الْفَائِدَةُ العِشْرُون: إثباتُ العِلْم للَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالعِشْرُون: أن اللَّه تعالى فرَضَ علينا فرائِضَ في أزواجِنا علينا مُراعاتُها؛ لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ﴾، وكذلك نَقول في مِلْك اليَمين: ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُون: جَواز الوَطْء بمِلْك اليَمين وقد سَبَق.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالعِشْرُون: أن الأحكام -أحكام اللَّه مُعلَّلة بالحُكْم أو مَقرونة بحُكْمها؛ لقوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالعِشْرُون: عِنايةُ اللَّه تعالى برَسوله ﷺ ولُطْفه به، حيث أَحَلَّ له ما يَزول به عنه الحَرَجُ؛ لقوله: ﴿لِكَيْلَا يَكُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ وَالعِشْرُون: إِثْبات اسمَيْن من أسماء اللَّه تعالى وهما الغُفور والرَّحيم، وإثباتُ ما تَضمَّناه من الوَصْف أو من الصِّفة ومن الأَثَر، قال ﵎: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٠].
مَسأَلةٌ: هل النِّكاح بلَفْظ ألهِبَة لا يَصِحُّ، كما لو قال: وهَبْتُكَ بِنْتي؟
الجَوابُ: الظاهِر: أنه يَصِحُّ؛ لأن العِلَّة: إن وهَبَت نَفْسها للنبيِّ أنه يَتَزوَّج بدون مَهْر، وليس العِلَّة اللَّفْظ، بل العِلَّة أن يَكون الزواج بدون مَهْر، فهذا هو الذي يَكون خاصًّا بالنَّبيِّ ﷺ ، أمَّا لَفْظ الهِبة فإنه قد جاء في أَحَد ألفاظ حديث سَهْل بنِ سَعْد ﵁ في الواهِبة نَفْسَها أن النبيَّ ﷺ قال للرَّجُل: "مَلَّكْتكَها بِمَا مَعَكَ مِنَ
стр. 387
الْقُرْآنِ" (١)، وهذا أَحَد أَلْفاظ البُخاريِّ ﵀، وهذا يَدُلُّ على جواز عَقْد النِّكاح بمِثْل هذا اللَّفْظِ.
فائِدةٌ: لتَعْلموا أن العِلْم ليس بالأَمْر الهَيِّن، العِلْم يَحتاج إلى تعَبٍ؛ ولهذا قال بَعضُ السلَف: العِلْم لا يُنال براحة الجِسْم. الذي يُريد أن يَستَريح لا يَقول: إنه طالِب عِلْم. فلا بُدَّ لطالِبِ العِلْم أن يَكون طالِبَ عِلْم على سبيل الحَقيقة، وسيَجِد أثَرَ ذلك فيما بَعدُ، سيَجِد النَّتيجة والتَّحصيل، وهو قد يَشُقُّ عليه في أوَّل الأمر أن يَحبِس نَفْسَه على العِلْم، لكن إذا اعتاد حَبْس نَفْسه على العِلْم صار ذلك سَجِيَّةً له وطَبيعةً له؛ حتى إنه إذا فقَدَ ذلك الحَبْسَ انحَبَس، وجَرِّبْ تَجِدْ؛ فأنا قد جَرَّبْتُ وغيري قد جرَّب، فإذا حبَسْت نَفْسَك على العِلْم فإنك تَفقِد ذلك الحَبْسَ لو تَأخَّرْت عنه؛ أمَّا إذا عوَّدْت نَفْسَك الإهمالَ وعدَم المُبالاة فاعلَمْ أنك ستَبقَي كالمَريض بِسِلِّ المُؤنَّث، فإن السِّلَّ المُذكَّر صاحِبه لا يَبقَى إلَّا شَهْرين أو ثلاثة ويَمشِي للمَقبَرة، لكن البَلاء في السِّلِّ المُؤنَّث يَبقَي فيه السَّنَوات العديدة فهو لا حيٌّ ولا مَيتٌ، وهكذا طالِب العِلْم إذا لم يَجِدَّ في طلَبِ العِلْم يَبقَى لا حيًّا ولا ميتًّا.
فاللَّهَ اللَّهَ! على الحِرْص في طلَب العِلْم إن كُنْتم تُريدون العِلْم، أمَّا إذا كُنْتم تُريدون أن تَقطَعوا الوقت ويَمشِي الوقت في ما كان فهذا شيء آخَرُ، لكن الذي يُريد العِلْم لا بُدَّ أن يُكَبَّ عليه وأن يَجتَهِد، وهو وإن أَتعَبَ جِسْمه الآنَ سيَجِد الراحة فيما بعد، ولا سيَّما في الشباب مِنْكم، فالشَّباب هو الذي إذا حفِظ العِلْم ما شاء اللَّه لا يَنساه، لكن ثِقُوا أنه إذا تَقادَمَت بكم السِّنُّ فإنكم تَدرُسون اليومَ وتَنسَوْن غدًا.
стр. 388
صحيح أن الإنسان إذا تَقدَّم في العِلْم يَكون فَهْمه أَقدَرَ وأَوسَعَ وأَدَقَّ، لكن في الحِفْظ ما في حِفْظ إلَّا في الصغير أبَدًا، فأنتم -إن شاء اللَّه تعالى- تَحرِصون على طلَب العِلْم، لا تَظُنُّوا أنكم في نُزْهة إلَّا في نُزْهة واحِدة وهي نُزْهة العُلوم؛ لأن العُلوم فيها من كُلِّ فاكِهة زَوْجان؛ هذا فِقْه، وهذا حديث، وهذا تَفسير، وهذا تَوْحيد، وهذا نَحوٌ، وما شاء اللَّه! ثمَرات مُتنَوِّعة، فلْيَكُن نُزهَتُكم هذا العِلمَ، وأَسأَلُ اللَّه تعالى لنا ولكمُ التَّوفيقَ.
* * *
стр. 389
الآية (٥١)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥١].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ قوله تعالى: "تُرْجِئُ" يَقول المُفَسِّر ﵀: [بالهَمْزة والياء، بَدَلَه: تُؤخِّر] "تُرْجِئُ" و ﴿تُرجِي﴾ بمَعنَى: تُؤخِّر، وقوله تعالى: ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ هذه مَفعول ﴿تُرْجِي﴾.
وقوله ﵀: [﴿مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: أزواجَك عن نَوْبتها، ﴿وَتُؤْوِي﴾ تَضُمُّ ﴿إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فتَأتَيها ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ طلَبْتَ ﴿مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ مِن القِسْمة ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ في طلَبِها وضَمِّها إليك، خُيِّر في ذلك بعد أن كان قَسْمه واجِبًا عليه].
كلام المُفَسِّر ﵀ الآنَ يَدُلُّ على أن قَوْله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أن الضَّمير يَعود على زَوْجات النبيِّ ﷺ اللَّاتي في حِباله، ومَعنَي (تُرجِي): تُؤخِّرها فلا تَقسِم لها، و (تُؤْوِي): تَضُمُّها فتَقسِم لها، فتَكون الآية نازِلةً في قَسْم النبيِّ ﷺ لزَوْجاته وأن اللَّه تعالى خيَّره، خيَّره بين أن يُرجِئ وبَيْن أن يَضُمَّ، يَعنِي: خيَّره بأن
стр. 390
يَقسِم للزوجات وأن لا يَقسِم، فيَكون في هذا تَوسِعة للنَّبيِّ ﷺ في القَسْم، إن شاء قَسَم وإن شاء لم يَقْسِم.
وهذا هو أحَدُ القَوْلين في تَفْسير الآية الكريمة، وربَّما يَدُلُّ عليه السِّياق، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى أن قال تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أَيْ: من أَزواجِك ﴿وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ فيَكون الإِرْجاء بمَعنَى: تَرْك القَسْم، والإيواءُ بمَعنَى: القَسْم.
والقول الثاني في المَسأَلة: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ﴾ أي: من الواهِبات أَنفُسَهن لك، يَعنِي: أنك إن شِئْت قبِلْت وإن شِئْت رَدَدْتَ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ يَعنِي: لو أنك رَدَدْتها أوَّلًا ثُمَّ أَرَدْتها ثانيًا فلا جُناحَ عليك، وقد سَبَق لنا قاعِدة في التَّفسير: أنَّ الآية إذا كانَت تَحتَمِل مَعنيَيْن لا يَتَنافَيان فإن الواجِب حَمْلها على المَعنيَيْن؛ ولهذا اختار ابنُ جَريرٍ (١) ﵀ أن الآية شامِلة للمَعنيَيْن جميعًا، وأن الرسول ﵊ خُيِّر بين القَسْم وعدَمه، وخُيِّر بين قَبول الِهبَة وعدَمها، وأنه أيضًا إذا لم يَقسِم ثُمَّ أَراد أن يَقسِم فله ذلك، وإذا رَدَّ الهِبَة ثُمَّ أَراد أن يَقبَل فله ذلك، فليس للمَرْأة إذا لم يَقسِم لها ثُمَّ أَراد القَسْم ليس لها أَن تَمتَنِع؛ لأن الخِيار بيَدِ النَّبيِّ ﷺ .
فقَسْمه لمَن عِنده ﵊ ليس على سَبيل الوُجوب من اللَّه تعالى، يَعنِي: هو مِن ذات نَفْسه يَقْسِم مع أنه مخُيَّر، والدَّليل على أنه مخُيَّر هذه الآيةُ، وقد فسَّرَها السلَفُ في ذلك فهي صالحِة للوَجْهين.
стр. 391
قوله ﵀: [﴿ذَلِكَ﴾ التَّخيِير] ذلك المُشارُ إليه، التَّخيير: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي﴾] أي: ذلك التَّخيِير المُستَفاد من الجُمْلتَيْن [﴿أَدْنَى﴾ أَقرَب إلى ﴿أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾] ما ذكَر المُخيَّر فيه ﴿كُلُّهُنَّ﴾.
وقوله ﵎: ﴿أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ وجهُ كَوْن ذلك أقرَبَ إلى أن تَقَرَّ أَعيُنُهنَّ؛ لأنهنَّ إذا عَلِمْنَ أن التَّخيير بين القَسْم وعدَمه من اللَّه قرَّت أَعيُنُهنَّ؛ لأنهنَّ يَرضَيْنَ بحُكْم اللَّه ، لكن لو كان هذا من النَّبيِّ ﷺ إن شاء قَسَم وإن شاء لم يَقْسِم لكان في نُفُوسِهنَّ بعض الشيء تَظُنُّ الواحِدة مِنهنَّ أن ذلك من قِبَل النَّبيِّ ﷺ وليس من شَرْع اللَّه تعالى، فإذا علِمَتِ النِّساء أن هذا من شَرْع اللَّه تعالى فإن أَعيُنَهنَّ تَقَرُّ.
