الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه أَفضَلُ الأنبياء على قِراءة: ﴿وَخَاتَمَ﴾ بالفَتْح؛ لأنَّ الخاتَم هو الطابَع على الشيء، وهو الشيءُ الذي يَكمُل به الشيء ويَنتَهِي؛ ولهذا وصَفَ النبيُّ ﷺ نَفْسه مع الأنبياء بأنه كأنه كقَصْر مَشيد يَطوف به الناس ويَقولون: ما أجملَ هذا القَصرَ! إلَّا أن فيه مَوضِعَ لَبِنة لم يَتِمَّ إلَّا مَوضِع هذه اللَّبِنةِ! فقال الرسول ﵊: "فَأَنَا اللَّبِنَةُ وَأَنَا خَاتَمُ الْأَنبِيَاءِ" (١).
فبه تَمَّتِ الرِّسالات وكمَلَت؛ ولهذا دِينُ الرسولِ ﷺ لاحَظوا أن دِين الرسول ﷺ شامِل لجميع مَحاسِن الأديان، فكُلُّ مَحاسِن الأنبياء ﵈ التي تُوجَد فيها من نُوحٍ ﵇ إلى مُحمَّد ﷺ ، فإنَّ دِينه شامِل لجميع محَاسِنهم، والدليلُ على ذلك قوله : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، فكلُّ هُدَى الأنبياءِ ﵈ قدِ اقتَدَى به النبيُّ ﵊، إِذَنْ فما من صَلاح في جميع الأديان وكمال إلَّا وجاء به مُحمَّد ﷺ .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّه لا نَبيَّ بعد محُمَّد ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، "وَخَاتِم".
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ مَنِ ادَّعى النُّبوَّة بعده فهو كاذِب، ولو جاء بما جاء به من الخَوارِق؛ لقَولِه تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، وهذا خَبَر، وخبَرُ اللَّه تعالى صِدْق لا يُمكِن أن يَتطرَّق إليه الكَذِب بوَجْه من الوُجوه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ مَن صدَّق مُدَّعِي النُّبَّوة بعد محُمَّد ﷺ فهو كافِر؛ لأنه مُكذّب للقُرآن، ومُكذِّبُ القُرآن كافِر.
стр. 317
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه لا نَبيَّ ولا رسولَ بعد محُمَّد ﷺ ، أو نَكتَفِي بالفائِدة التي قَبلَها، ولا نبيَّ ولا رَسولَ أيضًا إذا انتَفَتِ النُّبوةُ انتَفَتِ الرسالةُ، إذ إن الرسول نَبيٌّ وزِيادةٌ.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات النُّبوَّات السابِقة؛ لقوله تعالى: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾، و ﴿النَّبِيِّينَ﴾ جَمْع نَبيٍّ، وهُم كَثيرون جِدًّا، لكن الرُّسُل منهم ثلاثُ مِئة وبِضعة عشَرَ رجُلًا، لم يُذكَر منهم في القُرآن إلا خَمْسة وعِشْرون، وكلُّ مَن ذُكِر في القُرآن من الأنبياءِ فهو رَسولٌ حتى وإن لَمْ يُوصَف بالرسالة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨]، فدَل هذا على أن كل مَن قَصَّ اللَّه تعالى علينا نَبَأَه في القُرآن فهو رسولٌ حتى وإن لم يُوصَف بالرِّسالة مثل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]، وما أَشبَهَها.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: عُموم عِلْم اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ إقرار اللَّه تعالى للرسول ﵊، وتَأيِيده له شاهِدٌ لصِدْق رِسالته؛ لأنه تعالى قال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، فلو عَلِم اللَّه تعالى أن مُحمَّدًا غيرُ رسولٍ لكان كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ [الحاقة: ٤٤ - ٤٦]، ﴿الْوَتِينَ﴾: عِرْق في القَلْب لو قُطِع مات، فكَوْن اللَّه تعالى يُؤيِّده ويَنصُره ويَفتَح على يَدَيْه، وهو يَقول: إنه رسول اللَّه تعالى، وإنه أَذِن له باستِباحة أَموالكم، وأَخْذ رِقابكم إذا لم تَدخُلوا في الإسلام، ولم تُؤدُّوا الجِزْية. يَكون هذا آيةً من آيات اللَّه تعالى له؛ ولهذا خَتَم الآية هذه التي أثبَتَت له الرِّسالة بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
стр. 318
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وُجوب مُراقَبة العبد رَبَّه؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾، فأنت إذا عَلِمت أنَّ اللَّه عالِم بكُلِّ شَيء، ومن الشَّيءِ: قَولُك، وفِعْلك، وفِكْرك، قال ﵎: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾، واللَّهِ لو كان عِندنا هذا الإيمانُ ثابِتٌ راسِخًا لكان الإنسان تَقِلُّ مَعاصيه ومُخالَفته، لكن الإنسان في غَفْلة، إذا علِمت أنك تَحرَّكت عَلِم اللَّه تعالى بِكَ، إن سكَنْت عَلِمَ اللَّهُ تعالى بك، إن نطَقْت عَلِم اللَّهُ تعالى بك، إن سكَتَّ عَلِمَ اللَّه تعالى بكَ، إن فكَّرْتَ عَلِم اللَّه تعالى بك، هذا يُوجِب لك مُراقَبة اللَّه ، وألَّا يَفقِدك حيث أَمَرَك، ولا يَراك حيث نَهاك.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على غُلاة القَدَرية؛ فإنهم أَنكَروا عِلْم اللَّه تعالى بما يَصنَعه العِباد قبل وُقوعه مِنْهم، والآيَةُ هذه فيها رَدٌّ عليهم: ﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: سَعة اللَّه ، سَعته في كل شيء، في صِفاته، وفي أسمائه، وفي أفعاله، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٣٠]، ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٤٧]، فتُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الذي بكُلِّ شَيْء عَليم لا شَكَّ أنه واسِع.
* * *
стр. 319
الآيتان (٤١، ٤٢)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٢].
* * *
ثُمَّ قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال ابنُ مَسعود ﵁: "إذا سمِعْت اللَّه تعالى يَقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَرْعِها سَمْعك، فإمَّا خَيْرٌ تُؤمَر به، وإمَّا شَرٌّ تُنهَى عنه" (١)، وإذا نادَى اللَّه تعالى المُؤمِنين بوَصْف الإيمان فإن هذا من باب الإغراء لهم على امتِثال الأَمْر إن كان المُوجَّه إليهم أَمْرًا، وعلى اجتِناب النهي إن كان المُوجَّه إليهم نَهيًا؛ لأنك إذا ذكَرْت الإنسان بوَصْف يَقتَضي الامتِثال فمَعنَى ذلك أنك تُغريه بأن يَمتَثِل، وإذا خاطَب اللَّه تعالى المُؤمِنين بوَصْف الإيمان كان ذلك دَليلًا على أنما ما خُوطِبوا به من مُقتَضيات الإيمان، وأن مُخالَفته نَقْص في الإيمان، وإذا صدَّر اللَّه تعالى الحُكْم بالنِّداء كان في ذلك دليلٌ على أَهمِّيَّته والاعتِناء به ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
والذِّكْر كما سبَق يَكون باللِّسان، ويَكون بالقَلْب، ويَكون بالجوارِح، وقوله تعالى: ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ غيرُ مُقيَّد بمِئة ولا مِئَتَين ولا ألفٍ ولا ألفَيْن ﴿ذِكْرًا كَثِيرًا﴾، والإنسانُ العاقِل يُمكِنه أن يَذكُر اللَّه تعالى دائِمًا، والإنسان الغافِل يَغفُل عن ذلك.
стр. 320
وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ هذا ذِكْر خاصٌّ بعد عامٍّ في العمَل وفي الزمَن، أمَّا في العمَل فإنَّ التَّسبيح من الذِّكْر فهو تَخصيص بعد تَعميم، وأمَّا في الزمَن فهنا خَصَّه بالبُكْرة والأصيل.
وأمَّا الذِّكْر فأُطلِق، وهذه الآيةُ كقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠].
وقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ﴾ التَّسبيحُ مَعناه: التَّنزيهُ عن كل نَقْص وعَيْب، ومن العَيْب مُشابَهة المَخلوقين أو مُماثَلة المَخلوقين، فأنت إذا قُلْت: سُبحانَ اللَّه. فالمَعنَى أنك تُنزِّه اللَّه تعالى عن كل نَقْص وعَيْب، ومنه -أي: من العُيوب- مُماثَلة المَخلوقين، فهو مُنزَّهٌ عن مُماثَلة المَخلوقين، وعن كل نَقْص في صِفاته، فهو سَميع مُنزَّهٌ عن نَقْص السَّمْع، عليم مُنزَّهٌ عن نَقْص العِلْم، وهكذا بَقيَّة الصِّفات.
وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [أوَّل النَّهار وآخِره] يَعنِي: البُكْرة أوَّلُ النَّهار، والأصيلُ آخِرُ النَّهار، وعلى هذا فيَكون اللَّه قد أَمَرَنا أن نُسبِّحه الصَّباحَ والمَساءَ.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: بَيان العِناية بالذِّكْر؛ لأن اللَّه تعالى عند الأَمْر به صَدَّره بالنِّداء.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الذِّكْر من الإيمان باللَّه تعالى ومن مُقتَضياته؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الإيمان يَزيدُ به -أَي: الذِّكْر-، وجهُه: أنَّ كل ما كان من مُقتَضيات الشيء فإنه يَزداد به.
