فعَلَيْهم أن يَصبِروا، ليس بمُجرَّد أن يُقال لهم: أنت مطوّع، أنت مُتَشدِّد، أنت فيك كذا وكذا. يَنحَسِر ويَدَع، هذا ليس بصحيح، لا بُدَّ أن يَصبِر ويُصابِر ويَعمَل بالحِكْمة، وليس بالعُنْف، ولكل شيء من الحالات مَنزِلته.
والحاصِلُ: أن الرسول ﵊ قد وعَدَ أصحابه بالنَّصْر، فآمَن بذلك المُؤمِنون، وتَكلَّم المُنافِقون والذين في قُلوبهم مَرَض بهذا الكلامِ، ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ وكذَبوا، واللَّهِ ما وعَدَهم اللَّهُ ورسولُه إلَّا الحقَّ والصِّدْق.
وقد حصَل -والحَمْد للَّه تعالى- فإن هذه الأُمَّة -وللَّه الحَمدُ- بما خلَّفه لها رسولُه ﷺ من العِلْم والهُدَى وبما قام به خُلَفاؤه ﵃ فتَحوا قُصور قَيْصرَ وكِسرى واليَمَن، وأُنفِقت كُنوزُ كِسرى وقَيْصرَ في سبيل اللَّه ، وجِيء بتاج كِسرى من المدائن إلى المدينة في خِلافة عُمرَ ﵁ (١) فتَحقَّق ما وعَد اللَّهُ ورسولُه، وإن كان النبيُّ ﵊ تُوُفِّيَ قبل أن يَحصُل ذلك، لكنه في الحقيقة هو الذي فتَح هذا؛ لأن الصحابة ما فتَحوها إلَّا بشريعة اللَّه ، فصار ذلك نَصرًا للنبيِّ ﷺ ؛ لأن النَّصْر -كما نَقول كثيرًا- ليس انتِصار الإنسان بشَخْصه، بلِ انتِصاره بما جاء به ودعا إليه، ولو كان على أَيْدي أَتْباعه، ولو كان ذلك من بعد موته، واللَّه أَعلَمُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيانُ أن المُنافِقين يَنْتهِزون الفُرَص، ووجهُه أنهم في هذه الفُرصةِ وهذه الحالِ الضَّيِّقة الحالِكة، بدَؤُوا نشاطَهم وانتَهَزوا الفُرصةَ وقالوا: أين الوعدُ؟
стр. 107
ففيه دليل على أن المُنافِق على اسمه مُنافِق، إن لم يَجِد فُرْصةً سكَت وصانَع وداهَن، وإن وجَد فُرْصةً نطَق وتَكلَّم، وهذا دأَبُهم، قال تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الحذَرُ من المُنافِقينَ؛ لأنهم لا يَألون المُؤمِنين خَبالًا، كلَّما وجَدوا مَطعَنًا أو مَكانًا للطَّعْن هجَموا، نَسأَل اللَّه تعالى أن يُعيذَنا منهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن القُلوب تَنقَسِم إلى صحيحةٍ ومَريضةٍ؛ لقوله : ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، وكذلك الأبدانُ تَنقَسِم إلى مَريضةٍ وصَحيحةٍ، وانظُرْ حال الناس اليومَ، هل هُمْ أشَدُّ على مُداواة القُلوب من مُداواة الأبدانِ أو على مُداواة الأبدان من مُداواة القُلوب؟
الجَوابُ: الأخير، إلَّا ما شاء اللَّه ، فأكثَرُ الناس اليومَ حَريصون على مُداواة الأبدان التي مَآلها أن تَكون جيفةً يَأكُلها الدودُ، دون القلوب التي عليها مَدار السَّعادة في الدُّنيا والآخِرة، فتَجِد الإنسان يَمْرَض قلبُه، ورُبَّما يَصِل إلى درجة الاحتِضار، ولكنه لا يُبالي به، فإذا أُصِيب بشَوْكة في بدَنه هُرع إلى الأطبَّاء، ولو حصَل في ذلك مَشقَّةٌ وتدَب، ولكن العاقِل المُؤمِن هو الذي يَكون دائِمًا في نظَير إلى قَلْبه ومرَضه وصِحَّته وسلامته وعطَبِه، هذا هو المُؤمِن حَقًّا، ولا شكَّ أن القَلْب إذا صحَّ صحَّ البدَن، ولستُ أقولُ: صحَّ البدَن. يَعنِي: أن المُؤمِن لا يَمْرض، لكنَّ المُؤمِن لو مرِض يَرى أن في هذا المرَضِ مَنفَعةً له ومَصلَحةً، وبهذا يَكون مرَضُ بدَنه صِحَّةً لقَلْبه؛ لما يَحصُل عنده من الصَّبْر، والرِّضا باللَّه ، وانتِظار الفَرَج، وفِعْل الأسباب التي جعَلها اللَّه أسبابًا، فيَعتَمِد على اللَّه بما جعَله سببًا.
стр. 108
فالحاصِل: أن مَرَض القَلْب أخطَرُ من مرَضِ البدَن بكثيرِ، والعاقل يَعتَني بهذا عِنايةً أشدَّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن اللَّه تعالى ورسوله قد وعَد المُؤمِنين بالنَّصْر؛ لقوله تعالى: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، والوَعْد مَذكور في القُرآن والسُّنَّة للمُؤمِنين، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١]، وقال : ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، انظُرِ الوَعْد العظيم ﴿حَقًّا عَلَيْنَا﴾ مُؤكَّدًا ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾، والمُلتَزِم بهذا هو الرَّبُّ الذي بيده مَلكوت السَّمَوات والأرض، لكن مع الأسف الشديد كثيرٌ من المُؤمِنين لا يَلحَظون هذه الأشياءَ، مع أن اللَّه تَكفَّل بها، وفي السُّنَّة قال النبيُّ ﵊: "نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ" (١)، ونَصْر النبيِّ ﷺ ليس نَصْرًا لذاته، ولكنه نَصرٌ لما جاء به، فيَكون النَّصْر له ولأُمَّته من بعده أيضًا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بَيانُ أن المُنافِق نظر قاصِرٌ، وكذلك مَن في قَلْبه مرَضٌ نظَرهُ قاصِرٌ؛ وجهه أنه ما نظَروا إلَّا في الساعة الحاضِرة، ما فكَّروا في العاقِبة، ومثل هذه الأُمورِ التي تَرِد أمورٌ عوارضُ، لكن العاقِبة للمُتَّقين، فالأمور العَوارِضُ لا يَبنِي عليها أحَد إلَّا ضعيف البصيرة، حتى في أمور الدُّنيا أيضًا لا تَنظُر إلى الأمور العارِضة، فإنه كما قيل: دوام الحال من المُحال، ولكن ما دُمْت واثِقًا بوَعْد اللَّه فَثِق أنَّ هذا الوَعْدَ سوف يَتحَقَّق، لكن تَعتَريه عوارِضُ، لحِكْمة من حِكَم اللَّه يَبتَليه، ثُمَّ تَكون العاقِبة للمُتَّقين.
стр. 109
الآية (١٣)
* قالَ اللَّه : ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ [الأحزاب: ١٣].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ﴾ هذه مَعطوفة على ما سبَق، ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ يَعنِي: واذكُرْ هذه القَوْلةَ المُنكَرة ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ الطائِفة: الجامِعة من الناس ﴿مِنْهُمْ﴾ الضمير يَعود على المُنافِقين، كما قال المُفَسِّر ﵀: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ [أَيْ: مِن المُنافِقين] ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يَثرِب يَقول: أهي أرض المدينة، ، وقيل: هي المدينة نَفسُها، فأهل العِلْم بالتاريخ اختَلَفوا: هل يَثرِبُ اسمٌ للمَكان والمَنطِقة التي فيها المدينة، أو أن يَثْربَ هي نفس المدينة؟ وظاهِر الحديث أن يَثرِب هي المدينة.
وقوله ﵀: [﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ هي أرضُ المدينة، ولم تُصرَف للعَلَمية، وَوَزْن الفِعْل]، يَعنِي: أنها مَمْنوعة من الصَّرْف لهاتين العِلَّتين، العَلَمية، ووزن الفِعْل، ويَدُلُّنَا على أنَّها مَمنوعة من الصَّرْف أنها جُرَّت بالفتحة؛ لأنها مُضافٌ إليه، وحقُّ المُضاف إليه أن يَكون مَجرورًا، وهنا الكلِمة مَفتوحة، لأنها تُجَرُّ بالفتحة كسائِر الأَسْماء التي لا تَنْصرِف.
стр. 110
وقول المُفَسِّر ﵀: [للعلَمية ووَزْن الفِعْل]؛ لأن يَثرِبَ التي هي على وَزْن يَفْعِل، الذي هو فِعْل، ولها عِلَّة أخْرَى غير وزن الفِعْل، وهي التَّأنيث، العلَمية والتَّأْنيث؛ لأنها اسمٌ لحمعة، وكأن المُفَسِّر ﵀ قال: [العلَمية ووَزْن الفِعْل]؛ ليُشير أن هذه الكلِمةَ يَثرِب مَأخوذةٌ من التَّثريب، وهو اللَّوْم والتوبيخ، وما أَشبَه ذلك من الكلِمات التي فيها عَتَب.
ولهذا قال النبيُّ ﵊: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ؛ وَهيَ المَدِينَةُ" (١)، وهذا دليل على أن الرسول ﵊ كَرِه أن تُسمَّى يَثرِبَ، وهو أحَد القولين في المَسأَلة، وأمَّا الحديث الذي روِيَ: "مَنْ قَالَ لِلْمَدِينَةِ: يَثْرِبُ. فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ" (٢)، فَهو ضعيف، لكن يَكْفِي عن هذا الحديثِ في الصحيحين: "يَقُولُونَ: يَثْرِبُ؛ وَهِيَ المَدِينهُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الْكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ" (٣).