وكلِمة ﴿تَقَرَّ﴾ مَأخُوذة إمَّا من القَرار وإمَّا من القَرُورة والبَرْد، وذلك أن العَيْن إذا برَدَتْ فمَعناها أنها غَيرُ حَزينة، وإذا حَمِيَت فمَعناها الحُزْن؛ ولهذا يُقال: دَمْع الحُزْن حارٌّ؛ لأنه يَخرُج من العَيْن إذا حَمِيَت من الحُزْن، أمَّا إذا لم يَكُن هناك حُزْن فإنها تَبرُد وتَستَقِرُّ.
وقوله ﵎: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ مَعطوفة على قَوْله تعالى: ﴿تَقَرَّ﴾، و ﴿تَقَرَّ﴾ مَنصوبة بـ (أَنْ) و ﴿يَحْزَنَّ﴾ مَعطوف عليه، وليس مَنصوبًا، ولكِنْ مَبنيٌّ على السُّكون؛ لاتِّصاله بنُون النِّسوة، ونونُ الفِعْل مُدغَمة في نون النِّسوة؛ لأن ﴿يَحْزَنَّ﴾ هذا الفِعْلُ، والنونُ الثانية هي نونُ النِّسوة، وهي فاعِل.
وقوله تعالى: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ الواو حَرْف عَطْف، ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ مَعطوف على ﴿تَقَرَّ﴾، وليس على ﴿يَحْزَنَّ﴾؛ لأنه لو كان على ﴿يَحْزَنَّ﴾ لفَسَد المَعنَى؛ إذ لو كان مَعطوفًا على ﴿يَحْزَنَّ﴾ لكان المَعنَى: ولا يَحزَنَّ ولا يَرْضَيْنَ، والمُراد خِلاف ذلك،
стр. 392
فالمُراد: ذلك أَدْنى أن تَقَرَّ أَعيُنُهُنَّ ويَرضَيْنَ.
فإن قُلتَ: ما الفائِدةُ منِ اعتِراض الجُمْلة الثانية ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾؟
فالجَوابُ: لأن صِلَتها بقَوْله تعالى: ﴿تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾ أَقوَى، فإن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾ يُراد به كَمال قَرار العَيْن، يَعنِي: أنها تَقَرُّ أَعيُنُهُنَّ حتى لا يَبقَى فيها حُزْن إطلاقًا؛ فلهذا اعتَرَضَتْ هذه الجُملةُ بين المعطوف والمعطوف عليه.
قوله ﵎: ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾: ﴿آتَيْتَهُنَّ﴾ بالمَدِّ بمَعنَى: أَعطَيْتَهُنَّ، و (آتَى) تَنصِب مَفعولَيْن، وهنا مَفعولهُا الأوَّلُ الهاء ومَفعولهُا الثاني مَحذوف، قدَّرَه المُفَسِّر ﵀ بقوله: [ما ذُكِر] وما الذي ذُكِر قال ﵀: [المُخيَّر فيه]، يَعنِي: أنهنَّ يَرضَيْنَ بما أَعطَيْتُموهُنَّ من التَّخيير من القَسْم وعدَمِه.
وسبَقَ أَنَّا بيَّنَّا العِلَّة في قوله تعالى: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾ بذلك وهو أنه إذا جاء الحُكْم من اللَّه رَضِين به بخِلاف ما لم لو كان من النَّبيِّ ﷺ فقَدْ لا يَرْضَيْن بذلك، فقد تَظُنُّ الواحِدة مِنهن أنه هَوًى من النَّبيِّ ﷺ .
وقوله ﵀: [﴿كُلُّهُنَّ﴾ تَأكيد للفاعِل في ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾]، وإنَّما قال ذلك لأنه لو كان تَأكيدًا للهاء في قوله تعالى: ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ﴾ لكانت مَنصوبة ﴿بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾، لكنها كما قال تَأكيد للفاعِل في قوله تعالى: ﴿وَيَرْضَيْنَ﴾، ألَا يَصِحُّ أن تَكون تأكيدًا للضَّمير في قوله تعالى: ﴿أَعْيُنُهُنَّ﴾؟
الجَوابُ: لا يَصِحُّ، لأنه لو كان تَأكيدًا له لكان مَجرورَ ﴿كُلُّهُنَّ﴾ فإِذَن: يَتَعيَّن أن يَكون تَأكيدًا لقوله تعالى: ﴿وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾.
وقوله ﵀: [﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ من أَمْر النساء والمَيْل لبَعْضهن] لما
стр. 393
بيَّنَ اللَّه أن النبيَّ ﷺ مخُيَّر بيَّنَ أنه يَعلَم ما في القُلوب من مَيْل الإنسان إلى بعض النِّساء دون بعض.
وقد بَيَّن اللَّه تعالى هذا المَعلومَ بقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ [النساء: ١٢٩]، وهذا أَمْر يُؤيِّده الواقِع ويَشهَد له، فإن الإنسان لا يُمكِن أن تَكون مَوَدَّة زَوْجتَيْه على حدٍّ سواءٍ، حتى لو فُرِض أن إحداهما كانت عِنده أرجَحَ من وَجْه، والأخرى أرجَحَ من وَجْهٍ آخَرَ فلا يُمكِن التَّساوِي، وهذا ما يُؤيِّده قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ هل يُستَفاد منها التهديدُ والوعيدُ؟ أم يُستَفاد منها أن هذا أَمْر لا تمَلِكونه؟ الظاهِر الثاني، وأن هذا أَمْر لا نَملِكه.
وقوله : [﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا﴾ بخَلْقه ﴿حَلِيمًا﴾ عن عِقابِهم] هذا كالتَّعليل لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥١]، فهو عليم بكُلِّ شَيْء، ومنه ما في قُلوبنا من المَيْل إلى بعض النِّساء دون بعض.
وقوله ﵎: ﴿حَلِيمًا﴾ الحِلْم هو عدَم التَّعجُّل بالعُقوبة، وليس هو تَرْكَ العُقوبة، ولهذا قال ابنُ القيِّم ﵀:
وَهُوَ الْحلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ... بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصْيَانِ (١)
فالحِلْم إِذَنْ تَأخير العُقوبة وليس العَفوَ عنها؛ فيُؤخِّر العُقوبة لعَلَّ هذا المُذنِبَ يَتوب إلى اللَّه فتَرتَفِع العُقوبة عنه.
стр. 394
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن للَّه أن يَختَصَّ بأحكامه مَن يَشاء بقوله تعالى: ﴿تُرْجِي﴾ و ﴿وَتُؤْوِي﴾ على القول بأن المُراد بذلك العَدْل أو القَسْم، فاللَّه تعالى خيَّره بين التِزام القَسْم وعدَمه، وهذا من خَصائِص النبيِّ ﷺ أمَّا الأُمَّة فقَدْ قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ كَانَ لَهُ امْرَأَتَانِ فَمَالَ إِلَى إِحْدَاهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَة وَشِقُّهُ مَائِلٌ" (١)، وهذا يَدُلُّ على وُجوب العَدْل بين الزَّوْجات في الأُمَّة.
وعلى القول الثاني في قوله تعالى: ﴿تُرْجِي﴾ و ﴿وَتُؤْوِي﴾: إن المُراد به قَبول مَن وهَبَت نَفْسها ورَدُّها، فيَكون فيه أيضًا دَليل على تَوسيع اللَّه تعالى لنَبيِّه محُمَّد ﷺ فيما يَتَعلَّق بالنِّكاح، أنَّ له أَنْ يَقبَل وله ألَّا يَقبَل.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه يَجوز للإنسان أن يَرجِع في حَقِّه بعد إسقاطه؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ هذا إذا كان الحَقُّ مُتَجدِّدًا، أمَّا إذا كان الحَقُّ غيرَ مُتجَدِّد، فإن الإنسان إذأ أَسقَطه لا يَملِك الرُّجوع فيه.
مِثال ذلك: أَسقَطَتِ المرأة نَصيبَها أو حقَّها من نفَقة ماضية بأن يَكون الزوج قد ترَك الإِنْفاق عليها لمُدَّة سَنَة، فأَسقَط الحقَّ، فليس لها رُجوع؛ لأن الحقَّ هنا غَيرُ مُتجَدِّد، بل هو في شيء مضَى، أمَّا إذا أَسقَطَتِ المرأة حَقَّها من القَسْم، فلها أن تَرجِع؛ لأن حقَّها يَتَجدَّد، اللَّهُم إلَّا أَنْ يَكون ذلك مَشروطًا في العَقْد بأَنْ شَرَط الزوجُ على
стр. 395
زوجته الجديدةِ ألَّا يَقسِم لها فقَبِلَت، ففي هذه الحالِ لا تمَلِك الرُّجوع؛ لأنه صار شَرْطًا في العَقْد، والشَّرْط في العَقْد يَجِب الوفاء به؛ لدُخوله في عُموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، بخِلاف ما لو أَسقَطَتْه بعد العَقْد، فإن هذا إِسقاط لها أَنْ تَرجِع فيه؛ لأنها لا تمَلِك إسقاط المُستَقبَل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن النبيَّ ﷺ داخِل في التَّكليف لقوله : ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾؛ لأن نَفيَ الوَصْف عن شيء ما يَدُلُّ على إمكان اتِّصافها به، إذ لو كان مُنتَفيًا من الأصل ما احتِيج إلى نَفيِه، فدَّل هذا على أنه يُمكِن أن يَكون على النبيِّ ﷺ جُناح، وهذا دليلٌ على تَكليفه بأَحْكام الرِّسالة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الرَّدُ على الجَبْرية، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿وَمَنِ ابْتَغَيْتَ﴾ أي: طلَبْت وأرَدْت. والجَبْرية يَرَوْن أنَّ الإنسان ليس له إرادة وإنما يُجبَر ويُسخَّر على عَمَله بدون إرادة منه.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات العِلَل والحِكَم للأَحْكام، حيث إن الأحكامَ مَربوطة بعِلَلها وحِكَمِها، ويُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾، وإِثبات الحِكَم في أحكام اللَّه الكوَنْية والقَدَرية كثيرة جِدًّا، وكلُّها تُرَدُّ أيضًا على الجَبْرية؛ لأن الجَبْرية يَرَوْن أن أفعال اللَّه وأَحْكَامه غير مُعلَّلة، وأنه تعالى يَفعَل لا لعِلَّة وحِكْمة، بل لمُجرَّد المَشيئة.
وهل في ذلك ما يُؤيِّد مَذهَب المُعتَزِلة القائِلين بوُجوب الأَصْلح، أو الصَّلاح في حقِّ اللَّه ؟
الجَوابُ: ورَدَ في العَقيدة السَّفارِينيَّة قوله:
стр. 396
فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَصْلَحِ ... وَلَا الصَّلَاحُ وَيْحَ مَنْ لَمْ يُفْلِحِ (١)
والمُعتَزِلة يَقولون: إنه يَجِب عليه فِعْل الأَصْلح فيما إذا تَعارَض الصالِح والأَصلَح، وفِعْل الصالِح فيما إذا تَعارَض الصالِح والفاسِد.