стр. 321
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ نَقْص الذِّكر نَقْص في الإيمان.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: مَشروعية ذِكْر اللَّه تعالى بكثرة؛ لقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: مَشروعية التَّسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾، لكن في الغُدوِّ والآصال، قال تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾؛ ولا شَكَّ أنَّ التَّسبيح في كل وَقْت، لكن كثرة التَّسبيح في أوَّل اليَوْم وآخِره.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَنزُّهُ اللَّه تعالى عن كل نَقْص وعَيْب؛ لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحُوهُ﴾، فأَمَرنا بأن نُنزِّهَه؛ لأنه مُستَحِقٌّ لذلك .
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الذِّكْر حَياة للقَلْب؛ لأن اللَّه تعالى أَمَر به على وَجْه الكَثْرة، فلولا الفائِدة العَظيمة منه ما أَمَر به على سَبيل الكَثْرة.
* * *
стр. 322
الآية (٤٣)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣].
* * *
وقوله ﵀: [﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أي: يَرحَمكم ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾؛ أي: يَستَغفِرون لكم] فسَّرَ المُفَسِّر ﵀ الصلاة بالنِّسبة إلى اللَّه تعالى: بالرَّحْمة، وبالنِّسبة إلى المَلائِكة: بالاستِغْفار، فقال تعالى: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ يَرحَمكم، ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ يَستَغفِرون لكم، وهذا فيه نظر، والصواب أنَّ مَعنَى ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ أَيْ: يُثنِي عليكم في المَلَأ الأَعْلى، والمَلائِكة أيضًا يُثنُون عليكم، هذا هو مَعنَى الصلاة من اللَّه تعالى ومن المَلائِكة أيضًا.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ فيها إِشْكال من حيث الإعراب فقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ مَرفوعة، وابنُ مالِكٍ ﵀ يَقول:
وَإِنْ عَلَى ضَمِر رَفْعٍ مُتَّصِلْ ... عَطَفْتَ فَافْصِلْ بِالضَّمِيْرِ المُنْفَصِلْ
أو فاصِلٍ ما. . . . . . ... . . . . . . . . (١)
وهُنا لم يَأتِ بالضمير، وما قال: (هو الذي يُصلِّي عَلَيْكم هو ومَلائِكَتُه)،
стр. 323
أو فاصِل ما، وهذا داخِل في قوله: (أو فاصِل ما) والفاصِل هنا هو الجارُّ والمَجرور؛ ولذلك إذا قُلْت: قُمْتُ وزَيْدٌ. هذا ضعيف، والأَرجَح منه أن تَقول: قُمتُ وزيدًا. على أنها مَفعول معه، أمَّا إذا فصَلْت فقلت: قُمْت أنا وزَيْدٌ. أو قُمْتُ في الناس خَطيبًا وزَيْدٌ. وفصَلْتَ، فهذا لا بأسَ به، وهنا فَصَل بالجارِّ والمَجرور.
وقوله تعالى: ﴿يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ أَضاف اللَّه تعالى المَلائِكة إليه من باب التَّشريف لهم؛ لأنهم ملائِكته، وهم أيضًا مخَلوقون له، والمَلائِكة كما تَقدَّم هم عالَم غَيبيٌّ خلَقَهم اللَّه ﵎ من نُور، ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦].
وهل يُمكِن أن يَكونوا من عالَمِ الشَّهادة؟
نعَمْ، كما جاء جِبريلُ ﵊ إلى مَرْيَمَ ﵍: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٧]، وجاء إلى النبي ﷺ يَسأَله عن الإسلام والإيمان والإحسان في صورة رجُلٍ؛ شَديدِ بَياضِ الثِّياب، شَديد سَواد الشَّعْر، لا يُرى عليه أثَرُ السَّفَر، ولا يَعرِفه أحَدٌ من الصَّحابة (١)، وكما جاء في صُورة دِحيةَ الكَلْبيِّ ﵁ (٢)، وغير ذلك، لكنَّ الأصل أنَّهم عالَمٌ غَيبِيٌّ.
ولهم أَجْساد، ولا جسَدَ إلَّا برُوح، فلَهُم أَجْساد وأَرْواح؛ ولهذا سَمَّى اللَّه تعالى جِبريلَ ﵇ رُوحًا، ورآه النَّبيُّ ﵊ على خِلْقته مَرَّتَين، وله
стр. 324
سِتُّ مِئة جَناح (١) قد سَدَّ الأُفُق (٢).
وقوله ﵎: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ اللَّام في قوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ للتَّعليل، قال المُفَسِّر ﵀: [ليُديم إِخْراجَه إيَّاكُم] إنما صرَف اللَّفْظ إلى مَعنَى الإِدامة؛ لأنه يُخاطِب المُؤمِنين، وإذا كان يُخاطِب المُؤمِنين فإنهم قد أُخرِجوا من الظُّلُمات إلى النُّور من الأَصْل، ولكن قد يُقال: إنه لا حاجةَ إلى هذا التَّأويلِ، وأنَّ مَعنَى قولِه تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ﴾ أي: ليَزيدَكم عِلْمًا وإيمانًا.
وقوله ﵀: [﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾؛ أي: الكُفْر، ﴿إِلَى النُّورِ﴾؛ أي: الإِيمان]، لا شَكَّ أنَّ الكُفْر ظُلُمات، كما قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، ولا شَكَّ أيضًا أنَّ الإيمان نُور، ولكن الآية أعَمُّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀، فهو قال: ليُخرِجَكم من ظُلمات الجَهْل والكُفْر إلى نُور العِلْم والإيمان، فيَكون المُفَسِّر ﵀ قد قَصر أو تَقاصَر في تَفسيره للآية، والصواب أنه يُخرِجهم من ظُلُمات الجَهْل والكُفْر إلى نور العِلْم والإيمان.
قال اللَّه : ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: (كان) يَعنِي: اللَّه ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ جارٌّ ومَجرور مُتعلِّق بـ ﴿رَحِيمًا﴾ قُدِّم عليه للحَصْر؛ لأن هذه الرحمةَ رَحمة خاصَّة للمُؤمِنين، تَقتَضي العِناية بهم وتَوفيقهم وهِدايتهم إلى الخَيْر، وأمَّا الرحمة العامة فهي للمُؤمِنين وغير المُؤمِنين، لكن الرحمة الخاصَّة للمُؤمِنين فقَطْ.
стр. 325
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: فَضيلة الإيمان، وأنه سبَب في ثَناء اللَّه تعالى وملائكته على عَبْده؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ بعد أن قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ الكلام للَّه ؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿يُصَلِّي﴾؛ لأنَّ الصلاة منه تعالى هي: الثَّناء على العَبْد في المَلَأ الأَعْلى.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: محَبَّة اللَّه تعالى للمُؤمِنين، ومحَبَّة المَلائِكة لهم؛ تُؤخَذ من الثَّناء عليهم، والصلاة عليهم؛ لأن مَن يُحِبُّك يُثنِي عليك، ومَن يُبغِضُك يَذُمُّك.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّه يَجِب علينا مَحَبَّة اللَّه ومَلائِكته؛ لما لَهُمْ علينا من الفَضْل والإحسان، فإنَّهم يُصلُّون علينا، فهذا يَقتَضي أن نُحِبَّهم.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الملائِكة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فضيلة المَلائِكة؛ تُؤخَذ من قوله ﵎: ﴿وَمَلَائِكَتُهُ﴾ فالإِضافة للتَّشرِيف والتَّكَريم، ففيه فَضيلة المَلائِكة؛ لأن اللَّه تعالى أَضافهم إليه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات العِلَل والحِكَم لأفعال اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ الجهْل والكُفْر ظُلْم؛ لقوله ﵎: ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]، وقال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ [الأنعام: ١٢٢]؛ أي: في الجَهْل، ﴿لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾.
стр. 326
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: فَضيلة المُؤمِنين، وأنَّ لهم عِند اللَّه تعالى رَحمةً خاصَّةً؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: الحَثُّ على الإيمان والتَّرغيب فيه؛ تُؤخَذ من قوله ﵎: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾، فإنَّ اللَّه تعالى ما أَخبَرَنا هنا في هذه الآية الكَريمةِ لمُجَرَّد أن نَعلَم أنه رَحيم بالمُؤمِنين، ولكن من أَجْل أن نَتعَرَّض لهذه الرَّحمةِ الخاصَّة، فنكون من المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات الرحمة للَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على الأَشعَرِيَّة ونَحوِهم ممَّن يُنكِرون وَصْف اللَّه تعالى بالرَّحْمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ﴾ فالضَّمير في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ﴾ يَعود على (اللَّه)، و (الرحيم) خبَرٌ لمُبتَدَأ، فهو وَصْفه.
* * *
стр. 327
الآية (٤٤)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٤].
* * *
قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ﴾ الضَّمير يَعود على المُؤمِنين، والتَّحيَّة مَعناها: الدعاءُ بالبَقاء، فإذا قال: حيَّاكَ؛ أي: دعا لكَ بالبَقاء، ثُم صارت اسْمًا لما يُستَقبَل به الضَّيْف، أو الداخِل، أو ما أَشبَه ذلك ممَّا يَدُلُّ على الإكرام، فالتَّحيَّة إذَنْ في الأصل: الدُّعاء بالبَقاء والحَياة، ثُمَّ نُقِلت في العُرْف إلى كل ما يحيَّا به المَرْء، ويُستَقبَل به من عِبارات التَّكريم، فتَحيَّتُهم؛ أي: تَحيَّة المُؤمِنين.
﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾ يَلقَوْن اللَّه تعالى، يَوْم يَلقَوْن اللَّه تعالى، وذلك يَوْم القِيامة، سواءٌ كان في عرَصات القِيامة، أو كان بعد دُخولهم الجنَّة، فتَحيَّتُهم حينئذٍ ﴿سَلَامٌ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [بلِسان المَلائِكة] يَعنِي: أنَّ المَلائِكة همُ الذين يُسلِّمون على هؤلاء بأَمْر اللَّه تعالى، فإذا سلَّموا على هَؤلاء بأَمْر اللَّه تعالى صار كأن المُسلِّم هو اللَّه تعالى، ولكن هذا صَرْف للآية عن ظاهِرها، فإن ظاهِر الآية أن الذي يُسلِّم هو اللَّه ، وإذا كان السَّلام من اللَّه تعالى فهو خبَرٌ مَحْضٌ، وليس دُعاءً؛ لأن اللَّه تعالى لا يَدعو أحَدًا، ولكن يُخبِر بالسَّلام الدائِم الذي لا يَعترِيه أيُّ نَقْص أو أي خَوْف.
أمَّا إذا كان مِن الملائِكة فإنه يَحتَمِل الخبَر، ويَحتَمِل الدُّعاء، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ
стр. 328
عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤].
إنَّما الصَّواب -بلا شَكٍّ- أنَّ هذا السلامَ من اللَّه تعالى؛ لأَنَّه يَقول: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، المُلاقَى هو الذي يُسلِّم، وهو الذي يُحيِّي هؤلاءِ، ولا شَكَّ أنَّ الربَّ إذا قال لهم: سَلام عليكم. سيَنزِل عنهم كلُّ خَوْف؛ ولهذا تُسمَّى الجَنَّة دارَ السَّلام، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]؛ لأنها دار سالمِة من كُلِّ آفَةٍ، لا فيها مرَضٌ، ولا فيها مَوْتٌ، ولا فيها هرمٌ، ولا فيها نَقْصٌ في الرِّزْق، بل فيها ما لا عينٌ رأَتْ، ولا أذُنٌ سَمِعتْ، ولا خطَرَ على قَلْب بشَرٍ، كما قال : ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
إِذَنْ: لمَّا قال تعالى: ﴿سَلَامٌ﴾ أي: من الآفات ذكَرَ بعد ذلك: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾، وهذا تَحْلية بعد تَخْلية، حين أَخبَرَهم أنهم سالمِون من كُلِّ آفَةٍ بيَّن أنه أَعَدَّ لهم أَجْرًا كريمًا، قال المُفَسِّر ﵀: [هو الجنَّة] والأَجْر بمَعنَى: الثَّواب، وهو ما يُعطَى الأجيرَ في مُقابَلة عمَله، ويُسمَّى أجرًا، ويُسمَّى أُجْرةً، ولكن سَبَق لنا مَرَّاتٍ كثيرةً: أنَّ أَجْر العامِلين على عمَلهم ليس من باب المُعاوَضة؛ لأنه لو كان من باب المُعاوَضة لكان نِعْمة واحِدة من نِعَم اللَّه تعالى على العَبْد تَستَوعِب جميع عمَله، بل لو كان على سبيل المُعاوَضة لكان تُوفيقُك للعمَل نِعْمة يَحتاج إلى أَجْر؛ ولهذا قال بعضُهم:
إِذَا كَانَ شُكْرِي نِعْمَةَ اللَّهِ نِعْمَةً ... عَلَيَّ لَهُ فِي مِثْلِهَا يَجِبُ الشُّكْرُ
فَكَيْفَ بُلُوغُ الشُّكْرِ إِلَّا بِفَضْلِهِ ... وَإِنْ طَالَتِ الْأَيَّامُ وَاتَّصَلَ الْعُمْرُ (١)
стр. 329
وثَبَت عن النبيِّ ﵊ أنه قال: "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أَحَدٌ بعَمَلِهِ"، قالوا: ولا أَنْت يا رَسولَ اللَّه؟ قال: "وَلَا أَنا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ" (١).
إِذَنْ: فالعمَل نَصِفُه إذا لم يَكُن عِوَضًا بأنه سبَب، وليس بعِوَض؛ ولهذا صرَّح اللَّه في عِدَّة آيات بأن الثَّواب هذا جَزاءً بما كانوا يَعمَلون؛ أي: بسبَب ما كانوا يَعمَلون، فالباء للسَّبَبيَّة في قوله تعالى: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، والباء للعِوَض في قول الرسول ﷺ : "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ"، وبهذا يُجمَع بين النَّصَّيْن.
وقوله تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾ الأَجْر هو الكريمُ أَمِ الكريمُ هو المُتفَضِّلُ بالأَجْر؟
الجَوابُ: يَجِب أن نَعلَم أن الكريم يُطلَق على الجوَاد الباذِل للمال، ويُطلَق على الشيء الحسَن، ومنه قوله ﷺ لمُعاذٍ ﵁: "إيَّاكَ وَكرائِمَ أَمْوَالهِمْ" (٢) يَعنِي: الحسَنة، فقوله تعالى: ﴿أَجْرًا كَرِيمًا﴾، أي: حسَنًا، فما وجهُ كرَم هذا الثَّوابِ أو هذا الأَجْرِ؟
الجَوابُ: أنَّ اللَّه تعالى جعَل الحسَنة بعَشْر أمثالها إلى سَبعِ مِئة ضِعْف إلى أَضعاف كثيرة، هذا من وَجْه، ومن وَجْهٍ آخَرَ أنَّ مُدَّة بقاء الإنسان في الدنيا بالنِّسبة للآخِرة ليست بشَيْء إطلاقًا ولا يُنسَب، فالرسول ﷺ يَقول: "لمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنَ الجَنَّةِ
стр. 330
خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا" (١)، فـ "مَوْضِعُ السَّوْطِ" السَّوْط -كما يُعرَف- حوالي مِتر، خَيْر من الدُّنيا وما فيها، إذَنْ فكَرَم هذا الثوابِ يَعنِي: لا يُنسَب العمَل إليه؛ لأنه كَرَم واسِع لا نِهايةَ له ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾، اللهُمَّ اجعَلْنا وإيَّاكم منهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات البَعْث؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْبات كلام اللَّه تعالى، وأنه يَتكَلَّم؛ لقوله ﵎: ﴿سَلَامٌ﴾، ويُؤيِّده قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]؛ لأنه يَتكَلَّم به تعالى، ويَقوله قولًا.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: البُشْرى العَظيمة للمُؤمِنين، وأنَّ اللَّه نفسه جَلَّ وَعَلَا يُحَيِّيهم بهذه التَّحيَّةِ؛ لقوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، لو أنَّ مَلِكًا من مُلوك الدُّنيا وعَدَك بهذا، وقال: إنه سيُحَيِّيك بالسَّلام، ويُقدِّم لك القِرَى الكريم الحسَن كيف يَكون فرَحُك؟ ! فكيف إذا كان اللَّه يُخبِر عن نفسه بأنه سيُحَيِّي المُؤمِنين بهذه التَّحيةِ مع تَقديم هذا الأَجْرِ العظيمِ؛ ولهذا تُعتبر هذه الآيةُ فيها بِشارة، وهي من فَوائِدها: البِشارة العُظمى للمُؤمِنين، بأن اللَّه تعالى يُحَيِّيهم، ويُعِدُّ لهم الأَجْر الكَريم.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الآخِرة فيها آفاتٌ وأذًى يَسلَم منها مَن يَسلَم ويَعطَب فيها مَن يَعطَب؛ لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾، أمَّا غيرُهم فلا سَلامَ لهم؛ لأنهم يُعذَّبون في النار، والعِياذُ باللَّه.
стр. 331
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثباتُ الجزاء؛ لقو له تعالى: ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الأَجْر الذي أَعَدَّه اللَّه تعالى للمُؤمِنين أَجْر حسَن، بل هو كما قال اللَّه تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾، يَعنِي: أحسَن شيء، ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا﴾.
* * *
стр. 332
الآيتان (٤٥، ٤٦)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥ - ٤٦].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ تَشريفًا له وإظهارًا لنُبوَّته.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ جَمَع له بين الوَصْفين؛ النُّبوَّة والرِّسالة على وَجْه صريح، وإلَّا فلو وُصِف بالرِّسالة وحدَها لتَضمَّنَت وَصْفه بالنُّبوَّة؛ لأنَّ كلَّ رَسول نبِيٌّ، وليس كل نَبِيٍّ رَسولًا، لكن الجمْع بين الوَصْفين أَوْلى على وجه النَّصِّ والتَّعيين، وفي حديث البَراءِ بنِ مالِكٍ ﵁ يُقال من الذِّكْر عند النَّوْم-؛ أنَّ النبيَّ ﷺ علَّمه إذا أَوَى إلى فِراشه أن يَقول مِمَّا يَقول: "آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الَّذِي أنزَلْتَ، وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ"، فلمَّا أَعادَها عليه البَراءُ ﵁ قال: "آمَنْتُ بكِتابِكَ الَّذي أَنزَلْتَ وبِرَسولِكَ الَّذي أَرْسَلْتَ"، فقال ﷺ له: "وَبِنَبِيِّكَ الَّذِي أَرْسَلْتَ" (١)، قال العُلَماءُ ﵏: لأَجْل أن يَجمَع له بين وَصْفَي النُّبوَّة والرِّسالة على وجهِ التَّعيين؛ لأنَّ دَلالة الرِّسالة على النُّبوَّة من باب دَلالة الالتِزام، وأمَّا دَلالة النُّبوَّة على النُّبوَّة فهو من باب دَلالة النَّصِّ والتَّعيين، هذا من وَجْه.
