الآية (١٣)
* * *
* قالَ الله : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (١٣)﴾ [سبأ: ١٣].
* * *
قوله تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ﴾ أي: لِسُليمانَ ﵇، وهذا كالتفصيل لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كأنه قيل: ماذا يَعمَلون؟ ففَصَّل فقال تعالى: * ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾: ﴿مِنْ﴾ بَيانِيَّة مُبَيِّنة للإِبْهام في الِاسْم المَوْصول، وهو قوله تعالى: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ يَعنِي ﴿مَا﴾ اسْمٌ مَوْصول، ومَعلومٌ أن الِاسْم المَوْصول من الأَسْماء المُبهَمة.
فقوله: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [أَبْنِيَةٍ مُرْتَفِعَةٍ يُصْعَدُ إِلَيْهَا بِدَرَجٍ]، فالمَحاريبُ: عِبارة عن أَبنِية مُرتَفعة ذاتِ أسوار مَنيعة قال الله تعالى في داوُدَ ﵇: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (٢١)﴾ [ص: ٢١]، وأمَّا محِراب المَسجِد فيُسمَّى طاقًا.
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ [جَمْعُ تِمْثَالٍ، وَهُوَ كُلُّ شَيْءٍ مَثَّلْتَهُ بِشَيْءٍ أَيْ: صُوَرٌ مِنْ نُحَاسٍ وَزُجَاجٍ وَرُخَامٍ وَلَمْ يَكُنِ اتِّخَاذُ الصّوَرِ حَرَامًا فِي شَرِيعَتِهِ]، التَّماثيلُ: جَمْع تِمْثال وهو ما صُوِّر على مِثال شيءٍ آخَرَ، فكُلُّ ما صُوِّر على مِثال شيءٍ آخَرَ؛ فإنه يُقال: تِمْثال له.
стр. 107
وعلى هذا فيُمكِن أنَّ نَقول لمَنْ صَوَّر صُورة شَجْرةٍ ونَحَتَها من جِسْم نَقول له: إنَّ هذا تِمْثال للشَّجَرة، وكذلك نَقول لمَن نَحَتَ خَشَبًا أو حَجَرًا على صورة حَيوان نَقول: إن هذا تِمْثالٌ.
والمُفَسِّر ﵀ جزَم بأن المُراد بالتَّماثيل ما كان تِمْثالًا لحَيَوان؛ ولهذا قال: أَوْ صُوَرًا. وكلّ شَيْء مَثَّلْتَه بشيءٍ هذا أَصْلُ التّمثال أو صُوَر النُّحاس وزُجاج ورُخام، والنّحاس مَعروف، والزُّجاج أيضًا مَعروف، والرّخام.
وأما قوله ﵀: [وَلَمْ يَكُنِ اتِّخَاذُ الصّوَرِ حَرَامًا فِي شَرِيعَتِهِ] فهذا مَبنِيٌّ على أن المُراد بالتَّماثيل تمَاثيلُ ما يَحرُم تَصويره كالحَيوان من إنسان وغيره، ولكن نَقول: إنَّ هذا لا يَلزَم أن يَكون المُراد بالتَّماثيل هي صُوَر الحَيوان، فمن الجائِز أن يَنحِتوا له مِمَّا ذُكِر من النُّحاس والزُّجاج والرُّخام، كأن يَنحِتوا له أشياءَ على صُوَر شجَر، ويُقال: إنَّ هذا تِمْثال.
ويُوجَد الآنَ مُجَسَّمات يَجعَلونها على صُورة نَخْلة، وعلى صورة سَيْف، وعلى صورة قَصْر، وما أَشبَه ذلك، نَقول: هذا تِمْثال. ويُوجَد أيضًا مجُسَّمات على صورة حَيوان؛ أسَد أو جَمَل أو بَقَر أو ما أَشبَه ذلك هذا أيضًا تِمْثال.
فنَقول: إن كان قوله تعالى: ﴿مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ إنه عامٌّ لتِمْثال الحَيوان والأشجار وغيرها فنَحتاج حينئذٍ أنَّ نُجيب بما أَجاب به المُفَسِّر؛ وهو أن الصُّوَر في شَريعتهم ليست حرامًا، ولكنً ما دامَ الأمر غير لازِمٍ، إِذْ مِنَ المُمكِن أن تَكون التماثيلُ التي يَأمُرهم بها تَماثيلَ أَشياءَ يَجوز تَصويرها فلا حاجةَ إلى هذا الجوابِ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَجِفَانٍ﴾ جَمْعُ جَفْنَة ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جَمْعُ جَابِيَةٍ وَهِيَ
стр. 108
حَوْضٌ كَبِيرٌ] والجَفْنة: هي الصَّحْفة التي يُوضَع فيها الطعام، ﴿كَالْجَوَابِ﴾ جَمعْ جابِية، والجابِية: هي الحَوْض الكبير، ومنه البِرْكَةُ تُسمَّى جابِية، حتى الآنَ يُسمُّون البِرَك الجوابيَ، وهل الجِفان على ما تَقتَضيه الآية الكريمة جِفانٌ كبيرة واسِعة؟ يَقول المُفَسِّر ﵀ مُبيِّنًا سَعَتَها: [يَجْتَمِعُ عَلَى الْجَفْنَةِ أَلْفُ رَجُلٍ يَأْكُلُونَ مِنْهَا]، وهذا قد يَكون واقِعًا وقد يَكون الأمر أَكبَرَ من هذا، وقد يَكون دونَ هذا.
المُهِمُّ: أنَّ هذه الجِفانَ بسَعَتها وكِبَرِها مِثلُ الجوابي وهي الأحواض الكبيرة، يَعنِي: البِرَك.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ ثَابِتَاتٍ لها قَوَائِمُ لَا تَتَحَرَّكُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، تُتَّخَذُ مِنَ الْجِبَالِ بِالْيَمَنِ يُصْعَدُ إِلَيْهَا بِالسَّلَالِمِ].
قوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ﴾ جَمْع قِدْر، وهو ما يُطبَخ فيه الطعام.
قوله تعالى: ﴿رَاسِيَاتٍ﴾ قال العُلَماء ﵀: الراسِي الثابِت، وإنما كانت راسِيةً في الأرض لكِبَرها، فهي لكِبَرها لا يَستَطيعُ أحَدٌ أن يَتَناوَلها ويَقلِبَها، والعادةُ أن القُدور مَنقولةٌ مَقلّبة، لكنَّ هذه لكِبَرها وسَعَتها راسِية لا تَتَحرَّك.
وقول المُفَسِّر ﵀: [لها قَوَائِمُ] المُراد به: المَناصِب التي تُنصَب عليها يَعني: أَرجُلاً، يَقول ﵀: [تُتَّخَذُ مِنَ الْجِبَالِ بِالْيَمَنِ]، وهذا ليس بلازِم أنها مُتَّخَذة من الجِبال، وإن كانت القُدور قد تُتَّخَذ من النُّحاس والحَديد، وكذلك من الأَحْجار يُمكِن أن تُنحَت وتَكونَ قِدْرًا، ومُمكِنٌ أن تُجعَل طينًا يُتَّخَذ منه الفَخَّار؛ ولكن ليس بلازِم، يَعنِي: تُتَّخَذ من الحديد والنُّحَاس ومن الأحجار ومن غير ذلك.
قال المُفَسِّر ﵀: [وَقُلْنَا: ﴿اعْمَلُوا﴾ يَا ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ بِطَاعَةِ الله ﴿شُكْرًا﴾ لَهُ
стр. 109
عَلَى مَا آتًاكُمْ] أَفادَ المُفَسِّر ﵀ أن ﴿اعْمَلُوا﴾ جُملة في مَحَلَّ نَصْب لقولٍ مَحذوف التقديرُ: [قُلْنَا: ] ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾، وأمَّا ﴿آلَ دَاوُودَ﴾ فهي مَنصوبة بـ (يا) النِّداء المَحذوفة؛ أي: يا آل داودَ، وآل داودَ هنا ذُرِّيَّتُه وقَرابتُه؛ لأنَّ الله تعالى أَنعَمَ على هذه القَبيلةِ؛ قبيلة داودَ ﵇ بنِعَمٍ عَظيمة، أَنعَمَ على أبيهم وعلى ابنِهِ سُلَيْمانَ ﵇.
وقوله: ﴿شُكْرًا﴾ أَفادَنا بتَقدير الشُّكْر لله تعالى على أن ﴿شُكْرًا﴾ مَفعولٌ مِنْ أَجْله وأنَّ مَفعول ﴿اعْمَلُوا﴾ محَذوف، تَقديرُه: بطاعة الله تعالى؛ يَعنِي: اعمَلوا بطاعة الله تعالى لأَجْل الشُّكْر لله تعالى، ويحتَمل أن تَكون ﴿شُكْرًا﴾ مَفعولًا به لـ ﴿اعْمَلُوا﴾؛ يَعنِي: اعمَلوا الشُّكْر، والشُّكْر هو: الطاعة، ولكن هذا الوَجْهَ نَسلَم فيه من التَّقدير، أمَّا على الوَجْه الأَّوْل فإنه لا بُدَّ أن نُقدِّر مَفعول: ﴿اعْمَلُوا﴾.
والشُّكْر عرَّفه العُلَماء ﵀ بأنه: القِيام بطاعة المُنعِم في القَلْب واللِّسان والجوارِح، أمَّا في القَلْب فأن تَعتَقِد بأن ما بِكَ من نِعمة فهي مِن الله تعالى، وأمَّا في اللِّسان بأن تُثنِيَ على الله تعالى بالنِّعمة، لا تَذكُر النِّعمة افتِخارًا بها على الناس، وأمَّا الجوارِح فأَنْ تَكون بطاعة الله فيما يَختَصُّ بتِلكَ النِّعْمةِ أو بطاعته على سبيل العُموم.
والفَرْق بين هذا وهذا؛ إذا قُلْنا: أن تَقوم بطاعة الله فيما يَختَصُّ بهذه النَّعْمةِ، فإذا أَنعَمَ الله تعالى عليكَ بمال فشُكرُهُ الزكاةُ والإنفاق، وما أَشبَهَ ذلك، فإذا عَصَيْت الله تعالى في غير ذلك لا يُقال: إنك لم تَقُمْ بشُكْر المال. أمَّا إذا قُلْنا: إن الشُّكْر هو أن تَقوم بطاعة الله تعالى فيما يَختَصُّ بهذه النَّعْمةِ وفي غيره؛ فإن الإنسان إذا أَنعَم عليه بمالٍ وقام بحَقَّه على الوَجْه الكامِل، ولكنه يَعصِي الله في أُمورٍ أخرى يُقال: إن هذا ليس بشاكِرٍ.
