← Тафсир

Тафсир · id 150303

تفسير العثيمين: الأحزاب

ابن عثيمين

Полный текст (540 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

ولكنَّ هذا ليس بصَواب، فالصَّواب العَكسُ وهو: أنها ما جاءَتْ في القُرآن إلَّا بمَعنَى العَقْد. ونَستَعرِض الآياتِ الوارِدةَ في هذا؛ قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] المَعنَى: العَقْد، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١] العَقْد، وفي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢] العَقْد. وفي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ [النور: ٣] العَقْد، فالزاني لا يَنكِح أَيْ: لا يَعقِد إلَّا على زانِية أو مُشرِكة، والزانية لا يَتزَوَّجها إلَّا زانٍ أو مُشرِكٌ، فقوله ﵎: ﴿لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال في آخِر الآية: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣]، فإذا كان نِكاح الزانية حَرامًا ونِكاح الزانِي حَرامًا، فإذا عَقَد على زانِية وهو حَرام: فإمَّا أن يَعتَقِد التحريم فيَكون زانِيًا؛ لأنه جامَعها وهو يَعتَقِد أنه حرام، وإمَّا ألَّا يَعتَقِد التَّحريم، ويَقول: هذا حَلال. فتَحليل ما حرَّم اللَّه تعالى شِرْك، كما قال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]، هذا هو مَعنَى الآية التي لا تَحتَمِل سِواهُ، وهو الذي قرَّره شيخُ الإسلامِ (١) وابنُ القيِّم (٢) رَحَمَهُمَا اللَّهُ. مَسأَلة: إذا تَزوَّج الإنسانُ امرأةً ووجَد أنها قد جُومِعت من قبلُ فلا يَجِب عليه أن يُفارِقها إلَّا إذا عَلِم أنها لا تَزال على إِصْرارها، أمَّا إذا تابَت فَيَجوز أن يَتزَوَّجها. وفي قوله ﵎: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾

стр. 352

[البقرة: ٢٣٠] العَقْد، لكن السُّنَّة بيَّنَت أَضافَت إلى هذا شَرْطًا آخَرَ وهو "أن يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا وتَذُوقَ عُسَيْلَتَهُ" (١)، وإلَّا فهو العَقْد، وهذا واضِح. وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَي مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] اعقدوا لهم. المُهِمُّ: كلَّما جاءت في القُرآن فهي بمَعنَى العَقْد حتى في هذه الآيةِ، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يَعنِي: مِن قَبْلِ أن تُجامِعوهن. قوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أَيْ: عقَدْتُم علَيْهِن. وقوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ بِناءً على الأغلَبِ أن الأغلَبَ أن المُؤمِن لا يَتزَوَّج إلَّا مُؤمِنةً، ولكن لو كانت يَهوديَّةً أو نصرانِيةً فالحُكْم لا يَختَلِف، فعلي هذا يَكون من باب الاقتِصار، وليس من باب الاختِصار؛ من باب الاقتِصار على أَحَد الصِّنْفين، وأمَّا الصِّنْف الآخَرُ؛ فلأنه قَليل بالنِّسبة إلى نِكاح المُؤمِنات. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولم يَقُلْ: وطلَّقْتُموهن أو فطَلَّقْتُموهنَّ؛ ليَتبيَّن به أنه لو تَأخَّر الطلاق عن العَقْد مُدَّة طويلة فالحُكْم لا يَتغَيَّر كما أنه لو طلَّقَها مُباشَرةً، فالحُكْم لا يَتغَيَّر أيضًا، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ أي: بَعْد العَقْد. والطلاق في اللُّغة حَلُّ قَيْد البَعير ونحوِهِ، يَعني: حَلُّ القَيْد يُسمَّى طلاقًا، وهو اسمُ مَصدَرِ (طلَّقَ)، والمَصدَر من (طلَّق) تَطليقًا، مثل: كَلَّم والمَصدَر تَكليمًا، واسْمُ

стр. 353

المَصدَر كَلَام، (طلَّقَ) المَصدَر تَطْلِيق، واسْمُ المَصدَر طَلَاق؛ فالطَّلاق إِذَن: هو حَلُّ القَيْد. أمَّا في الاصطِلاح أو في الشَّرْع فطَلاق المَرأة مَعناه: حَلُّ قَيْد النِّكاح أو بعضِه، فإن كان الطلاق بائِنًا لا تَحِلُّ به الزوجة، فهو حَلٌّ لقَيْد النِّكاح مُطلَقًا، وإن كان رَجعِيًّا فهو حلٌّ لبَعْضه، إذ إنه يَجُوز له أن يُراجِع. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ أي: مِن قَبْل أن تِجَامِعوهن، وهذا من باب الكِناية عمَّا يُسْتَقْبَح ذِكْره بما يَدُلُّ عليه؛ ولهذا لم يَأتِ الجِماع بلَفْظٍ صريح في القُرآن الكَريم، وإنما كُنِّيَ عنه في كل مَوضِع بما يَتَناسَب والمَقامَ، فمَرَّةً يُعَبَّر عنه بالإِتْيان، ومرَّةً بالإِفْضاء، ومرَّةً بالمَسِّ، ومرَّة بالمُلامَسة، وما أَشبَه ذلك، كل هذا من باب استِعْمال ما لا تَمُجُّه الأَسْماع من الكلِمات. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ قال ﵀: [وَفي قِراءَةٍ: "تُمَاسُّوهُنَّ" أي: تُجامِعوهُنَّ] يَقول تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ فما لَكُم: (ما) هذه نافِية، و ﴿لَكُمْ﴾ جارٌّ ومجَرور خبَرٌ مُقدَّم و ﴿مِنْ﴾ حَرْفُ جرٍّ زائِدٌ لمَعنًى زائِدٍ، وقد قُلنا: إنه حَرْفٌ زائدٌ زائِدٌ. وكلِمة (زائِدٌ) الثانية تَأسيس لا تَوكِيد، فهو حَرْفُ جرٍّ زائِدٌ لفظًا، لكنه يَزيد المَعنَى، (زائِد) الأُولى من (زادَ) اللازِم، و (زائِدٌ) الثانية من (زادَ) المُتعَدِّي، فإذا قُلت: زاد إيمان الرجُلِ. هذا لازِم، وإذا قُلت: زادَهُم إيمانًا. هذا مُتَعدٍّ، فنَقول: هذا حَرْفُ جَرٍّ (زائِدٌ) من (زادَ) اللازِمة، أو: (زائِدٌ) من (زادَ) المُتعَدِّي، يَعنِي: زائِدٌ بنَفْسه، زائِدٌ مَعنًى في غيره. المُهِمُّ: أن قوله تعالى: ﴿مِنْ عِدَّةٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ حَرْفُ جَرٍّ زائِدٌ لفظًا لا مَعْنًى.

стр. 354

وقوله تعالى: ﴿عِدَّةٍ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر مَرفوع بضَمَّة مُقدَّرة على آخِره منَعَ ظُهورَها اشتِغالُ المَحلِّ بحرَكة حَرْف الجرِّ الزائِدِ. ولو قال لنا قائِل: هل يَجوز أن نَجعَل (ما) هنا حِجازيةً؟ الجَوابُ: لا يَجوز؛ لأن خبرها مُقدَّم، وابنُ مالِك ﵀ يَقول: . . . . . . . . . . . ... مَعَ بَقَا النَّفْي وَتَرْتِيبٍ زُكِنْ (١) قوله ﵎: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [تُحصُونها]. والعِدَّة في اللُّغة: اسمٌ مَأخوذ من العَدَد، ولكنَّها في الاصطِلاح أو الشَّرْع: تَربُّص مُفارَقةٍ في الحياة أو في المَمات محُدودٌ شَرْعًا. وقوله تعالى: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾ قال ﵀: [تُحصُونها بالأَقْراء وغيرِها]: [بالأَقْراء] إن كانت من ذَوات الأَقْراء، وعددُها ثلاثة قُروء، [وغيرِها] إن لم تَكُن من ذوات الأَقْراء وهُنَّ الحوامِلُ ومَن لا تَحيض لصِغَرٍ أو إِياسٍ، فالحامِلُ عِدَّتها وَضْعُ الحَمْل، ومَن لا تَحيض عِدَّتُها ثلاثة أَشهُرٍ. قوله ﵀: [﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ أَعطوهُنَّ ما يَسْتَمتِعْن به، أي: إن لم يُسَمَّ لهُنَّ أَصدِقة، وإلَّا فلَهُنَّ نِصْف المُسمَّى فقَطْ، قاله ابنُ عبَّاسٍ وعليه الشافِعيُّ]. وقوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الفاء حَرْف عَطْف، و (مَتِّعوهن) أي: أَعطُوهُن ما يَستَمْتِعْن به من الدراهِم، ومن الثِّياب، ومن المَتاع، ومن العَقار، ومن أيِّ شيءٍ، فاللَّه أَطلَقها، ثُمَّ إنَّها مُطْلَقةٌ من جِهةِ الكِمِّيَّة كما أنَّها مُطلَقة من جِهة النَّوْعيَّة

стр. 355

الكِمِّية، فإذا أَرَدْت أن أُعطِيَها دراهِمَ، فكما قال تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَي الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَي الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ [البقرة: ٢٣٦] أي: حَسَب حال الزَّوْج. وقوله ﵎: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ بعدَ قوله ﵎: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ يُستَثْنى من ذلك مَن سُمِّيَ لها مَهْرٌ، فإنَّ مَن سُمِّيَ لها مَهْرٌ لا يَجِب لها إلَّا نِصْفُه؛ لقوله ﵎: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فبَيَّن اللَّه أن لَهُنَّ نِصْفَ ما فرَضْنا، وهذا إذا سُمِّيَ لها المَهْرُ سواءٌ قلَّ أو كثُرَ. قال ﵀: [﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ خَلُّوا سَبيلَهُنَّ من غير إضرارٍ]، فأَمَرَ اللَّه بأَمْرين: ١ - التَّمتيع وهو بَذْل المال. ٢ - والسَّراح الجميل وهو بَذْل الخُلُق. وذلك بأن تَكون المُفارَقة عن رِضًا، وبالقول اللَّيِّن الذي يَجبُر الخاطِر؛ لأن المَرأة إذا طُلِّقت بعد أن عُقِد عليها ولم يَدخُل بها لا شَكَّ أنه يَنكَسِر خاطِرها، وأنها تَتَأثَّر، وأن الناس سوف يَتكلَّمون: لماذا طُلِّقت قبل أن يَدخُل بها؟ ما هو السبَب؟ هل رأى فيها عَيْبًا؟ هل سمِع عنها بشيء؟ ولا سيَّما إذا كانت هي راغِبة أيضًا بالزوج ثُمَّ طلَّقَها من قَبْلِ أن يَتَّصِل بها، فإنه لا بُدَّ أن يَكون هناك ردودُ فِعْل في نَفْسها، فأَرْحَم الراحِمين أَمَرَنا أن نُمتِّعَهنَّ بالمال، وأن نُسرِّحَهنَّ سَراحًا جميلًا بالقول والمُعامَلة الطَّيِّبة. وذلك مثل أن نَقول لها: هذا أَمْر لم يُقدَّر، وهذا أَمْرٌ أَرادَه اللَّه ، وأنا ما

