الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: جَواز إجابة السائِل عمَّا سأَل فيما هو واضِح؛ لقوله تعالى: ﴿قُلِ اللهُ﴾، ومِثاله من الأُمور العادِيَّة، أن تُسأل مثَلًا: مَن الذي جاءَ بكذا وكذا؟ فتَتَوقَّف أو تَتَلَعْثَم؛ إمَّا جَهْلًا أو مُكابَرةَ، فأَقولُ: أَليْس فُلان هو الذي جاء به فأُقرِّره.
وإجابة السائِل إنَّما تكون في الأُمور الواضِحة، أمَّا في الأمور غَيرِ الواضِحة فقَدْ يُعارِض، ولا يَكون جوابُه مُقنِعًا، لكن في الأمور الواضِحة للسائِل أن يُجيب نَفسه إذا تَلَعْثَم الخَصْمُ ولم يُجِب، أمَّا إذا أجاب فالأَمْرُ واضِح، وهذا الاستِفْهامُ المَوْجود في الآية الكَريمة أَجاب عنه المُشرِكون بالحَقِّ في مَوْضِعٍ آخَرَ في سورة يُونُسَ ﵇: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: جَواز محُاجَّة الخَصْم بما يُعرَف -عند عُلماء المناظرة والجدَل- في بابِ المُناظَرة بالسَّبْر والتَّقْسِيم، فالسَّبْر يَعنِي: تَتبُّع الشيء، والتَّقسيم يَعنِي التَّرديد بين هذا أو هذا، فمَثَلَا هُنا: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فإذا تَتبَّعنا الحالَ وَجَدْنا أن حال كلِّ مِنَّا لا تَخرُج عن حالين: إمَّا هُدًى، وإمَّا ضَلال، وهي إمَّا لنا، وإمَّا لكم، وليس هناك شَيْءٌ ثالِث، وهذا يُعرَف بالسَّبْر والتَّقسيم.
ونَظيرُه قوله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، هَذِه دَعْواهُ: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ قال الله : ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ [مريم: ٧٨]، يَعنِي: هل يَعلَم الغَيْب أنَّه سيُؤتَى مالًا وولَدًا: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ أم أن الله تعالى أَعلَمَهُ بذلك وعَهِد به إليه، والقِسْم الثالِث الكَذِب؛
стр. 177
ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا﴾ [مريم: ٧٩]، كلَّا: أي أنَّه لم يَطَّلِعِ الغَيْبَ، ولم يَتَّخِذ عند الرحمنِ تعالى ﴿عَهْداً﴾، عهدًا: الشيءُ بين هذا وهذا حتَّى يَتبيَّن أنَّه لا بُدَّ أن يَكون أحدَ الأَمْرين.
مِثال ذلك: نحنُ أو أَنْتُم الآنَ أمامَنا طريقان هُدًى أو ضَلال؛ إمَّا نحن على الهُدى وأنتم على الضَّلال، أو نحن على الضَّلال وأَنتُم على الهُدى، كذلك الآيةُ التي في سُورة مريمَ ﵍ واضِحة جِدًّا ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٧ - ٧٨] وجهُ ذلك: أن الله قال: هل هذا اطَّلَع الغَيْبَ وعَلِمَ أنَّه سيُؤتَى مالًا وولَدًا أمِ اتَّخَذ عند الرحمن سبحانه عَهْدًا؛ أي: أن الله أَخْبَره وعَهِد له بأنه سيُؤتيه مالًا وولَدًا؛ لأنَّ دَعْواهُ هذه إمَّا أن تكون كذِبًا أو عنده عِلْم من الغَيْب أو عَهْد من الله تعالى، قال الله تعالى في هذا: ﴿كَلَّا﴾ يَعني: ولا هذا ولا هذا، إذا انتَفَى هذا وهذا ماذا يَبقَى له؟ يَبقَى الكَذِب أنَّها دَعوَى كاذِبة لا حقيقةَ لها؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: ٧٩ - ٨٠].
ومنه أيضاً: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠]، والجوابُ: ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، والجوابُ: أنهم قالوا على الله تعالى ما لا يَعلَمون.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: التَّلطُّف مع الخَصْم والتَّنزُّل معه للوصول إلى الإقرار بالحَقِّ، من قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ فإنَّ هذا التَّنزُّلَ في غاية التَّنزُّل مع الخَصْم والتَّلطُّف معه؛ ليُقِرَّ بالحَقِّ، وانظُرْ إلى نَحوٍ من ذلك:
стр. 178
﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٥٩]، ومعلومٌ أنَّ الله تعالى خَيرٌ، ولكن من باب التَّنزّل معهم قِيل لهم: الله تعالى خيرٌ أم أَصنامُكم وآلهِتكم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: المُبالَغة في التَّنزُّل مع الخَصْم، وتَحمُّل الغَضاضة للوُصول إلى الغاية المَقصودة؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ونَظيرُ هذا التَّنزُّل مع الخَصْم وتَحمُّل الغَضاضة: الشروطُ التي وقَعَتْ بين النبيِّ ﷺ وبين قُرَيْشٍ في صُلْح الحُدَيْبِية (١)، وكانت النَّتيجة والعاقِبة للرسول ﷺ .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن الإنسان لا يُسأَل عن عمَلِ غَيْره ولا يُسأَل غيرُه عن عمَلِه "لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾.
ونَظيرُ ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر: ١٨]، كلُّ إنسانٍ وعمَله، ويُستَثْنى من ذلك ما إذا كان عمَلُ الغير ناشِئًا عن عمَلِك، بأن تكون أنت الدَّالَّ عليه أو المُعينَ عليه، فإن لك من وِزْره بقَدْر عمَلِكَ.
وأمَّا قول النبيِّ ﵊: "مَنْ سَنَّ فِي الْإِسْلَامِ سُنَّة سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٢)، فهَذا لا يُخالِف الآياتِ الكريمةَ، لأنَّ حقيقة الأمر أنَّ وِزْر الغير مَبنِيٌّ على وِزْرك، فيَكون من فِعْلك فيَدخُل في إِجْرامِكَ.
стр. 179
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات السُّؤال عن العمَل؛ لأنَّ قوله تعالى، ﴿لَا تُسْأَلُونَ﴾ كُلٌّ مَسؤولٌ عن عمَله، ولو كان السُّؤال مُنتَفيًا مُطلَقًا، ما صحَّ أن يُقال: لا تسألون عمَّا أَجرَمْنا، فكُلُّ إنسانٌ مَسؤولٌ عن عمَله ولا بُدَّ، قال الله ﵎: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٦٥]، وقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦ - ٧]، وما دام الإنسان يُؤمِن بذلك، بأنه سيُسأل عن عمَله، فسوف يَحرِص غاية الحِرْص، على أن يَكون عمَله مُوافِقاً لشَرْع الله تعالى.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثباتُ البَعْث والجمْع، وهذا الجمْعُ ثابِت بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩]، وَيدخُل فيه أيضاً الجمْعُ في الدُّنيا في القِتال؛ لقوله : ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١].
الْفَائِدَةُ العَاشِرَةُ: الرَّدُّ على القَدَرية بقوله تعالى: ﴿يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا﴾ ومَعلومٌ أن اجتِماعنا من فِعْلنا، فأَضافَه الله تعالى إلى نَفْسِه؛ لأنَّه هو المُدبِّر له المُقدِّر له.
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ حُكْم الله كُلُّه حَقٌّ وعَدْل؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: بالعَدْل الذي ليس فيه ظُلْم ولا جَوْر.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ: إثبات ما قرَّره أهل السُّنَّة والجماعة من أنَّ اسم الله تعالى إذا كان مُتعدِّيًا لم يَتِمَّ الإيمان به إلَّا بالإيمان بكونه اسْمًا، وبما تَضمَّنه من صِفة وبما تَضمَّنه من أمَّر وحُكم؛ لقوله: ﴿يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾، ثُمَّ قال بعد ذلك: ﴿وَهُوَ الْفَتَّاحُ﴾ فدلَّ على أن أسماء الله المُتعدِّية تَتَضمَّن الأحكام والآثار المُترتِّبة على ذلك.
стр. 180
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ عَشْرَةَ: إثبات اسمَيْن من أَسماء الله ؛ وهُما: (الفَتَّاح العليم)، وكما سبَقَ في الشَّرح: أن (الفَتَّاح) تَشمَل مَعانِيَ كثيرةً، الفَتْح بالنَّصْر وبالعِلْم وبالفَهْم وبالقَصْد الحسَن وبغير ذلك، يَعنِي أنَّها اسْمٌ واحِدٌ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ عَشْرَةَ: إِثْبات العِلم لله ؛ لقوله تعالى: ﴿الْعَلِيمُ﴾، وأنَّه صِفة من صِفاته الثابِتة اللازِمة؛ لأنَّه مَوْصوف به أزَلا وأبدًا في كِتاب لا يَضِلُّ ربي ولا يَنسَى.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ عَشْرَةَ: تهديد المُناظِر بالجزاء المَجزوم به؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا﴾؛ لأنَّ هذا يَتضمَّن التهديد؛ لأنَّنا نَعلَم أنَّ الله إذا فتح بينهم فسيَكون الحقُّ مع المُسلِمين، بهذا عَرَفنا التَّرديد في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾، والذين على هُدى همُ المُسلِمون، وأن أُولئك على الضَّلال؛ لأنَّه لَوْ قَالَ قَائِل: الآية فيها تَرديدٌ: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى﴾، وما عرَفْنا مَنْ الذي على الهدى؟
الجوابُ: همُ الذين يَفتَح الله تعالى عليهم وَينصُرهم على أَعدائِهم بالحقِّ.
* * *
стр. 181
الآية (٢٧)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [سبأ: ٢٧].