стр. 110
ولكن قد نَقول: إن الشُّكْر نَوْعان: شُكْر مُطلَق؛ وهو الذي يَقوم بطاعة المُنعِم فيما أَنعَم به عليه فيه وفي غيره، وشُكْر خاصّ مُقيَّد لهذه النَّعْمة المُعيَّنة؛ فيَكون هذا الشاكِرُ إذا قام بما يَجِب عليه في هذه النَّعْمةِ المُعيَّنة شاكِرًا، لكنه لا يُعطَى وَصْف الشَّكور، ونَظيرُ ذلك ما سبَقَ لنا في التَّوبة، أنَّ التَّوْبة تَصِحُّ من الذَّنْب مع الإصرار على غيره، لكن لا يَستَحِقُ التائِبُ وَصْف التَّوْبة المُطلَق.
قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ العامِل بطاعَتي شُكرًا لنِعْمتي، وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ﴾ خبَرٌ مُقدَّم، و ﴿الشَّكُورُ﴾ هو مُبتَدَأ مُؤخَّر؛ لأن المَقصود الإِخْبار عن ﴿الشَّكُورُ﴾ بأنه قليل، ويَكون تَقديرُ الآية: والشَّكورُ من عِبادي قليل.
وقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ﴾ هو مُتعَلِّق بما بعده فلمَّا قُدِّم عليه صار في مَوضِع نَصْبٍ على الحال؛ يَعنِي: ﴿الشَّكُورُ﴾ حال كونه من عباده ﴿وَقَلِيلٌ﴾ وتَعليل ذلك أن أكثَرَ بَني آدَمَ غيرُ شَكور، بل هم ضالُّون، فبَنو آدَمَ يَكون منهم تِسْعُ مئة وتسعةٌ وتِسعون في النَّار وواحِدٌ في الجنَّة، ولا شَكَّ أن واحِدًا إذا نُسِب إلى المِئة يَكون قليلًا.
وقوله : ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ المُراد بالعُبودية هنا: العامَّة الشامِلة للكافِرين والمُؤمِنين.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: مِن قوله : ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ أنَّ الله عَزوَجلَّ سخَر الجِنَّ لسُلَيْمانَ ﵇ يَعمَلون له ما يَشاءُ، وهذا لا يَتَأتَّى لأحَدٍ من البَشَر، نعَمْ رُبَّما تَعمَل الجِنُّ لبعض البشَر أَشياءً، لكن لا تَكون قائِمةً بما شاء.
стр. 111
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: جواز البِناء العالي؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ مَحَارِيبَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جواز التَّماثيل، وهل يَشمَل التَّماثيل بالحيوانات والأشجار والبِحار والأنهار؟
الجوابُ: على كلام المُفَسِّر ﵀ يَشمَل؛ لأنه قال: هذا كان قَبْلَ تَحريم الصُّوَر. وعلى الاحتِمال الثاني: لا يَشمَل؛ لأنَّ التَّماثيل تُطلَق على كل ما كان مِثالًا، على غيره، ولا يَلزَم أن تكون على صورةِ الحيوان، فعلى رَأْيِ المُفَسرِّ يَكونُ الحُكْم مَنسوخًا بشريعة النبيّ ﵊، فيُستَفاد منه فائِدة وهي جواز النَّسْخ في الأحكام الشَّرْعيَّة، وعلى الاحتِمال الثاني: لا يَكون دالًّا على جواز تمَاثيل الحيوانات.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيان كثرة جُنود سُلَيْمان وكرَمه، لأن الجِفان كالجَوابي والقُدور راسِيات.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وُجوب القِيام بشُكْر الله؛ لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ والأَمْرُ في الأصل للوُجوب.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الشاكِر على النِّعمة قليل؛ لقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ والمُراد بهذه الجُمْلةِ الحثُّ على الشُّكْر.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات العُبودية العامَّة الشامِلة؛ لقَوْله تعالى: ﴿مِنْ عِبَادِيَ﴾ فإن المُراد بها العُبودية العامَّة الشامِلة.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ داودَ ﵊ أبٌ لفَخِذٍ كامِل من بني إسرائيلَ؛ لقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ﴾ كما يُقال: بنو تَميمٍ، بنو زُهرةَ، وما أَشبَه ذلك.
стр. 112
الآية (١٤)
* * *
* قالَ الله : ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (١٤)﴾ [سبأ: ١٤].
* * *
قول المُفَسِّر ﵀: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ أي: [عَلَى سُلَيمانَ] ﴿الْمَوْتَ﴾ [أَيْ: مَاتَ].
قوله : ﴿قَضَيْنَا﴾ أي: قدَّرْنا عليه الموتَ فمات، والقَضاءُ هنا قَضاء قدَريٌّ، وقضاء الله نوعان: قدَريٌّ وشَرْعيٌّ، فهُنا ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ﴾ القَضاءُ قدَريٌّ، وقوله : ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤]، هذا أيضًا قضاءٌ قدَريٌّ، أي: قدَّرْنا عليهم ذلك، والثاني: قضاء شَرْعيٌّ، وهذا إذا تَعلَّق بما أمَرَ الله تعالى به فإنه قَضاء شَرْعيٌّ، كقوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]، فالقَضاء هنا قَضاءٌ شَرْعيٌّ، إذ لو كان قَضاءً قدريًّا لوقَع ولعبَد الناسُ الله تعالى كلُّهم بدون إشراكٍ، وهنا القَضاء قدَريّ ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾ أي: قدَّرْناه عليه فمات.
قال المُفَسِّر ﵀: [وَمَكَثَ قَائِمًا عَلَى عَصَاهُ حَوْلاً مَيْتًا، وَالجنُّ تَعْمَلَ تِلْكَ الْأَعْمَالَ الشَّاقَّةَ عَلَى عَادَتِهَا لَا تَشْعُرُ بِمَوْتِهِ حَتَّى أَكَلَتِ الْأَرَضَةُ عَصَاهُ فَخَرَّ مَيْتًا]
стр. 113
وكُلُّ هذا الذي ذكَره المُفَسِّر ﵀ واضِحٌ من الآية لمَّا قضَى الله تعالى عليه الموت، بَقِي مُدَّة لا تَعلَم الجِنُّ أنه مات، وهم يَعمَلون دائِبين، لأنه قد كلَّفَهم بذلك، فمات وبَقِيَ مُتَّكئًا على عَصاهُ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [بَقِيَ حَوْلًا] تَقييد هذا بالحوْل ليس فيه دليلٌ، لكن لا شَكَّ أنه بَقِيَ مُدَّةً وهم يَعمَلون بين يدَيْه ولا يَدرون أنه مَيْت، أمَّا أن نُقيِّده بحول أو بأقلَّ أو بأكثَرَ فهذا يَحتاج إلى دليل.
وقوله ﵀: [إِنَّهُ مُتَكِئٌ على عَصاهُ] فيه دليل مِن الآية؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ وهذا لا يُمكِن إلَّا وهو مُتَّكئ.
قال تعالى: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ مَصدَر: أُرِضَتِ الخَشَبةُ، بالبِناء للمَفعول: أكَلَتْها الأَرَضة، وكلِمة ﴿الْأَرْضِ﴾ هل المُراد بها الجِنْس أي: الدَّابَّة التي تَكون في الأرض، أو المُراد بها المَصدَر؟
الجوابُ: أن المُفَسِّر يَرَى أن المُراد بها المَصدر مَأخوذٌ من قوله: (أُرِضَتِ الخَشَبة)، يَعنِي: أَكَلَتْها الأَرَضة، يَعنِي: ما دلَّهم على مَوْته إلَّا الدابَّة التي تَأرِضُ الخشَب، فعليه يَكون كلمة أرْض مَصدَر: (أَرَضَ يَأرِضُ أَرْضًا) مثل (ضَرَبَ يَضرِبُ ضَرْبًا)، هذا تَقرير كلام المُفَسِّر ﵀، وما قرَّره بعيدٌ من مَفهوم الآية؛ لأنَك عندما تَفهَم ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ ما تَفهَم الذي قَرَّره المُفَسِّر ﵀، بلِ الذي يَتَبادَر إلى الذِّهْن أنَّ المُراد بالأَرْض الجِنْس، يَعنِي: إلا الدابَّة التي تَخرُج من الأرض.
وقوله تعالى: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾.
فَإنْ قِيلَ: هل تَأْكُل الأَرْض أَجْساد الصالحِين؟
стр. 114
فالجوابُ: إنَّنا لا نَجزِم بذلك، ولكن قد يُعثَر على بعضهم لم تَأكُلْهمُ الأَرْضُ، والجزْم لا يَكون إلَّا في الأنبياء فقَطْ.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ بِالْهَمْزةِ أَلِفٍ] يَعنِي فيها قِراءَتان: (مِنْسأَتَه)، القِراءة الثانية: اجعَلِ الهَمزة أَلِفًا أي: (مِنسَاتَهُ)؛ ولهذا قال: [بِالْهَمْزِ وَتَرْكِهِ]، ولكن إذا ترَكناه يَكون ألِفًا؛ لأنه يُنسَأ ويُطرَد ويُزجَر بها، كأن المُفَسِّر ﵀ يُريد أن يُبيَّن اشتِقاق هذه الكَلِمةِ، وأنها من النَّسَأ، أي: الطَّرْد والزَّجْر، فإن الإنسان يَزجُر بعَصاه بحَزَّها على مَن يُوجِّه إليه الخِطاب وَيطرُد بها بالضَّرْب، وهذا يَدُلُّ على أن الكلِمة عرَبيَّة.
ولكن بعض المُفسِّرين يَقولون: إن الكلِمة غيرُ عرَبية، وإنها من الكلام الذي عُرِّب، وإذا كان من الكلام المُعرَّب فإنه لا يُشتَقُّ لها من العربية، فكُلُّ كلِمة لها اشتِقاق في العربية فإنها تَكون عربية، وعلى كُلِّ حال: فالخُلْف في هذا سَهْل.
المُهِمُّ: أن المِنسَأَة كلِمةٌ واحِدة، وهي [العَصَا يُطْرَدُ] بها الشيء [وَيُزْجَرُ بِهَا].
وقوله: ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ [مَيْتًا]، ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ الجُمْلة كما تُشاهِدون جُمْلة شَرْطية، وأداة الشَّرْط فيها (لمَّا) وقد سبَق لنا أن (لمَّا) تَأتِي لعِدَّة مَعانٍ: تَكون شَرْطية، وتَكون للنَّفْي، وتَكون بمَعنَى (إلَّا)، والرابع أن تَكون ظَرْفًا بمعنى (حين)، وهُنا استُعمِلت شَرْطية بدليل أنه جاء بعدَها شَرْطٌ، وجوابُه: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ﴾، ونافِية كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾ [ص: ٨]، أي: لم يَذوقوا عَذابي، وتَأتي بمَعنَى (إلَّا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾ [الطارق: ٤]، أي: إلَّا عليها حافِظ، وتَأتِي بمَعنى (حين) أي: ظَرْفًا، مثل أن تَقول: أَكرَمْتَنِي لمَّا زُرْتُكَ. أي: حين زُرْتُكَ، إِذَنْ لها أربعةُ مَعانٍ، أو تَأتي على أربَعةِ أَوْجُهٍ.
