والرُّؤْية هنا بصَرية، أَيْ: عايَنوه بأَعيُنهم وأَسرُّوا النَّدامة، لكن والله لا يَنفَع النَّدَم حينذاك، فالنَّدَم حين يَرَى الإنسانُ العذابَ لا يَنفَعه، إنما يَنفَع قبل أن يَرَى العذاب، قال ﵀: [أَيْ: أَخفاها كلٌّ عن فَريقه مَخافةَ التَّعيير] واضِحٌ أن المُفَسِّر ﵀ فسَّر (أَسَرُّوا) بمَعنَى: (أَخْفَوْا).
وقوله ﵀: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ ﴿وَجَعَلْنَا﴾ بمَعنَى: (صيَّرْنا) أَيْ: صيَّرْنا الأغلالَ.
والأغلالُ جمع غُلٍّ، وهو ربط اليَدين بعضها إلى بعض، وتَعليقهما في العُنُق، نَسال الله العافيةَ! ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وأعناق جَمْع عُنُق وهي الرقَبة.
وقوله: ﴿فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ هل هم الذين استكْبروا أو الذين استُضْعفوا؟
الجوابُ: كلا الفَريقين؛ لأن هؤلاءِ كُفار دُعاةٌ إلى الضلال، وأُولئك كُفَّارٌ مُقلِّدون بعد أن جاءَهُم الحقُّ؛ ولهذا قال: ﴿أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ﴾ فالكُلُّ كافِر، فجعَل الله تعالى الأغلالَ في عُنُق هؤلاءِ وهؤلاءِ، فهل نفَعَتْ أحَدًا منهم محُاجَجَتُه؟ أَبَدًا، وإنما هو من أَجْل إظهار العَداوة بينهم، كما قال الله ﵎ عن إبراهيمَ ﵇ حين قالَ لقَوْمه: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]؛ قال : ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: ٣٨]، فهذه حالُ أهل النار يومَ القِيامة أعداءٌ، ولَعْن وسَبٌّ وشَتْم.
ولكنِ المُتَّقُون -اللهمَّ اجْعَلْنا وإيَّاكم مِنهم- على العَكْس من ذلك يقول الله : ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: ٤٧]
стр. 212
وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٦٧].
وقال : ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، قال ﵀: [﴿هَلْ﴾ ما]، يَعني: أنها بمَعنى: (ما)، أي: أن الاستِفهام هنا بمَعنى النَّفيِ: هل يُجزَوْن إلَّا جزاءَ ما كانوا يَعمَلون، يَعنِي: هل يُكافَؤُون إلَّا على ما عمِلوا فقَطْ، والله لا يَظلِم أحَدًا.
فالاستِفْهام هنا بمَعنَى النفيِ، وقد تَقدَّم: أن النفيَ إذا صيغ بصيغة الاستِفْهام كان مُشرَبًا معنَى التَّحدِّي، يَعنِي: أنه لا يُمكِن أبدًا أن يُجزِيَ أحَدًا إلَّا ما عمِل.
وهنا قال : ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، والمُفَسِّر ﵀ أَضمَر مَحذوفًا قال: ﴿إلَّا﴾ جزاءَ ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾]، وما في القرآن بلا شَكٍّ أبلَغُ وأشَدُّ؛ لأنه إذا قال: إلَّا جزاءَ ما كانوا يَعمَلون؛ فإنه قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: إن الجزاءَ رُبَّما يَنقُص، وربَّما يَزيد، لكن إذا قال: ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ كأنهم يُجزَوْن بالعمَل نفسه؛ كان ذلك أبلغَ في امتِناع الزيادة أو النَّقْص، فما في القرآن أَوضَحُ، يَعني: أبلَغَ.
أمَّا وجهُ كون المُفَسِّر ﵀ يَقول: [﴿إلَّا﴾ جَزاء]، فإنه يقول: إن الذي يَكون يومَ القِيامة ليس هو العمَلَ، ولكنه جزاء العمَل، ولكننا نَقول: إن كلام الله أَفصَحُ وأبلَغُ، يَعنِي: كأَنَّ العمَل نَفْسَه هو الذي يُجزَوْن به، فيكون ذلك أبلَغَ في العَدْل.
وقوله ﵀: ﴿إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ في الدُّنيا] المُفَسِّر ﵀ في قوله: [في الدُّنْيا، أَفادَنا أن (كان) هنا للماضِي المُحقَّق، وقد تَقدَّم أن (كان) يُراد بها مجُرَّد اتِّصاف اسمها بخبَرها، مثل قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ليس المَعنَى: كان فيما مضَى، بلِ المَعنَى أنه لم يَزَل ولا يَزال كذلك.
стр. 213
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن هَؤلاءِ الرُّؤَساءَ كانوا يَدْعون -بَلْ يَأمُرون- هؤلاءِ الضُّعَفاءَ ليلًا ونَهارًا؛ لقولهم: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن هَؤلاءِ المَتبوعين يَتوصَّلون إلى أَتباعهم بالمَكْر والخِداع حيث قالوا: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فهُمْ يَمكُرون بهم، حيث يُوحِي بعضُهم إلى بعض زُخرَف القول غُرورًا، وإلَّا فهم يَعلَمون أنهم بمُخالَفتهم للرُّسُل على باطِل.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن الشِّرْك كُفْر؛ لقولهم: ﴿أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، وليس كُلُّ كُفْر شِرْكًا، فكُلُّ شِرْك كُفْرٌ، وليس كُلُّ كُفْر شِركًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن هؤلاءِ الرُّؤَساءَ قد فرَضوا سَيْطَرتهم وسُلطانَهم على هؤلاء الأَتْباع فَرْضًا لا محَيدَ لهم عنه؛ لقولهم: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾، فهُمْ عندما يَدْعونهم لا يَقولون مثَلًا: إن الكُفْر حسَنٌ، وإن اتِّخاذ الشُّرَكاء حَسَن. وما أَشبَه ذلك، بل يَقولون: اكْفُروا! لأن الأَمْر كما تَقدَّم هو طلَبُ الفِعْل على وجهِ الاستِعْلاء.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَحريم النِّدِّ لله ، أَيْ: تَحريم جَعْل النِّدِّ لله؛ لأن قولهَم: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ يُعتبر ذِكْرًا لأسباب العَذاب ولا شَكَّ فيه.
ولكن الشِّرْك -كما هو مَعلوم- أنواعٌ: شِرْك أكبَرُ مخُرِج عن المِلَّة، وشِرْك أصغَرُ لا يَخرُج، وشِرْك ظاهِر بَيِّن وشِرْك خَفِيٌّ لا يَبِين، ثُم الخَفاء والظُّهور قد يَكون باعتِبار ظُهوره للناس، وقد يَكون باعتِبار ظُهور كونه شِرْكًا، يَعنِي: يَخفَى على الناس أن هذا الرجُلَ مُشرِك؛ فالرِّياء مثَلًا يَخفَى على الناس؛ لأن محَلَّه القَلْب، وهو لا يَعلَم به إلَّا الله ، والحلِف بغير الله ممَّنِ اعتاده هذا خَفيٌّ، لكن ليس من حيثُ ظُهوره
стр. 214
للناس؛ لأن الناس يَسمَعونه ولكن من حيث ظُهور حُكْمه، ولكِنْ كثير من الناس -ولا سِيَّما مَنِ اعتاد الحَلِف بغير الله- يَظُنُّون أن الحَلِف بغير الله تعالى ليس به بَأس.
وهناك شِرْك ظاهِر أنه شِرْك، وظاهِر للناس أيضًا، كعِبادة الأصنام، فكُلُّنا يَعرِف أنها شِرْك، لكن من المُشرِكين مَن يَتعلَّل بأن هذه الأصنامَ يُريد بها أن تَكون شُفَعاءَ، لا أنها هي نَفسُها تَنفَع أو تَضُرُّ.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن النَّدَم عند رُؤْية العَذاب لا يَنفَع؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، فلَمْ يَنتَفِعوا بإظهار النَّدامة، ولا بإِسْرارها في نُفوسهم أيضًا، أمَّا النَّدَم قبل رُؤية العذاب فهو تَوْبة، إذا أصلَح العمَل تاب الله عليه.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أن من جُملة ما يُعذَّب به هؤلاءِ: أنَّ أيدِيَهم تُغَلُّ في أعناقهم؛ لقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنةُ: بَلاغة القُرآن، حيث يَدُلُّ على المَعنَى باختِصار ووضوحٍ فهنا قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ولم يَقُلِ: الذين استُضعِفوا، أو الذين استكْبَروا. بل قال الذين كفَروا؛ ليَعُمَّهم وَيعُمَّ غيرَهم أيضًا ممَّن كان كافِرًا.
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أن الله لا يَظلِم أحَدًا؛ لقوله تعالى: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أن الجَزاء من جِنْس العمَل، فيُجازَى الإنسان بمِثْل عمَله تمامًا، وقد بَيَّن الله تعالى في آيات أُخَرَ أن الحسَنة بعَشْرة أمثالها إلى سَبْع مِئة ضِعْف، وأن السَّيِّئة لا يُجزَى الإنسان إلَّا مِثلها فقَطْ.
стр. 215
الآية (٣٤)
* * *
* قالَ الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ [سبأ: ٣٤].