стр. 356

فارَقْتُك لسُوء خُلُقك؛ أو لأني سمِعْت عنك ما يَسوءُ، أو ما أَشبَهَ ذلك من الكلام حتى تَنفَصِل منه وهي طَيِّبة النَّفْس مُنشَرِحة الصَّدْر، ثُمَّ بعد ذلك لا يَحصُل منها أو من أهلها كَلام؛ لأنه ربما إذا طلَّقَها ولم يُمتِّعها، أو مَتَّعَها بما دون ما تَستَحِقُّه، أو سرَّحها سَراحًا غيرَ جميل، ربما يَحصُل منها أو من أهلها كلام في الرَّجُل يَتكلَّمون فيه وفي عِرْضه وفي أَهْله، وما أَشبَهَ ذلك. فهذا من آداب اللَّه التي أَدَّب بها عِبادَه إذا طلَّق المرأة قبل المَسيس، فإن الواجِب عليه أمران: التَّمتيع بالمال، والسَّراح الجميل بالقَوْل والفِعْل وطلاقةِ الوَجْه وانبِساط القَلْب، وما أَشبَه ذلك. وقد يَقول قائِل: كيف يُمكِن هذا والرجُلُ لم يُطلِّقها في هذه الحالِ إلَّا وهو كارِةٌ لها بلا شَكٍّ؛ ولو كان عِنده أَدْني محَبَّةٍ لكان دخَل بها وجامَعها، ونظَرَ ربما تَتَغيَّر الأمور، يَعنِي: لو كان زَهِد فيها بعضَ الزُّهْد لكان في قَلْبه محَبَّة لها هل يُغَامِر ويُطلِّقها من قَبلِ أن يُجامِع، العَقْل لا يَقْتَضي ذلك، يَقتَضي أن تَنتَظِر وتُجامِعها لأنه رُبَّما تَغيَّرت الأمورُ. ومِن ثَمَّ نُهِيَ عن الطلاق في الحَيْض؛ لأن الإنسان إذا كانت امرَأَتُه حائِضًا فإنه لا يُجامِعها، لكن فيَبقَى كارِهًا لها، ولا يُوجَد هناك سبَبٌ يَدعو إلى المَحبَّة وهو الجِماع؛ فلهذا نُهِيَ عنه. فهذه من الحِكَم في النَّهي عن الطلاق في الحَيْض، وليسَتْ هي الحِكْمةَ الوحيدةَ ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾.

стр. 357

من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أَهمِّيَّة النِّكاح والطلاق؛ لأن اللَّه تعالى صَدَّره بالنِّداء الذي يُطلَب به تَنبُّه المُنادَى لمَا سيُلقَى عليه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن التِزام أحكام الشريعة في النِّكاح والطلاق من مُقتَضيات الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فإن هذا من مُقتَضاه إِيمانُهم أن يَمتَثِلوا لمَا أُمِروا به. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه لا طَلاقَ قبل النِّكاح؛ لقوله تعالى: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ﴾ و (ثُمَّ) للتَّرْتيب، فلا طلاقَ قَبْل النِّكاح، ولا فَرْقَ في ذلك بين أن يَكون الطلاق لمُعيَّنةٍ أو على سبيل العُموم، فلو قال رجُل لامرأةٍ: إن تَزوَّجْتُكِ فأنتِ طالِقٌ. ثُمَّ تَزوَّجها فإنها لا تَطلُق؛ لأن الطلاق كان قبلَ النِّكاح، وكذلك لو قال: كلُّ امرأةٍ أَتزَوَّجها فهي طالِق. فإنه إذا تَزوَّج امرأةً لا تَطْلُق؛ لأنه لا طلاقَ إلَّا بعد النِّكاح. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه لا إِيلاءَ ولا ظِهارَ ولا تَحريمَ على امرأة إلَّا بعد النِّكاح؛ لأنه إذا كان الطلاق وهو أَعظَمُ فُرْقةً من الظِّهار والإِيلاء وما أَشبَهَه لا يَكون إلَّا بعد النِّكاح، فكذلك ما دُونَه، إلَّا أنَّ التحريم إذا حرَّم الرجُل امرأةً مُعيَّنة ثُمَّ تَزوَّجها بعد ذلك، فإن عليه كفَّارة يَمين، وكذلك الظِّهار إذا قصَد به التَّحريم وظاهَرَ منِ امرأة قَبْل أن يَتزوَّجَها، فإن عليه كفارةَ يمينٍ، وليس عليه كفَّارةُ ظِهار؛ لأن الظَّهار لا يَصِحُّ إلَّا من زَوْجة. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: جَواز الطَّلاق؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، وَلَمْ يَلُمِ اللَّه تعالى المُؤمِنين على الطلاق ولو كان حَرامًا لَلَامَهُم عليه.

стр. 358

الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: جَوازُ الطَّلاق قبل المَسيس؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ وهذه فائِدة غير فائِدة: جَواز الطلاق مُطلَقًا؛ لأن الطلاق قبل المَسيس قد يَكون فيه شيءٌ من من غَضِّ حَقِّ المَرأة، فيُقال: هذا الرجُلُ لولا أنه عَلِم بأن فيها بَلاءً ما طلَّقَها قبل أن يَدخُل بها ويَمَسَّها، لأن العادة أنَّ الإنسان إذا تَزوَّج فإنما يَتزوَّج عن رَغبةٍ، فإذا طلَّقها قبل أن يَمَسَّها فهو دليلٌ على أن فيها شَيْئًا. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه إذا طلَّقها قبل الجِماع فلا عِدَّةَ عليها، وهذا فيه خِلَافٌ؛ فإنَّ بعض أهل العِلْم ﵏ وهُمُ الجُمهور على أنه إذا خلا بها، فإن عَلَيْها العِدَّةَ فجعَلوا الخَلْوة بمَنزِلة الجِماع، وهذا هو الذي قضَى به الخُلَفاءُ الراشِدون (١)، وعليه جُمهور الصحابة ﵃، بل جُمهور الأُمَّة، ولم يُخالِف في ذلك إلَّا نفَرٌ قليل منهم الإمامُ الشافِعيُّ (٢) ﵀ في قوله الجَديد، فإنه رأَى أنه إذا لم يُجَامِعْها فلا عِدَّةَ عليها، ولو خلا بها. ولا شَكَّ أن هذا هو ظاهِر الآية، لكن الوارِد عن الصحابة ﵃ ولا سِيَّما الخُلَفاءُ الراشِدون يَثبُت بأن عليها العِدَّة إذا خلا بها. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: وُجُوب المُتْعة على مَن طلَّق قبل الدُّخول؛ تُؤْخَذ من قوله تعالى: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وهذا مُقَيَّد بالآية الأُخرى، وهي ما إذا فرَضَ لها فريضةً، فإنها إذا فرَضَ لها مَهرًا فليس عليه إلَّا نِصْف المَهْر؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ﴾ [البقرة: ٢٣٧].

стр. 359

الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: التَّكْنية عمَّا يُسْتَحْيا من ذِكْره؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن المُعتَدَّةَ من وَفَاةٍ عليها العِدَّةُ مُطلَقة، وإن لم يَدخُل بها؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾، فجعَل اللَّه تعالى هذا الحُكْمَ في الطلاق، فيَبقَى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]، يَبقَى على إطلاقه أن المُتوفَّى عنها تَجِب عليها العِدَّةُ وإن لم يَدخُل بها. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: رحمةُ اللَّه بعِباده وخَلْقه؛ حيثُ أَوْجَب المُتْعةَ على مَن طُلِّقَت قبلَ الدُّخول، وجهُ ذلك: أن فيه جَبْرًا لخاطِرها وإزالةً لِلْهَمِّ والغَمِّ الذي اعتَراها بعد الطلاق. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: وُجُوب التَّسريح الجميل في المُفارَقة؛ لقوله : ﴿وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن العدَّة حَقٌّ للزوج وجهُهُ قال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ﴾ فهي حقٌّ للزَّوْج على المرأة. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: ممَّا يَنبَغِي أن يُحْصِيَ الإنسان عِدَّة زَوْجته، ويَعتَنيَ بها، ولا يَدَعها همَلًا لا يَدرِي عنها؛ لقوله تعالى: ﴿تَعْتَدُّونَهَا﴾، فإن هذا دليلٌ على أن مِن شأنِ الأزواج أن يَعتَدُّوا عِدَّةَ أزواجِهنَّ وأن يُحصوها ويُراقِبوها؛ لأنها فِراشٌ له ما دامت في العِدَّة إذا كانت رَجْعية. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: لا يُؤخَذ من مَفهوم قوله : ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ أنه إذا نَكَحوا الكِتابِيَّات تَغيَّر الحُكْم؛ لأن هذا قَيْدٌ أَغلَبيٌّ، وقد ذكَرَ

стр. 360

أهل العِلْم في الأُصول أن ما كان قَيْدًا أَغلَبيًّا فإنه لا مَفهومَ له، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾؛ لأن هذا الحُكْمَ شامِل للمُؤمِنات ولغَيْرِهن. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أنه لا عِدَّةَ في الطلاق بعد الدُّخول ولو طالَتِ المُدَّةُ؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن الطَّلاق بيَدِ الزوج؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ فلا يَملِك الأبُ ولا الجَدُّ ولا العَمُّ ولا الخالُ ولا غيرُهم أن يُطلِّقوا على الإنسان. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةَ عَشْرَةَ: أنه لا عِدَّةَ لغَيْر المُطلَّقة كالمَفسوخة بِخُلْع أو غيره؛ وهذه الفائِدةُ قد لا تَكون إلى ذاك الظُّهورِ إلَّا أن القول الراجِح إلَّا أن المُفارَقة بغير الطلاق ليس عليها عِدَّة؛ ثم إن المُختَلِعة إنما تُسْتَبْرَأ بِحَيضة ثُم تَحِلُّ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: الجَمْع بين الإحسان المالي والفِعْلي؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ﴾ هذا الإحسانُ الماليُّ، وقوله تعالى: ﴿سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ وهذا الإحسان الفِعْليُّ. الْفَائِدَةُ العِشْرُون: يُستَثْنى من الآية مَن فُرِض لها فَريضةٌ فلها نِصْف الفَريضة، وليس على الزَّوْج مُتْعة. * * *

стр. 361

الآية (٥٠) * قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. * * * ثُمَّ قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مُهورَهُن]. قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ مِثْل: هذه الصِّيغة تَدُلُّ على تَعظيم المُخاطَب حيثُ وُجِّه إليه الخِطاب بالنِّداء؛ هذا من وجهٍ. ومن وجهٍ آخَرَ أنه وُصِف بالنُّبوَّة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ففي ذلك تَعظيم وتَفخيم لرسول اللَّه ﷺ . وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾: ﴿أَحْلَلْنَا﴾ أي: جَعَلْناهن حِلًّا لك. وهل المُرادُ أَزْواجك اللاتي تُريد أن تَتَزوَّج بهِنَّ؟ أو المُراد أزواجُك اللاتي تَزوَّجت بهن؟