стр. 115
وقوله تعالى: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾: ﴿تَبَيَّنَتِ﴾ أي: عَلِمَت وبان لها، وفسَّرها المُفَسَّر ﵀ بقوله: [انْكَشَفَ لَهُمْ]، (أنْ) مخُفَّفة من الثَّقيلة؛ أي: أنَّهم (لو كانوا يَعلَمون الغيبَ)، وإذا خُفِّفت الثَّقيلة وجَب حَذْف اسْمِها، وكان خَبَرُها جملةً فهُنا الخبَرُ: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ وإعرابُها أن تَقول: (أن) مُخفَّفة من الثَّقيلة، واسمُها ضمير الشَّأْن مُستَتِر، وجُملة ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ في مَحَلَّ رَفْع خَبَرها.
وفي قول المُفَسَّر ﵀: [أَنَّهُمْ] إشارة إلى ما سبَق أن قُلْنا: أنَّ ضمير الشَّأْن يَنبَغي أن يَكون مُناسِبًا للمَقام، فقد يَكون مُفرَدًا، وقد يَكون جَمْعًا، وقد يَكون للغائِب، وقد يَكون للمُخاطَب، خِلافًا لما عليه أكثَرُ النَّحوِيِّين حيث يُقدَّرونه مُفرَدًا للغائِب، وَيقولون: إنه أي: الحالُ ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا﴾.
قوله تعالى: ﴿لَوْ﴾ شَرْطية، وجوابُها ﴿مَا لَبِثُوا﴾، و ﴿لَوْ﴾ تَأتي شَرْطية،
وتَأْتي مَصدَرية، وتَأتي بمَعنى: وَدَّ كذا، فتَأتي شَرْطية مثل هذه الآيةِ، ومثل أن تَقول: (لو زُرْتَنِي لأَكْرَمْتُكَ) وتَأتِي مَصدَرية إذا جاءت بعد (وَدَّ)، كقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩)﴾ [القلم: ٩] أي: أن تُدهِنوا، وهذا مَعناها فقَطْ، وهنا هي شَرْطية وفِعْل الشَّرْط فيها قوله تعالى: ﴿كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ وجوابُه: ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
وقول المُفَسَّر ﵀: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ﴾ [وَمِنْهُ مَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ مَوْتِ سُلَيْمَانَ ﴿مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ العَمَلِ الشَّاقِّ لَهُمْ لِظَنِّهِمْ حَيَاتَهُ خِلَافَ ظَنَّهِمْ عِلْمَ الْغَيْبِ]، وهذا واضِح؛ لأنهم لو كانوا يَعلَمون الغيبَ لعَلِموا أنَّه مات قبل أن يَخِرَّ بسبَب تَآَكُل عَصاهُ، ولعلهم كانوا يَظُنُّون أو يَدَّعون أنهم كانوا يَعلَمون
стр. 116
الغيبَ، فأَراد الله أن يُبيِّن حالهَم لهم ولغيرهم، وأنهم لا يَعلَمون الغيب، مع أن الغَيْب الذي حصَل هنا ليس غَيْبًا مُطلَقًا، ولكنه غَيْبٌ نِسْبِيٌّ، إذ إن مَن كان قريبًا جِدًّا من سُلَيْمانَ ﵇ فقد يَعرِف أنه مات، يَقول المُفَسِّر ﵀: [وَمِنْهُ مَا غَابَ عَنْهُمْ مِنْ مَوْتِ سُلَيمانَ].
وقوله تعالى: ﴿مَا لَبِثُوا﴾ أي: ما بَقُوا، ﴿فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ الذي أَلحَق بهم المَهانة والذُّلَّ، وقال المُفَسِّر ﵀: [الشَّاقِّ لِظَنِّهِمْ حَيَاتَهُ خِلَافَ ظَنِّهِمْ عِلْمَ الْغَيْبِ] يَعنِي: كانوا يَظُنُّون أنهم يَعلَمون الغَيْب، فلمَّا خَرَّ مَيْتًا تَبيَّن لهم أنهم لا يَعلَمون الغَيْب قال: [وَعُلِمَ كَوْنُهُ سُنَّة بِحِسَابِ مَا أَكَلَتْهُ الْأَرَضَةُ مِنَ الْعَصَا بَعْدَ مَوْتِهِ يَوْمًا وَلَيْلَةً مَثَلًا]، هذا جوابٌ عمَّا قيل: إنه بقِيَ سَنَةً وهو مَيْت ولم يُعلَم به، يَعني: أنه لَوْ قَالَ قَائِلٌ: ما الذي أَعلَمَكم بأنه سَنَة؟ قال: علِمْنا ذلك بالحِساب، لأننا حَسَبْنا ما أَكَلَتْه الأَرْض يومًا وليلة من العصا فقِسْنا عليه ما مضَى؛ فمَثَلًا إذا كانت تَأكُل في اليوم والليلة مثَلًا (سَنْتَيمِتر) عرَفْنا أنها تَأكُل في السَّنَة ثلاثَ مِئة وسِتَّين (سَنْتِيمِترًا) وعرَفنا هذا من طول العَصا، ولكن هذا في الحقيقة ليس مُتعَيِّنًا، إذ قد تَأكُل اليومَ أكثَرَ مِمَّا تَأكُله بالأَمْس أو بالعكس، وحتى نَقول أيضًا: من الذي قال: إنها أَكَلَتْ في اليوم والليلة هذا المِقدارَ حتى عُرِف به ما مَضَى. يَحتاج إلى دليل؛ ولهذا الصوابُ أنَّ ما سبَق أن قُلْناه: بأنه لا حاجةَ لنا إلى تَقدير المُدَّة التي لَبِثها سُلَيْمانُ ﵇، وأنَّ مِثْل هذه الأُمورِ لا يُركَن إليها ولا يُعتَمَد إلَّا إذا جاءَت عن الشارع عن النبيِّ ﷺ ، أو جاءَت في كِتاب الله تعالى، وأمَّا ما يَأتي عن بني إسرائيلَ في مثل هذه الأُمورِ فإننا نَقِف فيه لا نُصدَّق ولا نُكذَّب.
стр. 117
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أنَّ الموت غاية كُلِّ حَيٍّ وإن عَظُم مُلْكه، فإن سُلَيْمانَ ﵇ كان من أعظَمِ المُلوك مُلْكًا ومع ذلك لم يُنقِذْه مُلكُه من الموت.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الأمور كُلَّها إلى الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الله مَوْصوف بالعظَمة والجَلال والكَمال؛ لأن كلِمة: ﴿قَضَيْنَا﴾ تَدُلُّ إمَّا على التَّعدُّد أو على التَّعظيم، والتَّعدُّد هنا مُمتَنِع، فتَعيَّن أن تَكون للتعظيم.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الشيءَ الحَقير قد يَفعَل شيئًا عظيمًا كبيرًا، من قوله تعالى: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ وهذا شيء جَرَتْ به سُنَّة الله أن الشيء قد يَكون حَقيرًا لكن يَتَرَتَّب عليه أمرٌ عظيم، فنحن الآنَ لا نَعرِف كيف نَقبُر مَوْتانا إلَّا بدَلالة الغُراب، وأيضًا جميعُ المباني الهَنْدسية الفَخْمة الجميلة عُرِفت من صَنيع النَّحْل، أيضًا كلُّ ما حدَث من الآلات التي يُحدِثها الناس الآنَ تَجِدهم يُشبِّهونها بمَخلوقات الله؛ كالطائِرات وغيرها، وبهذا نَعرِف أنَّ الأشياءَ الحَقيرةَ قد تَكون مُفيدةً للإنسان فائِدةً عَظيمةً، وَيترَتَّب عليها أُمورٌ خطيرة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ إضافة الشيء إلى سبَبه المعلوم جائِزةٌ؛ لقوله تعالى: ﴿مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ فأَضاف الدَّلالة إلى دابَّة الأرض، مع أن الدابَّة هل هي أكَلَتِ العصا لأَجْل أن تَدُلَّ الجِنَّ على موت سُلَيْمانَ ﵇؟
الجوابُ: لا؛ لكنها سبَب، فإضافة الشيء إلى سبَبِه المَعلومِ شَرْعًا أو حِسًّا جائِزٌ، حتى وإن لم يُذكَر فيها لفظُ الجَلالة، مثلًا إذا قُلْت: لولا فُلان لهَلَكْتُ. وصحيح أن
стр. 118
فُلانًا هو الذي أَنقَذَكَ، فهذا جائِز إذا لم تَعتَقِد أن هذا السبَبَ هو الفاعِلُ الوحيدُ، والمَمنوع أن تُضيف الشيء إلى سبَبِه مع الله تعالى مَقرونًا بالواو، أو تُضيف الشيء إلى سبَبٍ غير مَعلوم سبَبِيَّته لا من الشَّرْع ولا من الحِسِّ؛ لأن هذا يَكون من باب الأَوْهام والتَّخيُّلات.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: التحذير من دابَّة الأَرْض ما دامَ أنها تَأكُل الأَخْشاب وتَأكُل هذه الأشياءَ فاحْذَروا منها، وكم من إنسان أَفسَدَتْ عليه دابَّةُ الأرض مَكتبَتَه القَيِّمة التي تُساوِي شيئًا كثيرًا؛ ولهذا انتَبِهوا لا تَأكُل الأرضة عليكم كُتُبكم.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إضافة الفِعْل أو إضافة الشيءِ إلى مَن لم يَقُم به باختِياره؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ فالخُرور قد يُضاف إلى الفاعِل بالاختيار، وقد يُضاف إلى الفاعِل بغير الاختِيار، فتَقول: (خَرَّ الماءُ)، وتَقول: (خَرَّ مَيْتًا)، وقال الله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾، ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾، يَخِرُّون للأَذْقان يَبكون، هذا بالاختيار.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَهُ: أن الجِنَّ لا يَعلَمون الغَيْب، والدَّلالةُ على ذلك واضِحة: قولُه تعالى: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الأُمورَ الحِسِّيَّة الواقِعة أدِلَّة بُرهانِية، وهذه الفائِدة مَعناها الاستِدْلالُ بالأمور الحِسَّيَّة؛ لأنَّ الله تعالى استَدَلَّ على كونهم لا يَعلَمون الغَيْب بأنهم بَقُوا مُعذَّبين بما يَعمَلونه من الأعمال الشاقَّة، فلك أن تَستَدِلَّ على الأمور المَعقولة بالأمور المَحسوسة.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: أن الجِنَّ ذوو عُقول؛ لقوله : ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾ فقَدْ أَعطاهم الله تعالى عُقولًا يَهتَدون بها إلى مَصالِحِ دِينهم ودُنياهم.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: تَسمية الأعمال الشاقَّة عذابًا؛ لقوله : ﴿مَا
стр. 119
لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ﴾ مع أن سُلَيْمانَ ﵊ لم يَجْعَلْهم يَعمَلون له ما يَشاء عُقوبةً لهم، ولكنه تَكليف، وبهذا نَعرِفُ أنَّ العذاب قد يُطلَق على ما ليس بعُقوبة؛ كما في قوله ﷺ : "إِنَّ السَّفَرَ قِطْعَةٌ مِنَ الْعَذَابِ" (١).
