحة ومال وشبههما.
وقد رُوي عن كعب الأحبار قال: «إني لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكلَّلت رأسَ الكافر بالأكاليل، فلا يصدع ولا ينبض منه عرق» (١) .
وفي التنزيل: ﴿وَلَوْلآ (٢) أَن يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ الحواشي
(١) أخرجه هناد في «الزهد» (رقم ٤٢٨) ، وابن أبي الدنيا في «المرض والكفارات» (رقم ١٠٣) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/٣٨١) ، والواحدي في «الوسيط» (٤/٤٨٣) ، وأورده القرطبي في «تفسيره» (١٦/٨٨) .
وظفرت عند ابن جرير في «تهذيب الآثار» (١/ ٣٠٣-٣٠٤ رقم ٥١٥) بجملة أقوال لكعب في موضوع (المال) وبعضها شاهد لما في هذا الأثر، أسند -رحمه الله تعالى- عنه ما نصّه: المؤمن الزّاهد، والمملوك الصالح آمنان من الحساب، وطُوبى لهم، كيف يحفظهم الله في ديارهم!.
وقال كعب: إن الله إذا أحب عبده المؤمن زَوَى عنه الدنيا ليرفعه درجات في الجنة، وإذا أبغض عبده الكافر أو المنافق بسط له في الدُّنيا حتى يسفِّله درجات في النار.
وقال كعب: إن الله -تعالى- يقول لعباده الصابرين الراضين بالفقر: أبشروا ولا تحزنوا، فإن الدنيا لو وَزنت عند الله جناح بعوضةٍ مما لكم عندي، ما أعطيتهم منها شيئاً.
وقال كعب: إذا اشتكى إلى الله عبادُه الفقرَ أو الحاجة، قيل لهم: أبشروا ولا تحزنوا، فإنكم سادة الأغنياء، والسابقون إلى الجنة يوم القيامة.
وقال كعب: كانت الأنبياء بالفقر والبلاء أشد فرحاً منكم بالرخاء، وكان البلاء عليهم مضعفاً، حتى إنْ كان أحدُهم ليَقْتُلُه القملُ، فإذا رأى رخاءً ظن أنه قد أصاب ذنباً.
وقال كعب: من تضعْضَع لصاحب الدنيا والمال تضعضَع دينه، والتمس الفَضْل عند غير المُفْضِل، ولم يصب من الدُّنيا إلا ما كتب الله له، وإن الله ليُبْغِض كل جَمَّاع للمال مَنَّاع للخير مستكْبِر، ويبغض كل حَبْرٍ سمين.
وقال كعب: قال موسى: يا بني إسرائيل! تلبسون ثياب الرهبان، وقلوبكم قلوب الجبارين والذئاب الضواري، فإن أحببتم أن تبلغوا ملكوت السماء، فأميتوا قلوبكم لله.
وانظر: «الحلية» (٦/٥) ، «مدح التواضع» (رقم ٢٢) لابن عساكر.(٢) في المخطوط: «ولا» !!стр. 123
بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مِّن فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٣] ، ومعناها: لولا أن تميل الدنيا بالناس فيصير الخلق كفاراً لأعطى الله الكافرَ في الدنيا غاية ما يتمنى منها، لقلَّتها عنده، ولكنه لم يفعل ذلك لعلمه أن الغالب على الخلق حب العاجلة (١) ، وقال ﷺ : «لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة؛ ما سقى كافراً منها شربة» (٢) . الحواشي
(١) نقل المصنف تفسير الآية من «الوسيط» للواحدي (٤/٧١-٧٢) .(٢) أخرجه أحمد في «الزهد»(١٢٩) ، وابن ماجه(٤١١٠) ، والترمذي(٢٣٢٠) ، والطبراني في «الكبير»(٥٨٢٠) ، والقضاعي في «مسند الشهاب»(١٤٣٩) ، والعقيلي في «الضعفاء» (٣/٤٦) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٣/٢٥٣) ، والحاكم (٤/٣٠٦) ، وابن أبي عاصم في «الزهد» (رقم ١٢٨) ، وابن عدي في «الكامل» (٥/١٩٥٦) ، والبيهقي في «الشعب» (١٠٤٦٥، ١٤٠٦٦) من حديث سهل ابن سعد، وقال الترمذي: «هذا حديث صحيح غريب من هذا الوجه» . وفي إسناده عند الترمذي: عبد الحميد بن سليمان، وهو ضعيف، وتابعه زكريا بن منظور كما عند ابن ماجه، وهو ضعيف -أيضاً-.
وعزاه المصنِّف في «المقاصد الحسنة» (رقم ٨٩٧) للطبراني، والضياء في «المختارة» من حديث سهل، وتكلم على طرقه، وبيان ما فيه، وقال: «ولو صح الحديث لكان متوجّهاً» .
قلت: يريد أنه صحيح باعتبار طرق أخرى، وهو كذلك، منها:
ما أخرجه ابن المبارك في «الزهد»(٥٠٩) عن عثمان بن عبد الله بن رافع أن رجالاً من أصحاب النبي ﷺ حدّثوا أن رسول الله ﷺ قال: ... وذكره، وإسناده لا بأس به في الشواهد.
ومنها: حديث ابن عباس، عند أبي نعيم (٣/٣٠٤ و٨/٢٩٠) بسند فيه الحسن بن عمارة، وهو متروك.
ومنها: مرسل عمرو بن مرة، أخرجه هناد رقم(٨٠٠) ، وإسناده صحيح.
ومنها مرسل الحسن البصري، أخرجه ابن المبارك في «الزهد»(٦٢٠) ، وإسناده حسن.
ومنها حديث ابن عمر، أخرجه القضاعي في «مسند الشهاب» (رقم ١٤٣٩) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٤/٩٢) بسند صحيح غريب.
ومنها حديث أبي هريرة، أخرجه ابن عدي (٦/٢٢٣٥) ، والقضاعي في «مسند الشهاب» (رقم ١٤٤٠) بسند فيه صالح مولى التوأمة.
وأخرجه ابن جرير في «تهذيب الآثار» (١/٢٩٩ رقم ٥٠٤) عن أبي الدرداء قوله، وفيه: «فرعون» ، بدل: «كافر» ، ورجاله ثقات. =стр. 124
وقال -أيضاً-: «إن الله يحمي عبدَه المؤمن الدنيا، كما يحمي أحدُكم مريضَه الطعامَ والشراب» (١) . الحواشي
(١) أخرجه أحمد (٥/٤٢٧) ، وفي «الزهد» له (ص ١١) ، وابن أبي شيبة (١٤/٥٧) ، والترمذي عقب(٢٠٣٦) ، وأبو يعلى(٦٨٦٥) ، والقضاعي في «مسند الشهاب»(١٣٩٧) ، وابن حبان(٦٦٩) ، وابن جرير في «تهذيب الآثار» (رقم ٤٨٣) ، والطبراني في «الكبير» (١٩/١٧) ، والحاكم (٤/٢٠٧) ، والبغوي في «شرح السنة»(٤٠٦٥) ، والبيهقي في «الشعب»(١٠٤٥٠) من حديث محمود بن لبيد، مرفوعاً، وإسناده قوي.
وأخرجه -أيضاً- البخاري في «التاريخ الكبير» (٧/١٨٥) ، والترمذي(٢١٠٧) ، وعبد الله بن أحمد في «زوائد الزهد» (ص ١١) ، وابن حبان(٦٦٨) ، وابن أبي الدنيا في «ذم الدنيا»(٣٨) ، وابن جرير في «تهذيب الآثار» (رقم ٤٨٣) ، والطبراني في «الكبير» (١٩/١٧) ، والحاكم (٤/٢٠٧، ٣٠٩) ، والبيهقي في «الشعب»(١٠٤٤٨) ، وابن الأثير في «أسد الغابة» (٤/٥٢) من حديث محمود بن لبيد، عن قتادة بن النعمان.
وقال الترمذي عقبه: «هذا حديث حسن غريب، وقد روي هذا الحديث عن محمود بن لبيد، عن النبي ﷺ ، مرسلاً» . وقال الحاكم: «والإسنادان عندي صحيحان» .