* * *
قوله تعالى: ﴿أَرُونِيَ﴾ يَقول المُفَسِّر: [أعلِموني ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾] وعلى تَفسير المُفَسِّر ﵀ يَكون هناك جُمْلة مَحذوفة: (أَروني الذين أَلحَقتم به شُركاءَ ماذا صنَعوا؟ هل خَلَقوا؟ هل رَزَقوا؟ هل فتَحوا؟ هل هَدَوْا؟ ) كل ذلك لم يَكُن، ويُحتَمَل أن يَكون ﴿أَرُونِيَ﴾ أَبصِروني إيَّاه، من رُؤْية العَيْن، كما قال تعالى: ﴿أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ [فاطر: ٤٠]، وأيا كان فالُمراد بهذا الاستِفهامِ التَحدي؛ تَحدِّي هؤلاء المُشرِكين الذين جعَلوا مع الله شُرَكاءَ قُلْ: هاتوا الشُّرَكاءَ أروني ماذا صنَعوا.
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ يَعني: جعَلْتموهم شُرَكاءَ في العِبادة، لا في الخلق والرزْق؛ لأنَّ المُشرِكين في عهد الرسول ﷺ لم يَدَّعوا أبدًا أن أَصنامهم شَريكة مع الله تعالى في الخلْق والرِّزْق والتدبير أبداً، بل كانوا مُقرِّين بتَوْحيد الرُّبوبية، لكنهم يُنكِرون إفراد الله تعالى بالعِبادة فيَعبُدون مع الله تعالى غيرَه، وهذا لا يَنفَعهم؛ أي أن إِقْرارهم بالرُّبوبية لا يَنفَعهم مع إنكارهم لتَوْحيد الأُلوهية؛ نَقول: أروني الذين أحَقُّ من شُرَكائي في العِبادة.
стр. 182
قوله : ﴿كَلَّا﴾ رَدْع لهم عنِ اعتِقاد شَريك، أو رَدْع لهم أو إبطال لما يُمكِن أن يَدَّعوه من اعتِقاد الشريك، فقوله : ﴿كَلَّا﴾ يَعنِي: لا شَريكَ له، ففيها إبطال شِرْك هَؤلاء، بل إِبطال آخَرُ ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾ أي: هو الله، الجملةُ هذه مُكوَّنة من مُبتَدَأ وخبَر ﴿هُوَ اللَّهُ﴾، وكِلاهما مَعرِفة، وقد قال أهل البَلاغة: إنَّه إذا عُرِّف المُسنَد والمُسنَد إليه في الجملة الخبَرية كانت دالَّة على الحصْر؛ مثال ذلك: تَقول: زيد قائِم. وتَقول: زيدٌ القائِمُ؛ الأُولى: زَيدٌ قائِم. لا تَمنَع أن يَكون غيرُه قائِمًا، والثانية: زيدٌ القائِمُ. تَدُلُّ على الحصر، أي: أنَّه وحدَه القائِمُ؛ وهنا: ﴿بَلْ هُوَ اللَّهُ﴾ جُملة خبَرية تُفيد الحضر، يَعنِي: ليس مَعبودٌ غير الله تعالى.
وقوله ﵀: [﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالِب على أَمْره الحكيم في تَدبيره لِخَلْقه، فلا يَكون له شَريك في مُلْكه، في هذا قُصور جِدًّا.
فقوله ﵀: [﴿الْعَزِيزُ﴾ الغالِب] سبَقَ لنا أن العِزَّة لها ثلاثة مَعانٍ: عِزَّة القَدْر، وعِزَّة القَهْر، وعِزَّة الامتِناع، فهو عزيز القَدْر مثل قولِنا: فلان عَزيز عليَّ. أي: قَدْره عِندي عظيم، وعِزَّة القَهْر مثل قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ أي: غلَبَني فيه عِزَّة الامتِناع، أي: أن الله تعالى يَمتَنِع أن يَنالَه سُوء؛ لعِزَّته، ومنهم قولهم: (أَرْض عِزاز) أي: قوِيَّة صُلْبة.
أمَّا ﴿الْحَكِيمُ﴾ فتَقدَّم أن الحكيم مُشتَقٌّ من الحُكْم والإِحْكام، وأن الحُكْم كونيٌّ وشرعيٌّ، والإحكام يَكون في الكونيِّ والشرعيِّ في وَصْفه أو في صورته وغايته، وحينئذ تكون الحكيم دالة على أربعة أُمور: حُكْم كوني وحُكْم شرعيٌّ، وكل مِنهما محُكَم في صُورته التي هو عليها وفي الغاية منه، فتكون المَجموع أربعة؛ اثنان في اثنين بأربعة.
стр. 183
وأمَّا قوله ﵀: [﴿الْحَكِيمُ﴾ في تَدبيره إلى خَلْقه فلا يَكون له شَريك في مُلْكه] فهذا خطَأ؛ لأنَّ الشَّريك في المُلْك ما ادَّعاه المُشرِكون، والمُفَسِّر ﵀ نفسه في الأوَّل يَقول: شُرَكاءُ في العِبادة، فحِينئذ يَكون الصَّوابُ: فلا يَكون له شَريك في عِبادته، فما دام هو الذي له العِزَّة والغلَبة والحكْم والحِكْمة فإنَّه لا يَنبَغي أن يَكون له شَريك في العِبادة، بل العِبادة له وحدَهُ.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها ممَّا سبَق مِن أنَّه من آداب المُناظَرة سُلوك التَّحدِّي فيما يُعلَم امتِناعه من الخَصْم؛ لأنك إذا تَحدَّيْته في أمرٍ لا يُمكِنه وظَهَر عَجْزُه تَبيَّن بُطلان دَعواه، بخِلاف ما إذا تَحدَّيْته بأمرٍ يُمكِنه أن يَفعَله فإن هذا ضرَر عليك.
فلا تَتَحدَّى الخَصْم إلَّا بأَمْرٍ يُعجِزه ولا يَتمَكَّن منه هنا، يَقول : ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ يَعنِي: أَعلِموني ماذا خَلَقوا؟ ماذا نفَعوا؟
الجوابُ: لم يَخلُقوا شيئًا، ولم يَنفَعوا شيئًا، ولم يَدفَعوا ضرَرًا كما قال : ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠ - ٢١]، وقال إبراهيمُ ﵇ لأبيه: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: ٤٢].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: وقوله تعالى: ﴿أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ﴾ يُستَفاد منها: أن الشِّرْك يَكون في العِبادة، كما يَكون في الخلْق والتَّدبير، بمَعنَى أنَّ الشِّرْك يَكون في الأُلوهية كما يَكون في الرُّبوبية، ووجهُه: أنَّ هؤلاءِ المُشرِكين لم يَكونوا يُشرِكون في الرُّبوبية ولكنَّهم يُشرِكون في الأُلوهية والعِبادة.
стр. 184
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّه لا يُمكِن أن يُرِيَ أحَدٌ من النَّاس أن لهذه الأَصْنام شيئًا من الخلْق أو الززق أو التَّدبير، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ يَعنِي: لا يُمكِن أن ترُوني شيئًا من هذه الأَصنامِ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثباتُ اسْمَيْن من أسماء الله ، وهما: ﴿الْعَزِيزُ﴾ و ﴿الْحَكِيمُ﴾، وما تَضمناه من صِفة، وهي: العِزَّة والحِكْمة والحكْم، يَعنِي الحكيم ذو الحُكْم والحِكْمة.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ أفعال الله لا يُمكِن أن تَقَع سَفَهًا؛ لقوله تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾ وهو الذي لا يَقَع في فِعْله سَفَه، وهذا شيء مَعلوم بالضَرورة، قال الله ﵎: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ [الدخان: ٣٨] وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [ص: ٢٧]، وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٥].
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن الله لا يُغلَب؛ لقوله تعالى: ﴿الْعَزِيزُ﴾، وإذا آمَنْت بذلك واستَنْصَرْت به ﵎ علِمْتَ أنك لا تُغلَب.
* * *
стр. 185
الآية (٢٨)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٢٨].
* * *
سبَقَ لنا أن المُفَسِّر ﵀ فصَّل في قوله في تفسير (العزيز) [بِغَالِبٍ]، وفي قوله: الحكيمُ [بِتَدْبِيره لِلْخَلْقِ]، وأَخطَأ أيضاً في قوله: [فَلَا شَرِيكَ لَهُ فِي مُلْكِهِ]؛ لأنَّه ليس المَقام مَقام نَفيِ الشريك في المُلْك، إنَّما المَقام مَقام نَفيِ الشَّريك في العِبادة، إذ إنَّ هَؤلاءِ المُشرِكين يَعتَرِفون بأن الله تعالى لا شَريكَ له في مُلْكه.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾ حالٌ من النَّاس قُدّم للاهتِمام، ﴿لِّلنَّاسِ﴾ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً﴾، وهذا الاستِثْناءُ يُسمُّونه استِثْناءً مُفرغًا من اعَمِّ الأَحْوال يَعني: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾ لأي حال من الأحوال إلَّا لهذه الحالِ، يَعني: ﴿إلّا﴾ للنَّاس ﴿كَافَّةً﴾ بمَعنَى: جميعاً.
