"اللَّهُمَّ ارْحَمْني ومحُمَّدًا" (١)، ولم يُنكِر عليه النبيُّ ﵊، لكنها عند السَّلَف يُدعَى للرسول ﷺ بالصلاة، ولغيره بالرَّحْمة والرِّضا، وما أَشبَه ذلك.
والصَّوابُ: أن صلاة اللَّه تعالى على رسوله ﷺ مَعناها: ثَناؤُه عليه في المَلَأ الأعلى، وليست رَحمَتُه إياه بدليل قوله : ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٥٧]، قال تعالى: ﴿صَلَوَاتٌ﴾، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾، فدَلَّ هذا على أن الرحمة غيرُ الصلاة، وهو كذلك.
أمَّا صلاة المَلائِكة على الرسول ﵊ فيُحتَمَل أن تَكون بمَعنَى: الدُّعاء أنهم يَدْعون له بالصلاة، ويُحتَمَل أنَّ المعنى: أنهم يُثنُون عليه مع اللَّه تعالى، وهذا أَقرَبُ، حتى لا يَتَوزَّع المَعنى في كلِمة ﴿يُصَلُّونَ﴾، ويَكون المَعنَى أن اللَّه تعالى يُثنِي عليه، والمَلائِكة كذلك يُثنون عليه، وهذا من تَعْلية شَأْن الرسول ﷺ ؛ ولهذا قدَّم هذه الجُملةَ الخبَريةَ على الجُمْلة الإِنْشائية الطلَبية في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾؛ لأن النَّفْس إذا عَلِمت شَرَف هذا النبيِّ ﷺ ، وأن اللَّه نَفْسَه ومَلائِكته المُقرَّبين وغير المُقرَّبين من المَلائِكة الآخَرين، فإنهم يُصلُّون عليه؛ وأنا قُلتُ: (المَلائِكةَ المُقرَّبين)؛ لأن المَلائِكة كلَّهم مُقرَّبون بالمَعنَى العامِّ، لكن هناك مَلائِكة مُقرَّبون عند اللَّه تعالى كحَمَلة العَرْش ونحوهم، وكل هؤلاء يُصلُّون على النبيِّ ﷺ .
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ فلَمّا تَقرَّر في النُّفوس عُلوُّ شأن الرسول ﷺ بهذه الجُمْلةِ وجَّه اللَّه تعالى الخِطاب إلى المُؤمِنين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وتَصدير الجُمْلة بالنِّداء يَدُلُّ على الأهمِّيَّة والعِناية
стр. 457
بها، لأن النِّداء يَستَلزِم انتِباهَ المُنادَى، ولا داعِيَ لتَنبيه المُخاطَب إلَّا لأَمْر هامٍّ.
ثُمَّ النِّداء بهذا الوَصْفِ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فيه إغراءٌ لامتِثال الخِطاب المُوجَّه؛ ولهذا قال ابنُ مَسعود ﵁: إذا قال اللَّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأَرْعِها سَمْعك (١). يَعنِي: استَمِع لها، فإمَّا خَيْر تُؤمَر به، وإمَّا شَرٌّ تُنهَى عنه، وفي وَصْف الإيمان مع كونه إغراءً دَليلٌ على أن امتِثال هذا الأَمْرِ من مُقتَضيات الإيمان، وأن مَعصِيته نَقْص في الإيمان.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ يَعنِي: ادْعُوا له بالصلاة فليس المُراد بالصلاة إذا قُلْت: صلِّ على فلان؛ ليس مَعناها: الدُّعاءَ المُطلَق، بل الدُّعاء بالصلاة؛ ولهذا لمَّا أَمَر اللَّه تعالى نبيَّه بأن يُصلِّيَ على مَن أَعطاه الصدَقة صار يَقول: اللَّهُمَّ صلِّ عليه. فالصلاة في الدُّعاء صحيح، ولكن إذا أَمَرتك أن تُصلِّيَ على شخص فالمَعنَى أن تَدْعوَ له بصلاة اللَّه تعالى عليه، فمَعنَى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾: أَمْر بالصلاة على رسول اللَّه ﷺ ، وهو أَمْر مُطلَق غَيْر مُقيَّد؛ فإِذَنْ تَكون الصلاة على رسول اللَّه ﷺ مُطلَقة غير مُقيَّدة؛ فنُصلِّي عليه بأيِّ صيغة صلَّيْنا، ونُصلِّي عليه في أيِّ وَقْت، وفي كل مَكان؛ لكن هناك أَمكِنة تَتَأكَّد فيها الصلاة، وأَمكِنة لا تَنبَغي فيها الصلاة، وأَمكِنة تُستَحَبُّ فيها الصلاة مُطلَقًا، يَعنِي: ليس بتَأكُّد.
فمِمَّا تَتَأكَّد الصلاة على النبيِّ ﷺ فيه:
أوَّلًا: إذا ذُكِر اسمه فإن الصلاة واجِبة عليه؛ لقوله ﷺ في حديث أبي هُرَيْرةَ ﵁ قال: "أَتَانِي جِبْرِيلُ قَالَ: رَغِمَ أَنْفُ امْرِئٍ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ
стр. 458
عَلَيْكَ" (١)، وهذا دُعاء له بإِرْغام اللَّه تعالى أَنْفه في التُّراب، وإرغام الأَنْف في التُّراب دليل على الذُّلِّ والإهانة، وهذا يَدُلُّ على وُجوب الصلاة على الرسول ﷺ إذا ذُكِر اسمُه.
ثانيًا: الصلاة عليه في التَّشهُّد الأخير رُكْنٌ لا تَصِحُّ الصلاة إلَّا به على مَذهَب الحَنابِلة (٢) والشافِعية (٣)، ولا فَرقَ بين الفَريضة والنافِلة.
ثالِثًا: أنه يُستَحَبُّ الصلاة على النبيِّ ﷺ في الدُّعاء مُقدَّمة عليه أو مُؤخَّرة عنه.
رابِعًا: عند الأذان، قال ﷺ : "فَقُولُوا مِثْلَمَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ" (٤).
والمَواضِع مُتعَدِّدة، لكن منها على سَبيل الوجوب، ومنها على سَبيل الاستِحْباب.
أمَّا كراهة الصلاة على النبيِّ ﷺ فذكَروا أنها تُكرَه الصلاة عليه عند الذَّبْح، إذا قُلْت: بسم اللَّه واللَّه أَكبَرُ. لا تَقُلِ: اللهُمَّ صلِّ على مُحمَّد. قالوا: لأن المَقام مَقام إخلاص وتَوْحيد فلا يَنبَغي أن يُذكَر مع اسمِ اللَّه تعالى غيرُه، فتَقول: بسم اللَّه واللَّه أكبَرُ. ولا تُصَلِّ على النبيِّ ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ قُلْت لكم: إنه مُطلَق بأيِّ صِفةٍ كانت، فما ورَدَ عن النبيِّ ﷺ عندما سأَله الصحابة قالوا: كيف نُصلِّي عليك؟ قال:
стр. 459
"قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ" (١)، هذا على سَبيل الاستِحْباب، وليس على سَبيل الوُجوب؛ ولهذا أَجمَعَ العُلماء ﵏ على أن الصلاة على آل الرسول ﷺ لا تَجِب مع أن الصِّيغة التي علَّمها النبيُّ ﷺ أُمَّته فيها الصلاة على آله؛ مع أنها لَيْسَت بواجِبة ممَّا يَدُلُّ على أنها على سَبيل الاستِحْباب.
ورُبما يُستَدَلُّ لذلك أيضًا بأن الصِّيَغ التي أَمَر بها الرسول ﷺ في كيفية الصلاة عليه مُختلِفةٌ، وليسَت كلُّها على صيغة واحِدة، وهذا يَدُلُّ على أن أيَّ صِيغة أَتَيت بها فهي مُجْزِئة.
وقوله تعالى: ﴿صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: قولوا: السَّلام عليك. أي: ادْعُوا له بالسلام، فقولوا: السلام عليك أيُّها النبيُّ. والسلام على النبيِّ ﷺ مع كونه غائِبًا أَمْر مَشروع؛ ولهذا نَقول في صلاتنا: "السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ" (٢)؛ مع أنه غائِب، والصحابة يَقولون: السلام عليك أيُّها النَّبيُّ. مع أنه غائِب ولا يَسمَعهم، حتى لو كانوا معه في الصلاة فهو لا يَسمَعهم؛ لكن لأن هناك مَلائِكةً سيَّاحين يُبلِّغون النبيَّ ﷺ السلام من أُمَّته؛ ولأنه لمَّا كان الإنسان قوِيَ الإيمان بالرسول ﷺ صار كأنه حاضِرًا عنده يُخاطِبه.
وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا. . .﴾ الآيةَ، فيها تَقديم الصلاة على السلام مع أنه في التَّشهُّد يُقدَّم السَّلام على الصلاة، فهل بين الآية وما ثبَتَ به الحديثُ والتَّشهُّد تَناقُض؟
стр. 460
الجَوابُ: لا، لأن العَطْف بالواو لا يَستَلزِم وُجوب التَّقديم، وإن كان قد يَقتَضيه، لكنه لا يَستَلزِمه؛ لأن الواو كما قال أهل اللُّغةِ ﵏: تَدُلُّ على مُطلَق الاشتِراك بدون تَرتيب؛ ولهذا إذا ما قُلْت: ما شاء اللَّه تعالى وشِئْتَ. مع أنك قدَّمْت مَشيئة اللَّه تعالى صار هذا نوعًا من الشِّرْك؛ لأن الواوَ تَقتَضي التَّسْوية، وليسَتْ تَستَلزِم التَّرتيب.
فإذا قال قائِل: لماذا أكَّدَ التسليم بالمَصدَر، قال ﵎: ﴿وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ولم يُؤكِّدِ الصلاة؟
فالجَوابُ: أن الصلاة تَقدَّم ما يُؤكِّدها وهو إِخْبار اللَّه تعالى بأنه يُصلِّي عليه ومَلائِكته، وهذا يُعطِي الإنسان قوَّة في الصلاة عليه متى عَلِم بأن الرسول ﷺ يُصلِّي اللَّه تعالى ومَلائِكته عليه؛ ولهذا جاء التَّوْكيد في التَّسليم دون الصلاة؛ لأن الصلاة أُكِّدَت تَأكيدًا مَعنَويًّا بذِكْر أن اللَّه تعالى وملائكته يُصلُّون على النبيِّ ﷺ ، وأمَّا التَّسليم فأُكِّد تَأكيدًا لفظيًّا؛ لأن قوله تعالى: ﴿تَسْلِيمًا﴾ مَصدَر لقَوْله تعالى: ﴿وَسَلِّمُوا﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ مُحمَّد ﷺ ] ولم يُفسِّر ﴿يُصَلُّونَ﴾ ﵀، وهذا نَقْص في التَّفْسير.