* * *
قال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ قال ﵀: [رُؤَساؤُها المُنعَّمون] ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ المُراد بالقرية البلَد سواءٌ كان كبيرًا أم صغيرًا؛ لأنه مَأخوذ من الجمْع، فالقَرْية سُمِّيَت بقَرْية؛ لأنها تَجمَع الناس، وإن كان العُرْف عندنا الآنَ أن القَرْية هي البلَدُ الصغير، لكن هذا عُرْف حادِث، والقَرْية في اللغة تَشمَل البلد الكبير أو الصغير؛ قال الله : ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: ١٣]، مع أن مكَّةَ أُمِّ القُرى، وسمَّاها الله تعالى قَرْية.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾، المُراد بالنَّذير النبيُّ، ﴿نَذِيرٍ﴾ نَكِرة في سِياق النَّفيِ، وهذا من باب تَأكيد العُموم.
وقوله : ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾، وبيَّن المُفَسِّر ﵀ أن الاِتْراف بمَعنَى: التَّنعيم، يَعنِي: إلَّا مَن نُعِّموا في الدنيا كذا وكذا، والتَّرَف سبَب للتَّلَف، قال الله : ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: ٤١ - ٤٥].
стр. 216
وانظُرْ إلى التَّرَف ماذا يُسبِّب؟ يُسبِّب الكِبْرياءَ، ورَدَّ الحقِّ، وعدَمَ الإيمان بالرُّسُل.
قال تعالى: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ الخِطاب في ﴿أُرْسِلْتُمْ﴾ للرُّسُل الذي عبَّر عنهم بقوله فيما سبَقَ: ﴿مِنْ نَذِيرٍ﴾.
وقوله : ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾ عِندنا حَرْفَا جرٍّ ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ و ﴿بِهِ﴾، وَيتعلَّق الجارُّ الأوَّلُ ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ بقوله تعالى: ﴿كَافِرُونَ﴾، وقُدِّم عليه للحَصْر، كأنهم قالوا: لا نَكفُر بشيء إلَّا بما أُرسِلْتم به، وهذا من المُبالَغة في العُدوان، نَسأَل الله تعالى العافِيةَ! .
أمَّا الثاني ﴿بِهِ﴾ فمُتعلِّق بـ (أُرسِل)، وقُدِّم المُتعلِّق على المُتعلَّق في ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾؛ لسَبَبين: مَعنوِيٍّ ولَفْظيٍّ: المَعنويُّ: إفادةُ الحصْر، واللَّفْظيُّ مُراعاة فواصِل الآيات؛ لأننا نَرى أن الله يَأتي بالأشياء التي فيها مُراعاة الفَواصل حتى، وإن لزِمَ أن يُقدَّم المُؤخَّر ويُؤخَّر المُقدمَّ، ففي سوره طه: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه: ٧٠]، مع أن مُوسى أَفضَلُ من هارونَ ﵉، لكن أُخِّر مُراعاةً لفَواصِل الآيات.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن الله بعَث في قرية نذيرًا؛ لقوله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ﴾ وقد دَلَّ على ذلك آياتٌ مُتعدِّدة كما في قوله تعالى: ﴿إِوَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾.
стр. 217
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المُترَفين هم أهل البَلاء، ومِنهم يَصدُر الشَّرُّ في قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا﴾ إلى آخره.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: التحذير من التَّرَف، حيث كان التَّرَف سببًا للشَّرِّ والبَلاء والكُفْر، وقد كان النبيُّ ﷺ -فيما رَواه أبو داودَ- يَنهَى عن كثرة الإِرْفاهِ، وَيأمُرنا بالاحتِفاء أحيانًا؛ فهو لا يَنهَى عن الرفاهية مُطلَقًا، ولكن عن كَثْرتها، وَيأمُر بالاحتِفاء؛ ومَعنى الاحتِفاء: أن نَمشِيَ حُفاةً أحيانًا.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن الله قد أَعذَر إلى خَلْقه بإرْسال الرُّسُل؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ﴾ وهذا كقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥].
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: وَقاحةُ هؤلاءِ المُترَفين من وجوهٍ:
أوَّلًا: أنهم قالوا بكُلِّ صراحةٍ: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.
ثانيًا: أنهم أكَّدوا هذا الكُفرَ بقولهم: ﴿إنَّا﴾، و (إِنَّ) للتَّوْكيد.
ثالثًا: أنهم قدَّموا المَفعولَ -مَفعولَ الكُفْر- وهو قوله : ﴿بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾، كأنهم يَقولون للرُّسُل ﵈: إننا لا نَكفُر بشيءٍ سِوى ما أُرسِلْتم به؛ لأن المعروف أن تقديم المَفعول يُفيد الحَصْر.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أن تَكذيب هَؤلاءِ المُترَفين كان مع إقرارهم بأن هؤلاءِ رُسُلٌ، حيث قالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾.
فإن قلتَ: أفلا يُمكِن أن يَكون: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ﴾ يَعنِي: على زَعْمكم؟
فالجوابُ: أن الأصل في الكلام الحقيقةُ، وأن هذا إقرارٌ منهم أنهم أُرسِلوا، ولا غَرْوَ أن يَقوم الكافِر بالكُفْر المَبنيِّ على العِناد والاستِكْبار.
стр. 218
الآية (٣٥)
* قالَ الله : ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: ٣٥].
وقوله : ﴿وَقَالُوا﴾ يَعنِي: المُترَفون ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ [مِمَّن آمَن] ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾، افتَخَروا على هؤلاء؛ فقالوا: نحن أكثَرُ أموالًا وأولادًا وكثرة أَمْوالنا وأولادِنا -على زَعْمهم- تَدُلُّ على رِضا الله تعالى عنا إذ لو لم يَرْضَ عنَّا ما رزَقَنا الأموالَ والأولادَ.
وهذه الدَّعْوى سيُبَيِّن الله تعالى بُطلانَها، لكن هم زعَمُوا أن الله لم يُنعِم عليهم بهذه الأموالِ ولا الأَوْلاد إلا لأنَّهُم على حقٍّ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ يَحتَمِل نَفيَهم للعَذاب يَحتَمِل أَمْرين:
أحدُهما: أنهم يَدَّعون أنهم إذا بُعِثوا لن يُعذَّبوا وإن كانوا يُقرُّون بأصل العذاب.
الثاني: يَحتَمِل أن: نَفيَهم للعَذاب يُراد به نفيُ البَعْث، يَعنِي: لن نُبعَث فنُعذَّب كما زعَمْتم أيها الرُّسُل.
فهاهنا احتِمالان؛ الأوَّلُ: يَقولون: إن الله لن يُعذِّبنا؛ لأنه أنعَم علينا بالأموال والأولاد، والثاني: يُنكِرون البَعْث، يَعنِي: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾؛
стр. 219
لأننا لن نُبعَث، هذا واحِد، فما نحن بمُعذَّبين لأن الله تعالى قد رضِيَ عنَّا فلا يُعذِّبنا.
والواقِع أنهم يُنكِرون البَعْث؛ لأن مَن آمَن بالبَعْث لزِم من إيمانه أن يُؤمِن بالرُّسُل وَيلتَزِم بالشريعة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن هؤلاءِ المُترَفين افتَخَروا بما أَعطاهُمُ الله من كثرة الأموال والأولاد.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن الإنسان قد يَغتَرُّ بالنِّعْمة فيَبقَى على مَعْصيته؛ لأنهم قالوا: نحن أكثَرُ أموالًا وأولادًا فقد رَضِيَ الله عنَّا. ولكن هذا ليس دليلًا على رِضا الله عنهم.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هؤلاء الكُفَّارَ زعَموا بدَعْواهم أن الذي أَعطاهم نَعيم الدنيا سوف يُعطيهم نعيم الآخِرة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
وانظُرْ إلى قوله في آخِر سورة (فُصِّلت) حين ذَكَر أن الله تعالى إذا أَعطَى الإنسان رحمة من الله تعالى ويعمة يَقول: ﴿هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ [فصلت: ٥٠]، فهذا نَظير هذه الآيةِ؛ يَقولون: نحن أكثَرُ أموالًا وأَوْلادًا، وإن رجَعْنا إلى الله تعالى فإننا لن نُعذَّب، وهذا على أحد الاحتِمالَيْن، والاحتِمال الثاني أنَّ قولهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ أَيْ: أننا لن نُبعَث ونُعذَّب.
стр. 220
الآية (٣٦)
* قالَ الله : ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [سبأ: ٣٦].
قال الله آمِرًا رسولَه ﷺ أن يَرُدَّ عليهم: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾.
قال المفسر ﵀: [يُوسِّعه ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ امتِحانًا ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّقه لمَن يَشاء ابتِلاءً ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ أي: كُفَّار مَكَّةَ ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ ذلك] رَدَّ على هَؤلاء الذين قالوا: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ يَعنِي: فنحن الذين رضِيَ الله عنَّا، أمَّا أنتم ففُقَراءُ، وفَقْركم يَدُل على أن الله تعالى لن يَرضَى عنكم.