الحاصِلُ: أن قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ كأن المُفَسِّر ﵀ اختار أن يَقول: لم يُؤخَذ من الفِعْل لهذا السبَبِ.
وقوله ﵀: [﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ بضَمِّ الميم وفَتْحها أي: لا إقامةَ ولا مكانَ]، ﴿مُقَامَ﴾ [بضَمِّ الميم وفتحها]، ومعنى كلام المُفَسِّر: أي: فيها قِراءتان: "لَا مَقَامَ"
стр. 111
و ﴿لَا مُقَامَ﴾ قال: [لا إِقامةَ ولا مَكانةَ]: ألا إقامةَ، تفسيرٌ للضَّمِّ: مُقام؛ لأنه من الرُّباعي، والرباعي يُقال في مَصدره المِيمِيِّ: مُقَام، ومَقَام: لا مَكانة على أنَّها اسمُ مَكَان، واسم مَكان بفَتْح الميم، والمعنى: لا مَوْضِع للإقامة، على كونها اسم مَكان، أو لا إقامةَ لكم، ويَقولون: لا إقامةَ لكم؛ لأنهم يُرِيدون الفِرَار، ولا يُرِيدون البقاء مع النبيِّ ﷺ في القِتال، إذ إنهم مُنافِقون، والمُنافِق ليس صَبورًا على القِتال، بل لا يُريد القِتال، ولو ظهَر الأمرُ في يَدِه لقاتَل المُسلِمين.
وفي قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾ إشارة واضِحة إلى القَوْميَّةِ والعَصَبيَّة؛ لأنه دعاهم باسْمِ الوطَن ما قال: يا إِخْوَتنا. ولا قال: يا أيُّها المسلِمون! إنما قال: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾؛ لأنه ليس عنده دِينٌ يُقاتِل من أَجْله، وإنما هو قوميٌّ يُريد الحَمِيَّة فقط.
وقوله تعالى: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [إلى مَنازِلكم من المدينة وكانوا خرَجوا مع النبيِّ ﷺ إلى سَلْعٍ جَبل خارِج المَدينة للقِتال].
وقوله تعالى: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾ حسب ما يُعرَف في اللغة العربية أنَّه نَفْيٌ عامٌّ؛ لأن (لا) النافية للجِنْس تُفيد العُموم، يَعنِي: ليس هناك أيُّ مُقام على أيِّ حال من الأحوال فارجِعوا، ومثل هذا التعبير إذا قيل لقومٍ ليس في قُلوبهم إيمانٌ لا يُبقِي منهم أحَدًا، لا بُدَّ أن يَرجِعوا.
ثُمَّ قال اللَّه بِناءً على هذا الأمرِ وأنه لا مُقامَ لهم: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ وهَؤلاء أَهونُ من الأوَّلين؛ لأن الأوَّلين دَعَوْا إلى الفِرار بدون استِئْذان، قالوا: ﴿لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾، أمَّا هؤلاء فإنهم يَستَأذِنون النبيَّ ﷺ ، ولكن استِئْذانهم للرسول ﵊ ليس كاستِئْذان المُؤمِنين الذين إذا كانوا معه على أَمْرٍ جامِع لم يَذهَبوا حتى يَستَأذِنوه، لكنهم يَستَأذِنون خِداعًا وتَمويهًا؛
стр. 112
ولهذا يَقول : ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ﴾ أي: من المُنافِقين ﴿النَّبِيَّ﴾ ﷺ إلى الرجوع.
يَقولون: (يَستَأذِن) بمَعنى: يَطلُب الإِذْن؛ لأن (استَفعَل) تَأتي كثيرًا بمَعنَى: طلَب الشيءِ، ومَنِ استَغْفَرَ طلَب المَغفِرة، واستَعتَب: طلَب العُتبة والعِظة.
ويَقولون: الجُمْلة إمَّا أنَّها حال من ﴿فَرِيقٌ﴾ يَعنِي: حال قولهم يَقولون، وإمَّا أن تَكون عَطْفَ بيان أو بَدلًا من قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ﴾ وكِلاهما له وَجْهٌ:
أمَّا على قولنا إنها حال؛ فلأَنَّ النَّكَرة هنا وُصِفت، والنَّكِرة إذا وُصِفت تَخصَّصت، فجاز وقوع الحال منها.
وأمَّا على قولنا بأنها بَدَلٌ أو عَطْف بيانٍ، فعلى حدِّ قول ابن مالِك ﵀:
وَيُبْدَلُ الْفِعْلُ مِنَ الْفِعْلِ كَمَنْ ... يَصِلْ إلَيْنا يَسْتَعِنْ بِنَا يُعَنْ (١)
إِذَن: يَجوز فيها وجهان: أن تَكون بدَلًا من قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ﴾، وأن تَكون عَطْفًا مثل البدَل، وأن تَكون حالًا من فاعِل (يَستَأذِن).
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ قال ﵀: [غير حَصينة يُخْشَى عليها]، يَقولون ذلك للرسول ﵊ في مُبرِّر الاستِئْذان: إن بُيوتنا عورةٌ، ونَخْشى عليها من العَدوِّ. والعورة هنا يَعنِي: غير حَصينة؛ لأن الحِصْن يَحميها ويَستُرها، كما يَستُر الثوبُ عورة الرَّجُل، هذا مَعنَى قولهم: إنها عَورة؛ يَعنِي: مَكشوفة، ولا يُمكِن أن نَأمَن من هُجوم العَدُو عليها، وفي قِراءة لكنها غير سَبْعيةٍ: "عَوِرَةٌ" بكَسْر الواو، أَيْ: مَعِيبة.
стр. 113
فقال اللَّه مُبطِلًا دَعْواهم: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ﴾ قال ﵀: [ما] ﴿يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، وهنا يَنبَغي الوقوفُ على قوله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، لأنك لو وصَلت لأَوهَم أن قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ من قول المُنافِقين، فيَكون في ذلك تَناقُضٌ وفَسادٌ للمَعنى، فتَقول: ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ وتَقِف، ثُمَّ تَستَأنِف القِراءة وتَقول: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾: (ما) مَبنِيَّة على السُّكون.
ولو قال قائِل: مَن الذي يَقول: إنها حِجازِّية؟ لأن النصبَ ليس بظاهِر على الخبَر، أفلا يَجوز أن تَكون ﴿بِعَوْرَةٍ﴾ خبَر المُبتَدَأ مَرفوعة بضَمَّةٍ مُقدَّرةٍ على آخِرها مَنَع من ظُهورها اشتِغال المَحَلِّ؟
فالجَوابُ: دليلُه شاهِد من القُرآن، قال تعالى: ﴿مَا هَذَا بَشَرًا﴾ فنَصَب، فدلَّ ذلك على أن القُرآن نزَلَ بمُقتَضى لُغة الحِجازِّيين.
قال اللَّه : ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾: ﴿إِنْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [ما] ف (إِن) هنا نافِية، لأنها فُسِّرت بـ (ما)، و (ما) نافِية، ويَدُلُّ لذلك إِتْيان (إلَّا) بعدها: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، فهذا دليلٌ على أنَّهَا نافية، و (إن) تَأتِي نافِية كما هنا، وتَأتِي شَرْطية، ومثاله: ﴿وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾، وتَأتِي مُخَفَّفة من الثَّقيلة: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾، وكقول الشاعِر:
مَا إِنْ أَنْتُمُ ذَهَبٌ وَلَا ... صَرِيف وَلَكِنْ أَنْتُمُ الخَزَفُ (١)
стр. 114
هذه زائِدة، لأن: ما إِنْ أنتُمُ: أي: ما أَنتُم.
وما الذي يُعيِّن هذه المعانِيَ؟
الجَوابُ: الذي يُعيِّن هو السِّياق، وهذا باتِّفاق العُلَماءِ ﵀، أي: أنَّ وُجود الأَلْفاظ المُشتَرَكة التي تَتَعَيَّن بالسِّياق ثَابِت في اللغة العربية.
لكنهم اختَلَفوا في مَسأَلة الحقيقة والمَجاز، فمِنْهم مَن أَثبَت ذلك، ومنهم مَن نفَى وقال: إن المَجاز كالاشتِراك في المَعنَى، والاشتِراك أنتم تَقولون به، وهذا هو القول الراجِحُ كما سبَق عِدَّة مرَّات بأن الصحيح: أنه لا مَجاز في اللُّغة العربية.
يَقول تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ هذا كلام اللَّه ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾، يَعنِي: ما يُريدون إلَّا فِرارًا، وهذه الجُملةُ جُملةٌ حَصريَّةٌ، يَعنِي: تُفيد الحَصْر، أي: أن هؤلاء ما لهم إرادة أبدًا سِوَى الفِرار من القِتال، فالبُيوت مُحَصَّنة، ولا يُخشَى عليها أكثَرَ ممَّا يُخشَى على المدينة، وليس لهم أَيُّ عُذْرٍ إلَّا عُذْرًا واحِدًا وهو الفِرار من القِتال؛ لأنهم لا يُريدون مُواجَهة العَدوِّ، بل هم العَدوُّ كما قال اللَّه عنهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيان إِرجاف المُنافِقين بالمُؤمِنين، والإرجاف: هو أن يُذكَر للإنسان ما يَكون به الخوف والقلَق، وفي باب القِتال مُرْجِف ومُخَذِّل، والفرق بينهما أن المُرجِف من يُخوِّف، والمُخذِّل مَن يقَلِّل الرَّغْبة في الخير؛ فالمُرجِف يُرهِّبك، وأمَّا المُخذِّل فهو يُثبِّط عَزيمتك، يَقول: ما لكَ؟ وما الفائِدةُ؟ وما كذا؟ فبينهما فرق. فهؤلاء مُرْجِفون، ويَقولون: ليس هنا مَقام لكم، لأنه خطَرٌ عليكم، ولهذا قالوا: ﴿فَارْجِعُوا﴾، فيُستَفاد منه أن المُنافِقين من شأنهم الإِرْجاف بالمُؤمِنين.
