← Фикховые вопросы

Фикховые вопросы · id 150305

ذوو الاحتياجات الخاصة في ضوء القرآن والسنة

صهيب فايز عزام

Полный текст (167 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

من فقه الحديث: أ. ضرورة عناية المسؤولين بذوي الاحتياجات الخاصة وقضاء حوائجهم والقدوة في ذلك رسول الله ﷺ . ب. مشروعية عرض المشكلات على المسئولين لحلها. ج. أن يقوم ذوو الاحتياجات الخاصة بعمل ما يتقنونه ليكونوا فاعلين في المجتمع كما فعل عِتْبَان. د. إستشارة المسؤولين لذوي الاحتياجات الخاصة في ما يخصهم، فقد قال رسول الله ﷺ لعِتْبَان أين تحب أن أُصلي من بيتك. ٦. إعفاء ذوي الاحتياجات الخاصة من وجوب الجهاد . "عن البراء ﵁ قال: (لما نزلت ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قال النبي ﷺ : أُدعو فلانا فجاءه ومعه الدواة واللوح أو الكتف، فقال: اكتب ﴿لَا يَسْتَوِي القَاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وَالمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، وخلف النبي ﷺ ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله أنا ضرير، فنزلت مكانها: ﴿لَّا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ... ﴾ [النساء: ٩٥]). (١) "وعن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ (رجع من غزوة تبوك، فدنا من المدينة فقال: إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم، قالوا يا رسول الله: وهم بالمدينة، قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر) ". (٢) من فقه الحديث: أ. المساواة بين أصحاب الأعذار والمجاهدين في سبيل الله في الأجر. ب. الأعمال التي لا يستطيع ذوو الاحتياجات الخاصة أن يقوموا بها تسقط عنهم كما سقط عنهم واجب الجهاد. ج. إكرام ذوي الاحتياجات الخاصة بجعلهم كالمجاهدين في سبيل الله تقديرا لضعفهم. د. أي مجتمع يوجد فيه من ذوي الاحتياجات الخاصة لا بد أن توضع لهم قواعد تراعي احتياجاتهم وقدراتهم حتى لا يُكَلًفُوا فوق طاقتهم. ٧. العقل مناط التكليف: "عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: (رُفعَ القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المُبتلى حتى يبرأ، وعن الصَّبيِّ حتى يكبر) " (٣)

стр. 107

وعن عائشة، عن النبي ﷺ ، قَالَ: (رُفِع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقِظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق). (١) من فقه الحديثين: أ. غير العاقل رفع عنه القلم لذا فهو من أهل الجنة. ب. المجنون غير مكلف، إذاً العاقل مكلف فليحرص على أن يرشده عقله إلى خيري الدنيا والآخرة. ج. احترام من فقدوا عقولهم بإبعادهم عن أيدي العابثين والمستهزئين، وذلك بإيوائهم في بيوتهم أو مراكز تليق بهم وتحفظ لهم كرامتهم. وفي نهاية هذا المطلب يتبين لنا رحمة النبي ﵊ بالضعفاء، إذ راعى قدراتهم في جميع مجالات الحياة، حتى في العبادات التي تكون بين العبد وربه، وقد وضع فقهاء المسلمين قواعد فقهية لتحقيق هذا الأمر، ومن هذه القواعد: "الضرورات تبيح المحذورات، الضرورات تقدر بقدرها، المشقة تجلب التيسير"، (٢) وغيرها من القواعد والمسائل الفقهية. • المطلب الثالث: رحمة النبي ﷺ بذوي الاحتياجات الخاصة . لقد جاء رسول الله ﷺ رحمة للعالمين، حيث قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ [الأنبياء: ١٠٧]، ومن هؤلاء ذوو الاحتياجات الخاصة الذين يحتاجون للرحمة والعطف أكثر من غيرهم، نظراً لما أصابهم ولحق بهم، وفي هذا المطلب جمعت أحاديث ومواقف لرسول الله ﷺ ترشدنا وتبين لنا ضرورة الرحمة بالضعفاء، وهي: ١. فضل من يرحم الضعفاء . عن سعد بن عُباده ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء)، (٣) وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: (الرَّاحمونَ يَرحمهُمُ الرحمَنُ، ارحَمُوا أَهل الأَرضِ يَرحَمكُم أَهلُ السماءِ). (٤)