ثُمَّ قال ﵀: [﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: قولوا: اللَّهُمَّ صلِّ على مُحمَّد وسلِّمْ] ولم يُفسِّر التسليم، فما مَعنَى التَّسليم؟ قال بعضُ العُلَماء ﵏: إنك إذا قُلْت: السلام عليك. فالسلام من أَسماء اللَّه تعالى، يَعنِي: (اللَّهُ عَلَيْك)، وما مَعنَى: (اللَّهُ عَلَيْك)؟ أي: اللَّه تعالى حَفيظ عليك يُراقِبك ويَحفَظك.
وقال بعضُ العلماء ﵏: السلام عليك، أي: التَّسليم عليك، فهي جملة خبَرية بمَعنَى الدُّعاء، والسلام اسمُ مَصدَر بمَعنَى: سَلَم، مِثْل الكلام اسمُ مَصدَر
стр. 461
كَلِم، فمَعنَى السلام عليك، أَيْ: تسليم اللَّه تعالى عليك؛ أي: تَسليمك من الآفات.
وهذا المَعنَى هو الصحيح: أنك إذا قُلْت للإنسان: السلام عليك. أنك تَسأَل اللَّه أن يُسلِّمه من الآفات؛ الآفات الحِسِّيَّة والمَعنَوية، فالسلامة الحِسِّيَّة سلامة البَدَن والعِرْض والمال، والسلامة المَعنَوية سلامة الدِّين من الآفات؛ لأن الإنسان محَوط بآفَتَيْن، آفة الدِّين وآفة الدُّنيا، والسلامة منهما جميعًا من أكبَرِ نِعَم اللَّه تعالى على العَبْد.
فإن قال قائِل: الإنسان إذا سلَّم ولم يَستَحضِرِ المَعنَى؟
فالجَوابُ: لا بُدَّ أن يَستَحضِر المَعنى وإلَّا كان لَغْوًا من القول، وأكثَرُ الناس عندما يُسلِّم يَستَحضِر أنها تحية فقَطْ، وكذلك الرَّدُّ، وهذا لا يَنبَغي، بل الذي يَنبَغي أن تَستَحضِر أنها دُعاء له بالسَّلامة من الآفات؛ لأنك إذا كنت لا تَستَحضِر إلَّا أنها تَحيَّة فلا فرقَ بينها وبين قولِك: (أهلًا وسَهْلًا)، بل ربما تَكون التَّحيَّة بـ (أهلًا وسَهْلًا، مَرْحبًا يا أبا فُلان، حيَّاك اللَّه وبَيَّاك)، وما أَشبَه ذلك من الكلِمات التَّرحيبية تَكون أبلَغَ من هذا.
وما دُمْنا لم نَقصِد المَعنَى الذي قصَدَه الشار صار لَفْظًا مجُرَّدًا، فيَنبَغي لنا إذا سلَّمنا على أحَد أن نَستَحضِر أننا نَدعو له بالسلامة من الآفات؛ ولهذا لو أَتَيْت بكل تَرحيب ما قابَل هذه الجُملةَ الدُّعائِية: أن تَدعوَ اللَّه تعالى له بالسلامة.
فالحاصِلُ: أن أكثَرَ الناس يَقولون: (السَّلام عليكم) من باب التَّحيَّة فقَطْ، ونحن يَنبَغي لنا أن نَستَحضِر المعانيَ في كل ما نَقول حتى الآنَ: التَّحيَّات للَّه -تاب اللَّه علينا وعليكم- هل نَستَحضِر معنى التَّحيَّات، ومَعنَى الصلَوات، ومَعنَى الطَّيِّبات أم أَلْفاظ تُقرَأ؟ !
стр. 462
فإن قال قائِل: أحيانًا وأحيانًا!
فالجَوابُ: هذا أيضًا لا يَنبَغي، بل يَنبَغي أن نَستَحضِر لكل لَفْظ مَعناه، وإلَّا صارت ألفاظًا جوفاءَ، كثِياب ليس فيها أَجْسام أو أجسام ليس فيها أَرْواح، وماذا تَقول في: (التَّحيَّات للَّه والصلوات والطَّيِّبات) وأنت لاهٍ ما عِندك إلَّا ألفاظ تَمُرُّ على القَلْب فقَطْ؟ ! لذلك يَنبَغي كُلَّما قرَأْتَها أن تَستَحضِرها وأنت تُصلِّي، ما مَعنَى التَّحيَّات للَّه، والصَّلوات، والطَّيِّبات؟
فـ (التَّحيَّات): كل لَفْظ دالٍّ على البَقاء والتَّعظيم والتَّكريم؛ لأن التَّحية مَعروفة تعظيم للمُحَيَّا وتَكريم له.
و(للَّه) مَعروف أنها مُستَحَقَّة للَّه، وأنها خاصَّة به.
و(الصلَوات): الفَريضة أو النافِلة، وهي العِبادة المَخصوصة ويَدخُل فيها الدُّعاء، فالصَّلوات بمَعنَى العِبادة المَخصوصة وبمَعنَى الدُّعاء أيضًا، كلُّه للَّه ، فلا يُدعَى إلَّا اللَّهُ تعالى، ولا يُتعَبَّد بالصلاة إلَّا للَّه تعالى.
و(الطَّيِّبات): من الأقوال والأفعال خاصَّة باللَّه تعالى، وكذلك أَوْصافه، فالطَّيِّبات منَّا والطَّيِّبات منه، فكلُّ صِفاته طيِّبة، وكلُّ أَفْعاله طيِّبة، وكل أقواله طيِّبة، ومنَّا أيضًا: ما يَكون للَّه تعالى، ولا يَقبَله اللَّه تعالى إلَّا ما كان طيِّبًا؛ ولهذا قال النبيُّ ﷺ : "إِنَّ اللَّهَ طَيِّبًا لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا" (١).
فمَن يَستَحضِر هذين المَعنَيَيْن وهو يُصلِّي أن الطَّيِّباتِ باعتِبارها صِفة للَّه تعالى
стр. 463
ووَصْفًا لفِعْل المَخلوق؟ ! والثاني: أن الطَّيِّبات الواقِعة منَّا تَكون للَّه تعالى لا يَقبَل اللَّه تعالى سِواها، فكِلا المَعنَيَيْن حقٌّ: أن اللَّه طَيِّب، وهذا باعتِبار ما يَتعَلَّق باللَّه تعالى، ولا يَقبَل إلَّا طيِّبًا باعتِبار بما يَفعَله العَبْد.
ومَعنَى: (السلام عليك أيُّها النَّبيُّ) تَقدَّم ذِكْرها.
ومَعنَى: (ورحمة اللَّه وبركاته) الرحمة هي الدُّعاء له بالرحمة، وهي حُصول المَطلوب، وبالسَّلام زوال المَكْروه.
و(بركاته) يَعنِي: الخَيْر الثابِت الكثير، فأنت بعدما دعوت له بالرحمة سأَلْت اللَّه تعالى أن يَجعَل ذلك برَكةً عليه مُستَمِرَّة.
وأمَّا: (السلام علينا وعلى عِباد اللَّه الصالحِين) فقد فَسَّرَها النبيُّ ﷺ وقال: "إِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ" (١)، فمَنْ يَستَحضِر إذا سلَّم أنه يُسلِّم على الأنبياء والمَلائِكة والأَوْلياء والصالحِين من هذه الأُمَّة وغيرها، حتى نُسلِّم بهذا الكلامِ على الحَوارِيِّين الذين اختارهم عِيسَى ﵇، والسَّبْعين الذين اختارهم مُوسَى ﵇، والقليل الذين آمَنوا بنُوْح ﵇، وأَصْحاب الكَهْف، وآدم ﵇، وغيره، مَن يَستَحضِر هذا؟ ! الغالِب أننا لا نَستَحضِرُ! .
فإن قال قائِل: قول الرسول ﷺ أمَا يَدُلُّ على أن الصحابة لم يَستَحضِروا أنه قال: "إِذَا سَلَّمْتَ فَقَدْ سَلَّمْتَ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ".
стр. 464
فالجَوابُ: لا، لأنهم كانوا يَقولون: السلام على جِبريلَ وعلى مِيكائِيلَ وعلى فُلان وعلى فُلان؛ لأن ذلك التَّخصيصَ الذي أنت خصَصته ليس له حاجة، فإذا قُلْتم: (السَّلام علينا وعلى عِباد اللَّه الصالحِين) دخَلَ في هذا ما خَصَصْتم.
فإن قال قائِل: هل مَعنَى ذلك أنهم ما كانوا يَستَحضِرون؟
فالجَوابُ: لا، بل كانوا يَستَحضِرونه، ولهذا خَصُّوه.
أمَّا قوله: (أَشهَد أن لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، وأن محُمَّدًا عبدُه ورَسولُه) فهذا واضِح.
(أَشهَدُ) يَعنِي: أُقِرُّ، لكِنْ إقرارًا كالمُشاهِد بالعَيْن، يَعنِي: ليس هو إقرارًا هَزيلًا، و (أَشهَد) أَصْل الشُّهود والشَّهادة لِمَا رُئِيَ أو سُمِع بالأُذُن؛ لكن هنا عَبَّر عمَّا في القَلْب بالشَّهادة كأن الإنسان يُشاهِد ما أَقَرَّ به.
وأمَّا (ألَّا إِلهَ إلَّا اللَّه) فإن العامة يُخطِئون فيها يَقولون: (أَشهَدُ أنَّ لا إلهَ إلَّا اللَّه) (أشهد أنَّ)، وهذا خطَأ من حيث اللُّغة؛ لأن (أنَّ) المُشدَّدة لا يُحذَف اسمُها، ولكنها (أَنِ) المُخَفَّفة، فتقول: (ألَّا إلهَ إلَّا اللَّه)، يَعنِي: لا إلهَ حَقٌّ. أي: لا مَعبودَ حقٌّ إلَّا اللَّه ، والمَعبودات التي تُعبَد بدونه باطِلة.
(وأَشهَد أن محُمَّدًا عبده ورسوله) فيها أيضًا الإقرار المُتيَقَّن، كأنما يُشاهِد بأن محُمَّدًا عبد اللَّه ورسوله، فهو عَبْد ليس له حقُّ الرُّبوبية، ورَسول ليس فيه شيء من الخِيانة، فهو رَسولٌ حَقًّا.
وهذه مَعانٍ ظاهِرة عابِرة، ومع هذا أكثَرُ الناس لا يَستَحضِرونها! .