стр. 115
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الاعتِزاز بالوطَن -حميَّةً للوطن- من صِفات المُنافِقين؛ لقوله : ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ﴾، وقَصدُهم بذلك إِحْمَاءُ حمِيَّتهم الوطنية، وأمَّا الحديث الذي يُرْوَى: "حُبُّ الوَطَنِ مِنَ الإِيمَانِ" (١)، فإنه كذِب على الرسول ﵊، وليس صحيح. أمَّا الاعتِزازُ بالوطَن لكَوْنه إسلاميًّا فهذا لا بأسَ بِه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَواز تَسْمِية المدينة بيَثرِبَ، هكذا استَدَلَّ به بعضهم، ووجهُ قول هذا القائِلِ: إن اللَّه تعالى حَكاه عنهم وأَقرَّه، ولكن بعض أهل العِلْم ﵏ قال: لا يَدُلُّ على ذلك، بل إنما يَدُلُّ على العكس، وأن تَسميتها بيَثرِبَ إنما يَكون من المُنافِقين؛ لأن اللَّه تعالى يَحكِي الكُفْر عن الكافِرين، فيَحكِي كلَّ ما يقوله هؤلاءِ الكُفَّارُ، من المُنافِقين وغيرهم، وهل ما حَكاه عنه من الكُفْر إقرارٌ له؟
الجوابُ: لا، إذَنْ: يُسْتَفاد من الآية أن تَسْمية المدينة بيَثرِبَ من شأن المُنافِقين؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "يَقُولُونَ: يَثْرِبُ. وَهِيَ المَدِينَةُ" (٢)، وهذا وَاضِح بأن الرسول ﵊ لم يَرتَضِ بهذه التَّسميةِ.
ويَتفرَّع على هذه الفائِدةِ: بيانُ ما كان عليه من أُولئِك المُؤرِّخين -لا نَقول: العرَب بَل نَقول: الإسلامِيِّين- الذين هم إمَّعَة، جاء المُستَشرِقون فكانوا يَتحَدَّثون عن الرسول ﷺ باسْمِ محُمَّد فقَطْ قالوا: محُمَّد. كما قال الكُفَّار في عهد الرسول ﵊، ويَتحَدَّثون عن المدينة بأنها يَثرِبُ، فجاء هؤلاء المَساكينُ يُقلِّدون أُولئكَ المُستَشرِقين، فساروا يُعبِّرُون عن الرسول بكلِمة محُمَّدٍ، ويُعبِّرون عن المدينة
стр. 116
بكلِمة يَثرِبَ، وكأنَّ هذا هو الفَخْر والرُّقِيُّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن أولئك المُرْجِفين لم يَقْتَصروا على الإِرْجاف بل ضَلَّلوا الناس بقولهم: ﴿فَارْجِعُوا﴾، فيُستَفاد منه فائِدة ما تَتَفرَّع على هذا: أن كل مَن دعا إلى الرُّجوع عن الحقِّ ففيه شبَهٌ بالمُنافِقين، لقوله تعالى: ﴿فَارْجِعُوا﴾ هؤلاء أَرجَفوا أوَّلًا، ثُم دعَوْا إلى التَّرْك ﴿فَارْجِعُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: بيانُ مَكْر المُنافِقين حيث جاؤُوا يَستَأذِنون الرسول ﷺ تمَويهًا، وأنه ليس في النِّية التقاء، لكن يُموِّهون ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾، ففيه دليلٌ على تمويهِ المُنافِق، وإظهار حاله بحال المُؤمِن المُنْقَاد الذي لا يَنصَرِف إلَّا بعد الاستِئْذان، مع أن الاستِئْذان في مثل هذا الأَمرِ أو في مثل هذه الحالِ من الاستِئْذان بالحَقِّ من شأن المُؤمِنين، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن مِن شَاْن المُنافِقين الكذِبَ؛ لقوله : ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾ وهُمْ كَاذِبون.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيَانُ إحاطة عِلْم اللَّه تعالى بِمَا في القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.
أمَّا قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ فهذا قد يُعلَم؛ لأنه ظاهِر أن البُيوت حَصينة ولا عليها من العَدُوِّ، لكن ﴿إِنْ يُرِيدُونَ﴾ الإرادة في القَلْب لا يَعلَمها إلَّا اللَّه أو صاحبها، أو مَن أَطلَعه اللَّه تعالى عليه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وُجوبُ تكذيب الناطِق بالباطِل، فهل يَصِحُّ التعبير بكلمة (وُجوبِ) أن نَقول: (مَشروعِيَّة)؟ إن نظَرْنا إلى أن البعض يَجِب إبطاله قلنا: (يَجِب)،
стр. 117
لكن الكَلام على: هل يُؤخَذ من الآية مَشروعية إبطال قول الناطِق بالباطِل؛ لأن اللَّه تعالى أَبطَله في قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾.
* * *
стр. 118
الآية (١٤)
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٤].
* * *
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ﴾: (لو) هذه شَرْطية، وفِعْل الشَّرْط فيها ﴿دُخِلَتْ﴾، وجوابُ الشَّرْط: ﴿لَآتَوْهَا﴾، ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ نائِب الفاعِل فسَّره المُفَسِّر ﵀ [بالمَدينة]، يَعنِي: لو دُخِلَتِ المدينة عليهم من أَقْطارها، وتَفسيره إيَّاها بالمدينة يُؤيِّده قوله تعالى في أول الآية: ﴿يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ﴾.
وفسَّره بعضُهُم بالبُيوت أي: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ﴾ البُيوت ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾، ويُؤَيِّد هذا التَّفسيرَ قوله تعالى: ﴿إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ﴾، لكن يُرجّح الأوَّل أنها المدينة قوله تعالى: ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾؛ لأن الغالِب أن كلِمة ﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ لا تَأتِي للبُيوت؛ لأن البُيوت صَغيرة، فجِهاتُها لا يُطْلَق عليها قُطْر، وإنما الأقطار تَكون في الشيء الكبير؛ ولهذا قال ﵀: [﴿مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي: نَواحيها]، يَعنِي: لو دخَل العَدوُّ المدينةَ من نواحيها كلِّها، أو مِن أيِّ ناحيةٍ منها [﴿ثُمَّ سُئِلُوا﴾ أي: سأَلهم الداخِلون الفِتْنة، ﴿لَآتَوْهَا﴾ بالمَدِّ والقَصْر أي: أَعطوها].
وقوله تعالى: ﴿سُئِلُوا الْفِتْنَةَ﴾ نائِب الفاعِل المُنافِقون، والسائِل -الفاعِل
стр. 119
في المَعنَى- الذي دخَل المدينة من أَقطارها.
فلو سأَلَهم هذا الداخِلُ الفِتْنة يَقول المُفَسِّر ﵀: [الشِّرْكَ]، والدليل على أن الفِتْنة بمَعنى الشِّرْك قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣]، هذا يَكون شِرْكًا؛ وقال الإمامُ أحمَدُ ﵀ في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور: ٦٣]، قال: "أَتَدْرِي ما الفِتْنة؟ الفِتْنة: الشِّرْك" (١).
فهؤلاء لو دُخِلت عليهم المدينة لَمْ يَكُن عندهم إخلاصٌ في الإسلام وبَقاءٌ علَيه فبمُجرَّد ما يَسأَلهُم الداخِلون الكُفْر يُوَافِقون عليه؛ لأنهم قَوْلم لا يُريدون إلَّا الدنيا فقط، يُريدون أن يَعيشوا في الدنيا ولو عِيشةَ الحِمار! أمَّا أن يَعيشوا عِيشة المُؤمِنين فإنهم لا يُريدون هذا.
ولذلك يَقول: "لَآتَوْهَا" هذا المَدُّ، والفَرْق بينهما أن (أتَى) بمعنى: جاء، و (آتَى) بمعنى: أَعطَى، وتفسيرُ القِراءَتَيْن أو مجموع التَّفسير يَدُلُّ على أنَّهم يُعطُون ما سُئِلوا، ويَأتون إليه بانقِياد، يَعنِي: أتَى الشيءَ يَعنِي: جاءَهُ باختياره، وآتاه بمَعنى: أَعطاه ولو عن كُرهٍ، ولكن مع ذلك هَؤلاء قَوْم يُعطُون ما سُئِلوا عن اختيار؛ ولهذا في القِراءة الثانية: ﴿لَآتَوْهَا﴾ لجاؤُوها.
فصار هَؤلاء القومُ الذين يَستَأْذِنون النبيَّ ﷺ بحُجَّة أن بُيوتَهم عَورةٌ صار الأَمْر خِلافَ ما قالوا؛ لأن اللَّه تعالى أَخبَر عنهم، وهو أَعلَمُ بما في قُلُوبهم، وهذا مِنِ اطِّلاع اللَّه تعالى على ما في القُلوب، أَخبَر عن أَمْر مُستَقبَل لم يَقَع، يَصدُر من قَوْم لا نَعلَم نحن ما في قُلوبهم ولكن اللَّه تعالى يَعلَم؛ واللَّهُ يَعلَم
стр. 120
ماذا يَحدُث من عَبدِه، لو حصَل لهم ما يَحصُل به هذا القَصدُ، بل إنه يَعلَم أَبْلَغَ من ذلك، قال عن الذين يَقولون: إنهم لو رُدُّوا إلى الدُّنْيا لعمِلوا صالِحًا، قال تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، لأنه يَعلَم ما في قَلْب الإنسان.