والجوابُ: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، يَبسُط يَعنِي: يُوسِّع لمَن يَشاءُ، أي: مِن مُؤمِنٍ وكافِرٍ، فهُناك كُفَّار قد ضيَّق الله تعالى عليهم الرِّزْق، وهناك مُؤمِنون قد وسَّع الله عليهم الرِّزْق، فالرِّزْق بيَدِ الله ، ولكن قوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ تَقدَّم أن الله إذا قيَّد فِعْله بمَشيئته فهو مَربوط بحِكْمته، يَعنِي: مَن يَشاءُ ممَّن تَقتَضي الحِكْمة أن يُوسَّع له، وَيقْدر: يُضيِّق ممَّن تَقتَضي الحِكْمة أن يُضيَّقَ عليه.
ولهذا يُروَى أن الله قال في الحديث القُدسيِّ: "إِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ
стр. 221
لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ" (١)، فالغَنيُّ ربَّما يَطغَى بغِناه وَيستَكثِر، والفقير ربما يَقنَط من رحمة الله وَيستَحسِر ويَستَبعِد الفَرَج، فيَكون الأوَّلُ فاسِدًا بطُغيانه، والثاني فاسِدًا بيَأْسه وقُنوطه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الرِّزْق بمَعنى: العَطاء.
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [كُفَّار مَكَّةَ]، وهذا كما سبَق من قُصوره في التَّفسير، والواجِب أن نَقول: إن المُراد بـ ﴿النَّاسِ﴾ جميعُ الناس؛ أهلُ مكَّةَ وغيرُهم.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، لا يَعلَمون أن الأَمْر بيَدِ الله تعالى من حيثُ تَوسيع الرِّزْق وتَضييقه.
وقوله : ﴿أَكْثَرَ النَّاسِ﴾ ولم يَقُل: كل الناس؛ لأن المُؤمِنين يَعلَمون ما لله من الحِكَم في بَسْط الرِّزْق وتَقْديره.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: إِثْبات المَشيئة لله تعالى، لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات الأَفْعال الاختِيارية؛ لقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ﴾ و ﴿وَيَقْدِرُ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ كَثْرة المال والولَد لا يَدُلُّ على الرِّضا، وإنما هو تابع لمَشيئة الله تعالى.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الحِكْمة العَظيمة البالِغة في اختِلاف الناس في سَعة الرِّزْق
стр. 222
وضِيقه، ولولا ذلك ما قامَت مَصالِحُ الخَلْق، فلو كان الناس على حدٍّ سَواء في الغِنَى فلا يَخدُم بعضهم بعضًا، ولا يَقوم بعضُهم بمَصالِح بعضٍ.
وانظُرْ إلى قوله : ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: ٣٢] لماذا؟ ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ ولَوْلا هذا الاختِلافِ مِن بَسْط الرِّزْق وسَعَتِه ما حصَلَتْ هذه الفائِدةُ العَظيمة وهو تَسخير الناس بعضِهم لبعضٍ.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنَّ أكثَر الناس جُهَّالٌ بحِكْمة الله في أفعاله؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
стр. 223
الآية (٣٧)
* قالَ الله : ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ [سبأ: ٣٧].
* * *
قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ قال ﵀: [قُرْبَى، أي: تَقريبًا].
وقوله : ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ﴾: (مَا) نافِية وهي حِجازية؛ لأن (أَموالَ) اسمُها، و ﴿بِالَّتِي﴾ خبَرُها.
إِذَنْ: فالمُبتَدَأ والخَبر مَوْجودان، فتكون حِجازيةً، والباء في قوله : ﴿بِالَّتِي﴾ زائِدة لفظًا لا مَعنًى، وهي خَبَر (مَا)، أَيْ: ما أموالُكم أيُّها المُفتَخِرون بها حيثُ قُلْتم: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا﴾ وأموالُكم؛ ما أموالُكم بالتي تُقرِّبُكم عِنْدنا زُلفَى.
وما الذي يُقرِّب عند الله تعالى؟
الجوابُ: الأعمالُ الصالحِة، أمَّا الأموال فإنها قد تَكون ضرَرًا على الإنسان، فلَيْسَت هي التي تُقرِّب إلى الله تعالى، فمُجرَّد المال لا يُقرِّب إلى الله .
قال المُفَسِّر ﵀: ﴿زُلْفَى﴾ قُربَى أَيْ: تَقريبًا]، فأَفادَنا بهذا التقريرِ ﵀ أن ﴿زُلْفَى﴾ مَفعول مُطلَق لـ (تُقرِّب)؛ لأن التقريب بمَعنَى: الزُّلْفى، فهو إِذَنْ:
стр. 224
مَفعول مُطلَق، ولا نَقول: إنه مَصدَر؛ لأنه مخُالِف لعامِله في الاشتِقاق فـ (تُقرِّب) مِن قرَّبَ، و (زُلْفَى) مِن ازدَلَفَ بمَعنى قرُب، فالمعنى: أن هذه الأموال والأولاد لا تُقرِّبكم تقريبًا إلى الله ، ويُحتَمَل أن المَعنى: ﴿بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ﴾ أَيْ: تُدنِيكم منَّا، والمَعنَى من حيثُ العُموم سواءٌ بالتي تُقرِّبكم عندنا زُلْفى، لكن يَختَلِف الإعرابُ، فإنه على المَعنى الثاني تَكون ﴿زُلْفَى﴾ مَفعولًا به لا مَفعولًا مُطلَقًا.
قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: ﴿إلَّا﴾ لكِن] إشارة إلى أَنَّ الاستِثْناء هنا مُنقَطِع؛ ووجهُه أن الكافَ في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ﴾ تَعود على الكافِرين؛ ومَن آمَن وعمِل صالِحًا فليس من الكافِرين.
والمُستَثْنى إذا كان من غير جِنْس المُستَثْنى منه فهو مُنقَطِع، فالمُنقَطِع هنا إذا كان الضميرُ في أموالكم يَعود على الكافِرين فالاستِثْناء مُنقَطِع قطعًا؛ لأن مَن آمَن وعمِل صالِحًا ليس من الكافِرين، وإذا جعَلْنا الخِطاب في قوله : ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ﴾ عائِدًا على جميع الناس المُخاطَبين صار الاستِثْناء مُتَّصِلًا.
وقوله : ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يَعنِي: فإن مَن آمَن وعَمِل صالِحًا تُقرِّبه أمواله وأولاده إلى الله ؛ لأنه يَعمَل فيها بطاعة الله تعالى، فيَكتَسِب المال عن طريقٍ حلالٍ، ويَصرِفه أيضًا في الطُّرُق النافِعة، وأولادُه كذلك يُربِّيهم وُيؤدِّبهم حتى يَكونوا قرَّة عَيْنٍ له في الحياة وبعد الممات.
وقد ثبَتَ عن النبيِّ ﷺ قال: "إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ" (١).
стр. 225
إِذَنْ: إذا دعا الولَد الصالِح لأبيه قرُب إلى الله وصار هذا الدُّعاءُ مُقربًا له.
قال : ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الإيمان يَكون في القَلْب، وهي العَقيدة و ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ يَكون في الجَوارِح، و ﴿صَالِحًا﴾ صِفة لمَصْدَر مَحذوف تَقديرُه: عمَلًا صالِحًا، كما بيَّن الله ذلك في سورة الفُرقان في قوله : ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠].
والعمَل الصالِح: هو ما كان خالِصًا لله ، مُوافِقًا لشريعة الله ، فالعمَل الذي فيه رِياء ليس بصالِح؛ لأنه لم يَكُن خالِصًا، والعمَل الخالِص المُبتَدَع ليس بصالِح؛ لأنه ليس مُوافِقًا لشريعة الله .
وقوله : ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾: (أُولئِك) المُشار إليه: مَن آمَن وعمِل صالِحًا، وجاء بلفظ الجمْع (أُولَئِك) مُراعاةً للمَعْنى، أمَّا اللَّفْظ فإنه يَقول: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فاللَّفْظ مُفرَد، ولكنه عاد إلى ﴿مَنْ﴾ بِاعتِبار المعنى، وقد سبَقَ مِرارًا وتَكرارًا أنه يَجوز في (مَن) و (مَا) وما أَشبَهَهما؛ يَجوز فيه مُراعاة المَعنى ومُراعاة اللَّفْظ، ففي مُراعاة المَعنى نَأتي بالإشارة أو بالضمير مَجموعة، وفي مُراعاة اللَّفْظ نَأتِي به مُفرَدًا.
وربما نَأتي مرَّةً بمُراعاة اللَّفْظ، ومرَّة بمُراعاة المَعنى، ومرَّة بمُراعاة اللَّفْظ في سياق واحِد؛ قال الله : ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [الطلاق: ١١]، الضمائر هنا رُوعِيَ فيها: في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ رُوعِيَ فيها اللفظُ، وفي قوله
стр. 226
تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الطلاق: ١١] رُوعِيَ المَعنَى، وفي قوله : ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق: ١١] رُوعِيَ اللفظُ؛ ففي سِياق واحِد رُوعِيَ اللفظُ، ثُم المعنى، ثُم اللفظُ.
وقوله : ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ﴾ أيِ: الجزاء المُضاعَف: الحسَنة بعَشَرة أمثالها إلى سَبْع مئة ضِعْف إلى أضعاف كثيرة.