стр. 362

الجَوابُ: في هذا قَوْلان لأَهْل العِلْم ﵀: فمِنهم مَن قال: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعنِي: أزواجَك اللَّاتِي تُريد أن تَتَزوَّج بهِنَّ وتُؤتِيَهنَّ أُجُورهَن. وحُجَّةُ هَؤلاءِ: أننا لو حَمَلْناها على مَن تَزوَّج بهن لكان ذلك من باب تَحصيل الحاصِل؛ لأنه إذا كانَتِ الزوجة معَه وقد أقرَّه اللَّه تعالى عليه فلا حاجةَ إلى أن يَقول: إنا أَحْلَلْنا لك؛ لأنهن عِنده مُتزَوَّج بهِنَّ. والقول الثاني: أن المُراد أَحْلَلْنا لك أزواجك اللاتي تَزوَّجْت بهِنَّ؛ بدليل قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾، وهذا القولُ الثاني هو المُوافِق لظاهِر الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿آتَيْتَ﴾ فِعْلٌ ماضٍ؛ وعلى القول الأوَّل يَجِب أن نُؤوِّل الفِعْل الماضِي بالفِعْل المُضارع، يَعنِي: اللاتي تُؤتِي أُجورَهُن وهذا خِلاف ظاهِر الآية. ويجاب عمَّا أُيَّد به أولئِكَ قولهم: أنه إذا كان المُرادُ الزوجاتِ اللاتِي في حِبالِه، فإن ذِكْر الإحلال من باب تَحصيل الحاصِل. ويُجاب على هذا: بأن ذِكْر الإحلال من باب التَّوْكيد، ومَعناهُ: أن هؤلاءِ حلالٌ لك ليس فِيهنَّ شُبْهة، وليس فِيهنَّ مُعارضةٌ. ويُمكِن أن يَكون للامتِنان، لكن الظُّهور دَفْع ما يُمكِن أن يُوجَّه إليه من لَوْمٍ. قوله ﵎: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾: ﴿آتَيْتَ﴾ بمَعنَى: أَعطَيْت، وأمَّا (أَتيتَ) بغير مَا فهي بمَعنى: جِئْت، يَقول المُفَسِّر ﵀: أي: [مُهورَهُن]، وسُمِّيَ المَهرُ أجرًا؛ لأنه عِوَضٌ عن الانتِفاع بالزوجة والاستِمْتاع بها، وليس عِوَضًا عن ذاتها، ولو كان عِوَضًا عن ذاتها لسُمِّيَ ثمنًا، لكنه عِوَضُ الاستِمْتاع بها والانتِفاع بها؛ ولهذا سُمِّيَ أُجْرة.

стр. 363

وقوله تعالى: ﴿آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ إذا كانت (آتَيْتَ) بمَعنَى: أَعطَيْت، فهي تَنصِب مَفعولَيْن، المَفعول الأوَّل محَذوف، والتَّقدير: آتَيْتَهنَّ، و ﴿أُجُورَهُنَّ﴾ هو المَفعول الثاني، وجائِزٌ حَذْف المَفعول مع العِلْم به. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الواو حَرْف عَطْف، و (ما) مَعطوفة على قوله تعالى: ﴿أَزْوَاجَكَ﴾: وأَحْلَلْنا لك ما مَلَكَتْ يَمينُك، أي: ملَكْتَ ذاتَه أو الانتِفاع به؛ ومَلْك الذات يَستَلزِم مَلْك المَنافِع؛ لأنَّ مَن مَلَك شيئًا ملَكَ مَنافِعَه، ومَن مَلَك المَنافِع لم يَلزَم أن يَملِك الأعيان أو الذات. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ يَمينك ويَداك وما أَشبَه ذلك يُعبَّر بها عن الذاتِ؛ لأنها غالِبًا وَسيلة الأَخْذ والإعطاء، فقوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ يَعنِي: بما كَسَبْتم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي: ممَّا ملَكْتَ، لكنَّه عبَّر باليمين عن الذات؛ لأن الغالِب أن الأَخْذ والإعطاء هنا باليَد، واليَمين أَشرَفُ من اليَسار، فهي الَّتي يُؤخَذ ويُعْطَى بها. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾: (مِنْ) هذه بَيانِيَّةٌ وما هو المُبَيَّن؟ المُبيَّن اسمُ المَوْصول -واسمُ الشَّرْط واسمُ الاستِفْهام كلُّها من الأشياءِ المُبهَمة فيَأتي البَيان بعدَها-؛ فقوله: (مِن) بيان (ما) في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مِن الكُفَّار بالسَّبْي] (أَفاءَ) بمَعنَى: رَدَّ، ومنه الفَيْءُ, وهو الظِّلُّ بعد الشَّمْس؛ لأنه رجَع بعد أن نَسَخْته الشمس، فصار ظِلًّا كما هو الحالُ قبل أن تَأتِيَه الشمس. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ المُراد به هنا الغَنيمة؛ لأن الغَنيمة في الحَقيقة

стр. 364

ردٌّ للمال من غير أهله إلى أهله، فإننا نحن -المُسلِمين- المُستَحِقُّون حَقًّا لمِا رزَقَ اللَّه تعالى الخَلْق، والكُفَّار يَستَمْتِعون به على وَجهِ الظُّلْم؛ ولهذا يُؤاخَذون به، وقد تَقَدَّم أن الكُفَّار يُحَاسَبون على الأكل والشُّرْب واللِّباس، وذكَرْنا في ذلك دليلًا من القرآن، قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فهذه فيها اللِّباس، والأَكْل ﴿وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، و ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذه اللَّامُ للإِباحة والاستِحْقاق ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ للمُؤمِنين، أمَا أُولَئِك فلَيْست لهم ولَيْسَت خالِصةً لهم يوم القيامة، فهي في الدنيا حرامٌ عليهم، ويُحاسَبون عليها يوم القِيامة. والآيةُ التي فيها الدَّليل على أن الأَكْل والشُّرْب حرامٌ على الكُفَّار هي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ مَفهومُهُ: أن الذين لم يُؤمِنوا ولم يَعمَلوا الصالحِاتِ عليهم جُناحٌ فيما طعِموا. إِذَنْ: بهذا يَتبيَّن وجهُ كون الغَنيمة فَيْئًا، والفَيْءُ بمَعنَى: الرجوع والردِّ؛ فلهذا يَكون المال الذي بأَيْدي الكُفَّار إذا غنِمَه المُسلِمون فقد عاد إلى أهله، كأنهم يَأخُذون المال بغير حَقٍّ، فإذا أَخَذْناه منهم عاد إلى مُستَحِقِّه. وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ قال ﵀: [مِن الكُفَّار بالسَّبْي كصَفِيَّةَ وجُوَيْريةَ]، وصَفيَّةُ من سَبايا خَيبرَ، وجُوَيْريةُ من سَبايا غزوةِ بَني المُصطَلِق، وهُما من أُمَّهات المُؤمِنين. وقوله تعالى: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ ظاهِرُه أن ما ملَكَتْ يَمِينه من غير ذلك لا تَحِلُّ له، ولكنه غَيرُ مُراد، بدليل أن مارِيةَ القِبْطيةَ استَحَلَّها النبيُّ ﵊,

стр. 365

وأَتَتْ منه بولَدٍ (١)، وكانتا -صَفيةُ (٢) وجُوَيْريةُ (٣) - من مِلْك اليَمين أوَّلًا، ثُمَّ أَعتَقَهُنَّ وتَزَوَّجهن. وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بخِلاف مَن لَمْ يُهاجِرْن]. وهؤلاءِ الأَرْبعُ هُنَّ الحَلائِلُ من الأقارِب، وما عَداهُنَّ من الأقارِب فحَرام كما في سُورة النِّساء، فصار الأقارِبُ الآنَ محُلَّلاتٍ ومحُرَّماتٍ، أمَّا المُحرَّماتُ فما ذُكِرْن في سورة النِّساء في قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]، وهُنَّ سَبعْ، والمُحلَّلات من الأقارِب أَربَعٌ: بناتُ العَمِّ يَعنِي: وإن نزَلْنَ، وبناتُ العَمَّة وإن نزَلْن، وبناتُ الخالِ وإن نزَلْن، وبناتُ الخالةِ وإن نزَلْن، هؤلاءِ كُلُّهن حلالٌ. وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ﴾ تَكلَّم المُفسِّرون على قوله: بنات عمِّك وعمَّاتك وخالِك وخالاتِك؛ فقالوا: لمَّا أَفرَد في الذُّكور وجَمَع في الإناث، فقال في الذُّكور: عَمِّك وخالِك. وفي الإناث قال: عمَّاتِك وخالاتِك. فقال بعضُهم: إن هذا من باب التَّشريف؛ الذكورة كأن الواحِدُ يُقابِله من النِّساء جَمعْ، وإلى هذا ذهَبَ ابنُ كثيرٍ (٤) ﵀.

стр. 366

وقال بعضُهم: أنه لمَّا كان لَفْظ العَمِّ والخالِ كلَفْظ المَصدَر صار الأنسَبُ ألَّا يُجمَع؛ لأن المَعروف أن المَصادِر لا تُجمَع ولا تُثنَّى، لكن هذا في النَّفْس منه شيء. والأقرَبُ: ما ذكَرَه ابنُ كَثير ﵀ أن قوة صِلة العَمِّ بالإنسان أَقوى من قُوَّة صِلة العَمَّة به؛ فلهذا جُمِع، وإلَّا فمِن المعلوم أن الإنسان له أعمام وليس له عَمٌّ واحِد فقَطْ، وبناتُ أَعْمامه كلُّهن حَلال. وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ فيه زِيادة قَيْد بالنِّسبة للرسول ﷺ وهو قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ يَعنِي: هاجَرْن من مكَّةَ إلى المدينة، وسواءٌ كُنَّ في مَعِيَّته مُباشَرة أو في مَعِيَّته بالمَعنَى، أي: بالِهجرة، فليس بلازِمٍ أن تَكون بنتُ العَمِّ أو بِنتُ الخالِ مع الرسولِ ﷺ مُباشَرة يَعنِي: تَسير معه، بل لو هاجَرَت قَبلَه أو بعدَه فهي داخِلة في هذا. قال ﵀: [﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ يَطلُب نِكاحها غير صَداق ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ النِّكاح بلَفْظ الهِبَة من غير صَداق]، يَعنِي: الخالِص هو النِّكاح ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ إلخ. قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ يَعنِي: وأَحْلَلْنا لك امرأةً مُؤمِنةً، وهذا نَكِرة في سِياق الإثبات، والمَعروف أن النَّكرة في سِياق الإِثْبات لا تَقتَضي العُموم، لكن لمَّا كان السِّياق سِياقَ مِنَّة صارَتْ للعُموم، والأصل في النَّكِرة ألَّا تَعُمَّ إذا كانت في سِياق الإثبات، فإذا قُلْت لك: اضْرِبْ رجُلًا. ليس مَعناها أَنِّي آمُرك أن تَضرِب جميعَ الرِّجال، لكن إذا كانتِ النَّكِرة في سِياق الإثبات يُراد بها الامتِناع صارت للعُموم؛ لأنها لو قُيِّدت بالواحِدة لم تَكْمُلْ بها المِنَّة، فلا تَكمُلُ المِنَّة إلَّا إذا كانت يُراد بها العُمومُ.