وقوله : ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ الإِرْسال مَعنَاه: الأَمْر بتَبليغ الشيء؛ فأنت إذا أرسَلْت شخصًا من النَّاس إلى شخص آخَرَ مَعناه أنك أَمَرْته أن يُبلِغ شيئًا ما إلى المُرسَل إليه؛ ولهذا قال العُلَماءُ ﵏ في تفسير (الرسول): وهو الذي أوحِيَ إليه بشَرْعٍ وأُمِرَ بتبليغه.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾: ﴿لِلنَّاسِ﴾ مَعناه: همُ البَشَر، وسُمُّوا ناسًا
стр. 186
من قولهم: أَنِس. إذا تَحرَّك وعمِل، وعلى هذا فيَكون النَّاس اسْمًا مُشتَقًّا، وليس اسْمًا جامِدًا، قالوا: وأَصْله: (الأُناس)، لكنها حُذِفت الهمْزة تَخفيفًا؛ لكَثْرة الاستِعْمال، ومثل ذلك قولهُم: شَرٌّ وخَيْر. كأنْ تَقول: هذا خيرٌ من هذا. بمَعنى: أَخيَرُ مِن هذا، فحُذِفتِ الهمْزة للتخفيف؛ لكَثْرة الاستِعْمال، قالوا: ومن ذلك (الله)، وأَصلُه الإِلَهُ؛ حُذِفتِ الهَمْزة للتَّخفيف؛ لكَثْرة الاستِعمال، على أن هذه المَسألةَ الثانِيةَ الأَخيرة فيها شيء من النَّظَر؛ لأنَّ (الإِله) تَأتي إلى جانِب (الله)، وتَقول: هو الله الإِلَهُ العَظيمُ .. إلى آخِره.
وقول المُفَسر ﵀: [﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ أَيْ: كُفَّارِ مَكَّةَ]، وهذا قُصور من المُفَسِّر ﵀؛ لأنَّنا إذا قُلْنا: إنك أُرسِلْت إلى كُفَّار مَكَّةَ فغَيرُهم لم يُرسَل إليهم، وهذا قُصور عظيم جِدًّا؛ كيف تَأتي كلِمة (النَّاس) في مَقام الرسالة ونَقول: المُراد بها كُفَّارُ مَكَّةَ.
والصوابُ: المُراد بها كُفَّارُ مَكَّةَ وغَيْرهم، وكُلُّ الكُفَّار إلى يوم القِيامة، وليس في حَياته فَقَطْ، إلى يوم القيامة للنَّاس عُمومًا.
وقوله تعالى: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ أي: مُبشرًا للمُؤمنين بالجنَّة، ونَذيرًا: مُنذِرًا للكافِرين بالعذاب، بَشيرًا: حال أيضاً من الكاف في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿بَشِيرًا﴾ (فَعيلٌ) بَمعنَى (مُفَعِّل) أو (بشير) بمَعنى: ببِشارة، و (فَعيل) تَأتي بمُعنَى (مُفعل) كما أسلَفْنا ذلك كثيرًا، وقوله تعالى: ﴿بَشِيرًا﴾ للمُؤمِنين بالجنَّة ﴿وَنَذِيرًا﴾ للكافِرين بالنار، وَينبَغي أن يقال: بَشيرًا للمُؤمِنين بالجَنَّة -كما قال المُفَسر ﵀ ونَذيرًا للعاصِين بالعُقوبة؛ ليَشمَل الإنذارَ عن الكُفْر والإِنْذار عن المَعاصي، بمَعنَى: أنَّه حتَّى المَعاصي رُتبت عليها عُقوبات، من أَجْل أن تَردعَ الإنسان عن فِعْلها.
стр. 187
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: فيها دليل على أن محُمَّدًا ﷺ عَبْد مَأْمور لا رَبّ آمِر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: عُموم رِسالة النبيِّ ﷺ على رَأْيِ المُفَسِّر ﵀ ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فهو كَقَوْله ﷺ : "وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً" (١)، أو لقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾؛ لأنَّ (النَّاس) هُنا تُفيد العُموم؛ لأنَّ فيها رَأيا آخَرَ يَقول: (كافَّة) بمَعنَى: (كَاف)؛ يَعنِي: إلَّا تكفُّ النَّاس عن الشِّرْك والعِصيان، أو إلَّا كافَّة للنَّاس، أي: جامِعًا لهم على التَّوْحيد والإِخْلاص، وعلى هذا فتكون حالًا من الكافِ في قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ والتاء فيها على هذا المَعنَى للمُبالَغة، كقوله : ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل: ١٢٠] أي: إمامًا، وكما يُقال: هذا عَلَّامة، أي: علَّام، لكن تكون التاء للمُبالَغة، فصار عِندنا في (كافَّة) قَوْلان: أن تكون حالًا من النَّاس مُقدَّمة عليها، وأن تكون حالًا من الكاف في قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، وعلى هذا الوَجْهِ تكون ﴿كَافَّةً﴾ بمَعنَى: (كافّ) أي: جامع، أو (كافّ) أي: مانِع تكفُّ النَّاس، ونَستَفيد العُموم من قوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ رسالة النبيِّ ﷺ تَتَضمَّن شَيْئَيْن: هُما البِشارة والإنذار، البِشارة للطائِع بالثواب، والإنذار للعاصِي بالعُقوبة.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الإشارة إلى الحِكْمة من إرسال الرُّسُل، وهي التَّبشير والتَّنذير؛
стр. 188
كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ١٦٣ - ١٦٥].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ أكثَرَ النَّاس لا يَعلَمون الحِكْمة من إرسال الرسول ﷺ ، ولا يَعلَمون أَنه رسول، أمَّا الأوَّلَ فواضِح: أنَّ أكثَرَ النَّاس لا يَعلَمون الحِكْمة من إرسال الرُّسُل، وأمَّا الثَّاني ففيه نظَر؛ لأنَّ الرسالة بلَغَتْ أكثَرَ النَّاس، وستَبلُغ النَّاس جميعاً حتَّى تَقوم عليهم الحجَّة.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الأكثَرية لا يَلزَم أن يَكون الصَّوابُ معها، لأنَّ أكثَرَ النَّاس لا يَعلَمون فهُمْ في جَهْل، إِذ إِنَ المُتمَسك بالأديان قَليل، والمُتمَسك بالأديان هو صاحِب العِلْم، وهو صاحِب اليقين.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثباتُ الأَسباب، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ على المَعنَى الأَخير الثَّاني الذي هو (كافَة) بمَعنَى: مانِع؛ لأنَّ الرسول ﵊ سبَب، وليس بمُوجِب، فهو سبَب للهِداية، ولكن: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ [القصص: ٥٦].
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: إثبات أفعال الله تعالى الاختِيارية، تُؤخَذ من قوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾؛ لأنَّ هذا فِعْل من الأفعال المُتعَلقة بمَشيئته .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إقامة الحجَّة على الخلْق؛ لقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ فلَمْ يَبقَ لأَحَد حُجَّة على الله بعد الرُّسُل، وهل يُؤخَذ
стр. 189
منها عُذْر مَن لم تَبلُغه الرسالةُ؟
الجوابُ: نعَمْ؛ لقوله : ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾؛ لأنَّ مَن لم تَبلُغْه الرسالةُ لم تَتَحصل له بِشارة ولا نِذارة.
فَإنْ قِيلَ: ما حُكْم مَن لم تَبلُغه الرسالة؟
فالجوابُ: حُكْمه أنَّه لا يَخلُو من أَمْرين: إمَّا أن يَكون مُقصِّرًا في طلَب الحقِّ فهذا لا عُذرَ له؛ لأنَّه مُقصر، وإما ألا يَكون مُقصرًا بحيثُ لم يَبلُغْه أيُّ شيء عن الرسالات، ولم يَطرَأ في قلبه أيُ شيء من ذِكْر الرسالات فهذا نَقول: إنَّه يُحكَم له في الدُّنيا بما هو عليه من دِين، وأما في الآخِرة فأمْره إلى الله تعالى، ما نَشهَد عليه بشيءٍ.
* * *
стр. 190
الآية (٢٩)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [سبأ: ٢٩].
* * *
قوله : ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يَعني: المُكذّبين للرسول ﷺ الذين تَوَعَّدوا بالعذاب والنَّكال فيقولون مُتَحَدّين ومُستَبعِدين ومُنكِرين: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾: ﴿مَتَى﴾ اسمُ استِفْهام المُرادُ به الإِنْكار والتَّحدِّي.
وقوله: ﴿الْوَعْدُ﴾ أي: بالعَذاب الذي وَعَدْتمُونا به، ويُحتَمَل أن يَكون ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالنَّصْر لكم؛ لأنَّ المَعروفَ أنَّ الوَعْد بالخيْر وبالشَّرِّ وَعيد، ولكن قد يُقال: إن الوعيدَ لهؤلاء الكُفَّارِ هو بالنّسبة للمُؤمِنين مَعدوم ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ بالعَذاب ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيه، يَعنِي: إن كُنْتم صادِقين بما تَقولون من أنَّ العَذاب سيَحِلُّ بنا وسنُعاقَب، والصِّدْق: هو الإِخْبار بما يُوافِق الواقِع، والكَذِب: الإِخْبار بما يُخالِف الواقِع، فإذا قلتَ: (قدِم زَيْد البلَد) ولم يَكُن قدِمَ فهو كذِب؛ لأنَّه خِلاف للواقِع، وإذا قلتَ: (قدِمَ زيد البَلَد) وقد قدِم فهو صِدْق؛ لمُوافَقة الواقِع، فيقولون: إن كُنْتم صادِقين فمتى يَكون هذا؟
وهذا كقوله في الساعة: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧) يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾
стр. 191
[الشوري: ١٧ - ١٨]، فالكُفَّار يَستَعجِلون العذاب تَكذيباً للرُّسُل عليهم الصَّلاة والسلام.