стр. 465
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إثبات المَلائِكة؛ لقَوْله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: شَرَف المَلائِكة بإِضافتهم إلى اللَّه ، وقوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتَهُ﴾ فإِضافتهم إلى اللَّه تعالى إضافةُ تَشريف.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان عُلُوِّ شَأْن النبيِّ ﷺ ، لكون اللَّه تعالى ومَلائِكته يُصلُّون عليه، فهذا من عُلوِّ شَأْنه ورِفعة ذِكْره.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الأمر بالصلاة والسلام على الرسول ﷺ ؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الصلاة والسلام عليه من مُقتَضيات الإيمان وأنه زِيادة في الإيمان؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الصلاة والسلام عليه واجِبان؛ لأن الأَصْل في الأَمْر الوجوبُ؛ ولأن ذلك من قَضاء حقِّ النبيِّ ﷺ الذي له على أُمَّته، فإن حقَّه على أُمَّته أَعظَمُ من حَقِّ الوالِدين على أَوْلادهم؛ ولكن الوَجوب يَحصُل بفِعْله مرَّةً واحِدة؛ فإذا دلَّ دَليل على التَّكرار وجَبَ أن نَأخُذ بمُقتَضى الدليل.
وقد قال كثير من أهل العِلْم ﵏ بوُجوب الصلاة والسلام عليه ﷺ في الصلاة وذلك في التَّشهُّد، فإن الإنسان يَقول: (السَّلام عليك أَيُّها النَّبيُّ)، ويَقول: (اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ).
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن المَشروع أن يُصلِّيَ الإنسان عليه باللَّفْظ؛ لقوله تعالى:
стр. 466
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾؛ ولا يَكفِي السلام أو الصلاة بالقَلْب، وعلى هذا فيَنبَغي عندما نَكتُب أحادِيثَ أن نَكتُب: ﷺ . وأمَّا ما يَفعَله بعض الناس من كِتابة: (ص) أو (صلعم) فإن أَهْل العِلْم كرِهوا ذلك، وقالوا: إن الأفضَل أن نَكتُب: ﷺ .
وربَّما كان الإمام أحمدُ ﵀ ربما كتَب الحديث ولم يَذكُر ﷺ (١)، وأَجاب بعضُ العُلَماء ﵏ عن ذلك: بأنه كان يَترُكها حِرْصًا على اغتِنام الوَقْت، لأنه كان يُصلِّي عليه بلِسانه دون قلَمه.
وقد تَقدَّم لنا في الشَّرْح والتَّفسير: أن الصلاة على النبيِّ ﷺ تَنقَسِم إلى قِسْمين: مُطلَقة ومُقيَّدة، وأنها في المَواضِع المُقيَّدة قد تَكون واجِبة وقد تَكون مُستَحبَّة، وأنها في بعض الأماكِن قد تَكون مَكروهة.
فهي إمَّا أن تَكتُبها كامِلة وإمَّا أن تَدَعها، فهي وإن كانت غيرَ مُشكِلة في القِراءة، إلا أنه إذا أَراد الإنسان أن يَقرَأ ولا يَعرِف اصطِلاح الكُتَّاب فسَوْف يَقول: "رسول اللَّه (ص) " أو "قال رَسول اللَّه (صلعم) ".
مَسأَلة: هل تَجوز الصلاة على غير الأنبياء؟
الجَوابُ: في هذا للعُلماء ﵏ أَقوال ثلاثة: الجَواز، والمَنْع والجواز إذا لم يَكُن شِعارًا له، وهذا هو الصحيح أنه يَجوز أن تُصلِّيَ على شخص بشَرْط ألَّا تَجعَل ذلك شِعارًا له كلَّما ذكَرْته صلَّيْت عليه، أو سلَّمْت عليه، وقد نَصَّ أهل العِلْم ﵏ على أن ما وُجِد في بعض الكُتُب عند ذِكْر: علي ﵁: يَقولون: (عليٌّ ﵇،
стр. 467
أو (عليٌّ كرَّم اللَّه وَجهَه)؛ أن ذلك من عمَل بعض النُّسَّاخ، ومَن يَكتُبها يَقول: إنه لم يَسجُد لصنَم، وإن اللَّه تعالى كرَّم وجهه بهذا. والأصل أن الذين يَكتُبون هذا يُريدون أن يَجعَلوا مِيزة لعَليِّ بنِ أبي طالِب ﵁ فقَطْ، وهذا أهَمُّ شيء عندهم سَواءٌ كان ذلك أحسَنَ أو ليس بأحسَنَ، يُريدون أن يَجعَلوا له مِيزة.
وأن الأَفضَل أن يُقال له كما يُقال لغيره من الصَّحابة: عليٌّ ﵁. مع أن (عِليٌّ ﵁) أكمَلُ مِن (عِليٌّ ﵇، وأكمَلُ من (عِليٌّ كرَّم اللَّهُ وجهَه)؛ لأن الرِّضا مَرتَبة عَظيمة.
أمَّا إذا صُلِّيَ على غير الأنبياء بالتَّبَع فهذا جائِز بالاتِّفاق، وقد علَّم النبيُّ ﷺ أُمَّته أن يَقولوا: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ" (١).
وسبَق لنا أيضًا الدُّعاء بالرحمة للرسول ﷺ هل يُدعَى له بالرحمة، وأن من أهل العِلْم مَن كرِهَ ذلك، والصحيح أنه ليس بمَكروه.
فائِدةٌ: (ر) (ض) في قولهم: ﵁ رَمْز أيضًا.
* * *
стр. 468
الآية (٥٧)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ وهُمُ الكُفَّار يَصِفون اللَّه تعالى بما هو مُنزَّهٌ عنه من الولَد والشَّريك، ويُكذِّبون رسولَه]، هذا من الإِيذاء ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ جُمْلة خبَرية مُؤكَّدة بـ (إِنَّ)، وخبَر (إِنَّ) قولُه تعالى: ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ يُؤذون اللَّه تعالى بوَصْفه بالعُيوب التي لا تَليق به، مثل قول بعضهم عن اللَّه تعالى: فَقير. ومِثْل: سَبِّ الدَّهْر؛ واللَّه تعالى يَقول: "يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ" (١)، ومِثْل أن يَقولوا: إن اللَّه تعالى اتَّخَذ صاحِبة أو ولَدًا، أو إن اللَّه تَعالى لمَّا خلَق السَّمواتِ والأرضَ تَعِب واستَراح يومَ السَّبْت. وما أَشبَه ذلك، فإيذاء اللَّه تعالى يَكون بأن يُوصَف بما لا يَليق به.
ومنه إِنْكار أسمائه وصِفاته؛ لأن هذا -لا شَكَّ- سَلْب للكمال عنه فيَتضَمَّن
стр. 469
النَّقْص؛ لأن الكَمال والنَّقْص مُتضادَّان، فما من شيء إلَّا مَوصوف بالكَمال أو بالنَّقْص، فإذا سُلِبَت عنه صِفات الكَمال لزِمَ ذلك اتِّصافه بالنَّقْص وهو نَوْع من الإيذاء.
وأَمَّا إيذاء الرسول ﷺ فيَكون بالقَوْل وبالفِعْل؛ فبالقول: أن يُوصَف الرسول ﷺ بأنه ساحِر أو شاعِر أو كاهِن أو مجَنون، والغريب أن الساحِر والمَجنون، وُصِف به جميع الأَنبياء ﵈، فكُلُّ الأنبياء السابِقين المُرسَلين إلى قَوْمهم وُصِفوا بهذا، قال : ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذاريات: ٥٢]، فهذه الأَوْصافُ -لا شَكَّ- أنها تُؤذِي الرسول ﵊، وتُؤذِي كلَّ وَليٍّ للَّه تعالى ورسوله ﷺ أن يُوصَف النبيُّ ﷺ بهذه الأَوْصافِ الكاذِبة.
وكذلك إيذاء الرسول بالفِعْل ما صنَعت قُريشٌ به ﷺ حين أَتَوْا بسَلى الناقة وهو ساجِد في المسجد الحرام أمام بيت اللَّه ، فوَضَعوا سَلى الناقة على ظَهْره وهو ساجِد (١)، وأيُّ أذيَّة أَبلَغُ من هذا؟ ! رجُل لم يَتَعرَّض لهم فإنما يَعبُد اللَّه في آمَنِ مَكانٍ على وجهِ الأرض؛ أمام بيت اللَّه ! وأَقرَبُ ما يَكون من ربه! ثُمَّ يَأتي هؤلاءِ الظلَمةُ المُعتَدون فيَضَعون عليه هذه القاذُوراتِ؛ أَعتَقِد أن هذا من أَبلَغِ ما يَكون من الأذِيَّة حتى جاءتِ ابنَتُه الطِّفلة الصغيرة فأَزالَتْه عنه.
وكذلك من الأذية ما ذكَروا أنهم كانوا يُلقون الأَنْتانَ والقاذوراتِ على عَتَبة بابه ﷺ في مَكَّة حتى إنه كان يَخرُج ويَقول: "أيُّ جِوَارٍ هَذَا؟ ! " (٢) يَعنِي: لو كنت
стр. 470
جارًا لكم ولَسْت مِنْكم لم تَفعَلوا بي هذا الفِعْلَ! فهؤلاء الذين يُؤذون اللَّه تعالى ورسوله ﷺ لعَنَهم اللَّه تعالى في الدنيا والآخِرة -والعِياذُ باللَّه- يَعنِي: أَبعَدَهم اللَّه عن رحمته في الدُّنيا وفي الآخِرة؛ لأن اللَّعْن بمَعنَى: الطَّرْد والإبعاد عن رحمة اللَّه.
وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ﴾ ولم يَقُلْ: (آذَوْا اللَّه)؛ لأنهم مُستَمِرُّون في الأذية، وما داموا مُستَمِرِّين في الأذية فإن لهم اللَّعْن في الدنيا والآخِرة، أمَّا إذا منَّ اللَّه تعالى عليهم بالهِداية ورجَعوا إلى اللَّه تعالى وتابوا من شِرْكهم؛ فإن اللَّعْنة تَرتَفِع عنهم؛ لأن الحُكْم يَدور مع عِلَّتِه.
قوله ﵀: [﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أَبعَدَهم ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾]، ﴿وَأَعَدَّ﴾ بمَعنَى: هيَّأ، والعَذاب بمَعنَى: العُقوبة و ﴿مُهِينًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [ذا إِهانةٍ وهو النار] عذاب النار -والعِياذُ باللَّه- إهانة بدَنية وإهانة نَفْسية؛ ولهذا يُقال لأصحاب النار: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الدخان: ٤٧]، ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ﴾ أي: ادْفَعوه بشِدَّة وعُنْف إلى سواء الجَحيم، يَعنِي: قَعْرها وأَصْلها، ﴿ثُمَّ صُبُّوا﴾ من ﴿فَوْقَ رَأْسِهِ﴾ الرَّأس الذي لم يَكُن يَنحَنِي لأَحَد ولا للَّه تعالى، ﴿صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ﴾ الحَميم الماء الشديد الحَرارة؛ ثُمَّ يُقال له بعد الإِهانة بالفِعْل يُقال له: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩]، هذا تَهَكُّم به، يَعنِي: إنك كنتَ في نَفْسك عزيزًا كريمًا؛ لكنك الآنَ ذَليل مَهين خِلاف المَجْد والكرَم، فهذا هو العَذاب الأليم الذي أُعِدَّ للكافِرين -عسَى اللَّه تعالى أن يُسلِّمَنا وإيَّاكم منه- فصارت عُقوبة هَؤلاء المُؤذِين للَّه تعالى ولرسوله ﷺ أَمْرين عَظيمين، أحَدُهما اللَّعْن وهو الطَّرْد والإِبْعاد من رحمة اللَّه تعالى، والثاني العَذاب المُهين الذي يُوقِعهم في الهَوان والذُّلِّ، المُؤمِنون والمُؤمِنات.
