الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هؤلاءِ القَوْمَ لمَّا بطِروا النِّعْمة وعجَزوا عن صَبْرها أَضافوا إلى ذلك ظُلْم أَنفُسِهم بالكُفْر، من قوله تعالى: ﴿وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ هؤلاءِ القَوْمَ صاروا أَحاديثَ للناس من بعدِهم، وهذا نَوْع من الخِزْيِ والعارِ -والعِياذُ بالله تعالى- أن يَشتَهِر أَمْر الناس، أو أَمْر الإنسان حتى يَكون أُحدوثة لمَن بعدَه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هؤلاءِ الذين أَنعَم الله عليهم بالاجتِماِع في قُراهم وقَبائِلهم مُزَّقوا كُلَّ مُمَزَّق، فشُرِّدوا في البِلاد وتَفرَّقوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن ما يَفعَله الله بالعُصاة والظالمين يَكون آيةً للمُعتَبِرين؛ سواءٌ كان ضرَّاءَ فيَصبِرون، أو سرَّاءَ فيَشكُرون؛ لقوله : ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: فضيلة الصَّبْر والشُّكْر، فالصبر على الضرَّاء والشُّكْر على الرَّخاء، والإنسان دائِمًا مُصابٌ بهاتين الآفَتَيْن، إمَّا ضرَّاء وإمَّا سرَّاء، قال الله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥].
والمُوفَّق مَن أَعطَى كلَّ حال ما يَجِب لها، ففي الضرَّاء يَجِب عليه الصَّبْر وانتِظار الفَرَج، وليَعلَم أن الله إذا قدَّر عليه الضرَّاء ليَصبِر فإن ذلك نِعْمة من الله تعالى عليه؛ لأنَّ الصبر كما نَعلَم درَجةٌ عالية، ومَنزِلةُ الصابِرين من أعلى ما يَكون من المَراتِب والمَنازِل، وهذه الدرَجةُ أو المَرتَبة أو المَنزِلة إذا لم يَكُن هناك شيء يُمتَحَن به العبدُ فإنه لن يَنالَها، لا بُدَّ من أذى ولا بُدَّ من مَصائِبَ يَصبِر عليها الإنسان حتى يَنال بذلك درَجة الصابِرين.
стр. 142
وكذلك أيضًا الشُّكْر درَجةٌ عالية لا يَنالها إلا مَن وُفِّق، فإن الإنسان إذا أَذاقَه الله تعالى النَّعماءَ من بعد الضرَّاء فالغالِب عليه أنه يَفخَر وَيفرَح وَيبطَر، فإذا انْضافَ إلى ذلك الشُّكْر عند الرَّخاء والصَّبْر عند البَلاء، نال بهذا درَجةَ الصابِرين الشاكِرين؛ قال النبيُّ ﷺ : "وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا" (١)؛ وانتِظار الفرَج مَعونة على الصبر، فإن الإنسان إذا أَيِس ولم يَنتَظِر الفرَج ضاقَت عليه الدَّنيا، وتَضاعَفَت عليه المُصيبة، لكن إذا كان يَنتَظِر الفرَج مُؤمِنًا بذلك هان عليه الأمرُ.
стр. 143
الآية (٢٠)
* قالَ الله : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ [سبأ: ٢٠].
(صَدَقَ) بالتَّخفيف والتَّشديد ﴿صَدَّقَ﴾ بمعنى: أَخبَر بالصِّدْق، و ﴿صَدَّقَ﴾ مَنْ أَخبَر بالصِّدْق، فالإنسانُ إمَّا مُخبِرٌ وإمَّا مُخبَر، فالمُخبِرُ نَقول: صدَق. والمُخبَر نَقول: صَدَّقَ. يَقول الله : (صَدَقَ) و ﴿صَدَّقَ﴾ والقِراءَتان هنا تَحمِلان مَعنيَيْنِ، مَعنى الصِّدْق، والتَّصديق فالفائِدة من هاتَيْن القِراءَتَيْن أنهما تَدُلَّان على مَعنَيَيْن، وبَيان ذلك قال تعالى: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ﴾ أو (صَدَقَ عَلَيْهِمْ) [أَيِ: الْكُفارِ مِنْهُمْ سَبَأٌ، ﴿إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ أَيْ: بِإِغْوَائِهِ يَتَّبِعُونَهُ ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾، فَـ (صَدَقَ) بِالتَّخْفِيفِ فِي ظَنِّهِ أَوْ ﴿صَدَّقَ﴾ بِالتَّشْدِيدَ ﴿ظَنَّهُ﴾، أَيْ: وَجَدَهُ صَادِقًا]، إبليس له ظَنُّه في بني آدَمَ، فما هو ظَنُّه؟
الجوابُ: أنه يُغويهم أجمعين، قال الله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٢ - ٨٣]، وقال : ﴿قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٦ - ١٧]، هذا ما كان يُؤَمِّلهُ وَيرجوه وَيظُنُّه إمَّا ظَنًّا راجِحًا وإمَّا ظَنًّا مُتيَقَّنًا، لكن لا يُمكِن أن يَتيَقَّن، وإنما يَظُنُّ ظنًّا راجِحًا،
стр. 144
فهنا صدَّق ظنَّه الذي كان يَقول: إنه سيُغويهم فـ (صدَّقه)؛ لأنه أَغواهم، أو (صدَق) عليهم إبليسُ ظنَّه أنَّه لمَّا ظَنَّ نفَّذَ ما قال، فيَكون صدَق حيث أَغواهم.
والحاصِلُ: أن الظنَّ الذي ظنَّه إبليسُ هو إغواؤُهم، هذا الظنُّ إمَّا أن يَكون بإغوائه إيَّاهم قد صدَّقه حيث وقَعَ منه أوَّلًا فصدَّقه بتَطبيقه فِعْلًا، أو صدَق عليهم إبليسُ ظنَّه أنه لمَّا ظنَّ ذلك الظنَّ طبَّقه وفعَلَه، والمعنى: أنَّ ما تَوقَّعه الشيطان وظنَّه من إغوائه الكُفَّارَ ومنهم سَبَأ وقَعَ مُؤكَّدًا باللَّامِ و (قَدْ) والقَسَمِ.
وقوله : ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ اتَّبَعوا الشيطان، ولو نظَرْنا ما هو الجامِعُ لما يَأمُر به الشيطانُ؛ يَأمُر بالفَحْشاء ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [البقرة: ٢٦٨]؛ فهو يَأمُر بالفَحْشاء والمُنكَر وكلِّ فِعْل قبيح، فإذا اتَّبَعه الإنسان بالفَحْشاء والمُنكَر والفِعْل القبيح فقد تَبِعه وضَلَّ عنه، وإن خالَفه فقد خالَفَه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا﴾ فاتَّبَعوه، (إلَّا) بمَعنى [لَكِنَّ فَرِيقًا ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لِلْبَيَانِ].
قال المُفَسِّر ﵀: [﴿إِلَّا﴾ يَعْنِي: لَكِنْ] إشارة إلى أن الاستِثْناء هنا مُنقَطِع، لأنَّ الاستِثْناء إذا كان بمعنى (لكن) صار مُنقَطِعًا، ولكن الذي حمَل المُفَسِّر ﵀ على هذا؛ لأنَّ قوله : ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ظاهِرُه أنَّه صدَّق عليهم جميعًا، وعليه فالمُؤمِنون لم يَدخُلوا في ذلك؛ فيَكون الاستِثْناء هنا مُنقَطِعًا، لأنَّ إبليسَ لم يُصدِّق الظَّنَّ إلَّا على الكُفَّار، أمَّا لو جَعَلْنا: ﴿صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ عامًّا للقَبيلة كلِّها أو لبني آدَمَ كلِّهم ثُم قال: إلَّا فريقًا من المُؤمِنين، لكان هذا الاستِثْناءُ مُتَّصِلًا.
والحاصِلُ: إذا جعَلْنا الضمير ﴿عَلَيْهِمْ﴾ عائِدًا على الكُفَّار الذين اتَّبَعوا إبليسَ فإنَّ الاستِثْناء هنا يَجِب أن يَكون مُنقَطِعًا، وإن جَعَلْناه عامًّا لبني آدَمَ أو جِنْس هذه
стр. 145
القَبيلةِ سَبَأ صار الاستِثْناءُ مُتَّصِلًا.
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [لِلْبَيَانِ] يَعنِي: (مِنْ) بَيانية، وليسَت تَبعِيضيَّة؛ لأنها لو كانت للتَّبعيض لكان المَعنى: إلَّا فريقًا من المُؤمِنين نجا منهم، وفريقٌ آخَرُ لم يَنْجُ، وهذا المعنى فاسِد، وعلى هذا فتَكون (مِنْ) للبَيان ﴿إِلَّا فَرِيقًا﴾ مَن هؤلاء الفريقِ؟ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾.
قال المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: هُمُ المُؤْمِنُونَ لَمْ يَتَّبِعُوهُ، وهذا المَعنى دَقيقٌ، والمُفَسِّر ﵀ مِثالُه جَيِّد، إذا قُلْت: جاء فريقٌ من القَوْم؛ وهل جاء كلُّهم؟
الجوابُ: لا؛ لأنَّ (مِنْ) للتَّبْعيض ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ إذا جعَلْنا (مِنْ) للتَّبعيض كما هي في قولكَ: (جاءَ فَريقٌ من القومِ) فسَد المَعنَى؛ لأنَّ المُؤمِنين كلُّهم لم يَتَّبِعوه؛ ولهذا احتاج المُفَسِّر ﵀ أَنْ يَجعَل (مِنْ) بَيانية، وتَكون (المُؤْمِنينَ) بَيانًا لقوله: ﴿فَرِيقًا﴾ كأنَّه قال: فاتَّبِعوه إلَّا المُؤمِنين، هذا مَعنَى الآية.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: أن إِبليسَ يُوصَف بالصِّدْق ويُوصَف بالكذِب، وأما الوَصْفُ اللازِم له فهو الكَذِب؛ قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ [النساء: ١٢٠]، ولكن قد يَصدُق كما قال النبيُّ ﷺ : "صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ" (١).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإِيمان حاجِز عنِ اتِّباع الشيطان؛ لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ ولهذا كثيرًا ما يَمُرُّ بكم: "لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ كذا وكذا"، "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ بكذا وكذا"، أو "فَلْيَفْعَلْ كذا وكذا"
стр. 146
ممَّا يَدُلُّ على أن الإيمان حاجِز عنِ اتِّباع الشيطان، ومُوجِب لاتِّباع هَديِ الرُّسُل عليهم الصلاة والسلام.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الشَّيْطان إمامٌ لكلِّ ضالّ، لقوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ فكُلُّ الضالِّين إمامُهم الشَّيْطان، وهم مُتَّبِعون له.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وإذا قُلْنا بأنَّ (مِنْ) للتَّبعيض في قوله تعالى: ﴿إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وأن المُراد بالاتِّباع؛ الاتِّباع المُطلَق أنَّ بعض المُؤمِنين قد يَتَّبع الشيطان في بعض الأُمور، وقد يَكون الاستِثْناء مُتَّصِلًا، وتَكون (مِنْ) للتَّبعيض، إذ إن بعض المُؤمِنين قد يَتَّبِعون الشَّيْطان في بعض الأُمور.