وأخرجه القضاعي في «مسند الشهاب»(١٣٩٧) ، والطبراني في «الكبير»(٤٢٩٦) ، وابن جرير في «تهذيب الآثار» (١/٢٨٨ رقم ٤٨٤) ، والبيهقي في «الشعب»(١٠٤٤٩) من حديث محمود بن لبيد، عن رافع بن خديج، وإسناده ضعيف.
وأخرجه الحاكم (٤/٢٠٨) عن محمود بن لبيد، عن أبي سعيد الخدري، مرفوعاً.
وأخرجه أبو يعلى(٦٨٦٥) -ومن طريقه ابن الأثير في «أسد الغابة» (٤/٥٢) - عن محمود ابن لبيد، عن عقبة بن رافع، وإسناده ضعيف، فيه ابن لهيعة.
وصح لفظه عن حذيفة قوله -أيضاً-، أخرجه هناد في «الزهد»(٥٩٣) ، وأبو نعيم في «الحلية» (١/٢٧٦، ٢٧٦-٢٧٧) .
وبعضهم رفعه. أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذم الدنيا» (رقم ٢١٠) .
وانظر: «مجمع الزوائد» (١٠/٢٨٥) ، و «العلل» (٢/١٠٨) لابن أبي حاتم، وقال المصنف في «الأجوبة المرضية» (٢/٧٤٢) : «وثبت من طرق ... » وذكره.стр. 125
وقال -أيضاً-: «يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء بمَ أخذ المال، أمِن حلالٍ أم من حرام» (١) .
وإلى قريب من هذا الجواب أشار شيخُنا ﵀ فإنه قال في «فتح الباري» : «فإن قيل كيف دعا لأنس وهو خادمه بما كرهه لغيره، فيحتمل أن يكون مع دعائه له بذلك قرنه بأن لا يناله من قِبَل ذلك ضررٌ؛ لأن المعنى في كراهية اجتماع كثرة المال والولد إنما هو لما يُخشى في ذلك من الفتنة بهما، والفتنة لا تُؤمن معها الهلكة» ، انتهى كلام شيخِنا (٢) .
ويتأيّد بقول أنس ﵁: «أنه ﷺ ما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا له به» .
وإلى الفرق بين المالين الذين أحدهما وبالٌ، والآخر نوالٌ؛ أشار ﷺ بقوله: «إن المكثرين هم الأقلون يوم القيامة» . وفي رواية: «هم الأخسرون» (٣) . الحواشي
(١) أخرجه بنحوه: أحمد (٢/٤٣٥) ، والدارمي(٢٥٣٦) ، والبخاري(٢٠٥٩) ، والنسائي (٧/٢٤٣) ، والمروزي في «السنة»(٢١٤) ، وابن حبان(٦٧٢٦) ، والبيهقي (٥/٢٦٤) ، وفي «الدلائل» (٦/٥٣٥) ، وفي «الشعب»(٥٥٦٦) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (١٢/٣٢٧) ، والبغوي في «شرح السنة»(٢٠٣٣) من حديث أبي هريرة.(٢) انظر: «فتح الباري» (١١/١٣٨) .(٣) أخرجه الدارمي(١٦١٩) ، وأحمد (٥/١٥٢، ١٥٧، ١٦٦) ، وابن أبي شيبة ١٣/٢٤٤، والبخاري(١٤٦٠) ، ومسلم(٩٩٠) ، والنسائي في «الكبرى» (١٠٩٥٨- ١٠٩٦٤) ، وابن ماجه(٤١٣٠) ، ووكيع في «الزهد»(١٦٦) ، والطيالسي(٤٤٤) ، وابن منده في «الإيمان» (١/٢٢٢- ٢٢٣) ، والبزار في «مسنده» (٣٩٧٥- ٣٩٧٧، ٣٩٩٣، ٤٠٧١) ، وابن خزيمة(٢٢٥١) ، وابن حبان(٣٣٣١) ، وابن جرير في «تهذيب الآثار» (رقم ٣٩٥- ٤٠٧) ، والطبراني في «الأوسط»(٤٠٤٩) ، وابن بشران في «الأمالي» (رقم ١٣٦) ، والبيهقي (٤/٩٧، و١٠/١٨٩) ، والكلاباذي في «معاني الأخبار» (ص ٣٣٠) ، من حديث أبي ذرّ بلفظ: «الأكثرون هم الأسفلون يوم القيامة، إلا مَن قال بالمال: هكذا وهكذا وهكذا» .
وفي الباب عن أبي هريرة عند: أحمد (٢/٣٠٩، ٣٤٠، ٣٥٨، ٣٩١، ٣٩٩، ٥٢٥) ، وابن ماجه(٤١٣١) ، وهناد(٦٠٨) . =стр. 126
وفي لفظٍ: «هلك المُثْرُون إلا من قال بالمال هكذا وهكذا -فحثى بين يديه وعن يمينه وعن شماله- وقليلٌ ما هم» (١) .
وإلى هذا الفرق أشار القاضي عياض في «الشفا» (٢) ، فإنه عقد فصلاً (٣) لما يختلف الحالان في المدح به، والتفاخر بسببه، والتفضيل لأجله، ومثّل لذلك بكثرة المال، وقال: «فصاحبه على الجملة معظّم عند العامة لاعتقادها تَوَصُّلَه به إلى حاجته، وتمكن أغراضه بسببه، وإلا فليس فضيلةً في نفسه» .
فمتى كان المال بهذه الصورة، وصاحبه منفقاً له في مهمّاته، ومهمَّات من اعتراه وأمّله، وتصريفه في مواضعه، مشترياً به المعالي، والثناء الحسن، والمنزلة من القلوب، كان فضيلةً في صاحبه عند أهل الدنيا.
وإذا صرفه في وجوه البرِّ، وأنفقه في سُبُل الخير، وقصد بذلك الله -تعالى- والدار الآخرة، كان فضيلة [في صاحبِه] (٤) عند الكلّ بكل حالٍ.
ومتى كان صاحبه ممسكاً له، غير موجّهه وجوهه، حريصاً على جمعه؛ عاد الحواشي
(٣٢١٧) ، وهناد في «الزهد»(٦٠٩) .
وانظر: «العلل» للدارقطني (٦/٢٣٩-٢٤١) .(١) أخرجه أحمد (٣/٣١ و٥٢) ، وعبد بن حميد(٨٨٨) ، وابن ماجه -مختصراً-(٤١٢٩) ، وأبو يعلى(١٠٨٣) ، وهناد في «الزهد»(٦٠٩) من حديث أبي سعيد الخدري، وفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف.
ويشهد له ما عند أحمد (٢/٣٠٩، ٥٢٥) من حديث أبي هريرة. والحديث حسن بهذا الشاهد، قاله شيخنا الألباني -رحمه الله تعالى- في «السلسلة الصحيحة»(٢٤١٢) .(٢) انظر: «الشفا» (ص ١١٠- ط. ابن رجب و١/٢٠١- ط. الفارابي و١/٢١٦- شرح القاري و١/٤٦٨- شرح الخفاجي) .(٣) هو (الفصل التاسع) وعنونه بـ: (ما يتعلّق بالمال والمتاع) .(٤) ما بين المعقوفتين ساقط من «الشفا» بطبعاته وشروحه، وأثبته ناسخ الأصل في الهامش، وبعده (صح) ، ولم يشر شراحه إلى وجوده في بعض النسخ، كعادتهم.стр. 127
كثره كالعدم (١) ، وكان منقصةً في صاحبه، ولم يقف به على جَدَد السَّلامة (٢) ،
بل أوقعه في هُوَّة (٣) رذيلة البُخل، ومذمة النَّذالة. الحواشي
(١) كذا في طبعة ابن رجب والشروح، قال القاري: «كثره: بضم الكاف وتكسر، أي: رجع كثيره، وفي نسخة: كثرته -بفتح الكاف وتكسر- وأما قول التلمساني: ويصح بفتح الكاف والراء، وضم الثاء، فلا يصح. (كالعدم) بمنزلة يسيره، أو مشبَّهاً بعدمه، حيث لم ينتفع به، فيكون كمن لا مال له» . وقال: «يعني: إن المال الذي لم ينفقه ولم يتصدق به قد تساوى فيه مع غيره ممن لا مال بيده، إذ لا فائدة في عين المال، بل فيه الوبال في المآل» .