стр. 471
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن أذِيَّة اللَّه تعالى ورسوله ﷺ من كَبائِر الذُّنوب، وجهُ ذلك أن اللَّه تعالى تَوعَّد عليها باللَّعْن والعَذاب، وكلُّ شيء تَوعَّد اللَّه تعالى علَّيْه باللَّعْن أو العَذاب فإنه من كبائر الذُّنوب.
وقدِ اختَلَف العُلَماء ﵏ في الكبائِر هل تُعَدُّ أو تُحَدُّ، فمِنهم مَن عدَّها عَدًّا، ومِنهم مَن حدَّها حَدًّا، وقالوا: إن الكبيرة كل ما رُتِّب عليه عُقوبة خاصَّة فهو كبيرة، وهذا حدٌّ لشَيْخ الإسلام ابنِ تَيميَّةَ (١) ﵀: كلُّ ذَنْب رُتِّب عليه عُقوبة خاصَّة دُنيوية أو أُخروية؛ فإنه من كبائر الذُّنوب، سواء كان لَعْنة أو غضَبًا أو نَفيَ إيمان أو تَبرُّؤًا منه أو عَذابًا، وما أَشبَه ذلك، فكلُّ شيء له عُقوبة خاصَّة فهو من كبائِر الذُّنوب.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وَصْف اللَّه بأنه يَتَأذَّى؛ لقوله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيان كَمال اللَّه ؛ لأنه إذا كان يَتأذَّى من الأَشياء المُنكَرة التي لا تَليق به دلَّ ذلك على كَماله؛ ولهذا عِند الناس من العَيْب أن الإنسان لا يَتَأذَّى بما يُوصَف به من عَيْب؛ ولهذا يُسمُّون مِثْل هذا الرَّجُل يُسمُّونه (الحِمار)؛ لبَلادته وعدَم أَهمِّيته، فهو لا يُفرِّق بين مَن يَمدَحه ومَن يَقدَح فيه؛ كلُّه سَواءٌ عنده، لكن الإنسان الذي يَتأذَّى للعَيْب هذا الذي له شُعور وعاطِفة، ثُمَّ إذا صبَر واحتَسَب واستَعمَل الحِكْمة في ذلك كان خيرًا.
стр. 472
المُهِمُّ: أن الأذِيَّة ممَّا ليس بمَحمود تُعتَبَر كمالًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن أذِيَّة الرسول ﷺ كأَذِيَّة اللَّه لأن اللَّه جمَع بينهما بالواو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ فكما أن طاعة الرسول ﷺ كطاعة اللَّه تعالى، ومَعصية الرسول ﷺ كمَعصية اللَّه تعالى، فأَذِيَّة الرسول ﷺ كأذِيَّة اللَّه تعالى، يَعنِي: من حيث التَّحريم، وأنها من الكبائِر، وإلَّا فإن أذِيَّة اللَّه تعالى أَعظَمُ من حيث الجِهة التي نُسِب إليها الذمُّ والعَيْب.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: إثبات اللَّعْنة، أي: لَعْنة اللَّه تعالى وهي طَرْده وإبعاده، وهي من الصِّفات الفِعْلية؛ لأن كل صِفة للَّه تعالى مُعلَّقة بسبَب فهي من الصِّفات الفِعْلية؛ لأن هذا السبَب يَتجَدَّد فتكون الصِّفة بعد وُجوده.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: العَذاب المُهين كُلُّنا يَعرِف أنه في النار؛ لأنها هي التي عَذابها مُهين.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الجَزاء من جِنْس العمَل، فكما تَعالَى هَؤلاءِ وتَعاظَموا وأَهانوا الرَّسول ﷺ بأذِيَّته عاقَبَهم اللَّه تعالى بما يُهينهم ويُذِلِّهم من العَذاب.
* * *
стр. 473
الآية (٥٨)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
* * *
قال ﵀ [﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ يَرْمونهم بغير ما عمِلوا ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ تَحمَّلوا كذِبًا و ﴿وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ بيِّنًا].
تَأمَّلِ الفَرْق بين أذِيَّة اللَّه تعالى ورسوله ﷺ وأَذِيَّة المُؤمِنين تَجِد بينهما فَرْقًا كبيرًا في العُقوبة، قال : ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ هذا لم يُذكَر في الآية الأُولى بسبَب أنه لا يُمكِن أن يَكون من فِعْل اللَّه تعالى أو من فِعْل رَسوله ﷺ ما يَستَحِقُّون به الأذِيَّة، لكنَّ المُؤمِنين يُمكِن أن يَقَع منهم ما يَستَحِقُّون به الأذِيَّة؛ ولهذا قال ﵎: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾؛ لأن المُؤمِن قد يَكتَسِب شيئًا يَستَحِقُّ الأَذِيَّة عليه.
وأيضًا قال ﵎: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ولم يَقُل: لعَنَهمُ اللَّه ولا أَعَدَّ لهم عذابًا مُهينًا، بل قال ﵎: ﴿احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ يَعنِي: كذِبًا وتَحمَّلوه، والبُهتان هو أن تَذكُر أخاك بما ليس فيه؛ ولهذا لمَّا سأَل النَّبيُّ ﷺ عن الغِيبة قال ﷺ : "هِيَ ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ" قال: يا رسول اللَّه أَرَأَيْت إن كان في أخي ما أَقول؟ قال:
стр. 474
"إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ بَهَتَّهُ" (١).
إِذَن: أَذِيَّة المُؤمِنين بماذا تَكون؟
الجَوابُ: تَكون بالقَوْل وبالفِعل وهي كثيرة لا حَصرَ لها، مِنها أذِيَّة الجارِّ حتى إن العُلَماء ﵏ يَقولون: لا يَجوز للإنسان أن يَدُقَّ وتَدًا في الجِدار المُشتَرَك بينه وبين جاره على نَحو يُؤذِي جارَه، ولا يَجوز أن يَسقِيَ نَخْله إذا كان الماء يَتَسرَّب إلى جاره، ولا يَجوز أن يَجعَل رَحًا تَطحَن حول جاره؛ لأن ذلك يُؤذِيَه، فالأَذِيَة كثيرة.
ومن هذا النوع أن يُهينه عندما يَأتي لطَلَب حَقِّه فإن بعض المُوظَّفين -والعِياذُ باللَّه- إذا جاءَهم الناس لإجراء مُعاملاتهم تَجِدهم يَمتَهِنونهم ويُؤذونهم، هذا أيضًا من أَذِيَّة المُؤمِنين بغير ما اكتَسَبوا، وأَنواعها لا يُمكِن حَصْرها، والشيء العامُّ هو أن يَحصُل للمُؤمِن أَذِيَّة من فِعْل أو قَوْل، فالذين يُؤذون المُؤمِنين بغير ما اكتَسَبوا فقَدِ احتَمَلوا بُهتانًا وإثمًا مُبينًا، نَسأَل اللَّه تعالى العافِية.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: تَحريم أذِيَّة المُؤمِنين بغير حَقٍّ؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تَحريم كلِّ أذيَّة أيًّا كان نوعها سَواء كانت قَوْلية أو فِعْلية؛ لعُموم اللَّفظ في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ﴾ واسمُ المَوْصول من صِيَغ العُموم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن أذِيَّة المُؤمِن بما هو من كَسْبه ليس فيها وعيدٌ، وليست إِثْمًا ولا بُهتانًا لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾.
стр. 475
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنه لا يَجوز أن يُؤذَى بأكثَرَ مِمَّا يَستَحِقُّ، فلأنه سَبَّكَ فلا تَسُبَّه أكثَرَ؛ لأنك إذا سبَبْته بِمِثْل ما سبَّك فقد آذَيْتَه بقَدْر ما اكتَسَب، وقد قال ﵎: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: الرَّدُّ على الجَبْرية؛ لقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾ فأَضاف الفِعْل إليهم، والجَبْرية يَقولون: إن الإنسان مجُبَر على عمَله، وأنه لا حَوْلَ له ولا قوَّةَ، يَفعَل الشيء بغير اختِيار، ويَدَعه بغير اختِياره! .
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: ذَمُّ الكذِب؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا﴾ ولا سِيَّما إذا كان الكذِب يُؤدِّي إلى أذِيَّة الغَيْر.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: جَواز أذِيَّة غير المُؤمِنين؛ لقوله تعالى: ﴿يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا﴾، لكن إذا كان الإنسان غيرُ المُؤمِن ذِمِّيًّا أو مُعاهَدًا أو مُستأمَنًا فإنه لا تَجوز أذِيَّته بما يُخالِف عَهْده، فإِذَن: غير المُؤمِن فيه تَفصيلٌ، أمَّا المُؤمِن فأذِيَّته حرامٌ في كلِّ حالٍ، وغير المُؤمِن فيه تَفصيلٌ: إذا آذَيْناه أكثَرَ ممَّا يَقتَضيه العَهْد فهو حرام ولا يَجوز، وإن آذَيْته في حُدود ما يَقتَضيه العهد فإنه لا حُرمةَ له إلَّا فيما يَقتَضيه عهدُه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أن الذَّنْب قد يَجمَع بين وَصْفين ذَمِيمين؛ لقوله تعالى: ﴿فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾، فهُمْ بكَذِبهم احتَمَلوا البُهْتان وبعُدوانهم احتَمَلوا الإثم المُبين.
* * *
стр. 476
الآية (٥٩)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٩].
* * *
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ الخِطاب بـ ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ تَقدَّم التَّنبيهُ عليه بأن اللَّه نادَى محُمَّدًا ﷺ بوَصْفه نبيًّا، والنبيُّ يُنفِّذ ما أُوحِيَ إليه، ولا يَتَأخَّر عنه، وسَبَق أن النبيَّ مَأخوذ من النَّبأ أو النَّبْوَة أو مِنهما جَميعًا، فإنه مُنْبِئٌ مُنْبَأ، وذو رِفْعة فهو مُشتَقٌّ من النَّبَأ سواء كان واقِعًا منه أو واقِعًا عليه، ومن النَّبْوة وهي الرِّفْعة فالشيء النابِي هو الشيء المُرتَفِع.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾: ﴿قُلْ﴾ هذه فِعْل أَمْر ومن المَعلوم أن الرسول ﷺ قد أُمِر أن يَقول جميعَ القُرآن وأن يُبلِّغه، لكن إذا كان الحَكَم مُصدَّرًا بـ (قُلْ) فهو دَليل على العِناية به؛ لأنه أُمِر أن يُبلِّغه بخُصوصه؛ فيَكون في هذا دليل على أنه -أي: هذا الشيءُ الذي أُمِر أن يَقوله الرسول ﷺ أَمْر هامٌّ.
قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ جَمْع زَوْج، وزَوْج يُطلَق على الرجُل والمرأة؛ لأنه مَأخوذ من الازدِواج وهو الاختِلاط، واللُّغة الفُصحى فيه أَنْ لا تَفريقَ بين الذَّكَر والأُنْثى ولكن الفَرضِيِّين ﵏ التَزَموا أن يَجعَلوا الأُنثى بالهاء والرجُل بدون هاء؛
стр. 477
تَفريقًا بين الوسائِل؛ لأنه إذا قالوا: مات مَيْت عن زَوْج وابنٍ، وأَرادوا بالزوج الأُنثى اشتَبَه هل يُراد بالزَّوْج الذَّكَر أو الأُنثى فالتَزَموا أن يُفرِّقوا بين الذكَر والأُنثى بالتاء؛ على أنه قد قِيل: إنها لُغَة لكِنَّها قليلة.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ وبدَأ بالأزواج؛ لأن الحِماية لهُنَّ والغَيْرة فيهِن أشَدُّ وأبلَغُ.
وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتِكَ﴾ قُلنا: إنهن أربعة، لكن إذا كانت هذه الآيةُ قد نزَلَت في السَّنَة السادِسة للهِجْرة فإن بعضَهن قد مات، وعلى هذا نَقول: المُراد المَوْجود مِنهن ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ عامٌّ في كل امرأة من المُؤمِنين؛ وإنما قال ﵎: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دون أن يَقول: (والنساء)؛ لأَجْل الإِغْراء والحَثِّ، كقوله ﷺ : "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ" (١)، وإلَّا فإن الكافِرات يَجِب عليهن من الحِجاب ما يَجِب على المُؤمِنات؛ لئلا يَفتَتِنَ الناس بهِنَّ.
وقوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يَشمَل زَوجاتِ المُؤمِنين ومَن للمُؤمِنين عليهن ولاية، من البَنات والأَخَوات والعَمَّات والخالات والأُمَّهات وغير ذلك، وفي قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ دَليل على أن الرِّجال قوَّامون على النِّساء، وإلَّا لاكتَفى بقول: (والنِّساء المُؤمِنات).
فإن قال قائِل: الكِتابيات إذا تَزوَّجْن من المُسلِمين هل يُخاطَبْن بالحِجاب، رغم قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وهل يُقال: إنها غيرُ مُكلَّفة فلا تُخاطَب؟
стр. 478
فالجَوابُ: في قَوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الخِطاب مُوجَّه لهُنَّ، وإلَّا فغَيْر المُؤمِنات يَجِب أن يَستُرْن وُجوهَهُن؛ لأن الفِتْنة حاصِلة، بل ربما تَكون الفِتْنة في غير المُؤمِنات أكثَرَ؛ لأن الرجُل يَقول: هذه كافِرة، فذَنْبها أعظَمُ؛ لأنه قد يُحارِشها أو يَتَوصَّل إليها بالزِّنا.
وهي مخُاطَبة، ولا سيَّما في الأُمور الظاهِرة؛ ولهذا يَمنَعون من إظهار الخَمْر والخِنزِير وما أَشبَه ذلك، مع أنه مُباح في شَريعتهم.
قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جُمْلة: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ تَحتَمِل أن تَكون مَرفوعة وأن تَكون مَجزومة؛ وعلى كل حال هي: مَبنيَّة الآنَ لاتِّصالها بنون النِّسْوة، والفِعْل المُضارِع يَكون مَبنيًّا في مَوضِعين إذا اتَّصَلت به نون النِّسوة أو نون التَّوْكيد، وهنا اتَّصَلت به نون النِّسوة، فهو مَبنيٌّ على السُّكون، لكن هل هو في مَحلِّ رَفْع أو في مَحلِّ جَزْم؟
الجَوابُ: إن كانت ﴿يُدْنِينَ﴾ مَقول القول فهي في محَلِّ رَفْع، يَعنِي: قل لهؤلاء: أَدْنِينَ. وإن كانت جَوابًا للأمر فإنها في مَحلِّ جَزْم؛ لأن جواب الأَمْر يَكون مَجزومًا، وقِيل: إنها مجَزومة على تَقدير اللَّام، أي: قُلْ لأَزْواجك وبناتِك ونِساء المُؤمِنين ليُدْنِين عليهن من جَلابِيبهن هذه على تَقدير لامِ الأَمْر كقول الشاعِر:
مُحَمَّدُ تَفْدِ نَفْسَكَ كُلُّ نَفْسٍ ... . . . . . . . . . . . . . (١)
(تَفْدِ): التَزَمها على تقدير اللَّام، أي: لتَفْدِ نَفْسَك؛ وأيُّ الاحتِمالين أرجَحُ
стр. 479
أن تَكون مَقولًا للقول في مَحلِّ رَفْع أو أن تَكون في محَلِّ جَزْم؟
فالجَوابُ: القُرآن قد بيَّن ذلك، قال اللَّه تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] هذا يَدُلُّ على أنها مَجزومة على أنها جَواب الأَمْر، إذ لو كانت مَرفوعة لقال: يَقولون التي هي أَحسَنُ فلمَّا قال: ﴿يَقُولُوا﴾ دلَّ عن أنها جوابُ الأمر، وهي أيضًا من حيث المَعنَى أبلَغُ؛ إذا كانت جوابًا للأمر كأنَّهم يَفعَلون ذلك مُباشَرة؛ يَعنِي: كأن فِعْلهم هذا جوابٌ للأَمْر، أي: أنه مُتسَبِّب عنه فيَكون ذلك أبلَغَ في الامتِثال من أن يُؤمَروا أَمْرًا قد يَمتَثِلونه وقد لا يَمتَثِلونه.
فقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] وماذا يُؤيِّد أنها جواب الأمر أو أنها مَقول القَوْل؟ الجواب: أنها جَواب الأَمْر؛ ولهذا يَقول: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ فجَزَمها بحَذْف النون، ولم يَقُل (يَغُضُّون من أَبصارِهم).
وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنّ﴾ [النور: ٣١] وماذا يُؤيِّد؟
الجوابُ: لا دليلَ فيه؛ لأنه مَبنيٌّ، فليس فيه دليلٌ على هذا ولا على هذا.
المُهِمُّ: أن الأَوْلَى أن نَجعَل قوله : ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جَوابًا للأَمْر، ويُؤيِّد ذلك: السِّياقُ في كِتاب اللَّه، ويُؤيد ذلك: أنه أَقْوى في الامتِثال والتَّنفيذ؛ حيث كان جوابًا لمُجرَّد القول: كأنهن يَفعَلن ويَمتَثِلن.
وقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾: ﴿مِنْ﴾ ليسَت زائِدة كما قيل؛ لأن (مِن) لا تُزاد إلَّا في النَّفي كما قال ابن مالِك ﵀:
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجُرّ ... نَكِرَةً كَـ (مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ) (١)
стр. 480
وعلى هذا فـ (مِن) ليسَت بزائِدة، يَعنِي: ليس المَعنَى: يُدْنين عليهن جَلابِيبَهن، بل (مِن) للتَّبعيض، أي: يُدنين عليهم من جَلابِيبهن، أي: بعض جَلابيبهن.
وهل التَّبعيض هنا تَبعيض جُزْء من كلٍّ، أو تَبعيض فَرْد من فَرْد، بمَعنَى هل قوله تعالى: ﴿مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي: من الجَلابيب التي عِندهن؛ لأن الواحِدة قد يَكون عِندها جِلْبابان أو أكثَرُ، أو أن المعنى ببَعْض الجِلْباب التي عليها؟
الجَوابُ: هذا الأخيرُ هو الأقرَبُ، يَعنِي: تُدْني عليها بعض جِلْبابها.
والجِلْباب: هو الرِّداء أو المَلاءة أو المِلحَفة، يَعنِي: الشيء الواسِع الذي يَشمَل جميع البدَن أو أَكثَرَه.
و﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ ولم يَقُل: (إليهِن) بل قال تعالى: ﴿عَلَيْهِنَّ﴾؛ ليَكون الإِدْناء مُلاصِقًا لهن، فكأنه ضَمَّن مَعنى: يَضْمُمْنَ عليهن؛ ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ أي: يُقرِّبنه حتى يَضُمَّمنه عليهن.
وقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لم يَقُل: (على وُجوهِهن) ولا (على نُحورِهِنَّ) ولا (على صُدورهِنَّ)، فيَكون شامِلًا لجميع البدَن؛ فقال تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ أي: على جميع البدَن، ولكن من المَعروف أن الجِلباب ساتِر لأكثَر البدَن، والعادة عندهم أن المرأة تَكشِف وجهَها وتَخرُج مَكشوفة الوَجه ومَكشوفة النَّحْر، فأَمَر اللَّه أن يُدْنين عليهن من جَلابِيبهن، أي: على هذا المَكشوفِ الذي يَكشِف عادة وهو الوَجْهُ والنَّحْر، كما قال ذلك ابنُ عباس ﵄ وغيره: بأن تُغطِّيَ وجهها ولا تُبدِ إلَّا عَيْنًا واحِدةً (١) تَنظُر بها للضَّرورة، وهذا فيما إذا كان الجِلباب صَفيقًا بحيث
стр. 481
إذا غطَّتْ وجهَها لا تَرَى، أمَّا إذا كان خَفيفًا كما هو مَعروف عندنا في الوَقْت الحاضِر فلا حاجةَ إلى إبداء العَيْن؛ لأن إبداء العَيْن إنما هو للضَّرورة، بدليل أن الصحابة كابن عبَّاس ﵁ وغيرِه رخَّصوا في إبداء العَيْن الواحِدة؛ لأنها بقَدْر الضَّرورة وإلَّا لكانوا يَقولون: تُخرِج العَيْنَيْن جميعًا.
وعلى كل حال: فالمَعنَى يُدْنين عليهن من جَلابيبهن فيما يَكشِفنه من أبدانهم وهو الوَجْهُ، فهذا ما جرَتْ عليه العادة.
وكان هذا الكَشْفُ عامًّا للإماء والحَرائِر، فصار بعض مَن في قَلْبه مرَض مِن المُنافِقين الذين يُؤذون المُؤمِنين والمُؤمِنات يُلاحِقونهن فإذا عثَر عليهم قالوا هذه حَسِبْناها أَمَةً فعيَّرْناها وهي حُرَّة! فشُكِيَ ذلك إلى الرسول ﷺ فأَنزَل اللَّه تعالى هذه الآيةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ هكذا قال بَعضُهم في سبَب النُّزول، لكنه غيرُ مُسنَد، ونحن لا يُهِمُّنا أن تَكون آية لها سبَب في نُزولها أم لَيْسَت لها سبَب؛ المُهِمُّ: هو الحُكْم الذي دلَّت عليه.