ولكن الصحيح أنَّ في ذلك تَفصيلًا:
إن قُلْنا بالوجوب بمَعنى أنَّ عُقولنا أَوْجَبت على اللَّه تعالى ذلك فهذا باطِل؛ إذ إنَّ العُقول لا تُوجِب على اللَّه تعالى شيئًا، فهي أَدْنى وأَحقَرُ من أن تُوجِب على اللَّه تعالى شيئًا، وإن قُلْنا: إن ذلك واجِب بمُقتَضى حِكْمته، فهذا حقٌّ وصحيح، فإن اللَّه لا يَفعَل شيئًا إلا وهو أَصلَحُ، كما قال اللَّه تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥]، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: ٦٤] فإذا كان اللَّه أَثنَى على المُصلِحين، ونفَى أن يَكون محُبًّا للفَساد أو المُفسِدين دلَّ ذلك على أنه لا يُمكِن أن يُريد ذلك. أي: الفَساد.
وعلى هذا فنَقول: المُعتَزِلة أَخطَؤوا حيث أَوْجَبوا ذلك على اللَّه تعالى بعُقولهم؛ لأن العَقْل أَدْنى وأحقَرُ من أن يُوجِب على اللَّه تعالى شيئًا، وقد يَرَى العَقْل أن هذا الشيء واجِب وهو في الحقيقة غير واجِب؛ لأن العُقول قاصِرة؛ فقد تَرَى هذا أصلَحَ وليس هذا بأَصلَحَ، وقد أَشار اللَّه تعالى إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦].
وأمَّا أن نَقول: إنه واجِب بمُقتَضى حِكْمته فهذا حقٌّ.
الخُلاصَة: هنا نَقول: إن إثبات العِلَل فيه رَدٌّ على الجَبْرية وهمُ الجَهْمية أيضًا
стр. 397
في هذا البابِ، وليس فيه تَأيِيد لقول المُعتَزِلة القائِلين بوُجوب الأصلَحِ أو الصلاح.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: مُراعاة قُلوب زَوْجات الرسول ﷺ وإِدْخال السُّرور عليهن، يُؤخَذ ذلك من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ﴾، فإن في هذا مُراعاةً لقُلوب هؤلاءِ النِّساءِ حتى تَقَرَّ أعينُهُن.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنه يَنبَغِي مُراعاة المُؤمِن بإِدْخال السُّرور عليه وانتِفاء الحُزْن عنه؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزَنَّ﴾، أي: لا يَدخُلهن الحُزْن والغَمُّ ممَّا مضَى، وهذه الحالُ للمُؤمِن تُنافِي حال الشيطان، فإن الشيطان يَسعَى لكل ما يَحزُن بَني آدَمَ كما قال ﵎: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠]، ولهذا كُلُّ مَن حاوَل إدخال الحُزْن على أخيه المُسلِم فإنه شَبِيهٌ بالشَّيْطان الذي يُريد إدخال الأحزان على المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن اللَّه يُدافِع عن نبيِّه ﷺ بأنواع من الأساليب الدِّفاعية، وَجْهُهُ: أنَّ اللَّه تعالى لمَّا خيَّره بيَّن أن هذا الحُكْم من اللَّه تعالى؛ حتى إذا علِمَت زوجات الرسول ﷺ أن هذا الحُكْم من اللَّه تعالى زال ما في نُفوسِهن من عدَم الرِّضا أو من الحُزْن؛ لأن رِضا الإنسان بما كان من اللَّه تعالى أبلَغُ من رِضاه بما كان من غيرِ اللَّه تعالى، هذا من جِهة.
وإن كان المُؤمِن يَرضَى من رسول ﷺ كما يَرضَى بالشيء الذي هو من اللَّه تعالى، لكن لمَّا كان النبيُّ ﷺ زوجًا لهؤلاء النِّساء، فإنه يُمكِن أن يَرِدَ في نُفوسِهنَّ أن كون الرسول ﷺ يَقْسِم ولا يَقْسِم، أو يَقبَل ويَرُدُّ أن ذلك لمُجرَّد هوًى في نَفْسه، وإذا اعتَقَدْنَ أن ذلك مُجرَّد هوًى في نَفْسه دخَل عليهن الحُزْن، فإذا علِمْنَ أن ذلك من اللَّه تعالى، وأن اللَّه تعالى هو الذي وسَّع له في هذا زال عنهن الحُزْن.
стр. 398
يَتفَرَّع على الفائِدة السابِقة: أنه يَنبَغي للإنسان أن يَدفَع عن نفسه ما يُلام عليه به، فكل شيء تَخشَى أن يَلومك الناس فيه فادْفَعِ الشُّبْهة عن نفسك؛ ولهذا أصلٌ، فقَدْ خرَج الرسول ﷺ مع زَوْجته ورآه رجُل فأَسرَعَ وراءَهُ، وقال له: "إِنَّهَا صَفِيَّةُ" (١).
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: استِعْمال أدوات التَّوْكيد فيما تَدعو الحاجة إليه؛ لقوله تعالى: ﴿كُلُّهُنَّ﴾ حتى لا يَتَوهَّم واهِم أن رِضَا بعضِهنَّ وانتِفاء الحُزْن عنه كافٍ في ذلك، بلِ الرِّضا يَكون للجَميع.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: عُموم عِلْم اللَّه بالظَّواهِر والبَواطِن؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن ما في القَلْب ممَّا لا يَملِكه الإنسان لا يُؤاخَذ عليه؛ لأنه لمَّا ذَكَرَ أنَّ الرسول ﷺ مخُيَّر قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يَعنِي: من الشيء الذي لا تمَلِكونه؛ ولهذا لا يَحْرُم على الإنسان أن يُفضِّل إحدى نِسائِه على الأُخرى في المَحبَّة؛ لأن المَحبَّة محَلُّها القَلْب، ولا يُمكِن للإنسان أن يُسلِّط قلبه ويُسخِّره حتى يُحِبَّ وَيَكرَهَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أن مَحَلَّ الإرادات هو القَلْب؛ لقوله : ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ وهل المُرادُ بالقَلْب القلبُ الحِسِّيُّ أو القَلْب المَعنوِيُّ الذي هو العَقْل؟
الجَوابُ: القَلْب الحِسِّيُّ؛ لأن الصحيح أن القَلْب الحِسِّيُّ هو الذي عليه المَدار، كما قال النبيُّ ﵊: "أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ
стр. 399
كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلُّهُ أَلا وَهِيَ الْقَلْبُ" (١).
وقدِ اختَلَف العُلَماء ﵀: هلِ العَقْل في القَلْب أو العَقْلُ في الدِّماغ؟ وظاهِر القُرآن الكريم أن العَقْل في القَلْب كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، ويَدُلُّ لهذا أيضًا من السُّنَّة قوله ﵊: "أَلَا وَإِنَّ فِي الجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلُّهُ"، فدلَّ هذا على أن العَقْل في القَلْب، ولكن قال الإمام أحمدُ ﵀: إنَّ له اتِّصالًا بالدِّماغ (٢). يَعنِي: هو في القَلْب ولكن له اتِّصال في الدِّماغ؛ ولهذا إذا فسَد الدِّماغ فسَد العَقْل.
وذكَرَ شيخُ الإسلام (٣) ﵀ في مَواضِعَ من كلامه بأن الدِّماغ مَحَلُّ التَّصوُّر وتَكييف الأشياء، وأن القَلْب مَحَلُّ التَّدبير والتصريف، فكأَنَّ الدِّماغ سِكرتير القَلْب، يُهيِّئ الأمور له ويُصوِّرها ويُكيِّفها، ثُم يُرسِلها إلى القَلْب، والقَلْب يَأمُر أو يَنهَى أو يُقِرُّ أو يُنكِر.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: إثبات اسمَيْن من أسماء اللَّه تعالى: وهُما العَليم والحَليم، فالعَليم هو الذي أَحاط بكل شيء عِلْمًا.
والعِلْم عِند الأُصولِيِّين: هو إدراك الشيء إدراكًا جازِمًا مُطابِقًا. فقَوْلهم (جازِمًا) خرَج به الشَّكُّ والظَّنُّ والوَهْم، فهذا لا يُسمَّى عِلْمًا؛ لأنه غير جازِم، وخرَج
стр. 400
بقولهم: (مُطابِقًا) الجَهلُ المُركَّب؛ لأن الجَهْل المُركَّب يُدْرِكُ الإنسان به الشيء إدراكًا غيرَ مُطابِق، وخرَج بقولهم: (إدراكُ الشيءِ) الجَهْل البَسيط؛ لأن الجهل البَسيط ليس فيه إدراك إطلاقًا. وهذا هو العِلْم، واللَّه لا يَتجَدَّد له العِلْم، وإنما الذي يَتَجدَّد المَعلوم، وتَعلُّق عِلْم اللَّه بالمَعلوم له حالان:
١ - تَعلُّق به قبلَ وقوعه.
٢ - تَعلُّق به بعد وقوعه.
فالتَّعلُّق به قبل وقوعه مَعناه أنه عالِم بأنه سيَقَع، والتَّعلُّق به بعد الوقوع أنه عالِم بأنه وقَعَ، والذي يَتَرتَّب عليه الجَزاء هو التَّعلُّق الثاني التَّعلُّق بالمَعلوم بعد وقوعه.
وعلى هذا يَزول الإِشْكال الذي أَوْرَده بعضُ أهل العِلْم ﵏ في مثل قوله : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ [محمد: ٣١] ﴿حَتَّى نَعْلَمَ﴾ هل لم يَعلَم المُجاهِدين؟ نَقول: هو عالِم بهِمْ لكن العِلْم الذي يَترتَّب عليه الجَزاء هو العِلْم بالشيء بعد الوقوع، فالتَّجدُّد إِذَنْ ليس للعِلْم ولكن للمَعلوم.
وهل عِلْم اللَّه ﵎ يَتعلَّق بالواجِب والمُمكِن والمُستَحيل؟ أو بالواجِب والمُمكِن دون المُستَحيل؟ أو بالمُمكِن فقط؟
الجَوابُ: بالجَميع؛ بالواجِب والمُمكِن والمُستَحيل.
أمَّا عِلْم اللَّه تعالى بالواجِب فعِلْمه بما يَستَحِقُّه من الأسماء والصِّفات؛ لأن هذا عِلْم بالواجِب فإن اللَّه تعالى قد وجَب له من الكَمال ما هو أَهْله.
وأمَّا عِلْم اللَّه تعالى بالمُستَحيل ففي مثل قوله : ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾
стр. 401
[المؤمنون: ٩١]، وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢]، فإن هذا من العِلْم المُستَحيل.
وأمَّا المُمكِن فمَعروف عِلْمه بما يَفعَل الإنسان وما لا يَفعَله؛ فهذا من العِلْم بالمُمكِن.
أمَّا الاسْمُ الآخَر وهو (الحَليم)، فالحَليم هو الذي لا يُعاجِل في العُقوبة، وليس الذي لا يُعاقِب، الذي لا يُعاقِب هو العَفوُّ، وهذا هو الفَرْق بين الحَليم وبين العَفُوِّ، فاللَّه حَليم لا يُعاجِل بالعُقوبة وعَفُوٌّ يَعفو عن الذَّنْب فلا يُعاقِب عليه.