قلت: لأنّ صاحبه بمثابة الخازن لغيره، الحارس لنعمته، يستعجل الفقر الذي هرب منه، ويفوته الغنى الذي طلبه، فيعيش عيش الفقراء، ويحاسب عليه حساب الأغنياء.
يفني البخيل بجمع المال مدته ... وللحوادث والوارث ما يدعُ
كدودة القزِّ ما تبنيه يهلكها ... وغيرها بالذي تبنيه ينتفعُ
أفاده الخفاجي في «نسيم الرياض» (١/٤٧٠) .(٢) أي: لم يحصل له ما يسلم به من النقص والوبال والذم، و (الجَدَد) -بفتح الجيم ودالين مهملتين، أولاهما مفتوحة-: وهي الأرض الصلبة.
وفي المثل: (من ملك الجدد أمن العشار) ، فالمراد به الطريق المسلوكة، وهكذا هو مضبوط في النسخ، وارتضاه البرهان -رحمه الله تعالى-، فمن قال أنه وهم؛ فقد وهم، وأما ضبط بعضهم له بضم الجيم والدال على أنه جمع جديد؛ فلا وجه له، وفي بعض الحواشي: أنه بضم الجيم وفتح الدال على أنه جمع جدّة كمدة ومدد؛ أي: طرق، ومنه قوله -تعالى-: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ﴾ [فاطر: ٢٧] ؛ أي: طريق، وهو صحيح -أيضاً-، ومنه: ركب فلان جده في الأمر؛ أي: رأى فيه رأياً ظاهراً، ولم يقف على أمر يوصله للسلامة، وهو عدم الجمع، أو صرف ما جمعه في مصارفه، فعدل عن طريق السلامة، فهلك.(٣) (في هوة) بضم الهاء، وتشديد الواو، وهي: الأهوية بالحفرة العميقة، وهو مضاف لقوله: (رذيلة البخل) ؛ أي: أوقعه في وهدة دنائته وخسته التي حفرها لنفسه، وفيه استعارة مكنية وتخييلية، فشبه السماحة بطريق يسلم سالكها، ويأمن من كل عثرة، وشبه ضده بحفرة يقع فيها من أتاها. من «نسيم الرياض» (١/٤٧١) .
قلت: والمثل (من ملك الجدد ... ) : من كلام أكثم بن صيفي في خطبة بديعة له لبني تميم، أوردها ابن حمدون في «تذكرته» (٣/٣٤٣) ، وهي في «البصائر والذخائر» (١/١٥٤) ، «نثر الدر» (٦/٣٩١) .стр. 128
فإذاً التمدح بالمال وفضيلته عند مفضِّليه ليست لنفسه، وإنما هو للتوصل به إلى غيره، وتصريفه (١) في متصرفاته، فجامعه إذا لم يضعه مواضعَه، ولا وجّهه وجوهه غير مليء (٢) بالحقيقة، ولا غني بالغنى (٣) ، ولا مُتَمدَّحٍ (٤) عند أحدٍ من العقلاء، بل هو فقير أبداً (٥) ، غير واصل إلى غرضٍ من أغراضه، إذ ما بيده من المال الموصِّل إليها (٦) لم يسلَّط عليه، فأشبه خازنَ مالِ غيرِه ولا مال له، فكأنه ليس في يده منه شيء (٧) ،
والمنفق مليءٌ غنيٌّ بتحصيله فوائدَ المال، وإن لم يبقَ في يده من المال شيء» (٨) . الحواشي
(١) تحرفت في ط الفارابي إلى: «وتعريفه» !(٢) أي: غير غني، أو: غير ثقة.(٣) كذا أثبتها الناسخ، وصوابه: «بالمعنى» ، وكذا في جميع النسخ والشروح، والمراد: أنه غني بمجرد الصورة والمبنى لا المعنى، فكأنه فاقد لا واجد.(٤) كذا في الأصل وشرح الخفاجي «نسيم الرياض» (١/٤٧١) وقال: «بفتح الدال» وفي سائرها: «ممتدح» ، قال القاري (١/٢١٧) : «وفي نسخة: ولا متمدح، أي: ولا ممدوح» .(٥) على حد قول المتنبي:
ومن ينفق الساعات في جمع ماله ... مخافة فقر فالذي فَعَلَ الفقرُ(٦) بتشديد الصاد أو تخفيفها، مع الكسر، وعندهما: «لها» ، وأفاد القاري: أنه في نسخة، كما هو مثبت.(٧) كما قيل:
إذا كنت جماعاً لمالك ممسكاً ... فأنت عليه خازن وأمينُ
تؤدّيه مذموماً إلى غير حامد ... فيأكله عفواً وأنت دفينُ
ولمحمود الوراق:
تمتع بمالك قبل الممات ... وإلا فلا مال إن أنتَ متا
شقيتَ به ثم خلفته ... لغيرك بُعداً وسُحقاً ومقتا
فجادوا عليك بزور البكاء ... وجدتَ عليهم بما قد جمعتا
وأرهنتهم كل ما في يديكا ... وخلُّوك رهناً بما قد كسبتا(٨) هذا كله توطئة لبيان أمر النبي ﷺ بالنسبة للمال عدماً ووجوداً.стр. 129
قال: «وانظر (١) سيرة نبينا ﷺ وخُلقه في المال تجده قد أوتي خزائنَ الأرض ومفاتيح البلاد وأُحلّت له الغنائم، ولم تحل لنبيٍّ قبله، وفتح عليه في حياته ﷺ بلاد الحجاز واليمن وجميع جزيرة العرب، وما دانى ذلك من الشام والعراق (٢) ، وجُلِب (٣) إليه من أخماسها، وجِزيتِها، وصدقاتها، ما لا يُجبى للملوك إلا بعضه، وهادته (٤) جماعةٌ من ملوك الأقاليم، فما استأثر بشيءٍ منه، ولا أمسك منه درهماً، بل صرفه مَصَارفَه، وأغنى به غيرَه، وقوّى به المسلمين، وقال: «ما يسرّني أنّ لي أُحُداً ذهباً يبيت عندي منه دينارٌ، إلا ديناراً أرصِده لدَيْنٍ» (٥) ، انتهى، والله الموفق.
وأيضاً فالناس مُختلفون، فمنهم من تُصلِحه الدنيا ويصلُح عليها، ولا يزدادُ بها إلا فضلاً وتواضعاً، كما نشاهده في أفرادٍ.
وقد كان قيس بن سعد الأنصاري ﵄ يقول: اللهم ارزقني مالاً وفِعالاً، فإنه لا يَصلح المالُ إلا بالفِعال، ولا الفِعالُ إلا بالمال، اللهم إنه لا الحواشي
(١) كذا في الأصل، وفي جميع النسخ والشروح: «فانظر» .(٢) اليمن فتحها علي -رضي الله تعالى عنه- في سنة عشر من الهجرة، والشام فتح منها دومة الجندل فتحها عبد الرحمن، والعراق فتح منها البحرين، وقدم أهلها على النبي ﷺ على ما فصل في السير والتواريخ، ومن لم يقف على هذا قال: إنها إنما فتحت في زمن أبي بكر -رضي الله تعالى عنه-، لكن النبي ﷺ أوتي مفاتيحها ووعد بفتحها، وذكرت في غير ما حديث، بينتُ ذلك بتطويل في دراسة مفردة لي عن (العراق وأحاديث الفتن) ، وستنشر -إن شاء الله تعالى- قريباً.(٣) كذا في الأصل، وفي سائر النسخ والشروح: «وجلبت» .(٤) أي: أهدت إليه ﷺ ، وليس المراد المفاعلة، وفي نسخة «وهادته» فيما أفاد القاري.(٥) أخرجه بنحوه الطيالسي(٢٣٧٢) ، وهناد في «الزهد» (رقم ٦٢٨) ، وأحمد في «مسنده» (٢/ ٢٥٦ و٣٤٩) ، والبخاري (٢٣٨٩، ٦٤٤٥، ٧٢٢٨) ، وفي «التاريخ الكبير» (١/٢٥٥) ، ومسلم(٩٩١) ، وابن ماجه(٤١٣٢) ، وابن حبان(٦٣٥٠) ، وابن جرير في «تهذيب الآثار» (رقم ٤٠٨، ٤١٢، ٤١٣، ٤١٤، ٤٣٤) ، والبيهقي في «الشعب»(١٠٤٣٢) ، وفي «الدلائل» (١/٣٣٨) من حديث أبي هريرة.
