← Тафсир

Тафсир · id 150303

تفسير العثيمين: الأحزاب

ابن عثيمين

Полный текст (540 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

المُفَسِّر ﵀ هو الإخراجُ، يَعنِي لا يَستَحْيِي أن يُخرِجَكم، ولكن الصواب لا يَستَحي أن يُبيِّن لكم ما يَلزَمكم فتَخرُجوا. ثُمَّ قال المُفَسِّر عفا اللَّه عنه: [أي: لا يَتْرُك بَيانَه]، أي: لا يَترُك بَيان الحَقِّ، وهذا من التَّحريف؛ حيث فسَّر الحَياء بلازِمه وهو التَّرْك؛ لأن من لازِم الحَياء من الشيء أن يَدَعه حَياءً منه، فالمُفَسِّر ﵀ فسَّر الحَياءَ بلازِمِه وهو التَّرْك، أي: لا يَترُك بَيان الحَقِّ، وفي قوله: لا يَتْرُك بَيان الحَقِّ. مع قوله: [﴿لَا يَسْتَحْيِي﴾ أن يُخرِجَكم] هناك شيء من التَّناقُض؛ لأنه جعَل المُستَحْيَا منه هنا بيانَ الحَقِّ وجعَله في القول الأوَّلِ الإخراجَ، والصواب قوله الثاني، أي: لا يَستَحي من بَيان الحَقِّ، لكن تَفسيره الاستِحياءَ بالتَّرْك هذا باطِل؛ لأنه خِلاف ظاهِر اللَّفْظ. والواجِبُ عَلَيْنا فيما يَتعَلَّق بأَسماء اللَّه وصِفاته: أن نُجْرِيَها على ظاهِرها اللائِق باللَّه ، مُعتَقِدين أنه لا مَثيلَ له في هذه الصِّفَةِ، ومُبتَعِدين عن تَكليفها، أمَّا وُجوب إِجْرائها على ظاهِرها؛ فلأن اللَّه تعالى خاطَبَنا بلِسان عرَبيٍّ مُبِين، ولو أَراد خِلاف ذلك الظاهِرِ لكان التَّعبيرُ بهذا الذي يُفيد ظاهِرُهُ الكُفْرَ أو التَّمثيلَ خِلافَ البَيان، واللَّه يَقول: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦]، فكيف يُعبِّر ﵎ أو يَتكَلَّم بما هو خِلاف البَيان فيما يُعتَبَر صميمَ العَقيدة، وهو ما يَتعَلَّق بأسماء اللَّه تعالى وصِفاته؟ ! ولهذا كان طريقُ هَؤلاء المُنحَرِفين من أبلَغِ ما يَكون طَعْنًا في كلام اللَّه ، بل من أَبلَغِ ما يَكون طَعْنًا في اللَّه تعالى نَفْسه؛ إذ إن طَريقَتَهم تَستَلْزِم أن يَكون اللَّه لم يُبيِّن الحقَّ فيما يَتعَلَّق بأسماء اللَّه تعالى وصِفاته، وجعَل الحَقَّ مَوْكولًا إلى ما تَقتَضِيه عُقولهم، ويُحاوِلون بعد ذلك أن يَرُدُّوا كلام اللَّه وكلام رسوله ﷺ إلى ما تَقتَضيه هذه العُقولُ الفاسِدةُ المُتَناقِضةُ، والطريق الأَسلَمُ والأَعلَمُ والأَحكَمُ هي

стр. 422

طريق السَّلَفِ، أن تَأخُذ كلام اللَّه تعالى ورسوله ﷺ على ظاهِره؛ لأَنَّنا: ١ - نَعلَم عِلْم اليَقين أنه لا أَحَدَ أَعلَمُ باللَّه تعالى من نَفْسه، ولا أحَدَ من الخَلْق أَعلَمُ باللَّه تعالى من رَسول اللَّه ﷺ . ٢ - ونَعلَم أيضًا أنه لا أَحَدَ أصدَقُ كَلامًا من اللَّه تعالى، ولا أحَدَ من المَخلوقين أصدَقُ كلامًا من رسول اللَّه ﷺ ، وهذا ثابِت أيضًا. ٣ - والأَمْر الثالِث: نَعلَم أنه لا أَحَدَ أوضَحُ بيانًا في كلامه من اللَّه ﵎، ولا أحَدَ من المَخلوقين أَعظَمُ بيانًا من رسول اللَّه ﷺ . ٤ - نَعلَم أيضًا أنه لا أحَدَ أَصَحُّ إرادةً وقصدًا من اللَّه ؛ فإن اللَّه تعالى ما أَراد من عِباده إلَّا أن يُبيِّن لهُمُ الحَقَّ، وكذلك بالنِّسبة لرسول اللَّه ﷺ لا نَعلَم أحَدًا أَنصَحَ منه للخَلْق، وأصدَقَ إرادةً في بيان الحَقِّ. فإذا تَمَّت هذه الأمورُ الأربعةُ في أيِّ كلام يَكون: صار ما يَدُّل عليه ظاهِره هو المرادَ الذي يَجِب علينا أن نَأخُذ به، فهذه أمور أَرْبعة إذا اجتَمَعَت في الكلام صار الكلام واجِبَ الأَخْذ بظاهِره؛ وهذه الأمورُ الأربعةُ هي: العِلْم والقَصْد والصِّدْق والبَيان. وضِدُّها لا يُؤخَذ ولا يُعتَبَر، فلو جاء إنسانٌ جاهِلٌ يَتكَلَّم لك بكَلام من أَفصَحِ البيان، وهو رجُل نَعرِف أنه من أَنصَحِ الخَلْق، وأصدَقِهم؛ لا تَثِق بقوله. ولو جاء رجُل يَتكَلَّم عن الطِّبِّ، ونحن نَعلَم أنه لم يَدرُس الطِّبَّ أبَدًا، وقام يَشرَح لنا الطِّبَّ؛ لا نَثِق به؛ لأنه جاهِل. ولو جاء عالِم نَعرِف أنه عالِم بما يَتَكلَّم به، لكنه كَذُوب؛ لا نَثِق بكلامه؛ لأنه

стр. 423

كذوب، قد يَكذِب علينا. ولو جاءَنا رجُل عالِم، وصَدوق، لكنه سَيِّئُ الإرادة قد يَغُشُّ ويَقصِد ضَلال الخَلْق، هذا أيضًا لا نَثِق به؛ لأننا نَخْشَى أن يَغُشَّنا فيما قال. ولو جاءَنا إنسان عالِم، وناصِح، وصَدوق، لكن ما يُحسِن يُعبِّر، مثل إنسان فارِسيٍّ لا يَعرِف باللغة العربية، وقام يُعبِّر باللغة العربية؛ فلا نَثِق بقوله؛ لأنه لا يُحسِن التعبير، فأحيانًا يَقول إذا أَراد أن يُضيف الضَّمير إلى نَفْسه: أنت أكَلْت. أي: أنه إذا أَراد أن يَقول: أنا أَكَلْتُ. يَقول: أنتَ أكَلْتَ. وإذا أَراد أن يَقول: أنت أكَلْتَ. يَقول: أنا أَكَلْتُ. فلا نَثِقُ بكلامه، لأنه قد يَقلِب الكلام؛ لأنه عَيِيٌّ. لكن كلام اللَّه تعالى وكلام الرسول ﷺ اجتَمَعَت فيه صِفات القَبول الأَرْبَع؛ فلهذا يَجِب عَلينا أن نُؤْمِن بكل صِفة وَصَفَ اللَّه تعالى بها نَفْسَه. فإن قال قائِل: الآية وما أَشبَهَها فيها نَفيُ الحَياء، والنَّفيُ ضِدُّ الإثبات، فكيف تَقول: إن في الآية إِثباتَ الحَياء؟ ! فالجَوابُ: مَنطوق الآيةِ ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾، ومَفهومها: يَستَحْيِي من غير الحَقِّ؛ إذ لو لم يَكُن الأمر كذلك لكان نَفيُ الاستِحْياء عن الحقِّ لَغْوًا من القَوْل لا مَعنَى له. ثُمَّ نَقول: إنه قد ثَبَتَتْ صِفة الحَياء للَّه بصيغة الإثبات، كما في الحَديث الذي في المُسنَد: "إِنَّ اللَّهَ حَيِيٌّ كَرِيمٌ" (١) فـ (حَيِيٌّ) فيها إثبات الحَياء للَّه .

стр. 424

فكُلُّ صِفة أَثبَتَها اللَّه تعالى لنَفْسه؛ فإنه يَجِب علينا أن نَأخُذها بالقَبول، ولكنَّنا نُنزِّهُ اعتِقادنا عن محَذورين عظيمَيْن وهما: التَّمثيل، والتَّكييف. والتَّعبير بـ (التَّمثيل) أحسَنُ من التعبير بـ (التَّشبيه)؛ لأن هذا هو الذي نَفاه اللَّه تعالى عن نَفْسه؛ ولأن نَفيَ التَّشبِيه المُطلَق هذا ليس بصواب، كما ذَكَرْنا أنه ما من مَوْجودَيْن إلَّا ويَشتَرِكان في صِفة الوُجود، وإِنْ كانا يَتَبايَنان فيما تَقتَضِيه هذه الصِّفةُ في مُقتَضياتها ومُستَلزَماتها، وما من سَمِيعَيْن إلَّا ويَشتَرِكان في صِفة السَّمْع وإن كانا يَختَلِفان في مَلزوماتها ومُقتَضَياتها، وما مِن بَصِيرَين إلَّا ويَشتَرِكان في صِفة البَصَر، فيَكون بينهما مُشابَهة من بعض الوُجوه فيما يَشتَرِكان فيه؛ ولهذا فنَفيُ التَّمثيل هو الذي يَنبَغِي لنا -مَعشَرَ طلَبةِ العِلْم- أَنْ نُعبِّر به؛ لأنه هو الذي جاء في القُرآن وهو أَسلَمُ. فإن قال قائِل: هل التَّعبيرُ بـ (تَشبيه) يَكون فيه قُصور، لا يُؤدِّي المَطلوب؟ فالجَوابُ: أنه لا يُؤدِّي المَطلوب، وفيه قُصور؛ لأنه بخِلاف تَعبير القُرآن، ولأن هذا أدَّى إلى أن تُنْكَر كثيرٌ من الصِّفات بهذه الدَّعوى؛ ولهذا شَيْخ الإسلام ابنُ تَيميَّةَ ﵀ في العَقيدة الواسِطية لم يَقُلْ: من غير تَشبيه، قال: "مِن غَيْر تَحريف ولا تَعطِيل ولا تَكْيِيف ولا تَمثِيل" (١)، وهذا هو الأَوْلى. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ أي: لا يَتْرُكُ بَيانَه، وقُرِئ: "يَسْتَحى" بياءٍ واحِدة]، فـ (قُرِئ) تَعنِي: قِراءة شاذَّة؛ لأن قاعِدة المُفَسِّر ﵀ أنه إذا قال: (وَقُرِئَ)، فهي قِراءة شاذَّة بخِلاف ما إذا قال: (وفِي قِراءَةٍ)، أو قال: بالياء والنون، أو بالياء والتاء، وما أَشبَهَ ذلك؛ فهما قِراءَتان سَبْعِيَّتان.