стр. 120
الآية (١٥)
* قالَ الله : ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ [سبأ: ١٥].
* * *
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ هذه الجُملةُ مُؤكَّدةٌ بثلاثة مُؤكِّدات وهي: اللَّامُ و (قَدْ) والقَسَمُ المُقدَّر؛ لأنَّ هذا على تَقدير القَسَم أي: (والله لَقَدْ كانَ لِسَبَأ) و ﴿كَانَ﴾ هنا تَدُلُّ على مجُرَّد الحُدوث؛ أي: أنها مَسلوبة الدَّلالة على الزمَن، فإن هذه الآيَةَ باقِية حتى الآنَ، كلُّ مَن قرَأَ خبِرَها.
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ قبيلة سُمِّيت باسْمِ جَدٍّ لهم من العرَب و (سَبَأٌ) في الأصل اسْمُ رجُل يُسمَّى (سَبَأ)، وكان من (قَحطانَ)، واختَلَف المُؤرِّخون النَّسَّابون في (قَحطانَ) هل هو من العرَب العارِبة أو من العرَب المُستَعرِبة، والمَشهور أنهم من العرَب العارِبة؛ الذين قبلَ إبراهيمَ ﵇، لكن رَوَى البُخارِيُّ ﵀: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَى قَبِيلَتَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ كَانُوا يَتَرَامَوْنَ بِالنَّبْلِ، فَقَالَ لَهمُ النَّبِيُّ ﷺ : "ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا" (١)، وهذا يَدُلُّ على أنهم عرَب مُستَعرِبة؛ لأنَّ الأنصار مَعروفٌ أنهم الأَوْس والخَزْرج كلُّهم من قبائل اليَمَن من قحطانَ، نزَلوا وتَفرَّقوا في البلاد بعد الغرَق ونزَلوا المدينة، وعلى هذا فيَكون ظاهِرُ حديث
стр. 121
البُخارِيِّ ﵀ أنَّ قحطانَ كلهم من بني إِسماعيلَ.
والحاصِلُ: أن العُلَماء ﵀ في النَّسَب يُقسِّمون العرَب إلى قِسْمين: ما كان قبل إبراهيمَ ﵇ فهُمْ عرَب عارِبة، وما كان من بعده من ذُرَّيَّته فهم عرَب مُستَعرِبة.
المُهِمُّ: أنَّ (سَبَأ) اسْمٌ لرجُلٍ كان له أولاد كثيرون جاء في الحديث أنهم عشَرَة بَقِيَ منهم سِتَّة في اليَمَن وأربعة في الشام، وانتَشَروا في الأرض وكثُروا، وفيها قِراءَتان يَقول المُفَسِّر ﵀: [بِالصَّرْفِ وَعَدَمِهِ، ﴿لِسَبَإٍ﴾ هذا الصَّرْفُ، عدَمُه: (لِسَبَأَ).
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ فِي الْيَمَنِ]، ﴿آيَةٌ﴾ يَقول: [﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾] أَتَى بقِراءة الجَمْع، ولم أَرَهُ ذكَرَها بقِراءة الإِفْراد، وفيها قِراءَتان سَبْعيَّتان، قِراءة الإفراد: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، وقِراءة الجَمْع: ﴿فِي مَسْكَنِهِمْ﴾، ولا خِلاف بينهما في المَعنَى؛ لأنَّ (مَسْكَن) مُفرَد، والمُفرَد المُضاف يَعُمُّ وَيشمَل كُلَّ ما يَدخُل تحت هذا المَعنَى، مِثالُه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل: ١٨]، فهنا (نِعْمَة) مُفرَد وقال فيها: ﴿لَا تُحْصُوهَا﴾ إِذَنْ هي كثيرة، فـ (مَسْكَن) من حيث المَعنَى بمَعنَى (مَساكِن)؛ لأنه مُفرَد مُضاف، والمُفرَد المُضاف يَعُمُّ.
إِذَنْ: هُناك قِراءَتان سَبْعِيَّتان: ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾ و ﴿مَسْكَنِهِمْ﴾، والمَسكَن ما يَسكُنه الإنسان فيَسكُن فيه وَيطمَئِنُّ، كالبُيوت والحدائِق والبَساتين وما إلى ذلك.
وقوله : ﴿آيَةٌ﴾ بمَعنَى: علامة، قال الله : ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾ [يس: ٤١]، ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٩٧)﴾ [الشعراء: ١٩٧]، فالآية بمَعنى العلَامة الدالَّةِ على الشيء، وهذه الآيةُ دالَّة على قُدْرةِ الله، وعلى نِعْمته وعلى حِكْمته في النِّهاية، و ﴿آيَةٌ﴾ من حيث الإِعْراب
стр. 122
اسمُ (كانَ) مُؤَخَّر، و ﴿لِسَبَإٍ﴾ خبَرٌ مُقدَّم.
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿آيَةٌ﴾ دَالَّة عَلَى قُدْرةِ الله تَعَالَى] وعلى إِحْسانه وإِنْعامه وعلى حِكْمته في النِّهاية، لأنَّ هذه المَساكِنَ - كما سيَأتي- دُمِّرَتْ بسبَب إِعْراضِهم.
وقوله تعالى: ﴿جَنَّتَانِ﴾ بدَلٌ مِن ﴿آيَةٌ﴾، ويَجوز أن تَكون عَطْفَ بيانٍ؛ لأنها بَيَّنتِ الآيةَ ووَضَّحَتْها، والجَنَّة هي البُستان الكثيرُ الأشجارِ، سُمِّيت بذلك لأنها تَجِنُّ مَن فيها، أي: تَستَرُه، وقد علِمنا سابِقًا أن هذه المادَّةَ؛ وهي الجيم والنون تَدور على مَعنَى الاستِتار والخَفاء.
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يَقول: [عَنْ يَمِينِ وَادِيهِمْ وَشِمَالِهِ]، وكان هذا الوادِي بين الجِبال، وكان على أَطْراف هذا الوادِي هذه الجِنانُ العَظيمة، من الأَشْجار المُتنوِّعة الكثيرة الثِّمار، وكانوا في أَحسَنِ ما يَكون من الرَّغَد والهَناء والأَمْن.
وقوله تعالى: ﴿عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ﴾ يَعنِي: إذا كانت على يَمين الوادِي وشِماله صار لها أيضًا مَنظَر بَديع جَذَّاب.
وقوله : ﴿جَنَّتَانِ﴾ ليس المُرادُ (جَنَّتانِ) يَعنِي: بُسْتانَيْنِ؛ واحدٌ يَمينًا وواحِدٌ شِمالًا، المُراد بَساتِينُ، لكن قال العُلَماءُ ﵀: لمَّا كانت هذه البَساتينُ مُتَّصِلة صارت كأنها بُسْتان واحِد، وللمَعلوم لو كان بُستان وبُستان ما هي بآية يَعنِي أنها بَسيطة، لكنها بَساتينُ مُتَّصِلة بعضُها ببعض على يمين الوادِي وشِمال الوادِي، فلمَّا كانت مُتَّصِلة بعضُها ببَعْضٍ صارت كانها جَنَّه واحِدة عن اليمين، وجَنَّة واحِدةٌ عن الشِّمال.
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [عَلَى مَا رَزَقَكُمْ
стр. 123
مِنَ النَّعْمَةِ فِي أَرْضِ سَبَأٍ] إلى آخِره، يَعنِي أنَّ الله جعَل في هذه الجَنَّتَينِ خيرًا كثيرًا، وجعَل تَناوُلَها مُيَسَّرًا؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ ممَّا يَدُلُّ على أن الأمر مُيسَّر، كما لو قدَّمتُ لكَ طعامًا وقُلْتُ: كُلْ، إِذَنْ فهذه الجَنَّاتُ تُعطِي ثِمارها بدون مَشَقَّة، بل باليُسْر والسُّهولة.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾ الرِّزْق بمَعنى: العَطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨].
وقوله تعالى: ﴿رَبِّكُمْ﴾ الرَّبُّ مَعْناه: الخالِق المالِك المُدبِّر، والرُّبوبية هنا رُبوبية خاصَّة لعِنايته بهم بما أَعطاهم في هذه الجَنَّاتِ.
وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذا هو الذي يُطالِبون به جزاءً أو إظهارًا لنِعْمة الله عليهم، والشُّكْر: يَتعلَّق بالقَلْب واللَّسان والجوارِح؛ يَعنِي: فاعتَرِفوا بأنَّ هذه النِّعْمةَ من الله تعالى، وأَثْنُوا على الله تعالى بها، وقُوموا بجوارِ حِكم بطاعته حتى تُؤذُوا الشُّكْر على الوجه المَطلوب منكم، واشْكُروا له على ما رزَقَكم من النَّعْمة في أرض سَبَأٍ.
وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ أَحيانًا تَتَعدَّى (شكَرَ) بنَفْسها فيُقال: شكَرْت الله تعالى. ويُقال: شكَرْت له. فهي من الأفعال التي جاءت في اللغة العربية لازِمةً ومُتَعدَّيةً، وتَكون لازِمة إذا جاء حَرْفُ الجَرِّ له، وتَكون مُتعدِّية إذا لم يَأتِ حَرْف الجَزَّ، فإذا قُلْت: شكَرْتُ الله تعالى. صارَت مُتَعدَّية، وإذا قلت: شَكَرْتُ لله تعالى. صارَت لازِمةً.
وقوله : ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ إعرابها: خبَرٌ لمبتدأ محذوف، والتَّقدير: هذه بَلْدة طَيَّبة، أو [هي بَلْدة طيَّبة، ليس فيها سِباع ولا بَعوضة ولا ذُبابة ولا برغوث
стр. 124
ولا عَقْرب ولا حَيَّة، وَيمُرُّ الغريب فيها وفي ثِيابه قَملٌ فيَموت؛ لطِيب هَوائِها] هكذا قال المفسِّر؛ وإنما نَقول: هي بلدةٌ طيَّبة، أمَّا كون الغريب يَأتي من البَرِّ وفي ثِيابه القَمْل فيَموت القَمْل لطِيب هوائِها.
فنَقول: الله تعالى أَعلَمُ. لكن نَقول: لا شَكَّ أن وَصْف الله تعالى إيَّاها بالطَيِّبة أنها من أحسَن البِلاد في هوائِها وفي قُرِّها وفي حَرَّها، ليس في الحَرَّ الشديد ولا القُرِّ القارِس، وليس فيها عُفونة الهَواء والماء وما أَشبَهَ ذلك، فخُذْ بما شِئْت من طِيب المَسكَن في كل ما يُسمَّى طِيبًا.