وادخار المال لقضاء الدَّين إحسان إلى الغريم بإعداد حقه، قاله العز في «شجرة المعارف والأحوال» (ص ٢٤٧) .стр. 130
يصلحني القليل، ولا أصلح عليه (١) ،
وكذا هو الذي قال فيه ﷺ : «إن الجود من شيمةِ أهل ذلك البيت» (٢) . الحواشي
(١) أخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٤/ق٤٥٦-٤٥٧) من طريق الدينوري في «المجالسة» (رقم٢٢١٠) قال: ثنا ابن أبي الدنيا: نا محمد بن سلام قال: كان قيس ... وذكره.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (رقم ٥٤) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٧/ق١٢٤) - حدثنا عبد الرحمن بن صالح العجلي، وأبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (رقم١٠٨٥) -ومن طريقه ابن عساكر في «تاريخه» (٧/ق ١٢٥ أو ٢٠/٢٦٤- ط. دار الفكر) -؛ كلاهما عن أبي أسامة -وهو حماد بن أسامة- عن هشام بن عروة، عن أبيه: أن سعد بن عبادة كان يدعو ... وذكره.
وأخرجه الطبراني في «مكارم الأخلاق» (رقم ١٧٦) .
وأخرجه من طرق عن أبي أسامة به: ابن أبي الدنيا في «قرى الضيف» (رقم ٢١) ، والدارقطني في «المستجاد من فعلات الأجواد» (رقم ٤١، ٤٣) ، وابن سعد في «الطبقات الكبرى» (٣/٦١٤) ، والحاكم في «المستدرك» (٣/٢٥٣) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٧/ق ١٢٤ أو ٢٠/١٢٥، ٢٦٣- ط. دار الفكر) .
وإسناده ضعيف؛ لأنه منقطع، عروة لم يدرك سعداً، فإن عروة ولد في أوائل خلافة عمر.
وأخرجه ابن حبان في «روضة العقلاء» (٢٦٢- ٢٦٣) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه ... وذكره.
وأخرجه الدارقطني في «المستجاد» (رقم٤٢) عن أحمد بن بشير مولى عمرو بن حُريث: نا هشام، به.
وأخرجه ابن أبي الدنيا في «إصلاح المال» (رقم ٥٣) ، و «قرى الضيف» (رقم ٢١) ، وأبو بكر الشافعي في «الغيلانيات» (رقم ١٠٨٧) -ومن طريقه الدارقطني في «المستجاد» (رقم ٤٤) -، عن عيسى بن يونس، عن الأوزاعي، عن يحيى -وهو ابن أبي كثير-، به.
وإسناده ضعيف؛ لأنه مرسل.
والخبر في: «البيان والتبيين» (٢/١٤٧و٣/٢٨٤ و٤/٧٧- ٧٨) ، «العقد الفريد» (٢/٣٣٦) ، و «التهذيب» (٣/٤٧٥) ، و «الإصابة» (٢/٣٠) .(٢) ساقه المصنف في كتابه: «الجواهر المجموعة» (ص ٧٨- ٨٠ رقم ١٤٩، ١٥٠) مطولاً، قال: =стр. 131
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(١) = وكان قيس بن سعد بن عبادة في سرية الخبط مع أبي عبيدة بن الجراح ﵃، فحصل لهم جَهد، فنحر لهم قيسٌ تسع ركائب!
فقال رسول الله ﷺ : «إن الجود لمن شيم ذلك البيت» ، ثم قال:
«وروينا هذه القصة مطوَّلة، ولفظها: بعث رسول الله ﷺ أبا عبيدة بن الجراح في سرية فيها المهاجرون والأنصار، وهم ثلاث مئة رجل إلى ساحل البحر، إلى حي من جهينة، فأصابهم جوع شديد، فقال قيس بن سعد: من يشتري مني تمراً بجُزُرٍ يوفيني الجزر ها هنا وأوفيه التمر بالمدينة؟ فجعل عمر يقول: واعجباه لهذا الغلام! لا مال له يدين في مال غيره. فوجد رجلاً من جهينة، فقال قيس: بعني جَزوراً أوفيك وسقةً من تمرٍ بالمدينة. فقال الجهني: والله ما أعرفك، فمن أنت؟ فقال: أنا سعد بن عبادة بن دُليم. فقال الجهني: ما أعرفني بنسبك! وذكر كلاماً.
فابتاع منه خمسَ جزائر، كُل جَزورٍ بوَسقٍ من تمرٍ، يشترط عليه البدويُّ تمر ذَخرةٍ مصلَّبة من تمر آل دُليم، يقول قيس: نعم.
قال: فأشهد لي. فأشهد له نفراً من الأنصار، ومعهم نفر من المهاجرين.
قال قيس: أَشْهِدُ من تُحب.
وكان فيمن أشهد عمر بن الخطاب ﵁، فقال عمر: ما أشهدُ بهذا، يدين ولا مال له، إنما المال لأبيه.
فقال الجهني: والله ما كان سعد ليحبسنَّ ابنه في وسقةٍ من تمر وأرى وجهاً حسناً، وفعالاً شريفاً.
فكان بين عمر وقيس كلام، حتى أغلظ لقيس. وأخذ الجُزر، فنحرها لهم في مواطن ثلاثة، كلَّ يوم جزوراً. فلما كان اليومُ الرابع نهاه أميره، قال: أتريد أن تخفر ذمَّتك ولا مال لك؟
فقال قيس: يا أبا عبيدة، أترى أبا ثابت يقضي ديون الناس ويحمل الكل ويطعم في المجاعة ولا يقضي عني وسقةً من تمرٍ لقومٍ مجاهدين في سبيل الله ؟
فكاد أبو عبيدة أن يلين له، وجعل عمر يقول: اعزم، فعزم عليه، فأبى أن ينحر. وبقيت جزوران، فقدم بهما قيس المدينة ظهراً يتعاقبون عليها. وبلغ سعداً ما أصاب القوم من المجاعة، فقال: إن يكن قيس كما أعرف فسينحر للقوم.
فلما قدم قيس لقيه سعد فقال: ما صنعت في مجاعة القوم؟ قال: نحرت. قال: أصبت. قال ثم ماذا؟ قال: نحرتُ، قال: أصبت، قال: ثم ماذا؟ قال: نحرت. قال: أصبت، ثم ماذا؟ قال: نُهيت. قال: من نهاك؟ قال: أبو عبيدة أميري. قال: ولم؟ قال: زعم أنه لا مال لي، وإنما المال لأبيك. فقلت: أبي =стр. 132
ويُروى عن الحسن والحسين أنهما قالا لعبد الله بن جعفر ﵃: إنك قد أسرفت في بذل المال. فقال: بأبي أنتما وأمي، إن الله قد عودني أن يتفضّل عليَّ وعوّدتُه أن أتفضّل على عباده، فأخاف أن أقطعَ العادةَ فيقطع عني (١) .
وقال المأمون لمحمد بن عباد المهلبي: أنت مِتلافٌ، فقال: مَنعُ الجودِ سوءُ الظنِّ بالمعبود (٢) . الحواشي
(١) أخرجه البيهقي في «الشعب» (٧/٤٣٧ رقم ١٠٨٨٤) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٢٧/٢٩٢) .(٢) الخبر ذكره الغزالي في «الإحياء» (٨/١٩٠- مع «الإتحاف» ) ، والقلعي في «تهذيب الرياسة»(٣٧٢) ، والجهشياري في «الوزراء والكتاب» (ص ٢١٥) ، والنويري في «نهاية الأرب» (٣/٢٠٥) ، والتنوخي في «المستجاد» (رقم ٩٧- بتحقيقي) . =стр. 133
وقال أكثم بن صيفي -حكيم العرب-: «ذلِّلوا أخلاقَكم للمطالِب، وقودوها للمحامل (١) وعلّموها المكارم، ولا تقيموا على خُلق تَذُمُّونه من غيركم، وصِلوا من الحواشي
(٣٥) ، و «محاضرات الراغب» (١/٥٨٦) ، و «غرر الخصائص»(٢٨٤) ، و «كتَّاب بغداد»(٥١) .