مثال ذلك: "لَا يَأْكلْ أَحَدُكُمْ بِشِمَالِهِ، وَلَا يَشْرَبُ بِشِمالِهِ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكلُ بِشِمَالِهِ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ" (١)، فإذا فعَل أحَد ذلك صار مُتَّبِعًا الشيطانَ؛ ولهذا كان القولُ الراجِح تَحريمَ أكل بالشِّمال والشُّرْب بالشِّمال، وأنه ليس مَكروهًا فقط، بل هو حرام، والإنسان يَكون عاصِيًا بذلك، إلَّا إذا كان أَفندِيًّا تَقدُّمِيًّا حَضارِيًّا؛ فإنَّه يَأكُل بالشِّمال! وهذه هي المُشكِلة التي يَزعُم فاعِلوها أنهم تَقدُّمِيُّون وحَضارِيُّون، ولكن ليس كل تَقدُّمًا محَمودًا، فإن الله يَقول عن فِرعونَ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]، إِذَنْ على هذا القولِ الأَخيرِ أنَّ (مِنْ) للتَّبْعيض يَكون الاستِثْناء مُتَّصِلًا، وَيكون لبعض المُؤمِنين شيءٌ من اتِّباع الشيطان، لا الاتِّباع الكامِل.
* * *
стр. 147
الآية (٢١)
* * *
* قال الله : ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ٢١].
* * *
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ﴾ الضميرُ يَعود على إبليسَ، و ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي: على القومِ الذين أَغواهُم ﴿مِنْ سُلْطَانٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائِدة لَفْظًا لا مَعنًى و ﴿سُلْطَانٍ﴾ اسمُ (كانَ) مُؤخِّر؛ أي: ما كان له سُلطانٌ عليهم، والمُراد بالسُّلْطان هنا التَّسلُّط أو التَّسليط؛ ولهذا قال: [تَسْلِيط] فهي إِذَنِ اسمُ مَصدَر، وليس المُرادُ بها السُّلْطانَ الذي هو المَعنى القريب، فالمَعنى: ما كان للشَّيْطان عليهم تَصديق ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾.
وعلى تَقدير المُفَسِّر ﵀ أن السُّلْطان بمعنى التَّصديق يَكون الاستثْناء مُتَّصلًا؛ أي: ما جعَلْنا للشيطان تَسليطًا عليهم إلَّا لنَعلَم، وإذا جعَلْنا السُّلْطَان بمَعنَى التَّسلُّطِ أو القُدْرة، فإنَّ الاستِثْناء يَكون مُنقَطِعًا؛ أي: ما كان له عليهم سُلْطة، لكن لنَعلَم مَن يَتَّبِعه إلى آخِره.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ اللَّامُ هنا للتَّعليل أو للعاقِبة؟
الجوابُ: يَحتَمل أن تَكون للتَّعليل أو للعاقِبة، وعلى كِلا التَّقديرَيْن فيها إشكالٌ، وهو أنَّ ظاهِرها تَجدُّد عِلْم الله تعالى، ومَعلومٌ أن عِلْم الله تعالى أَزَليٌّ أَبَدِيٌّ؛ أي: قديم مُستَمِرٌّ لا بُدَّ أن يَستَمِرَّ، فكيف صحَّ أن تَكون اللَّام هنا للتَّعليل أو للعاقِبة؟
стр. 148
يَقول المُفَسِّر ﵀ في تَفسيرها: [عِلْمَ ظُهُورٍ]، وذلك لأَنَّ تَعلُّق عِلْم الله تعالى بالشيء له حالان:
الحالُ الأُولى: قبلَ وُجوده.
الحالُ الثَّانية: بعد وجوده.
فتَعلُّق عِلْم الله تعالى به بعد الوُجود يُسمَّى عِلْمَ ظُهورٍ؛ أي: عَلِمه بعد أن ظَهَر وبانَ، وعِلْم الله تعالى قبلَ وُجودِه عِلْم تَقديرٍ؛ أي: أنَّه قدَّر أن يَكون وعِلْمُ التَقديرِ ثابِت بلا شَكٍّ فإن الله تعالى لم يَزَلْ ولا يَزالُ عالماً بكُل ما يَكون.
وإذا قُلْنا: إنَّ العِلْم عِلْمُ تَقدير وعِلْمُ ظُهور. زال الإشكالُ؛ وصار عِلْم الله تعالى للشَّيْء بعدَ وُقوعه عِلْمًا بأنه ظهَر ووَقَع، وعِلْم الله تعالى قبلَ وُقوعه عِلْمًا بأنه سيَقَع، وفَرْقٌ بين المُتعَلَّقين.
وقِيلَ: إن المُراد بالعِلْم هنا العِلْم الذي يَتَرتَّب عليه الجزاءُ؛ وذلك لا يَكون إلَّا بعد الامتِحان، فإنَّ عِلْم الله تعالى بالشيء قبل أن يَقَع عِلْمٌ لا يَترَتَب عليه ثوابٌ ولا عِقاب؛ لأنَّ المُكلَّف لم يُؤمَر ولم يُنهَ، فإذا أُمِر ففعَل أو أُمِرَ فلَمْ يَفعَل حينئذٍ صار مُثابًا أو مُعاقَبًا، كما قال : ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٢].
وعلى هذا الوجهِ يَكون عِلْمُ الله تعالى عِلْمَيْن:
١ - عِلْم مَعناه: أنَّ الله تعالى عالم بأن هذا الشيءَ سيَقَع، ولكن لا يَتَرتَّب عليه الثوابُ والعِقابُ.
стр. 149
٢ - عِلْم يَتَرتَب عليه الثواب والعِقاب، وذلك لا يَكون إلَّا بعد امتِحان المُكلف به. وهل يَفعَل أو لا يَفعَل؛ يَعنِي هل يَمتَثل أو لا يَمتَثل، فتَبيَّن أنَّ الجواب عن هذه المَسألةِ التي ظاهِرُها تَجدُّد عِلْم الله تعالى: أنَّ العِلْم الذي يَتبَيَّن به الخفِيُّ؛ لأنَّ الأَمْر لم يَزَل ولا يَزالُ أمام الله تعالى واضِحَا ظاهِرًا، قال تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ هنا ضُمِّنت (نَعلَم) معنى (نُميِّز)؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مِمَّنْ هُوَ﴾ يَعنِي: إلَّا لنُميز مَن يُؤمِن بالآخِرة مِمَّن هو منها في شَكٍّ.
والنّاس بالنِّسبة للآخِرة يَنقَسِمون إلى ثلاثة أقسام: قِسْم آمَنوا بها، وقِسْم كفَروا بها وأَنكَروا، وقِسْم فيه شَكٌّ وتَردد، الذين آمَنوا بها أَمْرُهم واضِح، والَّذين كفَروا بها وقالوا: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٩٨]، هذا لا يُمكِن، هؤلاءِ أيضاً أَمْرُهم واضِح، والذين تَرددوا وقالوا: يُمكِن أن يكون حَقَا ويُمكِن أن تكون باطِلًا يُلحَقون بالكافِر؛ لأنَّ الواجِب أن يُؤمِن؛ ولهذا قال: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فكَيْف ممَّن هو منها مُنكِرٌ وجاحِدٌ ومُكذبٌ.
فالله جعَل للشَّيْطان سُلْطة عليّ بني آدمَ؛ لأجل أن يَمتَحِن هؤلاء النَّاسَ فيَعلَم مَن يُؤمِن بالآخِرة ممن هو في شَكٍّ، فالذي فيه شَكَّ من الآخِرة يَتَبع الشَّيْطان قَطْعًا؛ لأنَّه لا يُؤمِن بأن هناك يَوْمًا آخِرَا يُثابُ النَّاس فيه ويُعاقَبون، فهو يَرَى أن لنَفْسه الحُريةَ المُطلَقة، وهي في الحقيقة حُرِّيةٌ من شيءٍ، ورِقٌّ في شيء، قال ابنُ القيمِ ﵀:
هَرَبُوا مِنَ الرِّقِّ الَّذِي خُلِقُوا لَهُ ... وَبُلُوا بِرِقَ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ (١)
والرِّق الذي خُلِقْنا له هو العُبودِية لله، (وَبُلُوا بِرِقِّ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ) نَسأَل الله تعالى العافِيةَ، يَعنِي: صاروا عَبيدَا لأَنفُسهم وشَياطينهم، فلا يُمكِن أن يَتحَرَّر
стр. 150
الإنسان من عِبادة الله تعالى على زَعْمه إلَّا كان رقيقًا لغَيْره، للنَّاس والشَّيْطان.