قال الله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٤ - ٢٠٧]، يَعنِي: أي شيء يُغنِي عنهم، فمهما طال بهمُ الأَمَدُ فإن المَسألة محَدودة مَعدودة ﴿إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ فهُمْ يَتَحدَّوْن ومع ذلك أحيانًا يَتَحدَّوْن كذِبًا، فإنهم قالوا حين أُخبِروا بالبَعْث، قالوا مُتَحدِّين للرُّسُل عليهم الصَّلاة والسلام: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان: ٣٦]، وهل قِيلَ لهم: إن آباءَهُم يَأتون الآنَ. حتَّى يُوجِّهوا الصورة إلى هذا؟ لا، بَلْ قِيل لهم: إن آباءَهُم سيُبعَثون يومَ القِيامة. لكنهم يُموِّهون على العامَّة بمِثْل هذه الدَّعاوَى.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: تمَرُّد الكُفَّار في طُغيانهم حيث قالوا مُتَحدِّين للرُّسُل: ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾؛ وهذا غايةُ ما يَكون في التَّمرُّد والطُّغيان؛ لأنهم لو كان عِندهم أَدنَى شيءٍ من الإيمان لكانوا يَخافون ممَّا أُوعِدوا به؛ لكن لتَمرُّدهم وطُغيانهم -والعِياذُ بالله تعالى- قالوا هذا القولَ.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنهم كذَّبوا الرُّسُل فيما قالوا؛ لقولهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: بَيانُ الأساليب التي يَقوم بها دُعاة الباطِل حيثُ يَتَحدَّوْن أهل الحَقِّ بمِثْل هذا التَّحدي مع العِلْم بأن الوعيد بالعَذاب أو نَحوه كالآيات تَمامًا،
стр. 192
والآياتُ عِند الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ٥٠]، وكذلك العذابُ الذي وُعِدت به الرُّسُل ليس هو بأيديهم حتَّى يَقولوا: أرُونا العذابَ قال هذا العذابُ! والعَذاب عند الله تعالى! ! .
ولهذا كان جوابُ الرُّسُل بأمر الله : ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ: ٣٠]، فالأَمْر ليس كلَّما طلَبْتم أَعطَيْناكم، ولكن هناك شيء فوقَنا جميعاً، وهو الله ، هو الذي يُقدّر بهذه الأشياءَ، فكما أن المُشرِكين إذا طلَبوا آياتٍ يُقال لهم: ﴿إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، فإذا طلَبوا نُزول العَذاب نقول: ﴿لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾، وليس الأَمرُ إلينا.
وهم لا يَقولون ذلك إلَّا تمويها على النَّاس وتَغريرًا بالعامَّة، فيقولون: انظُرْ هؤلاءِ يَتَوعَّدوننا إذا كفَرْنا بهم بالعَذاب! فأين العذابُ! .
المُهِمُّ: أننا نَأخُذ من ذلك: بيان أساليب دُعاة الضلال حيثُ يُنوِّعونها بكلِّ ما يَستطيعون من الشدَّة وإضلال الخَلْق.
* * *
стр. 193
الآية (٣٠)
* * *
* قالَ الله : ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ: ٣٠].
* * *
وهو يوم القِيامة.
وقوله تعالى: ﴿مِيعَادُ﴾ يُحتَمَل أن يَكون ظَرْفَ مَكان أو زَمان، ويُحتَمَل أن يَكون مَصدَرًا مِيمِيًّا؛ والمَعنى: أنَّ لكم وَعْدًا يَكون في يوم لا تَستَأخِرون عنه ساعةً ولا تَستَقدِمون عليه، وذلك لأنَّ الله بحِكْمته البالِغة قَدَّر لكل شيءٍ أجَلًا مُعيَّنًا، قال الله : ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، فكل شيء بمِقدارٍ عند الله ومحُدَّد بآجَله، فالعَذاب لا يُقدِّمه استِعْجالهم ولا يُؤخِّره، إذا جاء لا يَتَقدَّم ولا يَتَأخَر.
وفي هذا الجوابِ من التَّهديد لهم ما هو ظاهِر، كما لو قُلتَ لإنسانٍ: إنَّ عِندي لك مَوعِدٌ لا يَتَقدَّم ولا يَتَأخَّر. فالمَعنَى: احذَرْ من هذا اليومِ.
وقول المُفَسِّر: [هُوَ يَوْم الْقِيَامَةِ] هذا لا شَكَّ أنَّه محُتَمَل، لكن فيه احتِمالٌ آخَرُ، أنَّه يوم القيامة ويوم مَوْتهم أيضاً، فإن يوم مَوْتهم يُشاهِدون العَذاب، قال الله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٥٠) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥٠ - ٥١].
стр. 194
فهذا اليومُ يَجِدون فيه العذاب قبل يوم القِيامة ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣].
وفي سورة الدُّخَان: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١) رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢) أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ (١٣) ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤) إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ (١٥) يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٠ - ١٦]، وهذا حَصَل في بَدْر حين قُتِل شُرَفاؤُهم وساداتُهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَةُ الأُولَى: بيانُ أنَّ العذاب مُؤقَت، لا يَتقدَّم باستِعْجالِ مَنِ استَعجَله ولا يَتأخَّر بطلَب مَن طلَب أن يُؤخَر.
ونَظيرُ ذلك قولُه تعالى عن نُوحٍ ﵇: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [نوح: ٤].
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن أفعال الله محُررة مُنظِّمةٌ كلَّ شيءٍ بأجَل مُقدَّر، وقد أَشار الله تعالى إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثباتُ الجَزاء؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ﴾.
* * *
стр. 195
الآية (٣١)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾ [سبأ: ٣١].
* * *
وقوله ﵀: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ] لا يَنبَغي أن نُخصِّص ما عمَّمه الله ، فالصواب: وقال الذين كفَروا من أهل مكَّةَ وغيرهم، قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ - والعِياذُ بالله تعالى- أَتَوْا بـ (لَن) الدَّالَّة على تَأكيد النَّفيِ، ولم يَقولوا: لا نُؤمِن. بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ﴾ يُؤكِّدون انتِفاء إيمانهم بالقُرآن في المُستَقبَل.
وقوله تعالى: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ هذه الإشارة للقَريب تَحقيرًا له، كما في قوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١].
وقوله : ﴿الْقُرْآنِ﴾ على وَزْن (فُعْلان) فهل هو بمَعنَى: المَقروء، أو بمَعنَى: القارِئ، أو هو مَصدَر بمَعنَى الجَمْع؟
الجوابُ: أن فيه خِلافًا عِند عُلَماء العَرَبيَّة ﵏، والصوابُ: أنَّه مُتضَمِّن للمَعاني كُلِّها فهو قارِئ؛ أي: جامِع؛ لأنَّه مُهَيْمِن على الكُتُب السابِقة وجميع ما فيها
стр. 196
من المَصالِح مَوْجودٌ فيه وهو مَقروء؛ لأنَّ الناس يَقرَؤُونه وَيتْلونه، وهو جَمْع أيضًا؛ لأنه جامِع لكل شيء والفُعْلان بمَعنَى المَصدَر وارِد ومَوْجود في اللُّغة العربية، مثل: الشُّكْران والكُفْران والنُّكْران، وما أَشبَه ذلك.
والمُراد بالقُرآن هنا الكِتاب الذي أَنزَله الله على محُمَّد ﷺ وهو اسمٌ خاصٌّ به بهذا القُرآن.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَعنِي: ولا نُؤمِن بالذي [تَقَدَّمَهُ كَالتَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ الدَّالَّيْنِ عَلَى الْبَعْثِ بِإِنْكَارِهِمْ لَهُ] يَعنِي ولا نُؤمِن أيضًا بالذي بين يَدَيْه، والمُراد على رَأْيِ المُفَسِّر ﵀ بما بَيْن يَدَيْه: ما سبَقَه، وليس ما يَأتِي بعدَه، ويُحتَمَل أن المُراد بقَوْله: ولا بالَّذي بين يَدَيْه، أي: ما يَأتي ممَّا أَخبَر به، فإنَّ ما بين يدَيِ الشيء مُستَقِرٌّ كما قال الله : ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ [طه: ١١٠]، والمَعنَيان صَحيحان، وإذا كانت الآيةُ تَحتَمِل مَعنيَيْن صَحيحين لا يَتَنافَيان وجَبَ حَمْلُها على الجميع؛ لأنَّ القُرآن شامِل وواسِع، فقوله تعالى: ﴿وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: ولا بالَّذي يَأتِي بعده ممَّا أَخبَر به أو (ولا بِالَّذي بين يَدَيْه) ما تُقدِّمه من الكُتُب كالتَّوْراة والإنجيل.
وقوله : ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [يا مُحَمَّدُ ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ الْكَافِرُونَ ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾] ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ أي: ﴿وَلَوْ﴾ شَرْطية، وفِعْل شَرْطها ﴿تَرَى﴾، وهي غَيرُ جازِمة وجوابُها مَحذوف؛ أي: لرَأَيْتَ أَمْرًا فظيعًا، وجوابُ الشَّرْط في مِثْل هذا التَّركيبِ أَعظَمُ من ذِكْره؛ لأن النَّفْس تَذهَب في تَقديره كل مَذهَب من الفَظاعة والبَشاعة.
و(لو) تَأتي باللُّغة العَرَبية على عِدَّة مَعانٍ؛ تَأتي بـ (ما) الشَّرْطية كما هنا، وتَأْتي
стр. 197
مَصدَرية كما في قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم: ٩].
وقول المُفَسِّر ﵀: [يا مُحَمَّدُ] قمَرَ المُفَسِّر ﵀ الضميرَ على الرسول ﷺ ، مع أنه يَحتَمِل أن يَكون المُراد به كلُّ مخُاطَب؛ يَعنِي: ولو ترَى أيُّها المُخاطَب حالَ هَؤلاء لرَأَيْت أمرًا فظيعًا.