وقوله تعالى: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾ يَعنِي: يَقول: والله ربٌّ غَفور، غَفور للذُّنوب، فمَنَّ الله تعالى عليهم بنِعْمَتَيْن: نِعمة السكَن وطِيبِهِ، ونِعمة المَغفِرة، فيَكون في نِعْمة المَغفِرة السلامةُ من الآثام وعُقوباتها في الآخِرة، وفي البَلْدة الطيَّبة السلامةُ من الآفات في الدنيا.
و(الغَفور) صِيغة مُبالَغة، واسْمُ الفاعِل منها (غافِر)، وهي مَأخوذة من (الغَفْر) بمَعنى السَّتْر مع الوِقاية، ومنه قولهم: (المِغْفَر) الذي يَلبَسه الإنسان؛ ليَتَّقِيَ به السَّهام في الحرب، ففيه تَغطية وسَتْر، وفيه أيضًا وِقاية، وهكذا (مَغفِرة الذُّنوب) فإنَّ معناه أنَّ الله تعالى يَستُر عليك الذَّنْب ويَقيك عُقوبته.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ﴾ دليلٌ على استِعمال التأكيد في الأُمور الهامَّة؛ وإن لم يَكُن المُخاطَب مُنكِرًا أو مُترَدَّدًا، تُؤخَذ من تأكيد هذه القِصَّة في قوله : ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ﴾ لأن التَّأكيد كما نَعلَم إنما يَجِب
стр. 125
في مُخاطَبة المُنكِر، ويَحسُن في مخُاطَبة المُتَرَدَّد، وَيكون على خِلاف البَلاغة في ما عدا ذلك، هذا هو المَعروفُ عند عُلَماء البَلاغة، ولكن بتَأمُّل ما ورَدَ في القرآن الكريم نَجِد أنَّ الأمور الهامَّة وإن خُوطِب بها مَن لا يُنكِرها أو يَتَرَدَّد فيها نَجِد أنَّ الله تعالى يُؤكدها، كما في هذه القِصَّةِ وغيرها.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: هذه الآيةُ العَظيمة الدالَّة على قُدْرة الله تعالى وحِكْمته، وهي قِصَّتهم على سبيل العُموم أنهم مُنعَّمُون في دِيارهم وبَساتِينِهم وقُصورهم وغير ذلك فلمَّا أَعرَضوا انقلَبَتِ الحال، ففيها عِبْرَة وآية من وُجوهٍ كثيرة، آية دالَّة على قُدْرة الله تعالى، آيةٌ يَعنِي: عِبرْة لمَن عَصَى الله، عِبرْة لمَن أَطاع الله تعالى، آيةٌ دالَّة على حِكْمة الله تعالى.
فبالتَّامُّل لهذه الآيةِ تَجِد فيها أصنافًا وأنواعًا من الآيات، فهي آية دالَّةٌ على قُدْرة الله تعالى، حيث خلَقَ لهم هذه البَساتينَ العَظيمة ثُمَّ أَبدَلها بأُخرى لا تُساوِيها بشيء دالَّةٌ على حِكمته؛ حيث أَعطاهم ذلك الخيرَ حين كانوا مُقبِلين على الله تعالى، وسَلَبَهم إيَّاه حين أَعرَضوا واستكْبَروا عن طاعته، آيةٌ للمُعتَبِرين من أهل المَعاصي؛ فمان فيها تَحذيرًا لهم من أن تَزول نِعْمة الله تعالى عليهم لسبب مَعاصيهم، آيةٌ للطائِعين حيث يَعتَبِرون بها بأنهم ما داموا على طاعة الله تعالى فإن نِعْمة الله تُدَرُّ عليهم، هذه أَرْبعة أَوْجُهٍ من كونها آيةً.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ هذا الجَنَّاتِ تُؤتِي أُكُلَها على وَجْهٍ واسِع؛ لقوله : ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجوبُ الشُّكْر لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ والشُّكْر واجِب عَقْلًا كما هو واجِب شَرْعًا، أمَّا وُجوبه الشَّرْعيُّ فالآيات بالأَمْر به
стр. 126
كثيرةٌ، وأمَّا وجوبه العَقْليُّ فلأَنَّ العقل الصريح يَقتَضي أنَّ كلَّ مَن أَحسَن إليك فإنك تَشكُره على ذلك، ومَن لا يَشكُر الناس لا يَشكُر الله تعالى، يَعنِي: كل أحَد يَرَى أنه في الخَطَأ أن يُسدِيَ إليك إنسانٌ ما يُسدَى مِن الخَيْر ثُمَّ تَتَنكَّر له، ولا تَقوم بشُكْره، كُلُّنا يَعرِف أن هذا خطَأ، وأن الواجِب أن تَشكُر.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ بِلاد الله تَنقَسِم إلى طَيَّب وخَبيث؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ﴾ وما نوعُ الطَّيب في هذه البَلدةِ؟ هل هو طِيب الأَرْض، أو طِيب الهَواء، أو طِيب الثَّمار؟
الجوابُ: يَعُمُّ كُلَّ ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (٥٨)﴾ [الأعراف: ٥٨].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات رُبوبية الله ومَغفِرته، في قوله تعالى: ﴿وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾.
* * *
стр. 127
الآية (١٦)
* * *
* قالَ الله : ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦)﴾ [سبأ: ١٦].
وقول المُفَسَّر ﵀: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ [عَنْ شُكْرِهِ وَكَفَرُوا] الفاء هنا عاطِفة؛ يَعنِي: أنهم مع هذه النَّعَم؛ جَنَّاتٍ وبَساتينَ عَظيمةٍ وبلَدٍ طَيَّب ومَغفِرةٍ للذنوب إذا قاموا بطاعة الله، قال تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ يَقول المُفَسِّر ﵀: [أَعْرَضُوا عَنْ شُكْرِهِ وَكَفَرُوا]، فأَعرَضوا عن الشُّكْر وقابَلوا هذه النَّعْمةَ بالكُفْر فماذا كانت عاقِبَتُهم؟
قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ والفاءُ هنا عاطِفة وتُفيد السبَبية أيضًا؛ أي: فبِسَبب إِعْراضهم أَرْسَلْنا عليهم سَيْل العرِم، وهذه سُنَّة الله في خَلْقه كما قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢]، هؤلاء أَعرَضوا فدمَّرَ الله تعالى دِيارهم.
وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾ [جَمْعُ عَرْمَةٍ، وَهُوَ مَا يُمْسِكُ المَاءَ مِنْ إِنَاءٍ وَغَيْرِهِ إِلَى وَقْتِ حَاجَتِهِ، أَيْ: سَيْلَ وَادِيهِمُ المَمْسُوكِ بِمَا ذُكِرَ، فَأَغْرَقَ جَنَّتَيْهِمْ وَأَمْوَالَهُمْ].
﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾، العَرِم بمَعنَى: السَّدِّ، يَعنِى أنَّ هذا السَّيْلَ مَنسوب إلى السدِّ، أو بمعنى: سَيْل العرِم، من باب إضافة الشيء إلى صِفَته، أيِ: السَّيْل العارِم الجارِف
стр. 128
الذي يُتْلِف كلَّ ما مَرَّ عليه، والمعنى: أن الله أَرسَل عليهم سَيْلًا عظيمًا، وذلك بفَساد السَّدِّ الذي جعَلوه بين هذا الجِبالِ.
وكان هذا السدُّ المَنيعُ تَجتَمِع فيه السُّيول وتَمَتَصُّها الأرض وتَخرُج في العُيون، فلمَّا تَصدَّع هذا السدُّ جرَتِ المِياهُ بغير تقدير، وذلك بقُدرةِ الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَت فقال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
وَيقول: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ﴾ الجَنَّتان السابِقتان كُلُّها ثِمار طَيِّب يُؤكَل ويُنتَفَع به بالبيع والشراء وغيرِ ذلك، أمَّا البَدَل فيَقول : ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ﴾.
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿ذَوَاتَيْ﴾ [تَثْنِيَةُ ذَوَاتٍ، مُفْرَدٍ عَلَى الْأَصْلِ]، وهو في الأصل (ذات) المُفرَد، و (ذوات) للجَمْع، فثَنَّى الجَمْع وصارَت ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ﴾ ويُمكِن أن يُقال خِلافُ كلام المُفَسِّر ﵀؛ فيُقال: إن الأصل (ذات)، لكن لمَّا ثُنِّيَ عادت الواوُ فصارت (ذَواتَيْ)، ومَعنَى (ذَواتَيْ) أي: صاحِبَتَيْ؛ لأنَّ (ذات) بمَعنَى: صاحِبة، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ [البروج: ١]، أي: صاحِبة البُروج.
وقوله تعالى: ﴿جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [مُرٌّ بَشِعٌ بِإِضَافَةِ أُكُلٍ بِمَعْنَى: مَأْكولٍ وَتَرْكِهَا، وَيُعْطَفُ عَلَيْهِ] ﴿وَأَثْلٍ﴾؛ يَعنِي أن فيها قِراءَتَيْن: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ هذِي الإِضافةُ، وتَرْكُها: ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ أمَّا الإضافة واضِح، ﴿ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ يَعنِي أنها الأُكُل يُخمَط خَمطًا، وهو شَجَر الأراك؛ كما فسَّرَه بذلك ابنُ عباس (١) ﵄، والأَراك هي مَساوِيك لها أَوراقٌ بَسيطة جِدًّا، وليست بذات اللذيذة؛ ولهذا يَقول المُفَسِّر ﵀: [مُرًّ بَشِعٍ] بدَل الفَواكه والخُضَر
стр. 129
والزروع وغيرها، وَيقول: ﴿أُكُلٍ﴾ بمَعنَى: مَأكول، يَعني: ذواتَيْ مَأكولٍ يُخمَطُ خَمطًا ﴿وَأَثْلٍ﴾ بدَل الأشجار المُثمِرة البَهيجة صار بدَلها أَثْل، والأَثْل بعضهم قال: هو الطَّرْفاء، والصحيح أنه غير الطَّرْفاء؛ لأن الطَّرْفا تَكون صغيرة ما تَكبُر والأَثْل معروف.
قوله تعالى: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ هنا قال: شيءٍ من سِدْر. وهُناك قال: ﴿خَمْطٍ وَأَثْلٍ﴾؛ لأن السَّدْر أَحسَنُ هذه الأنواعِ الثلاثة، ولم يُعطَوْا منه إلَّا الشيءَ القليلَ شيء مِن سِدْر، وأيضًا قليل مع أنَّ كلِمة: ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ﴾ تَدُلُّ على القِلَّة، لكنها أُكِّدت هذه القِلَّةُ بقوله تعالى: ﴿قَلِيلٍ﴾.