стр. 367

إِذَنْ: نَقول: قوله: (امرأةً) وإن كانت صِياغتها صيغة الواحِد، لكن المُراد بها العُموم، لأنها سِيقت للامتِنان، والامتِنان بالواحِدة لا يَكْمُل إلَّا إذا كانت امتِنانًا بكل فَرْد من أفراد هذه النَّكِرة. إِذَنْ: يَكون معني الآية: وأَحلَلْنا لك أيَّ امرأة، وقوله تعالى: ﴿مُؤْمِنَةً﴾ هذا قَيْد يَخرُج به غير المُؤمِنة ولو كانت كِتابيَّةً، فإنها لا تَحِلُّ للنَّبيِّ ﷺ ؛ ولهذا ذهَبَ بعضُ العُلَماء ﵏ إلى أنَّ من خَصائِص النبي ﷺ في النِّكاح ألَّا يَتزَوَّج امرأةً كِتابيةً، وهذا لم يَقَعْ، لم يَقَعْ أن النبيَّ ﷺ تَزوَّج امرأةً كِتابيةً. ومن المَعلوم أن من خَصائص الرسول ﷺ في النِّكاح ما هو تَوسِعة وما هو تَضييق، فالتَّوْسِعة النِّكاح بالِهبَة والتَّزوُّج بأكثَرَ من أربعٍ، والتَّضييق أنه لا يَحِلُّ له من بنات عمِّه وبنات عَمَّاته وبنات خاله وبنات خالاته إلَّا مَن هاجَرْن معَه. وكذلك على القولِ الراجِح أنه بعد تَخيير النبيِّ ﷺ لزوجاتِه لا يَحِلُّ له النِّساء، كما سيَأتي إن شاء اللَّه تعالى. قوله تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ وهَبَت هي بدون وَليِّها، وهَبَت نفْسَها أي: أَعطَتْها للنبيِّ ﷺ بلا عِوَضٍ؛ لأن الهِبة تَعريفها: بَذْلُ المال بدون عِوَض. فمَعنَى ﴿وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ يَعنِي: جاءت للرسول ﵊ وقالت له: قد وهَبْتُ نَفْسي لكَ. فتَحِلُّ له، لكن لمَّا كان الرسول ﵊ مخُيَّرًا في ذلك، وليس واجِبًا عليه أن يَقبَل قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، وهذا الشَّرْطُ داخِل في الشَّرْط الأوَّل؛ وقد عَلِم أن الشَّرْط الثانيَ قَيْد في الشَّرْط الأوَّل، فهو مُتأخِّر لفظًا مُتقَدِّم مَعنًى؛ وكُلَّما تَداخَلَتِ الشروط فاجعَلِ الشَّرْطَ الأخيرَ قَيْدًا فيما قبلَه فهو مُتأخِّر رُتْبةً، لكنْ مُتَقدِّمٌ مَعنًى؛ فإذا تَعدَّدَتِ الشروط (إِنِ) الشَّرْطية أو (إذا) أو ما أَشبَه، فإن

стр. 368

الشَّرْط الأخير يَكون شَرْطًا فيما قبلَه، فيَكون مُتأخِّرًا لفظًا مُتقدِّمًا مَعنًى ورُتبة، مثَلًا إذا قلت: أَخْبِرني إذا ضرَبَك زيدٌ إن ظَلَمَكَ. صار الظُّلْم سابِقًا على الضَّرْب، وإن كان مُتأخِّرًا عنه في الذِّكْر، ويَتَّضِح ذلك تمامًا في قول الشاعِر: إِنْ تَسْتَغِيثُوا بِنَا إِنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا ... مِنَّا مَعَاقِلَ عِزٍّ زَانَهَا كَرَمُ (١) فالشَّرْط الأوَّلُ: (إِنْ تَستَغِيثُوا)، والثاني: (إِنْ تُذْعَرُوا)، والشَّرْط الثاني مُتأخِّر عن الأوَّل في اللفظ، لكن مُتَقدِّم عنه في المعنى والرُّتْبة؛ لأن الذُّعْر سابِق على الاستِغاثة. وهذه قاعِدة: كلَّما تَعدَّدَتِ الشروط فإن الشَّرْط الثاني سابِق على الشَّرْط الأوَّل، أو على الشَّرْط الذي قَبْله لو تَعدَّدَت؛ ولو كانت ثلاثة شروط أو أربعة شروط فالثاني سابِقٌ لقَبْله، فإذا كانت ثَلاثة شُروط فالثالِثُ سابِق على الثاني، والثاني سابِق على الأوَّلِ، يَعنِي: بالعكس. وهنا قال تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ﴾ الإرادةُ تَسبِق الحِلَّ والقَبول؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾، وفائِدة هذا الشَّرْطِ أنه لمَّا كان ردُّ النبيِّ ﷺ للمَرأة إذا وهَبَت نَفْسها النبيَّ ﷺ لمَّا كان أمرًا شديدًا وكان النبيُّ ﷺ أشدَّ الناس حَياءً كان عَرْض المَرأةِ نَفْسَها على الرسول ﷺ قد يَكون شِبهَ مُلزِم له بمُقتَضى خُلُقه، فلمَّا كان كذلك فتَحَ اللَّه تعالى لرسوله ﷺ البابَ على مِصراعَيْه؛ حيث أَثبَتَ له الإرادة والتَّخيير في هذه الحالِ، فقال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ﴾.

стр. 369

إِذَن: فما فائِدة ذِكْر الإرادة مع أن المَوْهوب له إن شاء قَبِلَ الهِبَة، وإن شاء لم يَقبَل؛ يَعنِي: هذا أَمْر مَعلوم؟ الجَوابُ: الفائِدة من قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾؛ لِئَلَّا يُلزِم النبيُّ ﷺ نَفسَه قَبولَ الهِبَة لمِا عُلِمَ من خُلُقه ﷺ أنه أَشَدُّ الناس حَياءً، ومَعلوم أن رَدَّ الإِنْسان هِبة المَرأة نَفْسها له أَمْر صَعْب، كيف امرأةٌ تَهَبُ نفسَها لك، وتَأتي راغِبة فيكَ أشَدَّ الرَّغبة، بحيث إنها فَدَتْك بنفسها، فكيف ترُدُّها؟ ! هذا أَمْر فيه صُعوبة في الواقِع، وقد يَكون ردُّها مُنافيًا للمُروءة، والنبيُّ ﷺ أَشَدُّ الناس حِرصًا على المُروءة وأشَدُّ الناس حَياءً في مِثْل هذه الأمورِ، لكن اللَّه تعالى أَراد أن يَفتَح له الباب حتى لا يَعتَرِض أحَدٌ أو يَقول قائِل: كيف رَدَّها؟ ! ويَكون الرسولُ ﷺ أَعطاها الحُرِّيَّة الكامِلة في ذلك في قَبولها أو رَدِّها. قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يَطلُب نِكاحها] والصوابُ: يُوافِق على نِكاحها؛ لأنه مَطلوب، والصَّواب: أن المُراد أن يَستَنكِحها، أَيْ: أن يَقبَل نِكاحها. قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ يُحتَمَل أن تَكون صِفةً لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾، ويُحتَمَل أن تَكون مَفعولًا لفِعْل محَذوف، والتقديرُ: جعَلْناها خالِصةً لك، أي: هذه الشَّريعة أو هذه الشِّرْعة جعَلْناها خالِصةً لك، والخالِص من الشيء هو الذي لا يُخالِطه غيرُه، فمَعنَى ﴿خَالِصَةً لَكَ﴾ يَعنِي: لا يُشارِكك أحَدٌ فيها، فيما إذا وهَبَتِ امرأةٌ نَفْسها لأحَد، فإنها لا تَحِلُّ له. وهلِ المُراد بالخالِص هنا أن يَتَزوَّج بلا مَهْرٍ ولا وَليٍّ، أو أن يَقَع ذلك بلَفْظ الهِبَة؟

стр. 370

الجَوابُ: الصحيح الأوَّلُ: أن الخالِص أن يَكون ذلك بلا مَهْرٍ ولا وَليٍّ ولا شُروطٍ على القول باشتِراط الشُّروط؛ لأن الهِبة هي التَّبرُّع بلا عِوضٍ، فالمَقصود: المَعنَى لا اللَّفْظ، يَعنِي: أن الذي اختُصَّ به الرسولُ ﵊ هو أن المَرأةَ تَأتي إليه وتَقول: وهَبْت نَفْسي لك. ويَأخُذها، وهذا قد وقَعَ فِعْلًا أكثَرَ من مرَّة، تَأتِي النِّساء إلى الرسول ﷺ ويَهَبْنَ أَنفُسَهنَّ له، فالخالِص للرسول ﷺ والخاصُّ به هو أن يَكون النِّكاح مَجَّانًا بلا وليٍّ ولا شُروطٍ. وأمَّا الِهبَة فإن العُلَماء ﵏ اختَلَفوا: هل يَصِحُّ النِّكاح بلَفْظ الِهبَة مثل أن أَقول: وهَبْتُك بِنْتي على صَداق قَدْره كذا وكذا، أو مَلَّكْتُكَ بِنْتي على صَداق قدرُهُ كذا وكذا. اختَلَف فيه العُلماءُ ﵏ على قولين: مِنهم مَن يَرَى أنه لا يَصِحُّ، وأنه لا بُدَّ أن يَكون عَقْد النِّكاح بلَفْظ التَّزويج أو بلَفْظ الإِنْكاح، ومنهم مَن يَرى أنه يَصِحُّ، وهذا له مَحلٌّ آخَرُ. وقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿دُونِ﴾ بمَعنَى: سِوى، أي: مِن سِواهم، والمَعنَى: أن المُؤمِنين لا يَحِلُّ لهم ذلك، والكافِرون من بابِ أَوْلى، فإن الكافِر لا يَحِلُّ له أن يَتَزوَّج بالِهبة وكذلك المُؤمِن. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ النِّكاح بلَفْظ الِهبَة من غير صَداق هذا خاصٌّ للرَّسول ﷺ من دون المُؤمِنين]. وقوله ﵀: [﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: المُؤمِنين ﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ مِن الأَحكام] ﴿قَدْ عَلِمْنَا﴾: ﴿قَدْ﴾ هذه للتَّحقيق، وقد قيل: إن ﴿قَدْ﴾ إذا دخَلَت على الماضِي فهي للتَّحقيق، وإن دخَلَتْ على المُضارع فهي للتَّقليل، وقد يُراد بها التَّحقيقُ، فإن قُلت: قد قُمْت. فهذا للتَّحقيق، وإن قُلْت: قد يَجود البَخيل وقد