وقوله تعالى: ﴿لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾: ﴿تَلَبَّثُوا﴾ بمَعنَى: تَريَّثوا، يَعنِي: لا يَترَّيثُون في إعطاءِ الفِتْنة وقَبُولها إلَّا يَسيرًا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ قيل: إن هذا بمَعنَى: إلَّا عدَمًا؛ لأن اليَسير والقليل قد يُراد به العدَمُ، وقال بعضهم: ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ أي: إلَّا قليلًا على وجه الحقيقةِ، وهذا الزمَنُ اليَسيرُ هو ما بين السُّؤال والجواب، يَعنِي: ما بين أن يُسأَل ثُمَّ يُجيب، هذه المَسافة من المُدَّة قَصيرة جِدًّا، وهي كالمَسافة التي بين قول القائِل: بِعْتُك هذا الشيءَ. فتقول المُشتَرِي: قبِلْتُ. يَعنِي: أنهم -والعِياذُ باللَّه- لا يَتَلبَّثون ولا يَتَريَّثون أبدًا، بل يَقبَلون فَوْرًا، فليس بين قَبولهم وسُؤال فِتْنة إلَّا ما بين مُدَّتَي السؤال والجواب.
وفي الحقيقة أنَّ هذه المُدَّةَ قصيرةٌ كالعدَمِ؛ ولهذا فُسِّر قوله : ﴿إِلَّا يَسِيرًا﴾ يَعنِي: إلَّا عدَمًا ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن المُنافِقين أشَدُّ الناس ذُعْرًا، لِقَوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾؛ لأنَّ عِندهم ذُعْرًا من هؤلاء الذين دخَلوا من أَقطارها.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: قُرْب المُنافِقين من الكُفْر والشِّرْك، لقوله : ﴿سُئِلُوا
стр. 121
الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا﴾ مُبَادِرين، لَا يَتلبَّثُون ويَقولون: نَنْظُر في الأمر! .
وهل يُسْتَفاد من هذه الآيةِ أنَّه لا حُكمَ للإِكْراه، وأن الإنسانَ إذا كفَر مُكرهًا، فإنه يَترتَّب على كُفْره حُكْم الكافِر؟ أَقول: هل يُستَفاد من الآية أنه لا حُكمَ للإكراه وأن مَن كَفر مُكرهًا فعليه الإِثْمُ؟
الجَوابُ: أن هَؤلاءِ سُئِلوا ما أُكرِهوا بمُجرَّد السؤال وافَقوا، فليس فيه مُعارَضةٌ لقوله : ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ﴾ [النحل: ١٠٦] لا يُعارِض هذه الآيةَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيانُ أن المُنافِق حياتُه حياةٌ مادِّيةٌ يُريد أن يَعيش سَواءٌ كان كافِرًا أو غير كافِر؛ لأن هؤلاء إذا سُئِلوا الفِتْنةَ آتَوْها، إِذَنْ: فإيمانهم ليس إيمانًا حقيقيًّا، وإلَّا المُؤمِن الحَقيقيُّ لو سُئِل الشِّركَ ما أَشرَك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هَؤُلاءِ المُنافِقين أنَّ المُنافِقين أصحابُ غَدْرٍ وخِيَانة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾، وهُمُ الآنَ يحاوِلون الإِدْبَار، لكنَّهم يُموِّهون بسؤال النَّبيِّ ﷺ واستِئْذانه.
إِذَنْ يَتفرَّعُ على هذه الفائِدةِ: أن كلَّ مَن نقَض العهد ففيه شبَهٌ من المُنافِقين، ولهذا جاء الحديثُ عن النبيِّ ﵊: "آيَةُ المنافِقِ ثَلَاثٌ: وَمنْهَا إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ" (١).
стр. 122
ويَتَفرَّع على ذلك: أنه إذا كان الغَدْر من صِفات المُنافِقين، فالواجِبُ على المُؤمِن البُعدُ عنه، ولو لم يَكُن من الغَدْر إلَّا أنه من صِفات المُنافِقين لكان ذلك كافِيًا في وُجُوب البُعْد والحَذَر منه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: استِهانةُ المُنافِقِ بحقِّ اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ﴾ يَعنِي: نَقْض العَهْد مع إنسان مِثْلك قد يَكون أهونَ، لَكِن نَقْض العهد مع اللَّه أشَدُّ وأعظَمُ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تحريم تَوْليةِ الأدبار عند مُلاقاة العَدوِّ؛ وجهُ ذلك أن اللَّه تعالى ذكَرَ هذا عن المُنافِقين تحذيرًا منه، وقد دلَّتِ الآية الكريمة في سورة الأنفال على أنهم من كبائر الذُّنوب؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٥ - ١٦]، وجاءَت في الأحاديث بِعَد ذلك من المُوبِقات، يَعنِي: من المُهلِكات؛ لأنه من الكبائِر.
* * *
стр. 123
الآية (١٥)
* قالَ اللَّه : ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾ [الأحزاب: ١٥].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا﴾ الجُمْلة هذه مُؤكَّدة باللَّام و (قد)، قَسَمٌ مُقدَّر، كلَّما جاء مثل هذا التَّعبيرِ في القُرآن، فإنه مُؤكَّدٌ بالمُؤكِّدات الثلاثة، يَعنِي: واللَّهِ لقد كانوا عاهَدوا اللَّه تعالى مَن قَبلُ.
وتَقدَّم لنا أن اللَّه تعالى يُقسِم عن الشيء لا في جانب الإنكار، ولكن في جانب الأهمية، وقد يُقسِم عليه في جانب الإنكار مثل قوله : ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، هنا أكَّد اللَّه هذا العَهْد مِنْهم أنَّهم: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾، وهذا العَهدُ بينهم وبين الرسول ﷺ ، والمُعاهَدة مع الرسول ﵊ مُعاهَدة مع اللَّه تعالى، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، فهُم عاهَدوا الرسول ﵊ ألَّا يفرُّوا ولا يُوَلُّون الأدبار، ولكنهم نقَضوا العهد؛ لأن نَقْض العهد والخِيانة والكذِب من خِصال المُنافِقين، فهذه سَجِيَّة فيهم.
قوله تعالى: ﴿عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾؛ ما محَلُّ قوله : ﴿لَا يُوَلُّونَ﴾ من الإعراب؟
стр. 124
قال بعضُهم: إنها لا محَلَّ لها من الإِعْراب؛ لأنها جوابٌ لقَوْله: ﴿عَاهَدُوا﴾، وقال بعضهم: إنها بَيان للمُعاهَدة؛ لأن المُعاهَدة التي وقَعَت أنهم لا يُولُّون الأدبار، وكلِمة: ﴿لَا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ تَحتاج إلى مَفعولَيْن؛ المَفعول الأوَّل: ﴿الْأَدْبَارَ﴾ والمَفعول الثاني: مَحذوف، والتقدير: لا يُولُّون عَدوَّهم أَدْبارَهم، أَوْ تولية الدُّبر. ومَعناه: الانصِراف والانحِراف، فبَدَلًا من أن تَكون وجوهُهم نحوَ العَدوِّ تَكون أدبارهم نحو العَدوِّ، فهم أَقسَموا بالأوَّل، وعاهَدوا أنهم لا يُوَلُّون الأدبار عند مُلاقاة الأعداء، ولكنهم نقَضوا العَهْد.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [كان عَهْد اللَّه مَسؤُولًا عن الوَفاء به]، فعلى هذا تَكون المَسؤُولية ليس على العَهْد نفسِه بل عن الوَفاء به، فالعَهْد مَسؤول، يَعنِي: مَسؤُول عن الوفاء به، والسُّؤال عن الوفاء به سُؤال عن وقوعه أيضًا، فيُقال مثلًا: أليس بيني وبينك عَهْد؟ ألم تَنقُض العهد؟ فيَكون السؤال عن نَفْس العَهْد وعن الوَفاء به.
وهذه المَسؤُولية متى تَكون في الدُّنيا أو في الآخِرة؟
والجوابُ: أمَّا المَسؤُولية التي بين الإنسان وبين ربه فإنها في الآخِرة، وأمَّا المَسؤُولية التي تَكون بينه وبين الناس فهي في الدنيا، يُطالَب بالوفاء بالعَهْد، قال تعالى: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
إثبات الحِساب؛ لقوله: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْئُولًا﴾، فكُلُّ ما بَيْنَك وبين اللَّه من الحُقوق، فإنَّك مَسؤُول عنه يوم القِيامة، قال اللَّه : ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٧].
стр. 125
الآية (١٦)
* قالَ اللَّه : ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٦].
* * *
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾: ﴿لَنْ﴾ تُفْيد ثلاثَةَ أشياءَ؛ النَفي والنَّصْب والاستِقْبال، يَعنِي: أن الفِعْل المُضارع مُحتَمِل لأَنْ يَكون للحال أو للاستِقْبال، فإذا دَخَلَت عليه (لَنْ) تَعيَّن أن يَكون للاستِقْبال.
وهل (لَنْ) للنَّفْي المُؤبَّد، أم تَكون للتَّأبيد وغير التأبيد؟
الجوابُ: لغير التَّأبيد دائِمًا، وتَكون للتأبيد، يَعنِي: تَكون لهذا ولهذا، فمِثال التأبيد قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤]، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وتَأتِي لغَيْر التأبيد، أو رُبَّما يَنْظُرون لأكثَرَ من هذا، هل هي للتأبيد أو لغير التأبيد؟ قال : ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران: ١١١] هل أنهم قد يَضُرُّون المُؤمِنين بغير أذًى أو لا يَضُرُّونهم إلَّا أذًى.
وقال اللَّه : ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] هذا للتَّأْبيد، فهُمْ قد يَتمَنَّوْن الموت في عذاب النار يَتمَنَّوْن الموت، وفي الدنيا لا يَتَمنَّوْن الموت، ولكن حتى ولو في الدُّنْيا فإنها مُؤكَّدة بقوله تعالى: ﴿أَبَدًا﴾.
стр. 126
الصَّحيحُ: أنَّ (لن) لا تَطلُب التَّأبيد كما قال ابن مالِكٍ ﵀ (١):
وَمَنْ رَأَى النَّفْيَ بِلَنْ مُؤَبَّدَا ... فَقَوْلَهُ ارْدُدْ، وَسِوَاهُ فَاعْضُدَا
فلا يُمكِن أن تَأتِيَ للتأبيد أبَدًا يَعنِي: مَعناه: لا تَسْتَلزِم التأبِيد وإلَّا قد تُفيده؛ ولهذا قال أهل السُّنَّة: إن قول اللَّه تعالى لمُوسى ﵇: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣] لا يَستَلزِم أنه لا يَرَى اللَّه تعالى لا في الدنيا ولا في الآخِرة، وأمَّا المُعتَزِلة ومُنْكِرو رُؤية اللَّه فإنهم يَقولون: (لَنْ) تُفيد التأبيد، فتَدُلُّ على أنَّ اللَّه تعالى لن يُرَى أبدًا.