قال ﵀: [﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ جَمْع جِلْباب وهي المُلاءة التي تَشتَمِل بها المُرأة، أي: يُرْخين بعضَها على الوجوه إذا خرَجْن لحاجتِهن إلَّا عينًا واحِدة] لضَرورة النظَر.
وقوله ﵀: [جَمْع جِلْباب وهي المُلاءَة]، وهي تُشبِه العَباءة عندنا، ولمَّا أَمَر النبيُّ ﷺ بخُروج النساء في العيد للصلاة، قالت أُمُّ عَطيَّةَ ﵂: يا رسول اللَّه، إحدانا ليس لها جِلباب. فقال ﷺ : "لِتُلبِسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا" (١)، ولم يَقُل: لتَخرُج
стр. 482
بدون جِلباب. وهذا يَدُلُّ على أنه لا بُدَّ أن تَخرُج المرأة بما يَستُرُها ولا يُبيِّن حَجْم جِسْمها.
قال ﵀: [﴿ذَلِكَ أَدْنَى﴾ أَقرَبُ إلى ﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنَّهن حَرائِرُ ﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ بالتَّعرُّض لهُنَّ] قوله: [يُعرَفْن بأنهن حَرائِرُ] هذا بِناءً على ما قُلْت، ولكن لنا أن نَقول: ﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنهن محُتَشِمات وبَعيدات عن الرِّيَب ولا يُرِدن السُّوء ولا الفاحِشة؛ لأن المرأة إذا كانَت محُتَشِمة مُتحَجِّبة دل ذلك على كَمال عِفَّتها، وأنها لا تُريد أن تَقَع في مَواضِعَ الرِّيَب، بخِلاف المرأة العاهِرة -والعِياذُ باللَّه- فإنها تَتَبرَّج وتَكشِف وجهَها وتُخرِج يديها وذِراعَيْها وحُلِيَّها وما أَشبَه ذلك، فإذا كانت المرأةُ مُتحَجِّبة عُلِم أنها امرأة محُتَشِمة عَفيفة؛ ولهذا قال ﵎ ﴿أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾، وإذا كانت عَفيفة مُحتَشِمة فإن الفُسَّاق لا يَتَعرَّضون لها؛ لأنهم يَعلَمون أنها ليسَتْ من أَصحابهم، وإنما هي امرأة حامِيةٌ نَفسَها محُتَفِظة، هذا من جِهة؛ ويُحتَمَل ما قاله المُفَسِّر ﵀: [﴿أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ بأنَّهُنَّ حَرائِرُ]؛ والآية صالحِة لهذا ولهذا.
قال ﵀: [﴿فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ بالتَّعرُّض لهن بخِلاف الإماء فلا يُغطِّين وُجوهَهن، فكان المُنافِقون يَتعَرَّضون لهُنَّ] وهكذا كانت الإِماء في عهد رسول اللَّه ﷺ وفي عهد الخُلَفاء لا يَحتَجِبْن لأنَّهن مَملوكات، ولا يَتعلَّق بهن إلَّا رَديء النَّفْس.
ولكن شَيْخ الإسلام ابن تَيميَّةَ (١) ﵀ قال: "إِن هذا في الإِماء اللاتي لا يُخشَى مِنهن فِتْنة، وأمَّا الإِماء الجَميلات اللاتي يَفْتِنَّ فإنه يَجِب عليهن أن يُغطِّين وُجوهَهن؛ وذلك لِخَوْف الفِتْنة لا لإِلحْاقِهن بالحَرائر"، وما قاله ﵀ صحيح، والمَعنَى يُؤيِّده، فإن كل ما يُخشَى منه الفِتْنة فإنه يَجِب البُعد عنه؛ ولهذا قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ
стр. 483
بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾؛ لأن الخَلْخال الذي يُسمَع إذا ضرَبَتِ المرأة برِجْلها يُخشَى منه الفِتْنة، وخَشْية الفِتْنة بمَخفيٍّ عند ضَرْب المَرْأة برِجْلها أقلُّ بكثير من أن تُخرِج المرأة وجهَها، ذلك الوجهَ الجَميل المُجمَّل بالكُحْل والتَّحمير وغير ذلك.
وكلٌّ يَعلَم أن هذا أَعظَمُ فِتْنةً من خَلْخال مَستور يُسمَع صوته عند الضرب بالرِّجْل، وتَأبَى حِكْمة اللَّه أن يَنهَى عن ضَرْب المَرأة برِجْلها؛ لئَلَّا يُسمَع خَلْخالها، ثُم يُرخِّص لامرأة من أجمَل النِّساء أن تُظهِر وَجْهها وكفَّيْها! ! فهذا تَأباه حِكْمة اللَّه .
فإن قال قائِلٌ: لم ضَرَب عُمرُ الأَمَة حينما غطَّتْ رأسها (١)؟
فالجَوابُ: ضَرَبها لئَلَّا تَتَشبَّه بالحرائر خَوْفًا من أن يَختَلِط هؤلاء بهؤلاء، ثُمَّ يَبقَى الفَرْق والمِيزة بينهما لا أثَرَ لها، فإذا كانت الإِماء يُغطِّين وُجوهَهن بَقِيت الحرائِر غيرَ مَعلومات؛ ولا يُحتَجُّ به؛ لأن عِندنا قواعِدَ عامة وهي التَّعرُّض للفِتَن مَمنوع في الشَّرْع.
قال تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ لِمَا سبَق منهن مَن تَرَك التَّستُّر، رَحيمًا بهِنَّ إذ ستَرَهن] ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا﴾ سبَقَ تَفسير الغُفور والرَّحيم، وأن اللَّه تعالى يَجمَع بينهما دائِمًا لأَجْل أن يَترَكَّب من الاسْمَيْن زوال المَكروه وحُصول المَطلوب، فزَوال المَكروه بالمَغْفِرة وحُصول المَطلوب بالرَّحْمة.
واللَّهُ يَذكُر دائِمًا المَغفِرة والرحمة عن أَمْر قد سلَف ولم يَنزِل به حُكْم مثل
стр. 484
قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٣]؛ لأنه لولا مَغفِرة اللَّه تعالى ورحمته لكان يُعاقِبنا على المُخالَفة التي لا تَليق، لكن اللَّه تعالى من مَغفِرته ورحمته لا يُؤاخِذنا بما لم يَشرَع لنا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أَهمِّية ما أَمَر اللَّه تعالى به رسولَه ﷺ في هذه الآيةِ، وجهُ ذلك: أن اللهَ تعالى أمَرَه أن يُبلِّغها أمرًا خاصًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾، وإلَّا فكُل القُرآن مَأمور بقوله ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]، لكن بعض الأَحْكام يُصدِرها اللَّه ، فيَكون كأنه أَرسَل بهذه الآيةِ إِرْسالًا خاصًّا، فيَكون في ذلك دليلٌ على أهمِّية هذا الأمرِ الذي أمَر اللَّه تعالى به رسوله ﷺ .
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنه يَجِب على الإنسان أن يَغار على زَوْجته أكثَرَ من غيرها؛ لأنها فِراشُه، وفي فَسادها فَسادٌ لفِراشه، وتَشكيك في نَسْله، وجه ذلك: أن اللَّه تعالى بدَأَ بالأزواج فقال تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الإنسان مَسؤول عمَّن تحت رِعايته سَواء كانت تِلكَ المَسؤوليةُ عامَّة أَمْ خاصَّة، وفي هذه الآيةِ مَسؤُوليَّتان على رسول اللَّه ﷺ خاصَّةً وعامَّة؛ فالخاصَّة قوله ﵎: ﴿لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ﴾، والعامَّة قوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الإيمان مُقتَضٍ للعمَل بهذه الآيةِ؛ لقوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن على المُؤمِنين مَسؤوليةً في نِسائهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَنِسَاءِ
стр. 485
الْمُؤْمِنِينَ﴾، ولم يَقُل: (ونِساء المُؤمِنات) إشارة إلى أن المُؤمِن يَجِب أن يَكون مُلاحِظًا لنِسائه.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: وُجوب حِجاب الوَجْه؛ لقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾.
ويَتَفرَّع على هذا: أنه يَجِب أن نَعرِف مَفهوم الحِجاب الشَّرْعيِّ؛ لأن أَكثَرَ الناس يَظُنُّون أن الحِجاب الشَّرعيَّ هو أن تُغطِّيَ المرأة جميع جسَدها إلَّا وجهَها وكَفَّيْها، وهذا فهِمناه نحن من الأسئِلة التي تَرِد إلينا: أنهم إذا قالوا: الحِجاب الشَّرْعي. يَعنِي: حَجْب وسَتْر جميع البدَن إلَّا الوجهَ والكَفَّيْن، وهذا خطَأ، فالحِجاب الشَّرْعيُّ أوَّلُ وأَوْلى ما يَدخُل فيه حِجاب الوَجْه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن من عادة نِساء الصحابة لُبْس الجَلابيب؛ لقوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾، ويَدُلُّ لذلك أيضًا: أن النبيَّ ﷺ لمَّا أَمَرهُنَّ بالخُروج إلى مُصلَّى العيد قُلْن: يا رسول اللَّه، إحدانا ليس لها جِلباب فقال ﷺ : "لِتُلْبسْهَا أُخْتُهَا مِنْ جِلْبَابِهَا" (١).
ويَتفَرَّع على هذه الفائِدةِ: أن الشَّرْع يَتَشوَّف إلى أن تَكون المرأة بَعيدةً عن إبراز مَفاتِنها؛ لأن الجِلباب يَكون دائِمًا واسِعًا لا تَظهَر منه مَفاتِن الجِسْم.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: رحمةُ اللَّه تعالى بعِباده حيث يُبيِّن لهم عِلَل الأحكام الشَّرْعية، وجهُ ذلك أن ذِكْر العِلَل يُفيد في:
стр. 486
أ- طُمَأْنينة النَّفْس واقتِناعها اقتِناعًا أكثَرَ بذلك الحُكْمِ المُعلَّل.
ب- سُموُّ الشريعة وأنها لا تَأمُر بشيء عبَثًا، بل لا بُدَّ لكل شيء تَأمُر به من الحِكْمة المُناسِبة التي يَنبَنِي عليها الحُكْم.
ج - أن العِلَّة إذا كانت عامَّة أَمكَن أن نَقيس على المُعلَّل ما وافَقَه في تِلك العِلَّةِ فنُلحِقه به في الحُكْم.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: عِناية اللَّه بالمَرأة بدَفْع ما يُمكِن أن يَكون فيه أذًى عليها؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن في الحِجاب كَفَّ الأذى عن المرأة، فيَكون في ذلك كَرامة لها، وإِعْزاز لها ورِفعة لها من أن تُؤذَى.