стр. 333
وجهٌ آخَرُ: أنَّه إذا قال: (وَرَسُولِكَ الَّذي أَرْسَلْتَ) لم يَكُن نصًّا في الإيمان بمُحمَّد ﷺ ، إذ قد يَجوز أن يُراد به الرسولُ المَلَكيِّ دون الرسولِ البَشَريِّ.
هنا يَقول: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾، ولم يَقُل: (يا أيُّها الرسولُ إنا أَرسَلناكَ)؛ ليَجمَع له بين وَصفَي النُّبوَّة والرِّسالة على سبيل التَّعيين والنَّصِّ، لكن انظُرْ إلى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، حيثُ قال ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ثُمَّ قال تعالى: ﴿بَلِّغْ﴾؛ لأنَّه إنما يَأمُره بالبَلاع، وهذا يُناسِب الرِّسالةَ.
وقوله ﵀: [﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ على مَن أُرسِلْتَ إِلَيْهِم]، وكلِمة ﴿شَاهِدًا﴾ حال من الكاف في قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، والشاهِدُ يُطلَق على المُخبِر، ويُطلَق على الحاكِم، والنبيُّ ﷺ شاهِد مخُبِر حاكِم، فهو مخُبِر عن اللَّه بما أَرسَله به، وكذلك مخُبِر عمَّن أُرسِل إليهم، بالقَبول أو الرَّفْض، وكذلك هو حاكِم، فإن الحُكْم للَّه تعالى ورسولِه ﷺ .
والدَّليلُ على أنَّ الشاهِد بمَعنَى: الحاكِم قولُه تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [يوسف: ٢٦ - ٢٧]، إذَنْ (شاهِد) بمَعنَى: (مخُبِر) و (حاكِم)، فهو مُخبِر عن اللَّه تعالى، ومخُبِر عن عِباد اللَّه تعالى، مخُبِر عن اللَّه تعالى بما أَوحاه إليه، ومُخبِر عن عِباد اللَّه تعالى بالقَبول أو الرَّفْض.
وكذلك هو شاهِد على مَن سبَقه من الأُمَم في تَبليغ رِسالات الرُّسُل، وفي تَكذيب قَوْمهم لهم، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، إِذَنْ: شاهِد بما أَوْحاه اللَّه تعالى إليه، وحاكِم به، وشاهِد على مَن أُرسِلَ إليهم، وشاهِد على مَن سبَقه مِن الأُمَم.
стр. 334
وقوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ مَعطوف على ﴿شَاهِدًا﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾، أي: أَرسَلْناك مُبشِّرًا، والبِشارة تَقتَضي أربعة أُمور: مُبشِّر، ومُبشَّر، ومُبشَّر به، وسبَب يُوصِل إلى المُبشَّر به، فالرسولُ ﵊: مُبشِّر، فإذا كان الرسولُ ﵊ مُبشِّرًا، فلا بُدَّ أن يَكون هناك مَن يُبشِّره، وهم الذين أُرسِل إليهم، واتَّبَعوه على ما دعا إليه، ولا بُدَّ أن يَكون هناك مُبشَّرًا به، وهو الجنَّة، تَقدَّمنا في هذه الآياتِ ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾، ولا بُدَّ أن يَكون هناك سبَب يُوصِل إلى المُبشَّر به الأَعمال الصالحِة.
إِذَنْ: فالنَّبيُّ ﵊ قد بيَّن وبلَّغَ الرِّسالة إلى المُبشِّرين، وبيَّنَ المُبشَّرَ به، وما يَتَضمَّنه من الثَّواب، وأنواع النَّعيم، وبيَّن الأسباب المُوصِلة إلى ذلك، وهي الأَعْمال الصالحِة؛ ولهذا ترَكَ النَّبيُّ ﷺ أُمَّته على محَجَّةٍ بَيْضاءَ، ليلُها كنَهارِها، لا يَزيغُ عنها إلَّا هالِك.
قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ النَّذير هو: مَن أَتَى بالإنذار، وهو الإعلام المَقْرون بالتَّخويف يُسمَّى إنذارًا، وفي حديث جابِرٍ ﵁ في صِفة خُطْبة النبيِّ ﷺ يَقول: "كأَنَّه مُنْذِرُ جَيْش يَقول: صَبَّحَكُمْ وَمَسَّاكُمْ" (١).
وقوله تعالى: ﴿وَنَذِيرًا﴾ نَقول فيها كما قُلْنا في ﴿بَشِيرًا﴾: لا بُدَّ فيها من أُمور أَرْبعة: مُنذِر، ومُنذَر، ومُنذَر بِهِ، وأسباب تُوصِل إلى ذلك، فكلُّها قد جاء بها النبيُّ ﵊.
فالمُنذَر: الأُمَّة عُمومًا، والمُنذَر بِهِ: النارُ، وأسبابُه: الأعمال السَّيِّئة، والمُنذِر: هو
стр. 335
الرسولُ ﷺ ، فقد بيَّن النَّبيُّ ﷺ كلَّ هذه الأمورِ، بيَّن لكُلِّ المُنذَرين، وأدَّى إليهم الرِّسالةَ، أو أدَّى الأمانةَ، وكذلك بين المُنذَر به، وما فيه من العُقوبات المُتنوِّعات والعذاب الأليم.
وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى﴾ قال ﵀: [﴿وَمُبَشِّرًا﴾ مَن صدَقَك بالجنَّة ﴿وَنَذِيرًا﴾ مُنذِرًا مَن كذَّبَك بالنار ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ إلى طاعَتِه بإِذْنه بأَمْره].
هذا الوَصْفُ الرابِعُ: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ أن يَدعُوَ الناس إلى اللَّهِ ، وقول المُفَسِّر ﵀: [إلى طاعَتِه] فيه نظَرٌ؛ فالأَوْلى أن تَبقَى الآية على ظاهِرها وأن النَّبيَّ ﷺ يَدْعو إلى اللَّه وإلى الوُصولِ إليه في دار كَرامَتِه، ولا وصولَ إليه في دار كَرامَتِه إلَّا بامتِثال أَمْرِه واجتِناب نَهْيِه، فهو داعٍ إلى اللَّه تعالى بطاعَتِه واجتِناب نَهْيِه.
وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ لَمْ يُبيِّن هنا كَيْفية الدَّعوة، ولكنه بيَّنَها في آيةٍ أُخْرى في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥].
والدَّعوةُ لا بُدَّ فيها أيضًا من أُمور أربعة: داعٍ، ومَدعُوٌّ، ومَدعُوٌّ إليه، وسبَبٌ يُوصِل إلى المَدعُوِّ إليه، وكلُّ هذا جاء به النبيُّ ﷺ .
وقد كان ﵊ يَدْعو الناس سِرًّا وجَهْرًا حَسْب ما تَقتَضيه المَصلَحةُ والحاجةُ، فكان أوَّلُ دَعْوته سِرًّا؛ لأنه كان يَخشَى أن تُصادَم هذه الدَّعوةُ حتى تُدفَن، ثُم بعد ذلك جهَرَ بالدَّعوة لمَّا قال له اللَّه تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحِجر: ٩٤]، ثُمَّ صار يَدعو مَن قرُبَ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، ثُمَّ مَن بَعُدَ على حَسَب ما تَقتَضيه الدَّعوةُ.
стр. 336
وقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ يَعنِي: لا إلى نَفْسك؛ ولهذا كان النبيُّ ﷺ لا يَنتَقِم لنَفْسه قَطُّ أبَدًا إلَّا أن تُنْتَهَك حُرُماتُ اللَّه ، فإنه كان أشَدَّ الناس غضَبًا للَّه تعالى؛ لأنه ليس يَدْعو إلى نَفْسه كما يُوجَد من كثير من الدُّعاة يَدْعون إلى أنفُسِهم في الواقِع، يُريدون أن يُعَظِّمهم الناس وأن يَأخُذوا بقولهم، حتى إنهم إذا خُولِفوا في ذلك تَجِد الإنسان يَتكَدَّر؛ لا لأنه خُولِف أمرُ اللَّهِ تعالى؛ ولكن لأنه خُولِف هو، الذي هذا شَأْنُه إنما يَدعُو إلى نَفْسه وليس يَدْعو إلى ربه، ففَتِّشْ نَفْسَك: هل فِيكَ سِرٌّ من هذا؟ إن كان فِيكَ سِرٌّ من هذا فأَصلِحِ الأَمْر، وإن كُنْت لا تَغضَبُ إلَّا للَّه تعالى، ولا تَرضَى إلَّا للَّه تعالى، فهذا هو الداعِيةُ حَقيقةً.
وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ الإِذْن هنا يَشمَل الإِذْن الكَوْنيَّ والإِذْنَ الشَّرعيَّ، فإن كان المُرادُ به ما يُدْعَى به فهو الشَّرْعيُّ، يَعنِي: إن كان المَعنَى: داعِيًا إلى اللَّه تعالى بأَمْره الذي أمَرَك بالدعوة إليه فالمُراد به الإِذْن الشَّرعيُّ، وإن كان المُرادُ داعِيًا إلى اللَّه تعالى بقَدَره يَعنِي: حيث قوَّاك على ذلك، وهيَّأَ لك الأسبابَ فهو إذنٌ كونيٌّ، والآيةُ تَشمَل هذا وهذا، فإن الرسول ﷺ إنما يَدعو بقَضاء اللَّه تعالى وقدَره، ويَدعُو كذلك بدِينه وشَرْعه فهو داعٍ بالأمرين جميعًا.