يَقول اللَّه تعالى: ﴿لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ يَعنِي: فإنْ لَم تَفِرُّوا من الموت أو القَتْل نفَعكم الفِرارُ، هذا القيد لِبَيانٍ واقِع، لأنه لا فِرارَ إلَّا إذا فَرُّوا، فإنه لا يَنفَعُهم أيُّ شيء من الموت أو القَتْل.
قال : ﴿وَإِذًا﴾ يَعنِي: لو فُرِض أنكم فرَرْتُم من الموت أو القَتْل، قال ﵀: [﴿وَإِذًا﴾ إن فرَرْتم ﴿لَا تُمَتَّعُونَ﴾ في الدنيا بعد فراركم ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بقية آجالِكم]، يَعنِي: على فَرْض أنكم فرَرْتُم من الموت أو من القَتْل، فهل ستَبقَوْن في الحياة؟ لا، لا يَبقَوْن إن فرُّوا، ولا يُمتَّعون إلَّا قليلًا، وهو بَقيَّة آجالِهم.
وهذا على تَقدير فِرارهم، وحينئذٍ ما الفائِدة من أن يَدَع الإنسان القِتال المَفروض عليه ويُولِّي الدُّبر لأَمْر قد يَنفَعُه وقد لا يَنفَعُه، فقد يَموت في حال تَولِّيه، وقد يَبقَى ويُعَمَّر، لكن لو بَقِيَ وعُمِّر هل سيَبقَى أبدًا؟ لا، فلا يُمتَّع إلَّا قليلًا، ومَهما طال الأمَد به فإنه قليل.
стр. 127
ولهذا الدُّنيا كلُّها بالنِّسبة للآخِرة ليست بشيءٍ، قال اللَّه تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧]، وأَخبَر النبيُّ ﵊ أن: "مَوْضِع سوْطِ الْإِنْسَانِ فِي الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١)، فالمَتاع في الدُّنيا في الحقيقة ليس بشيء بالنسبة لوَقْت الآخِرة، ولهذا قال : ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
ثُمَّ هناك شيءٌ آخَرُ: أنَّهم لو قُتِلوا في سبيل اللَّه تعالى فإنهم قُتِلوا ولكنهم أحياءٌ قال اللَّه : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤].
هذا القَوْلُ باللسان نُهِينا عنه وحتى الظَّنُّ بالقَلْب نُهِينا عنه، قال : ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]، فلا يَجوز القولُ ولا الحُسْبان بأن مَن قُتِل في سبيل اللَّه تعالى يَكون ميتًا، بل هو ميت البدَن، لكنه حيُّ الرُّوح حياة بَرْزخية، وليست كحياة الدُّنيا، ولو كانت كحَياة الدُّنيا ما جاز أن يُدْفَن هؤلاء؛ لأنا لو دَفَنَّاهم وهم أحياءٌ كالحياة الدُّنيوية لكنا قد قتَلْناهم وأَهلَكْناهم.
وبهذا نَعْرِف ضَلال مَن قالوا: إنهم أحياءٌ يَسأَلون لك إذا سأَلْتَهم أن يَدعوا اللَّه تعالى لك، ويُجيبونك ويَتوَصَّلون بهذا الشيءِ إلى الإشراكِ بهمْ وبالأنبياء وبمَن يَزعُمونهم أَولياءُ، لأَجْل تعميم الأحوال كما قال : ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾ [الجمعة: ٨]، أو يُقال أيضًا لهؤلاء الذين جاؤُوا للقِتال
стр. 128
قد يَموتون بدون قَتْل، خاصَّة في الشُّهداء ومَن هُو أفْضَل منهم؛ هذا هو الظاهِر، ويُحْتَمَل أن يَكون هذا خاصًّا بالشُّهَداء؛ لأن الشُّهَداء تَعرَّضوا للموت ابتِغاءَ وَجْه اللَّه ، فبَعضُ أهل العِلْم ﵏ يَقول: إذا ثبَت هذا للشُّهداء في الحياة البَرْزَخية فلِمَن هو أفضَلُ منهم أثبَتُ، مثل: الصِّدِّيقين والأنبياء ﵈.
ولكن عِندي أن فيه احتِمالًا بأن هذا خاصٌّ بالشُّهَداء؛ وذلك لأن الشَّهيد ليس كغيره، إذِ الشَّهيد عرَّض نَفْسه للمَوْت وباع نفسَه فيُجازَى بأن يَكون حيًّا، لكن المشهور أن مَن هو أعلى من الشُّهَداء له ذلك الحُكْمُ، والأنبياء ﵈ لهم خِصيصة أخرى أيضًا ليست في غيرهم، وهي أن الأرض لا تَأكُل أَجسادَهم.
قال : ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]، وقال: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦] ومثل هذا التَّعبيرِ ذكَر المُفسِّرون أنه يُراد به العدَم، يَعنِي: لا يُؤمِنون أبدًا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: في الآية هذه دَليلٌ على أنه لا فِرارَ من قدَر اللَّه تعالى؛ لقوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ مُتعَلِّقٌ بـ ﴿فَرَرْتُمْ﴾ أم بالفِرار؟ ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾ إن فرَرْتُم، وتَكون جُملةً شَرْطية، و ﴿إِنْ فَرَرْتُمْ﴾ جُملة مُعتَرِضة، وهذا أَوضَحُ في المَعنَى.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه لا فِرارَ من قدَر اللَّه تعالى.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وهَلْ يُسْتَفاد من الآية الكريمة إِبْطال الأَسباب؛ لأن الانسان لو رأَى نارًا تَلْتَهِم الشجَر مُقْبِلة عنه، هل يَهْرَب أم لَا؟ يَهرَب، فربَّمَا يَنجو.
стр. 129
فلو قال قائِل: هذه الآيةُ تَنفِي العمَل بالسبَب؟ .
فالجَوابُ على ذلك أن نَقول: إذا كان العمَل بالسبَب مُبطِلًا لحُكْم شَرْعه، فإنه لا يَجوز كهذه الحالِ، فإبطال الأَسْباب القدَرية بانتِهاك الأحكام الشَّرْعية هذا لا يَجوز، يَعنِي: أن يَترُك الإنسان الحُكْم الشَّرْعيَّ الواجِب خوفًا من آثاره هذا ليس بجائِز، لكن سببٌ حقيقيٌّ مَأذونٌ فيه شرعًا يُفعَل أم لا؟
الجَوابُ: إذا كان سبَبًا حقيقيًّا مَأذونًا فيه شَرْعًا فلْتَفعَلْه، فما نَقول للرجُل: إذا رأيت النار مُقبِلةً عليك فقِفْ لا تَفِرَّ، لا يَنفَعُك الفِرار! ! هذا ليس بصحيح، بل نَقول في هذه الحالِ: فِرَّ؛ لأن هذا سببٌ مُبَاح مَأذون فيه شَرْعًا وسبَب حقيقيٌّ، لكن بأن نَجعَل الأسباب مُعطِّلة للأحكام الشرعية هذا لا يَجوز.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بيان نُفُوذ حُكْم اللَّه الشَّرْعيِّ والقدَريِّ، أمَّا القدَريُّ فلا إرادةَ لك فيه، وأمَّا الشَّرْعيُّ فلك فيه إرادة؛ ولهذا نَقول: بالنسبة للشَّرْعيِّ وجوبُ تَنْفيذ حُكْم اللَّه الشَّرْعي؛ لأن اللَّه تعالى عاب هؤلاء الفارِّين؛ لكون فِرارِهم يَتَضمَّن إِسْقاطَ حُكْمٍ شَرْعيٍّ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن البَقاء في الدنيا وإن طال فهو قليل؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، وقد قال اللَّه تعالى في آيةٍ أخرى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ [النساء: ٧٧].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَوْبيخ هَؤُلاء الذين فرُّوا للتقاء على حياتهم؛ أو للإِبْقاء على حياتهم يُؤْخَذ من أَمْر اللَّه تعالى نَبِيَّه ﷺ أن يَقول لهم: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ﴾، وهذا لا شكَّ أنه على سبيل التَّوْبيخ لهم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذًا﴾ يَعنِي: لو فرَرْتم ونجَوْتم من هذه الحادِثةِ لا تَنجُون من الموت،
стр. 130
فـ ﴿لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن المُنافِقين أهلُ جُبْن وذُلٍّ وخَوف ورُعْب، وهذا أيضًا يَتَرتَّب عليه مُشكِلة، وهي أن الخوف من الموت أمرٌ طبِيعيٌّ، قال اللَّه عن مُوسَى ﵊: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ﴾ [القصص: ٣٣]، وهذه فيها إِشْكال.
وهؤلاء يَخافون من القَتْل كما أشَرْنا إليها قبل قَلِيل، فالخَوْف من القَتْل الذي يَسْتلزِم إِبْطال حُكْم شَرْعيٍّ هذا لا يَجوز، أمَّا هذا خاف من القَتْل؛ لأنه تَسبَّب له وهو مُمكِن أن يُقتَل أم لا؟ فمُوسى ﵇ يُمكِن أن يُقتَل؛ لأنه فعَل ما يَستَلزِم القَتْل عند هؤلاء.
* * *
стр. 131
الآية (١٧)
* قالَ اللَّه : ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٧].