стр. 425

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ الفاعِل يَعود على الصَّحابة، والمَفعول يَعود على نِساء النبيِّ ﷺ ، وهُنَّ لم يَسْبِقْ لهُنَّ ذِكْر في الآية، لكن قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ يَدُلُّ على ذلك؛ لأن ساكِنَ بُيوت النبيِّ هُنَّ أزواجُ النَّبيِّ ﷺ . يَقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أَزواجَ النبيِّ ﷺ ]: [أَيْ] هذه تَفسيرية، و [أَزْواجَ] عَطْفُ بَيان للهاء في قوله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ أي: أزواجَ النبيِّ ﷺ ﴿مَتَاعًا﴾ المُراد بالمَتاع: ما يُتَمتَّع به من مَلابِسَ ومَطاعِمَ ومَشارِبَ وغيرِها، حتى الدراهِم تُعتبَر مَتاعًا، فكل ما يُتمتَّع به فهو مَتاع. قوله المُفَسِّر ﵀: [﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ سِتْر] و (اسْأَلوهُنَّ) تَنصِب مَفعولَيْن؛ الأوَّل: الهاء في قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، والثاني: محَذوف دلَّ عليه ما قَبْله، أي: فاسْأَلوهُنَّ المَتاع من وراء حِجاب. وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ حِجاب بمَعنى سِتْر، وكلِمة ﴿مِنْ﴾ تَدُلُّ على أنَّ هذا السِّتْر لا بُدَّ أن يَنفَصِل، وأنه غير سَتْر الوَجْه أو البدَن بالثِّياب، بل هو سَتْرٌ آخَرُ: حِجاب، وحِجاب أُمَّهات المُؤمِنين غيرُ حِجاب نِساء المُؤمِنين؛ لأن حِجاب نِساء المُؤمِنين يَصِحُّ أن يَكون مُتَّصِلًا بالبَدَن كالخِمار والمِلحَفة، وما أَشبَهَهُما، أمَّا حِجاب أُمَّهات المُؤمِنين فإنه حِجاب آخَرُ مُنفَصِل يَحُول بين الرجُل وبين رُؤْية أُمَّهات المُؤمِنين؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ فتَدُلُّ على أنَّ هذا الحِجابَ مُنفَصِل عنِ المُسْتَتِر به، ومنه قوله تعالى عن الكُفَّار يَقول للرسول ﷺ : ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ [فصلت: ٥]. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ لماذا قال: (ذَا) مُفرَد و (كَمْ) جَمْع، فكيف يَتلاءَمُ جَمْع مع مُفرَد؟

стр. 426

الجَوابُ: لاختِلاف المَرجع، فاسمُ الإشارة يَعود على المُشار إليه، والكاف للخِطاب يَعود على المُخاطَب، فقد يَكون المُشار إليه مُفرَدًا والمُخاطَب جَمْعًا كما هنا: ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي: المَذكور والخِطاب للصَّحابة ﵃. وقوله ﵎: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾: ﴿أَطْهَر﴾ يَعنِي: أَبلَغ في طُهْر القُلوب لقُلوبكم أيُّها السائِلون ﴿وَقُلُوبِهِنَّ﴾ أي: المَسؤُولات، قال ﵀: [من الخَواطِر المُريبة] وانْظُرْ! فهذا الخِطابُ للصحابة وهُمْ أَطهَرُ هذه الأُمَّةِ قُلوبًا في جانِب نِساء النبيِّ ﷺ ، وهنَّ أَعظَمُ النساء عِفَّةً وبُعدًا عن الَمكروه، فإذا كان هذا الخِطابُ في مِثْل هؤلاء القَوْمِ لهؤلاءِ النِّساءِ، فما بالُكَ بمَن سِواهُم، إذا كان احتِمال تَدَنُّس القَلْب بمُخاطَبة المرأة من دون حِجاب وارِدًا في مثل هؤلاءِ القَوْمِ، فما بالُكَ فيمَن دونَهم بمَراحِلَ لا في الزمَن ولا في الرُّتْبة؟ ! يَكون هذا أشدَّ وأشَدَّ؛ ولذلك يُنكَر إنكارًا عظيمًا على مَن قال: إن الحِجاب خاصٌّ بأُمَّهات المُؤمِنين؛ فمِن أين الخُصوصية؟ ! فإذا كان اللَّه تعالى علَّل بأنه أَطهَرُ لقُلوبهم، أي: قُلوب المُخاطَبين والمُخاطَبات، وهُنَّ -بلا شَكٍّ- أطهَرُ النساء وأَعفُّهُنَّ، وكذلك الذين يُخاطِبونهنَّ خير الناس كما جاء في الحديث: "خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي" (١) فما بالُكَ بمَن دُونَهم؛ فاحتِمال تَنَجُّس القَلْب من مخُاطَبة المرأة بدون حِجاب فيمَن بعد الصحابة أَقرَبُ وأقرَبُ بكثير، وإذا كان هذا باعتِبار الصحابة مع زوجاتِ الرسول ﷺ فغَيرُهم مع نِساء دُونَهُنَّ بكثير من بابِ أَوْلى.

стр. 427

وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ المُفَسِّر ﵀ يَقول: [مِن الخَواطِر المُريبة] الخَواطِر التي تَرِدُ على القَلْب والخَواطِر التي تَرِد على القَلْب إذا لم يَطمَئِنَّ الإنسان إليها ويَستَرسِل معها فإنه لا يُعاقَب عليها؛ لأنها من حديث النَّفْس، بل هي ممَّا يَصُولُ عن النَّفْس، والتَّحرُّز منها أشَدُّ؛ لأن الرسول ﷺ ثبَتَ عنه أنه قال: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهَا أَنْفُسُهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتكَلَّمْ" (١)، فإذا كان هذا في حديث النَّفْس، فما بالُك بما يَهْجُم على النَّفْس بدون قَصْد؟ إِذْ يَكون قصد العَفْو عنه من بابِ أَوْلى. فالخَواطِر التي تَرِد على القَلْب إذا لم يَسْتَرْسِل معها الإنسان ويَطمَئِنَّ إليها فإنها لا تَضُرُّه، سواءٌ كانت هذه الخَواطِرُ فيما يَتَعلَّق بجلال اللَّه أو فيما يَتَعلَّق برَسوله ﷺ ، أو فيما يَتَعلَّق بشَهْوة النَّفْس وإراداتها، فإنها لا تَضُرُّ الإنسان بشَرْط ألَّا يَستَرْسِل، بل إن هذه الخَواطِرَ ما تَرِد إلَّا على قَلْب سَليم، يُهاجِم الشَّيْطان بها القَلْب حتى يُفْسِده؛ ولهذا لمَّا شَكا الصحابة إلى النبيِّ ﷺ مِثْل هذه الخَواطِرِ، قال: "أَوَجَدْتُمْ ذَلِكَ" قالوا: نعم. قال: "ذَلِكَ صَرِيحُ الْإِيمَانِ" (٢)، يَعنِي: خالِصهُ؛ لأن الشيطان لا يَهجُم على قَلْب فاسِد، وإنما يَهجُم على القُلوب الصالحِة ليُفسِدها، ودواءُ ذلك أن تَستعيذَ باللَّه تعالى من الشَّيْطان الرجيم، وأن تَنتَهيَ، وأن تُثنِيَ على اللَّه بما هو أَهْلُه، فتَقول: اللَّه أحَدٌ صمَدٌ لم يَلِد، ولم يُولَد، ولم يكن له كُفوًا أحَد، استِجارةً باللَّه تعالى وانتِهاءً، ووصفًا للَّه تعالى بالكَمال، وبعد ذلك تَزول عنك شيئًا فشيئًا.

стр. 428

وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ﴾ الخِطاب للصَّحابة ﵃، وكذلك مَن بَعدَهم من بابِ أَوْلى؛ (مَا كَانَ لَكُمْ)، ومِثْل هذه العِبارةِ تَدُلُّ على المُمتَنِع غايةَ الامتِناع؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ بشَيْء] ولم يُبيِّنها، يَعنِي: لا يَصلُح ولا يَستَقيم، ولا يُمكِن لكم أن تُؤذوا رسول اللَّه ﷺ . ومِثْل هذا التَّعبير يَدُلُّ على امتِناع الشيء مثل قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ [المؤمنون: ٩١] المَعنَى أن ذلك مُمتَنِع لا يَصلُح ولا يَستَقيم، فكلُّ مُؤمِن لا يُمكِن في حَقِّه ولا يَستَقيم ولا يَصلُح في حَقَّه أن يُؤذِيَ رسول اللَّه ﷺ لا بالقول ولا بالفِعْل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾، وأَذِيَّة الرسول ﷺ من أعمال المُشرِكين، فهُمُ الذين يُؤذون الرسول ﷺ بالقَوْل وبالفِعْل. وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥٣]، وهنا قال: ﴿أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، وأوَّلُ آية يَقول: ﴿النَّبِيِّ﴾ إشارةً إلى أن الرسول ﷺ شَرُفَ لعِظَمَ مَن أَرسَله وهو اللَّه تعالى، فلمَّا كان رسول اللَّه ﷺ فلا يُمكِن أن يُؤذَى؛ لأنه رسول من عِند اللَّه ﵎، أَذِيَّة الرسول ﵊ في حَياته ما يَتَّصِل بشَخْصه، وأَذِيَّة الرسول ﷺ بعد مَماته ما يَتَّصِل بسُنَّته، فإنه لا يَنبَغي ولا يَصلُح لأيِّ مُؤمِن أن يَقول في سُنَّة الرسول ﵊ على وَجْهٍ يَتَأذَّى به الرسول ﷺ مثل رَدَّها وتَحريفها وما أَشبَهَ ذلك، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾. إِذَنْ: هل نَجلِس مُستَأنِسين للحديث بعد الطَّعام، يَعنِي: في حقِّ الرسول ﵊؟

стр. 429

الجَوابُ: لا؛ لأن اللَّه تعالى قال: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، إِذَنْ: ما كان لنا أن نَجلِس ما دام فيه أذِيَّةٌ للرسول ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ يَعنِي: وما كان لكم أن تَنْكِحوا أزواجَه من بعدِه أبَدًا؛ وقوله تعالى: ﴿تَنْكِحُوا﴾ المُراد بالنِّكاح هنا العَقْد، يَعنِي: لا يُمكِن أن تَعقِدوا على أزواجه من بَعْده، وكلُّ نِكاح في القُرآن فإنه بمَعنَى العَقْد، خِلافًا لمَن قال: كلُّ نِكاح في القُرآن فهو بمَعنَى الوَطْء إلَّا قولَه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]، والصَّوابُ: أن كل نِكاح في القرآن فإنه بمَعنَى العَقْد، وأمَّا مَن قال: إنه بمَعنَى الجِماع إلَّا في الآية هذه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فليس بصحيح. وقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجَهُ﴾ تَكون المَرأة زَوْجة للإنسان بالعَقْد عليها. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد مُفارَقته لها، ومُفارَقة النبيِّ ﷺ لها تَكون بالحياة وتَكون في الموت، والمُفارَقة في الحَياة تَكون قبل الدُّخول وبعد الدُّخول، فهاهنا ثلاثُ حالات: الحالُ الأُولى: مَن فارَقَها بمَوْته، فهذه لا تَحلُّ لأَحَد من بعده بالإِجْماع، ولم يُخالِف في ذلك أحَدٌ. الحال الثانِية: مَن فارَقها في حياته بدون دُخول، فهذه تَحِلُّ، ولا نِزاعَ فيها كما ذكَرَه ابنُ كثيرٍ ﵀ في التفسير (١).