والحاصِلُ: أنَّ هؤلاءِ الذين كانوا في شَكٍّ من الآخِرة لا يُمكِن أن يَعمَلوا ولا أن يَقوموا بطاعة الله تعالى، ذلك لأنَّ الذي يَقوم بطاعة الله تعالى هو الذي يُؤمِن بأنه سوف يُحشَر ويُثاب أو يُعاقَب.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ فنُجازِي كلًّا مِنهما ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ الجُمْلة خَبَرية تُفيدُ مَعنًى، ولازِمَ ذلك المَعنَى، فهي خَبَرية تُفيد أن الله تعالى على كلِّ شيء حَفيظ؛ أي: مُراقِب ومُطلِع ومهيْمِن على كل شيء، سَواء كان ذلك ممَّا يَتعَلق بفِعْله أوْ ممَّا يَتعَلق بفِعْل الخلْق، فهو جلَّ وَعَلَا رقيب على كل شيء، لا يَخفَى عليه شيء في الأَرْض ولا في السماء، هذا المَعنَى يَستَلزِم مَعنًى آخَرَ، وهو التَحذيرُ من المُخالَفةِ؛ لأنَّ الإنسان متى عَلِم أنَّ الله حفيظٌ على كل شيءٍ خاف ولم يُخالِف، أمَّا إذا كان في شكٍّ من هذا فإنَّه سوف يَعمَل كما يَشاء.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بَيانُ حِكْمة الله في تَسليط الشَّيطان عليّ بني آدمَ، وهي أَنْ يَعلَم أن مَن يُؤمِن بالآخِرة فيَعمَل لها ممَن لا يُؤمِن، وَيكون في الشَك فلا يَعمَل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إِثْبات عِلْم الله تعالى، وتَعلُّقِ عِلْم الله تعالى بالمَوجودات يَنقَسِم إلى قِسْمين: تَعلُّق بها قَبلَ الوُجود، وتَعلق بها بعد الوجود، فالتَعلق بها بعد الوجود يَكون عِلْمه بها عِلْمَ أَمْرٍ واقِعٍ، والأوَّل يَكون تَعلُّق العِلْم بها إنَّه عِلْم بما سيَقَع، وبهذا يَزول الإشكالُ في مِثْل هذه الآيةِ حيث إنَّ ظاهِرها يُفيد تَجدد عِلْم الله ؛
стр. 151
لأننا نَعلَم أن الله محُيط بكلِّ شيءٍ عِلمًا أزَلًا وأبدًا، ومَن ظَنَّ أن الله تعالى لا يَعلَم الشيء إلا بعد وجودِه فقَدْ كفَرَ.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الآخِرة، ووُجوب الإيمان بها.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أنَّ الشَّكَ فيما يَجِب فيه اليقين كُفْر؛ لقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾، ولم يَقُلْ: إنَّه مُنكِر لها؛ لأنَّه قد تكون ظاهِر الحال أنه لمَّا قال: يُؤمِن بالآخِرة. كأن يقول: الذي يُقابِله يَكفُر بالآخِرة. لكن قال تعالى: ﴿مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾؛ لنَستَفيد منه فائِدةً وهو أنَّ ما يُطلَب فيه اليقين يَكون الشكُّ فيه كالإنكار كفرًا.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: عُموم رِعاية الله تعالى ومُراقَبته لكلِّ شيء، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن رُبوبية الله تَنقَسِم إلى: خاصَّة وعامَّة، والخاصَّة إلى أَخص وإلى خاصَّة؛ لقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾، فهذه الرُّبوبيةُ أخَصُّ من الخاصَّة، فإنَّ رُبوبية الله لخواصِّ عِباده كالأنبياء أخصُّ من ربوبيته لعُموم المُؤمنين، ورُبوبيته للمُؤمِنين أخصُّ من رُبوبيته لعامَّة النَّاس، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [النمل: ٩١]، ولمَّا كانت الرُّبوبية خاصَّة هنا قد تُوهِم اختِصاص رُبوبيته بهذا البَلْدةِ بعد هذا قال تعالى: ﴿وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ﴾.
* * *
стр. 152
الآية (٢٢)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ [سبأ: ٢٢].
* * *
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿قُلِ﴾ [يَا مُحَمَّدُ لِكُفَّارِ مَكَّةَ] هنا جَعَل الخِطاب خاصًّا؛ من جِهتَيْن: من جِهة المُخاطِب، ومن جِهة المَدعُوِّ، فالمُخاطِب قال تعالى: (﴿قُلِ﴾ يَا مُحَمَّدُ) والمَدعُو كُفَّار مَكَّةَ، ولكن هذا غير مُسلمٍ للمُفَسِّر، بل نَقول: إنَّ ﴿قُلِ﴾ يُمكِن أن تكون مُوَجهةً لكل مَن يَتوَجه الخِطاب إليه، من الرسول ﷺ أو غيره ممَن ورِثَه في أُمتِه، أي: (قُلْ أَيها النَّاسُ).
أمَّا بالنسبة للمَدعُوين فنَقول: الأَصحُّ أنَّه عامّ لكُل مَن دعا مع الله تعالى غيرَهُ من كُفَّار مَكَّةَ وغيرهم، فيَجِب أن يَكون لدينا قاعِدة وهو أنَّه إذا دارَ الأَمْر بين أن يَكون الخِطاب خاصاً أو عاماً وجَبَ أن يَكون عامًا؛ لأنَّ العام يَدخُلُ فيه الخاصُّ ولا عكسَ، وكُلَّما كان مَعنَى القُرآن أوسَعَ كان أوجَبَ.
إِذَنْ نَقول: قُلْ أيها المُخاطِب ممَن تَدعو مع الله تعالى؛ قل للذين يَدعون مع الله غيرَه ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: زعَمْتُموهم آلهِةً: (ادْعُوهُمْ)، وهلِ المُرادُ بالدعاء هنا دُعاء المَسأَلة، أو دُعاء الإِحْضار؟
стр. 153
(ادْعُوهم) يَعنِي: أَحضِروهم أو دُعاء المَسأَلة يَعنِي اسألوهُمُ اطلُبوا مِنهُمُ الحوائِجَ، هل يَستجيبون لكم أم لا؟
الجوابُ: يَحتَمِل المَعنيَيْن: يَحتَمِل مَعنَى: أَحضِروهم؛ لنُناقِشَهم، أوِ ادْعوهم دُعاء مَسأَلة، يَعنِي: اسأَلوهم؛ كما تَقول: أدْعُو الله تعالى، أَيْ: أسأله، وقول المُفَسر ﵀: [أَيْ: زَعَمْتُمُوهُمْ آلهة] لم يُقدِّر المُفَسِّر ضَميرًا ووَصْفًا ظاهِرًا، الضميرُ [زَعَمْتموهم] (هُمْ) هذا هو الضَّميرُ، والاسْمُ الظاهِر [آلهِةً]، فأَفادَنا ﵀ بأنَّ (زَعَمَ) تَنصِب مَفعولَيْن، وأنَّ المَفْعولَيْن مَحذوفان، وتَقديرُ الكَلام: (زَعَمْتموهُمْ آلهِةً)، لأنَّ (زَعَمَ) من الأفعال التي تَنصِب مَفعولَيْن أصلُهما المُبتَدَأ والخبر؛ فهي من أخوات (ظنَّ).
وقوله تعالى: ﴿ومِّن دُونِ اللهِ﴾ قال ﵀: [مِنْ غَيْرِهِ ليَنْفَعُوكُمْ بِزَعْمِكُمْ]، هذه الآلهِةُ لا يُمكِن أن تَنفَع المُشرِكين، وذلك لانتِفاء أسباب النفْع من عِدَّة أَوْجُهٍ:
أوَّلًا: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ استِقْلالًا.
ثانياً: ولا يَملِكون ذلك مُشارَكة.
ثالثاً: وليس لهم مَعونة يُعينوا الله تعالى بها.
رابعًا: ليس لهم شَفاعة إلَّا بعد إِذْنِ الله تعالى.
فبيَن الله أن أسباب النَّفْع في هذه الآلهةِ مُنتَفِية، فقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ الجُمْلة استِئْنافية؛ لبيان حال هَؤلاءِ الآلهة: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ [وَزْنَ ذَرة مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ] ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، لا يَملِكون مِثقال ذَرة لا في السمَوات ولا في الأَرْض، ولا يَملِكون ما دون المِثْقال؛ لأنَّ التقدير
стр. 154
إذا قُصِد به المُبالَغة فلا مَفهومَ له سَواءٌ كان في الكَثْرة أو في القِلَّة، فهنا لا يَملِكون مِثْقال ذرة، يَعنِي: ولا دُونَها.
ومثال الكَثْرة: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، ولو أَكثَرَ من سَبعين ما يَغفِر الله تعالى لهم؛ ولهذا قال تعالى في آية المُنافِقين: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦]، فإذا جاء القَيْد للمُبالَغة قِلَّةً أو كَثرةً فليس له مَفهوم، إِذَنْ لا يَملِكون مِثقال ذرَّة ولا دُونَها لا في السَّمَوات ولا في الأَرْض، ولو كانوا يَملِكون ذلك لقُلتم: نَتَّعلَّق بهم لعلَّهم يُعطوننا ممَّا يَملِكون.
وهل لهم شرْك في السَّمَوات أو في الأرض؟
الجوابُ: لا، ولو كان لهم شِرْك لقُلْتم: لعلهم يُعطوننا من نصيبهم؛ ولهذا قال : ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ﴾ شَرِكة ﴿مِن﴾ هذه زائِدة لَفْظًا لا مَعنًى، وعلى هذا فـ ﴿شِركٍ﴾ مُبتَدَأ مُؤخَّر، وخَبَرُه الجارُّ والمَجرور المُقدَّم ﴿وَمَا لَهُم﴾ يَعني: ما لهم شِرْكٌ في السَّمَوات ولا في الأرض.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَمَا لَه﴾ تَعَالَى ﴿مِنْهُمْ﴾ مِنَ الْآلهة ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ مُعِينٍ] نَقول في إعراب ﴿مِنْ ظَهِيرٍ﴾ كما قُلْنا في إعراب ﴿مِن شِرك﴾ أي: أنَّ (مِنْ) زائِدة لَفْظًا لا مَعنًى، و (ظهير) مُبتَدَأ مُؤخَّر، والظهير بمَعنى: المُعين، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، إِذَنْ ليس لهم مع الله تعالى مَعونة حتَّى يُدِلُّوا على الله تعالى بها ويَقولون: أَعطِنا عِوَضًا عن مَعونَتنا لنَنفَع مَن يَدعوننا، ما لهم مُساعَدة مع الله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ﴾ أي: [مُعِينٍ].
стр. 155
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها دليلٌ على أنَّه يَنبَغي في المُناظَرة التَّحدِّي للمُناظِر فيما يُعلَم أنَّه لن يَكون؛ لقوله : ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ فيَجِب على كل دُعاة الحقِّ أن يَتَحَدَّوْا هؤلاء المُبطِلين بأن يُبرِزوا لباطِلهم شيئًا من النَّفْع، وهذا كما أنَّه من الشرْك يَكون أيضاً فيما دونَه، فإنَّه يَنبَغي أن يَكون الداعي لله على عِلْمٍ بالأمور حتَّى يَستَطيع الجَدَل فيها؛ لأنَّ مَن لم يَكُن على عِلْم فيها فأنه سيقِف حَيْرانَ ولا يَتمَكَّن من مُقابَلة الخصْم.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ هذه الأَصنامَ المَدعُوَّة من دون الله لا تَملِك شيئًا لنَفْسها، فلا تَملِك شيئًا لغيرها، ليس لها مُلْك، ولا شِرك في المُلْك، ولا مُعاوَنةٌ على تَصرُّف ولا شَفاعة، والأمر في هذا واضِح: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ﴾، أي: ما لله تعالى ﴿مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
* * *
стр. 156
الآية (٢٣)
* * *
* قال الله : ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣].
* * *
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ﴾ ، رَدَّ لِقَوْلهِمْ: إِنَ آلهتهُمْ تَشْفَعُ عِنْدَهُ ﴿إِلَّا لِمَن أَذِنَ﴾ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وَضَمّهَا، ﴿ولَهُ﴾ فِيها]، إذا قالوا: نعَمْ؛ آلهتنا لا تمَلِك شيئًا في السَّمَوات ولا في الأرض، آلهتنا ليس لها مُشارَكة مع الله ، آلهتنا لم تُعِنِ الله تعالى، لكنَّها تَشفَع، كما قالوا: ﴿هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ [يونس: ١٨]، فقَطَع الله تعالى هذه الوَسيلةَ الأَخيرةَ ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ إِذَنْ هذه الآلهةُ ما تَستَطيعُ أن تَشفَع إلَّا بعد إِذْنِ الله تعالى.