стр. 371

يَصدُق الكذَّاب. فهذا للتَّقليل، لكن تَأتي للتَّحقيق في مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ [النور: ٦٤]، وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ [الأحزاب: ١٨]، هذه لا شَكَّ أنها للتَّحقيق. وقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾، يَعنِي: أننا قد فرَضْنا عليهم أشياءَ، وعلِمْنا أن المَصلَحة تَقتَضي ما فرَضْنا دون سِواه، فليس المُراد بالآية مجُرَّدَ العِلْم أو مجُرَّد الإخبار بأن اللَّه تعالى قد عَلِم ما فرَضَ؛ لأن كون اللَّه تعالى قد عَلِم ما فرَضَ أَمْرٌ مَعلوم، فإن كون اللَّه تعالى فرَضه مَعلوم أنه صادِر عن عِلْم، لكن المُراد أن ما فرَضْناه قد صدَر عن عِلْم منَّا بما يُناسِبهم في أزواجهم، وليس عن جَهْل؛ ولهذا قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾: ﴿فَرَضْنَا﴾ هنا بمَعنَى: أَوْجَبْنا عليهم؛ أي: على المُؤمِنين ﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾ من الأَحْكام. قوله تعالى: ﴿فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾: (أزواج) جَمْع زَوْجة أو جَمْع زَوْج؛ قال المُفَسِّر ﵀: [مِن الأَحْكام بألَّا يَزيدوا عن أربَعِ نِسوةٍ، ولا يَتزَوَّجوا إلَّا بوَليٍّ وشُهود ومَهْر] وغير ذلك من الأشياءِ التي تُخالِف الأحكامَ الثابِتة للرسول ﷺ ؛ لأن النبيَّ ﷺ خُصَّ بالنِّكاح بأَحكام، وخُصَّ المُؤمِنون بأحكام، وكلُّ ذلك عن عِلْم من اللَّه وعن حِكْمة. وقول المُفَسِّر ﵀: [بأَلَّا يَزيدوا على أَرْبَعٍ] فلا يَحِلُّ لمُؤمِن أن يَزيد على أربَعِ زَوْجات؛ لقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ [النساء: ٣]، فجعَل آخِرَ شيء الرُّباع، أي: الأَرْبع، مع العِلْم بأن المَقام يَقتَضِي الزِّيادة لو كان هناك زيادة بدَليل أن الآية إنما ذَكَر اللَّه تعالى فيها العدَد المُمكِن؛ لأنها رُتِّبَت على شَرْط، وهو ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ يَعنِي: إن

стр. 372

خِفْتم ألَّا تَعدِلوا في اليَتامي في النِّساء التي بين أَيْديكم كَبِنْت العَمِّ وشَبَهها إن خِفْتم ألا تَعدِلوا فيها فلَدَيْكمُ النِّساء كثير، فلو كان هناك زيادة على الأَربَع لكان اللَّه تعالى يَذكُرها حتى يَكون المَجال أوسَعَ، فالآية نزَلَت مُقيَّدة بشَرْط ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أي: ألَّا تَعدِلوا في نِكاحِهن. وكانوا في الجاهِلية إذا كان الإنسان عِنده بِنْت عَمٍّ يَتِيمةٌ كان يَظلِمها في النِّكاح، إمَّا أن يَمنَعها أو بأن يُعلِّقَها على أنها تَكون له، فأَنزَل اللَّه تعالى هذه الآيَةَ. وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا﴾ يَعنِي: فالنساء سِواهُنَّ كثير، قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾، فلو كان عدَد زائِد على الأربع جائِزًا لذُكِر هنا، ولَقِيل مثَلًا: فانكِحوا ما شِئْتم من النِّساء، أو لقال: فانْكِحوا ما طاب لكم من النِّساء. ولم يُقيِّد، فلمَّا قيَّد عُلِمَ أنه لا يَجوز أكثَرُ من أَرْبَع، ولم يُخالِف في ذلك إلَّا شُذَّاذٌ من أهل العِلْم ﵏ أو الرافِضة. والرافِضةُ عِندهم تَوسُّع في مَسائِل النِّكاح، منها هذه المَسأَلةُ يُجوِّزون أن يَتَزَوَّج الإنسان إلى تِسْع، ومنها مَسأَلة المُتْعة، وهذا ممَّا يُوجِب لضُعَفاء الإيمان أن يَعتَنِقوا مَذهَبهم؛ لأنهم يَجِدون فيه إشباعًا لرغَباتهم، فإذا كانوا يُجيزون المُتْعة للإنسان إذا نزَل ببَلَد له أن يَذهَب إلى امرأة فيَقول لها: زوِّجِيني نَفْسَكِ لمدَّة سَبْعة أيام، أو لمُدَّة عشَرة أيام، أو لمُدَّة شَهْر. هُم يُجَوِّزون ذلك! ! ويُجوِّزون أيضًا أن يَتَزوَّج الإنسان إلى تِسْع! ! . كذلك يَقول المُفَسِّر ﵀: [ولا يَتَزوَّج إلَّا بوَليٍّ] لا يَجوز النِّكاح إلَّا بوَليٍّ، والدليل على ذلك من القُرآن قولُه ﵎: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] أَيْ: زوِّجوا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ٢٢١] لا تُزوِّجوا، وقوله تعالى:

стр. 373

﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، ولولا أن الوَليَّ شَرْط لم يَكُن لعَضْله حُكْم. ثانيًا: [ولا شُهود] الشُهود مخُتَلَف في اشتِراطه في النِّكاح، فالمَشهور أنه لا بُدَّ من الشُّهود؛ لأن عَقْد النِّكاح خَطير، ويَتَرتَّب عليه مَسائِلُ وحُقوق نسَب ومالٍ؛ وغيره من العُقود الأُخرى تَجِدها إمَّا مالِيَّةً وإمَّا حُقوقيةً أخرى غير المال، لكن هو جامِع بين المال والنسَب والحقوق؛ فالمال كالمَهْر والنَّفَقة والإِرْث، والنسَب كإلحاق الولَد بأبيه في الزواج، والحُقوق ما يَجِب على الزَّوْج وزَوْجته من المُعاشَرة بالمَعروف، فلا بُدَّ من شُهود. وابنُ تَيميَّةَ ﵀ لا يَشتَرِط الشُّهود، بينما اشتَرَط إعلان النِّكاح أو الشهود، فإن وُجِدَ الإعلان ولو بلا شُهود كفَى، فإمَّا أن يَجتَمِع الإِشْهاد والإعلان، وهذا أَعلى الأَقْسام، وإمَّا أن يُفقَد الإِشْهاد والإعْلان وهذا لا يَصِحُّ، وإمَّا أن يُوجَد الإشهاد بلا إعلانٍ قال ﵀: "وفي صِحَّة النِّكاح هنا تَردُّد ونظَرٌ" (١)؛ وإمَّا أن يُوجَد الإعلان بلا إشهادٍ، وهذا عِندهم صحيح. فالأَقْسام إِذَنْ أَرْبعة: ١ - أن يُوجَد الإعلان والإِشْهاد. ٢ - أن يُعْدَم الإِعْلان والإِشْهاد. ٣ - أن يُوجَد الإِشْهاد دون الإِعْلان. ٤ - أن يُوجَد الإِعْلان دون الإِشْهاد.

стр. 374

فيَشهَدون على العَقْد، أمَّا الإشهاد على الرِّضا فهو سُنَّة وليس بواجِبٍ. والإعلانُ ليس لازِمًا بالوَليمة، فقد يَكون الإعلان مثَلًا بالمَشْي ليلة الزِّفاف بالأسواق، كما يُصْنَع فيما سبَق، وكذلك الآنَ في السيَّارات إعلانٌ بَيِّنٌ، وكذلك في وَضْع الأنوار على بَيْت الزَّوْج وبَيْت الزوجة هذا أيضًا من الإعلانِ، وإذا لم يَحصُل فلا يَكون إعلانًا، فإذا كان لا يَظْهَر أنه عُرْس فلا يَكون إعلانًا، أمَّا إن ظهَر فإن كان المُجتَمَع اعتَبَر من العادة أن هذا إعلانٌ فهو إعلانٌ. وقوله ﵀: [إلَّا بوَليٍّ وشُهود ومَهْر] المَهْر: الصَّداق، وظاهِر كلام المُفَسِّر ﵀ أن المَهْر شَرْط في النِّكاح. واعْلَمْ أن للمَهْرِ ثلاثَ حالاتٍ: - تارةً يُذكَر مُعيَّنًا. - وتارةً يُنفَى. - وتارةً يُسكَت عنه. ثلاثُ حالات تارة يُنفَى، وتارة يُثبَت مُعيَّنًا، وتارة يُسكَت عنه فلا يُذكَر مُعيَّنًا ولا يُنفَى. الحال الأُولى: الذي يُذْكَر مُعيَّنًا مثل أن يَقول: زوَّجْتُكَ ابنَتِي بعشَرة ريالات. فيَصِحُّ، أو يَقول: زوَّجْتُك ابنَتِي برِيال واحِد. يَصِحُّ؛ وتَزوَّج رجُل امرأة بريال، فلمَّا صارَتِ الضُّحى وهو عِندها قرَع البابَ رجُل، فذهَبَ يَفتَح له فتَنازَعوا إيَّاه، وعلَتْ أَصواتهما، فلمَّا رجَع إليها قالت زَوْجَته: مَن هذا الرجُلُ الذي يَأتي يُخاصِمك في أوَّل يَوْم من زواجِكَ. قال: هذا رجُل يَطلُبني؛ قالت: خُذْ هذا الرِّيالَ أَعطِهِ إيَّاه،