стр. 430

الحال الثالِثة: مَن فارَقَها في حياته بعد دُخوله بها، فهذه مَوضِع خِلاف بين أَهْل العِلْم. فمِنهم مَن قال: إنها تَحِلُّ. ومِنهم مَن قال: إنها لا تَحِلُّ. وعلى هذا الرأي الذي يَقول: إنها لا تَحِلُّ؛ يَقول: إنه يَصْدُق عليها أنها زَوْجته، وأنها من بعده، ولولا أنَّ مَنْ عَقَدَ عليها ثُمَّ فارَقها قبل الدُّخول لولا الإجماعُ لقُلنا أيضًا لا تَحِلُّ لمَن بعدَه. فصارتِ الأَحوالُ ثَلاثةً: مَن فارَقها بموته فهذه لا تَحِلُّ بالإجماع، ومَن فارَقها في حَياته قبل الدُّخول بها فهذه جائِزة تَحِلُّ لغيره، قال ابنُ كَثير ﵀: لا نِزاعَ في ذلك. ومَن فارَقها في حَياته بعد الدُّخول بها ففيها خِلاف بين العُلَماء ﵏، منهم مَن قال: إنها تَحِلُّ. ومِنهم مَن قال: إنها لا تَحِلُّ. فائِدةٌ: لا نَعلَم أن أحَدًا تَزوَّج زوجة للرسول ﷺ بعدَ الدُّخول بها. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ﴾ المُشار إليه: إيذاءُ النبيِّ ﷺ ونِكاحُ زوجاته مِن بَعدِه. وقوله تعالى: ﴿كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾: ﴿كَانَ﴾ هنا مُسلوبة الدَّلالة على الزمَن، والمُراد إثبات عِظَم ذلك عند اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، وفي كَوْن هذا الأمرِ عَظيمًا عند اللَّه دليلٌ على حِماية اللَّه لرسوله ﷺ ، ولا سيَّما فيما يَتعَلَّق بالنِّكاح؛ ولهذا قال اللَّه في قِصَّة الإِفْك: ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥]. فهُنا قال : ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ عَظيمًا أي: في إِثْمه وجُرْمه.

стр. 431

وعلى هذا فالعِظَمُ مَعناهُ: عِظَم الشيء، يَعنِي: كِبَره، وهو شامِل لما يَكون مَدْحًا، ولما يَكون ذَمًّا، فهنا كان عند اللَّه عَظيمًا في إِثْمه قال: [فيُجازِيكم عليه] على حسَب الذَّنْب الذي قُمْتم به؛ لأن الجَزاء من جِنْس العمَل، ونِكاح زَوْجات الرسول ﷺ من بَعدِه عَظيم عن اللَّه تعالى. وقد حذَّر تعالى من مخُالَفة ذلك في قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [الأحزاب: ٥٤]، والجُمْلة هُنا شَرْطية و ﴿شَيْئًا﴾ نَكِرة في سِياق الشَّرْط، فتَكون دالَّةً على العُموم: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [في نِكاحِهِنَّ بَعدَهُ]، والصَّوابُ في الآية عدَمُ التَّقييد، وأنها عامَّة في كل شيء، في نِكاح زوجات النَّبيِّ ﷺ بعده وفي غَير ذلك. وقوله تعالى: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ يَعنِي: فلا تُظهِروه لأَحَد، تُخفُوه في أَنفُسكم، أو تُخفوه فيما بينكم وبين أقارِبكم؛ لأن الإِخْفاء أو الإِظْهار أمرٌ نِسبِيٌّ، أشَدُّه ما أَخفاه الإنسان في نَفْسه، ثُمَّ ما أَظهَره لذَوِيه وأصحابه وأَخْفاه عن غيره، ثُمَّ ما أَظهَره لأهل بلَده، ثُمَّ ما أَظهَره لعُموم الناس، وأيًّا كان فإن كل ما أَبداه الإنسان أو أَخفاه ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٤]. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ الجُملة هنا جَواب الشَّرْط، واقتَرَنَت بالفاءِ؛ لأنها جُملة اسمِيَّة، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ﴾ فهي جُملة اسمِيَّة وإن قُرِنت بـ (إنَّ) الدالَّة على التَّوْكيد، ووجهُ ارتِباطها بما قَبْلها -أي: بفِعْل الشَّرْط-: أنه إذا كان اللَّه تعالى عالِمًا به، فسَوْف نُجازِيكم عليه؛ إن خَيرًا فخَير، وإن شرًّا فشَرٌّ.

стр. 432

من فوائد الآيتين الكريمتين: الْفَائِدَة الأُولَى: في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ أنه لا يَحِلُّ لأحَد من المُؤمِنين أن يَدخُل بُيوت النَّبيِّ ﵊ إلَّا بالشُّروط المَذكورة؛ لقوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا﴾، والأصل في النَّهي التَّحريم حتى يَقوم دليلٌ على أنه لغَيْر التَّحريم، ويُؤيِّد التَّحريم هنا أن هذا يَتعَلَّق بحقِّ الآدَميِّ، وما كان مُتعلِّقًا بحَقِّ الآدَميِّ فإنه لا يُسامَح فيه. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإضافة تَكون لأَدْنى مَلابَسة؛ فإضافة الشيء إلى الشيء تَكون لأَدْنى مُلابَسة، سواءٌ كان ذلك على صِفة المِلْكِيَّة أو الاخْتِصاصيَّة أو الصُّحْبة أو القُرْب أو غير ذلك؛ ولهذا من قَواعِدهم المَعروفة: أنَّ الإضافة تَكون لأَدْنى مُلابَسة، لكن لا بُدَّ أن يَكون بين المُضاف والمُضاف إليه شيء من الارتباط؛ تُؤخَذ هذه من قوله تعالى: ﴿بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾؛ لأن إضافتَها إلى النبيِّ ﵊ باعتِبارها مَأواهُ، وإلَّا فهي مِلْك لزوجاته على القولِ الراجِح. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الإِذْن بالدُّخول مُعْتَبر، سواء كان من صاحِب البَيْت أو مِمَّن أَنابَهُ؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾، ولم يَقُل: إلَّا أن يَأذَن لكم -أي: النبيُّ- فإذا أُذِن للإنسان للدُّخول سواءٌ كان من صاحِب البَيْت أو من خادِمه أو من ابنِه أو ما أَشبَه ذلك جاز الدُّخول، وهل يُستَفاد من جَواز الدُّخول إذا وَجَدْت الباب مَفتوحًا وقد كان بينَك وبين صاحِبك وَعْد؟ الجَوابُ: إن قُلْنا بأن الإِذْن العُرفيَّ كالإِذْن اللَّفْظيِّ فهو مُستَفاد من ذلك، ويُؤيِّد هذا قولُه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧]، فإن الاستِئْناس -وهو الاطْمِئْنان- يَشمَل الاستِئْذان

стр. 433

باللَّفْظ والاستِئْذان بالفِعْل والعُرْف. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه يَجوز دُخول بُيوت النبيِّ ﵊ بهذه الشُّروطِ: الإِذْن، وألَّا يَكون ذلك بانتِظار نُضْج الطعام؛ لما في المُفاجأة من الإيذاء؛ لأنه إذا نَضِج طعامُك ثُم جاء إنسان يَستَأذِن صار في هذا نوعٌ من الإيذاء؛ لأنك إن منَعْته شقَّ عليك، وإن أَذِنْت له شقَّ عليك أيضًا، فلهذا لا يَجوز الدُّخول لمُنتَظِر نُضْج الطعام. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحريم التَّطفُّل؛ لأن الطُّفَيْليَّ عادَتُه أنه يَنتَظِر متى يُقدَّم الطعام، فإذا قُدِّم الطعام استَأذَن أو هجَم هُجومًا بدون استِئْذان؛ لأنه قَبْل أن يَنضَج الطعام ويُقدَّم يُمكِن أن يَدخُل، ثُم يُقال له: اخْرُجْ. لكن بعد أن يُقدَّم الطعام لا بدَّ أن يَأكُل. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: مَشروعية إجابة الدَّعوة؛ لقوله ﵎: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾، وهل يُستَفاد منها دُخول الإنسان المَدعوِّ وإن لم يُؤذَن له إذا وَجَد الباب على هَيْئة تَدُلُّ على الإِذْن؟ الجَوابُ: نعَمْ، وهو واضِح؛ لأنه تعالى قال: ﴿إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾ ولم يَقُل: إذا دُعيتم فأَجيبوا، والدُّخول أخَصُّ، وعلى هذا فإذا كنتُ مَدعُوًّا وحَضَرْتُ إلى الباب فلي أن أَدخُل إذا عَلِمْنا بالقَرينة أن الباب قد وُضِعَ مَوضِع الإِذْن، كما لو كان مَفتوحًا. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الإنسان يَنبَغي له إذا قضَى حاجته من الطعام أن يَنصَرِف؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾، وهذا كما أنه في بُيوت النبيِّ ﷺ فهو أيضًا في بُيوت غيره. فإن الأَفضَل لمَن دُعِيَ إلى طعام أنه إذا طَعِم أن يَنْتشِر؛ لأن بَقاءَه قد يَشُقُّ على

стр. 434

صاحِب البَيْت؛ ولأن الحاجة التي جاء من أَجْلها قد انتَهَت، وإذا تَأمَّلْت الشريعة وجَدت أن الإنسان من حُسْن أدَبه وسُلوكه أنه كلَّما فرَغ من حاجته التي يُريد: يَنتَهي منها ويَنصَرِف إلى حاجاتٍ أخرى؛ ولهذا قال النبيُّ ﵊ في المُسافِر: "إِذَا قَضَى حَاجَتَهُ فَلْيَعْجَلْ إِلَى أَهْلِهِ وَلَا يَنْتَظِرْ" (١). ولو أننا حَفِظْنا أوقاتَنا بِمِثْل هذا الأدَبِ لكانت أَوْقاتُنا مُبارَكةً، لكن تَجِدنا نُضِيِّع أَوْقاتَنا، ولَسْنا نُراعِي هذه الحالَ، أنه كلَّما انتَهَى الشُّغْل لا نَنتَظِر، بل نَمشِي إلى شُغْل آخَرَ، كما قال اللَّه : ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨]، فلا تُضيِّعِ الوقتَ. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن مَن دخَل بُيوت النبيِّ ﷺ بدَعوة، ثُمَّ طَعِمَ فإنه لا يَجلِس للحديث؛ لقوله ﵎: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾، وهذا فَوْق قَولِه تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾؛ لأن ذلك أَمْر، أمَّا هذا فنَهيٌ، يُنهَى أن يَبقَى هؤلاءِ المَدعُوُّون مُستَأنِسين للحديث بعد فَراغهم من الطعام. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن هذا الحُكمَ إنما يَكون في حال تَأذِّي صاحِب البيتِ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾ أمَّا إذا كان لا يَتأذَّى به بل يُسَرُّ به، بل قد يَكون بطلَبه، فإذا فرَغ من الطعام قال: انتَظِروا، اجلِسوا نَستَأنِس، ونَتحَدَّث، فإن هذا ليس مَنهيًّا عنه، بل جائِز، ولا بأسَ به؛ لأن القاعِدة عند أهل العِلْم ﵏: أنَّ الحُكْم يَدور مع عِلَّته وُجودًا وعدَمًا، فإذا وُجِدَتِ العِلَّة وُجِد المعلول، وإذا انتَفَتِ العِلَّةُ انتَفَى المَعلول.