وهل يُمكِن أن يَأذَن؟
الجوابُ: لا يُمكِن؛ لأنَّ الله يَقول: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وَيقول الله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]، ومعلوم أنَّه الله تعالى لا يَرضَى عن الكافِرين لا أن يَشفَعوا ولا أن يُشفَعَ فيهم، فتَبيَّن أنَّ جميع ما يَتعلق به المُشرِكون في شِرْكهم مع الله تعالى كلُّه باطِل، وكُلُّه مُمتَنِع، فإن الأسباب التي يُمكِن أن يَنتَفِعوا بها واحِد من أُمورِ أربعة:
стр. 157
١ - المُلْك استِقْلالًا.
٢ - المُلْك مُشارَكةَ.
٣ - الإعانةُ.
٤ - الشفاعةُ.
وكل هذه الأربعةِ مُنتَفِية في عِبادة هذه المَدعوةُ من دون الله تعالى، فانقَطَع كُلُّ سبَب يَتَشبَّث به المُشرِكون، وحينئذٍ فيَجِب أن يكون العِبادة والدعاء لله تعالى وحدَه؛ لأنَّه الذي له مُلْك السمَوات والأرض.
وأمَّا تَعريف الشَّفاعة في اللُّغة: هي جَعْل الفَرْد شَفْعَا أو جَعْلُ الوَتْر شَفْعاً، والشَّفْع والوَتْر، فضَمُّ واحِدِ إلى واحِدِ شَفْع، وضَمُّ واحِد إلى ثلاثة شَفْع، وهكذا.
أما تعريف الشَّفاعة في الاصطِلاح: فهو التَّوسُّط للغير بجَلْب مَنفَعة أو دَفْع مَضرةِ، أن تَتَوسَّط لغيرك إمَّا بجَلْب مَنفَعة له أو دَفْع مَضرَّة، فالشَّفاعة لأهل الجنَّة أن يَدخُلوا الجنَّة هي في جَلْب مَنفَعة، والشفاعة فيمَن استَحَقَّ النَّار ألَّا يَدخُلها، وفيمَن دخَلها أن يُخرَج، فهذه شَفاعة لدَفْع الضرَر.
فلا تَخلو الشفاعة من هذين الأمرين، إمَّا لجلْب النَّفْع، وإمَّا لدَفْع الضرَر، مثاله: إنسان شَفَع لشَخْص في أن تُعْلَ مَرتبتُه هذا لجلْب مَنفَعة، شَفَع لشَخْص كُتِب عليه غَرامة أن تُرفَع عليه الغرامة، فهذا لدَفْع مَضرَّة.
وقوله : ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وهل الإِذْنُ كَوْنيّ أم شَرْعي؟ الكونيُّ يَعنِي: إلَّا مَن رُخِّص له في أن يَشفَع، وشَرْط الإِذْن أن يَكون الله راضِيا عن الشافِع والمَشفوع له، فيَأذن فيها كرامةَ للشافِع، وبَياناً لفَضْله،
стр. 158
ورحمةً بالمَشفوع له، وإحسانًا إليه.
وقول: ﴿عِندَهُ﴾ أَيْ: عند الله ﴿إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وهنا لا تَنفَع الشَّفاعة عنده إلَّا لمَن أَذِنَ له؛ لكَمال سُلْطانه، فالنَّفْيُ هنا مُتضَمن لإثباتٍ وهو كَمال السُّلْطان؛ لأنَّ من كَمال السُّلْطان ألا يَتكَلم أحَد عند المَلِك المَشفوع إليه أبدًا إلَّا بإذْنه.
ولهذا تَجِد الإنسان إذا كان ذا هَيْبة عند النَّاس وكان في مجَلِسٍ تَجِد النَّاس لا يَتكَلَّمون هَيْبةً له، وتَجِد السلْطان إذا كان ذا هَيْبة ما أحَد يَقدِر أن يَتكَلَّم في مكان جُلوسه ولا مع أخيه سِرًّا؛ لأنهم يَهابونه؛ فلِكَمال سُلطان الله لا يَستَطيع أحَدٌ أن يَشفَع إلَّا بإذْنه، حتَّى أَخص عِباده به وهمُ الأنبياءُ وأَخَصهم محمدٌ ﷺ لا يُمكِن أن يَشفَع إلَّا إذا أذِنَ الله تعالى، حتَّى في مَقام الرحمة يوم القِيامة فإن الله تعالى يَجعَل يوم القِيامة مِئة رحمة يَرحَم بها الخلق في مَقام الرحمة وعند شِدة الهمِّ والغم المُقتَضي لرحمة الله تعالى ما يُمكِن أن يَشفَع الرسول ﷺ إلَّا بإذْن الله تعالى أبدًا؛ لكَمال سُلْطان الله إذا كانت الشفاعة لا تَنفَع إلَّا بإذْن الله ، فهل هذه الأَصْنامُ المكروهة عند الله تعالى المُنحَطَّةِ عنده قَدْرًا هل يُمكِن أن تَشفَع لعابِديها؟ أبدًا حتَّى عيسى ﷺ الذي عُبِد من دون الله تعالى لا يُمكِن أن يَشفَع لعابِديه؛ ولهذا يَقول ﵇ يومَ القِيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: ١١٧]، ولا يُمكِن أن يَشفَع لهم، ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقد سبَق أنَّ الله لا يَأذَن إلَّا إذا كان الشافِع والمَشفوع له من أهل الشَفاعة، وقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم: ٢٦]، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: ٢٨]؛ ولهذا
стр. 159
قال العُلَماء ﵏: إنَّ شُروط الشَفاعة ثلاثة: رِضا الله عن الشافِع، ورِضاه عن المَشفوع له، والثالِث إِذْنه بالشفاعة.
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ حتَّى هنا ابتِدائية وليست غائِيةً؛ لأنَّ (حتَّى) تَأتي للغاية، وتَأتي للابتِداء وتَأتي للتَعليل، ولها مَعانٍ مُتعددة مَنْ أَحَب الوقوف عليها فلْيَرجِع إلى كِتاب (مُغنِي اللبيب) لابن هِشام (١) ﵀، فإنَّه مُفيدٌ لطالِب العِلْم، يَقول تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ فيها قِراءتان ﴿فُزِّعَ﴾ و (فَزع) كما قال المُفَسر ﵀: [بِالْبِنَاء لِلْفَاعِلِ وَالمَفْعُولِ].
وقوله تعالى: ﴿عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أي: عن قُلوب الخلْق، أو عن قُلوب المَلائِكة، فيها قَوْلان لأَهْل العِلْم، وسيَأتي -إن شاء الله تعالى- بيانُهما.
﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كُشِفَ عَنْهَا الْفَزَعُ بِالْإِذْنِ فِيهَا]، و (فَزَعَ) و (فزعَ) بمَعنى: أَزال الفزَع، وليس (فَزَع) بمعنَى: ألحق الفزَع، بل بمَعنى أزالَه، وهو فِعْل يُراد به السلْب؛ لأنَّ هناك أَفعالًا يُراد بها سَلْب المَعنَى؛ يَعني: ضِد هذا المَعنَى، ومنه قولهم: قرَّد البَعيرَ. أي: أَزال منه القُراد، وهو شيءٌ يَكون في جِلْد البَعير دابة أو حشَرة صغيرة تَعَضُّ البَعير فتَشرَب الدَّمَ منها، وهو مِثلُ القَمْل للإنسان، هو قَمْل الإبِل، يَعنِي: يَلصَق في الجِلْد، وهو إذا أمسَك الجِلْد ما يُطلِقه أبدًا إلَّا أن تمُسِكه وتَجرُّه جَرًّا.
وقوله : ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ أو (فَزَّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ) يَعنِي: أَزال الفزَع عن قُلوبهم، قال المُفَسر ﵀: [بِالْإِذْنِ فِيهَا] أي: بالشَّفاعة، وعلى هذا فيَكون الضميرُ هنا عائِدًا على المَشفوع له، يَعنِي إذا لحِق المَشفوع له من الهمِّ والكَرْب والغَمِّ ما
стр. 160
لحِقه، وكذلك الخوف والفزَع فأذِن الله تعالى له بالشَّفاعة زال الفزَع عن القُلوب؛ لأنَّه قرُب الفَرَج قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ بالإِذْن فيها.
وقول المُفَسر ﵀: [﴿قَالُوْا﴾ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ اسْتِبْشَارًا: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ فِيهَا أَيْ: فِي الشَّفَاعَةِ ﴿قَالُوْا﴾ الْقَوْلَ: ﴿الْحَقَّ﴾، أَيْ: قَدْ أَذِنَ فِيهَا ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فَوْقَ خَلْقِهِ بِالْقَهْرِ ﴿الْكَبِيرُ﴾ الْعَظِيمُ] أَفادَنا المُفَسِّر ﵀ أنَّ الضمير في ﴿قُلُوبِهِم﴾ يَعود على المَشفوع له، فإن المَشفوع له قبلَ الشفاعة يَلحَقه الفزَعُ والخوفُ من ذُنوبه، أو من غير ذلك، فإذا أُذِنَ في الشَّفاعة زال الفزَع، وقالوا: ماذا قال الله ، فيقول بعضهم لبَعضٍ: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾ أي: قالوا القولَ الحقَّ؛ بمَعنى: الثابِت المُوافِق لمَحله، وقد سبَقَ لنا أنَّ الحقَّ في الأخبار هو الصدْق، والحقُّ في الأحكام هو العَدْل، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥].
وهذا ما ذهَب إليه المُفَسر ﵀ على أنَّ الضمير في ﴿قُلُوبِهِم﴾ يَعود إلى المَشفوع لهم، وأن التَّفزيع بمَعنَى إزالة الفَزَع، وهو الخوْف بالإِذْن في الشَفاعة، والسِّياق لا يَأباه، ولكن قد ثبَت في الحديث الصَّحيح عن النَّبيُّ ﵊ أنَّ المُراد به غير ذلك، وأن المُراد به الملائِكة الذين هم عند الله تعالى، إذا تكلَّم الله تعالى بالوَحْيِ صُعِقُوا، فإذا صُعِقُوا ﴿فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ يَعنِي: أُزيل الفزَع عنها، ثُمَّ صاروا يَتساءَلون: ماذا قال الله تعالى؟ فيقال: ﴿قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
وإذا جاءَتِ السنَّة بتَفسير القرآن كانت أَوْلى، على أننا سبَق أن قُلْنا: إنَّ القُرآن إذا دل على عِدَّة مَعانٍ لا تَتَناقَض حُمِل على جميع المعاني؛ لأنَّه أَوْسَعُ وأَعظَمُ ممَّا يَصِل إليه فِكْر الإنسان، فقد يَصِل فِكْري إلى شيء وَيصِل فِكْر الآخَر إلى شيء آخَرَ، وفِكْر الثالث إلى شيءٍ ثالِث، والآية كلُّها تَحتَمِل هذه المعانيَ، فتُحمَل عليها، أمَّا إذا كان
стр. 161
لا يَحتَمِل إلَّا مَعنًى واحِدًا فإنَّه يَجِب أن يُحمَل على ما قام الدليلُ عليه.