وقوله : ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾: (مَا) يُحتَمَل أن تَكون مَصدريةً، وأن تَكون مَوْصولةً، فإن كانت مَوصولةً فعائِدُها محذوف، والتَّقْدير: بما عمِلوه، وإن كانت مَصدرِيَّة فلا حاجةَ إلى عائِد، وَيكون التقدير: ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾، أي: بعمَلهم، والباء هُنا للسبَبية؛ لأن النبيَّ ﷺ قال: "لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الجَنَّةَ بعَمَلِهِ"، قالوا: ولا أَنتَ يا رسولَ الله؟ قال: "وَلَا أنَّا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِيَ الله بِرَحْمَتِهِ" (١)؛ وهنا قال : ﴿جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾ ولا مُنافاةَ؛ لأن الباء في قوله ﷺ : "لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ" باء المُعاوَضة التي هي كقولك: بِعْتُ هذا الثوبَ بدِينار.
وأمَّا الباء في قوله : ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ فهي باء السبَبية أي: أن الله جعَل العمَل سببَ دُخول الجَنَّة، ولم يَجعَلِ الجنَّة عِوَضًا عن العمَل، بل العمَل سبَبُها.
وقوله : ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [﴿بِمَا عَمِلُوا﴾ أي: جزاء العمَل الحَسَنة بعَشْر أمثالهِا] الحسَنة مثَلًا بعَشْر [فأَكثَرَ ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ من الجنَّة ﴿آمِنُونَ﴾ من الموت وغيره، وفي قِراءة (الغُرْفةِ)، قِراءة سَبْعية؛ لأن قاعِدة المُفَسِّر ﵀ إذا قال: (فِي قِراءةٍ) فهي سَبْعية، وإذا قال ﵀: (قُرِئَ) فهي شاذَّة،
стр. 227
والقِراءة هنا: (فِي الغُرْفة) و ﴿فِي الْغُرُفَاتِ﴾، ولكن الغُرْفة بمَعنَى: الجمْع؛ لأن المُفرَد المُحلَّى بـ (أل) غيرِ العَهْدية يُفيد العُموم، كما في قوله : ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢]، أي: إن كل إنسان، ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [بمَعنَى: الجَمْع] أيِ: الغُرْفة بمَعنَى: الجمْع.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ كَثْرة الأموال والأولاد لا تَستَلْزِم القُرْب إلى الله تعالى، فإنَّ مِن الناس مَن يَكون كثيرَ المال والولَد وهو من أبعَدِ الناس عن الله ، ومِن الناس مَن يَكون قليلَ المال والولَد وهو من أَقرَب الناس إلى الله تعالى، فهذا النبيُّ ﵊ ليس هو من أَكثَرِ الناس أموالًا وأولادًا، ومع ذلك فهو أَقرَبُ الناس إلى الله ، وهذا الرجُلُ الذي افتَخَرَ بماله ووَلَده وقال: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧]، إذا آتاه الله المال والولَد فإنه لا يَنفَعُه.
قال الله تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٦]، فالأموال والأَوْلاد لا تُقرِّب إلى الله تعالى.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أن المُؤمِن الذي يَعمَل الصالحِاتِ فإن أَمْواله وأولادَه تُقرِّبه إلى الله ؛ لأنه يَكتَسِبها من حلال، وَيصرِفها في ما يُرضِي الله فيَكون مُنتَفِعًا بها، والأولاد كذلك يَقوم عليهم بالتَّرْبية والتَّعليم وغير ذلك من
стр. 228
مَصالحِهم، فيَنتَفِع بذلك عند الله تعالى؛ ولهذا قال تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الجَزاء على الإيمان والعمَل الصالِح مُضاعَف، لقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الأَسْباب، من الباء في قوله تعالى: ﴿بِمَا عَمِلُوا﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن مَنازِل الجنَّة عالِية؛ لقوله : ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ والغُرْفة: المَنزِل العالي، أمَّا الذي في الأَرْض فيُسمَّى حُجْرة، ولا يُسمَّى غُرْفة فالمَنازِل فوق غُرَف، والمَنازِل تَحت حُجَر.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ مَن دخَل الجنَّة فهو آمِن مِن كل مخَوف؛ آمِن من الموت ومن المَرَض ومن انقِطاع النَّعيم، ومن فَساد الثِّمار ومن كُلِّ شيءٍ: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ﴾.
стр. 229
الآية (٣٨)
* قالَ الله : ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ [سبأ: ٣٨].
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾؛ لمَّا ذكَر جَزاء المُؤمِنين ذَكَر جزاء غيرهم؛ لأنَّ القُرآن مَثانٍ، تُثنَّى فيه المَعاني فإذا ذُكِر الثواب ذُكِر العِقاب، وإذا ذُكِر المُؤمِن ذُكِر الكافِر، وذلك لئَلَّا تَسْأَم النفس إذا بَقِيت في مَوْضوعٍ واحِد؛ ولأجل أن يَكون الإنسان عند تِلاوة القُرآن دائِرًا بين الخَوْف والرَّجاء، ومعلومٌ لنا جميعًا أن المَوْضوع إذا كان واحِدًا فإن النَّفْس تَمَلُّه وتَسْأَم منه، فإذا نُوِّع صار في ذلك تَنشيط لها.
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [الْقُرْآنِ بِالْإِبْطَالِ] يَسعَوْن: السعيُ يُطلَق على مجُرَّد الحرَكة، ويُطلَق على الرَّكْض بشِدَّة، ففي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، المُراد بذلك مُطلَق الحرَكة، وليس المُراد أن تَركُض، وإذا قُلت: يَسعَى في الطواف، يَسعَى بين الصَّفا والمَرْوة، يَسعَى بين العَلَمَيْن.
فالمُراد بذلك الرَّكضُ، هنا ﴿يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ يُحتَمَل أن يَكون المُرادُ بذلك مُطلَقَ الحرَكة، ويُحتَمَل أن يُراد به الحرَكة بشِدَّة، وهذا الأخيرُ أبلَغُ؛ لأنَّ هؤلاءِ
стр. 230
يَسعَوْن جاهِدين بآيات الله ، وقول المُفَسِّر: [﴿يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا﴾ أي: الْقُرْآنِ] ووجهُه: أنَّ الذين كفَرُوا لا يُنكِرون آيات الله تعالى الكَوْنية، وإنما يُنكِرون آياتِ الله تعالى الشرعيةَ، على أنهم أحيانًا يَطلُبون آياتٍ كَوْنيةً تَعْجيزًا للرسول ﷺ كما حَكَى الله تعالى عنهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ [الإسراء: ٩٠ - ٩٣].
كم آيةٍ طلَبوها من الآيات الكَوْنيَّة هنا، ومع ذلك قال الله : ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ يَعنِي: تَنزيهًا له أن يَبعَث رسولًا بدون آيات يُؤمِن على مِثْلها البَشَر وما أنا إلَّا بَشَر رَسولٌ، كما أن الآياتِ هنا خصَّها المُفَسِّر ﵀ بالآيات الشَّرْعية، وقال: إن المُراد بها القُرآن.
ويُحتَمَل أن يُراد بها الآيات الكونية والآيات الشرعية جميعًا، لأنَّ هؤلاءِ كما يُعاجِزون في القُرآن يُعاجِزون أيضًا في الآياتِ الكَوْنية، وكأَنَّ القُرآن آيةٌ من آيات الله لاشْتِماله على ما يَعجِز عليه البَشَر، بَل إنَّ الله تَحدَّى البَشَر وغَيْرَهم ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨]، وقال : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [العنكبوت: ٥٠ - ٥١].
стр. 231
وقوله : ﴿وَالَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ لنا مُقدِّرين عَجْزنا وأنهم يُفوِّتوننا، و (المُعاجِز) هو: الطالِب لإِعْجاز غيرِه فـ (عاجَزَه) مِثل قاتَلَه.
والمَعنَى: أنهم يُعاجِزون الله تعالى، أي: يَطلُبون على زَعْمهم ما بِه العَجْز؛ ولهذا قال المُفَسِّر ﵀: [أَيْ: مُقَدِّرِينَ عَجْزَنَا وَأَنَّهُمْ يُفَوتُونَنَا، هؤلاء الذين فعَلوا ذلك يُعاجِزون الله ، وَيطلُبون ما فيه عَجْزه على زَعْمهم، وَيقولون: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: ٣٢]، هذا تَعجيز لله ، لكن الله حكيم لا يُجيبُهم إلى ما أَرادوا، بَلْ ويَجعَل هذه الأُمورَ حَسبَ ما تَقضِيه الحِكْمة، قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ سبَق أن هذه الجُملةَ هي خبَرُ الذين يَسعَوْن، فخَبَر المُبتَدَأ الآنَ جُمْلة خبَرَّية.
وقوله : ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾ أي: محُضرون في نَفْس العذاب، والعَذاب بمَعنَى العُقوبة والنِّكاية، وهذا خبَرٌ يُراد به التَّهديد، لا مجُرَّد أن نَعلَم بأن هؤلاء سيَحضُرون في العذاب ويُعذَّبون، بلِ المُراد التَّهديد، والتَّحذير من صَنيعهم.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن من عِباد الله تعالى مَن يَسعَى لإِبْطال آيات الله بكُلِّ ما يَستَطيع من قُوَّةٍ، ووَجْه ذلك أن الله تعالى أَثبَتَه وأَثبَتَ عذابه، فقال : ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وليس شيئًا مَفروضًا مُقدَّرًا، بل هو شيءٌ واقِع.