وورد القول «منع الموجود سوء ظن بالمعبود» من قول جعفر، وفي «محاضرات الراغب» (١/٧٥٠) حديث نبوي!! وفي «غرر الخصائص»(٢٨٤) ، و «التمثيل والمحاضرة»(٤٤٠) ، و «الفصول المهمة» (١/١١٣) من قول علي ﵁، وهكذا كتب الأدب، الأخبار فيها مضطربة، والآثار مع الأحاديث متداخلة، وما اعتنيت ببعضها إلا بسبب هذا الأمر، وينبغي للفطن والحريص على دينه أن يحسن الأخذ منها، مع التنبّه والتيقّظ والتحفظ، فلمشارب أصحابها أثر بارز في الغلو والمدح والقدح، فليكن ذلك على بالك، والله الهادي.(١) كذا في الأصل، وفي «العقد الفريد» : «للمحامد» .стр. 134
رغِب إليكم وتحلّوا بالجود يُلبسكم (١) المحبة، ولا تعتقدوا البخل فَتَسْتَعجلوا (٢) الفقرَ» (٣) .
ومنهم دنيء الأصل رديء الطباع، واثق بما في يديه، فهذا لا يُصلحُه المال، ولا يصلح عليه.
ولذلك لما سأل ثعلبةُ بن حاطبٍ- وليس هو بالبدري، إنْ صحَّ الحديث- رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله! ادعُ الله أن يرزقني مالاً، قال له رسولُ الله ﷺ : «ويحك يا ثعلبةُ! أما تحبُّ أن تكون مثلي، فلو شئتُ أن يُسيّر ربي معي هذه الجبال ذهباً لسارت» . فقال: ادع الله أن يرزقني مالاً، فوالذي بعثك بالحق لئن رزقني مالاً لأعطينَّ كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، قال: «ويحك يا ثعلبة! قليلٌ تطيق شكرَه، خيرٌ من كثيرٍ لا تؤدي حقّه» . أو قال: لا تطيقه-. فقال: يا نبي الله! ادع الله أن يرزقني مالاً، فقال: «اللهم ارزقه مالاً» . قال: فاتخذ غنماً فبورك له فيها، ونمت حتى ضاقت به المدينة، فتنحَّى بها، وكان يشهد مع النبيِّ ﷺ بالنهار، ولا يشهد صلاة الليل، ثم نمَت، وكان لا يشهد إلا من الجمعة إلى الجمعة، ثم نمَت، فكان لا يشهد جمعة ولا جماعة. الحواشي
(١) كذا في الأصل، وفي «العقد الفريد» : «يكسبكم» .(٢) كذا في الأصل، وفي «العقد الفريد» : «فتتعجَّلوا» .(٣) نعت الجاحظ في «البيان والتبيين» (١/٣٦٥) (أكثماً) بأنه: «من الخطباء البلغاء، والحكّام الرؤساء» .
قلت: وهو أحد المعمّرين، أدرك الإسلام، وذهب في قومه إلى المدينة ليسلم، لكنه مات في الطريق، له ترجمة في «الإصابة» (١/١١٠) ، «المعمرين»(١٤) ، «الوافي بالوفيات» (٩/١٩٩) .
والخبر المذكور موجود في «العقد الفريد» (١/١٨٩- ط. دار الكتب العلمية) ، وقال:
«أخذه الشاعر، فقال:
أَمِنْ خَوْفِ فَقْرٍ تعجَّلْتَه ... وأخَّرْتَ إنفاقَ ما تَجْمعُ
فَصِرْتَ الفقيرَ وأنتَ الغَنِيُّ ... وما كنتَ تَعْدو الذي تَصنعُ»стр. 135
فقال النبي ﷺ : «ويح ثعلبة بن حاطب» . ثم إنه أمر النبيُّ ﷺ أن يأخذ الصدقة، فبعث رجلين فمرّا على ثعلبة، فقالا: الصدقة، فقال: ما هذا إلا جزية، فقدما المدينة، فلما رآهما النبي ﷺ قال -قبل أن يكلماه-: «ويحَ ثعلبة بن حاطب» . قال: فأنزل الله في ثعلبة: ﴿وَمِنْهُمْ مَّنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الآية [التوبة: ٧٥] . أخرجه الطبراني والبيهقي في «الدلائل» و «الشعب» ، وابن أبي حاتم، والطبري، وابن مردويه، والباوردي، وابن السكن وابن شاهين، والعسكري، وآخرون من حديث علي بن يزيد، عن القاسم أبي عبد الرحمن، عن أبي أمامةَ الباهلي ﵁، وسنده ضعيف جدّاً (١) . الحواشي
(١) أخرجه ابن أبي عاصم في «الآحاد والمثاني» (٤/٢٥٠) ، والطبري في «تفسيره» (١٠/١٨٩) ، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (٦/١٨٤٧-١٨٤٩ رقم ١٠٤٠٨) ، والطبراني في «الكبير»(٧٨٧٣) ، والبغوي في «معالم التنزيل» (٣/٨٤-٨٥) ، وأبو نعيم في «معرفة الصحابة» (١/٤٩٤ رقم ١٤٠٢) ، والواحدي في «الوسيط» (٢/٥١٣-٥١٤) ، و «أسباب النزول» (ص ٢٥٢) ، والبيهقي في «الدلائل» (٥/٢٨٠، ٢٩٠) ، وابن عساكر في «تاريخ دمشق» (١٢/٩) ، وعلقه الثعلبي في «الكشف والبيان» (٥/٧١-٧٢) من طريق معان بن رفاعة، عن علي بن يزيد الألهاني، عن القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أمامة، رفعه.
وإسناده ضعيف جدّاً، كما قال المصنف ﵀.
فيه معان بن رفاعة: لين الحديث، يكتب حديثه ولا يحتج به. وعلي بن يزيد الألهاني: قال البخاري: منكر الحديث. وقال النسائي: ليس بالثقة. وقال أبو زرعة: ليس بقوي. وقال الدارقطني: متروك.
والقاسم بن عبد الرحمن أبو عبد الرحمن: قال الإمام أحمد: روى عنه علي بن يزيد أعاجيب، وما أراها إلا من قِبَل القاسم. وقال الأثرم: ذكر لأبي عبد الله حديث عن القاسم الشامي عن أبي أمامة: أن الدباغ طهور؛ فأنكره وحمل على القاسم. وقال ابن حبان: كان القاسم أبو عبد الرحمن يزعم أنه لقي أربعين بدرياً، كان ممن يروي عن أصحاب رسول الله ﷺ المعضلات، ويأتي عن الثقات بالمقلوبات، حتى يسبق إلى القلب أنه كان المتعمد لها. قال الذهبي: قد وثقه ابن معين من وجوه عنه. وقال الجوزجاني: كان خياراً فاضلاً، أدرك أربعين من المهاجرين والأنصار. وقال الترمذي: ثقة. وقال يعقوب بن شيبة: منهم من يضعفه. =стр. 136
ويؤيد كون الناس مختلفين ما يُروى عن عمرَ، وأنسٍ، وغيرهما من الصحابة -رضوان الله عليهم-، عن النبي ﷺ أنه قال: «يقول الله : إن من عِبادي من لا يصلح إيمانُه إلا بالغنى، ولو أفقرته لأفسده ذلك، وإن من عبادي من لا يصلح إيمانه إلا بالفقر، ولو أغنيته لأفسده ذلك» (١)
الحديث. الحواشي
(١) أخرجه ابن أبي الدنيا مطولاً في أول كتابه «الأولياء» رقم(١) ، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٢/٢٣٢) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٨/٣١٩) ، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/٣١) من طريق أبي عبد الملك الخشني بن يحيى، عن صدقة، عن هشام الكناني عن أنس، رفعه، وإسناده ضعيف جدّاً.
أبو عبد الملك الخشني اسمه: الحسن بن يحيى، قال ابن الجوزي عقب الحديث عنه -وسمّاه-: «قال يحيى بن معين: ليس بشيء» . وقال الدارقطني: «متروك، وصدقة فمجروح» .