* * *
стр. 402
الآية (٥٢)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ [الأحزاب: ٥٢].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: ["لَا تَحِلُّ"] بالتاء والياء]، لا تَحِلُّ ولا يَحِلُّ. فأمَّا على قِراءة: "لَا تَحِلُّ" فلا إشكالَ؛ لأن النِّساء جمع نِسوة، والنِّسوة جمع امرأة؛ لأن امرأةً ليس لها جَمْع من لَفْظها، وإنما لها جَمْع من مَعناها كالإِبِل جَمْع بَعِير ليس لها جَمْع من لَفْظها، أي: ليس لها مُفرَد من لَفْظها، فقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ لا إشكالَ فيه، لكنَّ قوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾ كيف ذكَّر الفِعْل مع أن الفاعِل مُؤنَّث؟
الجَواب: قال ابنُ مالِك ﵀ في اتِّصال تاء التَّأنيث بالماضِي:
وَإِنَّمَا تَلْزَمُ فِعْلَ مُضْمَرِ ... مُتَّصِلٍ أَوْ مُفْهِمٍ ذَاتِ حِرِ (١)
وهذا مع الاتِّصال؛ أمَّا مع الفَصْل فيَجوز.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بعدَ التِّسْع التي اختَرْنَكَ] كان مُقتَضى الكلام أن يَقول ﵀: اللَّاتي اختَرْنَك. والمَعنى أن النَّبيَّ ﷺ لمَّا خَيَّر نِساءَه اختَرْن اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، فلما اختَرْنَ اللَّه تعالى ورسوله ﷺ
стр. 403
شكَرَ اللَّه تعالى لهنَّ، وقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾، وعلى هذا يَكون هذا من باب الجَزاء العاجِل، ولهُنَّ الجَزاء الآجِل أيضًا؛ لأنهن لمَّا اختَرْن اللَّه تعالى ورسوله ﷺ على الدُّنيا وزِينتها شكَرَ اللَّه تعالى لهُنَّ، فمنَع نبيَّه ﷺ من أن يَتَزوَّج بسِواهُنَّ، أو أن يُطلِّق واحِدة ويَتَزوَّج سِواها فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، وهذا أحَدُ القَوْلين في الآية.
والقول الثاني: أن مَعنَى الآية ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ أي: مِن بعد ما ذكَرْنا لك، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠].
والمَعنَى على هذا: لا يَحِلُّ لك النِّساء من بعدِ ما ذكَرْنا لك، وعليه فلا يَحِلُّ للنبيِّ ﷺ أن يَتَزوَّج امرأة من العرَب سِوى بناتِ عَمِّه وبناتِ عمَّاته وبنات خاله وبنات خالاته اللاتي هاجَرْن معه، ولا يَحِلُّ له أن يَتَزوَّج امرأةً من أهل الكِتاب؛ لأنها ليسَتْ من هؤلاء.
واختار ابنُ جَريرٍ (١) ﵀ أن الآية شامِلة للمَعنَيَيْن جميعًا، فلا يَحِلُّ له أن يَتَزوَّج على أُمَّهات المُؤمِنين، ولا أن يَتَزوَّج سِوى هؤلاء.
فإن قُلْت: أفَلَا يُمكِن أن نَقول: إن المَعنى الأوَّل الذي هو: لا يَحِلُّ لك النِّساء سِوى هؤلاء النِّساءِ، يَدخُل فيه المَعنى الثاني، فلا حاجةَ إلى القول الثاني. أي: إذا قُلْنا لك: لا يَحِلُّ لك سِوى هؤلاءِ اللَّاتي معَك. فإن هذا يَدخُل فيه القَوْل الثاني: إنه لا يَحِلُّ له سِوى مَن ذُكِر: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ فما فائِدة القَوْل الثاني إِذَنْ؟
стр. 404
الجَوابُ: أنه لو قُدِّر أن هؤلاءِ النِّساءَ مُتْنَ في حَياة الرسول ﵊ فهل يَحِلُّ له أن يَتزَوَّج سِوى هؤلاءِ اللَّاتي أحَلَّ اللَّه تعالى له؟ فحِينئذ يَكون للقول الثاني فائِدة، وهذه الفائِدةُ تَظهَر فيما لو قُدِّر أن زَوجاتِ الرسول ﷺ اللَّاتي معه يَتَوَفَّيْن قبلَه، فإنه لا يَحِلُّ له من النساء إلَّا ما ذكَرَ اللَّه تعالى: ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾.
قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بتَرْك إِحْدى التاءَيْن في الأَصْل] وهي كلِمة ﴿تَبَدَّلَ﴾ أَصْلها: تَتبَدَّل، والدَّليل على أن أَصْلها تَتَبدَّل وأنها ليسَتْ فِعْلًا ماضيًا أنَّ (أَنْ) دخَلَت عليها ونَصَبَتْها، و (أن) لا تَدخُل وتَنصِب إلَّا المُضارِع، وإلَّا فإن كلِمة ﴿تَبَدَّلَ﴾ تَصِحُّ أن تَكون فعلًا ماضِيًا، لكنه لمَّا دخَلَت عليها (أَنْ) وعَمِلت فيها النَّصْب عُلِم أنه فِعْل مُضارِع حُذِفت منه إِحْدى التاءَيْن، ولهذا نَظير مِثْل قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [القدر: ٤]، أي: تَتَنزَّل الملائِكة، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤] أَيْ: تَتَلظَّى.
فإن قال قائِل: طلاق الرسول ﷺ لبَعْض نِسائه مثل حَفْصةَ ﵂ ومُراجَعته مُنافٍ للمَعنَى الأوَّل، كيف يَكون مع هذا المَعنَى ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ﴾؟
فالجَوابُ: أنه لا يُنافِي، فهو لا يَجوز أن يَتَزوَّج غيرَهُن؛ ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾، ولا يَجوز أنه يُطلِّق واحِدة ليَتزَوَّج أُخرى غيرَها ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ ولم يَقُلْ: ولا أن تُطلِّق، قال تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ بأن تُطلِّق واحِدة وتَزوَّج غيرها.
فإن قال قائِل: هل مَقصِدها الالتِزام؟
فالجَوابُ: نعَمْ ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ بأن تُطلِّقَهن أو بعضَهن وتَنكِح
стр. 405
بَدَلَ مَن طلَّقْت، هذا أيضًا لا يَحِلُّ له، ولم يَفعَلِ النَّبيُّ ﷺ بعد أن نزَلَت هذه الآيةُ، فإنه لم يُطلِّق واحِدة ليَتزوَّج أُخرى، ولا تَزوَّج عليهن سِواهن، بل بَقِين معه إلى أن تُوفِّيَ، ولكنه تُوفِّيَ له من زوجاته في حَياته زَوْجتان هما خَديجةُ وزينبُ بنتُ خُزَيْمةَ ﵂، وهذه تَزوَّجها بعد أن استُشهِد زَوجُها في أُحُد، وبَقِيت عنده أَشهُرًا ثُمَّ تُوفِّيت (١)، والبَقيَّة من نِسائه تُوفِّي عَنهن.
قوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ المُرادُ الحُسْن الظاهِر، أو الحُسْن الباطن، أو كِلاهما؟
يَشمَل هذا وهذا، فالنَّبيُّ ﷺ كغيره من البَشَر، قد يَتزوَّج المرأة لجَمالها لكن مع الدِّين، وقد يَتَزوَّجها لدِينها أو لمَعرِفتها وفَهْمها، فقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾، يَشمَل الحُسْن الظاهِر والحُسْن الباطِن، وقوله تعالى: ﴿أَعْجَبَكَ﴾ أي: بلَغَ الِإعْجاب بك مِنك، أي: بلَغ الِإعجابُ مِنك، وذلك لكَمال حُسْنها الظاهِر والباطِن.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ من الإِماء، فتَحِلُّ لك. . .] إلخ؛ يَعنِي: استَثْنى اللَّه ما ملَكَت يَمينه؛ وذلك لأن ما ملَكَت يَمينه لا يَحصُل للزوجة غَيْرةٌ منها، بخِلاف الزوجة، وإنما لا يَحصُل للزوجة غَيْرةٌ من مِلْك اليَمين؛ لأنها لا تُسامِيها ولا تُساوِيها؛ ولأنها ليس لها قَسْم، فإن مِلْك اليَمين لا يَجِب لهُنَّ القَسْم.
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ لمَّا بيَّن اللَّه ما أَحَلَّ لرسوله ﷺ وما حرَّم عليه ختَمَ الآية بذِكْر رَقابَته ﵎ على كل شيء، بيَّن اللَّه تعالى رَقابتهُ
стр. 406
على كل شيء؛ لأَجْل الحذَر من مخُالَفة أَمْره؛ لأنه إذا كان رقيبًا على كل شيء، فإن الإنسان يَحذَر ويَخاف من مُخالَفته.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ﴾ تَقدَّم نَظيرُها عِدَّة مرات، وقُلْنا: إن الماضِيَ هنا مَسلوب الدَّلالة على الزمَن؛ إذ ليس المَعنَى أن اللَّه تعالى كان في زمَن مضَى، وتَخَلَّف الحُكْم عنه في هذا الزَّمَنِ، وإنما هو لتَحقيق اتِّصاف اللَّه بالرَّقابة.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ على كل شيء، فيَشمَل ما كان خَفيًّا وما كان ظاهِرًا، وما كان خاصًّا بالرسول ﷺ وما كان عامًّا فيه وفي الأُمَّة، ويَشمَل ما كان من أعمال الجَوارِح، وما كان من أعمال القُلوب كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦].
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن النَّبيَّ ﷺ مُكلَّف كغَيرِه من البشَر؛ لأنه يُحلَّل له ويُحرَّم عليه.
ويَتفرَّع على هذه الفائِدةِ: أن التَّكليف لا يُمكِن أن يَسقُط عن أحَدٍ مَهما بلَغَت مَنزِلته في الدِّين، فيَكون في ذلك رَدٌّ على أُولئِك الذين يَزعُمون أنَّ الأولياء إذا بلَغوا مَرتبة من المَراتِب سقَط عنهمُ التَّكليف؛ لأننا نَعلَم أنَّ أَعلى درَجات الخَلْق عند اللَّه تعالى همُ الأَنْبياء والرسُل ﵇، وأن أَعلاهم محُمَّد ﵊ فإذا كان هو محُلًّا للتَّكَليف فمَن دُونَه من بابِ أَوْلى.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْبات شُكْر اللَّه لمَن قام بطاعَته واتَّبَع مَرْضاته، وهذا من مُقتَضى اسمه الشَّكورِ، فإن اللَّه تعالى سَمَّى نفسَه بالشَّكور في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ﴾ فمِن شُكْره أن اللَّه يُنْعِم على مَن قام بطاعته حَسَب ما تَقتَضيه
стр. 407
تِلكَ الطاعةُ؛ بِناءً على أن قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ أي: من بعد التَّخيير.