стр. 375

وكان مَهرَها، لكن الآنَ لا يُوجَد أحَدٌ يُزوِّج بريال. فهذا إثباته مُعيَّن، يَعنِي يَقول زوَّجْتُك ابنَتي برِيال أو بعشَرة رِيالات أو بمِئة رِيال أو بأكثَرَ أو أقَلَّ. الحال الثانية: أن يَنفِيَ فيَقول: زوَّجْتُك ابنَتي. فيَقول: قَبِلْتُ بلا مَهْر. فاختَلَفَ العُلَماءُ ﵏ في هذا العَقْدِ هل يَصِحُّ أو لا يَصِحُّ؟ والمَشهور من المَذهَب (١) أن العَقْد صحيح، ولها مَهْر المِثْل، واختار شيخُ الإسلام ابنُ تيميَّةَ ﵀ أن العَقْد لا يَصِحُّ (٢)؛ لأنه تَزوَّج على غير الشرط الذي ذكَرَ اللَّه تعالى؛ لأن اللَّه تعالى يَقول ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ [النساء: ٢٤]. الحالُ الثالِثةُ: أن يَسكُت عنه فلا يُذكَر مُعيَّنًا ولا يُنفَى بأن يَقول: زوَّجْتُك ابنَتِي. فيَقول قَبِلْتُ. فالعَقْد هنا صحيح، ولها مَهْر المِثْل، وقد نَصَّ على ذلك قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٦]، فهُنا يَجِب مَهْر المِثْل إذا دخَل بها، فإن لم يَدخُل بها وطلَّقَها قبل الدُّخول وَجَبَتِ المُتْعة. وظاهِرُ كلام المُفَسِّر ﵀ في قوله: [وشُهود ومَهْر] أن المَهْر شَرْط في صِحَّة العَقْد، فيَكون ذلك مُوافِقًا لكلام شيخِ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ ﵀. قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾: (فرَض) إذا تَعَدَّت باللَّام فهي بمَعنَى: أَحَلَّ كما في قوله تعالى فيما سبَقَ: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ أي: فيما أَحَلَّ، وكقوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾

стр. 376

[التحريم: ٢]، أي: أَحَلَّها وشرَعها، أمَّا إذا تَعدَّت بـ (على) فهي بمَعنَى الإِيجاب كما هنا ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. فائِدةٌ: النَّفيُ يُحمَل أوَّلًا على نَفي الوُجود، فإن لم يُمكِن فعلى نَفي الصِّحَّة، فإن لم يُمكِن فعلى نَفي الكَمال، مثالُه في نَفي الوُجود: لا إلهَ حَقٌّ إلَّا اللَّهُ، ومِثالُه لنَفي الصِّحَّة: لا صلاةَ إلَّا بوُضوء؛ لأنه يُمكِن أن يُصلِّيَ الإنسان بدون وُضوء، ومِثاله في نَفي الكَمال لا صلاةَ بحَضْرة طَعام؛ لأنه لو صلَّى لصَحَّت، ولا يُمكِن أن نَحمِلَه على الكَمال وهو يُمكِن نَفيُه على الصِّحَّة: لا نِكاحَ صحيحًا إلَّا بوَليٍّ، فما دام يُمكِن حَملُه على نَفي الصِّحَّة يَجِب، فأَوَّل ما نُسلِّط النَّفيَ على نَفي الوجود؛ لأن هذا هو ظاهِر اللَّفْظ؛ فإن لم يُمكِن بأن كان مَوْجودًا حمَلْناه على نَفي الصِّحَّة؛ لأن نَفيَ الصِّحَّة نَفيٌّ للوُجود شَرْعًا، فإن لم يُمكِن فإن دلَّتِ النُّصوص على الصِّحَّة يُحمَل على نفي الكَمال. قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ قال ﵀: [مِن الإِماءِ] يَعنِي: وعلِمنا ما فرَضْنا عليهم فيما ملَكَتْ أيمانهم من الإِماءِ، خَصَّ المُفَسِّر ﵀ (ما) العامَّة بالإِماء؛ لأن (ما) اسمٌ مَوْصول، تُفيد العُموم، والإنسان يَملِك الإماءَ، ويَملِك المَواشيَ، ويَملِك الدراهِمَ، ويَملِك البِناءَ، ويَملِك الأراضِيَ، فهل (ما) هنا للعُموم؛ يَعنِي: وفيما ملَكَت أيمانهم من كل شيء من الإِماءِ كما قال المُفَسِّر ﵀؟ نَقول: إن اللَّفْظ العامَّ لا يُمكِن أن نَخُصِّصه نحن إلَّا بدليل، وإلَّا فالواجِبُ إبقاءُ العُموم على عُمومه، وهنا خَصَّصناه بالإِماء بدليل قَرْنه بالأزواجِ. والكلام الآنَ فيما يَتَعلَّق بالحُقوق الزوجيةِ، فقال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من الإماءِ، فتكون الدَّلالةُ على

стр. 377

التَّخصيص من قوله تعالى: ﴿أَزْوَاجِهِمْ﴾. وعلى هذا فنَقول: كلُّ مَوضِع ذُكِر فيه الأَزْواج وما ملَكَتِ اليَمين، فالمُراد بما ملَكَت اليَمينُ: الإماءُ. وقوله ﵀: [بشِراءٍ وغَيرِه] يَعنِي: علِمْنا ما فرَضْنا عليهم من الإماءِ بالشِّراء وبغير الشِّراء، وهل يُمكِن أن يَملِك الإنسان الأَمَةَ بغير الشِّراء؟ الجَوابُ: يُمكِن، بالسَّبْي، وبالهِبَة، وبالإِرْث، وأَسْباب التَّملُّك كثيرة. المُهِمُّ: أنَّ مِلْك اليَمين أسبابُه مُتعَدِّدة. وقوله ﵀: [بأن تَكون الأمَةُ ممَّنْ تَحِلُّ لمالِكها كالكِتابيَّة بخِلاف المَجوسية والوَثَنيَّة] أَفادَنا المُفَسِّر ﵀ بأنه لا يَحِلُّ من الإماء إلَّا الأَمَة غير الكِتابيَّة، وهي اليَهودية والنَّصرانية، فأمَّا الأَمَة المَجوسية فلا تَحِلُّ، يَعنِي: لو سَبَيْنَا إِماءً من المَجوس، فإنه لا يَحِلُّ لنا وَطْؤُهنَّ، وكذلك الوَثَنيَّة وهي التي تَعبُد الأَوْثان، فهي لا تَحِلُّ لنا بمِلْك اليَمين. وما الفَرْق بين المَجوسية والوَثنِيَّة؟ الفَرْق بينهما أن المَجوسية تَعبُد النار، والوَثَنية تَعبُد الأصنام من الأشجار والأحجار وما أَشبَهَ ذلك، وكذلك مَن يَعبُد القُبور، وكذلك مَن لا تُصلِّي، لكن مَن لا تُصلِّي مُرتَدَّة يَجِب أن تُقْتَل إذا لم تَتُبْ. وقول المُفَسِّر ﵀: [بخِلاف المَجوسِيَّة والوَثَنيَّة] هذا أحَدُ القَوْلين في المَسأَلة، والصحيح أن المَجوسِيَّة والوَثنِيَّة حلال بِمِلْك اليمين؛ لعُموم قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]،

стр. 378

فكلِمة (ما مَلَكَت أَيْمانُهم) عامٌّ، يَشمَل ما ملَكْتَه من الكِتابيَّات وما مَلَكْتَه من المَجوسِيَّات وما مَلَكْتَه من الوَثَنيَّات والشُّيُوعِيَّات وغير ذلك، ولا دليلَ على التَّقييد بالكِتابية. نعَمِ؛ النكاح هو الذي لا يَحِلُّ إلَّا من الكِتابية، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [المائدة: ٥]، ما قال: إذا ملَكْتُموهنَّ. قال تعالى: ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾، فدَلَّ هذا على أنَّ المُراد بذلك النِّكاحُ؛ لأنها هي التي تُؤتِي أَجْرها، أمَّا المَملوكة فتُشْتَرى. فالصَّوابُ: أنه تَحِلُّ لنا المَملوكة إذا كانت مجَوسية أو كِتابيَّة لعُموم الكِتاب. قال ﵀: [وأن تُسْتَبْرَأَ قَبْل الوَطْء] هذا أيضًا ممَّا فرَضه اللَّه تعالى علينا، أن نَسْتَبرِئ الأَمَة التي ملَكْناها قبل أن نَطَأَها؛ لأن النبيَّ ﷺ في غَزوة أَوْطاس نهَى أن تُوطَأ حامِل حتى تَضَعَ، وأن لا تُوطَأ ذاتُ حَيْض حتى تَحيض (١)، فلا بُدَّ من الاسْتِبراء إن كانَت حامِلًا فبِوَضْع الحَمْل، وإن كانت تَحيض فبِحَيْضة. وهلِ الاستِبْراء واجِب بكل حال أو لا تُسْتَبرَأ البِكْر؟ ذهَبَ بعضُ العُلَماء ﵏ إلى أن الاستِبْراء واجِب حتى في الأَبْكار، وقال بعضُ أهل العِلْم ﵏ -ومِنهم شيخُ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ (٢) ﵀: إن البِكر لا تُسْتَبرَأُ؛ لأن الغرَض من الاستِبْراء العِلْم ببَراءة الرَّحِم، والبِكْر بَراءة رَحِمها مَعلوم، واحتِمال أن تَتَحمَّل بعِلاج غير الوَطْء وارِد لكنه بعيد، يَعنِي: يُحتَمَل أن تَكون بِكْرًا،

стр. 379

لكن تَتَحمَّل بمَنيِّ رجُل من الناس وتَحْمِل؛ لكن هذا بَعيد، فإذا مَلَكها رجُل أَمينٌ وأَخبَره أنه قد استَبْرَأَها قبل البَيْع، فالمَذهَب يَجِب الاستِبْراءُ، والقول الثاني في المَسأَلة أنه لا يَجِب الاستِبْراء ما دام البائِعُ أمينًا. وقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾: (لَكَيْلَا): (كَيْ) مَصدَرية، ولا يَصِحُّ أن تَكون حَرفَ جَرٍّ للتَّعليل، كما لو قُلْتَ: جِئْتُ كي أَقرَأَ. فإنه إذا اقتَرَنَت باللام تَعيَّن أن تَكون مَصدَريَّة؛ لِئَّلا يُجمَع بين حَرفَيْ تَعليل، فإن لم تُسبَق باللَّام صارت حَرْفَ تعليل، والفِعْل بعدها مَنصوب بـ (أَنْ). إِذَنْ: في (لِكَيْ): اللَّامُ حَرْف جَرٍّ، و (كَيْ) مَصدَرية، و (لا) نافِية، و (يَكُونَ) فِعْلٌ مُضارِعٌ مَنصوب بـ (كَيْ)، وعلامة نَصْبه الفَتْحة الظاهِرة على آخِره. وقوله : ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ﴾ يَعنِي: على النبيِّ ﷺ ، فالخِطاب للرسول ﷺ . وقوله تعالى: ﴿حَرَجٌ﴾ أي: ضِيقٌ في النِّكاح، قال المُفَسِّر ﵀: [مُتعَلِّق بما قبلَ ذَلكَ]، وقوله ﵀: [قبلَ ذَلكَ] يُحتَمَل أن يُريد أنه مُتعَلِّق بـ (أَحْلَلْنا): ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾. ويُحتَمَل أن تَكون مُتعَلِّقة بـ (خالِصة لكَ): ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أَيْ: خالِصةً لك؛ لكَيْ لا يَكون عليك حرَجٌ. وكِلا المَعنيَيْن صَحيح؛ ولهذا قال بعض العُلَماءِ ﵏: إنها مُتعَلِّقة بـ (أَحْلَلْنا). وقال بعضُهم: إنها مُتعلِّقة بـ (خالِصةً). وكلام المُفَسِّر ﵀ صالِح للوَجْهين، لكَيْ لا يَكون عليك حرَجٌ، يَعنِي: أنَّنا أَحْلَلْنا لك هذا الحِلَّ حتى لا يَكون علَيْك ضِيق في النِّكاح.