* * *
ثُمَّ قال : ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال المُفَسِّر ﵀ في مَعنَى ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾: [يُجيرُكم]، ولكن الصواب المُراد بها يَمنَعُكم؛ لأن العِصْمة هي المَنْع، ومنه المَعْصوم يَعنِي: المَمنوع من الخطَأ، فالصواب أن يَعصِمكم أن يَمنَعَكم من اللَّه تعالى.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي﴾ إعرابُ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾: ﴿ذَا﴾ مُلغاةٌ؛ لأنها إذا جاء بعدها اسمٌ مَوْصولٌ، فإنها تَكون مُلغاةً مثل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ومثل: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي﴾ يَنفَعُكم ﴿يَعْصِمُكُمْ﴾.
وقوله : ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ﴾ الاستِفْهام هنا يُراد به النَّفيُ، يَعنِي: لا أحَدَ يَعْصِمُكم، وإذا جاء النَّفيُ بصِيغةِ الاستِفهام فإنه أبلَغُ من النَّفي المُجرَّد؛ لأنه يَكون نَفيًا مُشْرَبًا بالتَّحدِّي كأنه يَقول: أَخبِروني أَيَعْصِمكم أحَدٌ من اللَّه تعالى إن أَراد بكم سُوءًا.
فهذه قاعِدة في كل ما يَكون فيه الاستِفْهام بمَعنَى النَّفي، أن نَقول: (عُدِل عن النَّفْي المَحْض إلى الاستِفْهام، ليَكون مُشرَبًا بمَعنَى التَّحدِّي).
стр. 132
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: يَمنَعُكم منه إن أَراد بكم سُوءًا؟
الجَوابُ: لا أحَدَ؛ يَقول ﵀: [﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾ هَلاكًا أو هَزيمةً]، هلاكًا إذا لم يَكُن هناك قِتالٌ، أو كان قِتالٌ فقُتِلتم أو هَزيمة إذا غُلِبتم وبقِيتم، وكلُّ ذلك سوءٌ، لكنه سُوء بالنِّسْبة للمُكلَّف، أمَّا بالنِّسْبة لفِعْل اللَّه فإنه خَيرٌ، لأنه لحِكْمة.
قال المُفَسِّر ﵀: [أو يُصيبكم بسُوء إن أَراد اللَّه بكُمْ رَحمةً خَيرًا]، المُفَسِّر ﵀ قدَّر هذه الجُمْلةَ لأنه ﵀ ذكِيٌّ جِدًّا قال: أو يُصيبكم بسُوءٍ. (يُصيبكم) معطوفةٌ على (يَعصِمكم)، يَعنِي: أو مَن ذا الذي يُصيبُكم بسُوءٍ إن أَراد اللَّه تعالى بكم ﴿رَحْمَةً﴾ خيرًا.
والجوابُ أيضًا كالسابِق لا أحَدَ، وإنما قدَّمَ المُفَسِّر ﵀ [أو يُصيبكم بسُوء] على خِلاف ظاهِر السِّياق، لأن الرحمة لا تُعَدُّ مُصيبةً حتى تَحتاجَ إلى العِصْمةِ، فإنَّه إذا أَراد اللَّه بالإنسان رحمةً لا يُقال: مَن ذا الذي يَعصِمكم منه، لأن الرحمة مَطلوبة، لا يَتَطلَّب الإنسان فيها أحَدًا يَعصِمه منها، فلهذا قَدَّر قوله : [أو يُصيبكم بسُوء] يَعنِي أي: يُصِيبكم أحَدٌ بسُوءٍ إن أَراد اللَّه تعالى بكُمْ رَحْمةً، ولكن الصحيح أنَّه لا حاجةَ إلى هذا التَّقديرِ، فإذا جَعَلنا العِصْمة بمَعنَى المَنْع فالمَعنَى: مَن الذي يَمنَعُكم من اللَّه تعالى إن أَراد بكُمْ سُوءًا، ومَن الذي يَمنَعُكم من رَحْمته إن أَراد بكم رَحْمة، فالفِرار لا يَمنَعُكم من السوء الذي أَراد اللَّه تعالى بكُمْ، والبَقاء لا يَجلِب لكم الرَّحْمة التي أَراد اللَّه تعالى بكم، فالكُلُّ بيَدِ اللَّه لا يَنفَعُكم الفِرارُ ولا البَقاء.
стр. 133
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [خَيْرًا]، فإذا كُنَّا فسَّرْنا الأوَّل بالهَلاك والهَزيمة، فالمُراد بالخَيْر هنا النَّصْر والبَقاء.
قال المفسر ﵀: [﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: غيره ﴿وَلِيًّا﴾ يَمنَعهم ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ يَدفَع الضُّرَّ عنهم]؛ أي: لا يَجِدون لهم -أي: هؤلاء الذين فرُّوا من القِتال- أحَدًا يَنفَعهم، أو يَجلِب لهم الخَيْر، أو يَدفَع عنهم الضُّرَّ، لا يَجِدون وَليَّا، والوليُّ هو مَن يَتولَّى أمرًا، ويَعتَنِي به، فهؤلاء لا يَجِدون أحَدًا سِوَى اللَّه تعالى.
وقوله : ﴿وَلِيًّا﴾ يَعنِي: بالو لاية العامة؛ لأن ولاية اللَّه تَنقَسِم إلى قِسْمَيْن:
ولاية عامَّة: تَشمَل كلَّ أحَدٍ.
وولاية خاصَّة: للمُؤمِنين فقَطْ.
قال اللَّه تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد: ١١].
أمَّا في المَعنَى العامّ فمِثْل قوله : ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: ٦٢]، فإن هذه هي الولاية العامَّة؛ لأن اللَّه تعالى وَليٌّ على كل أحَد بالمَعنَى العامِّ الذي هو التَّدْبير والمُلْك والسُّلطان.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَصِيرًا﴾ النَّصير: هو الذي يَنصُرُك عند مُلاقاة الأعداء ويَمْنَعُك منهم، فهؤلاء ليس لهم أحَد يَتَوَلَّاهم لجلْب الخير لهم، ولا يَنصُرهم لدَفْع الضَّرَر عنهم؛ لأن الأَمْر كلَّه للَّه تعالى.
стр. 134
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: نَفاذ حُكْم اللَّه ؛ أنَّ حُكْم اللَّه تعالى نافِذٌ في الخَلْق لا يَمنَعه أحَد، وجهُ ذلك ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ﴾، والاستِفْهام هنا كما سَبَق بمَعنَى النَّفي.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات الإرادة للَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الرَّدُّ على بعض طوائِف القدَرية الذين يَقولون: إن اللَّه تعالى لا يُريد السُّوء، يُريد الخيرَ، لكن لا يُريد السُّوء؛ لقوله تعالى: ﴿أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، وفي الآية إِشْكال: وهو أن ظاهِرها أن اللَّه يُريد السُّوء، مع أن النبيَّ ﵊ يَقول: "وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ" (١)، فما هو الجوابُ؟
نَقول: السُّوء بالنِّسبة للمَفعولات، أمَّا بالنِّسبة لفِعْل اللَّه تعالى نفسِه -الذي هو فِعْله- فليس بسُوءٍ، فالمرَضُ مثَلًا سوءٌ بالنسبة للعَبْد يَسوؤُه ولا يَسُرُّه، لكنه بالنِّسبة لتَقدير اللَّه له خيرٌ وحِكْمةٌ، كما أَشَرْنا إلى هذا كثيرًا؛ إذَنْ: نَقول في الجواب على هذا الإِشْكالِ: إن السُّوءَ عائِدٌ إلى المَفعول لا إلى الفِعْل الذي هو تَقدير اللَّه تعالى.
ونَظير ذلك: لو أن أبًا شَفيقًا رحيمًا أُصيب ولَده بداءٍ فكَواه بالحديدة المَحماةِ على النار، لكان هذا لا شَكَّ يَسوء الطَّفْل أو يَسوء الولَد؛ لأنه يُؤْلمِه أو يُوجِعه، وهو بالنِّسبة لفِعْل الأَبِ ليس إساءةً، بل هو خَيْر وإن كان يُؤلمُ الطِّفْل الولد.
стр. 135
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن اللَّه لا مَانِعَ لما أَعطَى ولا مُعطِيَ لما منَعَ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فلا أحَدَ يَمنَع ما أَعطاه اللَّه ، ولا أحَد يُعْطِي ما منَعه اللَّه تعالى، وعلى هذا قوله ﵊: "اللَّهُمْ لَا مَانِعَ لمِا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لمَا مَنَعْتَ" (١).
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن فيها حَثًّا على تَعَلُّق الإنسان باللَّه دُوْن غيره؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾، فإذا كان الأَمْر كلُّه بيَد اللَّه تعالى فإن الإنسان يَتعَلَّق بربِّه دون غيره.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن أُولئِك الكُفَّارِ لن يَجِدوا أحَدًا يَنصُرهم أو يَتولَّاهم دون اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ ويَترَتَّب على ذلك: قَطْع كل عُلقَةٍ تَكون بين المُشرِكين وبين أَصنامهم، وأن أَصنامهم لا تَنفَعهم مَهما كان الأمرُ، ولكنه يَرِدُ على هذا إشكالٌ وَهو أن هؤلاء الذين يَدْعون الأصنام قد يَحْصُل لهم ما دعَوْهُ أو ما دعَوْا به هذه الأصنامَ، فكيف نَقول: إنها لا تَنفَعهم؟
فالجواب: أن هذا قد يَقَع ابتِلاءً وامتِحانًا من اللَّه ، ونحن نَعلَم أن هذا لم يَحصُل بدُعاء هذه الأصنامِ، وإنما حصَل عنده وما حصَل عند الشيء ليس كالذي حصَل بالشَّيء.