أمَّا على الرأي الثاني: أن المُراد من بعد هَؤلاء النِّساءِ، فلا تَتأتَّى هذه الفائِدةُ، ولكنا ذكَرْنا أن الآية إذا صلَحَت لمَعنَيَيْن لا يَتَنافَيان فإن الواجِب حَمْلها عليهما.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه لا يَجوز للنَّبيِّ ﷺ أن يُطلِّق أحَدًا من نِسائه ليَتزوَّج غيرها؛ لقوله: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾، واللَّه لم يُحرِّم عليه الطلاق، وإنما حرَّم عليه أن يَتبَدَّل بهن من أزواج، وفَرْق بين الطلاق وبين أن يَتبَدَّل بهِنَّ من أزاوج.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن النَّبيَّ ﷺ كغيره من البَشَر، يُعْجِبه حُسْن النِّساء الظاهِر والباطِن؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: جَواز تَزوُّج الرجُل المَرأة لحُسْنها؛ لقوله : ﴿وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾.
ويُؤيِّد هذا قولُ الرسول ﷺ : "تُنْكَحُ المَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالَهِا وَحَسَبِهَا وَجَمَالَهِا وَدِينِهَا، فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ" (١).
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الوَطْء بمِلْك اليَمين أهوَنُ على المرأة من الوَطْء بالزَّواج؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾؛ ولهذا أَباح اللَّه الإنسان ألَّا يَعدِل بين سَرارِيه؛ لأن الغَيْرة بينَهن ليسَت كالغَيْرة بين الزَّوْجات؛ فلهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات الرِّقِّ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾، والرِّقُّ
стр. 408
ثابِت في الإسلام، ومَن أَنكَر وُجود الرِّقِّ فقَدْ أَنكَر القُرآن والسُّنَّة وإجماع المُسلِمين، فيَكون مُرتَدًّا حتى يَتوب ويُقِرَّ بثُبوت الرِّقِّ.
والناس في هذا البابِ طرَفان ووَسَط:
١ - مِنهم مَن يَستَرِقُّ الأَحرار.
٢ - ومِنهم مَن يُنكِر ثُبوت الرِّقِّ مُطلَقًا.
٣ - ومِنهم مَن يثُبِت الرِّقَّ بأسبابه وشُروطه.
فنَسمَع عن بعض فِئات من الناس أنهم يَستَرِقُّون أولادهم ويَبيعونهم على غيرهم، وهذا كثير في أَفريقيا وفي شَرْق آسيا، حتى إن بعض الهمَج والرِّعاع ظنُّوا أن ذلك يُبيح الوَطْء بهذا المِلْك الفاسِد، فصاروا يَشتَرون من هؤلاء بَناتِهن ويَطؤُونَهن بهذا المِلْكِ الفاسِد، وهذا لا يَثبُت به المِلْك وليس سبَبًا للرِّقِّ، وقد ثبَت بالحديث الصحيح عن النبيِّ عَلَيْهِ آلصَّلَاةُ وَآلسَّلَامُ أن اللَّه تعالى قال: "ثَلَاَثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ" (١)، هذا قِسْم من الناس.
القِسْم الثاني: مَن يُنكِر الرِّق مُطلَقًا حتى مع وُجود أسبابه الشَّرْعية، وهذا يَقوله أُولَئِك الأُمَم المُتَمَدْينةُ التي تَزعُم الحَضارة والتَّقدُّم، لكن العجَب أنهم يُنكِرون الرِّقَّ الذي له أسباب شرعية إِلَهية، ولكنهم يَستَرِقُّون عِباد اللَّه تعالى استِرْقاقًا أشَدَّ من الاستِرقاق الإسلامي بغَيْر سبَب شَرْعيٍّ، وما مُشكِلة جنوب إفريقيا الحاضِرة الآنَ إلَّا أُنْموذَج من ذلك، فإنهم يَستَرِقُّون السُّود استِرقاقًا مُشينًا، ويَحرِمونهم من
стр. 409
حُقوقهم، وهذا أَقبَحُ بكثير من الاستِرقاق الشَّرعيِّ الإسلاميِّ؛ على أن الاستِرقاق الشرعيَّ الإسلاميَّ ليس فيه قُبْح؛ لأنك إذا تَأمَّلتَ النُّصوص الوارِدة في أحكام الرقيق وجَدْت أن الشَّرْع إنما أَباح استِرقاقهم لمَصلَحتهم؛ لأن سبَب الرِّقِّ واحِد، وأسباب الحُرِّيَّة مُتعَدِّدة، ولأن الرقيق يَجِب على مالِكه أن يُعامِله بالمَعروف.
وعلى هذا فيَكون الطريق الثالِث الذي هو إثبات الرِّقِّ بالأسباب الشرعية الإلهية هو الحَقَّ، وقد دلَّ عليه الكِتاب والسُّنَّة والإجماع، ولا يُنكِره إلَّا مُكابِر، ومَن أَنكَره فهو كافِر.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَهُ: جَواز التعبير بالبَعْض عن الكُلِّ؛ لقوله ﵎: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ ومِنه تَفضيل اليمين على الشِّمال؛ حيث نَسَب المِلْكية إليها دون الشِّمال، ولم يُعبِّر باليد الشِّمال عن الذات أبَدًا، ولكن عَبَّر بالأَيْدي عمومًا وعَبَّر باليمين، وأمَّا التعبير بالشِّمال فلم يَرِدْ.
الْفَائِدَةُ التَّاسعَةُ: إثبات اسمٍ من أسماء اللَّه تعالى وهو الرقيب؛ في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ والرَّقيب بمَعنَى: الحَفيظ، والإيمان برَقابة اللَّه يُوجِب للعبد كمالَ مُراقبة اللَّه تعالى والخَوْف منه، وألَّا يَتجَرَّأ على مَعصِيته، وألَّا يَتَخَلَّف عن طاعته؛ لأنه لو كان أحَدُ المُلوك -مُلوك الدنيا- قد جعَل عليك رقيبًا، فهل يُمكِنك أن تَتَكلَّم أو أن تَفعَل ما يَكون سببًا لعُقوبتك عند هذا المَلِكِ؟ الجَوابُ: لا، وهذا بالنِّسبة للمَخلوق، فرقابة الخالِق أكمَلُ وأعظَمُ.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: بلاغة القُرآن، حيث يَختِم الآيات بما يُناسِب الأحكامَ الموجودةَ فيها؛ لأنه لمَّا كان المَقام مَقام تَحليل وتحريم ختَمَها بقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ يَعنِي: فهو يُراقِبك لو خالَفْت ما شَرَع لك.
стр. 410
الآيتان (٥٣، ٥٤)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣) إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٣ - ٥٤].
* * *
ثُمَّ قال اللَّه : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المُفَسّر ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ في الدُّخول بالدُّعاء ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ فتَدخُلوا، ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ مُنتَظِرين ﴿إِنَاهُ﴾ نُضْجَه مَصدَر أَنَى يَأنِي].
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ سبَق لنا الكلام على مِثْل هذه العِبارةِ، وبيَّنَّا أن تَصدير الحُكْم بالنِّداء يَدُلُّ على الاهتِمام به والعِناية به؛ لأن النِّداء يَستَلزِم انتِباه المُنادَى، وأنَّ وَصْفَ هذا النِّداءَ بالإيمان يَدُلُّ على أن التِزام هذا الحُكمِ من مُقتَضَيات الإيمان، وأنَّ التَّخلُّف عنه سببٌ لنُقصان الإيمان.
ثُمَّ إنَّ التعبير بالإيمان فيه إغراءٌ وحثٌّ؛ لأن المُؤمِن حقًّا يَلتَزِم ما أُمِر به ويَترُك
стр. 411
ما نُهِيَ عنه، ومن ذلك إذا قُلْت: يا رجَلُ افعَلْ كذا. فالمَعنَى: بمُقتَضى رُجولِيَّتك يَلزَمك أن تَفعَل؛ وكذا: يا مُؤمِنُ افعَلْ كذا، أي: بمُقتَضى إيمانك؛ يَلزَم أن تَفعَل كذا، ففيه إغراءٌ وحثٌّ.
قوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَعنِي: لإيمانكم وجَّهنا إليكم هذا الخِطابَ.
قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ بُيوت النَّبيِّ جَمْع ومُضاف إلى الرسول ﷺ ؛ لأن بُيوته كانت تِسْعة، كلُّ امْرَأة من نِسائه لها بيتٌ، لم يَجمَعْهنَّ ﵊ في بيت واحِد، بل جعَل لكل امرأة بيتًا.
وإضافته إلى النبيِّ ﷺ مع أنه أُضيف إلى النِّساء أنفسِهنَّ، كما سبَقَ في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] هل هذا يَتَناقَض مع ذاك؟
الجَوابُ: لا، لا يَتَناقَض فهو مُضاف إلى كلِّ شيء منهما بنَسْبةٍ مُعيَّنةٍ، فباعتِبار أن هذه البُيوتَ مَأْوَى النبيِّ ﷺ ومَسكنُهُ أُضِيفت إليه، وباعتِبار أنها -أي: هذه البُيوتَ- مِلْك لزَوْجاته أُضيفَتِ البُيوت إليهِنَّ.
والعُلَماء ﵏ اختَلَفوا: هل بُيوت زَوْجات الرسول ﷺ مِلْك لهنَّ أو مِلْك للرسول ﵊؟ فيه قَوْلان لأَهْل العِلْم ﵏، وسبَقَ لنا أن الأظهَر أنها مِلْك للزَّوْجات، بدليل أنهن وَرِثْن هذه البُيوتَ، ولو كانَت مِلْكًا للرسول ﷺ ما ورَثْنها؛ لأن النبيَّ ﷺ يَقول: "إِنَّا مَعَاشِرَ الأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ، مَا ترَكْنَا صَدَقَةً" (١)،
стр. 412
ولا يَرِد على هذا أن هذه البُيوتَ أُدْخِلت في المَسجِد فيما بعدُ؛ لأنها إمَّا أن تَكون أُخِذَت بعِوَض، وإمَّا أن تَكون أُخِذت برِضاءِ مُستَحِقِّيها، وهذا لا يُنافِي التَّنبيهَ.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ﴾ بالبِناء للمَجهول، ولم يَقُل: إلَّا أن يَأذَن النبيُّ؛ لأنه قد تَأْذَن المرأة من نِسائه لأَحَد فيَدخُل، فليس بشَرْط أن يَكون الإِذْن من الرسول ﷺ ، ولكن اللَّه تعالى اشتَرَط ثلاثة شُروط:
الأَوَّل: الإِذْن.
والثاني: إلى طعام.
والثالِث: غير ناظِرين إِناهُ.
ولْنَنظُرْ هذه القُيودَ: هل هي مُعتَبَرة أم لا؟
فالأَوَّل: قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ يَشمَل: الإِذْن العُرفيَّ، والإِذْن اللَّفظِيَّ.
فالإِذْن اللَّفظِيَّ: أن يُقال: ادْخُلْ.
والإِذْن العُرفيُّ: أن يَكون هناك علامة تَدُلُّ على أن المَقام مَقام إِذن؛ كفَتْح الباب وما أَشبَه ذلك.