стр. 380

ومعلوم أن النبيَّ ﷺ مَطلوب، فالنِّساء قد يَأتِينَ إليه يَعرِضْنَ أَنفُسَهنَّ عليه، فإذا لم تَحِلَّ له الواهِبةُ نَفْسَها صار عليه في ذلك ضِيق من وَجْهين: ١ - إن رَغِبها ففيه ضِيق عليه ألَّا يَتزَوَّجها. ٢ - وإن لم يَرغَبْها ففيه ضِيق عليه إن رَدَّها. واللَّه جعَلَ الخِيار له قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ أَيْ: ضِيق حتى يَتَّسِع له المَجال، والرسول ﷺ خُصَّ بهذا -أَيْ: بأن يَتَزوَّج مَن شاء- حتى فيمَن وهَبَتْ نَفْسها له؛ لأن اتِّصاله بهِنَّ فيه مَصلَحة عَظيمة، لهُنَّ ولأهلِهِنَّ وللمُسلِمين: ١ - لهُنَّ ظاهِر. ٢ - ولأَهلِهنَّ؛ لأنه لا شَكَّ أنه من الشَّرَف أن يَتزوَّج النَّبيُّ ﷺ بامرأة؛ لأنه ليس من الشَّكِّ في أن لمِنْ تَزوَّج النبيُّ ﷺ منهم الشَّرَفَ في مُصاهَرة النبيِّ ﷺ . ٣ - وللمُسلِمين؛ لأن هذه المَرأةَ سيَكون عندها عِلْمٌ من سُنَّة رسول اللَّه ﷺ ؛ لولا العِلْم لولا اتِّصاله به ما حَصَّلتْهُ؛ ولهذا كثير من السُّنَن البَيتيَّة، تُلُقِّيَت من زوجات الرسول ﵊. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَجمَع اللَّه تعالى دائِمًا بين هذَيْن الاسمَيْن الكريمين؛ لأن بالمَغفِرة زوال المَكروهِ، وبالرَّحمة حُصول المَطلوب، وإذا زال المَكروهُ وحصَل المَطلوب فقَدْ تمَّتِ الأُمور. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾: (كان) هنا مَسلوبةُ الدَّلالة على الزمَن،

стр. 381

والمُراد بها تَحقُّق المَوْصوف بالصِّفة، أي: أن الصِّفة هذه في هذا المَوْصوفِ حقيقة. وقوله تعالى: ﴿غَفُورًا﴾ يُحتَمَل أن تَكون صِيغة مُبالَغة، وأن تَكون صِفة مُشبَّهة، وأيًّا كان فإنها مُشتَقَّة من المَغفِرة وهي سَتْر الذَّنْب والتَّجاوُز عنه. وقوله تعالى: ﴿رَحِيمًا﴾ مُشتَقَّة من الرحمة، وهي صِفة تَتَعلَّق بذاتِ اللَّه من مُقتَضاها الإِحْسان والإِنْعام. والغَفور والرَّحيم من أسماء اللَّه ، وكلُّ اسمٍ من أسماء اللَّه تعالى فإنه دالٌّ على أُمور ثلاثة إذا كان مُتعَدِّيًا، وعلى أَمْرين إذا كان غير مُتعَدٍّ. فالثَّلاثة إذا كان مُتعدِّيًا: الاسمُ والصِّفةُ والأثَرُ. مِثال ذلك في الغَفور أن الغَفور من أسماء اللَّه ﵎، والصِّفة في الغَفور المَغفِرة، والأثَر أنه يَغفِر الذنوب جميعًا ، والرَّحيم مِثلُها: الاسمُ الرَّحيم، والصِّفة الرحمة، والأَثَر يَرحَم. أمَّا إذا كان لازِمًا فلا يَتَعدَّى، فيُستَفاد فائِدتان: الاسمُ والصِّفة، الاسم مِثْل: ﴿الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، يُستَفاد من العَليِّ الاسمُ والصِّفةُ وهي العُلوُّ، ولا تَتَعدَّى لأحَد حتى نَقول: يُستَفاد منها أثَرٌ. والعَظيم كذلك. وقوله ﵀: [﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ بما يَحصُل التَّحرُّز منه ﴿رَحِيمًا﴾ بالتَّوْسِعة في ذلك] هذا مِن بَعْد المَغفِرة والرحمة، وليس هو المَغفِرةَ والرَّحْمة، بل المَغفِرة فيما يُقابِل الذُّنوب، والرحمة فيما يَحصُل به المَطلوب. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: عُلُوُّ شَأْن النَّبيِّ ﷺ ؛ لقوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، فإنها -كما سَبَق- تَصديرُها بالنِّداء مع وَصْف النُّبوَّة يَدُلُّ على رِفعة شأنه ﷺ .

стр. 382

الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإحلالَ والتَّحريمَ إلى اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾، وهذا لا يُنافِي أن يَكون النَّبيُّ ﷺ يَجتَهِد أحيانًا ويَحكُم، فإن القولَ الراجِحَ: أن الرسول ﷺ له أن يُشرِّع، ثُمَّ إن أَقرَّه اللَّه تعالى على ذلك كان شَريعة، وإن لم يُقِرَّه كان على حَسَب ما أَراد اللَّه . والدليلُ على أن الرسول ﵊ يَستَقِلُّ بالتَّشريع عِدَّة أحاديثَ، بل من القُرآن؛ فلِقولِه تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وهذا يَدُلُّ على أن للنبيِّ ﷺ أَمْرًا مُستَقِلًّا. ومن السُّنَّة مثل قوله ﷺ : "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ" (١)، وهذا دَليل على أنه يَأمُر ويَنهَى، وإلَّا لقال: لَوْلا أن اللَّه تعالى لم يَأمُرْني لأَمَرْته، فلا يُعلِّقها بإرادته هو، بل بإرادة اللَّه تعالى. ومنها قوله ﷺ : "لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغِيلَةِ، فَنَظَرْتُ فَإذَا الرُّومُ يُغِيلُونَ فَلَمْ يَضُرَّهُمْ شَيْءٌ" (٢). ومِثْل قوله ﷺ في صلاة العِشاء: "أَنَّهُ لَوَقْتُهَا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي" (٣). وغير ذلك من الأَمثِلة. والحاصِلُ: أن النبيَّ ﷺ له أن يَأمُر ويَنهَى ويُحلِّل ويُحرِّم، ولكن إن أَقرَّه اللَّه

стр. 383

تعالى على ذلك كان ذلك من شَريعة اللَّه تعالى، وإلَّا فالأَمْر إلى اللَّه . الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه لا بُدَّ في النِّكاح من المَهْر لقوله : ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النِّكاح عَقْد على المَنفَعة، وليس على العَيْن؛ لقوله تعالى: ﴿أُجُورَهُنَّ﴾، والإِجارة عَقْد على مَنافِعَ لا على أعيانٍ؛ ولهذا نُملِّك المَرأةَ نَفْسها بالبيع والشراء والِهبَة وغير ذلك، وليس لزَوْجها أن يَعتَرِض على هذه الأُمورِ؛ لأنه إنما يَملِك مَنفَعة الاستِمْتاع فقَطْ. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: جَواز الوَطْء بمِلك اليَمين؛ لقوله ﵎: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: صِحَّة إضافة الشيءِ إلى البَعض؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، وهذا كثير في القُرآن، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ فإن الإنسان لا يُحرِّر الرقَبة وحدَها، بل يُحرِّر كل العَبْد. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن سبَبَ مِلْك اليَمين سبَبُه الفيءُ؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن أَموال الكُفَّار إذا عادَت إلى المُسلِمين فقَدْ عادَت إلى أهلها، تُؤخَذ من قوله ﵎: ﴿أَفَاءَ﴾، لأن الفيءَ بمَعنَى: الرُّجوع، فالكُفَّار يَتَمتَّعون بأموالهم، لكنهم بغَيْر حَقٍّ؛ ولهذا يُحاسَبون عليها يومَ القِيامة، أمَّا الأموال فهي في الحَقيقة للمُسلِمين. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: جواز هؤلاء الأَرْبَعِ من الأقارِب وهُمْ: بناتُ العمِّ وبناتُ

стр. 384

العَمَّات وبناتُ الخالِ وبناتُ الخالاتِ، وأمَّا غَيرُهن من الأقارِب فحَرام كما في آية النِّساء. الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنه يُشتَرَط لحِلِّ هَؤلاءِ الأقارِبِ في حقِّ النَّبيِّ ﷺ أن يَكُنَّ قد هاجَرْن معه؛ لقوله تعالى: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾. ويَتفَرَّع على هذه الفائِدةِ: أن النبيَّ ﷺ قد يُخَصُّ بأَشياءَ في النِّكاح تَضْيِيقًا وتَوْسيعًا؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾، لأن في هذا تَضييقًا؛ لأن غَيرَه يَحِلُّ له بَناتُ العمِّ والعمَّاتِ والخالِ والخالاتِ مُطلَقًا بخِلاف النبيِّ ﷺ . الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: جَواز تَزوُّج النبيِّ ﷺ بالهِبَة؛ لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾، ويُشتَرَط في هذه الواهِبةِ أن تَكون مُؤمِنةً، لقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾، فلو وهَبَتْ كِتابيَّة نَفْسها للنبيِّ ﷺ لم تَحِلَّ له. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: لُطفُ اللَّه تعالى بنَبيِّه ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: بَيان عُلوِّ شَأْن النَّبيِّ ﷺ حيث قال تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾، ولم يَقُلْ: إن أَرَدْت. مع أن المَقام يَقتَضي أن تَقول: إن أَرَدْت أن تَستَنْكِحها؛ لأن الخِطاب له، قال تعالى: ﴿أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ فكان مُقتَضى السِّياق أن يَقول: وامرأة مُؤمِنة إن وهَبَت نَفْسها لك إن أَرَدْت أن تَستَنْكِحها، ولكنه أَتَى بالنَّبيِّ؛ لبَيان عُلوِّ شَأْنه ومَرتَبَته.