وقوله تعالى: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾: ﴿إِذِ﴾ بمَعنَى: (وَقْت) أو (حين) فهي ظَرْف زمان، و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ مُبتَدَأ و ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ خبَرُه، والمُراد بالظالمين هنا قال المُفَسِّر ﵀: [الْكَافِرُونَ]، وإنما خصَّها بالكافِرين مع أنَّ الظُّلْم أَعمُّ بقرينة السِّياق، حيث قال الله في آخِرها: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [سبأ: ٣٣]، فكان المُراد بالظالمين هنا الكافِرين.
وهل كل ظالمٍ كافِر؟
الجوابُ: لا؛ ولهذا لمَّا قال الله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ قال العُلَماءُ ﵏: نَحمَد الله تعالى أَنْ لم يَقُل: والظالمِون هم الكافِرون.
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي: مَحبوسون، فمَعنى (وَقَفَه) أي: حبَسَه، ومِنه سُمِّيَ الوَقْف للمال الحَبيس الذي تُحبَس عَيْنه وتُسبَّل مَنْفَعته، فمَعنى ﴿مَوْقُوفُونَ﴾ أي: مَحبوسون عند الله .
وقوله : ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولم يَقُلْ: عند الله ؛ لأنَّ مِثل هذا الفِعْلِ العظيمِ الدالِّ على العظَمة يَتَناسَب مع الرُّبوبية، لكَمال رُبوبيته وكَمال مُلْكه وسُلْطانه، تَجِد هؤلاءِ الظلَمةَ الذين عندهم من العُتُوِّ والاستِكْبار والعِناد في الدنيا في أذَلُّ شيء أمام رُبوبية الله .
стр. 198
وقوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ﴾ بمَعنَى: يَرُدُّ؛ وعلى هذا فتكون مُتعَدِّية؛ لأن رَجَع تَأتي لازِمةً وتَأتي مُتعَدِّية، فقَوْلُك: رجَعْتُ من مكَّةَ إلى المدينة. هذه لازِمة؛ لأنها لم تَنصِب المَفعول، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٣]، هذه مُتعَدِّية، وهنا قال : ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ فهذه مُتَعَدِّية؛ أي: يَردُّهم، و ﴿الْقَوْلَ﴾ هنا مُبهَم ومجُمَل، ثُمَّ فصَّله بقوله تعالى: ﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾.
وفائِدة الإِبْهام المُفصَّل عظيمة؛ لأنه إذا أَجمَل أَوَّلًا وأَبهَم، فإن النَّفْس تَتَطلَّع إلى بيان ذلك الشيءِ وتَفصيله، فعندما أَقرَأُ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يَكون ذِهْنك؟
الجوابُ: يَكون ذِهْنك مُتَطَلِّعًا إلى بيان هذا القولِ الذي يَتَراجَعونه، لكن لو قال: "ولو ترَى إذِ الظالمِون مَوقوفون عند رَبِّهم يَقول الذين استُضْعِفوا" هكذا جاءَت لم يَكُن لها من التَّمكُّن في الذِّهْن مِثل ما كان لها حينما أُبهِمَ القَولُ، ثُم بُيِّنَ أو أُجمِل، ثُم فُصِّل.
وقوله : ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ ماذا يَقولون؟ [﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ الْأَتْبَاعُ ﴿لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا﴾ الرُّؤُسَاءِ ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ﴾ صَدَدْتُمُونَا عَنِ الْإِيمَانِ ﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بِالنَّبِيِّ] (لولا) هذه شَرْطية، ويُقال فيها: حَرْف امتِناع لوجوب؛ لأنه امتَنَع جوابُها؛ لوجود شَرْطها، وتَأتي (لولا) الشَّرْطية كما هنا، وتَأتي للتَّحضيض، كما في قوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] وتَأتي للنَّفْي، كما في قوله : ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: ٩٨]، المَعنَى: فما كانت قَرية آمَنَتْ فنَفَعها إيمانُها إلَّا قوم يُونُسَ لمَّا آمَنوا، وهنا يَقول: لولا أَنتُمْ.
стр. 199
وابنُ مالِك ﵀ يَقول:
وَبَعْدَ لَوْلَا غَالِبًا حَذْفُ الخَبْرْ ... حَتْمٌ. . . . . . (١)
فالمُبتَدَأ مَوجود هنا وهو (أنتُم)، والخَبَر مَحذوف قدَّره المُفَسّر ﵀ بقَولِه: [صَدَدْتُمُونَا] وعَرَف أنه في هذا اللَّفْظِ من قولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى﴾ فلا نُقدِّر هنا: لولا أنتم مَوْجودون، لأنَّ الصدَّ أخَصُّ من مُطلَق الوجود، وإذا كان لنا طريقٌ إلى تَقدير الأخَصِّ فهو أَوْلى من تقدير الأعَمِّ.
ولهذا قُلْنا: إن القارِئَ إذا قال: (بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) يُقدِّر المُتعَلّق بقوله: أَقرَأُ. لا بقَوْله: أَبتَدِئ، لأنَّ (أَبتَدِئ) عامَّة و (أَقرَأُ) خاصَّة، وهنا يُمكِن أن نَقول: لولا أنتم مَوْجودون. لكن ما دُمْنا نَجِد فِعْلًا أخَصَّ وهو الصدُّ المَدلول عليه بقوله تعالى: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ فإنه يَجِب أن نُقدِّر لولا أَنتُمْ صدَدْتمُونا ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ هذا هو جَواب الشَّرْط لكُنَّا مُؤمِنين؛ ولهذا اقتَرَن باللام.
وقوله: [﴿لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ بالنبيِّ] ﷺ ، والأصحُّ أنَّه أَعَمُّ، أي: لكُنَّا مُؤمِنين بما تَشمَله رِسالة النبيِّ ﷺ ، من الإيمان بالله تعالى، ومَلائِكته وكتُبِه ورُسُله واليوم الآخِر، وبغير ذلك ممَّا يَجِب الإيمان به.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ عُتوِّ هؤلاءِ الكافِرين، وأنهم لم يَرجُوا الإيمانَ، بل قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: مُبالغَتُهم في الطُّغْيان والعُدوان، حيث أَشاروا إلى القرآن الكريم
стр. 200
بما يَدُلُّ على التَّحقير في قوله: ﴿بِهَذَا الْقُرْآنِ﴾، فإن الإشارة هُنا بالقريب لدُنُوِّ مَرتبته على زَعْمهم.
وفيه أيضًا من تمَاديهم في الطُّغْيان أنهم قالوا: لن نُؤمِن به، ولا بالذي بين يَدَيْه. سواءٌ قُلْنا: إن الذي بين يَدْيه: ما أَخبَر به عن المُستَقبَل، أو: ما سَبَقه من الكُتُب؛ فإن هذا يَدُلُّ على المُبالَغة في العُتُوِّ والعِناد.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلخ؛ بيانُ عِظَم عُقوبة هؤلاءِ المُكذِّبين؛ لأن تَقدير الجواب يَدُلُّ على ذلك، وقد قدَّرْناه في تفسيرِنا: بأنه لرأيْت أمرًا عظيمًا أو فظِيعًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الكُفْر ظُلْم؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾؛ لأنه قال ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، ثُمَّ قال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾، ويُؤيِّد ذلك قولُه تعالى في سورة البقَرة: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٥٤].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: حُسْن الإظهار في مَوْضع الإِضْمار إذا اقتَضَتِ البَلاغة ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِذِ الظَّالِمُونَ﴾، ولم يَقُل: ولو ترَى إذ هُمْ مَوْقوفون.
وللإِظْهار في مَوْضِع الإِضْمار فوائِدُ:
منها إرادةُ العُموم، بحيث يَشمَل هؤلاءِ المَذكورين وغيرَهم.
ومنها بَيانُ وَصْف لمَن يَعود الضمير عليه لم يَكن مَوجودًا من قبلُ، بمعنى: التَسجيل عليهم بما يَقتَضيه هذا الوَصْفُ، إذ إنه لو قيل: ولو ترَى إذ هم مَوْقوفون ما استَفَدْنا أن هؤلاء كانوا ظالمين، فلما قال : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ﴾ سجَّل عليه أنه ظُلْم.
стр. 201
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات البَعْث والجزاء؛ لقوله : ﴿مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، وهو أحَدُ أركان الإيمان السِّتَّة التي لا يَتِمُّ الإيمان إلَّا بها.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إظهارُ النَّدَم من هؤلاء حيثُ صار كلُّ واحِد منهم يَحمِل الأفعال السَّيِّئة على الآخَر؛ لقوله تعالى: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: أن من الفَصاحة: ذِكْر القول مجُمَلًا، ثُم يُفصَّل، فإن هذا من البَلاغة؛ لمِا أَشَرْنا إليه من التفسير من أنه ذَكَر مجُمَلًا تَشوَّفتِ النفسُ إلى مَعْناها والتَّفصيلِ فيه، حتى يَرِد إليها وهي مُشتاقة إليه.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: إثبات الأسباب؛ تُؤخَذ من قوله : ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾، وهو صحيح من وجهٍ؛ وهو أنهم سبَب في إضلالهم، لكنه لا عُذْرَ لهم فيه؛ لأن الله تعالى أَعطاهم قُدْرة واختِيارًا، وأَرسَل إليهم الرُّسُل، وبيَّن لهم الحقَّ؛ فنحن نَقول: نعَمْ، لولا هؤلاءِ الدُّعاةُ لكانوا مُؤمِنين؛ لأن الدَّعْوة تَسلَم من المُعارِض، ولكنه لا عُذْرَ لهم؛ لأنهم باستِطاعَتهم أن يُخالِفوهم ويُؤمِنوا.
стр. 202
الآية (٣٢)
* * *
* قالَ الله : ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ [سبأ: ٣٢].