فلا يُمكِن الدُّخول بدون إِذْن، فالإِذْن إِذْن مُعْتَبر فهو قَيْد.
والثاني: قوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، هذا لا يَدُلُّ على أنهم لو أُذِنَ لهم في الدُّخول إلى غير طعام لا يَحِلُّ، فلو دُعِيَ إلى غير طعام هل يَدخُل أو لا؟ إن نظَرْنا إلى ظاهِر
стр. 413
قوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ قُلْنا: لا يَدخُل؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾، ولكنَّنا نَقول: إن هذا القَيْدَ بَيان للواقِع، وما كان بَيانًا للواقِع فإنه لا مَفهومَ له، فالآية ورَدَت في قضية مُعيَّنة وهي دُخول هَؤلاءِ إلى الطَّعام بدون دَعْوة؛ فلهذا قُيِّدَت بقَوْله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾.
والثالث: قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾، ناظِر إن تَعَدَّت بـ (إلى) فهي من النَّظَر بالعَيْن، وإن تَعدَّت بنَفْسها فهي بمَعنَى: الانتِظار، تَقول: نظَرْت إليه. وتقول: نظَرْتُه. بمَعنَى: انتَظَرْته، قال اللَّه : ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، و ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣]، والمَعنَى: هل يَنتَظِرون؛ لأنها تَعَدَّت بنَفْسها، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣]، هذا من النَّظَر بالعَيْن؛ وهنا ﴿نَاظِرِينَ﴾ مُتعَدِّية بنَفْسها، فتَكون بمَعنَى: مُنتَظِرين.
وقوله تعالى: ﴿إِنَاهُ﴾ أي: نُضْجه؛ وهل هذا شَرْط أم لا؟ نَقول: إنه شَرْط لجَواز الدُّخول أن يَدخُلوا لطعام غير مُنتَظِرين نُضْجَه، وكانوا يَتَحرَّوْنَ نُضْجَ الطعام، فإذا تَحَرَّوْا أنه قد نَضِج وقارَب أن يُقدَّم أو قُدِّم دخَلوا البيوت؛ لكي يَأكُلوا.
ولا شَكَّ أن مُفاجأة الإنسان عند أَكْله تُؤذِيه، ويُسمَّى هذا الذي يَفجَأُ الناس عند تَقديمهم الطعامَ يُسمَّى طُفَيْليًّا، وضَيْفَن بالنون؛ لأن هذه مِثل الذي يَتَّكِئ على عصًا كأنه ثَقيل، فإذا كان عِندك ضَيْف لا تُحِبُّ أن يَكون عندك، فقُلتَ لصاحِبك: هل عِندك ضَيفٌ؟ قلت: لا، عِندي ضَيْفَن. يَعنِي: ثَقيل، طُفَيْليٌّ جاء بلا دَعوة، ونام على نَهْض (١) صاحِب البيت، فلا يَتَزَحْزَح ولا يَخرُج، ويَتَطلَّب: هاتِ ماءً، هاتِ شرابًا، هات كذا، أُريد الحَمَّام، أُريد أن أَروح لكذا. . . فيُتْعِبك.
стр. 414
المُهِمُّ: أن قوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ هذا شَرْط، يَعنِي: لا يَجوز لكم أن تَتَحرَّوا إِنَى الطَّعام حتى تَدخُلوا لما في ذلك من التَّضيِيق على النبيِّ ﵊، ويُحتَمَل أن المَعنَى: لا تَدخُلوا مُبكِّرين بحيث تَبقَوْن في البيوت حتى يَنضَج الطعام؛ لأن في هذا أيضًا إِشْقاقًا على صاحِب البيت، فإذا كان تَجهيز الغَداء في الساعة الواحِدة، فجاء هؤلاءِ في الساعة الثانيةَ عشْرةَ، فانتَظَروا ساعة، وهذا فيه تَضيِيق على النبيِّ ﷺ ، والنبيُّ ﵊ حَيِيٌّ كريم، لو استَأْذَنوا عليه قبل نُضْج الطعام بساعة لم يَرُدَّهم ﷺ ، وإن كان يَتَأذَّى بذلك، لكن لكَرَمه وحَيائِه لا يَرُدُّهم.
فتَبيَّن بهذا النَّهي عن دُخول بيوت النبيِّ ﵊ إلَّا بثَلاثة شُروط:
١ - الإِذْن.
٢ - وأن يَكون إلى طعام.
٣ - وأن يَكونوا غير ناظِرين إِناهُ.
ولكن ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ يَقولون: إن هذا ليس بشَرْط؛ لأنه قَيْد لبَيان الواقِع فلا مَفهومَ له، وكلُّ قَيْد لبَيان الواقِع فإنه لا مَفهومَ له؛ ولهذا لو دُعُوا إلى غير الطَّعام فلا بَأسَ أن يَدخُلوا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [في الدُّخول بالدُّعاء ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾]، فأَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أن قوله تعالى: ﴿إِلَى طَعَامٍ﴾ لا يَتَعلَّق بقوله ﵎: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ إلَّا على وَجْه التَّضمين؛ لأن (يُؤذَن) لا تَتَعدَّى بـ (إلى)، وإنما تَتَعدَّى بـ (فِي) أو باللَّام، لكنها باللَّام للمَأذون له لا للمَأذون إليه، فتَتَعدَّى بـ (في): إلَّا أن يُؤذَن لكم في طَعام، لكنها جاءت بـ (إلى)؛ لأن الإِذْن هُنا ضُمِّن مَعنَى الدُّعاء، يَعنِي: إلَّا أن تُدْعَوْا إلى طعام.
стр. 415
وقوله تعالى: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾ جاءت مَنصوبةً، مع أن الذي قَبْلها مَجرور -يَعنِي: لم تَكُن بلَفْظ: إلى طَعام غيرِ ناظِرين إِناهُ-؛ لأنها حال من الكاف في قوله ﵎: ﴿يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾، أي: حالَ كَوْنِكم غيرَ ناظِرين إِناهُ، فإن كُنْتم مُنتَظِرين نُضْجَه وتَتَحرَّون نُضْجه فلا تَدخُلوا عليه أيضًا؛ لما في ذلك من الإِشْقاق والأَذِيَّة.
وقوله تعالى: ﴿إِنَاهُ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: إنها [مَصدَر أَنَى يَأنِي] إِنًى، فهي ليس فيها شيء مَحذوف، يَعنِي: لست (إِناءَه) في الأصل، بل هي (إِناهُ) أصلًا وفَرْعًا، مَصدَر أَنى يَأنِي إِنًى.
وقوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ لمَّا كان قوله ﵎: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ قد يَتوَهَّم منه واهِمٌ أنهم لا يَدخُلون أبَدًا؛ قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، فكان في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ كان فيه فائِدة، وهي أنهم متَى دُعوا دَخَلوا، فكَوْنهم هم يَدخُلون بأنفسهم لا يَجوز إلَّا بالشُّروط السابِقة، لكن إذا دُعوا فإنهم يَدخُلون، فإذا طعِموا فإنهم يَنتَشِرون؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، أي: ولا تَدخُلوا بغير دَعْوة.
وهذا غير قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ﴾؛ لأن (يُؤذَن) مَعناها: أنهم جاؤُوا فاستَأْذَنوا، وأمَّا التي معَنا -الجُمْلة الثانية ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ﴾ - فهُنا هم الذين دُعُوا.
وقد كان الرسول ﵊ يَدْعو الناس إلى طَعامه، كما دعا أبو هُريرةَ ﵁ حين وَجَدَهُ جائِعًا في يوم من الأيام، فقد خرَج أبو هُريرةَ ﵁ من بيته
стр. 416
وهو جائِع حتى كاد يَسقُط مَغشِيًّا عليه من الجوع، فلمَّا خرَجَ الناس تَبع عُمرَ بن الخَطَّاب ﵁ يَسأَلُه عن آية من كِتاب اللَّه تعالى، وأبو هُريرةَ ﵁ حينما سأَله عن الآية يَعرِف الآية لكن يُؤَمِّل لعَلَّ عُمرَ ﵁ يَقول: اتْبَعْنِي. ولكن عُمرَ ﵁ لم يُفكِّر في هذا الأَمْرِ، أَخبَرَه بالآية ومَضَى، يَقول: فلمَّا جاء الرسول ﷺ ورآني عرَف ما في وَجْهي. فدَعاه فدخَل، فجِيء بلَبَن إلى النبيِّ ﷺ فأَمَرَه أن يَدعُوَ أهل الصُّفَّة -وأهلُ الصُّفَّة: همُ الفُقَراء المُهاجِرون الذين ليس لهم مَأوًى في المَدينة، كان لهم صُفَّة في المَسجِد يَجتَمِعون فيها، أحيانًا يَبلُغون الثَّمانين، وأحيانًا يَكون أكثَرَ، وأحيانًا يَكون أقَلَّ- يَقول: لمَّا قال: ادْعُ أهل الصُّفَّة. واللَّبَن قليل، فكأنه تَردَّد ﵁ وقال: ما يُغنِي هذا اللَّبَنُ لأهل الصُّفَّة؟ فإذا دَعَوْت أهل الصُّفَّة وشَرِبوا اللبَن بَقِيتُ أنا جائِعًا، ولكن لم يَكُن لي بُدٌّ من طاعة اللَّه تعالى ورسوله ﷺ ، فذهَبَ فدعا أهل الصُّفَّة فجاؤُوا فشَرِبوا، كُلٌّ يَشرَب من هذا اللَّبَنِ، وكُلٌّ يَشرَب، فلمَّا بَقِيَ بقيَّةٌ قال: "اشْرَبْ". يَقول: فَشَرِبت حتى رَوِيتُ. فقال: "اشرَبْ أبا هرٍّ"، فقلتُ: واللَّه يا رسول اللَّه لا أَجِد له مَسارًا. فبَقِيَت بقيَّةٌ فشَرِبها النبيُّ ﷺ (١).
ففي هذه دَعوة عامَّة ودعوة خاصَّة، وكذلك في حديث أنَسٍ ﵁ لمَّا صنَع النبيُّ ﵊ طعامًا، قال: اخرُجْ فادْعُ لي مَن لَقِيتَ (٢)؛ فإذا دُعِيَ المُسلِمون إلى طعام فادْخُلوا، ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ ولم يَقُل: فإذا شبِعْتُم. قال: إذا طَعِمْتُم؛ لأن الطَّعام قد يُشبع وقد لا يُشبع.
стр. 417
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا﴾ أي: تَفرَّقوا؛ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَلَا﴾ تَمْكُثوا ﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾]، أَفادَنا المُفَسِّر بقوله: [﴿وَلَا﴾ تَمْكُثوا] أن كلِمة ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾ حال من فاعِل مَحذوف مع فِعْله، والتَّقدير: ولا تَمكُثوا مُستَأنِسين لحديثٍ.