стр. 385

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن الإظهار هنا لِبَيان عِلَّة الحُكْم؛ فالإظهار هنا في مَقام الإِضْمار من فَوائِده: بَيان عِلَّة الحُكْم، فلو قال: وامرأة مُؤمِنة إن وهَبَت نفسها لك إن أَرَدْت أن تَستَنْكِحها، لمَا تَبيَّن لنا وَجهُ الخُصوصِيَّة، لكن لمَّا قال تعالى: ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ﴾ تَبيَّن الآنَ وجهُ الخُصوصية؛ لأنه كان نَبيًّا، فالعِلَّة أنه نَبيٌّ، فأُحِلَّت له هذه الواهِبةُ نَفْسَها. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الرَّدُّ على الجَبْرية إن أَراد، حيث أَثبَت للنبيِّ ﷺ إرادة، والجَبْرية لا يُثبِتون إرادة للإنسان يَقولون: إنه مُجبَر على عمَله! . الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: أن جَواز النِّكاح بالهِبة من خَصائِص النبيِّ ﷺ ، لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: أن الحُكْم الثابِت للرسول ﷺ ثابِت لأُمَّته إلَّا بدليل؛ لقوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فلَوْلا أن الحُكْم الثابِت له ثابِت لأُمَّته لكان قوله تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لَغْوًا لا فائِدةَ منه؛ فلمَّا أَخرَج المُؤمِنين من ذلك الحُكْم عُلِم أن الأَصْل مُشارَكة أُمَّته له في الأَحْكام. الْفَائِدَةُ الثَّامِنةَ عَشْرَةَ: أن للَّه تعالى أن يَختَصَّ بأحكامه مَن شاء؛ يُؤخَذ من تَخصيص النبيِّ ﷺ بهذا الحُكْمِ، فاللَّه له أن يَختَصَّ بأحكامه مَن يَشاء. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: أن التَّخصيص بالحُكْم لابُدَّ أن يَكون له عِلَّة تَقتَضي تَخصيص ذلك المَحكومِ عليه أو له؛ يُؤخَذ من أن التَّخصيص لابُدَّ له من عِلَّة تَقتَضي ذلك التَّخصيصَ، ﴿إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ فإن العِلَّة في ذلك أنه نَبيٌّ، وهذه العِلَّةُ لا تَكون للمُؤمِنين.

стр. 386

الْفَائِدَةُ العِشْرُون: إثباتُ العِلْم للَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالعِشْرُون: أن اللَّه تعالى فرَضَ علينا فرائِضَ في أزواجِنا علينا مُراعاتُها؛ لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾، وكذلك نَقول في مِلْك اليَمين: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُون: جَواز الوَطْء بمِلْك اليَمين وقد سَبَق. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالعِشْرُون: أن الأحكام -أحكام اللَّه مُعلَّلة بالحُكْم أو مَقرونة بحُكْمها؛ لقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالعِشْرُون: عِنايةُ اللَّه تعالى برَسوله ﷺ ولُطْفه به، حيث أَحَلَّ له ما يَزول به عنه الحَرَجُ؛ لقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ وَالعِشْرُون: إِثْبات اسمَيْن من أسماء اللَّه تعالى وهما الغُفور والرَّحيم، وإثباتُ ما تَضمَّناه من الوَصْف أو من الصِّفة ومن الأَثَر، قال ﵎: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠]. مَسأَلةٌ: هل النِّكاح بلَفْظ ألهِبَة لا يَصِحُّ، كما لو قال: وهَبْتُكَ بِنْتي؟ الجَوابُ: الظاهِر: أنه يَصِحُّ؛ لأن العِلَّة: إن وهَبَت نَفْسها للنبيِّ أنه يَتَزوَّج بدون مَهْر، وليس العِلَّة اللَّفْظ، بل العِلَّة أن يَكون الزواج بدون مَهْر، فهذا هو الذي يَكون خاصًّا بالنَّبيِّ ﷺ ، أمَّا لَفْظ الهِبة فإنه قد جاء في أَحَد ألفاظ حديث سَهْل بنِ سَعْد ﵁ في الواهِبة نَفْسَها أن النبيَّ ﷺ قال للرَّجُل: "مَلَّكْتكَها بِمَا مَعَكَ مِنَ

стр. 387

الْقُرْآنِ" (١)، وهذا أَحَد أَلْفاظ البُخاريِّ ﵀، وهذا يَدُلُّ على جواز عَقْد النِّكاح بمِثْل هذا اللَّفْظِ. فائِدةٌ: لتَعْلموا أن العِلْم ليس بالأَمْر الهَيِّن، العِلْم يَحتاج إلى تعَبٍ؛ ولهذا قال بَعضُ السلَف: العِلْم لا يُنال براحة الجِسْم. الذي يُريد أن يَستَريح لا يَقول: إنه طالِب عِلْم. فلا بُدَّ لطالِبِ العِلْم أن يَكون طالِبَ عِلْم على سبيل الحَقيقة، وسيَجِد أثَرَ ذلك فيما بَعدُ، سيَجِد النَّتيجة والتَّحصيل، وهو قد يَشُقُّ عليه في أوَّل الأمر أن يَحبِس نَفْسَه على العِلْم، لكن إذا اعتاد حَبْس نَفْسه على العِلْم صار ذلك سَجِيَّةً له وطَبيعةً له؛ حتى إنه إذا فقَدَ ذلك الحَبْسَ انحَبَس، وجَرِّبْ تَجِدْ؛ فأنا قد جَرَّبْتُ وغيري قد جرَّب، فإذا حبَسْت نَفْسَك على العِلْم فإنك تَفقِد ذلك الحَبْسَ لو تَأخَّرْت عنه؛ أمَّا إذا عوَّدْت نَفْسَك الإهمالَ وعدَم المُبالاة فاعلَمْ أنك ستَبقَي كالمَريض بِسِلِّ المُؤنَّث، فإن السِّلَّ المُذكَّر صاحِبه لا يَبقَى إلَّا شَهْرين أو ثلاثة ويَمشِي للمَقبَرة، لكن البَلاء في السِّلِّ المُؤنَّث يَبقَي فيه السَّنَوات العديدة فهو لا حيٌّ ولا مَيتٌ، وهكذا طالِب العِلْم إذا لم يَجِدَّ في طلَبِ العِلْم يَبقَى لا حيًّا ولا ميتًّا. فاللَّهَ اللَّهَ! على الحِرْص في طلَب العِلْم إن كُنْتم تُريدون العِلْم، أمَّا إذا كُنْتم تُريدون أن تَقطَعوا الوقت ويَمشِي الوقت في ما كان فهذا شيء آخَرُ، لكن الذي يُريد العِلْم لا بُدَّ أن يُكَبَّ عليه وأن يَجتَهِد، وهو وإن أَتعَبَ جِسْمه الآنَ سيَجِد الراحة فيما بعد، ولا سيَّما في الشباب مِنْكم، فالشَّباب هو الذي إذا حفِظ العِلْم ما شاء اللَّه لا يَنساه، لكن ثِقُوا أنه إذا تَقادَمَت بكم السِّنُّ فإنكم تَدرُسون اليومَ وتَنسَوْن غدًا.

стр. 388

صحيح أن الإنسان إذا تَقدَّم في العِلْم يَكون فَهْمه أَقدَرَ وأَوسَعَ وأَدَقَّ، لكن في الحِفْظ ما في حِفْظ إلَّا في الصغير أبَدًا، فأنتم -إن شاء اللَّه تعالى- تَحرِصون على طلَب العِلْم، لا تَظُنُّوا أنكم في نُزْهة إلَّا في نُزْهة واحِدة وهي نُزْهة العُلوم؛ لأن العُلوم فيها من كُلِّ فاكِهة زَوْجان؛ هذا فِقْه، وهذا حديث، وهذا تَفسير، وهذا تَوْحيد، وهذا نَحوٌ، وما شاء اللَّه! ثمَرات مُتنَوِّعة، فلْيَكُن نُزهَتُكم هذا العِلمَ، وأَسأَلُ اللَّه تعالى لنا ولكمُ التَّوفيقَ. * * *

стр. 389

الآية (٥١) * قَالَ اللَّهُ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١]. * * * ثُمَّ قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قوله تعالى: "تُرْجِئُ" يَقول المُفَسِّر ﵀: [بالهَمْزة والياء، بَدَلَه: تُؤخِّر] "تُرْجِئُ" و ﴿تُرجِي﴾ بمَعنَى: تُؤخِّر، وقوله تعالى: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ هذه مَفعول ﴿تُرْجِي﴾. وقوله ﵀: [﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: أزواجَك عن نَوْبتها، ﴿وَتُؤْوِي﴾ تَضُمُّ ﴿إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فتَأتَيها ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ طلَبْتَ ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ مِن القِسْمة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في طلَبِها وضَمِّها إليك، خُيِّر في ذلك بعد أن كان قَسْمه واجِبًا عليه]. كلام المُفَسِّر ﵀ الآنَ يَدُلُّ على أن قَوْله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أن الضَّمير يَعود على زَوْجات النبيِّ ﷺ اللَّاتي في حِباله، ومَعنَي (تُرجِي): تُؤخِّرها فلا تَقسِم لها، و (تُؤْوِي): تَضُمُّها فتَقسِم لها، فتَكون الآية نازِلةً في قَسْم النبيِّ ﷺ لزَوْجاته وأن اللَّه تعالى خيَّره، خيَّره بين أن يُرجِئ وبَيْن أن يَضُمَّ، يَعنِي: خيَّره بأن

стр. 390

يَقسِم للزوجات وأن لا يَقسِم، فيَكون في هذا تَوسِعة للنَّبيِّ ﷺ في القَسْم، إن شاء قَسَم وإن شاء لم يَقْسِم. وهذا هو أحَدُ القَوْلين في تَفْسير الآية الكريمة، وربَّما يَدُلُّ عليه السِّياق، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى أن قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أَيْ: من أَزواجِك ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فيَكون الإِرْجاء بمَعنَى: تَرْك القَسْم، والإيواءُ بمَعنَى: القَسْم. والقول الثاني في المَسأَلة: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: من الواهِبات أَنفُسَهن لك، يَعنِي: أنك إن شِئْت قبِلْت وإن شِئْت رَدَدْتَ. وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ يَعنِي: لو أنك رَدَدْتها أوَّلًا ثُمَّ أَرَدْتها ثانيًا فلا جُناحَ عليك، وقد سَبَق لنا قاعِدة في التَّفسير: أنَّ الآية إذا كانَت تَحتَمِل مَعنيَيْن لا يَتَنافَيان فإن الواجِب حَمْلها على المَعنيَيْن؛ ولهذا اختار ابنُ جَريرٍ (١) ﵀ أن الآية شامِلة للمَعنيَيْن جميعًا، وأن الرسول ﵊ خُيِّر بين القَسْم وعدَمه، وخُيِّر بين قَبول الِهبَة وعدَمها، وأنه أيضًا إذا لم يَقسِم ثُمَّ أَراد أن يَقسِم فله ذلك، وإذا رَدَّ الهِبَة ثُمَّ أَراد أن يَقبَل فله ذلك، فليس للمَرْأة إذا لم يَقسِم لها ثُمَّ أَراد القَسْم ليس لها أَن تَمتَنِع؛ لأن الخِيار بيَدِ النَّبيِّ ﷺ . فقَسْمه لمَن عِنده ﵊ ليس على سَبيل الوُجوب من اللَّه تعالى، يَعنِي: هو مِن ذات نَفْسه يَقْسِم مع أنه مخُيَّر، والدَّليل على أنه مخُيَّر هذه الآيةُ، وقد فسَّرَها السلَفُ في ذلك فهي صالحِة للوَجْهين.
следующие страницы →