الخُلاصةُ: أنَّ هؤلاء لمَّا أَعرَضوا ولم يَقوموا بشُكْر الله أَرسَل الله عليهمُ السَّيْل، فأَغرَق أموالهم وهدَّم بِناءَهم، وأَبدَلهم بهاتَيْنِ الجَنَّتَينِ جَنَّتَينِ لا يُساوِيان ولا يُقارِبان ما سبَقَ، ذواتَيْ أُكُل ليس بالكثير خَمْطٍ، والمُفَسِّر ﵀ قال: إنَّه [مُرٌّ بَشِعٌ] ﴿وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ بدَل تِلكَ الجَنَّاتِ العَظيمة المُفيدة النافِعة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيان حال هَؤلاء القَوْمِ أنهم بدَّلوا نِعْمة الله تعالى كُفْرًا، وكان عليهم لمَّا أَنعَم الله تعالى عليهم بهذه النِّعَمِ أن يَشكُروا وَيقوموا بطاعة الله تعالى، لكنهم أَعرَضوا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عُقوبة المُعرِضين بما تَقضية حِكْمةُ الله ، وقد قال الله في آية أُخْرى: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾ [العنكبوت: ٤٠]، فالعُقوبات دائِمًا تَكون من جِنْس العمَل، فهؤلاءِ لمَّا بَطِروا نِعْمة الله تعالى وكفَروا به؛ بسَبَب هذه الجَنَّاتِ أُبدِلوا بجَنَّات سَيِّئة بالنَّسبة لا نُعِّموا به من قَبلُ.
стр. 130
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الأَسْباب، تُؤخَذ من قوله : ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾ فجعَل الله تعالى سبَبَ الإِرْسال إِعْراضَهم.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ المعاصيَ سبَبٌ لزوال النِّعَم؛ لقَوْله : ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا﴾ بينما كانوا مُنعَّمين، لمَّا أَعرَضوا أُرسِل عليهم هذا السَّيْلُ المُدمِّرُ.
وهذا له شواهِدُ في القرآن كثيرة، منها قوله : ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ [النحل: ١١٢].
ومِنها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾. [الأعراف: ٩٦ - ٩٩]
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ المطَر الذي هو نِعْمة ورَحْمة قد يَكون نِقْمةً وعَذابًا؛ لقوله : ﴿سَيْلَ الْعَرِمِ﴾، فإن السَّيْل في الأصل الذي هو اجتِماع المطَر حتى يَتدَفَّق، الأصل أَنه خَيْر كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ [السجدة: ٢٧]، وهذا خَيْر، ولكنه أحيانًا يَكون عذابًا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: بَيان ضَلال أُولئك القومِ الذين إذا أَصابَتْهم مِثْلُ هذه المَصائِبِ من الفَيضانات وما أَشبَهَها لم يَتَأثَّروا لذلك، ويَقولون: هذا مُقتَضى الطبيعة. فإن هذه الفَيَضاناتِ التي تُدمِّر إنما هي عُقوبة من الله؛ ليَبْتَلِيَ بها أُولَئِك المُعذَّبين، وَيرتَدِع بها مَن كان على شاكِلَتِهم.
стр. 131
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: بَيان قُدْرة الله بإِرْسال هذه السُّيولِ الجارِفة التي أَغرَقَتْ ثِمارهم وزُروعهم، ونبَت بعد هذه الثِّمارِ والزُّروع نَبَتَ خَمْطٌ وأَثْلٌ وشَيءٌ مِن سِدْر قليلٍ، وليسَ سدرًا ولكِن شيءٌ مِن سِدر، يَعني: قليلٌ، فبَدَل الجناتِ العظيمة حَلَّ هذا محَلها.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: الحِكْمة في أن الله جعَل بدَل الجَنَّتيْن جَنَتيْن أُخْرَيَيْن؛ لأن الطاعة نور وصَلاح وفَلاح فيُناسِبها الجزاءُ بالعطاء، والمَعصية ظُلْمة وفَساد فناسَبَها أن يَكون فيها هذا البدَلُ السَّيَّئُ بالنَّسبة لما قَبْلَه.
* * *
стр. 132
الآية (١٧)
* * *
* قالَ الله : ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧)﴾ [سبأ: ١٧].
* * *
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿ذَلِكَ﴾ [التَّبْدِيلُ] ﴿جَزَيْنَاهُمْ﴾، ولو قال ﵀: ذلك التَّبديلُ وإرسالُ السَّيْل. لكان أعَمَّ وأَشمَلَ، أو لو قال: ذلك المَذكورُ. لكانَ أَشمَلَ، ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾.
وقوله: [﴿جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا﴾ بِكُفْرِهِمْ] وقول المُفَسِّر ﵀ هذا أَفادَنا أنَّ (ما) مَصدَرية، وأمَّا الباء فهي للسَّبَبية أي: جَزَيْناهم هذا الجزاءَ بإِغْراق أموالهم، وهَدْم بِنائِهم، وإبدال الجَنَّتَيْن بهاتَيْنِ الجَنَّتَيْنِ ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بسَبَب كُفْرِهم.
وقوله: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾: قال ﵀: [(وهَلْ يجازي إلَّا الكَفُورَ)، بالياء والنُّون مع كَسْر الزاي ونصب (الكَفورَ)، أي: ما يُناقَش إلَّا هو]، ففي قوله تعالى: ﴿وَهَلْ نُجَازِي﴾ قِراءَتان ﴿نُجَازِي﴾، وعلى هذه القِراءةِ يَجِب نَصْب (الكَفور) على أنها مَفعول به، والقِراءة الثانية "يُجَازَى" وعليه تُرفَع (الكَفور) على أنها نائِب فاعِل، والاستِفهام هنا بمَعنى النَّفْي؛ لأنه عُقِّب بـ (إلَّا)، فيَكون: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ أي: ما نُجازِي إلَّا الكَفورَ، والمُجازاة هنا بمَعنَى: المُناقَشة، أو بمَعنَى: المُكافَأَة على الفِعْل، والكَفور صيغة مُبالغة؛ أي: ذو الكُفْر بالله .
стр. 133
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها دليل على أنَّ الله لا يُجازِي أحَدًا بعُقوبة إلَّا بفِعْله، لقَوْله تعالى: ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات الأَسْباب؛ لأن الباء هُنا للسَّبَبية.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: الفَرْق بين (يَجزِي) و (يُجازِي)، فهنا قال: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾، لكن (نَجزِي) في الثواب، و (نُجازِي) بالعِقاب، هكذا قال بعضُ العُلَماءِ ﵀، فتَقول للكافِر: جازاكَ الله تعالى. وتَقول للمُسلِم: جزاكَ الله تعالى. ففي الخَيْر نَقول: جزى. وفي الشَّرِّ نَقول: جازَى. ووجهُ ذلك: أن الخَيْر عَطاء محَضٌ، وأمَّا العُقوبة فهي مجُازاة ومُكافَأة؛ ولهذا نَقول: جازاهُ. يُصاغ الفِعْل على صِيغة المُفاعَلة، والمُفاعَلة تَكون في الأصل من طرَفَيْن.
стр. 134
الآية (١٨)
* قالَ الله : ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ [سبأ: ١٨].
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ نِسْبة الفِعْل إلى (نا) الدَّالَّة على العظَمة، والضَّمير في ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ يَعود على سَبَأ.
وقوله تعالى: ﴿الْقُرَى﴾ جَمْعُ قَرْية، وهي البَلْدة سَواء كانت كبيرةً أو صغيرةً، وسُمِّيَت قريةً؛ لأنها تَجمَع، وما اشتَهَر عند الناس أن القَرْية هي المُدُن الصِّغار، هذا اصطِلاحٌ عُرْفيٌّ، وإلَّا فإن الله تعالى يَقول: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: ١٣]، فالقَرْية اسمٌ للبَلَد سواءٌ كان كثيرًا أو قليلًا، سُمِّيَ بذلك لأنه يَجمَع الناس.
وقوله تعالى: ﴿الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ ما هي القُرى التي بارَك الله تعالى فيها؟ قيلَ: إنها قُرَى اليَمَن، كصَنْعاءَ ونحوِها. وقيلَ: إنها قُرَى الشام. ولكُلٍّ من القَوْلين وجهٌ؛ لأن الله بارَك في الشام، وبارَك في اليَمَن؛ قال النبيُّ ﷺ : "اللهمَّ بَارِكْ لنَا فِي شَامِنَا وَيَمَنِنِا" (١)؛ ولهذا اختَلَف المُفسِّرون ﵀: هل المُرادُ القُرى
стр. 135
التي بارَك الله تعالى فيها قُرَى الشامِ أو المُرادُ القُرى التي بارَك الله تعالى فيها قُرَى اليَمَن؟ أيُّهما أَعظَمُ مِنَّةً أن يَكون المُرادُ بقُرَى الشام أو قُرَى اليَمَن؟
الجوابُ: قُرى الشام؛ لبُعدها، فهم يَذهَبون إلى الشام وَيرجِعون منها فيَقول : ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [بَارَكْنَا فِيهَا بِالمَاء وَالشَّجَرِ وَالثَّمَارِ وَهِيَ قُرَى الشَّامِ الَّتِي يَسِيرُونَ إِلَيْهَا لِلتَّجَارَةِ ﴿قُرًى ظَاهِرَةً﴾ مُتَوَاصِلَةً مِنَ الْيَمَنِ إِلَى الشَّامِ]، قوله : ﴿ظَاهِرَةً﴾ يَعنِي: بيَّنه يَرَى بعضها من بعض؛ لأنَّ القَرْية إذا كانت بَعيدةً عن الثانية ما صارت ظاهِرةً، وإذا خرَجَت من قَرْية إلى قَرْية، وهي بَعيدة منها هل تَكون القَرْية الثانية ظاهِرةً لك؟ لا، بل تَحتاج إلى أحَدٍ ليَدُلَّك، لكن إذا كانت مُتواصِلة مُتقارِبة صارت ظاهِرةً بادِيَة للعَيان، فهذه القُرَى مُتواصِلة بعضُها ببَعْض من اليَمَن إلى الشام.
والذين قالوا: إن المُراد قُرى اليَمَن؛ قالوا: لأنهم لا يَعلَم أن هناك قُرًى مُتَّصِلة بين اليَمَن والشام، وقالوا: إن الواقِع يَدُلُّ على خِلاف ذلك، وأن المُراد بالقُرى قُرى اليَمَن، وعلى كُلِّ حالٍ: لكُلِّ قولٍ وجهٌ.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ يَعنِي: جَعَلْناه مُقدَّرًا بمَراحِلَ يَنزِلون من قرية إلى أُخْرى مَرحَلةً مَرحَلةً.