وقال بعض أهل العِلْم ﵏: حتَّى إذا فزع عن قُلوبِهم عند الموت، ليس يومَ القِيامة (عِنْد الشَّفاعة)، ولكن إذا فزع عن قُلوبهم (عِند الموت)، ولكن هذا ضعيف وإن كان قد يَرِد فيُفزَّع عن القَلْب عند المَوْت وَيعتَرِف بالحقِّ، فإنَّ فرعونَ حين غرِق ماذا قال؟ حتَّى إِذا أَدرَكه الغرَقُ قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، وقال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ﴾ [غافر: ٨٤]، لكن هذا المَعنى ضَعيف، فالآيةُ دائِرة بين ما قاله المُفَسر ﵀ وما ثبَت به الحديث الصَّحيح، وهي دالَّةٌ قَطْعًا على ما جاء به الحديثُ الصَّحيحُ، وما ذكَرَه المُفَسِّر ﵀ فهو محُتَمِل ولا تَأباه الآيةُ.
وقوله تعالى: ﴿الْحَقَّ﴾ وأمَّا إعرابُها صِفةً لمَصدَر مَحذوفٍ؛ أي قال: [الْقَوْلَ ﴿الْحَقَّ﴾] ولا يَصلُح أن تكون مَفعولًا لـ (قَالُوا)؛ لأنَّ القول لا يَنصِب إلَّا جُمْلة أو مَا بمَعنى الجمْلة، كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: ٣٠] أين مَقول القولِ؟ ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ جُمْلة، أو بمَعنى الجملة؛ كقولِكَ: قُلتُ قصيدةً، أو قُلْتُ كلِمةً. هذه بمَعنَى الجُمْلة؛ لأنَّ الكلِمة والقَصيدة والشعْر لا يَكون إلَّا جُمْلة.
فإن قلتَ: ما تَقول في قوله : ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾ [النحل: ٣٠]؟
فالجوابُ: هذه ليست مَفعولًا لـ (قالوا)، لكنَّها مَفعول لفِعْلٍ محَذوف؛ والتقديرُ: (أَنزَل خَيْرًا).
وقول المُفَسر ﵀: [وَهُوَ الْعَليُّ فَوْقَ خَلْقِهِ بِالْقَهْرِ]، وهذا فيه إمَّا تَقصير
стр. 162
وإمَّا قُصور؛ لأنَّ عُلُوَّ الله ليس بالقَهْر، بل عُلُوُّه ثلاثةُ أقسام: عُلُوُّ القَهْر، وعُلُوُّ القَدْر، وعُلُوُّ الذّات، لكنَّ المُفَسِّر -عفا الله تعالى عنَّا وعنه- كأنَّه لا يَرَى عُلُوَّ الذّات، والمُنكِرون لعُلُو الله يَنقَسِمون إلى قِسْمين: حُلوليَّة، ومُعطلة تَعطيلًا مَحْضًا.
فالحلولية يَقولون: إنَّه يَجِب عليك أن تُؤمِن بأنَّ الله تعالى في كل مكانٍ بذاته، وتُنكِرَ عُلُوَّه، إن كنتَ في المَسجِد أو كنتَ في السُّوق، أو كنتَ في البَرِّ أو كنتَ في البَحْر، فالله بذاته في ذلك المكانِ، وإن كنتَ في الحُشِّ فهو في الحُش! ! والحشُّ هو: مَكان التَّخلي، يَعني -والعِياذُ بالله تعالى- ما نَزَّهوا الله تعالى عن الأنتان والأَقْذار -نَسأَل الله تعالى العافيةَ- ولا شَكَّ أنَّ هذا كُفْر محَض ولا يَشُكُّ أحَد في كُفْر مَنِ اعتَقَد هذه العَقيدةَ.
والطائِفة الثَّانية المُنكِرة للعُلُو يَقولون: إنَّه لا يَجوز أن نَقول: إنَّ الله تعالى فوقَ العالَم ولا تَحتَه ولا يمينَ ولا شِمالَ ولا أمامَ ولا خلْفَ، ولا مُتَّصِل ولا مُنَفصِل، وهذا تَعطيل مَحْض، يَعنِي: لو قيل لك صِفْ لنا المَعدوم؟ ما وَجَدْتَ أَشدَّ إِحاطةً بالمعدوم من هذا الوَصْفِ، الذي ليس فوقَ العالَم ولا تَحتَه ولا يَمينَه ولا شِمالَه ولا خَلْف ولا أَمامَ، ولا مُتَصِل ولا مُنفَصِل، هذا ليس بمَوجود قَطْعًا.
أمَّا الرسُل وأَتباعُهم فيُؤمِنون بأن الله بِذاته فوقَ كل شيء، وهذا هو الذي دلَّ عليه العَقْلُ والفِطْرة والإِجْماع والكِتاب والسُّنَّة.
ولْنَسْتَعرِض لهذا الأَمْرِ، وإن كان -الحمدُ لله- ظاهِراً.
فظاهِر الكِتاب دلَّ على أن الله تعالى بذاته فوقَ عَرْشه؛ من وجوه مُتنوِّعة: فتارَةً بذِكْر العُلُوِّ مِثْلَ: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [الشورى: ٤]، وتارةً بذِكْر الفَوْقية مِثْلَ:
стр. 163
﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨]، وتارةً بذِكْر صُعود الأشياء إليه مِثْل: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وتارةً بذِكْر نُزول الأَشْياء منه، مِثل قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ٥]، فقَدْ تَنوَّعَتِ الأدِلَّة من كِتاب الله تعالى على عُلوِّ الله .
وأمَّا السُّنَّة فكذلك، دلَّتِ السُّنَّة على عُلوِّ الله تعالى بِذاته من قول الرسول ﷺ وفِعْله وإِقْراره؛ فقال ﵊: "رَبُّنا الله الَّذِي فِي السَّمَاءِ" (١)، وقال ﷺ : "أَلا تَأْمَنُونِي وَأَنا أَمِينُ مَنْ فِي السَّمَاءِ" (٢)، وأمَّا فِعْله فإنَّه في يوم عرَفة وهو يَخطُب النَّاس عندما خطَب تلكَ الخُطْبة العظيمةَ قال ﷺ لهم: "أَلا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: اللَّهمَّ اشْهَدْ"، يَرفَع أُصبُعه إلى السَّماء وَينكُتها إلى النَّاس، "اللَّهمَّ اشْهَدْ" (٣)، هذه سُنَّة فِعْلية، بإِشارته ﷺ إلى السماء حين ذَكَر الله تعالى، وأمَّا الإقرارية فإنَّه أُتِيَ إِلَيْهِ بِجَارَيةٍ فَسَأَلها فَقَالَ: "أَيْنَ الله؟ قَالَتْ: فِي السَّماءِ. قَالَ: أَعْتِقْهَا فَإِنَّهَا مُؤْمِنَةٌ" (٤)، هكذا قال، ويُعتَبر هذا إقرارًا، فقد تَنوَّعَتِ السُّنَّة بالدَّلالة على عُلوِّ الله تعالى بذاته.
وأمَّا الإِجْماع فقد أَجمَع السلَف من الصّحابة والتابعين وأَئِمَّة الأُمَّة على أنَّ الله تعالى في السَّماء بذاته، ولم يَقُلْ أحَدٌ مِنهم بحرفٍ واحِد أبدًا: إن الله تعالى ليس في السماء. أو: إنَّ الله تعالى في كل مَكان بذاته.
стр. 164
وأمَّا العَقْلُ فاسأَلْ عَقْلَكَ: هل الكَمال في عُلوّ الذّات أو في نَفْي العُلُوِّ عنه؟ الجوابُ: الأوَّل بلا شَكٍّ، عُلوُّ الذّات تَدُلُّ على الكَمال، بل هي الكَمال، فإذا كان العُلوُّ هو الكمالَ، فإن من المعلوم عَقْلًا أن الربَّ مُتَّصِف بالكَمال، وحينئذٍ يَثبُت له العُلوُّ عَقْلًا.
أمَّا الفِطْرة فاسأَلْ فِطْرتَكَ عندما تَسأَل الله تعالى شيئًا -افرِضْ أنك ما درَسْتَ ولا حضَرْت في المساجد ولا شيء- إذا سألت الله شيئًا أينَ يَنصَرِف قلبُكَ؟
الجوابُ: إلى الأعلى؛ ولهذا كان أبو المَعالي الجوَيْنيُّ ﵀ يُقرِّر فيَقول: كان الله تعالى ولم يَكُن شيْءٌ قبلَه، وكان عَرشُه على الماء. وما ذكَرَ استِواء العَرْش، يُريد بذلك أن يُنكِر استِواء الله تعالى على العَرْش الذي مِن لازِمِه الإقرارُ بالعُلوّ، فقال له أبو جعفر الهمَذاني ﵀: "دَعْنا مِنْ ذِكْر العَرْش، وأَخبِرْنا عن هذه الضَّرورةِ التي نَجِدها في نُفوسنا، ما قال عارِفٌ قَطُّ: يا الله. إلَّا وجَدَ من قَلْبه ضَرورة بطَلَب العُلوّ"، فلَطَم الجُوَيْنيُّ ﵀ على رأسه وصرَخَ وقال: حيَّرَني الهمَذانيُّ! (١). لأنَّ الدليلَ الفِطْريُّ لا يُمكِن النِّزاع فيه، ولو نازَعَك مُنازع فيه قُلْتَ: هذا مجَنون؛ فلو أن أحَدًا أَنكَر طلَب الطَّعام للجائِع فلا يُصدَّق؛ ولهذا تَحيَّر أبو المَعالي الجوَيْنيُّ ﵀ وعجَزَ عن الإجابة؛ لأنَّ هذا دَليل فِطْريٌّ لا يُنازع فيه أحَدٌ.
وعليه فقد تَطابَقتِ الأدِلَّة على عُلُوِّ الله تعالى بذاته، أمَّا عُلوُّه بصِفاته سواء كانت صِفاتِ قَدْر أو قَهْر، فهذا يُقِرُّ به جميع المُنتَسِبين إلى الإسلام، حتَّى الجهْميَّة والأشاعِرة وغيرُهم يُقِرُّون بأنَّ الله تعالى عالٍ عُلُوًّا مَعنويًّا، وهو عُلُوُّ الصِّفاتِ.