стр. 232
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: بيان ما يَصِل إليه عُتُوُّ الإنسان وطُغيانه، حيث يَسعَى في آيات الله تعالى مُعاجِزًا لله ، فمَن أنت حتى تُعاجِز الله تعالى وتَطلُب تَعجيزَه وتَتَحدَّاه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن هَؤلاء المُعاجِزين الذين يَسعَوْن في آيات الله مُعاجِزين سوف يَكونون يوم القِيامة في العذاب؛ لقوله : ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
وَرُبمَا يَقُولُ قَائِلٌ: إنهم في العَذاب محُضَرون حتى في الدنيا؛ ويَكون المُرادُ بالعَذاب هنا العذاب القَلْبيُّ؛ لأنَّ الكافِر مهما نُعم في الدنيا إنه في ألَمٍ وعَذاب في قَلْبه؛ لأنَّ الكافِر لا يَشبَع من الدنيا، فهو في حُزْنٍ خَوْفًا من ذَهاب المَوْجود، وفي هَمٍّ طلَبًا لوُجود المَفقود؛ لأنَّه يُريد أن تَنمُوَ له الدنيا وتَزدَهِر، ويَخشَى أيضًا من أن تَفوت بخِلاف المُؤمِن.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات الجَزاء والعُقوبة؛ لقوله : ﴿أُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
стр. 233
الآية (٣٩)
* قالَ الله : ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩].
﴿قُلْ﴾ الخِطاب للنبيِّ ﷺ ، ويَجوز أن المُراد به كل مَن يَتَأتَّى به الخِطاب، مَن يَصِحُّ تَوْجيه الخِطاب إليه، يُخاطِب هؤلاء الذين يَسعَوْن في آيات الله تعالى مُعاجِزين، وَيطلُبون عَجْز الله تعالى في ما يَدَّعُون.
وقوله : ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾: يُوسِّعه من البَسْط، وهو التَّوْسِعة؛ ولهذا يُقال: بسَطَ الكَلام، واختَصَر الكلام، وبسَط بمَعنَى: وسَّعَه وطوَّله.
قوله : ﴿الرِّزْقَ﴾ بمَعنَى العَطاء، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ امتِحانًا، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ يُضيِّقه له بعد البَسْط، أو لمنَ يَشاءُ ابتِلاءً.
وقوله تعالى: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ سبَقَ لنا كثيرًا بأنَّ كل فِعْل علَّقه الله تعالى بالمَشيئة فهو مَقرون بالحِكْمة، مِثالُه قوُله : ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان: ٣٠]، بمَشيئته ، فهي تابِعة لحِكْمته، فهو إذا اقتَضَتْ حِكْمته أن يُوسِّع الرِّزْق لأَحَدٍ وسَّعه، وإذا اقتَضَتْ حِكْمته أن يُضيِّقه ضَيَّقه.
وقوله : ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المُراد بالعِباد هنا العُبودية العامَّة؛ لأنَّ مَن يُشاهَد أن الكافِرين والمُؤمِنين على السَّواء، منهم مَن يَبسُط الله له الرِّزْق،
стр. 234
ومِنهم مَن يُضيِّقه له، فالمُراد بالعِباد إِذَنِ العُبودِية العامَّة، وقد سبَقَ أيضًا أن العُبودِيَّة تَنقَسِم إلى: عامَّة، وخاصَّة، فالعامَّة التي تَشمَل جميع الخَلْق، والمُراد بها العُبودِيَّة الكَوْنِيَّة، التي قال الله عنها: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: ٩٣]، وأمَّا الخاصَّة فهي عُبودية الطاعة الشَّرْعية، وهي التي قال الله فيها: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: ٦٣].
وقوله : ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال المُفَسِّر ﵀: [امْتِحَانًا] يَعنِي: اختِبارًا يَختَبِره هل يَشكُر أَمْ يَكفُر، ولهذا قال سُلَيْمانُ ﵇: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٤٠] حين رَأَى عَرْش بَلقيسَ حاضِرًا بين يَدَيْه في هذه المُدَّةِ الوجيزةِ، وقال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: ٣٥]، يَعنِي: ابتِلاءً واختِبارًا، وكم مِن إنسان كان في حالِ الفَقْر أَصلَحَ ممَّا كان بعد الغِنى! وكم مِن إنسان بالعَكْس إذا كان فقيرًا ومُسرِفًا على نَفْسِه فلمَّا أَغْناه الله تعالى هَداه الله ! .
وقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ حَسبَ ما تَقتَضيه الحِكْمة قال تعالى: ﴿وَيَقْدِرُ لَهُ﴾: ﴿لَهُ﴾ هل يَعودُ على المَبسوط له أو يَعود على مَن يَشاءُ؟
الجوابُ: أن المُفَسِّر ﵀ ذكَر فيه المَعنيَيْن، و (يَقدِر) أي: يُضيِّق له بعد البَسْط؛ يَعنِي أنه يَبسُط الرِّزْق لمَن يَشاءُ، ثُم يُضيِّق عليهم، ليَبلُوَهم ويُعطِيَ النِّعَم، ثُم يُزيلها امتِحانًا واختِبارًا، يَمُنُّ الله على الإنسان بالأولاد فيَموتون، وبالمال فيَفنَى، وهذا تَضييق بعد البَسْط، أو أنَّ المَعنَى يَبسُط يَقدِر له، أي: لمَن يَشاءُ لا لهذا الذي كان مَبسوطًا له الرِّزْق، لأنَّ الله يَبسُط الرِّزْق لقَوْم وَيقدِره لآخرين.
стр. 235
وهل هذانِ المَعْنَيانِ يَتَنافَيان؟
الجوابُ: لا، وإذا كانا لا يَتَنافَيان وقد سبَق أنَّ القاعِدة في التفسير أنَّ المَعنيَيْن إذا كانا لا يَتَنافَيان فإن الآية تُحمَل عليهما جميعًا.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ يُقال: إنَّ كل إنسان يَرزُق عائِلته؛ أي: من رِزْق لله تعالى.
﴿وَمَا﴾ هذه شَرْطيَّةٌ، وفِعْل الشَّرْط ﴿أَنْفَقْتُمْ﴾، وجَوابه: ﴿فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، واقْتَرَن بالفاء؛ لأنها جُمْلة اسمِيَّة، وَيقتَرِن جوابُ الشَّرْط بالفاء في سَبْعة مَواضِعَ، وهي المُجموعة في قوله:
اسْمِيَّةٌ طَلَبِيَّةٌ وَبِجَامِدٍ ... وَبِما وَقَدْ وَبِلَنْ وَبِالتَّنْفِيسِ
وقوله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ يُخلِفه أي: يَأتِي بخَلْفه، واعلَمْ أن هناك فَرْقًا بين (يَخلُف) و (يُخلِف)، فـ (يَخلُف) يُراد به الشيء الذي خلَفَ غيرَه، قال الله عن مُوسى ﵇ حين وجَّه الخَلف لهَرونَ ﵇: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ [الأعراف: ١٤٢]، أي: صِرْ خَلَفًا عَنِّي في قَوْمي، وأمَّا (أَخلَف) الرُّباعيُّ فالمُراد: أَعطَى الخَلف، فالمُخلِف مُعطِي الخَلف، و (الخالِف) الذي خَلَف غيرَه، الفَرْق بين الثلاثيّ والرُّباعيِّ، الثلاثيُّ مَعناه: خَلَف غَيرَه، والرُّباعيُّ أَعطَى الخَلف، ومنه الحديث حديثُ أبي سَلَمةَ ﵁ قال: "اخْلُفْنِي فِي عَقِبِي" (١)، وحديث أُمِّ سلَمةَ ﵁ قالَتْ نَفْسَ الشيءِ قالَت: "وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا" (٢)، فاجتَمَع بالحديث الكلام جَميعًا، حديث أُمِّ سلَمةَ ﵁:
стр. 236
"مَا مِنْ عَبْدٍ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَقُولُ: اللهمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا. إِلَّا آجَرَهُ الله فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا" هنا مِن الرُّباعيِّ فهو يُخلِفه، أي: يُعطِي ما يَكون خَلفًا عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ الإِنْفاق مَعناهُ: بَذْل المال، والمُفَسِّر ﵀ قيَّده بقَوْله: [وَمَا بَقِيَ فِي الْخَيْرِ] وهذا القَيْدُ الذي قيَّدَه به المُفَسِّر ﵀ دلَّتْ عليه آياتٌ مُتَعدِّدة كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٢].
والآياتُ في هذا كثيرة؛ لأنَّ مَن أَنفَقَ في غير الخَيْر فالخَلف غيرُ مَضمون له، لكن مَنْ أَنفَق في الخَيْر فالخَلف مَضمون له، وَيشمَل هذا النَّفَقاتِ الواجِبةَ، كإنفاق الإنسان على زَوْجته وأُمِّه وأبيه وابنه وبِنْته وما أَشبَهَ ذلك، وَيشمَل أيضًا الإِنْفاق في الزكاة؛ لأنها هي أُمُّ الإِنْفاقات؛ لأنَّ الإِنْفاق في الزكاة أحَدُ أركان الإسلام، وَيشمَل الإنفاق في الجِهاد في سبيل الله ، وَيشمَل الإِنْفاق في نُزول الخَيْر كالإحسان إلى الناس وغير ذلك.