* * *
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ ردُّوا عليهم القولَ: ﴿يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ﴾ فكان الرَّدُّ هو: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾؟ والاستِفْهام هنا بمَعنَى النفيِ، يَعنِي: لم نَصدَّكم عنِ الهُدَى بعد إذ جاءَكُم، بل أنتم الذين اختَرْتُمُ الكُفْر، وهنا صدَق قول الله : ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: ١٦٦]، فهنا قال تعالى: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ﴾ يَعنِي: نحن مُتبَرِّئِون مِنكم، ولا أَجبَرْناكم على الكُفْر، بل أنتم الذين اختَرْتم ذلك.
وقوله تعالى: ﴿صَدَدْنَاكُمْ﴾ أي: صرَفْناكم.
وقوله : ﴿عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ هذا من باب تَحقيق مجَيءِ الهُدَى ووضوحه، وهذا إقرارٌ من هؤلاءِ الرُّؤَساءِ المُستكْبِرين على أنَّ الهُدى قد جاء وبان ووضَح ﴿بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾، قال المُفَسِّر ﵀ في تَقدِيرها: [لَا] إِشارة إلى أنَّ الاستِفْهام هنا للنَّفْيِ، وكُلَّما جاءت كلِمة (لَا) بعد الاستِفْهام فإن تَرجَمَتَها أنَّ المُفَسِّر ﵀ يَرَى أن الاستِفْهام هنا للنَّفْي، ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ في أَنفُسِكم
стр. 203
-والعِياذُ بالله تعالى- في الدُّنيا تَجِد يَأتي إليه المُستكْبِر هذا الرئيسُ يَدعوه بلُطْف تامٍّ، وفي الآخِرة يَلعَن بعضُهم بعضًا، وَيتبَرَّأ بعضُهم من بعضٍ.
وانظُرْ إلى مَلِك غسَّانَ لمَّا بلَغه أن النبيَّ ﷺ هجَرَ كَعْبَ بنَ مالِكٍ ﵁ أَرسَل إليه خِطابًا لطيفًا رَقيقًا وقال له: إنه بلَغَنا أن صاحِبَك قد هجَرَك، فأْتِ إلينا نُواسِكَ (١). انظُرْ إلى التَّلطُّف! ! ولكن لم يَنخَدِع كَعْبٌ ﵁، لإيمانه، وخاف أن يَنخَدِع في المُستَقبَل فذهَبَ إلى التّنُّور وأَوْقَد هذه الورَقةَ، وهكذا كل شيء تَخشَى على نَفْسك منه في المُستَقبَل يَجِب عليك أن تُتْلِفَه، لا تَقُلْ: إني الآنَ ما يُمكِن أن أَفعَل هذا الشيءَ أبَدًا، ولا يُمكِن أن أَضِلَّ به، صحيح أنك في بادِئ البَدْء قد لا تَنخَدِع، لكنَّ الشيطان يَعمَل عمَله، ولهذا يَجِب عليك أن تُتْلِفَ كُلَّ ما تَخشَى أن تَكون عاقِبَتُه عليك وخيمةً.
الحاصِلُ: أنَّ هؤلاءِ في الآخِرة ما يَتوَدَّدون ولا يَتَلطَّفون ولا يَفهَمون هؤلاءِ الأَتباعَ.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ والإجرام هو الذَّنْب الذي لا يَرتَفِع.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن هؤلاءِ الرُّؤَساءَ كانوا مُستكْبِرين مُستَعْلين على المَرؤُوسين؛ لقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيانُ تَبرُّؤِ المَتبوعين من الأَتْباع، لقولهم: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ
стр. 204
الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾، ويُشير إلى هذا في قوله تعالى في سُورة البقَرة: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ [البقرة: ١٦٦]، وقوله عن إبراهيمَ ﵇ حين قالَ لقَوْمه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥].
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: دَليلٌ على أن الهُدَى قد تَبيَّن لهؤلاءِ الكُفَّارِ، لقوله تعالى: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾، وهذا إقرار مِنهم واعتِراف بأن الهُدَى قد جاء، ولكِنَّهم استَحبُّوا العَمَى على الهُدَى، نَسأَل الله العافِيةَ! .
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الإِجْرام لهؤلاءِ الأَتباعِ من مَتبوعيهم، حيث قالوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾، فأنتم الذين فعَلْتم هذا بأَنفُسكم، فلا تَلوموننا ولُوموا أَنفُسكم، وهو نَظيرُ قوله : ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
стр. 205
الآية (٣٣)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [سبأ: ٣٣].
* * *
وقوله : ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إضراب على إضرابهم، فأولئك: قالوا: ﴿بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ﴾ إضراب عَنْ قولهم: ﴿لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ﴾ فأَضرَبوا عنهم، يَعنِي: قابَلوهم بإضرابٍ آخَرَ، قالوا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ أي: مَكْرٌ فيهما مِنكم بِنا، مَكْر الليل والنهار، و (مَكْر) هنا مُضاف إلى الليل، على تقدير (فِي)؛ لأنَّ الإضافة قد تَكون على تقدير (مِنْ)، وعلى تَقدير اللام، وعلى تَقدير (فِي)، فإن كان الأوَّل من الثاني؛ يَعنِي بأن كان الثاني جِنْسًا للأَوَّل، فهو على تقدير (مِن)، وإذا كان الثاني ظَرْفًا للأوَّل فهو على تقدير (فِي)، وما عدا ذلك فعلى تقدير اللَّام.
وتَكون الإضافة على تقدير (مِن) إذا كان الثاني جِنْسًا للأَوَّل، وعلى تقدير (فِي) إذا كان الثاني ظَرْفًا للأَوَّل، وعلى تَقدير اللَّام فيما عدا ذلك، نحو: خاتَمُ حديد، على تقدير (مِنْ)، ومِثاله: ثَوْبُ خَزٍّ، على تقدير (مِن).
وعلى تقدير (فِي): مَكْرُ الليلِ، أي: مَكْرٌ في الليل.
стр. 206
ما هو المكْر؟
قالوا في تَعريف المَكْر: إنَّه التَّوصُّل بالأسباب الخَفِيَّة إلى الإيقاع بالمُقابِل؛ يَعنِي: بالذي قابَلَك، أو إن شِئْت فقُلْ: بالخَصْم. و (مَكْر الليلِ) أُضيف المَكْر هُنا إلى اللَّيل؛ لأنَّه ظَرف، والنَّهار كذلك.
أمَّا من أيِّ جِهة وقَع هذا المكْرُ فهو من المُستكبِرين؛ ولهذا قال ﵀: [مَكر فيهما مِنكم بنا] يَعنِي: أنتم تمَكُرون بنا ليلًا ونَهارًا، تَأتون إلينا تَخدَعوننا تَقولون -مثَلًا-: محُمَّد فيه كذا، ومحُمَّد فيه كذا، ومحُمَّد لن يَنتَصِر، ومحُمَّد خالَف آباءَه، ومحُمَّد سبَّ آلِهَتَنا؛ وما أَشبَه ذلك، وهكذا عادة الرُّؤَساء بالنسبة للأَتْباع يَأتون بهم على سبيل المكْر والخِداع؛ وزعيمهم في ذلك إبليسُ حيث قاسَمَ آدَمَ وحواءَ؛ قاسَمَهما: إني لكما من الناصِحين، يَعنِي: أَقسَم لكُلِّ واحِد منهما، قال : ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ [الأعراف: ٢١ - ٢٢]، فهؤلاء الكُفَّارُ المُستكبِرون السادة والرُّؤَساء لا يُمكِن أن يَخدَعوا هؤلاء إلَّا بمَكْر؛ لأن الحقَّ مَقبول لدى الفِطَر، ولا يُمكِن صدُّ هذه الفِطْرةِ إلَّا بخِداع ومَكْر.
فلهذا انتَبِهوا لدعوة أهل الشَّرِّ والفَساد فإنهم لن يَأتوا إليكم وَيقولوا -مثَلًا-: ازنُوا! اشرَبوا الخَمْر! ولكنهم يُخادِعون، وَيأتون بأسباب الزِّنا وطُرُق الزِّنا بسبيل التَّقدُّم والحُرِّية والمُساواة وما أَشبَه ذلك؛ فمثَلًا: خلُّوا المَرأةَ تَخرُج للسُّوق مُتبَرِّجةً، وخلِّها تُشارِك الإنسان في العمَل، ودعوها تُشارِكه في الدِّراسة ودعوها تكون إلى جَنْبه في الكُرسيِّ، فأنتم إذا جعَلْتم المرأةَ تُخالِط الرَّجُل وتمَشِي معه زالت الغَريزة الجِنْسية في نفوس كل واحد منهما، لأنه سيَكون الأمر عاديًّا بينهما، فجُلوسه لجَنْب امرأة كجُلوسه بجانب ذكَرٍ، لكن إذا حبَسْتم ذلك وقُلْتم: إن الرجال هنا
стр. 207
والنِّساء هنا. اشتاقَتْ نُفوس كلِّ واحِد منهم إلى الآخَر، وحينئذٍ يَزداد طلَبُ الرجُل للمرأة والمرأةِ للرجُل! !
وانظُرْ كيف هذا الخِداعُ؟ ! وما علِموا أنهم إذا اختَلَطوا حصَل الزِّنا، بل لمُجَرَّد الاختِلاط تَحصُل مَفسَدة وما حصَلت الحوامِلُ سِفاحًا والعاهِراتُ والفاجِراتُ إلَّا بالاختِلاط، لكِنَّ هؤلاءِ الدُّعاةَ إلى الشَّرِّ يَمكُرون بالناس؛ لأنهم لو أَتَوْا بالبَشِع على وجهه هكذا نفَرَت منه النُّفوس، ولا قبِلَته، لكن يَأتون بصِيغة المَكْر والخِداع والمُبرِّرات الفاسِدة حتى يَقبَله ضُعفاء النفوس، ومَن ليس عندهم نظَر عَميق.