стр. 165
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾ فَوْقَ خَلْقِهِ بِالقَهْرِ ﴿الْكَبِيرُ﴾ الْعَظِيمُ] لا شكَّ أنَّ هذا ليس تَفسيرًا مُطابِقًا، وكأنَّ المُفَسِّر أَخَذها مِنْ قَرْن (العَظيم) بـ (العَليِّ) في آية الكُرْسي حيثُ قال تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهنا قال : ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ ففَسَّر الكبيرَ بالعَظيمِ، ولكن الصَّحيح أن الكبير أعَمُّ؛ لأنَّ الكبيرَ ليس مَعناهُ العَظيمَ، بل معناه: ذو الكِبْرياء، ومَعناه أن الله تعالى لا يُماثِله شيءٌ في ذاته.
فالسَّمَوات السَّبْع والأَرَضين السَّبْع في كَفِّه تعالى كخَرْدلةٍ في كفِّ أَحَدكم، يَعنِي: السمَّواتِ السَّبعَ على عِظَمِها والأرَضين السَّبع مثلَما لو وضَع الإنسان في يَدِه خَرْدلة -وهي حَبَّة الخَردل التي بكِبَر حَبَّة السِّمْسِم- وهذا أيضاً تَمثيل على سبيل التَّقريب، وإلَّا فالله تعالى أَعظَمُ وأجلُّ، فكل المَخلوقات بالنسبة له تعالى ليسَتْ بشيء.
فيَنبَغي أن نَقول: إنَّ الكبير ليس هو العَظيمَ. بل يُفيد مَعنًى آخَرَ، وهو الذي له الكِبرياء، وهو الذي لا يُنسَب إليه شيءٌ من خَلْقه، فالسَّمَواتُ السَّبعُ والأَرَضينَ السَّبعُ في كَفِّه كخَرْدلة في كفِّ أَحَدِنا.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: إثبات الشَّفاعة بإِذْن الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، ولو كانت الشَّفاعة لا تَنفَع مُطلَقًا ما صحَّ الاستِثْناء، ولو كانت تَنفَع مُطلَقًا ما صحَّ النَّفيُ، إِذَنْ فهي تَنفَع بإِذْن الله تعالى.
فإن قلت: ما وَجهُ الدَّلالة على إثبات الشَّفاعة، مع أنَّه نَفَى الشفاعة؟
стр. 166
فالجوابُ: أنَّه لم يَقُلْ: (ولا تَنفَع الشَّفاعة) فدَلَّ على إثباتها، لكن لا تَنفَع إلَّا بإِذْنه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عَظَمة الله تعالى وقُوَّة سُلْطانه، تُؤخَذ من قوله : ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ أن الشفاعة لا تكون إلَّا بإذْنه، خِلاف المَخلوقين مهما عَظُم مُلْكهم فإنَّه يَدخُل الشافِع على المَلِك والسُّلْطان وَيشفَع بهم، فكُلَّما عظُم السُّلْطان ازدادَتِ الهَيْبة، وصار لا يَتكَلَّم أحَدٌ إلَّا بإِذْن الله تعالى، كما قال تعالى في سورة: (عَمَّ يَتَساءَلونَ): ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ [النبأ: ٣٨].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: قَطْع كُلِّ سبَب يَتعَلَّق به المُشرِكون في آلِهَتهم؛ لأَنَّه قال تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ فهذا آخِرُ سبَب يُمكِن أن يَتعَلَّق به المُشرِكون، ومع ذلك نَفاه الله تعالى.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: بَيان كرَمِ الله على كُلٍّ من الشافِع والمَشفوع له؛ تؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الله يَتكلَّم بكَلامٍ مَسموع؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾ بناءً على القَول الراجِح في معنَى الآية؛ لأنَّه لولا أن المَلائِكة يَسمَعون كَلامه تعالى لم يُصعَقوا.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن كلام الله ليس ككلام المَخلوقين، بل هُو أَعظَمُ؛ لأنَّ السامِع له يُصعَق إلَّا أنَّ يُثبِّته الله؛ لقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ قول الله كُلُّه حَقٌّ؛ لقوله تعالى: ﴿قَالُوا الْحَقَّ﴾.
стр. 167
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات الرُّبوبية؛ لقوله تعالى: ﴿مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات عُلُوِّه بقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ﴾، وهو يَنقَسِم إلى عُلوِّ الذّات وعُلوِّ الصِّفات، وكِلاهما ثابِت لله.
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: إِثْبات الكِبرياء لله ؛ لقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أن للمَلائِكة عُقولاً وفَهْمًا وإدْراكًا وقُلوبًا؛ لقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾، ولكن هل قُلوبهم كقُلوب الآدَمِيِّين؟
الجوابُ: الله أَعلَمُ، لا نَعلَم كيفيَّتها، والمَلائِكة صُمْدٌ، لا يَأكلون ولا يَشرَبون، وليس لهم أَجواف ولا أَمعاءٌ، لأَنَّه لا يَحتاج إلى الجوْف والأَمْعاء الَّا مَن يَأكُل وَيشرَب.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرةَ: أنَّ المَلائِكة يَتكلَّمون: ﴿قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾.
* * *
стр. 168
الآيات (٢٤ - ٢٦)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤) قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥) قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾ [سبأ: ٢٤].
* * *
قوله تعالى: ﴿مَنْ﴾ اسمُ استِفْهام، والمُراد به التَّحدِّي، تَحدِّي هَؤلاءِ المُشرِكين الذين يَعبُدون مع الله غيره، وهل هذه الأَصنامُ تَرزُقهم من السَّموات والأرض؟
الجوابُ: لا، ولكن الذي يَرزُق هو الله تعالى، فيَتَحدَّاهم بالسُّؤال: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاوَاتِ﴾: (مِنْ) لابتِداء الغاية؛ أي: أنَّ الرِّزق يَأتي من السَّمَوات، والرِّزق بمعنى: العَطاء، فما هو الرِّزق من السَّموات؟ قال المُفَسِّر ﵀: [بالمَطَر]، فإنَّ المَطَر رِزقٌ يَنزِل إلى الأرض فتَنبُت، وأمَّا الرِّزْق من الأَرْض فأَمْره ظاهِر ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ثُمَّ إننا نَقول بأنَّ الرِّزق من السَّمَوات أشمَلُ من المَطَر؛ فإن السَّمَوات يَنزِل منها المطَر وَينزِل منها المَنُّ والسَّلْوى، وربما نَقول: إنَّ الطُّيور في جَوِّ السماء أنَّها من رِزْق السماء؛ لأنَّها تَأتِي من فَوقُ، فكُلُّ ما يَأتي مِن فَوقُ فإنَّه يَصدُق عليه أنه رِزقٌ من السَّمَوات.
стр. 169
والمطَر يَنزل مِن سماءٍ واحدةٍ، مِن العُلو؛ ويُراد بالسَّموات أحيانًا جهةَ السمواتِ كما في قولِه تعالَى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ في السَّمواتِ، معَ أنَّه في العُلو مِن جِهة الغَرب.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الخِطاب في قوله : ﴿قُلْ﴾ للرسول ﷺ ، والمُخاطَب في قوله: ﴿مَنْ يَرْزُقُكُمْ﴾ المُشرِكون الكُفَّار فبماذا يُجيبون؟ أَحيانًا يُجيبون بالصواب كما في قوله تعالى في سورة يُونُسَ: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] هذا جوابٌ صحيح، وأَحيانًا لا يُجيبون يَتَلعْثَمون أو يَأبَوْن أن يَتكلَّموا عِنادًا وخوفًا من الإِلْزام؛ لأنهم إذا قالوا: الله. أُلزِموا بألَّا يَعبُدوا إلَّا الله تعالى؛ كيف تَعبُدون مَن لا يَرزُق؟ !
فهُمْ أحيانًا يُجيبون بالصَّواب وَيقولون: الله. ثُمَّ يُكابِرون ويُعانِدون وَيقولون: (إِنَّما نَعبُدهم شُفعاءَ لنا عِند الله تعالى؛ ليُقرِّبونا إلى الله تعالى زُلْفَى)؛ أي: ما نَعبُدهم لِذَواتهم، وأَحيانًا يَأبَوْن الجوابَ يَتَلعْثَمون، لأنَّ الحقَّ ثَقيل عليهم.
فإذا لم يَقولوا شيئًا فقُلِ: الله؛ ولهذا قال: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ هو الذي يَرزُقكم من السَّمَوات والأرض. فإن أَبَوْا بأن قالوا: لا، هو غَيرُه. ولكن لا يَملِكون أن يَقولوا: هو غيرُه. فقُلْ: مَن؟ أَعِدْ عليهم السؤال مرَّةً ثانِيةً.
قال الله : ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [إِنْ لَمْ يَقُولُوهُ] يَعنِي: إن لم يَقولوا: الله، فأنت قُلْ هذا وأَعلِن هذا، [لا جوابَ غيره]، يَعنِي: لا يُمكِن أن يُجيب أحَد بغير هذا الجوابِ، وإن أَجاب فقُلْ له: أين ذلك؟ وكيف يَكون؟
стр. 170
وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ فإذا كان هو الله، فما الواجِب علينا نَحنُ؟ إذا كان الذي يَرزُقنا هو الله فمِن أين نَطلُب من الرِّزْق؟ من الله تعالى، والذي أحَقُّ أن يُعبَد هو الذي يَرزُق.
وقوله : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾: ﴿وَإِنَّا﴾ الضمير يَعود على النَّبيّ ﷺ ومَن آمَن معَه، ﴿أَوْ﴾ حرف عَطْف (إيَّا) مَعطوفة على اسم (إِنَّ)؛ ولهذا جاءَت بالضمير المُنفصل المَنصوب؛ وخبَرُ المُبتَدَأ قوله : ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ يَعنِي: أننا لا نَخرُج عن إحدى هاتَيْن الحالَيْن: إمَّا الهُدى، وإمَّا الضَّلال؛ ولا يَخرُج أحَدُنا عن ذلك؛ فإمَّا نَحنُ على الهُدى وأنتم على الضَّلال، وإمَّا نحن على الضَّلال وأنتُم على الهُدَى، وأَمَّا كلُّنا على الهُدى أو كلُّنا على الضَّلال فلا؛ لأنَّ قولَنا وقولهم مُتَناقِض؛ لأنَّه ليس بعد الحَقِّ إلَّا الضَّلال، والنَّقيضان لا يَجتَمِعان ولا يَرتَفِعان؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، وليس هُناك ثالِثٌ؛ فماذا بعد الحَقِّ إلَّا الضَّلال! .
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ أي: أحَدُ الفَريقين ﴿لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فقال : ﴿لَعَلَى هُدًى﴾ ولم يَقُل: (لَفي هُدًى أو في ضَلال) ولم يَقُلْ: (لعَلَى هُدًى) أو (ضَلال)؛ لأنَّ الذي على هُدًى على جادَّة بيِّنة عُلْيا واضِحة؛ فلهذا قال تعالى: ﴿لَعَلَى هُدًى﴾، وصاحِب الحلال مُنغَمِس في ضَلاله تائِه حائِر ليس له حَقٌّ من العُلوِّ، بل هو مَغمور بالجهْل بكلِّ جانب؛ ولهذا قال: ﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾ و (في) للظَّرْفية، ومَعلوم أن الظَّرْف محُيط بالمَظروف؛ فالضَّلال محُيط بِهِم قد أَعمَى بصائِرَهم.
وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾ يَعنِي: أننا على هُدًى ظاهِر بَيِّن عالٍ
стр. 171
﴿أَوْ فِي ضَلَالٍ﴾ مُبين مُنغَمِس في الجهْل والضَّلال لا نَدرِي أين يَذهَب!
وتَأمَّل ما في هذه الآيةِ من الإِنْصاف، فهو إِنْصاف تامّ لا جِدالَ فيه؛ يَقول: أنَّا أو أنت على هُدًى أو في ضَلال مُبين، فهذا إِنْصاف، فلو قلت: أنا على هُدًى وأنت على ضَلال صار هذا جَوْرًا، ولا يُطيعك أحَد؛ لأنَّ خَصْمك سيَقول: (بل على العَكْس: أنا على هُدًى وأنت في ضَلال! )؛ فإذا أَنصَفتَ وقُلتَ: أنا أو أنت على هُدًى أو في ضَلال مُبين، فإن ذلك إِنْصاف لا أحَدَ يُجادِل فيه.
وقوله ﵀: [﴿فِي ضَلَالٍ مُبين﴾ بَيِّن] أَفادَنا المُفَسّر ﵀ أن المُبين مِن الرُّباعيِّ بمَعنى: بَيِّن، من الثُّلاثي، لأنَّ (أَبان) تَأتِي مُتعَدِّية وتَأتي لازِمة؛ فتَقول: (أَبان الحقَّ) بمَعنَى: أَظهَره، وتَقول: (أَبان الصُّبْح) و (بان الصُّبْح) بمَعنَى: ظهَر.
إِذَنْ: ﴿مُبِينٍ﴾ تَقَع في سِياق بمَعنَى: مُظهِر، وتَقَع في سِياق بمَعنَى: ظاهِر، فمثَلًا في ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ بمَعنَى: ظاهِر، وقوله : ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ [الزخرف: ١ - ٢] بمَعنَى: المُظهِر، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾ فهُوَ بمَعنَى: المُظهِر. أمَّا (بانَ) بدون هَمْزة فهي بمَعنَى ظهَر لا غيرَ، ولا تَأتي بمَعنَى: مُظهِر.
قال المُفَسِّر ﵀: [في الإِبْهام تَلطُّف بهم، داعٍ إلى الإيمان إذا وُفِّقوا له]، قوله ﵀: [في الإِبْهام] الإبهام في: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ فلم يَقُلْ: نحن على هُدًى وأنتم على ضَلال، أو نحن على ضَلال وأنتم على هُدًى، بل قال : ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾، وهذا إبهام؛ لأنَّه لا يُدرَى أهؤلاءِ أَمْ هؤلاءِ؛ فتقول: إن هذا الإبهامَ فيه تَلطُّف بهِم داعٍ إلى الإِيمان إذا وُفِّقُوا له، هذا من جِهة مُعامَلتهم، وفيه أيضاً ما أَشَرْنا إليه قبلُ، وهو الإنصاف والعَدْل وعدَم الجوْر، فمَعناه: أننا نَقِف
стр. 172
معَكم مَقام المُنصِف؛ فإمَّا نحن على الحَقِّ وأنتُمْ على الباطِل، وإمَّا أنتُمْ على الباطِل وأنتُمْ على الحَقِّ، ليس هناك سَبيل ثالِث.
ثُمَّ قال تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ]؛ لأنَّنا بَريئُون مِنكم، ﴿قُلْ﴾ لهم مخُاطِبًا إيَّاهم في مجُادَلتهم ﴿لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾ والجُرْم والإِجْرام بمَعنَى: الذَّنْب؛ يَعنِي: الذي وقَعْنا فيه من الإِجْرام لا تُسأَلون عنه؛ قال تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ١٣٤]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦] فالإنسان لا يُسأَل عن جُرْم غيره، ولا يُسأَل غيرُه عن جُرْمه، كذلك لا نُسأَل عمَّا تَعمَلون من إِجْرام أو غيرِه.
وفي هذه الجُمْلةِ في الحقيقة غَضاضة على النَّفْس أكثَرَ من الغَضاضة على الخَصْم: فبالنِّسْبة لنا قُلْنا: لا تُسأَلون عمَّا أَجْرَمنا؛ أوَّلاً: وَصَفْنا عمَلَنا بأنه إِجْرام، وثانياً: وصَفْناه بالفِعْل الماضي الدالِّ على الوُقوع: ﴿عَمَّا أَجْرَمْنَا﴾.
وفي الخَصْم قُلْنا أوَّلاً: ﴿وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، وليس عمَّا تُجرِمون؛ وكل هذا مِن باب التَّلطُّف، والله يَعلَم مَن المُجرِم مِن غيره، لكن لأَجْل أن نُقيم الحُجَّة على هؤلاءِ بأنَّنا عامَلْناهم بأكمَلِ العَدْل والإِنْصاف، بل بما ظاهِره الغَضاضة علينا؛ وثانيًا أنَّه قال تعالى: ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ولم يَقُل: عمَّا عمِلْتم. ومَعلوم أن الماضِيَ محُقَّق الوُقوع، والمُضارع قد يَقَع وقد لا يَقَع فـ ﴿عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ يَعنِي: ما عمِلْتم.
فتَأمَّلْ كيف كانت هذه المُحاجَّةُ في ظاهِرها الغَضاضة على المُسلِمين؛ ففي الأوَّل: وإنَّا أو إِيَّاكُم. هذه مَرتَبة، وهي كافِية في إقامة العَدْل والإنصاف، لكن الثَّانية أعظَمُ منها: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 173
ونَظير هذا: ما وقَعَ من النَّبيِّ ﷺ مع قُرَيْشٍ في صُلْح الحُدَيْبية مِن أن مَن ذهَب من المُسلِمين إليهم لا يَرُدُّونه، ومَن جاء من المُشرِكين مُسلِمًا إلى الرسول ﵊ فإنَّه يَرُدُّه؛ فعِندما تَنظُر إلى هذا الشَّرْطِ تَجِد أنَّه شرطٌ الرابح فيه هُمُ المُشرِكون؛ ولهذا قال عُمرُ ﵁: لمَ نعطِي الدَّنيَّة في دِيننا؟ ولماذا نَتَنازَل هذا التَّنازُلَ ونحن على الحَقِّ وهُم على الباطِل؟ ! ولكن الرسول ﷺ أجابه بقوله: "إِنِّي رَسُولُ الله وَلَسْتُ عَاصِيَهُ وَهُوَ نَاصِرِي"، فانظُرْ إلى الثِّقة بالله في هذا المَقامِ الضَّنْكِ الذي لم يَصبِر عليه أَجلَدُ الصّحابة كعُمرَ ﵁؛ أَجابه ﷺ بكلام هادِئ، كلام واثِق بالله، جازِم بالنَّصْر: "إِنِّي رَسُولُ الله"، والرسول يَأتَمِر بأَمْر مَن أَرسَله "وَلَسْتُ عَاصِيَهُ"، هذا بالنِّسبة للطاعة؛ ثُمَّ الثِّقَة: "وَهُوَ نَاصِرِي"، يقول مُوسَى لمَّا قال: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: ٦٢]، فما أعظَمَ ثِقةَ الرُّسُل عليهم الصَّلاة والسلام بنَصْر الله ، ونَسأَل الله تعالى أن يَهَب لنا من الثِّقة به ما يَزداد به إيمانُنا وتَوكُّلُنا.
وأَقول: إن الرسول ﵊ أَتَى بهذه الشُّروطِ مع أن فيها غَضاضةً على المُسلِمين في ظاهِرها، ولكن كان في هذا الاتِّفاقِ فَتْح عَظيم سمَّاه الله فَتحًا فقال: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: ١٠]، فسَمَّاه الله فَتْحًا؛ وقال الرسول ﷺ : "أَمَّا مَنْ جَاءَ إِلَيْنَا مِنْهُمْ فَرَدَدْنَاهُ فَسَيَجْعَلُ الله لَهُ فَرَجًا، وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَلَا نُرِيدُهُ لَا رَدَّهُ الله"، وحصَل هذا في قِصَّة أبي بَصير ﵁؛ حتَّى انتَهى الأَمْر إلى إِلْغاء الشَّرْط من قِبَل المُشرِكين.
والشاهِدُ: أن صاحِب الحَقِّ وإِنْ أتَى بما ظاهِره الغَضاضة فإنَّه واثِق؛ فهنا قال تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
стр. 174
وانظُرْ إلى الثقة قال : ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ﴾.
قوله ﵀: [﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ يوم القِيامة]، وهذا الذي ذكَرَه المُفَسِّر ﵀ لا شَكَّ أنَّه محُتَمَل في الآية، ويُحتَمَل أن الجمْع أعَمُّ من ذلك، وهو الجمْع في القِتال والجمْع يوم القِيامة يَجمَع بَيْننا ربُّنا في الدُّنيا في القِتال كما قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]، فهؤلاء وهؤلاء جَمَع الله تعالى بينهم، فيُمكِن أن يُراد بقَوْله تعالى: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ أي: في الدُّنيا في القِتال وفي الآخِرة للفَصْل، ثُمَّ بعد ذلك يَفتَح بَيْننا، يَحكُم بَيْننا بالحَقِّ، فيُدخِل المُحِقِّين الجنَّة والمُبطِلين النَّار.
وقوله : ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾ يَعنِي: يَنصُر بعضَنا على بَعْض في الدُّنيا، والمُستَحِقُّ للنَّصْر منهمُ المُسلِمون بلا شَكٍّ؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وقال : ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٤٠]، فيَجمَع الله تعالى بينَنا، ثُمَّ يَفتَح بينَنا بالحَقِّ، والحَقُّ يَعنِي: بالعَدْل الذي لا جَورَ فيه.
وإنَّما قُلْنا: إن الحَقَّ هنا هو العَدْل؛ لأنَّه وُصِف به الحُكْم قال تعالى: ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾، وقد أَشَرْنا فيما سبَق إلى أن الحَقَّ إن أُضيف إلى الأَخْبار فهو بمَعنَى الصِّدْق، وإن أُضيف إلى الأَحْكام فهو بمَعنَى العَدْل.
وقوله ﵀: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ الحاكِم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما يَحكُم به] ﴿الْفَتَّاحُ﴾ صِيغة مُبالَغة مِثْل (الرَّزَّاق) صِيغة مُبالَغة، وإنَّما سَمَّى الله تعالى نَفْسه بالفَتَّاح؛ لكَثْره فُتوحاته على خَلْقه وحُكْمه بينهم.