والاستِئْناس بالشيء مَعناه: الاطمِئْنان إليه، يَعنِي: لا تَبقَوْا بعد الأكل تَتَحدَّثون وتَنبَسِطون وتَطمَئِنُّون، وأمَّا الحديث العابِر فلا بأسَ به بعد الأَكْل، ولكن هذا ليس من آداب الطاعِم على كل حال؛ لأنه عُلِّل، قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ من بَعْضكم لبَعْض ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المُكْثَ ﴿كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أن يُخرِجَكم ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يُخرِجَكم]. وعلى هذا فيُنهَوْن عن البَقاء مُطمَئِنِّين للحديث لِعِلَّة وهي الأذِيَّة، أذِيَّة النبيِّ ﵊، وبِناءً على هذه العِلَّةِ لو قُدِّر أنه لا يَتَأذَّى بذلك فلا حَرَجَ على الإنسان أن يَبقَى.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، أَعاد الاسمَ الظاهِر في مَوضِع الضمير؛ تَعْلِيةً لشأن الرسول ﷺ ، وإلَّا لكان المُتوقَّع أن يَقول: إن ذَلِكم كان يُؤذيه، ولكن قال تعالى: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ إِعلاءً لشَأْنه ﷺ ، وإشارة إلى أنه لنُبوَّته يَجِب أن يَتَحاشَى المَرءُ أَذِيَّته لما له من الفَضْل.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ لماذا جَمَع فيها الخِطاب؟
الجَوابُ: لأن المُخاطَبِين جَمْع، واسمُ الإشارة إذا اقتَرَن بالكاف فإنه يُراعَى فيه المُخاطَب والمُشار إليه، والمُشارُ إليه يَتَغيَّر به اسمُ الإشارة، والمُخاطَب تَتَغيَّر به الكاف.
стр. 418
فالقاعِدةُ: أنه إذا اقتَرَنَتِ الكاف باسْمِ الإشارة فإنه يُراعَى في اسم الإشارة المُشار إليه، وفي الكاف المُخاطَب.
فلْنَفْرِضْ أنَّني أُشير إلى جماعة وأُخاطِب واحِدًا أَقول: أُولَئِك. وبالعَكس أُشير إلى واحد وأُخاطِب جماعة أَقول: ذَلِكم. وأُشير إلى جماعة وأُخاطِب جماعة فأَقول: أُولَئِكم. وأُشير إلى جَماعة وأُخاطِب جماعة نِساء فأَقول: أُولَئِكن. وأُشير إلى واحِد وأُخاطِب جماعة نِساء فأَقول: ذلِكُنَّ، قال تعالى: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف: ٣٢].
الخُلاصةُ: أن اسم الإشارة إذا اقتَرَنت به الكاف؛ فإنه يُراعَى في الكاف المُخاطَب، ويُراعَى في اسم الإشارة المُشارُ إليه، فإن كان جَمْعًا فاجْمَعها، وإن كان مُثنًّى فثَنِّها، وإن كان مُفرَدًا فَأَفرِدها. فإذا كنت تُشير إلى اثنَيْن مخُاطِبًا اثنَيْن تَقول: ذانِكما. وإذا كنتَ تُشير إلى اثنَتَيْن مخُاطِبًا اثنَتَيْن تَقول: تانِكما؛ لأن المُثنَّى المُؤنَّث يُقال له: تانِ. قال ابنُ مالِك ﵀:
وَذَانِ تَانِ لِلْمُثَنَّى المُرْتَفِعْ ... . . . . . . . . . . (١)
وهذه يَغْلَط فيها كثير من الطلَبة فيَلْتَبِس عليه المُشار إليه بالمُخاطَب.
فقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المُشار إليه هنا مُفرَد، والمُخاطَب جَمْع؛ لأنه يُخاطِب جماعة المُؤمِنين، ويُشير إلى شيء مَذْكور، أي: إن ذلك المَذكورَ ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ الأذِيَّة ليست هي الضَّرَرَ؛ إِذْ قد يَتأذَّى المُتأذِّي
стр. 419
ولا يَتضَرَّر بذلك؛ ولهذا يُوصَف اللَّه بالتَّأذِّي ولا يُوصَف بالضرَر، قال اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، وقال تعالى في الحَديث القُدسيِّ: "يُؤْذِيني ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ" (١)، أمَّا في الضرَر فقال في الحديث القُدسيِّ: "يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي فَتَنْعَونِي" (٢)، ونحن نُشاهِد الآنَ في أنفُسِنا أننا نَتَأذَّى بالشيء ولا نَتَضَرَّر به، إذ يَتأذَّى الإنسان بالرائِحة الكرِيهة؛ كرائِحة البَصَل والكُرَّاث والنَّتْن والوَسَخ والعَرَق وما أَشبَه ذلك، ولكنه لا يَتَضرَّر به، فلا يَلزَم من الأذِيَّة الضرَرُ.
يَقول تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ الفاء عاطِفة على قوله تعالى: ﴿يُؤْذِي﴾؛ يَعني: فكان أيضًا يَستَحْيِي منكم، أي: يَستَحْيِي منكم أن يُخرِجكم إذا دَخَلْتم في هذه الحالِ.
وقوله تعالى: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ إذا قيل لنا: ما هو الحَياء؟ أو عَرِّف الحَياء؟ فنَقول: الحَياء نَكتُب عليه ميم بخَطٍّ عَريض، أي: معروف، ففي القاموس إذا جاءَت كلِمةٌ مَعروفةٌ كُتِب: ميم، يَعنِي: مَعروف، فلا يَحتاج إلى أن نَحُدَّه، كما لو قيل لك: ما هي المَحبَّة؟ فلا تَستَطيع أن تَحُدَّها، مثلما قال ابنُ القَيِّم ﵀ في روضة المُحبِّين (٣): إن المَحبَّة لا تُحَدُّ بأَوْضَحَ من لَفْظها، المَحبَّة هي المَحبَّة. وكذلك: الكراهة هي الكراهة؛ لأن هذه انفِعالاتٌ نَفْسية يُحِسُّ بها الإنسان من نَفْسه، ولا يَستَطيع أن يُعبِّر عنها، فالحَياءُ هو الحَياءُ، وكذلك: النَّوْم هو النَّوْم مَعروف، وبعضهم يَقول: إنها غَشْية
стр. 420
ثَقيلة تَهجُم على المُخِّ فتُفقِد الوَعْيَ والإِحساس، فلو تَصوَّرتُ أن هذا هو النَّوْم ما جاءَني نَوْم، فلا أتصَوَّر أنه غَشْية! .
وكذلك: الجَوْع، من صِفات البَطْن من قِلَّة الطعام، هذا أثَرُه، أمَّا هو فإنه مَعروف. فهذه المَعانِي النَّفسِية لا يُمكِن في الحقيقة أن يُعرِّفها أحَدٌ، ولا يُمكِن أن تُعرَّف بأَوْضَحَ من لَفْظها.
إِذَنِ: الحَياء مَعروف، والنبيُّ ﷺ يَستَحْيِي من هؤلاء؛ لأنه ﷺ أَكمَلُ الناس إيمانًا، والحياءُ من الإيمان؛ ولأنه ﷺ أَكرَمُ الناس، والكريم يَستَحْيِي من ضَيْفه أن يُخرِجَه، أو أن يَتَبرَّم بوُجوده، أو أن يَتكَرَّهَ له؛ ولهذا الرسولُ ﷺ يَصبِر وإن كان مُتَأذِّيًا من ذلك؛ لمَا جَبَلَهُ اللَّه تعالى عليه من كمال الإيمان وكمال الكرَم، فيَستَحْي منكم.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾ أن يُخرِجَكم] قوله ﵀: [أَنْ يُخرِجَكم]، هذه في مَحَلَّ جَرِّ بدلِ اشتِمال؛ لأن التَّقدير: فيَستَحْيِي من إخراجِكم.
قوله ﵎: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، والحقُّ هو: العَدْل في الأحكام، والصِّدْق في الأخبار، فالرَّبُّ لا يَستَحْي من الحقِّ؛ لأن الحَياء من الحقِّ يَستَلزِم تَرْك الحقِّ والخَوَر وعدَم الحَزْم، واللَّه لا يَستَحْيي من أن يُبيِّن الحقِّ.
ويَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أن يُخرِجَكم]، هكذا قال المُفَسِّر ﵀، وفيما قاله نظَر، بلِ الصوابُ: ﴿لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أَنْ يُبيِّنَه لكم؛ لأن المَقام هنا ليس مَقام إخراجٍ، بل المَقامُ مَقامُ تَبْيِين لما يَجِب على هؤلاء الذين استَأْذَنوا على الرسول ﵊، فالمَعنَى: لا يَستَحْيِي من الحَقِّ، كما قلتُ: إن الحَقَّ هو الصِّدْق في الأخبار والعَدْل في الأحكام، بينما المُراد بالحَقِّ هنا -على رَأْي
стр. 421
المُفَسِّر ﵀ هو الإخراجُ، يَعنِي لا يَستَحْيِي أن يُخرِجَكم، ولكن الصواب لا يَستَحي أن يُبيِّن لكم ما يَلزَمكم فتَخرُجوا.
ثُمَّ قال المُفَسِّر عفا اللَّه عنه: [أي: لا يَتْرُك بَيانَه]، أي: لا يَترُك بَيان الحَقِّ، وهذا من التَّحريف؛ حيث فسَّر الحَياء بلازِمه وهو التَّرْك؛ لأن من لازِم الحَياء من الشيء أن يَدَعه حَياءً منه، فالمُفَسِّر ﵀ فسَّر الحَياءَ بلازِمِه وهو التَّرْك، أي: لا يَترُك بَيان الحَقِّ، وفي قوله: لا يَتْرُك بَيان الحَقِّ. مع قوله: [﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ أن يُخرِجَكم] هناك شيء من التَّناقُض؛ لأنه جعَل المُستَحْيَا منه هنا بيانَ الحَقِّ وجعَله في القول الأوَّلِ الإخراجَ، والصواب قوله الثاني، أي: لا يَستَحي من بَيان الحَقِّ، لكن تَفسيره الاستِحياءَ بالتَّرْك هذا باطِل؛ لأنه خِلاف ظاهِر اللَّفْظ.