стр. 435

الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن النبيَّ ﷺ كغَيْره من البشَر يَتَأذَّى كما يَتَأذَّى غيره؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾، لكنه يَختَلِف عن غيره في قُوَّة صَبْره وتَحمُّله ﷺ ، بخِلاف غيره من البشَر فإن غيرَه لا يَصبِر ويَسأَم ولا يَتحَمَّل كما يَتحَمَّل النبيُّ ﷺ ؛ ولهذا كان الرسولُ ﷺ يَتَأذَّى من بَقائِهم مُستَأنِسين لحديث ولا يَنهاهُم حتَّى نَهاهُمُ اللَّه . الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: عِناية اللَّه بنَبيِّه ﷺ وذلك بالدِّفاع عن كل ما يُؤذِيه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: كمال حَياء الرسول ﵊ وكَرَمه؛ لقوله تعالى: ﴿فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ﴾، وإنما كان يَستَحيِي لشِدَّة حَيائِه، فإنه كما وُصِف: أَحْيَى من العَذراء في خِدْرها (١)، و"الَحيَاءُ مِنَ الْإِيمَانِ" (٢) كما ثبَتَ به الحديث عن النبيِّ ﷺ ، وهو أيضًا دَليل على كرَمه؛ لأن الكريمَ يَستَحيِي أن يُخجِل أَضيافه بقَوله: اخرُجوا! أو يُخجِلهم بالتَّبرُّم مِنهم والتَّكَرُّه لتَصرُّفهم؛ فلهذا كان الرسول ﷺ يُعامِلهم وكأنه مَسرور منهم حتى بيَّن اللَّه تعالى ذلك للصَّحابة. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أن القُرآن شامِلٌ لكلِّ شَيءٍ، يَعنِي حتى آداب الدُّخول والجُلوس والطَّعام وما أَشبَه ذلك قد بيَّنه القُرآن، فيَكون في ذلك إيضاحٌ؛ لقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: ٨٩].

стр. 436

ودَلالةُ القُرآن على الأشياءِ نَوْعان: دَلالة عَيْنِيَّة: بمَعنى أنها تَدُلُّ على الشيءِ بِعَيْنه وهذا واضِح. ودَلالة شُمول: لَفْظيٍّ أو مَعنَوِيٍّ. فالشُّمول اللَّفظيُّ: بمَعنَى أنه يَكون اللَّفْظ عامًّا في صِيغته يَشمَل كلَّ ما يَحتَمِله ذلك اللَّفظُ من المَعنى. والعُموم المَعنويُّ: هو ما يُعرَف عند أهل العِلْم بالقِياس؛ لأنه يَكون المَقِيسُ والمَقِيسُ عليه مُتَّفِقَيْن في العِلَّة، فيَكون بينهما عُموم في المَعنَى. فدَلالة القُرآن على هذا الشيءِ تَكون على هذا الوَجْهِ، إمَّا دَلالة لَفْظية، وإمَّا دَلالة مَعنَويَّة بالشُّمول اللَّفْظيِّ أو المَعنَويِّ. وهُناك أيضًا دَلالة الالتِزام وهي مُتفَرِّعة أو داخِلة فيما ذكَرنا من الدَّلالتين. فإن قُلت: يَرِدُ عليك أنه لا يُوجَد في القُرآن مِقْدار أَنصِبة الزكاة ولا مِقْدار الواجِب، ولا يُوجَد عدَد الركعات، ولا مِقدار ما يُسَنُّ فيها من الذِّكْر، فما هو الجوابُ؟ فالجَوابُ: أن السُّنَّة قد بَيَّنت ذلك، وقد أمَرنا اللَّه تعالى في كِتابه أن نَأخُذ بما جاء عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧]، فقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ يَشمَل ما آتانا من المال، وما آتانا من العِلْم، والعِلْم يُسمَّى إيتاءً، قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٥٦]، فكما أن إِعْطاء المال يُسمَّى إيتاءً فإعطاء العِلْم أيضًا يُسمَّى إيتاءً، فقَوْله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ [الحشر: ٧] يَشمَل ما آتانا من المال وما آتانا من

стр. 437

العِلْم، وكذلك قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]؛ وكلُّ هذا يَدُلُّ على أن ما جاءت به السُّنَّة فهو ممَّا جاءَ به القُرآن. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: وَصْفُ اللَّه تعالى بالحَياء، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ وَجهُ الدَّلالة أنه لو كان اللَّه لا يُوصَف بالحَياء ما صَحَّ أن يُنفَى عنه الحَياء في حال من الأَحْوال دون الحال الأُخرى، وعلى هذا فتَكون الآية دَليلًا على أن اللَّه تعالى مَوصوف بالحَياء، ولكن حَياء اللَّه تعالى ليس كَحَياء الإنسان؛ لأن اللَّه تعالى يَقول في كتابه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: أن من الأُمور ما هو حقٌّ ومِنها ما هو باطِل، فالحَقُّ في الأخبار هو: الصِّدْق، وفي الأَحْكام: العَدْل، والباطِل فيهما عَكْس ذلك، فالباطِل في الأَخْبار هو الكذِب، وفي الأحكام هو الجَوْر. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا﴾ أنه لا يَجوز سُؤال زوجات النَّبيِّ ﷺ شيئًا إلَّا من وراء حِجاب، والآية في ذلك صَريحة: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ: جَواز تَكليم زوجات النبيِّ ﷺ ؛ وجهُه قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ﴾، فأَباح اللَّه تعالى سُؤالَهُن، والسُّؤال هنا ليسَ فقَطْ سُؤالَ استِجْداء، ولكن سُؤال العِلْم من بابِ أَوْلى. وهل يُستَفاد منه جَواز مُكالمَة النِّساء غيرِ زَوْجات الرسول ﵊؟ الجَوابُ: نعَمْ؛ يُستَفاد لأنه إذا جاز في زَوْجات الرسول ﵊ مع ما

стр. 438

لَهُن من الاحتِرام والتَّعظيم ففي غَيْرهن من بابِ أَوْلى، ولكنه يُشتَرَط في ذلك الأَمْن من الفِتْنة، فإن خِيفَتِ الفِتْنة من المُكلِّم أو من المَرأة كان ذلك حرامًا، وكذلك يُشتَرَط ألَّا يَتَمتَّع الإنسان بمُكالمة المرأة وإن لم يَكُن تَمَتُّعَ شَهوة، يَعنِي: قد يَكون الإنسان مثلًا يَتَمتَّع بمُخاطَبة المرأةِ ليس من الناحِية الجِنْسية الغَريزية، ولكنه يُحِبُّ أن يَستَمِرَّ معَها في الكَلام، فهذا أيضًا لا يَجوز، اللَّهُمَّ إذا كانت من محَارِمه، وأَراد أن يَتَحدَّث معها ليُؤنِسَها أو يَستَأنِس بها، فهذا لا بأسَ به. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: أن الحِجاب المَذكور هنا ليس هو سَترَ الوَجْه فقَطْ، بل هو شيء فَوْق ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾، ولم يَقُل: مُتحَجِّبات، وهذا يَدُلُّ على أنها الحِجاب مُنفَصِل وليس من ثِياب المرأة، بل هو شيء مُنفَصِل، مثل أن تَكون في خِدْرِها فيَتحَدَّث الناس إليها. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ: ثُبوت تَعليل الأحكام الشَّرْعية؛ تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ﴾، ومن قوله تعالى فيما سَبَق: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾. الْفَائِدَةُ العِشْرُونَ: أنه يَجِب على المَرْء أن يَسعَى في كل ما فيه تَطهير قَلْبه، وأن يَبتَعِد عن كل ما فيه تَدنيسُ قَلْبه؛ لأنه عَلَّل الأمر بالحِجاب؛ لكونه أَطهَرَ للقُلوب، ولا فرقَ في ذلك بين طَهارة القَلْب من الأخلاق الرَّذيلة كالزِّنا واللِّواط أو طَهارته من الاعتِقادات الفاسِدة أو الإرادات السَّيِّئة؛ فكلُّ هذا يَجِب على المَرْء أن يُطهِّر قلبه مِنه، وأن يَبتَعِد عن كل ما يُدَنِّسَ قَلْبه من ذلك. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالعِشْرُون: أن الفِتْنة في مخُاطَبة النِّساء قد تَكون من الرجُل وحدَه ومن المرأة وحدَها، ومنهما جميعًا؛ لقوله تعالى: ﴿لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾؛ فقَدْ يَكون الرجُل هو الذي يَتَلذَّذ بمُخاطَبة المرأة، والمرأة ليس على بالها هذا الأمرُ ولا اهتَمَّتْ

стр. 439

به، ولا فكَّرَتْ في هذا المَوْضوعِ، لكن هو يَتَلذَّذ بهذه المُخاطَبةِ، فيَكون الدَّنَس في قَلْب الرَّجُل، وقد يَكون الأمر بالعكس، تَتَحدَّث المرأة إلى الرجُل وهي تَتَلذَّذ بهذه المُخاطَبةِ والرجُل ليس على باله هذا الأَمرُ، فيَكون هنا الدَّنَس في قَلْبها هي، وقد يَكون من الطرَفَيْن فيَكون الدَّنَس في قلبَيْهما جميعًا. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالعِشْرُونَ: تَحريم نِكاح زوجات النبيِّ ﷺ بعده؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالعِشْرُونَ: أن التَّحريم فيهن مُؤبَّد؛ لقوله ﵎: ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾، وعلى هذا فالمُحرَّماتُ إلى الأَبَد: محُرَّمات بالنَّسَب، وبالرَّضاع، وبالصِّهْر، وبالمُلاعَنة، وبالاحتِرام؛ فهذه خمسة أَنْواع. أمَّا المُحرَّمات بالنَّسَب فسَبْع، ذُكِرْنَ في قوله ﵎: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ [النساء: ٢٣]. وبالرَّضاع في قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وقول النبيِّ ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (١). وبالصِّهْر في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [النساء: ٢٢]، وفي قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ

стр. 440

لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. والمُحرَّماتُ باللِّعان هو: أن الرَّجُل إذا قذَف امرأته بالزِّنا ولم تُقِرَّ به ولم يَثْبُت بِبَيِّنة فإنه يُلاعِنها، فإذا تَمَّ اللِّعان حُرِّمت عليه على التَّأبيد. وأمَّا المُحرَّمات إلى الأَبدَ بالاحتِرام، فهن زَوْجاتُ النبيِّ ﷺ . الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: عِظَم إِثْم مَن تَزوَّج واحِدة من زوجات الرسول ﵊ من بعده؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ وَالعِشْرُونَ: أن الذُّنوب تَتَفاوَت في العِظَم؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾، وهو كذلك، فإن في الذُّنوب كبائِرَ وصغائِرَ، والكبائِرُ فيها ما هو أكبَرُ وما هو دون ذلك، والصغائِرُ كذلك تَختَلِف، وكذلك الطاعاتُ تَختَلِف منها ما هو من أُصول الإيمان والإسلام، ومنها ما هو دون ذلك. وهل يُستَفاد من الآيةِ الكَريمة أنه لا يَنبَغِي للضَّيْف أن يَسأَل عن طعام المُضَيِّف إذا قدَّمه له، فيَقول مثَلًا -لو قُدِّم له دَجاج-: هذا الدَّجاجُ مُستَوْرَد أو غيرُ مُستَوْرَد؟ الجَوابُ: قال تعالى: ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾ فلم يَأمُرِ اللَّه تعالى بالسُّؤال عن الطَّعام، وهو كذلك، فإنه ليس من المَشروع ولا من الأَدَب أيضًا أن تَسأَل صاحِبَك الذي قدَّم لكَ الطَّعام، وتَقول: من أين هذا؟ وهل هو حَلال أو حَرام؟ ! لأن هذا خِلاف هَدْي النبيِّ ﵊، فالنَّبيُّ ﵊ قَدَّمَت له امرأةٌ من اليَهود

стр. 441

شاةً فأكَلَ منها (١) ولم يَسأَل، ودعاه يَهودِيٌّ إلى طعام فأَكَل مِنه (٢) ولم يَسأَلْ، ثُمَّ إنك إذا سَأَلْت أَخجَلْت صاحِبك، رجُل أَكرَمك بالضِّيافة تَقول له: من أين هذا؟ هل من المَشروع أو من المُستَوْرَد؟ وإذا فتَحْنا هذا البابَ نَقول: أصل هذا الطَّعام من أين جاءَك؟ فيُمكِن أنه غاصِبُه أو سارِقه! وإذا انتَفَى هذا فيُمكِن أن هذا الرجُلَ له كَسْب حَرام، فلا نَدرِي عنه! فنَقول له: من أين جاءَكَ؟ يَقول: هذا شَرَيْته من السُّوق. نَقول له: هاتِ شُهودًا أنك شارِيه؟ فهذه مُشكِلة! إذا فتَحْنا هذا البابَ انفَتَح علينا أبوابٌ كثيرة؛ ولهذا كانت من حِكْمة الشَّرْع أن الإنسان لا يُشرَع له السُّؤال أبَدًا مهما كان، حتى لو كان الذي قَدَّم لك الطعام يَهوديًّا أو نَصرانيًّا فلا تَسأَلْه عن الطعام؛ لأن هذا من التَّعنُّت والتَّعمُّق، وفيه إِشقاق على صاحِبك وإِشقاق على نَفْسك؛ لأنك إذا عَوَّدت نَفْسك أنك لا تَأكُل إلَّا بعد البَحْث فمَعناه: كل شيء تَأكُله تَكون شاكًّا فيه، والحَمْدُ للَّه تعالى على السلامة. فإن قال قائِل: ألَا يُسْأَل عن لَحْم البَعير؟ فالجَوابُ: أبَدًا، ولا يُسأَل عن لَحْم البَعير؛ أوَّلًا لأن لَحْم البَعير في الغالِب أنه معروف، إلَّا إذا كان (حاشي صغير) (٣)، والإنسان هذا ما تَمَرَّن في أَكْل اللَّحْم مُمكِن يَشْتَبِه عليه. فإن كان الشَّخْص مَريضًا فربما يَسأَل لأجل دَفْع الضَّرَر، وليس لأَجْل التَّعمُّق،

стр. 442

فمثَلًا إذا كان قد قِيل له: لا تَأكُل لَحْم الإِبِل، وشَكَّ في هذا: هل هذا لَحْمُ إبِلٍ أم لا؟ فهذا قد نَقول له: إنَّ السُّؤال لا من أَجْل الحِلِّ أو من أَجْل: هل يَجِب عليه الوُضوء أو لا يَجِب؟ فهذا لدَفْع الضَّرَر لا بأسَ به. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ وَالعِشْرُونَ: تَحريم أذِيَّة الرسول ﷺ وامتِناعه أشَدَّ الامتِناع من المُؤمِنين؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾، فالإشارة إلى امتِناع ذلك -أي: امتِناع الأذِيَّة- لكونه رَسولًا من عند اللَّه تعالى امتَنَع غايةَ الامتِناع من المُؤمِنين أن يُؤْذوه. الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ وَالعِشْرُونَ: أَنَّ تَشَوُّفَ الشَّرْع إلى ما يَكون سببًا لطهارة القلوب؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ وَالعِشْرُونَ: أنه إذا أَوْجَب اللَّه تعالى في ذلك العَصْرِ ما يَكون سبَبًا لكمال طَهارة القُلوب، ففي عَصْرنا من بابِ أَوْلى، فكل ما يَكون سببًا لطَهارة القُلوب، وبعدها عن دَناءة الأَخْلاق، فإنه يَكون واجِبًا. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ وَالعِشْرُونَ: وتَعليقًا على ما سَبَق من قَرْن الأحكام بحِكَمِها نَقول: إن من فَوائِدِ ذلك: طُمَأْنينة الإنسان للحُكْم، وبَيان سُمُوِّ الشريعة، وأن أَحكامها ليسَتْ لَهْوًا ولا باطِلًا، وإلحاق ما وافَق الحُكْم في عِلَّته بحُكْمه، يَعنِي: نُلحِق بهذا الحُكْمِ ما وافَقَه في تِلكَ العِلَّةِ. الْفَائِدَةُ الثَّلَاثُونَ: عُموم عِلْم اللَّه تعالى بكُلِّ شيء؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾. الْفَائِدَةُ الحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: تَحذير المُكلَّف من مخُالَفة اللَّه بقَليل أو كثير؛

стр. 443

لأن الفائِدة من ذِكْر عِلْمه هو التَّحذيرُ من المُخالَفة. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ: الرَّدُّ على القَدَرية على غُلاة القَدَرية المُنكِرين لعِلْم اللَّه بأَفْعال العَبْد؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ إذا إنه يَشمَل ما سيَفعَله الإنسانُ وما قد فعَله. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ: أن ما يَفعَله العَبْد من خَيْرٍ أو شَرٍّ فإنه محُاسَب عليه، إمَّا له وإمَّا عليه؛ لعُموم كلِمة: ﴿شَيْءٍ﴾، وفي آيةٍ أُخرى: ﴿إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ﴾، لكِنَّ هذه الآيَةَ أعمُّ. * * *

стр. 444

الآية (٥٥) * قَالَ اللَّهُ : ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّقِينَ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ [الأحزاب: ٥٥]. * * * قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ الضَّمير في قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾ يَعود على زَوْجات الرسول ﵊ الذي قال اللَّه تعالى في حَقّهنَّ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾؛ فكأَنَّ هذه الآيةَ استِثْناءٌ مما سبَق ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾؛ حيثُ إن الآيةَ ﴿سَأَلْتُمُوهُنَّ﴾ تَشمَل المَحارِمَ وغيرَهم، فاستَثْنى المَحارِم فقال تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾. والجُناح بمَعنَى: الإِثْم؛ أي: لا جُناحَ عليهنَّ أن يَبرُزنَ لآبائهن، وأن يَسألَهُن آباؤهنَّ بدون حِجاب، وهذا كقوله تعالى في سُورة النُّور: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ. . .﴾ [النور: ٣١]. وقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ وآباء: يَشْمَل الآباء من جهة الأُمِّ والآباء من جهة الأبِ؛ فالجَدُّ من جِهة الأُمِّ في باب النِّكاح كالجَدِّ من جِهة الأبِ، ولقد كان الناس يَسأَلون كثيرًا عن أبِي الأُمِّ هو مَحْرَم لزوجة ابنِ ابنَتِه أم لا؟ والجَواب: يَكون مَحْرَمًا؛ لأن باب النِّكاح لا يُفرَّق فيه بين الأُبوَّة من جِهة الأُمِّ

стр. 445

والأُبُوة من جِهة الأبِ، فليس كالإِرْث، فأَبُو الأُمِّ لا يَرِث بخِلاف أبِي الأبِ، لكِنَّ أَبا الأُمِّ في باب النِّكاح كأبِي الأب، فقوله إِذَن: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾ يَشمَل الأَجداد من جِهة الأبِ ومن جِهة الأُمِّ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَبْنَائِهِنَّ﴾ يَعنِي: أبنائِهن من الصُّلب وأبنائهن من البَطْن أي: أبناء الأبناء وأبناء البَنات وإن نزَلوا، وفي هذه الحالِ يَكُنَّ جَدَّاتٍ لهؤلاء الأبناءِ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا إِخْوَانِهِنَّ﴾ يَعنِي: ولا جُناح عليهنَّ في إخوانهم؛ سواءٌ كانوا أَشِقَّاءَ أَمْ لأبٍ أَمْ لأمٍّ. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ﴾ يَعنِي: وإن نزَلوا. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ يَعنِي: وإن نزَلوا، سواءٌ كانوا أشِقَّاءَ أَمْ لأبٍ أَمْ لأمٍّ. ولم يَذكُر: (ولا أَبناء أَعمامِهِنَّ) لأنهم ليسوا محَارِمَ، فأبناءُ الأعمام وأبناء العَمَّات وأبناء الأخوال وأبناء الخالات لَيْسوا مَحارِمَ، لكن لم يُذكَرِ العمُّ والخال مع أن العمَّ والخال مُحرَّم ولم يُذْكَرا في هذه الآيةِ ولا في آية النُّور أيضًا: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾، فلم يُذكَر العمُّ ولا الخال، وهنا كذلك لم يُذكَر العمُّ ولا الخالُ مع أن العمَّ والخال محارِمُ؟ !