الوصف الخامس: قولُه ﵎: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: مِثْله في الاهتِداء به سِراجًا، والسِّراج ما يُستَضاءُ به، ووَصَفْه بأنه ﴿مُنِيرًا﴾ إمَّا لبَيان الواقِع، لأن كل سِراج فله إِنارة؛ وإمَّا لِبَيان أن هذا السِّراجَ كان له إِضاءةٌ قوِيَّة فهو مُنيرٌ لما حَوْله، وهذا هو الأَقْرَب؛ لأن عندنا من القَواعِد المُقرَّرة أنه إذا دَار الأَمْر بين أن يَكون الكلام تَأْسيسًا أو تَوْكيدًا فالأصل أنه تَأْسيسٌ، لأن التأْسيس فيه زِيادةَ مَعنًى، بخِلاف التَّوْكيد، التَّوْكيد ليس فيه إلَّا التَّقْوية، لكِنَّ التَّأْسيس فيه زيادةُ مَعنًى، وعلى هذا
стр. 337
فالأَظهَرُ أن هذا وَصْف للسِّراج باعتِبار قُوَّته وإضاءَتِه، ولا شَكَّ أن النبيَّ ﷺ عَلَم يُهْتَدَى به في الظلُمات، فهو قد فَتَحَ للناس نُورَ العِلْم ونورَ الإيمان حتى ترَكَ أُمَّتَه على محَجَّةٍ بَيْضاءَ ليلُها كنَهارِها.
هذه الأَوْصافُ الخَمْسةُ التي بيَّنها اللَّه تعالى لرسوله ﷺ ويُمكِن أن نُضيف إليها وَصْفًا سادِسًا ووَصْفًا سابِعًا.
الوَصْفُ السادِسُ: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾ فإن هذا فيه إِثْبات الرِّسالة له.
الوَصْفُ السابِعُ: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ فإن فيه أيضًا إثباتًا للنَّبيِّ ﷺ .
وعلى هذا فالآيةُ تَضمَّنَتْ سَبْعة أَوْصافٍ للرسول ﷺ : النُّبوَّة والرِّسالة والشَّهادة والبِشارة والإِنْذار والدَّعْوة إلى اللَّه تعالى بإِذْنه، وكونه سَراجًا مُنيرًا.
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: ثُبُوت رِسالة النبيِّ ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الرسول ﷺ مُبشِّر في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾.
وَيَتَفرَّع على ذلك: أنه أَتَى بالأسباب التي تُوجِب البِشَارة من الأعمال الصالحِة والطاعات.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه مُنذِر أيضًا، لأن كَوْنه مُنذِرًا وكونه مُبشِّرًا فائِدتان.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الجمْع بينهما فائِدةٌ ثالِثةٌ: أن النبيَّ ﷺ جَمَع بين البِشارة والإنذار؛ لقوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن رَسول اللَّه ﷺ داعٍ إلى اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾.
стр. 338
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: الإشارة إلما أنه يَجِب على الداعِية أن تَكُون دَعْوته إلى اللَّه تعالى لا إلى حَظِّ نَفْسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾، فإن هذا وَصْف الرسول ﷺ .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن دَعوةَ رسول اللَّه ﷺ إلى اللَّه تعالى كانت بإِذْنٍ منه؛ لقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾.
وهذه يَتَفرَّع عليها فائِدةٌ أُخرى: وهي رِضَا اللَّه تعالى عمَّا كان الرسول ﷺ يَدْعو إليه، أليس كذلك؟ لأن اللَّه تعالى لا يَأذَن إلَّا بما يُحِبُّه ويَرْضاه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ دَعوة النبيِّ ﷺ على شَرْع اللَّه تعالى بكَيْفيَّتها وفيما يَدْعو إليه؛ لقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾، فهو داعٍ إلى اللَّه تعالى بإِذْنه أي: على حَسَب أَمْره وبشَرْعه، فيَدعو إلى سبيل اللَّه تعالى بالحِكْمة، والمَوْعِظة الحسَنة ويُجادِل بالتي هي أَحسَنُ، وكذلك يَدعو إلى شَرْع اللَّه تعالى لا يَتَجاوَزُه.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن النبيَّ ﷺ لا يُمكِن أن يُشرِّع مِن عِندِه؛ لقوله ﵎: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ﴾ لا بشيء من عِنْده.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن ما يَدعو إليه الرسول ﵊ فهو من اللَّه تعالى.
ويَتَفرَّع على هذه الفائِدةِ: أن طاعة الرسول ﵊ طاعةٌ للَّه تعالى، ومعصيةَ الرسول ﵊ معصيةٌ للَّه تعالى؛ ولهذا لمَّا جاءَتِ امرأةٌ إلى ابنِ مَسعود ﵁ وقالت: إنك تَقول: إن المُتفَلِّجاتِ للحُسْن مَلعُوناتٌ بكِتاب اللَّهِ، وإنني فتحْتُ المُصحَف أو قرَأْتُ المُصحَف من فاتِحَتِه إلى خاتِمِتِه فلَمْ أَجِدْ ذلك. فقال: بلَى. ثُمَّ قرَأ عليها الحديثَ، وتَلا قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا
стр. 339
نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] " (١).
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إِثْبات الإِذْن للَّه تعالى، وإِذْن اللَّه تعالى -كما سَبَقَ في التَّفسير- يَنقَسِم إلى قِسْمَيْن: شَرعيٍّ وكَوْنيٍّ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن ما جاء به النبيُّ ﷺ فهو نُورٌ كالسِّراج يُضيء الظُّلَم؛ لقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: مَن قال: إن النبيَّ ﷺ لا ظِلَّ له. يَعنِي: لو وقَفَ في الشمس والشَّمْس مائِلة لا يَكون له ظِلالٌ، فهذا غيرُ صحيح، فإن قوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ أي: سِراجًا مَعنَويًّا، وإلَّا فإن الرسول ﷺ له ظِلٌّ كغيره؛ لأنه بشَرٌ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن كلَّ مَن حكَمَ بشَريعة النبيِّ ﷺ فإنه على سِراج مُنير؛ لقوله تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: فَضيلة النبيِّ ﷺ حيث جَمَع اللَّه تعالى له بين هذه الأَوْصافِ العَظيمة النُّبوَّة والرِّسالة والشَّهادة والبِشارة والإنذار، والدعوة إلى اللَّه تعالى بإِذْنه، وأنه السِّراج المُنير.
* * *
стр. 340
الآية (٤٧)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٧].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا عَطْف، ولكنه مُبَيِّن للمُبَشَّر في قوله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا﴾ بشَرِ المُؤمِنين بأن لهم من اللَّه تعالى فَضْلًا كبيرًا، والمُؤمِنون هنا يُراد بهم المُؤمِنون والمُسلِمون جميعًا؛ لأنه تَقدَّم أن الإيمان إذا ذُكِر وحدَه شَمِل الإسلام، والإسلام إذا ذُكِر وحدَه شَمِل الإيمان، وإن ذُكِرَا جميعًا صار الإيمان في القَلْب والإسلام في الجَوارِح.
فقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لم يَقُلْ: بَشِّرِ المُسلِمين؛ لأن من المسلمين مَن يَكون إسلامُهُم ظاهِرًا، ويَكون الإيمانُ في قُلُوبهم إمَّا مَفقودًا وإمَّا ضَعيفًا، فالذين لَهم البِشارة المُطلَقة هُمُ المُؤمِنون الذين وقَرَ الإيمان في قُلوبهم، وصاروا يُنفِّذون مُقتَضى ذلك الإيمانِ؛ ولهذا قال اللَّه : ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [يونس: ٦١ - ٦٣]، فالبِشارة المُطلَقة لا يمون إلَّا للمُؤمِنين.
وقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ كُلَّما جاءَت لَفْظة (المُؤمِنين) مُفرَدةً -كما قُلْت قبلَ قَليل- فإنها تَشْمَل المُؤمِن والمُسلِم، قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ فَضْلًا مَنصوبة بـ (أنَّ) فهي اسمُها مُؤخَّرًا.