والمُفَسِّر ﵀ يَقول: [﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ﴾ بِحَيْثُ يَقِيلُونَ فِي وَاحِدَةٍ وَيَبِيتُونَ فِي أُخْرَى، إِلَى انْتِهَاءِ سَفَرِهِمْ، وَلَا يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى حَمْلِ زَادٍ وَمَاءٍ] هذا مَعنَى تَقدير السَّيْر: أن يَكون مُقدَّرًا بمَراحِلَ حسبَ هذه القُرى، يَقيلون في واحِدة وَيبيتون في أُخرى، ثم يَقيلون في الثانية وَيبيتون في الأُخْرى وهكذا، ولا شكَّ أنَّ تَقدير السَّيْر على هذا الوجهِ أنه من نِعْمة الله على الناس، فإن الخُطوط الطويلة التي ليسَتْ بها
стр. 136
مُدُن تَكون في الغالِب طُرُقًا مُهلِكة مُخيفة، لكن إذا كانت مُتواصِلة صارت أَيسَرَ للسالِكِ، وأَشَدَّ طُمأنينةً، بل وأَقرَبَ للسَّيْر؛ لأنك إذا مَشَيْت من قرية إلى أُخرى تُحِسُّ أنك قطَعْت مَرحَلة، مثل القُرآن الكريم: لمَّا جُعِل آياتٍ وسُورًا وأَجزاءً صار أَسهَلَ للقارِئِ، الكِتاب إذا كان مُفضَلًا بأبواب وفصول صار أَيسَرَ، والطريق الحِسَّيُّ أيضًا طريق الأرض إذا كان فيه قُرًى مُتوالية صار أَيسَرَ من الطريق الطويل الذي يَمَلُّ الإنسان ولا يَرَى أنه قَطَع مَرْحَلة فيه.
ولهذا قال الله : ﴿وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾
قال المُفَسِّر ﵀: [وَقُلْنَا: سِيرُوا]، وعليه فتكون هذه الجُملةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، مَقولًا لقولٍ مَحذوفٍ (قُلْنا: سِيروا)، وهذا القولُ شرْعيٌّ أو قدَرِيٌّ؟
الجوابُ: قدَريٌّ؛ يَعنِي: أنَّ الله قال لهم: سِيروا في هذه الطُّرُقِ فيها لياليَ، أي: في هذه القُرَى، ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾ لا تَخافون لا في لَيْلٍ ولا في نَهار، وهذه من نِعَم الله أنهم يَسيرون ليلاً ونَهارًا آمِنين لا يَخافون من أَحَد، ولا يَخافون من تَلَف، ولا يَخافون من انقِطاع ماء، ولا مِن فَقْدِ طعام، ولكن لم يَصبِروا على هذه النَّعْمة - والعِياذُ بالله تعالى- ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ ما شَكَروا النَّعْمة، وكان عليهم أن يَشكُروا الله تعالى على هذه النِّعْمةِ، وَيغتَبِطوا بها، ولكنهم لم يَصبِروا عليها حتى سأَلوا الله تعالى أن يُباعِد بين أَسفارِهم، فتكون الأسفار طويلة ما فيها قُرًى.
وهذا نَظيرُ قَوْل أصحاب مُوسَى ﵇ له: ﴿لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ [البقرة: ٦١]، بينما كانوا في الأَوَّل يَأكُلون رَغدًا من المَنِّ والسَّلوى بلا تَعَبٍ وطعامًا
стр. 137
طَيَّبًا؛ لكن قَوْم سَبَأ ما صبَروا على هذه النِّعْمة التي هي من أحسَنِ النِّعَم في الأسفار.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: في هذه الآيةِ بيان نِعْمة الله على سَبَأ؛ حيثُ جعَل القُرَى مُمتَدَّة من اليَمَن إلى الشام، قريبًا بعضُها من بعض.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الطرُق إذا كانت بين قُرًى مُتَجاوِرة فهي آمَنُ وأَقرَبُ إلى السلامة؛ لقوله تعالى: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن السَّيْر فيها مُقدَّر مَرحَلةً مَرحَلة، بين هذه القُرى وتَقدير السَّيْر، كما قُلْنا من فائِدته. وَيتفَرَّع على ذلك: أن تَقدير السَّيْر أَنشَطُ للمُسافِر وأَسهَلُ له؛ لأنه إذا كان بين القُرَى تَبايُنٌ بعيد تَعِبَ المُسافِرُ ومَلَّ، لكن إذا صار يَقطَعها مَرحَلةً مَرحَلة صار ذلك أَنشَطَ له وأهوَنَ عليه، وذكَرْنا أنَّ من هذا تَجزِئة القُرآن ومَسائِل العِلْم والكتب المُصنَّفة حتى يَقطَعها الإنسان مَرحَلة مَرحَلة فيَكون ذلك أَسهَلَ عليه، وربما نَأخُذ منه فائِدة لمَن أَرادَ حِفْظ القُرآن أن يَتَحَفَّظه شيئًا فشَيْئًا؛ لأنَّ بعض الناس رُبَّما يُسرَد له ورَقة كامِلة ثُم يَرجِع يَحفَظها فيَصعُب عليه، لكنه إذا حفِظها آيةً آيةً كان هذا أسهَلَ في الغالِب.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الأَمْن في الأوطان من أكبَرِ النِّعَم؛ لقوله : ﴿لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾.
стр. 138
الآية (١٩)
* قالَ الله : ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ [سبأ: ١٩].
وقوله ﵀: [(فَقَالُوا رَبَّنَا بَعِّدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا) وَفِي قِرَاءَةٍ سَبْعِيَّةٍ: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ إِلَى الشَّامِ اجْعَلْهَا مَفَاوِزَ].
﴿(المفاوزُ) جَمْع مَفازة، وهي الأراضِي التي يُخشَى فيها من الهَلاكُ، وسُمِّيَت مَفازة من باب التَّفاؤُل، ولكن في الحقيقة ما هي مَفازة، بل هي هَلاك ومَهلَكة، لكن العرَب تُطلِق الشيء على ضِدِّه تَفاؤُلًا كما قالوا في الكَسير: إنَّه جَبير. فهذا أيضًا مِثْلها، يَقول المُفَسِّر ﵀ في تفسير: ﴿بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾: [اجْعَلْهَا مَفَاوِزَ؛ لِيَتَطَاوَلُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ بِرُكُوبِ الرَّوَاحِلِ وَحَمْلِ الزَّادِ وَالمَاءِ فَبَطِرُوا النِّعْمَةِ] لمَّا كانَتِ القُرى ظاهِرةً ومُتقارِبةً ولا يُحتاج فيها إلى حَمْل زاد وماء صار فيها الفُقراءُ والأغنياءُ على حَدٍّ سواءٍ، كلٌّ مُنعَّم في هذه الطرُقِ، فإذا تَباعَدت صار ذلك من حَظِّ الأغنياء، فسَأَلوا الله تعالى أن يُباعِد بين أَسفارِهم من أَجْل أن يَتَطاوَلوا على فُقَرائهم، فهؤلاءِ الأَغْنياءُ يَركَبون الإبِلَ، ويَحمِلون ما شاؤُوا من الزاد، وأمَّا الفُقَراء فلا يَستَطيعون ذلك، هذا هو السبَبُ في أنهم دعَوُا الله تعالى أن يُباعِد بين أسفارِهم.
стр. 139
يقول تعالى: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ إمَّا بالكُفْر، وإمَّا بدُعاء الله أن يُباعِد بين أسفارِهم فلم يَقبَلوا نِعْمته بهذه الراحةِ [﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ لَمِنْ بَعْدَهُمْ فِي ذَلِكَ ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ فَرَّقْنَاهُمْ فِي الْبِلَادِ كُلَّ التَّفْرِيقِ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المَذْكُورِ ﴿لَآيَاتٍ﴾ عِبَرًا ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عَنِ المَعَاصِي ﴿شَكُورٍ﴾ عَلَى النِّعَمِ].
قوله تعالى: ﴿أَحَادِيثَ﴾ جَمْع حَديثٍ، وهو ما يَتَحدَّث الناس به، يَعنِي أنهم بَعْد أن كانوا مَوْجودِين صاروا خَبَرًا من الأخبار؛ إذ إن قصصهم كانت أحاديثَ للناس يَتَحدَّثون بها، يَقول: حصَلَ كيت وكيت؛ ولهذا مِن الأمثال المَعروفة: تَفرَّقوا أَيادِيَ سَبَأ (١)؛ يَعني: أنهم تَفرَّقوا كتَفرُّق سَبَأ، قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ بعد أن كانوا أَشياءَ حَقيقيَّةً ثابِتة صاروا أَحادِيثَ، وهذا قول الشاعِر:
بَيْنَا يُرَى الْإِنْسَانُ فِيهَا مُخْبِرًا ... حَتَّى يُرَى خَبَرًا مِنَ الْأَخْبَارِ (٢)
وقوله تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ يَعنِي: فَرَّقْناهم في البِلاد كلَّ مُفرَّق وشُرِّدوا وتَشتَّتوا؛ لأنهم كفَروا النِّعْمة وظلَموا أَنفُسَهم.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ الإشارةُ تَعود إلى كل ما سبَق، من هذه القُرَى الظاهِرة وسُهولة السفَر، ثُم سُؤالهم أن يُباعِد الله تعالى بين أَسفارِهم، ثُم تمَزِيقهم في البِلاد كل مُمزَّق.
وقوله تعالى: ﴿لَآيَاتٍ﴾ أي؟ لعِبَرًا، كيف قال آياتٍ وهي قِصَّة واحِدة؟
الجوابُ: لكنها تَشتَمِل على أجزاء، كل جُزْءٍ منها يَستَحِقُّ أن يَكون آيةً.
стр. 140
وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾: ﴿صَبَّارٍ﴾ صِيغة مُبالَغة، أي: ذِي صَبْر على البَلايا، والصَّبْر في اللُّغة بمَعنَى: الحَبْس، وفي الشَّرْع: الحَبْس عمَّا يَحرُم عند المَصائِب، والناس في المَصائِب لهم أَرْبعة مَراتِبَ: مَرْتَبة السُّخْط، ومَرْتبة الصَّبْر، ومَرتَبة الرِّضا، ومَرْتبة الشُّكْر، وهو أعلاها، التَّسخُّط حرام والصَّبْر واجِب، والرِّضا مُستَحَبٌّ -على القول الراجِح-، والشُّكْر كذلك مُستَحَبٌّ، ولهذا قال هنا: ﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ المُفَسِّر ﵀ بيَّنها أي: عن المَعاصِي، بل وعلى أَقْدار الله تعالى، بل وعلى أَوامِر الله ، لأن الصَّبْر ثلاثة أنواع: صَبْر على طاعة الله تعالى، وصَبْر عن مَعصيته، وصَبْر على أقدار الله تعالى.