ورواه الخشنيُّ به، وقال في أوله:
«قال الله ﵎: من أهان لي وليّاً ... » ، وفيه مثل اللفظ السابق.
أخرجه البيهقي في «الأسماء والصفات» (ص ١٢١) ، وأبو صالح الحربي في «الفوائد العوالي» (ق ١٧/٢) ، والبغوي في «شرح السنة» (٥/٢٣) ، وأبو بكر الكلاباذي في «مفتاح المعاني» =стр. 137
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الحواشي
(٦٠٩) مختصراً، وقال: «لا يرو هذا الحديث عن عبد الكريم إلا صدقة، تفرد به عمر» .
ولم يعزه في «المجمع» (١٠/٢٧٠) من حديث أنس إلا للطبراني في «الأوسط» .
وعزو ابن حجر له إلى أبي يعلى، والبزار؛ فيه نظر، فالذي عند أبي يعلى حديث ميمونة، وليس فيه هذا اللفظ.
وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» (٧/٩٥) من طريق سلامة بن بشر -وهو صدوق-: نا صدقة، عن إبراهيم بن أبي كريمة، عن هشام الكناني، عن أنس، بنحوه.
وإبراهيم هذا، ترجمه ابن عساكر، وأورد الحديث في ترجمته، واقتصر على قوله:
«حدث عن هشام الكناني، روى عن صدقة بن عبد الله السمين» ، وقال على إثر الحديث:
«رواه الحسن بن يحيى الخشني البلاطي، عن صدقة، عن هشام، ولم يذكر فيه (إبراهيم بن أبي كريمة) » .
قلت: فهو مجهول. =стр. 138
وفي لفظٍ في حديث أوّله: «من عادى لي ولياً ... » : «يقول الله : وربما سألني وليي المؤمن الغنى فأصرفه عنه إلى الفقر، ولو صرفته إلى الغنى كان
الحواشي
(٨٠٩٨) من حديث عمر -أيضاً-.
وإسناده ضعيف، فيه يحيى بن عيسى النَّهشليّ الفاخوري الجرَّار الرَّمليّ، قال ابن معين في «تاريخ الدوري» (٢/٦٥١) : «ليس بشيء» ، وقال ابن حبان في «المجروحين» (٣/١٢٦- ١٢٧) : «كان ممن ساء حفظه، وكثر وهمُه، حتى جعل يخالف الأثبات فيما يروي عن الثقات، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به» .
وقال ابن عدي في «الكامل» (٧/٢٦٧٣) : «عامة رواياته مما لا يتابع عليه» واللذان دونه، قال شيخنا الألباني في «السلسلة الضعيفة»(١٧٧٤) عنهما: «لم أجد من ترجمهما» .
وعلَّق الكلاباذي (ت ٣٨٤هـ) في «بحر الفوائد» المشهور بـ «معاني الأخبار» (ص ٣٨٢- ٣٨٣) على الحديث، ففصل ما أجمله المصنف لما قال: «ويؤيّد كون الناس مختلفين» ، فقال:
«وقوله: «إن من عبادي المؤمنين من لا يصلح إيمانه إلا الغنى، لو أفقرته لأفسده ذلك» هذا
-أيضاً- من نصيحته له، وذلك أن الله -تعالى- إنما أحب المؤمن لإيمانه؛ لأنه لما أحبه كتب في قلبه الإيمان، وحببه إليه، وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان، فهو يصرفه عما يخل بإيمانه؛ لئلا يخرج في حبه إياه شيء، وقد خلق الله عباده على طبائع مختلفة وأوصاف متفاوتة، فمنهم القوي، ومنهم الضعيف، ومنهم الرقيق، ومنهم الكثيف، ومنهم الوضيع، ومنهم الشريف. فمن علم الله -تعالى- من قلبه ضعفاً لا يحتمل الفقر أغناه، إذ لو أفقره إياه فهو يغنيه، فيقربه بذلك منه، ويدنيه، فيصونه بغناه من أن ينصرف بحاجته إلى سواه ... » ، قال: «فإذا كان الفقر لبعض الناس منسياً، صرف الحق عمن عرف ذلك منه الفقر؛ لأنه لا يحب أن ينساه حبيبه، كما يكره أن ينظر إلى غيره قريبه، وكذلك من علم أن لا يصلح إيمانه إلا الفقر أفقره؛ لأنه -تعالى- يعلم أن الغنى يطغيه، وأن الفقر لا ينسيه، بل يشغل لسانه بذكره، والثناء عليه، وقلبه بالتوكل عليه، والالتجاء إليه» .стр. 139
شرّاً له، وربما سألني وليي المؤمن الفقر فأصرفه إلى الغنى، ولو صرفته إلى الفقر لكان شرّاً له» (١) .
و قصة الأبرص والأقرع والأعمى (٢)
في مجيء الملَك إليهم وسؤاله إياهم الحواشي
(١) أخرجه الطبراني في «الكبير» (١٢/١٤٥-١٤٦ رقم ١٢٧١٩) بهذا اللفظ من حديث ابن عباس، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (١٠/٢٧٠) : «رواه الطبراني، وفيه من لم أعرفهم» . وضعّفه ابن حجر في «الفتح» (١١/٣٤٢) -أيضاً-، وأوله عند البخاري في (الرقاق) (باب التواضع) (رقم ٦٥٠٢) ، وجمع شواهده ابن حجر في «الفتح» (١١/٣٤١-٣٤٢) ، والسيوطي في «القول الجلي»
-مطبوع ضمن «الحاوي» -، وشيخنا الألباني في «الصحيحة»(١٦٤٠) .(٢) أخرج البخاري (٣٤٦٤، ٦٦٥٣) ، ومسلم(٢٩٦٤) ، وابن حبان(٣١٤) ، والبيهقي (٧/ ٢١٩) من حديث أبي هريرة أنه سمع رسول ﷺ يقول:
«إن ثلاثةً في بني إسرائيل: أبرص، وأقرَع، وأعمى، بدا لله أن يبتليهم، فبعث إليهم ملكاً، فأتى الأبرص، فقال: أيُّ شيء أحبُّ إليك؟ قال: لونٌ حسنٌ، وجلدٌ حسنٌ، قد قذرني الناس.
قال: فمسحه، فذهب عنه، فأُعطي لوناً حسناً، وجِلداً حسناً، فقال: أيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: الإبل -أو قال: البقر، هو شكَّ في ذلك؛ أن الأبرص والأقرع قال أحدهما الإبل، وقال الآخر البقر-، فأُعطي ناقةً عُشًراء، فقال: يُبارَكُ لك فيها.
وأتى الأقرع، فقال: أي شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: شعرٌ حسن ويذهب عني هذا، قد قذرني الناس.
قال: فمسحه، فذهب، وأعطيَ شعراً حسناً. قال: فأيُّ المال أحبُّ إليك؟ قال: البقر، فأعطاه بقرةً حاملاً، وقال: يبارَكُ لك فيها.
وأتى الأعمى، فقال: أي شيءٍ أحبُّ إليك؟ قال: يَرُدُّ الله بصري، فأُبصر به الناس.
قال: فمسحه، فردَّ إلله إليه بصرهُ، قال: فأي المال أحبُّ إليك؟ قال: الغنم. فأعطاه شاةً والداً.
فأُنتج هذان، ووُلِّدَ هذا، فكان لهذا واد من الإبلِ، ولهذا وادٍ من بقر، ولهذا وادٍ من الغنم.
ثم إنّه أتى الأبرص في صورته وهيئته، فقال: رجلٌ مسكينٌ تقطّعت بي الحِبال في سفري، فلا بلاغ اليوم إلا بالله ثم بك، أسألك بالذي أعطاك اللون الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيراً أَتبلَّغ عليه في سفري.