стр. 341
والفَضْل الكَبير هو الجَنَّة، ولا شيءَ أكبَرُ من فَضْل الجنَة قال اللَّه تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، ولا نَعيمَ أعظَمُ من دُخول الجَنَّة بما يَكون في ضِمْنه، بل هو أعلى شيء فيه، وهو النظَر إلى وجهِ اللَّه ﵎.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنه يَجِب على النبيِّ ﷺ أن يُبشِّر المُؤمِنين بأن لهم من اللَّه تعالى فضلًا كبيرًا؛ تُؤخَذ من قولِهِ تعالى: ﴿وَبَشِّرِ﴾، والأَمْر للوجوب لا سيَّما على النبيِّ ﷺ ، فإن الأَمْر للوجوب على كل حال؛ لأن اللَّه تعالى إذَا أَمَر رَسولَه ﷺ بشَيْءٍ فإنما يَأمُره أن يَفعَله ويُبلِّغَه إلى الناس، وتَبليغ الرسول ﷺ الرِّسالة واجِب؛ ولهذا نَقول: إن الرسول ﵊ يَجِب عليه أن يُبَلِّغ حتى السُّنَن، فيَجِب عليه أن يُخبِر بالسُّنَّة، وأن يَفعَلها حتى يَحصُل البَلاغ، ثُمَّ بعد ذلك تَكون مَندوبًا في حَقِّه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: فَضيلة الإيمان، وجهُهُ أن المُتَّصِفين به هم أَهلُ البِشارة؛ لقوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: ثَواب المُؤمِنين بهذا الفَضلِ الكَبير ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيانُ مِنَّة اللَّه على المُؤمِنين وأن الفَضْل فضلهُ؛ لقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعنِي: لا من غَيْره؛ ولهذا قُدِّم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ مع أنه مُتعَلِّق بـ ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الجزاء على الإيمان أكثَرُ ممَّا عمِله العَبْد من قوله تعالى: ﴿فَضْلًا كَبِيرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ فيُؤخَذ من الأمرين، أمَّا وَجْه أَخْذه من
стр. 342
الأوَّل؛ فلِقَوْله تعالى: ﴿كَبِيرًا﴾، والكبير إذا وَصَف الشيء بالكبير فهو كبيرٌ جِدًّا، وأمَّا الثاني؛ فلأنه أَضاف الفَضْل إلى اللَّه تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾، وكما قال المَثَلُ: (العَطيَّة على قَدْر مُعطِيها)، فإذا كان هذا الفَضلُ من اللَّه تعالى فإنه سيَكون فَضْلًا لا يَخطُر على البال؛ ولهذا في الحديث الذي علَّمه النبيُّ ﷺ أبا بَكْر ﵁ أن يَدعوَ به في صلاته قال: "فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي" (١)، وكونها من عِند اللَّه تعالى لها مَزِيَّة.
* * *
стр. 343
الآية (٤٨)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٨].
* * *
قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ لمَّا كان الناس يَنقَسِمون إلى ثلاثة أقسام:
١ - مُؤمِنٍ ظاهِرًا وباطِنًا.
٢ - كافِرٍ ظاهِرًا وباطِنًا.
٣ - مُؤمِنٍ ظاهِرًا، كافِرٍ باطِنًا.
بيَّن اللَّه تعالى هؤلاءِ الأقسامَ في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، واللَّه تعالى يَقرُن بين هؤلاء الأصنافِ الثلاثةِ في عِدَّة مَواضِعَ من القُرآن، ففي أوَّل سُورة البقَرة ذكَر اللَّه تعالى الأصنافَ الثَّلاثةَ، وفي سُورة الأحزاب لمَّا ذكَرَ الأمانة وتَحمُّلَها ذكَرَ الأصناف الثلاثة، وهنا ذَكَر الأصناف الثلاثة قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾.
والكافِر كلُّ مَن كفَرَ باللَّه تعالى سواءٌ كان كُفْره عن جُحودٍ أو عن استِكْبار؛ لأن الكُفْر كلَّه يَدور على هَذين الأمرَيْن؛ إمَّا الجُحود وهو التَّكذيب، وإمَّا الاستِكْبار
стр. 344
عن الطاعة، فمَن كَفَر باللَّه تعالى وأَعلَن كُفْره فهو من الكافِرين، ومَن ستَر كفْره فهو من المُنافِقين.
فالمُنافِق إذَنْ: مَن يُظهِر الإسلام ويُبطِن الكُفْر مَأخوذٌ من نَافِقَاءِ اليَرْبُوع، نافِقاءُ اليَرْبوع هي بَيتُه؛ لأن اليَربوع له حِيلة؛ يَحفُر في الأرض جُحْرًا له، ويَجعَل له بابًا، ويَجعَل في أطرف الجُحْر قِشْرة رقيقة؛ لأَجْل إذا حُجِر مع بابه، نَتَقَ مع هذه القِشرةِ الرقيقة فيُقال: نافِقاءُ اليَربوعِ، والمُنافِق هكذا عَمَلُه إذا حُجِر فَعَل ما يَتخَلَّص به، لكن نِفاقًا، كما قال اللَّه ﵎: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١]، وهذا النَّهيُ نَهْيٌ عمَّا لم يَكُن، لِئَلَّا يَكون، وليس نَهيًا عمَّا كان لِئَلَّا يَستَمِرَّ، وبينَهما فَرْق، فهو نَهي عمَّا لم يَكُن لِئَلَّا يَكون، وليس نهيًا عمَّا كان لِئَلَّا يَستَمِرَّ.
فإذا قُلْت لشَخْص: يا فُلان لا تَسرِقْ. وهو يَسرِقُ فهو نهيٌ عمَّا كان لِئَلَّا يَستَمِرَّ، وإذا قُلتَ لمَن لم يَسرِقْ، لكنه هَمَّ بالسَّرِقة أو لم يَهُمُّ فهذا نَهيٌ عمَّا لم يَكُن لِئَلَّا يَكون، فقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ليسَ المَعنَى أن الرسولَ ﷺ كان يُطيعهم -حاشاه من ذلك- لكنه لأَجْل ألَّا يَكون أَذِيَّتهم له ومُضايَقتهم له وإِحْراجهم إيَّاه؛ لِئَلَّا يَكون سببًا لأَنْ يَتَنازَل عن شيءٍ ممَّا أُمِر به من أَجْل دَفْع أَذاهم وإلَّا فإن الرسول ﵊ لا يُمكِن أن يُطيع المُنافِقين والكافِرين في مَعْصية اللَّه تعالى، ولكن النَّفْس البشَرية قد تَجتَهِد في أَمْر من الأُمور، وترى أن من المَصلَحة التَّنازُل عن بعض الأَشياء لدَفْع ما هو أَعظَمُ في نظَر المُكلَّف، ويَكون الأَمْر ليس كذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ قال بعض المُفسِّرين: إنها مُضافة إلى المَفعول به. يَعنِي:
стр. 345
لا تُؤذِهْم، وقال بعضُ المُفسِّرين: إنها مُضافةٌ إلى الفاعِل يَعنِي: دع أَذِيَّتهم إيَّاك، فلا تَلْتَفِت لها، ولا تَهْتَمَّ بها.
والصحيح: هو القولُ الثاني؛ لأن الأوَّلَ غيرُ وَارِد، الرسول ﵊ لم يُؤذِهِمْ، ولكنَّه يُؤْذَى مِنهم، وعلى هذا يَكون المَصدَر هنا مُضافًا إلى الفاعِل، يَعنِي: دع أَذِيَّتهم إيَّاك.
وهذا الأمرُ إمَّا أن يَكون للتَّهديد، وإمَّا أن يَكون للتَّايِيد والتَّقوية، وإمَّا أن يَكون لهما جميعًا.
إمَّا أن يَكون للتهديد: تَهديد هؤلاءِ الكافِرِين والمُنافِقين، يَعنِي: دع أَذاهُم إيَّاكَ، فسوف يَنتَقِم اللَّه تعالى مِنهم بدليل قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.
أو أن المَعنَى: التَّاييدُ، يَعنِي: دع أَذاهم، أي: اصْبِرْ عليهم، فيَكون هذا من باب تَأيِيد اللَّه تعالى لرسوله ﷺ بأَنْ يَأمُره بأن يَدَعَ أَذاهم ولا يَهتَمَّ بهِمْ ولا يُبالي بهم؛ لأن العاقِبة ستَكون للرسولِ ﷺ حتى مع هذه الأذِيَّة التي قاموا بها بالنِّسبة لرسول اللَّه ﷺ .
فائِدةٌ: الفَرْق بين الشِّرْك والكُفْر: أن الكُفْر أعمُّ فإن كلَّ مُشرِك كافِرٌ، وليس كلُّ كافِرٍ مُشرِكًا، قد يَجحَد الإنسان شيئًا ممَّا أَنزَل اللَّه تعالى فيَكون كافِرًا، وليس بمُشرِك.
وقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ التَّوكُّل: ذَكَروا في حَدِّه أقوالًا مُتعَدِّدةً، ولكِنَّ أَقرَبَ ما يُقال فيه: إنه صِدْق الاعتِماد على اللَّه تعالى في جَلْب المَنافِعِ،
стр. 346
ودَفْع المَضارِّ، مع الثِّقَة باللَّه تعالى صِدْق الاعتِماد على اللَّه تعالى في جَلْب المَنافِع، ودَفْع المَضارِّ مع الثِّقَة به.
وهذا أحسَنُ ما قيل في تفسير التَّوكُّل، لأن الإنسان إذا اعتَمَد على اللَّه تعالى في جَلْب المَنافِع ودَفْع المَضارِّ مع الثِّقَة به صار ذلك أَقوَى له وأَطمَنَ لقَلْبه، ولكن مع هذا فإن التَّوكُّل لا يُنافِي فِعْل الأسباب الشَّرعية التي ثبَتَت إمَّا عن طريق الشَّرْع، وإمَّا عن طريق الحِسِّ.
ومَن زعَمَ أن هذا يُنافِي التَّوكُّل فقَدْ أَخطَأ، وذلك لأن الرسول ﷺ لا شَكَّ أنه إمام المُتَوكِّلين، وسيِّدُ بني آدَمَ، ومع هذا فكان يَفعَل الأسباب، فقَدْ كان يَتَّقي من البَرْد، ويَتَّقِي من الحَرِّ، ويَتَّقِي من البَأْس، فكان يَلبَس الدُّروع كما ظاهَرَ في يوم أُحُد بين دِرْعَيْن، ومع هذا فإنه لا يُقال: إن الرسول ﵊ ضعيفُ التَّوكُّل.