وقوله تعالى: ﴿شَكُورٍ﴾ أي: قائِمٍ بشُكْر الله تعالى بقَلْبه ولِسانه وجَوارِحه، فيَشكُر الله على نِعَمه، وأمَّا كونها آيةً للصَّبَّار فظاهِر، وكونها آيةً للشَّكور كيف ذلك؟
الجوابُ: لأنَّ الإنسان إذا نظَرَ إلى حالهم وأنهم حَينما كانوا شاكِرين لله تعالى كان الله تعالى قد أَنعَم عليهم بهذه النِّعْمةِ، فيُستَدَلُّ بها على أن شُكْر الله تعالى مُوجِب لبَقاء نِعْمته على العَبْد.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها دليل على أن هَؤلاءِ القومَ لم يَصبِروا على هذه النِّعَمِ، بل طلَبوا زوالها وتَغييرها، وهل هذا القولُ باللِّسان أو بالفِعْل؟ بمَعنَى: هل قالوا فِعْلاً: ﴿رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ أو أنهم لمَّا ظَلَموا أَنفُسَهم وكفَروا صار ذلك سببًا لتَباعُدِ ما بين هذه القُرى حيث اندَمَرَت وفَسَدت وخَرِبت؟
الجوابُ: الأَوَّلُ هو ظاهِر اللَّفْظ، أنهم قالوا ذلك فِعْلًا فباعدَ الله تعالى بينهم.
стр. 141
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هؤلاءِ القَوْمَ لمَّا بطِروا النِّعْمة وعجَزوا عن صَبْرها أَضافوا إلى ذلك ظُلْم أَنفُسِهم بالكُفْر، من قوله تعالى: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ هؤلاءِ القَوْمَ صاروا أَحاديثَ للناس من بعدِهم، وهذا نَوْع من الخِزْيِ والعارِ -والعِياذُ بالله تعالى- أن يَشتَهِر أَمْر الناس، أو أَمْر الإنسان حتى يَكون أُحدوثة لمَن بعدَه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هؤلاءِ الذين أَنعَم الله عليهم بالاجتِماِع في قُراهم وقَبائِلهم مُزَّقوا كُلَّ مُمَزَّق، فشُرِّدوا في البِلاد وتَفرَّقوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن ما يَفعَله الله بالعُصاة والظالمين يَكون آيةً للمُعتَبِرين؛ سواءٌ كان ضرَّاءَ فيَصبِرون، أو سرَّاءَ فيَشكُرون؛ لقوله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فضيلة الصَّبْر والشُّكْر، فالصبر على الضرَّاء والشُّكْر على الرَّخاء، والإنسان دائِمًا مُصابٌ بهاتين الآفَتَيْن، إمَّا ضرَّاء وإمَّا سرَّاء، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
والمُوفَّق مَن أَعطَى كلَّ حال ما يَجِب لها، ففي الضرَّاء يَجِب عليه الصَّبْر وانتِظار الفَرَج، وليَعلَم أن الله إذا قدَّر عليه الضرَّاء ليَصبِر فإن ذلك نِعْمة من الله تعالى عليه؛ لأنَّ الصبر كما نَعلَم درَجةٌ عالية، ومَنزِلةُ الصابِرين من أعلى ما يَكون من المَراتِب والمَنازِل، وهذه الدرَجةُ أو المَرتَبة أو المَنزِلة إذا لم يَكُن هناك شيء يُمتَحَن به العبدُ فإنه لن يَنالَها، لا بُدَّ من أذى ولا بُدَّ من مَصائِبَ يَصبِر عليها الإنسان حتى يَنال بذلك درَجة الصابِرين.
стр. 142
وكذلك أيضًا الشُّكْر درَجةٌ عالية لا يَنالها إلا مَن وُفِّق، فإن الإنسان إذا أَذاقَه الله تعالى النَّعماءَ من بعد الضرَّاء فالغالِب عليه أنه يَفخَر وَيفرَح وَيبطَر، فإذا انْضافَ إلى ذلك الشُّكْر عند الرَّخاء والصَّبْر عند البَلاء، نال بهذا درَجةَ الصابِرين الشاكِرين؛ قال النبيُّ ﷺ : "وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (١)؛ وانتِظار الفرَج مَعونة على الصبر، فإن الإنسان إذا أَيِس ولم يَنتَظِر الفرَج ضاقَت عليه الدَّنيا، وتَضاعَفَت عليه المُصيبة، لكن إذا كان يَنتَظِر الفرَج مُؤمِنًا بذلك هان عليه الأمرُ.
стр. 143
الآية (٢٠)
* قالَ الله : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
(صَدَقَ) بالتَّخفيف والتَّشديد ﴿صَدَّقَ﴾ بمعنى: أَخبَر بالصِّدْق، و ﴿صَدَّقَ﴾ مَنْ أَخبَر بالصِّدْق، فالإنسانُ إمَّا مُخبِرٌ وإمَّا مُخبَر، فالمُخبِرُ نَقول: صدَق. والمُخبَر نَقول: صَدَّقَ. يَقول الله : (صَدَقَ) و ﴿صَدَّقَ﴾ والقِراءَتان هنا تَحمِلان مَعنيَيْنِ، مَعنى الصِّدْق، والتَّصديق فالفائِدة من هاتَيْن القِراءَتَيْن أنهما تَدُلَّان على مَعنَيَيْن، وبَيان ذلك قال تعالى: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ أو (صَدَقَ عَلَيْهِمْ) [أَيِ: الْكُفارِ مِنْهُمْ سَبَأٌ، ﴿إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أَيْ: بِإِغْوَائِهِ يَتَّبِعُونَهُ ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فَـ (صَدَقَ) بِالتَّخْفِيفِ فِي ظَنِّهِ أَوْ ﴿صَدَّقَ﴾ بِالتَّشْدِيدَ ﴿ظَنَّهُ﴾، أَيْ: وَجَدَهُ صَادِقًا]، إبليس له ظَنُّه في بني آدَمَ، فما هو ظَنُّه؟
الجوابُ: أنه يُغويهم أجمعين، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]، وقال : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]، هذا ما كان يُؤَمِّلهُ وَيرجوه وَيظُنُّه إمَّا ظَنًّا راجِحًا وإمَّا ظَنًّا مُتيَقَّنًا، لكن لا يُمكِن أن يَتيَقَّن، وإنما يَظُنُّ ظنًّا راجِحًا،
стр. 144
فهنا صدَّق ظنَّه الذي كان يَقول: إنه سيُغويهم فـ (صدَّقه)؛ لأنه أَغواهم، أو (صدَق) عليهم إبليسُ ظنَّه أنَّه لمَّا ظَنَّ نفَّذَ ما قال، فيَكون صدَق حيث أَغواهم.
والحاصِلُ: أن الظنَّ الذي ظنَّه إبليسُ هو إغواؤُهم، هذا الظنُّ إمَّا أن يَكون بإغوائه إيَّاهم قد صدَّقه حيث وقَعَ منه أوَّلًا فصدَّقه بتَطبيقه فِعْلًا، أو صدَق عليهم إبليسُ ظنَّه أنه لمَّا ظنَّ ذلك الظنَّ طبَّقه وفعَلَه، والمعنى: أنَّ ما تَوقَّعه الشيطان وظنَّه من إغوائه الكُفَّارَ ومنهم سَبَأ وقَعَ مُؤكَّدًا باللَّامِ و (قَدْ) والقَسَمِ.
وقوله : ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ اتَّبَعوا الشيطان، ولو نظَرْنا ما هو الجامِعُ لما يَأمُر به الشيطانُ؛ يَأمُر بالفَحْشاء ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]؛ فهو يَأمُر بالفَحْشاء والمُنكَر وكلِّ فِعْل قبيح، فإذا اتَّبَعه الإنسان بالفَحْشاء والمُنكَر والفِعْل القبيح فقد تَبِعه وضَلَّ عنه، وإن خالَفه فقد خالَفَه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا﴾ فاتَّبَعوه، (إلَّا) بمَعنى [لَكِنَّ فَرِيقًا ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لِلْبَيَانِ].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا﴾ يَعْنِي: لَكِنْ] إشارة إلى أن الاستِثْناء هنا مُنقَطِع، لأنَّ الاستِثْناء إذا كان بمعنى (لكن) صار مُنقَطِعًا، ولكن الذي حمَل المُفَسِّر ﵀ على هذا؛ لأنَّ قوله : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُه أنَّه صدَّق عليهم جميعًا، وعليه فالمُؤمِنون لم يَدخُلوا في ذلك؛ فيَكون الاستِثْناء هنا مُنقَطِعًا، لأنَّ إبليسَ لم يُصدِّق الظَّنَّ إلَّا على الكُفَّار، أمَّا لو جَعَلْنا: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ عامًّا للقَبيلة كلِّها أو لبني آدَمَ كلِّهم ثُم قال: إلَّا فريقًا من المُؤمِنين، لكان هذا الاستِثْناءُ مُتَّصِلًا.
والحاصِلُ: إذا جعَلْنا الضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عائِدًا على الكُفَّار الذين اتَّبَعوا إبليسَ فإنَّ الاستِثْناء هنا يَجِب أن يَكون مُنقَطِعًا، وإن جَعَلْناه عامًّا لبني آدَمَ أو جِنْس هذه
стр. 145
القَبيلةِ سَبَأ صار الاستِثْناءُ مُتَّصِلًا.
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [لِلْبَيَانِ] يَعنِي: (مِنْ) بَيانية، وليسَت تَبعِيضيَّة؛ لأنها لو كانت للتَّبعيض لكان المَعنى: إلَّا فريقًا من المُؤمِنين نجا منهم، وفريقٌ آخَرُ لم يَنْجُ، وهذا المعنى فاسِد، وعلى هذا فتَكون (مِنْ) للبَيان ﴿إِلَّا فَرِيقًا﴾ مَن هؤلاء الفريقِ؟ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ، وهذا المَعنى دَقيقٌ، والمُفَسِّر ﵀ مِثالُه جَيِّد، إذا قُلْت: جاء فريقٌ من القَوْم؛ وهل جاء كلُّهم؟
الجوابُ: لا؛ لأنَّ (مِنْ) للتَّبْعيض ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا جعَلْنا (مِنْ) للتَّبعيض كما هي في قولكَ: (جاءَ فَريقٌ من القومِ) فسَد المَعنَى؛ لأنَّ المُؤمِنين كلُّهم لم يَتَّبِعوه؛ ولهذا احتاج المُفَسِّر ﵀ أَنْ يَجعَل (مِنْ) بَيانية، وتَكون (المُؤْمِنينَ) بَيانًا لقوله: ﴿فَرِيقًا﴾ كأنَّه قال: فاتَّبِعوه إلَّا المُؤمِنين، هذا مَعنَى الآية.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن إِبليسَ يُوصَف بالصِّدْق ويُوصَف بالكذِب، وأما الوَصْفُ اللازِم له فهو الكَذِب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠]، ولكن قد يَصدُق كما قال النبيُّ ﷺ : "صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ" (١).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإِيمان حاجِز عنِ اتِّباع الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ ولهذا كثيرًا ما يَمُرُّ بكم: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ كذا وكذا"، "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ بكذا وكذا"، أو "فَلْيَفْعَلْ كذا وكذا"