فإن قلت: نحن لا نَقبَل منك: أنه حصَلَ لا بدُعائهم، ما دام الرجُل دعا ثُم حصَل المُراد؛ فكيف تَقول: إنه من أَمْرٍ خارِج ليس من الدُّعاء من دُعائهم! فهذا رجُل دعا صاحِب القبر وقال: يا سَيِّدِي يا مَوْلاي يا فُلانُ يا فُلانُ، أنا فَقيرٌ أَرجو
стр. 136
أن تُعطيَنِي مالًا وفي اليوم نفسِه مات قريبُه الذي خلَّف مَلايين ولا يَعصِبه إلَّا هو، فأنت تَقول: من تَقدير اللَّه ، وهو يَقول: هذا من الولِيِّ؛ فمَن قال لكَ: إنه استِدْراج؟
والجَواب: هو ابتِلاء -يا إخواني- ولكن ما حصَل هو فِتنةٌ وامتِحانٌ، وقد قُلنا له: هذه فِتنةٌ ودُعاؤُك لم تُحصِّل منه شيئًا، لكن هذا حصَل عند دُعائِك لا بدُعائِك.
فقد يَقول: تبًّا لكم أنتم لا تَعرِفون قَدْر الأَوْليَاء، وأنا دَعَوْت وحصَل لي مُرادي، ورُبَّما يَتحَدَّانا يَقول: أَدْعُو مرة أُخرى فيَأتي القدَر مُوافِقًا!
ونَقول: اللَّه قطَع كلَّ تَعلُّق بغيره ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف: ٥]، ونَعلَم بالآية الكريمة أن هذا لا يَستَجيب لك إلى يوم القِيامة وقال : ﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ﴾ [فاطر: ١٤]، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢١ - ٢٢].
وهذه آياتٌ واضِحة جدًّا أنه لا يُمكِن أن يَسْتجيب له، وإذا لَمْ يُمكِن أن يَستَجيبَ له، فنَعلَم عِلْم اليَقين أن هذا الذي حَصَل ليس بدُعاء هذا الوليِّ، بل حصَل في وقت الدُّعاء وليس بالدُّعاء، فعِند الشيء يَعنِي: أنه قريبٌ منه، وهذا تَقدَّم: أن مَذهَب الأشاعِرة يَقولون: إن الأسباب لا تُؤثِّر بنفسها، وإنما يَحصُل التأثير عِندها لا بها، فلمَّا ضَرَبت الزجاجَ بالحجَر وانكَسَر قالوا: ما انكَسَر، هذا من ارتطام الزُّجاج بالحجَر، حصَل عِنده عند ارتِطامها، ولكن ليس بها، على كل حال.
стр. 137
الآية (١٨)
* قالَ اللَّه : ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: ١٨].
* * *
ثُمَّ قال ﵀: [﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ المُثبِّطين منكم ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾] (قد) هنا للتَّحقيق، والأصل أنها إذا دَخَلت على المُضارع تَكون للتَّقليل، كما يُقال: قد يَجود البَخيل. لكن هنا للتَّحقيق، لأن عِلْم اللَّه محُقَّق، وليس للتَّقليل، وإنما جاءَت: ﴿قَدْ يَعْلَمُ﴾ دونَ: قد عَلِم، ليُفيد أن عِلْم اللَّه مُستَمِرٌّ بهم من ذلك الوقتِ إلى اليَوْم، فإن اللَّه تعالى عالِمٌ بهم وبأحوالهم وتَقلُّباتهم.
وقوله : ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [المُثبَطين]، لأن المُثَبِّط يَعوق الإنسان المُثبَّط أَيْ: يَحول دونه ودون مُراده، وهو ما يُسَمَّى عند الفُقَهاء ﵏ بـ (المُخَذِّل) فالفُقَهاء ﵏ يَقولون في باب الجِهاد: "يَجِب على الإمام أن يَمنَع المُخَذِّل والمُرْجِف"، فالمُخذِّل الذي يُثبِّط العَزائِم يَقول: لا داعِيَ للجِهاد، وليس عندنا استِعدادٌ. وما أَشبَهَ ذلك، والمُرْجِف هو الذي يُرْهِب مِن الأعداء ويُخَوِّف مِنْهم، فيَقول: أَعداؤُكم كثيرون، وأسلِحَتُهم قويَّةٌ. وما أَشبَهَ ذلك.
يَقول تعالى: ﴿الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ الخِطاب للنبيِّ ﵊ والصَّحابة.
وقوله ﵀: [﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ﴾ تَعالَوْا ﴿إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ﴾ القتال
стр. 138
﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ رِياءً وسُمْعةً] ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾: ﴿وَالْقَائِلِينَ﴾ مَعطوفةٌ على ﴿الْمُعَوِّقِينَ﴾ يَعنِي: يَعلَم القائِلين لإخوانهم: هلُمَّ إلينا. وهذا غيرُ التَّعويق؛ لأن المُعَوِّق هو الذي يَعرِض الشيء الذي يُعوّق الإنسان، لكن لا يَدْعوه، ولكن هؤلاءِ يَقولون لإخوانهم، فهو أَبلَغُ من التَّعويق.
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ هذه غَير المُعوِّقين، فليس عَطْفَ صفةٍ، ولكنه عَطْف ذاتٍ، والأصلُ في التَّعاطُف أن يَكونَ لتَغَيُّر الذوات، وقد يَكون لِتَغيُّر الصِّفات، وقد يَكون لِتَغيُّر اللَّفظ، ومنه قولُه:
. . . . . . . . . . . . . . . ... وَأَلْفَى قَوْلهَا كَذِبًا وَمَيْنًا (١)
فمَا تَغيَّر المَعنَى، لكن تَغيَّر اللفظ.
وقوله تعالى: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ هذا في المُنافِقين وسُمُّوا إخوانَهم في النَّسَب، وليسوا إخوانَهم في الدِّين اللهُمَّ إلَّا أن يُرَاد الأُخوَّة الظَّاهِرة، فإن هؤلاء يَتَظاهَرون بأنهم مُؤمِنون.
وقوله : [﴿هَلُمَّ﴾ تَعالَوْا ﴿إِلَيْنَا﴾] هَلُمَّ، هل هي فِعْل أَمْر أو اسْمُ فِعْل أمرٍ؛ اسمُ فعلِ أمير، لأن ليس كلُّ ما دل على الطلَب فهو فِعْل أَمْر، فالمَصدَر قد يَدُلُّ على الطلَب كما قُلت: ضَرْبًا زيدًا. لكن ما يَدُلُّ على الطلَب بذاته -يَعنِي: بغير أداة خارِجية- فإمَّا أن يَقبَل علامة فِعْلِ الأمر أو لا، فإن قبِلها فهو فِعْل أَمْر وإن لم يَقبَل فهو اسمُ فِعْل أمرٍ، أو قد يَكون مَصدَرًا نائِبًا عن الأمر، وقولنا: (بغَيْر أداةٍ خارجيةٍ) احتِرازًا من المُضارع المَقرونِ بلَام الأَمْر، فالمُضارع المَقرون بلام الأَمْر
стр. 139
يَدُلُّ على الأمر، لكن لا بذاته، بل بأداةٍ أُخرى خارِجية، وهي لام الأَمْر.
(هَلُمَّ) هنا اسمُ فِعْل أَمْر، فمثَلًا: عيسى نَقول له: هلمَّ إلينا! هلمَّ إلى الدَّرْس! وأَحمدُ وعِيسى جميعًا نَقول لهُما: هلُمَّ إلينا جميعًا. ونَضُمُّ إليهما زيدًا ونَقول: هلمَّ إلى الدَّرْس. فما تَغيَّر، مُفرَد ومُثنًّى وجَمْع.
أمَّا لو كنَّا نُخاطِب واحِدًا ونَقول: هلُمَّ إلينا. ونُخاطِب اثنين فَنَقول: هَلُمَّا إلينا. ونُخاطِب ثلاثة ونَقول: هَلُمُّوا هَلُمُّوا إلينا. لكان فِعْلَ أَمْر؛ ولهذا نَقول: قُمْ وقوموا، فهي إِذَنِ اسمُ فِعْل أَمْر تُخاطِب بها الواحِد والاثنين والجماعة ولا تَتَغيَّر، هذا على لُغةِ أهل الحِجاز.
أمَّا بنو تمَيمٍ فإنها عندهم فِعْلُ أمرٍ، ولهذا يَقولون للواحِد: هَلُمَّ إلينا. وللاثنين: هَلُمَّا إلينا. وللجماعة: هلُمُّوا إلينا. فالأَمْر هنا يَدُلُّنا على الاثنَيْن اسم فِعْل أمر، لأنها لو كانت فِعْلَ أمر لقال: هلُمُّوا إلينا.
قوله تعالى: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ يَعنِي: تعَالَوْا، هذا بالنِّسْبة لغيرهم، يَدْعون غيرَهم إلى تَرْك القِتال.
قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ والقَليل هنا قد يَكون المُرَادُ به العدَمَ، وقد يَكون المُرادُ به الشيءَ اليَسيرَ القِلَّة، ويُمكِن أن يُراد به العدَمُ بالنسبة لقَوْم، والقِلَّة بالنِّسبة لآخَرين من المُنافِقين، لأن من المُنافِقين مَن لا يَحضُر القِتال أصلًا ومنهم مَن يَحضُر قليلًا للرِّياءِ والسُّمْعة، ومَعلوم أن مَن يُلاحِظ الرِّياء والسُّمعة فإنه إذا كان في محَلٍّ يَجِد الرِّياءَ والسُّمعة حضَر، وإذا كان في محَل لا يَجِد الرِّياء ولا السُّمْعة لم يَحضُر.