إِذَنْ: فِعْل الأسباب من تَمام التَّوكُّل على اللَّه تعالى؛ لأن دَرْءَ ما تَخافه يَكون بأَمْرين: أمرٍ من قِبَلِكَ أنتَ، وأمير آخَرَ من قِبَل اللَّهِ تعالى، فالأشياءُ الخَفِيَّة التي تُدرِكها ولا طاقةَ لك بها هذا من قِبَل اللَّه تعالى، والأشياءُ الظاهِرة التي لك بها قِبَلٌ هذه من قِبَلِ نَفْسك، فعليك أن تَفعَل هذا، وأن تَعتَمِد على اللَّه تعالى فيما لا تُدرِكه ولا يَصِل إليه ذِهْنكَ.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: (كفَى) فِعْلٌ ماضٍ كما هو مَعروف، والباء حرفُ جزّ زائِدٌ؛ لتَحْسين اللَّفْظ، و (اللَّه) لَفْظ الجلالة فاعِل مَرفوع بضمَّةٍ مُقدَّرة على آخِره منعَ من ظُهورها اشتِغال المَحلِّ بحرَكة حَرْف الجرِّ الزائِد.
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى﴾ تارة تَتَعدَّى بنفسها، فإذا كان المُراد بَيان الكِفاية فقَطْ فإنها تَتَعدَّى بدون حَرْف الجرِّ، مِثل: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ مثل: أن تَقول:
стр. 347
كفاكَ اللَّهُ تعالى شَرَّ أعدائِكَ. وما أَشبَهَها، وتارةً تَتَعدَّى بالباء إذا كان المُراد بها مَعنَى التَّعجُّب، يَعنِي: ما أَبلَغَ كِفايَتَه! مثل قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، وما أَشبَهَها.
وهنا المُراد بها التَّعجُّب، يَعنِي: أنهما أشَدُّ كِفاية اللَّه تعالى، وما أَبلَغَ كِفايَتَه!
وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: ﴿وَكِيلًا﴾ هذه حالٌ من فاعِل (كَفَي)، وقوله تعالى: ﴿وَكِيلًا﴾ بمَعنَي: حَفيظًا وكافِيًا، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٣]، أي: كافِيهِ.
واعلَمْ أن اللَّه تعالى أَطلَق على نَفْسه الوَكيل وأَطلَق على نَفْسه المُوكِّل، يَعنِي: وصَفَ نَفْسه بالمُوكِّل؛ فأمَّا الوَكيل فكثيرٌ في كِتاب اللَّه تعالى، ومَعناه: الكافِي الحافِظ، وما أَشبَه ذلك، وأمَّا وَصْف اللَّه تعالى بالتَّوكيل أنه مُوكِّل، ففي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا﴾ [الأنعام: ٨٩] ثم قال: ﴿وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، ومُناسَبة قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾؛ لقَوْله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ مُناسَبَتها أنك إذا تَوَكَّلْت عليه كفاك كلَّ شيءٍ، وحَفِظك، وصار رَقيبًا عليكَ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تحريمُ طاعةِ الكافِرين والمُنافِقين لكن ليس على إطلاقه، بل طاعتهم فيما يُخَالِف أَمْر اللَّه تعالى، فلو أُمِروا بشيءٍ لا يُخالِف أمرَ اللَّه تعالى فإن طاعَتَهم ليست حَرامًا، كما لو أَمَرك كافِرٌ بأن تُركِّب على هذا البابِ مِفتاحًا مثَلًا، فهل نَقول: حرامٌ عليك أن تُطيعهُ؟ لا، إِذَنْ: لا تُطِعْهم فيما يُخالِف أَمْر اللَّه تعالى.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن القُرآن على أَكمَل ما يَكون من البَلاغة، فإننا نَجِده في مَواضِعَ يُقدِّم المُنافِقين على الكافِرين، وفي هذه الآيةِ قدَّم الكافِرين على المُنافِقين؛ لأنه
стр. 348
في مَقام الجزاء وفي مَقام الذَّنْب يُقدِّم المُنافِقين ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠]، ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [الأحزاب: ٧٣]؛ لأن ذَنْب المُنافِق أَعظَمُ من ذَنْب الكافِر الصريح.
وأمَّا هنا فالذي يُعارِض الرسول ﷺ صراحةً هو الكافِر؛ ولهذا قدَّمه على المُنافِق؛ لأن المُنافِق لا يَأْمُر بمُخالَفة الشَّرْع كما يَأمُر بها الكافِر، إذ إنه يَتَستَّر بنِفاقه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ فبَدَأ بهم؛ لأن مُعارَضَتَهم للشَّرْع أَبيَنُ وأظهَرُ من المُنافِقين.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه قد يَتَوجَّه النَّهيُ عمَّا لم يُفعَل؛ لئلا يُفْعَل؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، فإن الرسول ﵊ ما كان يُطِيعهم لكنه نُهِيَ أن يُطيعَهم؛ لئلَّا يَفعَل في المُستَقبَل.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النَّهيَ قد يَكون أو قد يَرِد على الأُمور البَعيدةِ أو المُستَحيلةِ، وجهُهُ: ولا تُطِعِ الكافِرين والمُنافِقين، فإن هذا بعيد أو مُستَحيل على الرسول ﷺ .
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَهديد الكافِرين والمُنافِقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: تَأييد النَّبيِّ ﷺ وتَسلِيَتُه من قوله تعالى أيضًا: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن من طَبيعة الكافِرين والمُنافِقين أَذِيَّة المُؤمِنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.
لكن قد يَقول قائِل: هذا آذَى الرسولَ ﷺ .
فنَقول: إن مَن آذَى النبيَّ ﷺ فإنه مُؤْذٍ للمُؤمِنين، وأيضًا فإن مَن عادَى الرُّسُل سَيُعادِي أَتْباعَهم ويُؤذِيهم.
стр. 349
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وُجوب الصَّبْر على أذَى الكُفَّار والمُنافِقين؛ لقوله تعالى: ﴿وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ فإن هذا أَمْرٌ بالصَّبْر على أَذِيَّتهم.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: وجوبُ التَوكُّل على اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأَمْر للوُجوب.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن النبيَّ ﷺ لا يَملِك لنَفْسه نَفْعًا ولا ضَرًّا، ولا لغَيْره من بابِ أَوْلى؛ لقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، فهو مُفتَقِرٌ إلى رَبِّه مَأمورٌ بأن يَتَوكَّل عليه.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: عِظَم كِفاية اللَّه للمُتَوكِّلين عليه؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، فإنا ذكَرْنا فيما سبَقَ أن هذا يُراد به التَّعجُّب من كِفاية اللَّه تعالى لمَن تَوكَّل عليه.
* * *
стр. 350
الآية (٤٩)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤٩].
* * *
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ تَقدَّم لنا الكَلام على تَصْدير الخِطاب بمِثْل هذا النِّداءِ، وأنه يَدُلُّ على أهمِّيَّة المَوْضوع، وأنه يَدُلُّ على أن امتِثال ما سيَأتي من مُقتَضيات الإيمان وأن مخُالَفَته من نَواقِص الإيمان.
وقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ المُراد بالنِّكاح هنا العَقْد، والنِّكاح يُطلَق على العَقْد وعلى الجِماع؛ وذلك لأن أَصْله في اللغة العربية الضَّمُّ والجَمْع؛ لأن العَقْد يَضُمُّ الزوجَ إلى زَوْجته والزَّوْجة إلى زَوْجها، وهو يُطلَق بمَعنَى هذا وهذا، ولكنه إذا أُضِيف إلى أَجْنَبية فهو بمَعنَى العَقْد، وإذا أُضيف إلى زوجة فهو بمَعنَى الجِماع، فإذا قِيل: نكَحَ الرجُلُ زوجَتَه. أي: جامَعَها، وإذا قيل: نَكَحَ فُلَانة بنتَ فُلانٍ. المَعنَى: عَقَد عليها.
وهي في القُرآن بمَعنَى العَقْد، كلَّما جاءَتْ فهي بمَعنَى العَقْد، والغريب أن بعضَ أهلِ العِلْم ﵏ يَقول: لم تَأتِ بمَعنَى العَقْد إلَّا في هذه الآيةِ، وأنها في القُرآن جاءت بمَعنَى الجِماعِ.
стр. 351
ولكنَّ هذا ليس بصَواب، فالصَّواب العَكسُ وهو: أنها ما جاءَتْ في القُرآن إلَّا بمَعنَى العَقْد.
ونَستَعرِض الآياتِ الوارِدةَ في هذا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] المَعنَى: العَقْد، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] العَقْد، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] العَقْد.
وفي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] العَقْد، فالزاني لا يَنكِح أَيْ: لا يَعقِد إلَّا على زانِية أو مُشرِكة، والزانية لا يَتزَوَّجها إلَّا زانٍ أو مُشرِكٌ، فقوله ﵎: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال في آخِر الآية: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، فإذا كان نِكاح الزانية حَرامًا ونِكاح الزانِي حَرامًا، فإذا عَقَد على زانِية وهو حَرام: فإمَّا أن يَعتَقِد التحريم فيَكون زانِيًا؛ لأنه جامَعها وهو يَعتَقِد أنه حرام، وإمَّا ألَّا يَعتَقِد التَّحريم، ويَقول: هذا حَلال. فتَحليل ما حرَّم اللَّه تعالى شِرْك، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]، هذا هو مَعنَى الآية التي لا تَحتَمِل سِواهُ، وهو الذي قرَّره شيخُ الإسلامِ (١) وابنُ القيِّم (٢) رَحَمَهُمَا اللَّهُ.