فالسَّطْحيُّون يَقبَلون مثل هذا الغُرورِ، ولكِنَّ المُتعمِّقين في النظَر يَرفُضون هذا رَفضًا باتًّا، وَيقولون: إن تَلبُّس هَؤلاءِ بالإِصْلاح ما هو إلَّا خِداع ومَكْر؛ هذا مَعنَى قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
ففي هذا من الفَوائِدِ: دليل أن الرُّؤَساء يَدْعون ليلًا ونَهارًا لا يَسأَمون لباطِلهم وصَدِّ الناس عن دِين الله ، وأَهْلُ الخير نائِمون إلَّا مَن رَحِم الله -لكن غالِب دُعاة الخير مع الأَسَف نائِمون، وليس عِندهم اليَقَظةُ أيضًا- فليس عِندهم اليَقَظة لمَكْر هؤلاء الماكِرين الخادِعين، يَأخُذون بالظاهِر، ولا يَعلَمون أن هؤلاءِ الخُبَثاءَ شَرٌّ من الذين يَتَظاهَرون بالسُّوء؛ ولهذا قال الله في المُنافِقين: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]، وأَتَى بالجُمْلة المُفيدة للحَصْر ﴿هُمُ الْعَدُوُّ﴾، وقد تَقدَّم أنه إذا عُرِّف الرُّكْنان في الجُمْلة الخَبَرية صارَت دالَّةً على الحصْر. نَسأَل الله تعالى لنا ولكُمُ العافِية والسلامة.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا﴾: ﴿إِذْ﴾ هذه ظَرْف بمَعنَى: وَقْت؛ يَعنِي: وقت أَمْرِكم إيَّانا تَأمُروننا، وانظُرْ إلى قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَنَا﴾ كيف
стр. 208
يُفهِم بأن هؤلاء الذين استكْبروا وهُمْ الرُّؤَساء ليسوا يُشيرون عليهم إِشارة، وإنما يَأمُرونهم أَمرًا؛ لأنهم يَعتَقِدون أن لهم السُّلْطةَ عليهم، وفَرْق بين الأَمْر المُقتَضِى لاستِعْلاء الآمِر ومُعاقَبة المأمور إذا خالَف وبين المَشْورة؛ لأن المُشير ليس يَأمُر أَمْرًا، ولكنه يَعرِض الشيء على سبيل التَّزيِين لصاحِبه، أمَّا أَنْ يَأمُره أمرًا فلا.
وهنا قال تعالى: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ نَسأَل الله تعالى العافيةَ! هذا من أشَذَ المُنكَر أن يَأمُر الإنسان غيرَه بالكُفْر ﴿أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾، والكُفْر بالله تعالى يَدور على شَيْئين: تَكذيب بالخَبَر، واستِكْبار عن الطلَب، فالكُفْر يَدور على هذين الأمرين: إمَّا تَكذيب بالخَبَر، وإمَّا استِكْبار عن الطلَب، يَعنِي: تَرْك الأَمْر، وفِعْل النَّهْي.
ومن ذلك التكذيبِ بالخبَر إنكارُ الله تعالى بالكُلِّية بأَنْ لا يُصدِّق الإنسان بوُجود الله أَوْ لا يُصدِّق برُبوبيته أو بأُلوهِيَّته أو بأسمائه وصِفاته.
وقوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ أَيْ: [شُرَكاءَ] ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ الأَنْداد جَمْع نِدٍّ، والنِّدُّ هو النَّظير، وجَعْلُ الأنداد لله تعالى شِرْك؛ ولهذا فَسَّر المُفَسِّر ﵀ الأَنداد بأنه الشُّرَكاء، وفي قوله تعالى: ﴿وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ دليلٌ على أنهم لم يَكفُروا بالله، أَيْ: بوُجوده، لكن كفَروا بحُقوقه؛ لأن لازِمَ جَعْل الأنْداد: أن يَكون هناك شَيْء مَوْجود له نِدٌّ.
وقوله ﵀: [﴿وَأَسَرُّوا﴾ أَيِ: الفَريقان ﴿النَّدَامَةَ﴾ على تَرْك الإيمان به] ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ فسَّرَها بعض العُلَماء بـ (أَظهَروا) فمَعنَى ﴿وَأَسَرُّوا﴾: أَظهَروا سِرَّهم في النَّدامة، وفسَّرها آخَرون بـ (أَخفَوُا) النَّدامة؛ أمَّا الذين فسَّروا أسَّروا بـ (أَخْفَوْا) فظاهِر جِدًّا؛ لأننا نَعرِف جميعًا أن الإسرار بمَعْنى الإِخْفاء؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾ [الرعد: ٢٢]، وأمَّا مَن فسَّرَه بـ (أَظهَروا) فقالوا:
стр. 209
إن (أَسَرَّ) من أفعال الأَضْداد؛ لأن في اللغة العَرَبية أفعالًا تَدُلُّ على المعنى وضِدِّه، تُسمَّى الأضداد.
وقد ألَّفَ عُلَماء اللغة العربية بذلك كُتُبًا سمَّوْها (الأضداد في اللغة)، يَأتون بالكلِمة ويُبيِّنون مَعناها الذي يَتَضمَّن الشيء وضِدَّه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾ [التكوير: ١٧] قال بَعْضهم: مَعناها: (أَدبَرَ)، وقال آخَرون: مَعناه: (أَقبَل)، ومعلومٌ أن (أَدبَرَ) و (أَقبَلَ) ضِدَّانِ.
وأيُّهما أقرَبُ إلى الصواب في هذه الآيةِ: (أَسَرَّ) بمعنى: (أَخفَى) أو (أَسَرَّ) بمَعنى: (أَظهَرَ)؟
الجوابُ: بمَعنَى: (أَخفَى)، ولا يُمكِن أن نَجمَع بين القَوْلين إلَّا إذا نزَّلْناهما على اختِلاف حالين، أو على اختِلاف شَخْصين، على اختِلاف حالين: بمعنى أنهم أحيانًا يُخفُون وأحيانًا يُعلِنون، أو باختِلاف شَخْصين: بمعنى أن بعضَهم يُسِرُّ وبعضهم يُعلِن، أمَّا أن نَحمِلها على المَعنيَيْن في آنٍ واحِد من شخص واحِد فهذا لا يُمكِن؛ للتَّضادِّ -جمع بين ضِدَّيْن- وهذا مُستَحيل؛ وللنَّظَر أيُّهما أَوْلى بالصَّواب:
قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ يَعنِي: أَخفَوْها حين رأَوُا العذاب؛ وأَخْفَوْها حين رأَوُا العذاب لأَجْل أَنْ لا يُعاب عليهم فيَظهَر للناس أنهم نادِمون على ما صنَعوا وهذا دائِمًا يَقَع حتى في أمور الدُّنيا إذا عرَف الإنسان أنه أَخطَأ في تَصرُّف ما: تَجِده يُخفِي خَطَأه ولا يُظهِر أنه نادِم، ولا أنه مُكتَرِث بهذا الشيءِ، قال الشاعر:
وَتجُلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... أَنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتضَعْضَعُ (١)
стр. 210
فبعضُ الناس يَتحمَّل ولا يُرِي غيرَه أنه نادِم، أو أنه ضجِر، أو ما أَشبَهَ ذلك.
ويُقال: إن رجُلًا عاد شَخْصًا مريضًا، وكان هذا المريضُ مُدنفًا أيْ: مرَضه شديد، فقال له: كيفَ حالُكَ؟ فقال: الحمد لله طيِّب، وأنا -يَفتَخِر بنفسه كما قال الشاعِرُ:
وَتجلُّدِي لِلشَّامِتِينَ أُرِيهِمُ ... إنِّي لِرَيْبِ الدَّهْرِ لَا أَتَضَعْضَعُ
فقال له الذي عادَه: ولكِن:
وَإِذَا المَنِيَّةُ أَنْشَبَتْ أَظْفَارَهَا ... أَلْفَيْتَ كُلَّ تَميمَةٍ لَا تَنْفَعُ (١)
يَعنِي: لو تَجلَّدْت وقبِلت الموت لا يَنفَع ذلك.
والشاهِد: أن الذين قالوا: (أَسَرُّوا) بمَعنَى: (أَخْفَوْا). قا لوا ذلك لِئَلَّا يُعابوا على ما صنَعوا.
أمَّا الذين قالوا: (أَسَرُّوا) بمَعنَى (أَظهَروا). فقالوا: إن الآياتِ كثيرةٌ تَدُلُّ على ندَمهم، وأنهم أَظهَروا ذلك ونَدِموا على ما صنَعوا، ولكن ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ [ص: ٣].
وقوله ﵀: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ﴾ على تَرْك الإيمان به] الذي أَسَرَّهُمُ الفَريقان -كما قال المُفَسِّر ﵀: الذين استكْبروا والذين استُضْعِفوا.
وقوله : ﴿لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾: ﴿لَمَّا﴾ بمَعنَى (حِين)، وتَقدَّم قريبًا أن ﴿لَمَّا﴾ تَأتِي في اللغة العربية على أربَعة أَوْجُهٍ.
стр. 211
والرُّؤْية هنا بصَرية، أَيْ: عايَنوه بأَعيُنهم وأَسرُّوا النَّدامة، لكن والله لا يَنفَع النَّدَم حينذاك، فالنَّدَم حين يَرَى الإنسانُ العذابَ لا يَنفَعه، إنما يَنفَع قبل أن يَرَى العذاب، قال ﵀: [أَيْ: أَخفاها كلٌّ عن فَريقه مَخافةَ التَّعيير] واضِحٌ أن المُفَسِّر ﵀ فسَّر (أَسَرُّوا) بمَعنَى: (أَخْفَوْا).