فقال له: إن الحُقوق كثيرةٌ. فقال له: كأني أعرفك، ألم تكن أبرص يقذرك الناس، فقيراً، فأعطاك الله؟ فقال: ورِثتُ لكابرٍ عن كابرٍ. فقال: إن كنت كاذباً؛ فصيرك الله إلى ما كنت. =стр. 140
عن الأحبِّ إليهم، وزوال ما بهم ونولِهم ما اختاروه من الأموال، ثم مجيئه إليهم بعد ذلك واحداً بعد واحد، ٍ في هيئة فقيرٍ مسكينٍ يلتمس نائلهم، فجحد كلٌّ من الأبرص والأقرع ما كان فيه قبل ذلك من الفاقة والعلة، ولم يعطِه شيئاً، وشكر الأعمى نعمةَ الله عليه فيما آتاه، وفوّض إلى الفقير أن يأخذ ما أحبَّ، فقال له: أمسك، فإنما ابتليتم فقد رضي عنك، وسَخِط على صاحبيك.
وكذا رُوينا في «المجالسة» (١) من طريق هشام، عن الحسن أنه قال: قد كان الرجل يدَع المالَ إلى جنبه، ولو شاء أتاه فأصاب منه حلالاً، وإنه لمجهود شديد الجهد، فيقال له: رحِمك الله ألا تأتي هذا المال فتصيب منه، فيقول: لا إني والله ما الحواشي
(١) انظر «المجالسة» للدينوري (٧/٢٠ رقم ٢٨٦٠- بتحقيقي) ، والأثر أخرجه أحمد -ومن طريقه أبو نعيم في «الحلية» (٦/٢٦٩) - عن صفوان بن هشام، وأحمد -ومن طريقه البيهقي في «الزهد الكبير»(٢٩) - عن روح؛ كلاهما عن هشام، به.стр. 141
أدري لعلي إن أتيتُه فأصبت منه شيئاً أن يكون فساد قلبي وعملي، فلا يقربه حتى يموت بجهده ذلك.
وبهذا الحديث يقيد إطلاق قوله ﷺ : «إن الله يحمي عبده المؤمن الدنيا» (١) ، وما أشبهه من الأحاديث التي في التنفير عنها، ولذلك كان أنس ﵁ يقول: «اللهم إني من عبادك الذين لا يصلحهم إلا الغنى» (٢) .
وصحّ أنه ﷺ قال: «والذي نفسي بيده لا يقضي الله للمؤمن قضاءً إلا كان خيراً له، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيراً له» (٣) .
وقال -تعالى-: ﴿فَأَمَّا الإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاَهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاَهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلاَّ﴾ [الفجر:١٥] يقول سبحانه: ليس كل من كثّرتُ عليه الدنيا أكون قد أكرمتُه، ولا كل من قدّرتها عليه أكون قد أهنته، بل قد أوسعها على أعدائي إملاءً واستدراجاً، وقد أُقدِّرُها على الحواشي
(١) سبق تخريجه (ص ١٣٥) .(٢) قطعة من حديث تقدم (ص ١٤٧) ، وأوله: «يقول الله : إنّ من عبادي ... » ، وبيَّنَّا ضعفه هناك.(٣) لم نجده بهذا اللفظ إلا أن الإمام مسلماً أخرج في «صحيحه»(٢٩٩٩) بلفظ: عن صهيب قال: قال رسولُ الله ﷺ : «عجباً لأمر المؤمن إنَّ أمره كلَّه خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرّاءُ شكر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضراءُ صبر، فكان خيراً له» .
وهو عند أحمد (٤/٣٣٢ و٦/١٥، ١٦) ، وابن حبان(٢٨٩٦) ، والطبراني (٧٣١٦، ٧٣١٧) ، والبيهقي (٣/٣٧٥) ، وفي «الشعب»(٩٩٤٩) ، والقضاعي في «مسند الشهاب»(٥٩٦) ، وأبي نعيم في «الحلية» (١/١٥٤) .
وفي الباب عن أنس عند أحمد (٣/١١٧، ١٨٤ و٥/٢٤) ، وابن حبان(٧٢٨) .
وعن سعد عند الطيالسي(٢١١) ، وأحمد (١/١٧٣) ، والبغوي في «شرح السنة»(١٥٤٠) ، والبيهقي (٣/٣٧٥-٣٧٦) بأسانيد حسنة وصحيحة.стр. 142
أوليائي صيانةً وحمايةً وحفظاً (١) .
وفي الحديث أنه ﷺ قال: «إن الله قسَمَ بينكم أخلاقَكم وأرزاقَكم، وإن الله يعطي الدنيا من أحبّ ومن لا يحب، ولا يعطي الدِّين إلا من أحبّ» (٢) ، وقد يُوسِّعُها على أوليائه كمن أسلفتُ الإشارة بهم، ويُقدِّرُها على خلقٍ من أعدائه كفقر الكفار.
والمؤمن لا بدّ أن يُبتلى تارةً بالسراء ليشكر، وتارةً بالضرّاء ليصبر، فإن الإنسان صبّار شكور، وأما الفاجر فهو كنود يُعدّد المصائب وينسى النعم، وقد قال -تعالى-: ﴿تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى﴾ [المعارج:١٧] ؛ أي: تدعو النار من أدبر عن الحقّ، فتقول: إليّ يا مشرك، إليّ يا منافق، إليّ يا فاسق، إليّ يا ظالم، ﴿وجَمَعَ الحواشي
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢٤/٣٧٦- هجر) ، «الوسيط» (٤/٤٨٣) ، «الوجيز» (٢/١٢٠٠) ؛ كلاهما للواحدي، «الكشاف» (٤/٢١٠) ، «تفسير ابن كثير» (٤/٥٤٠) ، «المحرر الوجيز» (١٥/٤٤١) .(٢) أخرجه مرفوعاً وموقوفاً: أحمد (١/٣٨٧) ، والمروزي في «زيادات الزهد»(١١٣٤) ، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٤/٣١٣) ، وفي «الأدب المفرد»(٢٧٥) ، وأبو داود في «الزهد» (رقم ١٥٧) ، والبزار(٣٥٦٢) ، والشاشي في «مسنده»(٨٧٧) ، والطبراني في «الكبير»(٨٩٩٠) ، والإسماعيلي في «المعجم» (٢/٧٢٦- ٧٢٧ رقم ٣٤٢) ، والدولابي في «الكنى» (١/١٤١) ، والواحدي في «الوسيط» (٤/٤٨٣-٤٨٤) ، وأبو نعيم في «الحلية» (٤/١٦٤ و٥/٣٥) ، والحاكم (١/٣٣) -وصححه، ووافقه الذهبي-، والبيهقي في «الشعب» (٦٠٧، ٥٥٢٤) ، والأصبهاني في «الترغيب والترهيب» (رقم ٧٢- ط. زغلول) ، والبغوي في «شرح السنة»(٢٠٣٠) ، وابن عدي في «الكامل» (٥/١١٥٨) من طرق عن عبد الله بن مسعود، وأوله: «إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم ... » وفيه زيادة على المذكور.
وقال الدارقطني في «العلل» (٥/٢٧١) : «والصحيح موقوف» .
وعزاه السيوطي في «المعجم الكبير» (١/١٧٢-١٧٣) إلى العسكري في «الأمثال» .
قال أبو عبيدة: نعم، الموقوف على ابن مسعود -وهو عند البخاري، وأبي داود، والمروزي، والطبراني- أصح إسناداً، لكن الموقوف له حكم المرفوع، ويعضده شاهدان آخران، فيهما ما في تتمته من غير هذا القسم، انظرهما في «السلسلة الصحيحة»(٢٧١٤) .
وظفرت بما أخرجه ابن جرير في «تهذيب الآثار» (رقم ٥١٩) عن عبيد بن عمير قال: «الدنيا هيّنة على الله، يعطيها من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب» ، وإسناده صحيح.стр. 143
فَأَوْعَى﴾ [المعارج: ١٨] أمسَكَه في الوعاء، ولم يُنفقه في طاعة الله، فلم يؤدّ زكاةً، ولا وصَل رحِماً، ﴿إِنَّ الإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً﴾ [المعارج: ١٩] ضجوراً شحيحاً جزوعاً من الهلع، وهي شدّة الحرص وقلة الصبر، والمفسرون يقولون: تفسير الهلوع ما بعده، وهو قوله: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً﴾ [المعارج: ٢٠-٢١] إذا أصابه الفقر لا يصبر ولا يحتسب، وإذا أصابه المال منعه من حقِّ الله، ثم استثنى الله من ذلك الموحدين فقال: ﴿إِلاَّ الْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَآئِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] يقيمونها في أوقاتها، لا يَدَعونه آناء الليل والنهار؛ يعني: المكتوبة (١) .