وقوله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ هل الإِخْلاف في الكمِّية أو في الكَيْفية؟ بمَعنى: هل الله يُعطيك بدَلًا عنه بالكمِّية إذا أَنفَقْت عشَرة أَعطاك عشَرة، أو بالكَيْفية بمَعنى: أن الباقِيَ يُنزِل الله به البَرَكة حتى يَكون مُقابِلًا لما أَنفَقْت مَضمومًا إليه؟
الظاهِر أنه يَشمَل الأَمْرين؛ أَنَّ الله يُخلِفه، يُعطيك خَلفًا عنه بالكمِّية، فإذا أَنفَقْت عشَرة فتَحَ الله تعالى لك باب الرِّزْق وأَعطاك عشَرة، أو أنه يَكون خَلفًا في الكَيْفية فإن أَنفَقْت عشَرة من مِئة وبَقِي تِسعون فإن هذه التِّسعِين تَقوم مَقام مِئة
стр. 237
أو أكثَرَ للبركة التي يُحِلُّها الله ؛ ولهذا جاء في الحديثِ الصحيحِ: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ" (١)، يَعنِي أن الصدَقة لا تَنقُص المال، ولكنها تَزيده كما قال الرسول ﷺ .
قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ و ﴿خَيْرُ﴾ أَصلُها: أَخيَرُ؛ لأنها اسْمُ تَفضيل؛ لكنها حُذِفت الهَمْزة تَخفيفًا؛ لكَثْرة استِعْمالها، ﴿الرَّازِقِينَ﴾ المُعطِين، وكيف نَقول: "خيرُ الرازِقين" مع أن الذي يَبسُط الرِّزْق ويُعْطي الرِّزْق هو الله تعالى؟
نَقول: لأن غيرَ الله تعالى يَرزُق؛ لكنه رِزْق مَحدود، يُقال: رزَقَ عائِلَته؛ قال الله : ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾ [النساء: ٨].
فإِذَنِ: الرِّزق يَكون من الله تعالى وَيكون مِن غيره، لكنه مِن الله تعالى شامِل عامٌّ، ومن غَيْره ناقِص خاصٌّ، فالإنسان يَكون كما قال المُفَسِّر ﵀ يَقول: إنه يُقال: كل إنسان يَرزُق عائِلته. يَعنِي: يُعطيها، لكن عَطاء الإنسان عائِلتَه أو رِزْق غير عائِلته من رِزْق الله ، لولا أن الله تعالى أَعطاك ما أَعطَيْت غَيرَك، فيَعود المَعنَى إلى أن الرّزْق الله : ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: طلَب الإعلان؛ لأنَّ الأُمور كلُّها بيَدِ الله مِن بَسْطٍ وتَضييق؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ إذ إنَّه ليس المُراد أن تَقولها في نَفْسك، بل تَقولها في نَفْسك ولغَيْرك أيضًا.
стр. 238
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: أنَّ الأَرْزاق بيَدِ الله ؛ لقوله تعالى: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾، وَيترَتَّب على هذا فائِدة، وهي أن نَطلُب الرِّزْق من الله تعالى؛ لأنه هو الذي يَبسُط الرِّزْق وَيقدِر.
ويتفرع على ذلك: ألا نَطلُب رِزْق الله بمَعاصيه؛ لأن طلَب رِزْق الله بمَعاصيه مُنافٍ للأَدَب، كيف تَطلُب الرِّزْق مِمَّنْ بيَده الرِّزْق بمَعصيته؛ ولهذا حذَّر النبيُّ ﷺ من ذلك فقال: "إِنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتكْمِلَ رِزْقَهَا وَأَجَلَهَا، فَاتَّقُوا الله وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ" (١)، يَعنِي: اطلُبوا الرِّزْق طلَبًا جميلاً، وهو ما وافَق الشَّرْع، وعلى هذا فطَلَب الرِّزْق بالغِشِّ والكَذِب والظُّلْم طلَبٌ غيرُ مَشروع، بل ويُنافِي الأَدَب مع الله .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: تمَام رُبوبية الله وسُلطانه؛ لكونه يَبسُط وَيقدِر، ولا أحَدَ يُمكِن أن يَعتَرِض عليه، وحتى لو اعتَرَض عليه فلا يَنفَع هذا الاعتِراضُ؛ لأنَّ الله تعالى مُدبِّر لما يَشاءُ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: الحثُّ على الإِنْفاق؛ لقوله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ووَجهُ ذلك: أن الإنسان إذا أَنفَقَ، فإن نَفْسه الأمَّارة بالسُّوء تَقول له: إذا أَنفَقْتَ من مالك نقَصْتَ منه، فلا تُنفِقْ. فتقول الله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أن الإِنْفاق وإن قلَّ فإنه مَخلوف، تُؤخَذ من قوله : ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ فإنها بمِرة في سِياق الشَّرْط مُؤكَّدة بـ (مِن) الزائِدة، هذا إذا لم تَكُن (مِنْ)
стр. 239
بَيانًا لـ (مَا) في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: أنَّ الله خَيْرُ الرازِقين، بكثرة العَطاء وبدَوام العَطاء، فمَن سِوى الله من الرازِقين لا يُعطِي الكثير، وإذا أَعطَى الكثير فإنه يَمَلُّ، فلا يَستَمِرُّ في عَطائه، أمَّا الله فإنه خيرُ الرازِقين في عَطائه كَثرةً واستِمْرارًا.
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: إثبات رازِقٍ سِوى الله تعالى، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ فإن هذا يَدُلُّ على وجود مُفضَّلٍ ومُفضَّلٍ عليه مُشتَرِكَيْن في أصل المُفضَّل به، وهو الرِّزق، ولكن رِزْق غير الله تعالى من رِزْق الله تعالى؛ لأن هذا الذي أَعطاني مثَلًا من أين له العَطاءُ؟ مِن الله تعالى، فيَكون إِعطاؤُه إيايَ من رِزْق الله تعالى الذي أَعْطاه، وأيضًا فإن رِزْق غير الله رِزْق مَحدود، ليس شامِلًا لكلِّ أحَد، وليس شامِلًا لكل زمَن.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنَّ أفعال العِباد مَخلوقة لله ، وفيها ردٌّ على القدَرِّية، تُؤخَذ من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾، ونحن نَعلَم أن الرِّزق الذي يَأتينا يَكون كثيرًا من كَسْبنا، نَتَّجِر ونَحرُث ونَعمَل، ونَحصُل على الرِّزْق، فيَكون في هذا دَليلًا على أنَّ فِعْل العَبْد مَخلوق لله .
وفيها أيضًا رَدٌّ على الجَبْرَّية وهمُ الجَهْميَّة، أيضًا لقوله : ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ﴾ حيث أَضافَ الفِعْل إلى العَبْد، والجبْرَّية يَقولون: إنَّ الإنسان مَسلوب القُدْرة والاختِيار، وفِعْله لا يُنسَب إليه إلَّا على سبيل المَجاز، وإلَّا فإنه لا اختِيارَ له في فِعْله.
стр. 240
الآية (٤٠)
* قالَ الله : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: ٤٠].
* * *
وقول المُفَسِّر ﵀: ﴿وَ﴾ اذْكُرْ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾] اذْكُرْ قَدَّرها المُفَسِّر ﵀؛ لأنَّ (إِذْ) ظَرْف، والظَّرْف كالجارِّ والمَجرور لا بُدَّ له من مُتعَلَّق، وهذا المُتعَلَّق يَكون مَذكورًا وَيكون مُقدَّرًا، فقوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ﴾ [الأنعام: ٩٣] لعامِل مَذكور: ترى، وليس محَذوفًا، وفي قوله : ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ﴾ [الأنفال: ٥٠]، العامِل هُنا مَذكور، وقد يُحذَف، وهو كثير في القُرآن.
وهنا عامِل ﴿يَوْمَ﴾ مَحذوف، واذْكُرْ: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ اذْكُرْ ذلك اليَوْمَ تَحذيرًا منه وتَخويفًا؛ لأنَّ هذا اليَوْمَ يوم عظيم.
وقوله : ﴿يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ أي: يَجمَعهم، و ﴿جَمِيعًا﴾ حال من الهاء في قوله : ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾، ومتى يَكون ذلك؟ قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ [التغابن: ٩] يَكون هذا يومَ القِيامة، يَحشُر الله تعالى الأوَّلين والآخِرين.
قال الله : ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ﴾ [الواقعة: ٤٩ - ٥٠]، وقال: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣].
стр. 241
وقوله تعالى: ﴿يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ أيِ: المُشرِكين ﴿ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾، وقوله : ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ الهَمْزة للاستِفْهام و ﴿هَؤُلَاءِ﴾ اسم إِشارة مَفعول مُقدَّم لِـ ﴿يَعْبُدُونَ﴾، أو هي مُبتَدَأ والمَفعولُ ﴿إِيَّاكُمْ﴾؛ لأنَّ ﴿يَعْبُدُونَ﴾ الآنَ مُفرَّغة، يَعنَي أنها لم تَأخُذ مَفعولَها، وإذا لم تَأخُذ مَفعولها صارَ ما سبَقَ هو المَفعولَ.
وهل يَجوز تَقديم مَعْمُول خبَرِ (كانَ) عليها؟
الجوابُ: نعَم يَجوز، وفي باب (كانَ) وأَخواتها، أنَّه يَجوز تَقديم خبَرِها، ويَجوز تقديم مَعمولِ خبَرِها، قال الله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] قُدّم عامِلُ الخَبَر على الأَداة، ﴿إِيَّاكُمْ﴾ مَفعول لـ ﴿يَعْبُدُونَ﴾، يَعنِي: أَهَؤلاءِ كانوا يَعبُدونكم، ولكنه فصَل الضَّمير؛ لتَقدُّمه.