وقوله ﵀: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ ﴿وَجَعَلْنَا﴾ بمَعنَى: (صيَّرْنا) أَيْ: صيَّرْنا الأغلالَ.
والأغلالُ جمع غُلٍّ، وهو ربط اليَدين بعضها إلى بعض، وتَعليقهما في العُنُق، نَسال الله العافيةَ! ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وأعناق جَمْع عُنُق وهي الرقَبة.
وقوله: ﴿فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ هل هم الذين استكْبروا أو الذين استُضْعفوا؟
الجوابُ: كلا الفَريقين؛ لأن هؤلاءِ كُفار دُعاةٌ إلى الضلال، وأُولئك كُفَّارٌ مُقلِّدون بعد أن جاءَهُم الحقُّ؛ ولهذا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ فالكُلُّ كافِر، فجعَل الله تعالى الأغلالَ في عُنُق هؤلاءِ وهؤلاءِ، فهل نفَعَتْ أحَدًا منهم محُاجَجَتُه؟ أَبَدًا، وإنما هو من أَجْل إظهار العَداوة بينهم، كما قال الله ﵎ عن إبراهيمَ ﵇ حين قالَ لقَوْمه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]؛ قال : ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، فهذه حالُ أهل النار يومَ القِيامة أعداءٌ، ولَعْن وسَبٌّ وشَتْم.
ولكنِ المُتَّقُون -اللهمَّ اجْعَلْنا وإيَّاكم مِنهم- على العَكْس من ذلك يقول الله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]
стр. 212
وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وقال : ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال ﵀: [﴿هَلْ﴾ ما]، يَعني: أنها بمَعنى: (ما)، أي: أن الاستِفهام هنا بمَعنى النَّفيِ: هل يُجزَوْن إلَّا جزاءَ ما كانوا يَعمَلون، يَعنِي: هل يُكافَؤُون إلَّا على ما عمِلوا فقَطْ، والله لا يَظلِم أحَدًا.
فالاستِفْهام هنا بمَعنَى النفيِ، وقد تَقدَّم: أن النفيَ إذا صيغ بصيغة الاستِفْهام كان مُشرَبًا معنَى التَّحدِّي، يَعنِي: أنه لا يُمكِن أبدًا أن يُجزِيَ أحَدًا إلَّا ما عمِل.
وهنا قال : ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، والمُفَسِّر ﵀ أَضمَر مَحذوفًا قال: ﴿إلَّا﴾ جزاءَ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾]، وما في القرآن بلا شَكٍّ أبلَغُ وأشَدُّ؛ لأنه إذا قال: إلَّا جزاءَ ما كانوا يَعمَلون؛ فإنه قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إن الجزاءَ رُبَّما يَنقُص، وربَّما يَزيد، لكن إذا قال: ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كأنهم يُجزَوْن بالعمَل نفسه؛ كان ذلك أبلغَ في امتِناع الزيادة أو النَّقْص، فما في القرآن أَوضَحُ، يَعني: أبلَغَ.
أمَّا وجهُ كون المُفَسِّر ﵀ يَقول: [﴿إلَّا﴾ جَزاء]، فإنه يقول: إن الذي يَكون يومَ القِيامة ليس هو العمَلَ، ولكنه جزاء العمَل، ولكننا نَقول: إن كلام الله أَفصَحُ وأبلَغُ، يَعنِي: كأَنَّ العمَل نَفْسَه هو الذي يُجزَوْن به، فيكون ذلك أبلَغَ في العَدْل.
وقوله ﵀: ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنيا] المُفَسِّر ﵀ في قوله: [في الدُّنْيا، أَفادَنا أن (كان) هنا للماضِي المُحقَّق، وقد تَقدَّم أن (كان) يُراد بها مجُرَّد اتِّصاف اسمها بخبَرها، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ليس المَعنَى: كان فيما مضَى، بلِ المَعنَى أنه لم يَزَل ولا يَزال كذلك.
стр. 213
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن هَؤلاءِ الرُّؤَساءَ كانوا يَدْعون -بَلْ يَأمُرون- هؤلاءِ الضُّعَفاءَ ليلًا ونَهارًا؛ لقولهم: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هَؤلاءِ المَتبوعين يَتوصَّلون إلى أَتباعهم بالمَكْر والخِداع حيث قالوا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فهُمْ يَمكُرون بهم، حيث يُوحِي بعضُهم إلى بعض زُخرَف القول غُرورًا، وإلَّا فهم يَعلَمون أنهم بمُخالَفتهم للرُّسُل على باطِل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الشِّرْك كُفْر؛ لقولهم: ﴿أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، وليس كُلُّ كُفْر شِرْكًا، فكُلُّ شِرْك كُفْرٌ، وليس كُلُّ كُفْر شِركًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هؤلاءِ الرُّؤَساءَ قد فرَضوا سَيْطَرتهم وسُلطانَهم على هؤلاء الأَتْباع فَرْضًا لا محَيدَ لهم عنه؛ لقولهم: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾، فهُمْ عندما يَدْعونهم لا يَقولون مثَلًا: إن الكُفْر حسَنٌ، وإن اتِّخاذ الشُّرَكاء حَسَن. وما أَشبَه ذلك، بل يَقولون: اكْفُروا! لأن الأَمْر كما تَقدَّم هو طلَبُ الفِعْل على وجهِ الاستِعْلاء.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحريم النِّدِّ لله ، أَيْ: تَحريم جَعْل النِّدِّ لله؛ لأن قولهَم: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ يُعتبر ذِكْرًا لأسباب العَذاب ولا شَكَّ فيه.
ولكن الشِّرْك -كما هو مَعلوم- أنواعٌ: شِرْك أكبَرُ مخُرِج عن المِلَّة، وشِرْك أصغَرُ لا يَخرُج، وشِرْك ظاهِر بَيِّن وشِرْك خَفِيٌّ لا يَبِين، ثُم الخَفاء والظُّهور قد يَكون باعتِبار ظُهوره للناس، وقد يَكون باعتِبار ظُهور كونه شِرْكًا، يَعنِي: يَخفَى على الناس أن هذا الرجُلَ مُشرِك؛ فالرِّياء مثَلًا يَخفَى على الناس؛ لأن محَلَّه القَلْب، وهو لا يَعلَم به إلَّا الله ، والحلِف بغير الله ممَّنِ اعتاده هذا خَفيٌّ، لكن ليس من حيثُ ظُهوره
стр. 214
للناس؛ لأن الناس يَسمَعونه ولكن من حيث ظُهور حُكْمه، ولكِنْ كثير من الناس -ولا سِيَّما مَنِ اعتاد الحَلِف بغير الله- يَظُنُّون أن الحَلِف بغير الله تعالى ليس به بَأس.
وهناك شِرْك ظاهِر أنه شِرْك، وظاهِر للناس أيضًا، كعِبادة الأصنام، فكُلُّنا يَعرِف أنها شِرْك، لكن من المُشرِكين مَن يَتعلَّل بأن هذه الأصنامَ يُريد بها أن تَكون شُفَعاءَ، لا أنها هي نَفسُها تَنفَع أو تَضُرُّ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن النَّدَم عند رُؤْية العَذاب لا يَنفَع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فلَمْ يَنتَفِعوا بإظهار النَّدامة، ولا بإِسْرارها في نُفوسهم أيضًا، أمَّا النَّدَم قبل رُؤية العذاب فهو تَوْبة، إذا أصلَح العمَل تاب الله عليه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن من جُملة ما يُعذَّب به هؤلاءِ: أنَّ أيدِيَهم تُغَلُّ في أعناقهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: بَلاغة القُرآن، حيث يَدُلُّ على المَعنَى باختِصار ووضوحٍ فهنا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يَقُلِ: الذين استُضعِفوا، أو الذين استكْبَروا. بل قال الذين كفَروا؛ ليَعُمَّهم وَيعُمَّ غيرَهم أيضًا ممَّن كان كافِرًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الله لا يَظلِم أحَدًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الجَزاء من جِنْس العمَل، فيُجازَى الإنسان بمِثْل عمَله تمامًا، وقد بَيَّن الله تعالى في آيات أُخَرَ أن الحسَنة بعَشْرة أمثالها إلى سَبْع مِئة ضِعْف، وأن السَّيِّئة لا يُجزَى الإنسان إلَّا مِثلها فقَطْ.
стр. 215
الآية (٣٤)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤].
* * *
قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ قال ﵀: [رُؤَساؤُها المُنعَّمون] ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ المُراد بالقرية البلَد سواءٌ كان كبيرًا أم صغيرًا؛ لأنه مَأخوذ من الجمْع، فالقَرْية سُمِّيَت بقَرْية؛ لأنها تَجمَع الناس، وإن كان العُرْف عندنا الآنَ أن القَرْية هي البلَدُ الصغير، لكن هذا عُرْف حادِث، والقَرْية في اللغة تَشمَل البلد الكبير أو الصغير؛ قال الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣]، مع أن مكَّةَ أُمِّ القُرى، وسمَّاها الله تعالى قَرْية.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾، المُراد بالنَّذير النبيُّ، ﴿نَذِيرٍ﴾ نَكِرة في سِياق النَّفيِ، وهذا من باب تَأكيد العُموم.
وقوله : ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾، وبيَّن المُفَسِّر ﵀ أن الاِتْراف بمَعنَى: التَّنعيم، يَعنِي: إلَّا مَن نُعِّموا في الدنيا كذا وكذا، والتَّرَف سبَب للتَّلَف، قال الله : ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٥].