وسُئل عقبة بن عامر ﵁ أهُم الذين يصلّون أبداً؟ قال: لا، ولكنه الذي إذا صلّى لم يلتفت عن يمينه وعن شماله (٢) ،
﴿وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ﴾ [المعارج: ٢٤] ؛ يعني: الزكاة المفروضة، ﴿لِّلسَّآئِلِ﴾ [المعارج: ٢٥] ، وهو الذي يسأل، ﴿وَالْمَحْرُوم﴾ [المعارج: ٢٥] الفقير الذي لا يسأل، يتعفّف عن السؤال (٣) . الحواشي
(١) من قوله: أي: «تدعو النار ... » إلى هنا، من: «الوسيط» للواحدي (٤/٣٥٣) بالحرف.(٢) أخرجه ابن وهب في «تفسيره» -ومن طريقه الطبري في «تفسيره» (٢٣/٢٦٨- ٢٦٩) - قال: أخبرنا ابن وهب، أخبرنا حيوة عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير: أنه سأل عقبة بن عامر الجهني، وذكره.
وأخرجه الثعلبي في «الكشف والبيان» (١٠/٤٠) من طريق حيوة، به.
وأخرجه الواحدي في «الوسيط» (٤/٣٥٣) من طريق ابن لهيعة، عن يزيد، به.
وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (٦/٢٦٦) وعزاه للطبري، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.
وهو ليس في مطبوع «تفسير ابن أبي حاتم» ، ولا مطبوع «تفسير ابن المنذر» !
وأبو الخير هو: مَرْثَد بن عبد الله اليزني، ثقة فقيه، وسائر الرواة ثقات مصريون.
وإسناده صحيح.(٣) إلى هنا انتهى نقل المصنف من «الوسيط» مع تصرفه في سياق أثر عقبة، إذ أسنده الواحدي.стр. 144
والحاصل أنه -سبحانه- بيّن أن الإنسان إذا أصابه خير لتَوسِعَةِ الرزق مَنَعَ، وإذا أصابه شرٌّ لضيقِ الرزق جزَعَ، إلا القائمين بالواجبات؛ فإنهم يُبتلون بالخير فلا يمنعون، بل يُعطُون غيرَهم ويحسنون لمن دونهم، ويُبتلون بالشرِّ فلا يَجزعون بل يصبرون، فهم يتواصَوْن بالصبر ويتواصَوْن بالمرحمة، إذا قدَروا رحموا اليتيم والمسكين والضعيف، وإن أُصيبوا صبروا على فرائض الله وأمره، ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨] ؛ أي: امتحناهم بالنعم وبالمصائب (١) .
والفاجرُ إن أُصيب جَزَع، وإن قَدَر ظلم، فهذا التفصيل ونحوه هو الصواب، دون إطلاق الجواب على أنه يمكن الفرق بين المالين بخلاف هذا -أيضاً-، وذلك بأن يقال: لا يلزم من الكثرة التي دعا بها لأنسٍ وجود مالٍ مدّخر، بل لعلها مالٌ يتجدّدُ له في كلِّ يوم من ربحٍ وغيرِه، وهو ينفده أولاً فأولاً، بخلاف التي دعا بها لغيره نفياً وإثباتاً.
ثم رأيت في «مسند أحمد» ما يؤيد هذا، قال أحمد: حدثنا ابن أبي عدي، عن حُميد، عن أنس قال: دخل رسولُ الله ﷺ على أم سُلَيمٍ فأتته بتمرٍ وسمنٍ، فذكر الحديث. وفيه قول أم سليم له: خادمُك أنس ادعُ له، وفيه أنه ما ترك خير آخرةٍ ولا دنيا إلا دعا له به. وقال: «اللهم ارزقه مالاً وولداً، وبارِك له فيه» (٢) ، قال أنس: فما من الأنصار إنسانٌ أكثرُ مالاً مني، وذكر أنسٌ أنه لا يملك ذهباً ولا فضةً غير خاتمه. وهذه الفائدة رحلة، وحينئذٍ فلا ينافي ما ورد من دعواته ﷺ المتفق عليها وهي: «اللهم اجعل رزق آل محمدٍ قوتاً» (٣) . الحواشي
(١) انظر: «تفسير الطبري» (٢٣/٢٦٤- ط. هجر) ، «الوجيز» (٢/١١٣٣) ، «المحرر الوجيز» (١٥/٩٦) ، «اللباب» (١٩/٣٦٥) .(٢) سبق تخريجه (ص ١٤٦) .(٣) أخرجه ابن أبي شيبة (١٣/٢٤٠) ، ووكيع في «الزهد»(١١٩) ، وأحمد (٢/٢٣٢، ٤٤٦، =стр. 145
وقوله ﷺ لعائشةَ ﵂ -كما أخرجه الترمذي وغيرُه مما صحّح الحاكم إسناده-: «يا عائشة! إن أردتِ اللحوق بي فليكفك من الدنيا كزاد الراكب، وإياك ومجالسة الأغنياء، ولا تستخلفي ثوباً حتى ترقعيه» (١) .
والمروي في «الترمذي» وغيره عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ الحواشي
(٦٤٧٠) ، ومسلم(١٠٥٥) ، والترمذي(٢٣٦٠) ، وابن ماجه(٤١٣٩) ، والنسائي في الرقاق من «الكبرى» -كما في «تحفة الأشراف» (١٠/٤٤٢) -، وأبو الشيخ في «أخلاق النبي ﷺ » (ص ٢٦٨) ، وابن حبان(٦٣٣٤) ، وابن السني في «القناعة» (رقم ٥٩-٦٢) ، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (٢/١٨) ، وأبو نعيم في «الأربعين على مذهب المتحققين» (رقم ٧) ، والبيهقي في «السنن» (٢/١٥٠ و٧/٤٦) ، وفي «الشعب»(١٤٥٤) ، وفي «الدلائل» (١/ ٣٣٩ و٦/٨٧) من حديث أبي هريرة.(١) أخرجه بنحوه الترمذي(١٧٨٠) -وقال: «حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث صالح بن حسان» . وقال: «وسمعت محمداً يقول: صالح بن حسان منكر الحديث وصالح بن أبي حسَّان الذي روى عنه ابن أبي ذئب: ثقة» -، وأبو يعلى -مختصراً-(٤٦١٠) ، وابن سعد في «الطبقات» (٦/٧٦) ، والحاكم (٤/٣١٢) -وقال: «صحيح الإسناد ولم يخرجاه» -، وابن بشران في «الأمالي» (رقم ١٣٤) ، وابن عدي في «الكامل» (٤/١٣٧٠) -ومن طريقه ابن الجوزي في «الموضوعات» (٣/١٣٩-١٤٠) -، وابن السني في «القناعة» (رقم ٦٤- ٦٦) ، وابن الأعرابي في «الزهد» (رقم ٨٩) ، والبيهقي في «الشعب» (٥/١٥٧ رقم ٦١٨١) -وقال: «تفرد به صالح بن حسَّان، وليس بالقوي» -، والبغوي (١٢/٤٤-٤٥ رقم ٣١١٥) ، وأبو نعيم في «الأربعين على مذهب المتحققين» (رقم ٣٩) ، و «ذكر أخبار أصبهان» (١/٨٩) من حديث عائشة.
وأورده الديلمي(٨٦١٤) .
والحديث مداره على صالح بن حسَّان. قال أحمد عنه: «ليس بشيء» ، وقال ابن أبي حاتم، وابن معين وأبو داود: «ضعيف الحديث» ، وقال النسائي: «متروك الحديث» . انظر: «تهذيب الكمال» (١٣/٣٠-٣١) .
وأورده الذهبي في «الميزان» (٢/١٥٦) من منكراته، بينما أعله في «التلخيص» بالورّاق! وهو متابع، ولم يعزه السيوطي في «الدر المنثور» (٤/١٩٢) إلا للحاكم والبيهقي، وفاته الترمذي، وهو أعلى وأشهر!следующие страницы →