стр. 446

الجَوابُ: أَبدَى بعض العُلَماء ﵏ مُناسَبَة في هذا وقالوا: إنه لم يُذكَر لا لأنه يَحْرُم إبداءُ الزينة لهما، ولكن لبَيان التَّحرُّز منهما؛ لئَلَّا يَصِفْن المرأة لأَبنائِهن؛ لأن أبناء العَمَّ والخال يَجوز أن يَتزوَّجوا بهنَّ، فلمَّا كان يُخْشَى أن العمَّ والخال يَصِف المرأة لابنه لم يُذْكَرا للتَّحرُّز لا لمُخالَفة الحُكْم، وهذا التعليلُ له بعض الوَجْه، واللَّه أَعلَمُ بما أَرادَ. وعلى كل حالٍ: إن كان هذا هو الحِكمةَ من عدَم الذِّكْر فله وَجْه، وإن لم يَكُن له الحِكْمة، فاللَّه أَعلَمُ، ما وصلْنا إلى الحِكْمة في ذلك. ولا شَكَّ أنَّ قوَّة المَحْرميَّة في العَمِّ والخال أضعَفُ من قوَّتها فيمَن عَداهم، وإن كان ابنُ الأخ وابنَ الأُخت بالنِّسبة لعَمَّته وخالته الصِّلةُ بينهما مُتقارِبة مع العمِّ والخال، لكن ابن الأخت من الأخ والأُخْت فُرُوعُهما محَارِمُ، فالعِلَّة التي قِيلت في العمِّ والخال مُنْتَفية فيهما، فيَقول: لا جُناحَ علينا في هَؤلاء، وفيما عَدا هؤلاءِ عليهن جُناح، يَعنِي: ما عدا هؤلاءِ من الأقارِبِ فإن عليهنَّ جُناح في عدَم التَّحَجُّب منهم. مَسأَلةٌ: الأخُ من الرَّضاع وابنُ الأخ من الرَّضاع وما أَشبَه ذلك ما ذُكِر في هذه الآيةِ، نَقول: صحيح ما ذُكِر؛ لكنه ذُكِر في قول الرسول ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [أي: المُؤمِنات] أي: ولا جُناحَ عليهنَّ في نِسائِهنَّ المُؤمِنات؛ لأن النِّساء أُضِيفت إلى ضمير المُؤمِنات، فيَكون مُضافًا من جِنْس المُضاف إليه، أي: ولا النِّساء المُؤمِنات؛ فللمرأة أن تَكشِف وجهها للمرأة المُؤمِنة، ومَفهومه: أن الكافِرة لا يَحِلُّ لها أن تَكشِف وَجهَها له، وأن

стр. 447

المَرأة الكافِرة بالنِّسبة للمَرْأة المُؤمِنة كالرجُل مع المرأة، وهذا أحَدُ القولين في هذه المَسأَلةِ؛ على أن الإضافة هنا من باب إضافة المَوصوف إلى صِفته، بمَعنَى: أنها إضافة صِفة أي: ولا النِّساء اللاتي شارَكْنَهنَّ في الإيمان. وعلَّلوا ذلك أيضًا بأن المَرأة الكافِرة لا يُؤْمَن مَن أن تُفْشِيَ ما تَراه من المرأة المُؤمِنة؛ لأنها ليس عندها إيمان يَرْدَعُها؛ وبِناءً على هذا القَوْلِ فإنه يَجِب على أُولئك الجَماعةِ الذين عندهم من الخَدَم الكافِرات يَجِب على نِسائهم أن يَحْتَجِبوا عن هؤلاءِ الخادِماتِ؛ لأنهنَّ كافِراتٌ، ونحن نَقول هذا -مع بالِغ الأسَف- أن يَكون لدى المُؤمِنين خدَمٌ من غير المُسلِمين؛ لأن معنى ذلك أن الرجُل أو المَرأة يتَصبَّح ويَتمَسَّى، وفي كل وقت يَنظُر بمِلْء عَيْنيه إلى مَن هو عَدوٌّ للَّه تعالى ولرسوله ﷺ وعَدُوٌّ له أيضًا، كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة: ١] ليس هو عَدوَّ اللَّه تعالى فقَطْ، بل عَدوٌّ للَّه تعالى ولرسوله ﷺ وللمُؤمِنين؛ ولهذا الذي هو في بَيْتِه. ومع ذلك -نَسأَلُ اللَّه تعالى السلامة والعافِية- تَجِد هَؤلاء يَحتَضِنون مثل هؤلاءِ الكُفَّارِ غيرَ مُبالين بهِمْ وغيرَ مُبالين بكَوْنهم مخُالِفين لهم في الدِّين والعَقيدة والعمَل، بل إن بعضهم يَحتَضِنُهم فَرحًا بهم؛ لأن الشَّيْطان زيَّن لهم أنهم أَنصَحُ في العمَل وأَتقَنُ وأَجْلَدُ وأَصْبَرُ، وهذا من البَلِيَّة والمِحْنة التي امْتُحِن بها الناس في هذا الزمانِ ولا سيَّما في هذه الجَزيرةِ العرَبية مع قول الرسول ﵊: "أَخْرِجُوا المُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" (١)، "وَأَخْرِجُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى مِنْ

стр. 448

جَزِيرَةِ الْعَرَبِ" (١)، وهؤلاءِ بدَلَ أن يُخرِجوهم يَحتَضِنونهم. ثُمَّ إنه لو لم يَكُن من مَضرَّة هؤلاءِ الخدَمِ الكافِراتِ إلَّا أن هؤلاء -الذين يَقولون: إنهم مُسلِمون وهُمْ كما قالوا- تَذهَب عنهمُ الغَيْرةُ من نفوسهم وكراهة الكُفَّار، حتى يَكون هؤلاء كغَيْرهم كأنهم مُسلِمون؛ لأنهم يَألَفونهم ويَرَوْنهم ويُشاهِدونهم، وكما قيل: إذا كثُرَ الإِمساسُ قَلَّ الإِحْساس. وهذه مَسأَلة خَطيرة جِدًّا، نَسأَل اللَّه تعالى أن يُسلِّط ولاة الأُمور على مَنْعها من هذه البِلادِ؛ لأنه: أوَّلًا: قد يَكون لا داعِيَ إلى وجود الخادِم في البيت. ثانيًا: إذا دعَتِ الحاجة فلْتكُن مُسلِمة، من الدوَلِ المُسلِمة الفَقيرة التي يَنتَفِع المُسلِمون بما يُدْفَع لهذه الخادِمِ من الأُجْرة، أمَّا أن يَجعَل كُفَّارًا يُؤخَذ من أُجورهم ما تُعْمَر به الكَنائِسُ وما يُقَوَّى به دَعوة التَّنصير فإن هذا -لا شَكَّ عند التَّأمُّل فيه-: يَجِد هؤلاءِ القَوْمُ الذين يَستَخدِمون الكافِراتِ والكافِرين: أنهم مخُطِئُون خطَأً عظيمًا فادِحًا إن كان لهم قُلوب. فأمَّا إن كان قُلوبهم قد عمِيَت، ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦]، فيُمكِن أن قلوبهم قد مَرِضت وصَدَأَت من المَعاصي وعدَم المُبالاة وعدَم الغَيْرة، فلا يُحِسُّون بهذا الأَمرِ الخَطير، ولكن بلَغَني أن رجُلًا كان من أهل الخير وقدِ اغْتَرَّ ببعض هؤلاء الخَدَمِ، كان يَجلِس مع أولادِه ويُعلِّمهم مَبادِئ

стр. 449

الإسلام فقال لواحِد من الصِّغار: مَن ربُّك؟ قال: ربِّي عِيسى ابنُ مَريَمَ! ! من أين جاء هذا الطِّفلُ وهو في عُشِّ المُسلِمين إلَّا من هذه الخادِمةِ، هذه الخادِمةُ قد تَكون مَغرورة ومخَدوعة في بني قومها ولا تَعرِف إلَّا هذا، لكن هذا الطِّفلُ عاشَ بين المُسلِمين كيف لا يَعرِف إلَّا هذا؟ ! فهذا من الخَطَرِ العظيم بالنِّسبة لهؤلاء الخَدَمِ من الكُفَّار والكافِرات، نَسأَل اللَّه تعالى السلامةَ. المُهِمُّ: أن كثيرًا من أهل العِلْم ﵏ يَقولون: إن مَعنَى قوله تعالى: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ أي: المُؤمِنات ولا النِّساء المُشارِكات لهُنَّ في الإيمان؛ لأن المُضاف من جِنْس المُضاف إليه. وقال بعضُ العُلَماء ﵏: المُراد بنِسائِهنَّ ما كان من جِنْسهنَّ؛ أي: النِّساء اللاتي يُشارِكْنَهنَّ في الأُنوثة؛ فهو من باب إضافة الجِنْس إلى جِنْسه، وهذا القولُ هو مَذهَب الإمامِ أَحمدَ (١) ﵀ المَشهورِ مِن مَذهَبه، وهو أَقرَب إلى الصواب؛ لأن تَعلُّق المرأة بالمرأة لا يَختَلِف باختِلاف الدِّين، وليس كتَعلُّق الرجُل بالمَرأة، فالصواب أن المُراد بنِسائِهنَّ أي: النِّساء اللاتي من جِنْسهِنَّ في الأُنوثة. فإن قال قائِل: لماذا قُلْنا في الآية الأُولى: إن فيها مُستَثْنًى منه، وهمُ الرِّجالُ، وفي الآية الأُخرى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: النساءِ؟ فالجَوابُ: لأن قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ يَتعَلَّق بشَيْئَين: سائِل ومَسؤول؛ ففي الأَوَّل علَّق الخِطاب بالسائِل، وفي الثاني علَّق بالمَسؤُول من باب التَّفنُّن، ولأَجْل أن يَشمَل هذا ما إذا كانت المسألةُ في سُؤال المَتاع وفي غيرِه.

стр. 450

وقوله تعالى: ﴿وَلَا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ يَعنِي: ولا جُناح عليهنَّ في ما ملَكَت أيمانُهنَّ، قال ﵀: [مِن الإِماءِ والعَبيد]. قوله تعالى: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أي: ملَكَتْه مِلْكًا تامًّا لا مِلْكًا مُشتَرَكًا، فلو كان عَبْدٌ بين امرأتَيْن، فإنه لا يَحِلُّ لواحِدة منهما أن تَكْشِف وجهَها له؛ وذلك لأنه ليس مِلْك لإِحْداهما، بل مِلْك لهما جميعًا، والآيةُ: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾. وقوله ﵎: ﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ أَضاف المِلْك إلى اليمين؛ لأن الأَخْذ والإعطاء يَكون باليَمين غالِبًا، وقوله ﵀: [مِن الإِماءِ والعَبيد]، أمَّا قوله ﵀: [مِن العَبيد] فظاهِر، وأمَّا قوله ﵀: [مِن الإِماء] فبِناءً على أن قوله ﵀: [﴿نِسَائِهِنَّ﴾ أي: المُؤمِنات]، فإذا كان للمَرأة أَمَةٌ كافِرة فلا يَلزَمها أن تَحْتَجِبَ عنها؛ لأنها ممَّا ملَكت يَمينُها، وكلُّ هؤلاءِ المُستَثْنَيْن كلُّهم محَارِمُ إلَّا ما ملَكَت أيمانُهن فلَيْسوا بمَحارِمَ؛ لأن التَّحريم فيهم إلى أَمَدٍ، والمَحرَمية إنما تَثبُت فيما إذا كان التَّحريم مُؤبَّدًا؛ ولهذا أُخْتُ الزوجة حَرام وليسَت بمَحْرَم، والمَملوك حرام على مَملوكته، ولا يَلزَمها أن تَحتَجِب عنه، ولكنه ليس بمَحْرَم لها بدليل أنه إذا خرَج عن مِلْكها لَزِمها أن تَحتَجِب عنه؛ قال ﵀: [﴿مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ من الإِماءِ والعَبيد أن يَرَوْهُنَّ ويُكلِّموهنَّ من غَيرِ حِجاب]. ثُمَّ قال ﵀: [﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ فيما أُمِرْتُنَّ به] ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ الواو حَرْف عَطْف، و (اتَّقِينَ) فِعْل أَمْر، لكن حَدُّ الفِعْل الياء، والنُّون فاعِلٌ، وهنا في الجُمْلة الْتِفاتٌ من الغيبة إلى الخِطاب؛ فقوله ﵎: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ﴾ هذا ضَمير غائِب، ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ ضمير مخُاطَب، وقد ذكَرْنا أنه من فوائِد الالْتِفات: تَنبيهُ المُخاطَب؛ لأن الكلام إذا كان على نَسَق واحِد فقَدْ لا يَكون من الإنسان انتِباهٌ، فإذا اختَلَف النَّسَق