وقول المُفَسِّر ﵀: [﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ﴾ بتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَإِبْدَالِ الْأُولَى يَاءً وَإِسْقَاطِهَا] عِندنا هَمْزتان، هَمْزة ﴿أَهَؤُلَاءِ﴾ الَثانية، وهَمْزة ﴿إِيَّاكُمْ﴾ فيها ثلاث قِراءات: القِراءة الأُولى تَحقيق الهَمْزتين: (أهؤلاءِ إِيَّاكم)، والقِراءة الثانية يَقول ﵀: وإِبدال الأُولى ياءً: (أَهَؤُلايِ إِيَّاكم) بأن تَجعَل الهَمْزة ياءً، والثالِثة إِسْقاط الهَمْزة الأُولى: (أَهَؤُلا إِيَّاكم)، يَعنِي الهَمْزة الأُولى من الهَمْزتين المُتجاوِرَتَيْن، وهي هَمْزة (أُولاءِ) الثانية وهَمْزة (إيَّاك)؛ ثلاثة قِراءات، وفي أَيِّها قَرَأْتَ أَجزَأَ.
تنبيه: قوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ بتَحقيق الهَمْزتَيْن وإبدال الأُولى ياءً، ذكَر بعضُ المُحَشِّين أن المُفَسِّر ﵀ وَهِمَ في هذا، وأنَّ إبدال الياء إنما هو في الثانية لا في الأُولى، يَعنِي: أنَّ الأُولى ما فيها قِراءة في إبدالِها ياءً، وإنما إبدال الياء في الثانية دون الأُولى، فيَكون هذا وَهْمًا من المُفَسِّر ﵀ أو سَبْقة قلَمٍ.
стр. 242
وقوله تعالى: ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾ أي: في الدُّنيا يَقول الله تعالى ذلك تَوبيخًا وتَقريعًا لهؤلاء العابِدين الذين كانوا يَعبُدون الملائكة، والملائِكةُ تَقدَم لنا كثيرًا أنها جَمْع (ملَك)، وأَصْل (ملك: مَلْأَك)، وأَصْل (المَلْأَك) (مَأْلَك)، ففيها أُصول، لكنها بالاستِعْمال وصَلَتْ إلى هذه اللُّغة.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنه يَنبَغي تَذكيرُ الناس بيَوْم المَعاد، ووجهُ الدَّلالة: أنَّ ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ مُتعلِّق بمَحذوف تَقديرُه: (اذْكُرْ يومَ يُحشَرون)، وهذا يَشمَل تَذكير النَّفْس، بمَعنَى أنَّ نَفْسك إذا غفَلَت يَنبَغي أن تُذكِّرها يومَ الحشْر ويومَ الموت؛ لأنَّ قوله ﵀: [اذْكُرْ] المُقدَّر يَحتَمِل أنَّ المعنى اذكُرْ في نَفْسك هذا اليومَ، أو اذْكُرْ لغَيْرك هذا اليومَ.
وكِلاهما حقٌّ فيَنبَغي للإنسان أن يُذَكِّرَ نَفْسه مَآله، كُلَّما ركَنَت إلى الدنيا وأَرادَتِ الانغِماس فيها فلْيُذكِّرْها يوم النَّقْلة من هذه الدُّنيا، ويُذكِّرها قومًا انتَقَلوا من هذه الدُّنيا، وكانوا أَشَدَّ منه قوةً وأكثَرَ أموالًا وأولادًا، ثُم يُذكِّرها ما وراء ذلك من الحِساب والعِقاب، وهو اليوم المشهودُ الذي يُجمَع له الناس.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثبات البَعْث؛ لقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أنَّ الحَشْر عامٌّ لكل أحَد حتى من أَكَلَتْه السِّباع وأَحْرَقَتْه النِّيرانُ، يُؤخَذ من قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ وهو كذلك، فالَّذي أَكَلَتْه السِّباع أو أَحرَقَتْه النيرانُ لا بُدَّ أن يُحشَر يوم القيامة كما قال الله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤].
стр. 243
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: إثبات القَوْل لله تعالى، من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَقُولُ﴾ وهذا يَعنِي إثبات الكلام والقول لله ، وهو مَذهَب أهل السُّنَّة والجماعة ومَذهَب الأشاعِرة ومَذهَب المُعتَزِلة، ولكنهم يَختَلِفون في تفسير هذا الكلامِ.
فالكلامُ عند أهل السُّنَّة والجماعة كلام حَقيقيٌّ بحُروف وأصواتٍ مَسموعة، وهو غير مخَلوق.
والكلام عند المُعتَزِلة كلام بحروف وأصوات مَسموعة؛ لكنَّه ليس من صِفات الله تعالى، فهو مخَلوق عندهم يَقولون: إن الله يَخلُق كلامًا فيَنسُبه إليه على سبيل التَّشريف والتَّعظيم، كنِسبة البيت إليه ونِسبة المَساجِد إليه ونِسبة الناقة إليه ونِسبة الأرواح إليه وما أَشبَهَ ذلك.
والأشاعِرة يُثبِتون لله تعالى كلامًا، لكنهم يَقولون: إنه بغير حروف وبغير أَصوات مَسموعة؛ بل هو المَعنَى القائِم بنَفْسه، وهذا الذي يُسمَع هو الذي سمِعه مُوسى ﵊ وسمِعه محمَّدٌ ﵊، ويَسمَعه الناس يوم القيامة هذه أَصوات يَخلُقها الله لتُعبِّر عمَّا في نَفْسه، وليسَتْ هي كلام الله تعالى، بل هي عِبارة عنه.
أمَّا أهل السُّنَّة والجماعة فيقولون: إنَّ كلام الله كلامٌ حَقيقيٌّ بحَرْف وصَوْت مَسموع، لكنَّ هذا الصوتَ لا يُشبِه أصواتَ المَخلوقين؛ لأنَّه من كلام الله تعالى وكلامه صِفة من صِفاته لا تُشبِه صِفاتِ المَخلوقين.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: تَقريع أُولَئك المُشرِكين وتَوْبيخهم بسُؤال مَن يَدَّعونهم آلهةً حتى يُظهِروا البَراءة منه؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا
стр. 244
سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ فسُؤال المَعبودين عن عِبادة العابِدين يُراد به التَّقريع والتَّوْبيخ لأُولَئك العابِدين، وأن هؤلاءِ المَعبودين تَبَرُّؤوا منهم وقالوا: سُبحانك أنت وليُّنا من دُونهم، وهذا من أشَدِّ ما يَكون من التَّخجيل والتَّوبيخ والتَّنديم، لأنه يُظهِر كذِب هَؤلاء العابِدين وافتِراءَهم.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إثبات المَلائِكة وأنَّ مِن الناس مَن عبَدهم من دون الله تعالى؛ لقوله تعالى: ﴿يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾.
* * *
стр. 245
الآية (٤١)
* قالَ الله : ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ: ٤١].
قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ الضميرُ يَعود إلى المَلائِكة ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [تَنْزِيهًا لَكَ عَنِ الشَّرِيكِ] يَعنِي: إننا نُنَزِّهُك عن أن تَكون شرَكاءَ لك نحن ولا غَيرُنا وتَنزيهُ الله يَكون عن شَيْئين: أحدُهما النَّقْص، والثاني: مُشابَهة المَخلوقين.
وإن كان مُشابَهة المَخلوقين من النَّقْص، لكن هذا من باب التَّفصيل في القول، يُنزَّهُ الله عن النَّقْص؛ فمَثَلًا لا يُوصَف الله تعالى بالعَمَى والصَّمَم والعَجْز والضَّعْف وما أَشبَهَ ذلك مُشابَهة المَخلوقين فيما لهم من صِفات الكمال، فلا يُقال: عِلْمه كعِلْم المَخلوقين، أو وَجهُه كوَجْه المَخلوقين، أو يَدُه كيد المَخلوقين، وما أَشبَه ذلك، فهو مُنَزَّهٌ عن هذين الأَمْرين.
وهنا يُنزَّهُ عن أن يَكون له شريك؛ لأنَّه لو كان له شريك لكانَ ناقِصًا؛ إِذْ إِنَّ الشريك مُعين لمَن شارَكه، أو مالِكٌ لما يَملِكه، فالله تعالى مُنزَّهٌ عن هذا.
وتَقولُ الملائِكةُ: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تَنزيهًا لك عن الشريك، وأفادَنا المُفَسِّر بقوله: تَنزيهًا. أن (سُبْحَانَ) مَنصوبة على أنها اسمُ مَصدَر، فتكون مَفعولًا مُطلَقًا، وهي مُلازِمة للنَّصْب على المَفعولية المُطلَقة دائِمًا، ومُلازِمة أيضًا للإِضافة، فلا تَقَع
стр. 246
إلَّا مُضافةً وإلَّا مَنصوبةً على المَفعولية المُطلَقة.
قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي: لا مُوالاةَ بَينَنا وبينَهم من جِهتنا، يَعنِي: أن هذه الجُملةَ خَبَرية ثُبوتية ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ مَعناها جُملة سَلْبية، أي: لا نَتَوَلَّاهم، بل ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، فلا مُوالاةَ بينَنا وبينهم، وإذا انتَفَت المُولاةُ ثبَت ضِدُّها، وهي المُعاداة، يَعنِي: فهؤلاء أَعداؤُنا، وأنت ولِيُّنا من دونهم.