مَسأَلة: إذا تَزوَّج الإنسانُ امرأةً ووجَد أنها قد جُومِعت من قبلُ فلا يَجِب عليه أن يُفارِقها إلَّا إذا عَلِم أنها لا تَزال على إِصْرارها، أمَّا إذا تابَت فَيَجوز أن يَتزَوَّجها.
وفي قوله ﵎: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾
стр. 352
[البقرة: ٢٣٠] العَقْد، لكن السُّنَّة بيَّنَت أَضافَت إلى هذا شَرْطًا آخَرَ وهو "أن يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا وتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ" (١)، وإلَّا فهو العَقْد، وهذا واضِح.
وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَي مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] اعقدوا لهم.
المُهِمُّ: كلَّما جاءت في القُرآن فهي بمَعنَى العَقْد حتى في هذه الآيةِ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يَعنِي: مِن قَبْلِ أن تُجامِعوهن.
قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيْ: عقَدْتُم علَيْهِن.
وقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بِناءً على الأغلَبِ أن الأغلَبَ أن المُؤمِن لا يَتزَوَّج إلَّا مُؤمِنةً، ولكن لو كانت يَهوديَّةً أو نصرانِيةً فالحُكْم لا يَختَلِف، فعلي هذا يَكون من باب الاقتِصار، وليس من باب الاختِصار؛ من باب الاقتِصار على أَحَد الصِّنْفين، وأمَّا الصِّنْف الآخَرُ؛ فلأنه قَليل بالنِّسبة إلى نِكاح المُؤمِنات.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يَقُلْ: وطلَّقْتُموهن أو فطَلَّقْتُموهنَّ؛ ليَتبيَّن به أنه لو تَأخَّر الطلاق عن العَقْد مُدَّة طويلة فالحُكْم لا يَتغَيَّر كما أنه لو طلَّقَها مُباشَرةً، فالحُكْم لا يَتغَيَّر أيضًا، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أي: بَعْد العَقْد.
والطلاق في اللُّغة حَلُّ قَيْد البَعير ونحوِهِ، يَعني: حَلُّ القَيْد يُسمَّى طلاقًا، وهو اسمُ مَصدَرِ (طلَّقَ)، والمَصدَر من (طلَّق) تَطليقًا، مثل: كَلَّم والمَصدَر تَكليمًا، واسْمُ
стр. 353
المَصدَر كَلَام، (طلَّقَ) المَصدَر تَطْلِيق، واسْمُ المَصدَر طَلَاق؛ فالطَّلاق إِذَن: هو حَلُّ القَيْد.
أمَّا في الاصطِلاح أو في الشَّرْع فطَلاق المَرأة مَعناه: حَلُّ قَيْد النِّكاح أو بعضِه، فإن كان الطلاق بائِنًا لا تَحِلُّ به الزوجة، فهو حَلٌّ لقَيْد النِّكاح مُطلَقًا، وإن كان رَجعِيًّا فهو حلٌّ لبَعْضه، إذ إنه يَجُوز له أن يُراجِع.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: مِن قَبْل أن تِجَامِعوهن، وهذا من باب الكِناية عمَّا يُسْتَقْبَح ذِكْره بما يَدُلُّ عليه؛ ولهذا لم يَأتِ الجِماع بلَفْظٍ صريح في القُرآن الكَريم، وإنما كُنِّيَ عنه في كل مَوضِع بما يَتَناسَب والمَقامَ، فمَرَّةً يُعَبَّر عنه بالإِتْيان، ومرَّةً بالإِفْضاء، ومرَّةً بالمَسِّ، ومرَّة بالمُلامَسة، وما أَشبَه ذلك، كل هذا من باب استِعْمال ما لا تَمُجُّه الأَسْماع من الكلِمات.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قال ﵀: [وَفي قِراءَةٍ: "تُمَاسُّوهُنَّ" أي: تُجامِعوهُنَّ] يَقول تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ فما لَكُم: (ما) هذه نافِية، و ﴿لَكُمْ﴾ جارٌّ ومجَرور خبَرٌ مُقدَّم و ﴿مِنْ﴾ حَرْفُ جرٍّ زائِدٌ لمَعنًى زائِدٍ، وقد قُلنا: إنه حَرْفٌ زائدٌ زائِدٌ. وكلِمة (زائِدٌ) الثانية تَأسيس لا تَوكِيد، فهو حَرْفُ جرٍّ زائِدٌ لفظًا، لكنه يَزيد المَعنَى، (زائِد) الأُولى من (زادَ) اللازِم، و (زائِدٌ) الثانية من (زادَ) المُتعَدِّي، فإذا قُلت: زاد إيمان الرجُلِ. هذا لازِم، وإذا قُلت: زادَهُم إيمانًا. هذا مُتَعدٍّ، فنَقول: هذا حَرْفُ جَرٍّ (زائِدٌ) من (زادَ) اللازِمة، أو: (زائِدٌ) من (زادَ) المُتعَدِّي، يَعنِي: زائِدٌ بنَفْسه، زائِدٌ مَعنًى في غيره.
المُهِمُّ: أن قوله تعالى: ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ حَرْفُ جَرٍّ زائِدٌ لفظًا لا مَعْنًى.
стр. 354
وقوله تعالى: ﴿عِدَّةٍ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر مَرفوع بضَمَّة مُقدَّرة على آخِره منَعَ ظُهورَها اشتِغالُ المَحلِّ بحرَكة حَرْف الجرِّ الزائِدِ. ولو قال لنا قائِل: هل يَجوز أن نَجعَل (ما) هنا حِجازيةً؟
الجَوابُ: لا يَجوز؛ لأن خبرها مُقدَّم، وابنُ مالِك ﵀ يَقول:
. . . . . . . . . . . ... مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ (١)
قوله ﵎: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [تُحصُونها].
والعِدَّة في اللُّغة: اسمٌ مَأخوذ من العَدَد، ولكنَّها في الاصطِلاح أو الشَّرْع: تَربُّص مُفارَقةٍ في الحياة أو في المَمات محُدودٌ شَرْعًا.
وقوله تعالى: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال ﵀: [تُحصُونها بالأَقْراء وغيرِها]: [بالأَقْراء] إن كانت من ذَوات الأَقْراء، وعددُها ثلاثة قُروء، [وغيرِها] إن لم تَكُن من ذوات الأَقْراء وهُنَّ الحوامِلُ ومَن لا تَحيض لصِغَرٍ أو إِياسٍ، فالحامِلُ عِدَّتها وَضْعُ الحَمْل، ومَن لا تَحيض عِدَّتُها ثلاثة أَشهُرٍ.
قوله ﵀: [﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أَعطوهُنَّ ما يَسْتَمتِعْن به، أي: إن لم يُسَمَّ لهُنَّ أَصدِقة، وإلَّا فلَهُنَّ نِصْف المُسمَّى فقَطْ، قاله ابنُ عبَّاسٍ وعليه الشافِعيُّ].
وقوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الفاء حَرْف عَطْف، و (مَتِّعوهن) أي: أَعطُوهُن ما يَستَمْتِعْن به من الدراهِم، ومن الثِّياب، ومن المَتاع، ومن العَقار، ومن أيِّ شيءٍ، فاللَّه أَطلَقها، ثُمَّ إنَّها مُطْلَقةٌ من جِهةِ الكِمِّيَّة كما أنَّها مُطلَقة من جِهة النَّوْعيَّة
стр. 355
الكِمِّية، فإذا أَرَدْت أن أُعطِيَها دراهِمَ، فكما قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَي الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَي الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي: حَسَب حال الزَّوْج.
وقوله ﵎: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ بعدَ قوله ﵎: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يُستَثْنى من ذلك مَن سُمِّيَ لها مَهْرٌ، فإنَّ مَن سُمِّيَ لها مَهْرٌ لا يَجِب لها إلَّا نِصْفُه؛ لقوله ﵎: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فبَيَّن اللَّه أن لَهُنَّ نِصْفَ ما فرَضْنا، وهذا إذا سُمِّيَ لها المَهْرُ سواءٌ قلَّ أو كثُرَ.
قال ﵀: [﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ خَلُّوا سَبيلَهُنَّ من غير إضرارٍ]، فأَمَرَ اللَّه بأَمْرين:
١ - التَّمتيع وهو بَذْل المال.
٢ - والسَّراح الجميل وهو بَذْل الخُلُق.
وذلك بأن تَكون المُفارَقة عن رِضًا، وبالقول اللَّيِّن الذي يَجبُر الخاطِر؛ لأن المَرأة إذا طُلِّقت بعد أن عُقِد عليها ولم يَدخُل بها لا شَكَّ أنه يَنكَسِر خاطِرها، وأنها تَتَأثَّر، وأن الناس سوف يَتكلَّمون: لماذا طُلِّقت قبل أن يَدخُل بها؟ ما هو السبَب؟ هل رأى فيها عَيْبًا؟ هل سمِع عنها بشيء؟ ولا سيَّما إذا كانت هي راغِبة أيضًا بالزوج ثُمَّ طلَّقَها من قَبْلِ أن يَتَّصِل بها، فإنه لا بُدَّ أن يَكون هناك ردودُ فِعْل في نَفْسها، فأَرْحَم الراحِمين أَمَرَنا أن نُمتِّعَهنَّ بالمال، وأن نُسرِّحَهنَّ سَراحًا جميلًا بالقول والمُعامَلة الطَّيِّبة.
وذلك مثل أن نَقول لها: هذا أَمْر لم يُقدَّر، وهذا أَمْرٌ أَرادَه اللَّه ، وأنا ما