ويَتفَرَّع على هذه القاعِدةِ: بَيان قُصور نظَر أُولئِك الذين يَقولون: إن الحِجاب ونَحوَه إذلال للمَرأة، وخَفْضٌ من كَرامتها وإهانة لها.
فنَقول لهم: كذَبْتم أعظَمَ الكذِب، وافتَرَيْتُم أعظَمَ الفِرى؛ فإن حِجابها هو الذي يَدفَع عنها الأذى: أذَى الفُسَّاق، وتَتبَّعَهم لها؛ لأن المَرأة الجميلة تَكون بالنِّسبة لهؤلاء الأَراذِل كالجِيفة أمام الكِلاب، لا بُدَّ أن يَتْبعوها ولو على الرائِحة! .
وبهذا نَعرِف ما انزَلَق فيه كثير من الشُّعوب الإسلامية في رَفْع الحِجاب الشَّرْعيِّ عن المَرأة، حيث أدَّى إلى المَفاسِد الكبيرة، ولو فتَّشْت ما فتَّشْت في أُولَئِك الأُمَمِ الذين يَدَّعون التَّمَدُّن والتَّحضُّر لوجَدْت كثيرًا وكثيرًا من الحوامِل من البِغاء والزِّنا، هذا فضلًا عمَّن يَستَعمِلن الحُبوب المانِعة من الحَمْل، وفضلًا عمَّن يُجهِضْن الحَمْل قبل أن يَستَتِمَّ، وكلُّ هذا يَدُلُّ على أن الإسلام ومَناهِج الإسلام أَسمَى كل
стр. 487
المَناهِج، وأَحسَنُ من كل الأَنظِمة، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: إثبات المَغفِرة والرحمة للَّه وهي مَأخوذة من هَذَيْن الاسمَيْن الكَريمين ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ هذان الوَصْفان دلَّ عليهما الاسمان دَلالةَ مُطابَقةٍ، وهذان الِاسْمان يَدُلَّان على الكرَم دَلالة التِزام؛ لأن الكريم هو الذي يَغفِر وهو الذي يَرحَم ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾.
* * *
стр. 488
الآية (٦٠ - ٦١)
* قَالَ اللَّهُ : ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٦١].
* * *
ثُمَّ قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾: ﴿لَئِنْ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [لام قسَمٍ] يَعنِي: مُوطِّئة للقَسَم، وليسَتْ هي أداةَ القسَم، والقسَم محَذوف، والتَّقدير: واللَّهِ لئِنْ لم يَنتَهِ، أو ورَبِّكَ لئِنْ لم يَنتَهِ. فهِيَ مُوطِّئة للقسَم، وإنما قال المُفَسِّر ﵀: [لام قسَم]؛ لئَلَّا يَتَوهَّم واهِم أنها لامُ الابتِداء، وقوله: (إِنْ) هذه شَرْطية، وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَنْتَهِ﴾ مجَزومة، والدليل حَذْف حَرْف العِلَّة الياء، والجازِم لها ﴿لَمْ﴾؛ لأنها هي المُباشِرة.
قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ﴾ يَعنِي: [عن نِفاقِهم]؛ كما قال المُفَسِّر ﵀ وإنما قال: [عن نِفاقِهم]؛ لأنه هو الوَصْف الذي اشتُقَّ منه اسمُ (المُنافقون)، وإلَّا قد يَكون المَعنَى: لئِنْ لم يَنتَهِ المُنافِقون عن نِفاقهم وعن أَذِيَّتهم للمُؤمِنين وغير ذلك.
وقوله ﵀: [﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ بالزِّنا] وهذا بِناءً على أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ﴾ أن المُراد الأذِيَّة بالتَّعرُّض لهن بالفاحِشة، فالمَعنَى: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ همُ الذين يَتَعرَّضون للنساء بطلَب الفاحِشة والزِّنا.
стр. 489
ويُحتَمَل أن يَكون المعنى أَعمَّ ممَّا قال المُفَسِّر ﵀؛ أي: في قُلوبهم مرَض من الشَّكِّ أو سُوء الخُلُق، وغير ذلك، وهو أعمُّ وأحسَنُ.
قال ﵀: [﴿وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ﴾ المُؤمِنين. . .] المُؤمِنين مَفعول ﴿وَالْمُرْجِفُونَ﴾؛ لأنه مَن أَرجَف يُرجِف، وهي مَأخوذة من الرَّجْفة، وهي الزَّلزلة، والمُرجِف هو الذي يَقول: قد آتاكم العَدُوُّ، وإن لكم عَدُوًّا كثيرًا، وسَراياكم قد قُتِلَت، وهُزِمت الجُنودُ، وما أَشبَهَ ذلك؛ ليُدخِل الخَوْف والرُّعبَ في قلوب الناس، وسُمِّيَ ذلك إرجافًا؛ لأنه يُزلزِل ثِقَة الإنسان بنَفْسه وبإِخْوانه؛ ولأنه يُزلزِل أَمْنه وطُمَأْنينته، قال بعضُهم: ولأنه لا ثَباتَ له؛ لأنه قول الكذِب، كل هذه المَعانِي يُحتَمَل أن يَكون الإِرْجاف مُشتَقًّا منها أو دالًّا عليها.
إِذَنْ: فالمُرجِف هو الذي يُخبِر بما يُزلزِل طُمَأْنينة المُؤمِنين من هَزيمة أو قَتْل عَدُوٍّ أو كثرة جُنود أو ما أَشبَه ذلك، ويُوجَد أُناس من هذا النَّوْعِ في المدينة إذا بعَثَ النبيُّ ﷺ السرايا قاموا يَبُثُّون مثل هذه الأقوالِ بأن السَّرِيَّة قد هُزِمَت، وأُسِرت، وقُتِلَت، وما أَشبَه ذلك.
فهَلِ الإِرجاف خاصٌّ بالمدينة؟
الجَوابُ: المَدينة وغيرها سواءٌ، ولكن الإِرْجاف في المَدينة بَيان للواقِع، والقَيْد إن كان لبَيان الواقِع فلا مَفهومَ له.
قال تعالى: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ اللَّام في قوله ﵎: ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ واقِعة في جَواب القسَم المُقدَّر.
فالجُمْلة إِذَنْ: جَواب القسَم وليست للشَّرْط؛ لأن القاعِدة أنه إذا اجتَمَع قسَم
стр. 490
وشَرْط فالجَواب للسابِق منها، كما قال ابنُ مالك ﵀:
وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ... جَوَابَ مَا أَخَّرْتَ فَهْوَ مُلْتَزَمْ (١)
وقال المُفَسِّر ﵀: [﴿لَنُغْرِيَنَّكَ﴾ لنُسلِّطَنَّك عليهم]، وهذا التَّفسيرُ تَفسير باللازِم؛ لأن الإِغراءَ مَعناه: الحَثُّ بإزعاج على أن يُنكِّل بهم، ومنه إَغْراء الإنسان بالعَدُوِّ، بمَعنى أنه يَحُثَّ عليه بإزعاج ليُوقِع به ويَقتُله أو يَهزِمه وما أَشبَهَ ذلك.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ﴾، قال المُفَسِّر ﵀: [﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ يُساكِنونك ﴿فِيهَا﴾ يَعنِي: في المدينة ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ ثُمَّ يَخرُجون ﴿مَلْعُونِينَ﴾ مُبْعَدين من الرَّحْمة اللَّه]، يَعنِي: نُغرِيَنَّك بهم بالتَّسلُّط عليهم؛ إمَّا بالتَّعزير أو بالتَّأديب أو بالقَتْل أو بغَيْر ذلك، فإذا ضاقَت عليهمُ المَدينة خرَجوا؛ ولهذا قال ﵎: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ﴾ ولم يَقُل: فلا يُجاوِرُنَّك؛ وذلك لتَأخُّر انتِفاء المُجاوَرة عن الإغراءِ؛ لأن اللَّه تعالى يُغريهم بهم فيَحصُل لهم من التعذيب والتَّعزير والإهانة ما لا يَتَمكَّنون معه من البَقاء في المَدينة؛ ولهذا جاءَتْ بـ (ثُمَّ)، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ يُحتَمَل أن المَعنَى: إلَّا قليلًا من الزمَن أو إلَّا قليلًا منهم.
وعلى كِلا الاحتِمالين فإن قوله : ﴿مَلْعُونِينَ﴾ حال من الفاعِل في ﴿يُجَاوِرُونَكَ﴾، وعلى تَقدير المُفَسِّر ﵀ هي حال من فاعِل حُذِف مع عامِله؛ حيث قال ﵀: [ثُمَّ يَخرُجون ﴿مَلْعُونِينَ﴾]، ولكن الأقرَب أن لا نُقدِّر، بل المَعنَى: ﴿ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ في حال كونهم مَلعونين حال المُجاورة،
стр. 491
يَعنِي: حتى في بَقائهم عِندك يَكونون مَلعونين مَطرودِين مُبعَدين لا يَألَفُهم أحَدٌ ولا يَحنو عليهم.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا﴾ وُجِدوا ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾]، ﴿أَيْنَمَا﴾ هذه أداة شَرْط تُفيد العُموم في المَكان، وفِعْل الشَّرْط قولُه تعالى: ﴿ثُقِفُوا﴾ وجَواب الشَّرْط ﴿أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾، يَقول ﵀: [أي: الحُكْم فيهم هذا على جِهة الأَمْر به]، الجُمْلة: ﴿أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا﴾ جُملة خبَرية؛ لأنها شرْطية، والجُمْلة الشَّرْطية خبَرية، لكنها خَبَرية بمَعنَى الإِنْشاء، أي: بمَعنَى الأَمْر والطلَب؛ أي: أينما وجَدْتمُوهم فخُذوهم واقتُلوهم.
وفي قوله : ﴿تَقْتِيلًا﴾ المَصدَر مُؤكِّد دَليل على أنهم يُقتَلون أفرادًا وجماعاتٍ.