стр. 175
والفَتْح يَأتِي بمَعنَى: النَّصْر والحُكْم بين النَّاس والفَصْل، فله مَعانٍ بحسَب السِّياق، فالله تعالى هو الفَتَّاح الذي يَفتَح على عِباده بالنَّصْر، وَيفتَح على عِباده بالعِلْم، وَيفتَح على عِبادة بالفَهْم، وَيفتَح على عِباده بحُسْن النيَّة والقَصْد؛ فهو مُتضَمِّن لأَشياءَ كثيرةٍ؛ ولهذا جاء بصِيغة المُبالَغة ﴿الْفَتَّاحُ﴾.
وأمَّا قوله تعالى: ﴿الْعَلِيمُ﴾ ذو العِلْم الواسِع، وقد سبَقَ عن لنا أن عِلْم الله أَزَليٌّ أبَديٌّ؛ أزَليٌّ لم يُسبَق بجَهْل، أبَديٌّ لا يَلحَقه نِسيان قال الله تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، يَعنِي: لا يَجهَل ما سيَأتي ولا يَنسَى ما مضَى.
وعِلْم الله محُيط بكُلِّ شيء جملةً وتَفصيلًا؛ قال الله ﵎: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩]، فكل شيء فالله تعالى عالِم به جُملةً وتفصيلًا.
من فوائد الآيات الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: وُجوب مُناظَرة المُشرِكين ومحُاجَّتُهم، ويُؤخَذ الوُجوب من قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾؛ لأنَّ الأصل في الأَمرِ الوُجوب.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّه يَنبَغي أن يُستَدَلَّ بالأَوْضَح والأَبيَن، فإن الرِّزق من الله أَمْر مَعلوم لا يَستَطيع أحَدٌ أن يَقول: إنَّه يُنزِل المَطَر أو أنَّه يُنبِت النَّبات. وفي باب المُناظَرة يَنبَغي للإنسان أن يَستَدِلَّ بما هو أَبيَنُ وأَوْضَحُ، وهذه طريقة القُرآن كما سبَقَ لنا في (قواعِد التفسير).
стр. 176
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَواز إجابة السائِل عمَّا سأَل فيما هو واضِح؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ﴾، ومِثاله من الأُمور العادِيَّة، أن تُسأل مثَلًا: مَن الذي جاءَ بكذا وكذا؟ فتَتَوقَّف أو تَتَلَعْثَم؛ إمَّا جَهْلًا أو مُكابَرةَ، فأَقولُ: أَليْس فُلان هو الذي جاء به فأُقرِّره.
وإجابة السائِل إنَّما تكون في الأُمور الواضِحة، أمَّا في الأمور غَيرِ الواضِحة فقَدْ يُعارِض، ولا يَكون جوابُه مُقنِعًا، لكن في الأمور الواضِحة للسائِل أن يُجيب نَفسه إذا تَلَعْثَم الخَصْمُ ولم يُجِب، أمَّا إذا أجاب فالأَمْرُ واضِح، وهذا الاستِفْهامُ المَوْجود في الآية الكَريمة أَجاب عنه المُشرِكون بالحَقِّ في مَوْضِعٍ آخَرَ في سورة يُونُسَ ﵇: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جَواز محُاجَّة الخَصْم بما يُعرَف -عند عُلماء المناظرة والجدَل- في بابِ المُناظَرة بالسَّبْر والتَّقْسِيم، فالسَّبْر يَعنِي: تَتبُّع الشيء، والتَّقسيم يَعنِي التَّرديد بين هذا أو هذا، فمَثَلَا هُنا: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فإذا تَتبَّعنا الحالَ وَجَدْنا أن حال كلِّ مِنَّا لا تَخرُج عن حالين: إمَّا هُدًى، وإمَّا ضَلال، وهي إمَّا لنا، وإمَّا لكم، وليس هناك شَيْءٌ ثالِث، وهذا يُعرَف بالسَّبْر والتَّقسيم.
ونَظيرُه قوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، هَذِه دَعْواهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قال الله : ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]، يَعنِي: هل يَعلَم الغَيْب أنَّه سيُؤتَى مالًا وولَدًا: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أم أن الله تعالى أَعلَمَهُ بذلك وعَهِد به إليه، والقِسْم الثالِث الكَذِب؛
стр. 177
ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا﴾ [مريم: ٧٩]، كلَّا: أي أنَّه لم يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولم يَتَّخِذ عند الرحمنِ تعالى ﴿عَهْداً﴾، عهدًا: الشيءُ بين هذا وهذا حتَّى يَتبيَّن أنَّه لا بُدَّ أن يَكون أحدَ الأَمْرين.
مِثال ذلك: نحنُ أو أَنْتُم الآنَ أمامَنا طريقان هُدًى أو ضَلال؛ إمَّا نحن على الهُدى وأنتم على الضَّلال، أو نحن على الضَّلال وأَنتُم على الهُدى، كذلك الآيةُ التي في سُورة مريمَ ﵍ واضِحة جِدًّا ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨] وجهُ ذلك: أن الله قال: هل هذا اطَّلَع الغَيْبَ وعَلِمَ أنَّه سيُؤتَى مالًا وولَدًا أمِ اتَّخَذ عند الرحمن سبحانه عَهْدًا؛ أي: أن الله أَخْبَره وعَهِد له بأنه سيُؤتيه مالًا وولَدًا؛ لأنَّ دَعْواهُ هذه إمَّا أن تكون كذِبًا أو عنده عِلْم من الغَيْب أو عَهْد من الله تعالى، قال الله تعالى في هذا: ﴿كَلَّا﴾ يَعني: ولا هذا ولا هذا، إذا انتَفَى هذا وهذا ماذا يَبقَى له؟ يَبقَى الكَذِب أنَّها دَعوَى كاذِبة لا حقيقةَ لها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٩ - ٨٠].
ومنه أيضاً: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، والجوابُ: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والجوابُ: أنهم قالوا على الله تعالى ما لا يَعلَمون.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّلطُّف مع الخَصْم والتَّنزُّل معه للوصول إلى الإقرار بالحَقِّ، من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فإنَّ هذا التَّنزُّلَ في غاية التَّنزُّل مع الخَصْم والتَّلطُّف معه؛ ليُقِرَّ بالحَقِّ، وانظُرْ إلى نَحوٍ من ذلك:
стр. 178
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، ومعلومٌ أنَّ الله تعالى خَيرٌ، ولكن من باب التَّنزّل معهم قِيل لهم: الله تعالى خيرٌ أم أَصنامُكم وآلهِتكم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: المُبالَغة في التَّنزُّل مع الخَصْم، وتَحمُّل الغَضاضة للوُصول إلى الغاية المَقصودة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ونَظيرُ هذا التَّنزُّل مع الخَصْم وتَحمُّل الغَضاضة: الشروطُ التي وقَعَتْ بين النبيِّ ﷺ وبين قُرَيْشٍ في صُلْح الحُدَيْبِية (١)، وكانت النَّتيجة والعاقِبة للرسول ﷺ .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الإنسان لا يُسأَل عن عمَلِ غَيْره ولا يُسأَل غيرُه عن عمَلِه "لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ونَظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]، كلُّ إنسانٍ وعمَله، ويُستَثْنى من ذلك ما إذا كان عمَلُ الغير ناشِئًا عن عمَلِك، بأن تكون أنت الدَّالَّ عليه أو المُعينَ عليه، فإن لك من وِزْره بقَدْر عمَلِكَ.
وأمَّا قول النبيِّ ﵊: "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّة سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٢)، فهَذا لا يُخالِف الآياتِ الكريمةَ، لأنَّ حقيقة الأمر أنَّ وِزْر الغير مَبنِيٌّ على وِزْرك، فيَكون من فِعْلك فيَدخُل في إِجْرامِكَ.
стр. 179
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات السُّؤال عن العمَل؛ لأنَّ قوله تعالى، ﴿لَا تُسْأَلُونَ﴾ كُلٌّ مَسؤولٌ عن عمَله، ولو كان السُّؤال مُنتَفيًا مُطلَقًا، ما صحَّ أن يُقال: لا تسألون عمَّا أَجرَمْنا، فكُلُّ إنسانٌ مَسؤولٌ عن عمَله ولا بُدَّ، قال الله ﵎: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٧]، وما دام الإنسان يُؤمِن بذلك، بأنه سيُسأل عن عمَله، فسوف يَحرِص غاية الحِرْص، على أن يَكون عمَله مُوافِقاً لشَرْع الله تعالى.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ البَعْث والجمْع، وهذا الجمْعُ ثابِت بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، وَيدخُل فيه أيضاً الجمْعُ في الدُّنيا في القِتال؛ لقوله : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: الرَّدُّ على القَدَرية بقوله تعالى: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ ومَعلومٌ أن اجتِماعنا من فِعْلنا، فأَضافَه الله تعالى إلى نَفْسِه؛ لأنَّه هو المُدبِّر له المُقدِّر له.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ حُكْم الله كُلُّه حَقٌّ وعَدْل؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعَدْل الذي ليس فيه ظُلْم ولا جَوْر.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: إثبات ما قرَّره أهل السُّنَّة والجماعة من أنَّ اسم الله تعالى إذا كان مُتعدِّيًا لم يَتِمَّ الإيمان به إلَّا بالإيمان بكونه اسْمًا، وبما تَضمَّنه من صِفة وبما تَضمَّنه من أمَّر وحُكم؛ لقوله: ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾، ثُمَّ قال بعد ذلك: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ فدلَّ على أن أسماء الله المُتعدِّية تَتَضمَّن الأحكام والآثار المُترتِّبة على ذلك.
стр. 180
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ: إثبات اسمَيْن من أَسماء الله ؛ وهُما: (الفَتَّاح العليم)، وكما سبَقَ في الشَّرح: أن (الفَتَّاح) تَشمَل مَعانِيَ كثيرةً، الفَتْح بالنَّصْر وبالعِلْم وبالفَهْم وبالقَصْد الحسَن وبغير ذلك، يَعنِي أنَّها اسْمٌ واحِدٌ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ: إِثْبات العِلم لله ؛ لقوله تعالى: ﴿الْعَلِيمُ﴾، وأنَّه صِفة من صِفاته الثابِتة اللازِمة؛ لأنَّه مَوْصوف به أزَلا وأبدًا في كِتاب لا يَضِلُّ ربي ولا يَنسَى.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ عَشْرَةَ: تهديد المُناظِر بالجزاء المَجزوم به؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾؛ لأنَّ هذا يَتضمَّن التهديد؛ لأنَّنا نَعلَم أنَّ الله إذا فتح بينهم فسيَكون الحقُّ مع المُسلِمين، بهذا عَرَفنا التَّرديد في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، والذين على هُدى همُ المُسلِمون، وأن أُولئك على الضَّلال؛ لأنَّه لَوْ قَالَ قَائِل: الآية فيها تَرديدٌ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾، وما عرَفْنا مَنْ الذي على الهدى؟
الجوابُ: همُ الذين يَفتَح الله تعالى عليهم وَينصُرهم على أَعدائِهم بالحقِّ.
* * *