стр. 451

حصَل التَّنبُّه، ثُمَّ إن في الالتِفات هنا فائِدة أُخرى: وهي مُواجَهَتُهُنَّ بالأَمْر بتَقوى اللَّه ، وهذا الخِطابُ مُوجَّه لأَطهَر النِّساء على الإطلاق، وهنَّ زوجاتُ النبيِّ ﷺ : اتَّقِينَ اللَّه تعالى أن تَرَيْن أحَدًا سِوى هؤلاء، أو أن يَرَاكُنَّ أحَدٌ سِوى هؤلاء، فإذا كان هذا الخِطابُ مُوجَّهًا إلى زوجات الرسول ﷺ وهُنَّ أطهَرُ النساء وأَكرَمُهنَّ عِفَّةً، فما بالُك بمَن دونهنَّ؟ ! فإنه يُوجَّه إليهنَّ من الأمر بالتَّقوَى أكثَرَ ممَّا يُوجَّه إلى نِساء النبيِّ ﷺ . وقوله ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ لا يَخْفى عليه شَيْء]، وهنا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾؛ لأن الحِجاب وعدَمه ممَّا يُرَى، فناسَب أن يَختِم الآية بذِكْر شهادة اللَّه على كل شيء تَحذيرًا من مُخالَفته بعدَم الاحتِجاب ممَّن يَجِب الاحتِجاب عنه. من فوائد الآية الكريمة: الْفَائِدَة الأُولَى: أنه لا يَجِب الاحتِجاب عمَّن ذُكِر في هذه الآيةِ؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن نِساء النبيِّ ﷺ مُكلَّفاتٌ، يَعنِي: يَلحَقهم التَّكليفُ كغيرهنَّ من النساء؛ لقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ﴾. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن المُحرَّمات في النِّكاح مَحارِمُ؛ لأن هؤلاءِ المَذكورين محُرَّمون في النِّكاح فهم مَحارِمُ، وهذه قاعِدةٌ: كُلُّ مَن يَحرُم في النِّكاح تحريمًا مُؤبَّدًا فهن مَحارِمُ، وأمَّا مَن يَحرُم تَحريمًا إلى أمَدٍ فلَيْسوا بمَحارِمَ، وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾ ليسوا بمَحارِمَ؛ لأن التحريم إلى أمَدٍ.

стр. 452

الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه لا يَجِب على المرأة أَنْ تَحتَجِبَ عن المَرأة؛ لقوله ﵎: ﴿وَلَا نِسَائِهِنَّ﴾ وهل يُشتَرَط أن تَكون مُؤمِنة؟ فيه قولان لأهل العِلْم، والراجِحُ أنه لا يُشتَرَط، وأنه ليس العِلَّةُ الكُفْرَ، وإنما العِلَّة الجِنْس، فما دامت من جِنْسها فإنها لا تَتَعلَّق بها كما يَتعلَّق الرجال بالنِّساء. الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وُجوبُ تَقوى اللَّه ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ والعِناية بها حيث انتَقَل فيها من أُسلوب إلى آخَرَ للتَّنَبُّه لها. الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الأمر المُوجَّه للإنسان بالتَّقوى لا يَعنِي أنه غير مُتَّقٍ، إذ قد يُراد به الأمر بالاستِمرار على التَّقوى، ويَدُلُّ لذلك أيضًا قوله في أوَّل السورة: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ مع أن بعض الناس لو تَقولُ له: يا أَخي اتَّقِ اللَّه. لاشتاط غضَبًا، وقال: أنا لن أتَّقِيَ. فيُقال له: إن اللَّه تعالى أمَرَ نَبيَّه ﷺ وهو أَتقَى مِنك بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، وهذه ﴿وَاتَّقِينَ اللَّهَ﴾ أَمْرٌ لنِساء النبيِّ ﷺ . الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: تَحذير الإنسان من مخُالَفة تَقوَى اللَّه تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾ فإن خالَفْتُن ولم تَتَّقِين اللَّه ﵎ فاللَّه تعالى شَهيد عليكن. الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات اسمِ الشَّهيد للَّه تعالى، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾، والشَّهيد مَعناه: هو الحاضِر الذي لا يَغيب، المُطَّلِع الذي لا يَخْفى عليه شيء، فهو حاضِر لا يَغيب، لكن ليس حاضِرًا بمَعنَى أنه في الأرض، بل هو في السَّماء على عَرْشه، وهو مُطَّلِع لا يَخْفَى عليه شيء. مَسأَلة: المَقتول في المَعرَكة يُطْلَق عليه شَهيد؛ وتَقدَّم أن مَعنَى الشَّهيد: الذي لا يَغيب، فما الوجه بينه وبين شَهيد المَعرَكة؟

стр. 453

الجَوابُ: الشَّهيد في المَعرَكة؛ لأن عَرْضَ نَفْسِه للقَتْل دليلٌ على شهادته الفِعْلية بصِحَّة ما هو عليه، أو أن مَعناه: الشَّهيد الذي تَشهَده مَلائِكة اللَّه تعالى المُقرَّبون وما أَشبَهَ ذلك، والمَعنَى الأوَّل أَوضَحُ. الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عِناية اللَّه برسوله مُحمَّد ﷺ ، وذلك بتَوْجيه هذه الإرشاداتِ إلى نِسائِهِ. * * *

стр. 454

الآية (٥٦) * قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]. * * * ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ إن اللَّه ومَلائِكتَه هذا خَبَر مُؤكَّدَّ بـ ﴿إِنَّ﴾، وعَطَف المَلائِكة على اللَّه بالواو؛ لأنهم مُشارِكون للَّه بهذا الفِعْلِ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾، المَلائِكة تَقدَّم أنهم جَمْع مَلَكٍ، وأن أَصْل المَلَك (مَأْلك) من الأَلوكة وهي الرِّسالة، ولكنها حصَل فيها إعلال بالتَّقديم والتَّأخير، فصارت بدَل (مَألَك)، فصارت (مَلْأك)، ثُمَّ حُذِفت الهَمْزة للتَّخفيف لكَثْرة الاستِعْمال، فصارت مَلَك، أمَّا الجَمْع فإنها رُدَّت الهَمْزة وقِيل فيها: مَلائِكة. واشتُقَّ المَلَك من الأَلوكة، والأَلوكة في اللُّغة بمَعنَى: الرِّسالة، والمَلائِكة رُسُل، فأَصلُها إِذَنْ: مَأْلَك يَعنِي: من الأَلوكة، ثُمَّ أُعِلَّ بالتقديم والتأخير فصارت مَلْأَك، ثُمَّ حُذِفَتِ الهَمزة للتَّخفيف؛ لكَثْرة الاستِعْمال، ونُقِلت حرَكتُها إلى اللام فصارت (مَلَك)، أمَّا الجَمْع فمَلائِكة. فالمَلائِكة همُ الذين جعَلهمُ اللَّه تعالى رُسُلًا، وهم عالَمٌ غَيْبيٌّ، مَخلوقون من نور، مُمتَثِلون لأمر اللَّه ، قائِمون بعِبادته آناء الليل والنَّهار، كما ذكَر اللَّه تعالى عنهم: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]، وهم مع ذلك لا يَعْصون اللَّه تعالى

стр. 455

ما أمَرَهم؛ لقُوَّة امتِثالهم لأَمْر اللَّه تعالى، ويَفعَلون ما يُؤمَرون؛ لقوَّتِهم على التَّنفيذ، فيَقول تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، هذا باعتِبار الإرادات، ما عِندهم إرادة تُخالِف أَمْر اللَّه تعالى، ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ باعتِبار التَّنفيذ والعمَل. وهُم -أي: المَلائِكة- أصناف في أَشكالهم، وفي أعمالهم، وفي صِفاتهم؛ وما نَعلَم من هذا إلَّا ما أَعلَمَنا اللَّه تعالى به ورسوله ﷺ ، والباقي مجَهول لنا، فنُؤمِن بما علِمنا من أَسمائهم وأَشكالهم وأَوْصافهم وأَعمالهم، وما لم نَعلَمه نُؤمِن به على سبيل الإِجْمال، نَقول: (آمَنَّا باللَّهِ ومَلائِكتِهِ). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ﴾ الخبر ﴿يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ محُمَّدٍ ﷺ ؛ ولهذا قال: [مُحمَّد ﷺ ]. وما مَعنَى ﴿يُصَلُّونَ﴾؟ اشتُهِر عند كثير من أهل العِلْم ﵏ أن الصلاة من اللَّه تعالى رحمة، ومن المَلائِكة الاستِغْفار؛ وعلى هذا فيُفَسَّر ﴿يُصَلُّونَ﴾ باعتِباره من اللَّه تعالى بمَعنَى: الرَّحْمة، ومن المَلائِكة الاستِغْفار، ولكِنَّ هذا التَّفسيرَ خطَأ، فإن الرحمة أعمُّ من الصلاة؛ لأن الرحمة يُدعَى بها لكل أحَد، والصلاة خاصَّة بالأنبياء، فهي شِعارُهم، ولا تُقال لأَحَد سِواهم إلَّا على سبيل لا يَكون شِعارًا، وأمَّا الرحمة فهي عامة حتى إن بَعْض أَهْل العِلْم ﵏ يَقول: لا يَجوز أن تَدعوَ للرسول ﵊ بالرَّحْمة، لا تَقُل: (مُحمَّد ﵀، (قال رسولُ اللَّه ﵀، لكِنَّ هذا القَولَ ضعيف؛ لأن النبيَّ ﷺ كان يَدْعو لنَفْسه بالرحمة، يَقول: "رَبِّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي" (١)؛ وفي قِصة الأَعرابيِّ:

стр. 456

"اللَّهُمَّ ارْحَمْني ومحُمَّدًا" (١)، ولم يُنكِر عليه النبيُّ ﵊، لكنها عند السَّلَف يُدعَى للرسول ﷺ بالصلاة، ولغيره بالرَّحْمة والرِّضا، وما أَشبَه ذلك. والصَّوابُ: أن صلاة اللَّه تعالى على رسوله ﷺ مَعناها: ثَناؤُه عليه في المَلَأ الأعلى، وليست رَحمَتُه إياه بدليل قوله : ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، قال تعالى: ﴿صَلَوَاتٌ﴾، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، فدَلَّ هذا على أن الرحمة غيرُ الصلاة، وهو كذلك. أمَّا صلاة المَلائِكة على الرسول ﵊ فيُحتَمَل أن تَكون بمَعنَى: الدُّعاء أنهم يَدْعون له بالصلاة، ويُحتَمَل أنَّ المعنى: أنهم يُثنُون عليه مع اللَّه تعالى، وهذا أَقرَبُ، حتى لا يَتَوزَّع المَعنى في كلِمة ﴿يُصَلُّونَ﴾، ويَكون المَعنَى أن اللَّه تعالى يُثنِي عليه، والمَلائِكة كذلك يُثنون عليه، وهذا من تَعْلية شَأْن الرسول ﷺ ؛ ولهذا قدَّم هذه الجُملةَ الخبَريةَ على الجُمْلة الإِنْشائية الطلَبية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾؛ لأن النَّفْس إذا عَلِمت شَرَف هذا النبيِّ ﷺ ، وأن اللَّه نَفْسَه ومَلائِكته المُقرَّبين وغير المُقرَّبين من المَلائِكة الآخَرين، فإنهم يُصلُّون عليه؛ وأنا قُلتُ: (المَلائِكةَ المُقرَّبين)؛ لأن المَلائِكة كلَّهم مُقرَّبون بالمَعنَى العامِّ، لكن هناك مَلائِكة مُقرَّبون عند اللَّه تعالى كحَمَلة العَرْش ونحوهم، وكل هؤلاء يُصلُّون على النبيِّ ﷺ . وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فلَمّا تَقرَّر في النُّفوس عُلوُّ شأن الرسول ﷺ بهذه الجُمْلةِ وجَّه اللَّه تعالى الخِطاب إلى المُؤمِنين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وتَصدير الجُمْلة بالنِّداء يَدُلُّ على الأهمِّيَّة والعِناية

стр. 457

بها، لأن النِّداء يَستَلزِم انتِباهَ المُنادَى، ولا داعِيَ لتَنبيه المُخاطَب إلَّا لأَمْر هامٍّ. ثُمَّ النِّداء بهذا الوَصْفِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه إغراءٌ لامتِثال الخِطاب المُوجَّه؛ ولهذا قال ابنُ مَسعود ﵁: إذا قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَرْعِها سَمْعك (١). يَعنِي: استَمِع لها، فإمَّا خَيْر تُؤمَر به، وإمَّا شَرٌّ تُنهَى عنه، وفي وَصْف الإيمان مع كونه إغراءً دَليلٌ على أن امتِثال هذا الأَمْرِ من مُقتَضيات الإيمان، وأن مَعصِيته نَقْص في الإيمان. قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ يَعنِي: ادْعُوا له بالصلاة فليس المُراد بالصلاة إذا قُلْت: صلِّ على فلان؛ ليس مَعناها: الدُّعاءَ المُطلَق، بل الدُّعاء بالصلاة؛ ولهذا لمَّا أَمَر اللَّه تعالى نبيَّه بأن يُصلِّيَ على مَن أَعطاه الصدَقة صار يَقول: اللَّهُمَّ صلِّ عليه. فالصلاة في الدُّعاء صحيح، ولكن إذا أَمَرتك أن تُصلِّيَ على شخص فالمَعنَى أن تَدْعوَ له بصلاة اللَّه تعالى عليه، فمَعنَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: أَمْر بالصلاة على رسول اللَّه ﷺ ، وهو أَمْر مُطلَق غَيْر مُقيَّد؛ فإِذَنْ تَكون الصلاة على رسول اللَّه ﷺ مُطلَقة غير مُقيَّدة؛ فنُصلِّي عليه بأيِّ صيغة صلَّيْنا، ونُصلِّي عليه في أيِّ وَقْت، وفي كل مَكان؛ لكن هناك أَمكِنة تَتَأكَّد فيها الصلاة، وأَمكِنة لا تَنبَغي فيها الصلاة، وأَمكِنة تُستَحَبُّ فيها الصلاة مُطلَقًا، يَعنِي: ليس بتَأكُّد. فمِمَّا تَتَأكَّد الصلاة على النبيِّ ﷺ فيه: أوَّلًا: إذا ذُكِر اسمه فإن الصلاة واجِبة عليه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هُرَيْرةَ ﵁ قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ

стр. 458

عَلَيْكَ" (١)، وهذا دُعاء له بإِرْغام اللَّه تعالى أَنْفه في التُّراب، وإرغام الأَنْف في التُّراب دليل على الذُّلِّ والإهانة، وهذا يَدُلُّ على وُجوب الصلاة على الرسول ﷺ إذا ذُكِر اسمُه. ثانيًا: الصلاة عليه في التَّشهُّد الأخير رُكْنٌ لا تَصِحُّ الصلاة إلَّا به على مَذهَب الحَنابِلة (٢) والشافِعية (٣)، ولا فَرقَ بين الفَريضة والنافِلة. ثالِثًا: أنه يُستَحَبُّ الصلاة على النبيِّ ﷺ في الدُّعاء مُقدَّمة عليه أو مُؤخَّرة عنه. رابِعًا: عند الأذان، قال ﷺ : "فَقُولُوا مِثْلَمَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ" (٤). والمَواضِع مُتعَدِّدة، لكن منها على سَبيل الوجوب، ومنها على سَبيل الاستِحْباب. أمَّا كراهة الصلاة على النبيِّ ﷺ فذكَروا أنها تُكرَه الصلاة عليه عند الذَّبْح، إذا قُلْت: بسم اللَّه واللَّه أَكبَرُ. لا تَقُلِ: اللهُمَّ صلِّ على مُحمَّد. قالوا: لأن المَقام مَقام إخلاص وتَوْحيد فلا يَنبَغي أن يُذكَر مع اسمِ اللَّه تعالى غيرُه، فتَقول: بسم اللَّه واللَّه أكبَرُ. ولا تُصَلِّ على النبيِّ ﷺ . وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قُلْت لكم: إنه مُطلَق بأيِّ صِفةٍ كانت، فما ورَدَ عن النبيِّ ﷺ عندما سأَله الصحابة قالوا: كيف نُصلِّي عليك؟ قال:

стр. 459

"قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ" (١)، هذا على سَبيل الاستِحْباب، وليس على سَبيل الوُجوب؛ ولهذا أَجمَعَ العُلماء ﵏ على أن الصلاة على آل الرسول ﷺ لا تَجِب مع أن الصِّيغة التي علَّمها النبيُّ ﷺ أُمَّته فيها الصلاة على آله؛ مع أنها لَيْسَت بواجِبة ممَّا يَدُلُّ على أنها على سَبيل الاستِحْباب. ورُبما يُستَدَلُّ لذلك أيضًا بأن الصِّيَغ التي أَمَر بها الرسول ﷺ في كيفية الصلاة عليه مُختلِفةٌ، وليسَت كلُّها على صيغة واحِدة، وهذا يَدُلُّ على أن أيَّ صِيغة أَتَيت بها فهي مُجْزِئة. وقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: قولوا: السَّلام عليك. أي: ادْعُوا له بالسلام، فقولوا: السلام عليك أيُّها النبيُّ. والسلام على النبيِّ ﷺ مع كونه غائِبًا أَمْر مَشروع؛ ولهذا نَقول في صلاتنا: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ" (٢)؛ مع أنه غائِب، والصحابة يَقولون: السلام عليك أيُّها النَّبيُّ. مع أنه غائِب ولا يَسمَعهم، حتى لو كانوا معه في الصلاة فهو لا يَسمَعهم؛ لكن لأن هناك مَلائِكةً سيَّاحين يُبلِّغون النبيَّ ﷺ السلام من أُمَّته؛ ولأنه لمَّا كان الإنسان قوِيَ الإيمان بالرسول ﷺ صار كأنه حاضِرًا عنده يُخاطِبه. وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا. . .﴾ الآيةَ، فيها تَقديم الصلاة على السلام مع أنه في التَّشهُّد يُقدَّم السَّلام على الصلاة، فهل بين الآية وما ثبَتَ به الحديثُ والتَّشهُّد تَناقُض؟

стр. 460

الجَوابُ: لا، لأن العَطْف بالواو لا يَستَلزِم وُجوب التَّقديم، وإن كان قد يَقتَضيه، لكنه لا يَستَلزِمه؛ لأن الواو كما قال أهل اللُّغةِ ﵏: تَدُلُّ على مُطلَق الاشتِراك بدون تَرتيب؛ ولهذا إذا ما قُلْت: ما شاء اللَّه تعالى وشِئْتَ. مع أنك قدَّمْت مَشيئة اللَّه تعالى صار هذا نوعًا من الشِّرْك؛ لأن الواوَ تَقتَضي التَّسْوية، وليسَتْ تَستَلزِم التَّرتيب. فإذا قال قائِل: لماذا أكَّدَ التسليم بالمَصدَر، قال ﵎: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ولم يُؤكِّدِ الصلاة؟ فالجَوابُ: أن الصلاة تَقدَّم ما يُؤكِّدها وهو إِخْبار اللَّه تعالى بأنه يُصلِّي عليه ومَلائِكته، وهذا يُعطِي الإنسان قوَّة في الصلاة عليه متى عَلِم بأن الرسول ﷺ يُصلِّي اللَّه تعالى ومَلائِكته عليه؛ ولهذا جاء التَّوْكيد في التَّسليم دون الصلاة؛ لأن الصلاة أُكِّدَت تَأكيدًا مَعنَويًّا بذِكْر أن اللَّه تعالى وملائكته يُصلُّون على النبيِّ ﷺ ، وأمَّا التَّسليم فأُكِّد تَأكيدًا لفظيًّا؛ لأن قوله تعالى: ﴿تَسْلِيمًا﴾ مَصدَر لقَوْله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا﴾. قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ مُحمَّد ﷺ ] ولم يُفسِّر ﴿يُصَلُّونَ﴾ ﵀، وهذا نَقْص في التَّفْسير. ثُمَّ قال ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: قولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على مُحمَّد وسلِّمْ] ولم يُفسِّر التسليم، فما مَعنَى التَّسليم؟ قال بعضُ العُلَماء ﵏: إنك إذا قُلْت: السلام عليك. فالسلام من أَسماء اللَّه تعالى، يَعنِي: (اللَّهُ عَلَيْك)، وما مَعنَى: (اللَّهُ عَلَيْك)؟ أي: اللَّه تعالى حَفيظ عليك يُراقِبك ويَحفَظك. وقال بعضُ العلماء ﵏: السلام عليك، أي: التَّسليم عليك، فهي جملة خبَرية بمَعنَى الدُّعاء، والسلام اسمُ مَصدَر بمَعنَى: سَلَم، مِثْل الكلام اسمُ مَصدَر
следующие страницы →