وهذه الآيةُ -لا شَكَّ- أن فيها وَعيدًا لهؤلاء الذين جمَعوا هذه الأَوْصافَ المُنافِقين والذين في قُلوبهم مرَض والمُرجِفين في المدينة، فيها وَعيد؛ والبَحْث فيها:
البَحْث الأوَّل: هل هذه الأَوْصافُ لمَوْصوف واحِد أو أنها لأُناس مُتعَدِّدين؟
هل المَعنَى أنهم مُنافِقون وفي قُلوبهم مرَض ومُرجِفون، فالأَوْصاف هذه لمَوصوف واحِد، وصَحَّ العَطْف؛ لأنه من باب عَطْف الصِّفَة كما في قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾، وهو واحِد لا مُتعَدِّد فالعَطْف هنا عَطْف صِفات، فهل نَقول: إن هذه عَطْف صِفات وأنها لمَوْصوف واحِد. أو نَقول: إنها عَطْف أَعيانٍ مَوْصوفين ليسَت لموصوف واحِد؟
стр. 492
الجَوابُ: هذا الأخيرُ هو الأصَحُّ، وهو الأعَمُّ أيضًا؛ لأن المُنافِق قد يَكون في قَلْبه مرَض يَميل إلى الفاحِشة وإلى الزِّنا، وقد لا يَكون، وقد يَكون مُرجِفًا وقد لا يَكون، وقد يُجمَع بين النِّفاق والمرَض القَلْبي والإِرْجاف، وقد يَكون الإنسان في قَلْبه مرَض وليس مُنافِقًا، وقد يَكون مُرجِفًا وليس مُنافِقًا ولا في قَلْبه مرَض، فحينئذٍ نَتبَيَّن أن الأَوْلَى أن هذا العَطفَ عَطْف لمَوْصوف على مَوْصوف، وليس عَطْف على مَوْصوف واحِد، يَعنِي: ليس وَصْفًا لمَوْصوف واحِد حتى نَجعَل العَطْف من باب عَطْف الصِّفات بعضِها على بعض.
البَحْث الثانِي: هل هؤلاء انتَهَوْا أم لم يَنتَهوا؟
الجَوابُ: الواقِع أن الإِغْراء لم يَحصُل؛ ولهذا بَقِيَ المُنافِقون فلا قُتِلوا ولا أُخِذوا، فهم باقون، فهل نَقول: إنهم انتَهَوْا حينما رأَوْا هذا الوَعيدَ. أو نَقول: إنهم لم يَنتَهوا، لكنه عفا عنهم فيما بَعدُ، وأن هذا من باب إِخْلاف الوعيد، وإِخْلاف الوعيد من الكرَم بخِلاف إِخْلاف الوَعْد، فأيُّهما أرجَحُ؟
الجَوابُ: هُما قَوْلان للعُلماء ﵏: فبَعضُهم يَقول: إنهم لمَّا رأَوْا هذا الوَعيدَ، وكانوا من أَخوَف الناس وأَرعَن الناس انتَهَوْا وترَكوا هذا الأَمرَ. وبعضهم قال: إنهم لم يَنتَهوا، لكن اللَّه لم يُغرِ نَبيَّه ﷺ بهم؛ لحِكْمة اقتَضَت ذلك.
والذي يَظهَر لي -واللَّه تعالى أَعلَمُ-: أنهم انتَهَوْا؛ لأن المَعروف من حال المُنافِقين أنهم جُبَناءُ، وأنهم يَخافون ويَحذرون؛ ولهذا يَحلِفون عند الرسول ﷺ بأنهم مُؤمِنون، ولمَّا تَخلَّفوا عن غزوة تَبوكَ جاؤُوا يَحلِفون ويَعتَذِرون، فهُمْ جُبَناءُ، وهم يَعلَمون أن وَعْدَ اللَّه حقٌّ، وأنهم لوِ استَمَرُّوا في أعمالهم العُدوانية هذه لأَغْرى اللَّه تعالى بهم نَبيَّه ﷺ ، وحصَل الجَلاء، ثُمَّ القَتْل.
стр. 493
من فوائد الآيتين الكريمتين:
الْفَائِدَة الأُولَى: شِدَّة عِناية اللَّه بنِساء المُؤمِنين، فإن عَلاقة الآية هذه بالتي قَبْلها ظاهِرة، فإن المُنافِقين والذين في قُلوبهم مرَضٌ هم أكثَرُ الناس تَعرُّضًا لأَذِيَّة المُؤمِنات؛ ولهذا أَعقَب الآية السابِقة بهذه الآيةِ، ففيه كَمال عِناية اللَّه تعالى بنِساء المُؤمِنين.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: الوعيد الشديد لهؤلاءِ المُتَّصِفين بهذه الصِّفاتِ الثلاث الذَّميمة: (النِّفاق، ومرَض القَلْب، والإِرْجاف).
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنه إذا ظهَر نِفاق المُنافِق وتَبيَّن عَدَاؤُه، فإنه يَجوز أن يُعامَل بما يَقتَضيه نِفاقه؛ لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ﴾، ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾، وسبَقَ لنا البَحث: هل هؤلاء المُنافِقون والذين في قُلوبهم مرَض والمُرجِفون انتَهَوْا عن أعمالهم أم لا؟ وقُلنا: إن في ذلك رأَيَيْن لأهل العِلْم ﵏ وأن الأَقرَب من هذين الرَّأْيَيْن أنهم انتَهَوْا عن ذلك؛ لأنَّا لم نَرَ أن اللَّه سلَّط رسوله ﷺ عليهم وأَغراه بهم، وهذا أَقرَبُ بكثير من القَوْل بأن اللَّه تعالى لم يُغْرِهِ من باب إِخْلاف الوَعيد.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: التَّحذير من النِّفاق ومرَض القَلْب والإِرْجاف؛ لأن اللَّه تعالى تَوعَّد هؤلاءِ إذا لم يَنتَهوا بأن يُسلِّط اللَّه تعالى رسوله ﷺ عليهم ويُغريَه بهم، وقُبْحُ هذه الصِّفاتِ مَعلوم، أمَّا النِّفاق فظاهِر، فإنه من أَرذَل الأَخْلاق؛ لأن من الصِّفات التي يَرتَكِبها المُنافِق أنه إذا وعَدَ أَخْلَف، وإذا حدَّث كذَب، وإذا عاهَدَ غدَرَ، وإذا اؤْتُمِن خان، وهذه من أَرذَلِ الصِّفات الاجتِماعية.
وأمَّا الذين في قُلوبهم مرَض فإن مرَض القَلْب أشدُّ من مرَض البدَن، لأن مرَض البَدَن يُوجِب الأَلَم الحِسِّيَّ الذي قد يَتَحمَّله الإنسان، وأمَّا مرَض القَلْب
стр. 494
-والعِياذُ باللَّه- فإنه يُوجِب القلَق النَّفسِيَّ وضَياع الحَياة كلها والموت المَعنَوي، واسمَعْ إلى قول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨]، وما أكثَرَ الأوقاتَ التي تَضيع على مَن غفَل عن ذِكْر اللَّه تعالى، تَضيع بلا فائِدةٍ! وأنت إذا رأَيْت من نَفْسك أن أَوْقاتَك ضائِعة بلا فائِدةٍ، فيَجِب عليك أن تُلاحِظ قَلْبك، فإن هذا لا يَكون إلَّا من غَفْلة القَلْب عن ذِكْر اللَّه تعالى، ولو نظَرْت فيما سبَق من التاريخ كيف أَنتَجَ العُلَماء ﵏ ما أَنْتَجوا من المُؤلَّفات، ومن فطاحِل العُلَماء الذين تَخرَّجوا على أيديهم في أوقات قد تَكون أقَلَّ من الوقت الذي عِشْتَه أنت، وذلك بسبَب ما ملَأَ اللَّه تعالى به قلوبَهم مِن ذِكْره حتى صارت أعمارهم لا يَضيع منها لَحْظة واحِدة، فعَلَيْك أن تَنتَبِه لمَرَض القَلْب، وأن تُبادِر بمُداواته؛ لأنه إذا تَفَشَّى المرَض في القَلْب -نَسأَل اللَّهَ تعالى العافِيةَ- قد يَموت ويُطبَع عليه، فلا يُحِقُّ حقًّا ولا يُبطِل باطِلًا.
وأمَّا الإِرْجاف وتَخويف الناس المُؤمِنين وإلقاء الذُّعْر في قُلوبهم، فهذا أيضًا من الأخلاق الذَّميمة؛ لأن الواجِب على المَرْء -على الأقَلِّ- أن يَكون مَوقِفُه مَوقِف المُحايِد، أمَّا أن يَذهَب ويُرجِف بالمُؤمِنين ويَقول: عَدوُّكم أكثَرُ منكم، ولا يُمكِن أن تَغلِبوه، وعَدوُّكم فعَل وفعَل وفعَل! ! فإنَّ هذا من علامات النِّفاق.
فإن قال قائِل: ما حُكْم ذِكْر مخُتَرَعات الغَرْب والتَّخويف منها؛ كالمُتفجِّرات والقَنابِل والرُّؤُوس النَّوَوية؟
فالجَوابُ: أنه إن ذُكِر على سبيل التَّخويف والتَّعظيم فهو حرام، فإنه إذا ذُكِر على سَبيل تَعظيم هؤلاء الكُفَّارِ وتَرفيع شأنهم هذا حَرام؛ لأن كلَّ شيء يُوجِب أن نُعظِّم الكافِرين وأن يَكون لهم في قُلُوبنا مَنزِلة فهذا حرام؛ لأننا مَأْمورون تُجاه الكُفَّار
стр. 495
بما أَمَر اللَّه تعالى به نَبيَّه ﷺ : ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣]، ومَأمورون بأن نَفعَل كل ما يَغيظهم؛ قال اللَّه تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ﴾ [الفتح: ٢٩]، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ﴾ [التوبة: ١٢٠]، فنحن مَأمورون بإِغاظتهم، وإِهانتهم ما استَطَعْنا؛ أمَّا أن نَذكُر ما فيه تَعلية شَأْنهم، وبَيان مَقدِرَتهم، وإِلْقاء الهَيْبة في قُلوبنا منهم؛ فإن هذا لا يَجوز كما قُلت.
وأنا حدَّثَني رجُل ﵀ سافَر إلى لَنْدن، وبَقِيَ على لِباسه كما هو يَلبَسه في عُنيزةَ (مِشلَح، وعِقال، ونحوه) وكل شيء، يَقول: فصاروا يُكرِمونني إِكْرامًا عظيمًا حتى إني إذا جِئْت أَركَب السَّيَّارة يَتَبادَرون البابَ ليَفْتَحوه لي، بينما الذي يَذهَب من عندنا يَروح يَلبَس لِباسهم ما يُعَدُّ إلَّا كحامِل الزّبْل؛ لا يَهتَمُّون به إلَّا إن كان له صِفة رَسْمية يَهتَمُّون به من جِهة رَسْميَّته، أو كان يُمكِن أن يَنفعَهم بماله، على كلِّ حال مَنِ اتَّقَى اللَّه تعالى جعَل اللَّه تعالى له هَيْبة في القُلوب، اتَّقِ اللَّه تعالى يَتَّقِكَ الناس، وخاف من اللَّه تعالى يَخَفْك الناس.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يَنبَغي للإنسان أن يُدخِل على المُؤمِن ما يُقوِّي عزيمته ويُنشِّطه؛ سواءٌ في الجِهاد في سَبيل اللَّه تعالى أو في غيره من الأعمال النافِعة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن النبيَّ ﷺ مُكلَّفٌ، عبدٌ يُؤمَر ويُنهَى؛ لقوله : ﴿لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾.
إِذَنْ: إذا لم يُغرِه اللَّه ﵎ بهم، فالواجِب عليه الكَفُّ والتَّوقُّف حتى يُؤذَن له فيه.