وهذا كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ [البقرة: ٢٥٧].
قوله ﵀: [﴿بَلْ﴾ للانتِقال، ﴿كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ الشياطين، أي: يُطيعوهم في عِبادتهم إيَّانا ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ مُصدِّقون في ما يَقولون].
قوله: [﴿بَلْ﴾ للانتِقال]؛ لأنَّ (بَلْ) تَأتي للإِضْراب الانتِقالي، وللإِضْراب الإِبْطالي، فإن كان المَقصود بها إِبْطالَ ما سبَقَ وإثباتَ ما لَحِق فالإِضْراب إِبْطالي، وإذا كان المَقصودُ بها الانتِقالَ من مَعنًى إلى آخَرَ فوقَه أو دونَه يُسمَّى إضرابًا انتِقاليًّا.
وهنا المُفَسِّر ﵀: يَقول: إنَّ هذا الإِضْرابَ انتِقالِيٌّ؛ يَعنِي: وأنَّهم لم يُبطِلوا ما سبَق، فهم باقون على قَوْلهم: ﴿سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾، ولا مُولاةَ بيننا وبينَهم، ولا نُواليهم ولا يُوالوننا، بل نَزيد على ذلك: كانوا يَعبُدون الجِنَّ، والمُراد بالجِنِّ هُنا الشياطين؛ لأنَّ الجِنَّ همُ الشَّياطينُ في الواقِع؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠]، فهم يَعبُدون الجِنَّ.
стр. 247
فَإنْ قِيلَ: إذا كانوا يَعبُدون المَلائِكة، كما هو ظاهِر السِّياق فكيف عِبادتهم للجِنِّ؟
فالجوابُ: هنا عِبادتهم للجِنِّ عِبادة طاعة، أيْ أنهم يُطيعونهم في الإشراك فالجِنُّ تَأمُرهم أن يَجعَلوا المَلائِكةَ شُرَكاءَ مع الله تعالى في العِبادة فيُطيعونهم، ومَن أَطاع غيرَ الله تعالى في مَعصية الله تعالى فقَدِ اتَّخَذه إِلهًا، قال الله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: ٣١]، وقد رُوِيَ أنهم كانوا إذا أَحَلُّوا ما حرَّم الله أَحَلُّوه، وإذا حرَّموا ما أحَل الله حرَّموه، فجعَلوهم إلَهةً مع الله في التحليل والتحريم والطاعة، فيَكون مَعنَى قوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي: يُطيعونهم في عِبادة الملائِكة، ومَن أَطاع غيرَه في مَعصية الله تعالى فقَدِ اتَّخَذه إلَهًا.
وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ أي: مُصدِّقون فيما يَقولون لهم.
وقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ﴾ ولم يَقُلْ: كلهم. مع أن الجميع يَعبُدون الملائِكة طاعَةً للجِنِّ.
فلماذا عَبَّروا بقولهم: أكثَرهم. ولم يَقولوا: كلُّهم؟
جوابُ ذلك أن يُقال: إنَّ هؤلاءِ المُشرِكين يَنقَسِمون إلى قِسْمين: قِسْم عامَّةٌ أتباعٌ، لا يَعرِفون شيئًا، وجَدوا آباءَهم على دِين فمَشَوْا عليه، والقِسْم الآخَر مجُتَهِدون يَعرِفون الأَمْر ولكنهم يُؤمِنون بهؤلاء الجِنِّ ويُصدِّقونهم، وَيكفُرون بالرُّسُل، وهؤلاء همُ الأكَثرُ، ومع ذلك فإن الأَتْباع -وهم القِسْم الأوَّل- إذا تَبيَّن لهم الحقُّ وأَصَرُّوا على اتِّباع هؤلاء وقالوا كما قالَتِ الأُمَم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، فإنهم مُستَحِقُّون للعذاب؛ لأنهم كفَروا على بَصيرة.
стр. 248
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: بيانُ ما عِند المَلائِكة عليهم الصلاة والسلام من تَعظيم الله ، حيث قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تَنزيهًا عن أن يَكون لك شريك، لا مِنَّا ولا من غَيرِنا.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: إثباتُ رُبوبية الله للمَلائِكة، حيث قالوا: ﴿أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إثبات الجِنِّ؛ لقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ والجِنُّ عالَمٌ غَيْبيٌّ مخَلوق من نار وفيهم المُؤمِن والكافِر والمُطيع والعاصِي، كما في سُورة الجِنِّ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: وُجوب الكُفْر بعِبادة الجِنِّ؛ لقوله تعالى: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، وأمَّا الإيمان بوُجودهم فهو واجِب؛ لكن الإيمان بأن لهم حقا في العبودية هذا منكر، وهو المراد بقوله: ﴿أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾، ومن هنا نعرف أن ما جاء في كتاب في كتاب التوحيد -واستشكله بعضهم-؛ أنَّ المُصدِّق بالسِّحْر لا يَدخُل الجَنَّة مع أن السِّحْر حقيقة، والتَّصديق به أَمْر واقِعيٌ، لكن المُراد التَّصديق به يَعنِي مُمارَسته والإيمان به أي: بما يَنتُج عنه بحيث يُمارِسه الإنسان بنَفْسه، وأمَّا التصديق بأن السِّحْر له آثار فهذا أمْر لا يُمكِن إِنْكارُه.
* * *
стр. 249
الآية (٤٢)
* * *
* قالَ الله : ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [سبأ: ٤٢].
* * *
قوله : ﴿فَالْيَوْمَ﴾: (أل) هنا للعَهْد الذِّكْري، والمَذكور هو قولُه : ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أي: فاليَوْم الذي نَحشُرهم فيه لا يَملُك بعضُكم لبَعْض نَفْعًا ولا ضَرًّا.
وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ﴾ نُصِبَت على الظَّرْفية، والعامِل فيها قوله : ﴿لَا يَمْلِكُ﴾ يَعنِي: فلا يَملِك اليومَ بَعضُكم لبَعْض، أي: بعض المَعبُودين للعابِدين ﴿نَفْعًا﴾ شفاعةً ﴿وَلَا ضَرًّا﴾ تَعذيبًا].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ الذي انتَفَى نَفْعُه المعبودُ؛ لأنَّ العابِد يَرجو من وَراء المَعبود النَّفْعَ أو الضرَر.
فنَقول: لا يَملِك العابِد للمَعبود ضَرًّا ولا نَفْعًا، كما أنه لا يَملِك المَعبود للعابد ضَرًّا ولا نَفْعًا.
فَإنْ قِيلَ: ما الحِكْمة في أنَّ الله قال: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ﴾ وجعَله مُبهَمًا ليَشمَل العابِد والمعبود والتابع والمَتبوع؛ فكلُّ أحَدٍ يوم القِيامة لا يَملِك لأَحَدٍ نَفْعًا ولا ضَرًّا، وقول المُفَسِّر ﵀: [شَفَاعَةً] مع أن كلِمة (نَفْع) أعَمُّ من
стр. 250
الشفاعة، لكن كأنه ﵀ قيَّدها بالشفاعة؛ لقولهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]، فادَّعَوْا أنَّ عِبادتهم إيَّاهم من أجل أَنْ تَشفَع لهم عند الله وتُقرِّبهم إليه.
قوله : ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ يَعنِي: نَفْعًا في عِبادتكم إيَّاهم بالشفاعة، والأصَحُّ: وبغيرها.
﴿وَلَا ضَرًّا﴾ بعدَم عِبادتكم إيَّاهم، أي: أنهم إذا لم تَعبُدوهم فإنهم لن يَضُرُّوكم، وكما أنهم لا يَملِكون في ذلك اليومِ لا نَفْعًا ولا ضَرًّا، فكذلك لا يَملِكون في الدُّنْيا نَفْعًا ولا ضَرًّا.
فإن قلت: إنَّه قد يَعبُد الإنسان غَيرَ الله تعالى، فيَدعوه لكَشْف ضُر فيَنكَشِف ذلك الضُّرُّ، فما الجوابُ عن هذه الآية وغيرِها؟
فالجوابُ: إن هذا الذي حصَل لم يَحصُل بالدعاء أو بالعِبادة ولكن حصَل عنده، فليس ذلك سببًا.
فإذا قُلْتَ: قولكَ: إنه حصَل عنده. هذه دَعوى تَحتاج إلى بُرهان، وإلَّا لكان الواجِبُ أن يُحال الأمر على الشيء أو على السبب الظاهِر، وهو دُعاء هذه الأصنامِ. فهذه الاعِتراض يَعنِي: أنك قد تَقول: إن هذا الشيءَ حصَل عند الدُّعاء لا بالدُّعاء. فيُقال لك: هذه دَعوَى مِنك، ما دامَ دعا هذا الصَّنَمَ أن يَشفِيَه فشُفِيَ، فالأصل إحالة الحُكْم على السبَب الظاهِر، وهو هذا الدعاءُ فدَعوَى أنه حصَل بغير هذا السبَبِ الظاهِر تَحتاج إلى دَليل!
فالجوابُ: أن لَدينا دليلًا على ذلك وهو قوله : ﴿وَيَعْبُدُونَ