والواجِبُ عَلَيْنا فيما يَتعَلَّق بأَسماء اللَّه وصِفاته: أن نُجْرِيَها على ظاهِرها اللائِق باللَّه ، مُعتَقِدين أنه لا مَثيلَ له في هذه الصِّفَةِ، ومُبتَعِدين عن تَكليفها، أمَّا وُجوب إِجْرائها على ظاهِرها؛ فلأن اللَّه تعالى خاطَبَنا بلِسان عرَبيٍّ مُبِين، ولو أَراد خِلاف ذلك الظاهِرِ لكان التَّعبيرُ بهذا الذي يُفيد ظاهِرُهُ الكُفْرَ أو التَّمثيلَ خِلافَ البَيان، واللَّه يَقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، فكيف يُعبِّر ﵎ أو يَتكَلَّم بما هو خِلاف البَيان فيما يُعتَبَر صميمَ العَقيدة، وهو ما يَتعَلَّق بأسماء اللَّه تعالى وصِفاته؟ ! ولهذا كان طريقُ هَؤلاء المُنحَرِفين من أبلَغِ ما يَكون طَعْنًا في كلام اللَّه ، بل من أَبلَغِ ما يَكون طَعْنًا في اللَّه تعالى نَفْسه؛ إذ إن طَريقَتَهم تَستَلْزِم أن يَكون اللَّه لم يُبيِّن الحقَّ فيما يَتعَلَّق بأسماء اللَّه تعالى وصِفاته، وجعَل الحَقَّ مَوْكولًا إلى ما تَقتَضِيه عُقولهم، ويُحاوِلون بعد ذلك أن يَرُدُّوا كلام اللَّه وكلام رسوله ﷺ إلى ما تَقتَضيه هذه العُقولُ الفاسِدةُ المُتَناقِضةُ، والطريق الأَسلَمُ والأَعلَمُ والأَحكَمُ هي
стр. 422
طريق السَّلَفِ، أن تَأخُذ كلام اللَّه تعالى ورسوله ﷺ على ظاهِره؛ لأَنَّنا:
١ - نَعلَم عِلْم اليَقين أنه لا أَحَدَ أَعلَمُ باللَّه تعالى من نَفْسه، ولا أحَدَ من الخَلْق أَعلَمُ باللَّه تعالى من رَسول اللَّه ﷺ .
٢ - ونَعلَم أيضًا أنه لا أَحَدَ أصدَقُ كَلامًا من اللَّه تعالى، ولا أحَدَ من المَخلوقين أصدَقُ كلامًا من رسول اللَّه ﷺ ، وهذا ثابِت أيضًا.
٣ - والأَمْر الثالِث: نَعلَم أنه لا أَحَدَ أوضَحُ بيانًا في كلامه من اللَّه ﵎، ولا أحَدَ من المَخلوقين أَعظَمُ بيانًا من رسول اللَّه ﷺ .
٤ - نَعلَم أيضًا أنه لا أحَدَ أَصَحُّ إرادةً وقصدًا من اللَّه ؛ فإن اللَّه تعالى ما أَراد من عِباده إلَّا أن يُبيِّن لهُمُ الحَقَّ، وكذلك بالنِّسبة لرسول اللَّه ﷺ لا نَعلَم أحَدًا أَنصَحَ منه للخَلْق، وأصدَقَ إرادةً في بيان الحَقِّ.
فإذا تَمَّت هذه الأمورُ الأربعةُ في أيِّ كلام يَكون: صار ما يَدُّل عليه ظاهِره هو المرادَ الذي يَجِب علينا أن نَأخُذ به، فهذه أمور أَرْبعة إذا اجتَمَعَت في الكلام صار الكلام واجِبَ الأَخْذ بظاهِره؛ وهذه الأمورُ الأربعةُ هي: العِلْم والقَصْد والصِّدْق والبَيان.
وضِدُّها لا يُؤخَذ ولا يُعتَبَر، فلو جاء إنسانٌ جاهِلٌ يَتكَلَّم لك بكَلام من أَفصَحِ البيان، وهو رجُل نَعرِف أنه من أَنصَحِ الخَلْق، وأصدَقِهم؛ لا تَثِق بقوله.
ولو جاء رجُل يَتكَلَّم عن الطِّبِّ، ونحن نَعلَم أنه لم يَدرُس الطِّبَّ أبَدًا، وقام يَشرَح لنا الطِّبَّ؛ لا نَثِق به؛ لأنه جاهِل.
ولو جاء عالِم نَعرِف أنه عالِم بما يَتَكلَّم به، لكنه كَذُوب؛ لا نَثِق بكلامه؛ لأنه
стр. 423
كذوب، قد يَكذِب علينا.
ولو جاءَنا رجُل عالِم، وصَدوق، لكنه سَيِّئُ الإرادة قد يَغُشُّ ويَقصِد ضَلال الخَلْق، هذا أيضًا لا نَثِق به؛ لأننا نَخْشَى أن يَغُشَّنا فيما قال.
ولو جاءَنا إنسان عالِم، وناصِح، وصَدوق، لكن ما يُحسِن يُعبِّر، مثل إنسان فارِسيٍّ لا يَعرِف باللغة العربية، وقام يُعبِّر باللغة العربية؛ فلا نَثِق بقوله؛ لأنه لا يُحسِن التعبير، فأحيانًا يَقول إذا أَراد أن يُضيف الضَّمير إلى نَفْسه: أنت أكَلْت. أي: أنه إذا أَراد أن يَقول: أنا أَكَلْتُ. يَقول: أنتَ أكَلْتَ. وإذا أَراد أن يَقول: أنت أكَلْتَ. يَقول: أنا أَكَلْتُ. فلا نَثِقُ بكلامه، لأنه قد يَقلِب الكلام؛ لأنه عَيِيٌّ.
لكن كلام اللَّه تعالى وكلام الرسول ﷺ اجتَمَعَت فيه صِفات القَبول الأَرْبَع؛ فلهذا يَجِب عَلينا أن نُؤْمِن بكل صِفة وَصَفَ اللَّه تعالى بها نَفْسَه.
فإن قال قائِل: الآية وما أَشبَهَها فيها نَفيُ الحَياء، والنَّفيُ ضِدُّ الإثبات، فكيف تَقول: إن في الآية إِثباتَ الحَياء؟ !
فالجَوابُ: مَنطوق الآيةِ ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، ومَفهومها: يَستَحْيِي من غير الحَقِّ؛ إذ لو لم يَكُن الأمر كذلك لكان نَفيُ الاستِحْياء عن الحقِّ لَغْوًا من القَوْل لا مَعنَى له.
ثُمَّ نَقول: إنه قد ثَبَتَتْ صِفة الحَياء للَّه بصيغة الإثبات، كما في الحَديث الذي في المُسنَد: "إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ" (١) فـ (حَيِيٌّ) فيها إثبات الحَياء للَّه .
стр. 424
فكُلُّ صِفة أَثبَتَها اللَّه تعالى لنَفْسه؛ فإنه يَجِب علينا أن نَأخُذها بالقَبول، ولكنَّنا نُنزِّهُ اعتِقادنا عن محَذورين عظيمَيْن وهما: التَّمثيل، والتَّكييف.
والتَّعبير بـ (التَّمثيل) أحسَنُ من التعبير بـ (التَّشبيه)؛ لأن هذا هو الذي نَفاه اللَّه تعالى عن نَفْسه؛ ولأن نَفيَ التَّشبِيه المُطلَق هذا ليس بصواب، كما ذَكَرْنا أنه ما من مَوْجودَيْن إلَّا ويَشتَرِكان في صِفة الوُجود، وإِنْ كانا يَتَبايَنان فيما تَقتَضِيه هذه الصِّفةُ في مُقتَضياتها ومُستَلزَماتها، وما من سَمِيعَيْن إلَّا ويَشتَرِكان في صِفة السَّمْع وإن كانا يَختَلِفان في مَلزوماتها ومُقتَضَياتها، وما مِن بَصِيرَين إلَّا ويَشتَرِكان في صِفة البَصَر، فيَكون بينهما مُشابَهة من بعض الوُجوه فيما يَشتَرِكان فيه؛ ولهذا فنَفيُ التَّمثيل هو الذي يَنبَغِي لنا -مَعشَرَ طلَبةِ العِلْم- أَنْ نُعبِّر به؛ لأنه هو الذي جاء في القُرآن وهو أَسلَمُ.
فإن قال قائِل: هل التَّعبيرُ بـ (تَشبيه) يَكون فيه قُصور، لا يُؤدِّي المَطلوب؟
فالجَوابُ: أنه لا يُؤدِّي المَطلوب، وفيه قُصور؛ لأنه بخِلاف تَعبير القُرآن، ولأن هذا أدَّى إلى أن تُنْكَر كثيرٌ من الصِّفات بهذه الدَّعوى؛ ولهذا شَيْخ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ ﵀ في العَقيدة الواسِطية لم يَقُلْ: من غير تَشبيه، قال: "مِن غَيْر تَحريف ولا تَعطِيل ولا تَكْيِيف ولا تَمثِيل" (١)، وهذا هو الأَوْلى.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يَتْرُكُ بَيانَه، وقُرِئ: "يَسْتَحى" بياءٍ واحِدة]، فـ (قُرِئ) تَعنِي: قِراءة شاذَّة؛ لأن قاعِدة المُفَسِّر ﵀ أنه إذا قال: (وَقُرِئَ)، فهي قِراءة شاذَّة بخِلاف ما إذا قال: (وفِي قِراءَةٍ)، أو قال: بالياء والنون، أو بالياء والتاء، وما أَشبَهَ ذلك؛ فهما قِراءَتان سَبْعِيَّتان.
стр. 425
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الفاعِل يَعود على الصَّحابة، والمَفعول يَعود على نِساء النبيِّ ﷺ ، وهُنَّ لم يَسْبِقْ لهُنَّ ذِكْر في الآية، لكن قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ يَدُلُّ على ذلك؛ لأن ساكِنَ بُيوت النبيِّ هُنَّ أزواجُ النَّبيِّ ﷺ .
يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أَزواجَ النبيِّ ﷺ ]: [أَيْ] هذه تَفسيرية، و [أَزْواجَ] عَطْفُ بَيان للهاء في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أزواجَ النبيِّ ﷺ ﴿مَتَاعًا﴾ المُراد بالمَتاع: ما يُتَمتَّع به من مَلابِسَ ومَطاعِمَ ومَشارِبَ وغيرِها، حتى الدراهِم تُعتبَر مَتاعًا، فكل ما يُتمتَّع به فهو مَتاع.
قوله المُفَسِّر ﵀: [﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ سِتْر] و (اسْأَلوهُنَّ) تَنصِب مَفعولَيْن؛ الأوَّل: الهاء في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، والثاني: محَذوف دلَّ عليه ما قَبْله، أي: فاسْأَلوهُنَّ المَتاع من وراء حِجاب.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ حِجاب بمَعنى سِتْر، وكلِمة ﴿مِنْ﴾ تَدُلُّ على أنَّ هذا السِّتْر لا بُدَّ أن يَنفَصِل، وأنه غير سَتْر الوَجْه أو البدَن بالثِّياب، بل هو سَتْرٌ آخَرُ: حِجاب، وحِجاب أُمَّهات المُؤمِنين غيرُ حِجاب نِساء المُؤمِنين؛ لأن حِجاب نِساء المُؤمِنين يَصِحُّ أن يَكون مُتَّصِلًا بالبَدَن كالخِمار والمِلحَفة، وما أَشبَهَهُما، أمَّا حِجاب أُمَّهات المُؤمِنين فإنه حِجاب آخَرُ مُنفَصِل يَحُول بين الرجُل وبين رُؤْية أُمَّهات المُؤمِنين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فتَدُلُّ على أنَّ هذا الحِجابَ مُنفَصِل عنِ المُسْتَتِر به، ومنه قوله تعالى عن الكُفَّار يَقول للرسول ﷺ : ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ لماذا قال: (ذَا) مُفرَد و (كَمْ) جَمْع، فكيف يَتلاءَمُ جَمْع مع مُفرَد؟