стр. 140
وما الفَرْق بين الرِّياء والسُّمْعة؟
الرِّياء يَعود إلى الأفعال، والسُّمْعة تَعود إلى الأقوال؛ لأن الأفعال تُرَى والأقوال تُسمَع؛ ولهذا جاء في الحديث: "مَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ" (١)، فإذا تَكلَّم شَخْص بذِكْر ورفَع صَوْته، ليُسمَع ويُثْنَى عليه به، فنَصِفُ فِعْله بأنه سُمْعة، وإذا قام يُصلِّي؛ ليَراه الناس فهو رِياءٌ، وقد يُطلَق الرِّياء عليهما جميعًا، لكن عندما يَجتَمِعان يَكون الرِّياء يَتعلَّق بالأَفْعال والسُّمْعة بالأَقْوال، يَقول ﵀: [رِيِاءً وسُمْعةً].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إحاطة عِلْم اللَّه بكُلِّ شيء؛ لأن هذه مَسأَلة جُزئيَّة من العالَم فقَولُ هؤلاءِ: ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وتَعويقهم فَرْد من أفراد العالَم، جُزءٌ بَسيط لا يُنْسَب إلى العالَم، ومع ذلك يَعلَمه اللَّه ، والعالِم بالدَّقيق عالِم بالجَليل من بابِ أَوْلى؛ ففيها إثبات إحاطة عِلْم اللَّه تعالى بكُلِّ شيء جُملةً وتَفصيلًا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: ثُبُوت عِلْم اللَّه تعالى بالمُستَقبَل؛ لأنه جاءَت بصيغة المُضارع، ومنها التهديد والتَّحذير من التَّعويق عن القِتال، وجهُه قد يَعلَم اللَّه تعالى، وهذا من أَجْل تَهديدهم حتى لا يَفعَلوا ذلك.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تَعاوُن المُنافِقين بعضِهم مع بعض، لقوله: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، وإذا كان كذلك فإن القائِلين تَكون عَطْفًا على المُعوِّقين من باب عَطْف الصِّفات،
стр. 141
وذكَرْنا في التفسير أنه مُحْتَمَل أن تَكون عطفَ الصِّفات أو عطفَ الذوات، فإن كانت عطفَ الصِّفات صار المُعوِّقون هُمُ القائِلين، وإن كان عطفَ ذَوات صاروا قِسْمين؛ مُعَوِّق وقائِل، فالمُعوِّق قد يَدْعو وقد لا يَدْعو، ولكن على كل حال: هي في المُنافِقين؛ لأن آخِر الآية يُبطِل الاحتِمال الذي ذكَرْناه بأن تَكون في أَحَدٍ من المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن أُولئِك المُعوِّقين لغير هم هم بأنفسهم جُبَناءُ؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فهم جُبَناءُ ومخدَّرون مُرْجِفون.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن كلَّ إنسانٍ يُصَاحِب غيره ويَمتَزِج به؛ لقوله : ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾، فإن هذه أُخوَّة في الشَّرِّ والنِّفاق، وليسَت في الإيمان.
* * *
стр. 142
الآية (١٩)
* قالَ اللَّه : ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [الأحزاب: ١٩].
* * *
وقوله ﵀: [﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بالمُعاوَنة جَمْع شحيحٍ وهو حال من ضَمير يَأتون] في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾: ﴿أَشِحَّةً﴾ جمع شحيح، والشحيح هو المانِع مع الحِرْص، والبَخيل هو المانِع بدون حِرْص، فإذا كان الإنسان مَنوعًا جَموعًا، يَعنِي: مع الحِرْص يُسمَّى ذلك شحيحًا، وإذا كان بَخيلًا لكنه ليس ذاك الرجُلَ الذي يَكون حريصا على جَمْع المال مثَلًا، فإنه يُسَمَّى بخيلًا، ولهذا قال النبيُّ ﵊ مُحَذِّرًا من الشُّحِّ: "اتَّقُوا الشُّحَّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ" (١).
وقوله : ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ نُصِبت على الحال من فاعِل ﴿يَأْتُونَ﴾ يَعنِي: لا يَأتون إلَّا قليلًا، ومع ذلك يَأتون أشِحَّةً عليكم، يَعنِي: وهم أشِحَّاءُ عليكم، لا يُريدون أن تَصِلوا إلى خَيْرٍ، بل يحبُّون أن يَمنَعوا كلَّ خَيْر عنكم.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾: ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ الخَوفُ
стр. 143
ليس ذاتًا تَأتي لكنه مَعنًى يَأتي، والمَجِيء يَكون للمَعاني ويَكون للذَّوات، فتَقول: جاءَهُ المرَض. وتَقول: جاء زيدٌ.
والمَجيء هنا أُسْنِد إلى مَعنَى ﴿جَاءَ الْخَوْفُ﴾ فهُوَ عامٌّ، فإذا جاء الخَوْف سواءٌ جاء من الأَعْداء الذين حضَروا إلى المدينة، أو الخوف من الرسول ﵊ حين يَطَّلِع على أَحْوالهم، فيَخافُون منه، من أن يَفضَحَهم اللَّه بأفعالهم أو يُسَلِّط عليهم رسولَهُ ﷺ .
وقوله : ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ الخِطاب هنا هل هو للرسول ﷺ أو لكُلِّ مَن يَتَوجَّه إليه الخِطاب؟
الجَوابُ: يُحْتَمَل أن يَكون للرسول ﵊، وهو الأَقْربُ ويُحْتَمَل أن يَكون لكلِّ مَن يُوَجَّه إليه الخِطاب.
وقوله : ﴿رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ﴾ الرُّؤْية هنا بصريةٌ، وعلى هذا فلا تَنصِب إلَّا مَفعولًا واحِدًا وهو الهاء، وتَكون كلِمةُ ﴿يَنْظُرُونَ﴾ حالًا من الهاء: رأيتَهُم حالَ كَوْنهم يَنظُرون إليك.
وقوله : ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾؛ لأن الخائِف غالِبًا يُرَكِّز على جِهةِ الخَوْف، سواءٌ كان شَخْصًا أو أشخاصًا، وتَدور عينُه على غير نظَرٍ سليم، يَعنِي: كأنَّها تَدُور بغير اختِيارهم من شِدَّة الخَوْف.
ثُم شبَّهَ حالهم بعد أن شَبَّه أبصارَهم قال : ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كنَظَر أو كدَوَران]، فإن كانت ﴿كَالَّذِي﴾ عائِدة على ﴿يَنْظُرُونَ﴾ قدَّرنا: النظَر، وإن كانت عائِدة على ﴿تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ﴾ قدَّرنا: كدَوَران،
стр. 144
ولكن الذي يُناسِب القُرآن الأوَّلُ: نظَر، كما قال تعالى في سُورة القِتال: ﴿مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ [محمد: ٢٠].
وربما نَقول: يَنظُرون إليك تَدُور أعيُنُهم كالذي يُغْشَى عليه من المَوْت، ليس عائِدًا على النظَر، وإنما هو عائِد على حالهم، يَعنِي: كالإنسان المَغشِيِّ عليه من الموت؛ لا يَستَطيعون أن يَتكلَّموا؛ لأن أَرياقهم يَبِسَت، ودِماؤهم غارَت بسَبَب الخوف، فإذا جاء الخوف فإنها تَتَغَيَّر أبصارُهم وتَتغيَّر أحوالُهم أيضًا ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ والذي يُغشَى عليه من الموت لا شَكَّ أنه يَصفَرُّ وجههُ، ولا يَستَطيع أن يَنطِق في الغالِب ﴿كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾.
قوله : ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مِن سَكَراته] أي: سَكَراته يُغشَى عليه ﴿مِنَ الْمَوْتِ﴾: (من) هنا للسبَبية وهل تَأتي (مِن) للسَّبَبية؟
الجَوابُ: نعَم، تَأتِي في مَواضِعَ كثيرةٍ، والأصل فيها أنها للابتِداء، حتى زعَم بعضُ النَّحوِيِّين أنها في كل مَكان تَكون للابتِداءِ، حتى فيما إذا كانت سبَبيَّةً قال: لأنها ابتِداء السبَب. لكن الصحيحَ ما ذهَب إليه ابنُ مالِك ﵀ -وغيرُه من النَّحويِّين أنها تَأتي لمَعانٍ كثيرةٍ- قال ﵀:
بَعِّضْ وَبَيِّنْ وَابْتَدِئْ فِي الْأَمْكِنَه ... بِمِنْ وقدْ تَأْتِي لِبَدْأ الْأَزْمِنَه
وَزِيدَ فِي نفْيٍ وشِبْهِهِ فَجُرّ ... نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ (١)
قال ﵀: [﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ وحِيزت الغَنائِمُ ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ آذَوْكم أو ضَرَبوكم ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ﴾ أي: الغَنيمة يَطلُبونها ﴿أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾
стр. 145
حقيقةً ﴿فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾]، فإذا ذهَبَ الخَوْفُ صار هؤلاءِ الذين كانوا حين الخَوْف كالمَغشِيِّ عليه من الخَوْف صاروا يَنطِقون بطَلاقةِ، ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ يَعنِي: أَصابوكم بشِدَّة ﴿بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ أي: شَديدةٍ قوِيَّةٍ.
والمُراد بالأَلسِنة هنا الكلامُ؛ لأن الكلام يُعَبَّر عنه باللسان، المَعنى: أنهم يُجادِلون ويُناظِرون ويَقولون: نحن معَكم، نحن نُساعِد، نحن خرَجنا، وما أَشبَه ذلك، كما قال اللَّه تعالى في سورة النساء: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] وأبْدَوا وأَعَادوا في غَلبتهم للمُسلِمين؛ لأنه لا شَكَّ أن الإنسان قد يَغلِب خَصْمه بالكلام كما قال اللَّه تعالى في قِصَّة داودَ ﵇: ﴿وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣] غلَبَني، والإنسان اللَّسِن الذي عنده بَيان وعنده
فَصاحة قد يَغلِب ولو كان على باطِل.
ولهذا قال النبيُّ ﵊: "إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِليَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلحَنَ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَأَقْضِىَ لَهُ بِنَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ" (١)، يَعنِي: وإن كان على باطِل؛ فالإنسان قد يَغلِب ببَيانِه الحقَّ؛ ولهذا كما تَعلَمون جاء في الحديث الصحيح: "إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ لَسِحْرًا" (٢)، فهؤلاءِ المُنافِقون الذين في حال الخوف على الصورة التي صوَّرها اللَّه : ﴿يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ لكِن ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ﴾ واطمَأنُّوا ﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ يَعنِي: أَصابوكم بشِدَّة بهذه الأَلسِنة الحِداد.