стр. 108

جاء في التنوير شرح الجامع الصغير: "الراحمون" أي: ذوو الرحمة من عباد الله، لمن في الأرض من حيوان، وآدمي وغيره بالإحسان وكف الظلم والتوجع والسعي في إصلاح حالهم. "يرحمهم الرحمن ﵎" أي: يتفضل عليهم بعفوه وغفرانه وبره وإحسانه جزاءً وفاقاً، "ارحموا من في الأرض" كل من في الأرض، "يرحمكم من في السماء" يرحمكم أهل السماء، إن كان لك شوقٌ إلى رحمة الله، فكن رحيماً لنفسك ولغيرك ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والضعيف بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك ودَفعِ غضبك، فأقرب الناس من الله رحمةً أرحمهم لخلقه، فكل ما يفعله من خيرٍ دق أو جل فهو صادر عن صفة الرحمة. (١) من فقه الحديثين: الرحمة بكل ضعيف، والرحمة بكل من هو بحاجة إلى مساعدةِ القوي، ومن ولّاه الله أمر المسلمين شيئاً، ورحمة الكبير بالصغير، ومن أكثر الناس حاجة إلى الرحمة بهم ذوي الاحتياجات الخاصة، فهم سببٌ لنيل رحمة الله تعالى التي بها يدخل أهل الجنة جنة الخلد. ٢. أهمية التراحم بين أهل العافية وذوي الاحتياجات الخاصة: عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم، مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو، تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى). (٢) قال ابن عثيمين: " فأنت إذا أحسست بألم في طرف شيء من أعضائك، فإن هذا الألم يسري على جميع البدن، كذلك ينبغي أن تكون للمسلمين هكذا، إذا اشتكى أحد من المسلمين فكأنما الأمر يرجع إليك أنت". (٣) من فقه الحديث: بما أن ذوي الاحتياجات الخاصة أعضاء من جماعة المسلمين، فمن يشعر بشعورهم ويقف إلى جانبهم يتَّصف بالمودة والرحمة والعطف، وهذه من صفات المؤمن.

стр. 109

٣. الرسول يحذر من ظلم الضعفاء . "عن جابر قال: لما رجعت مهاجرة الحبشة إِلى رسول الله ﷺ ، قال: (أَلا تحدثوني بأَعجب ما رأَيتُم بأَرض الحبشة؟ " قال فِتية منهُم: بلى يا رسول الله، بينما نحن جلوس مرت علينا عجوز مِنْ عجائزِهم، تحملُ على رأسها قُلَّةٌ مِنْ ماء، فمرت بفتى منهم، فجعل إِحدى يديه بَين كتِفَيها، ثمّ دفعها على ركبتيها، فانكسرت قلّتها، فلَما ارتفعت التفتت إِليه، ثمّ قالت: ستعلم يا غُدَرْ إِذا وضع الله الكرسي، وجمع الأَولين والآخرِين، وتكلمت الأَيدي والأَرجلُ بما كانوا يَكسبون، فسوف تَعلمُ أَمري وأَمركَ عِندهُ غدا، فقال رسول الله ﷺ : صدَقَت، ثُم صدقَت، كَيف يُقدس اللهُ قَوما لا يؤخذ لضعيفهم من شديدهم) ". (١) "وعن ابن مسعود ﵁ قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى لا يقدس أمة لا يعطون الضعيف منهم حقه) ". (٢) جاء في كتاب التنوير شرح الجامع الصغير "إن الله تعالى لا يقدس" لا يطهرها عن أدناس الذنوب ولا يعظمها ولا يرفع لها شأناً "أمة" هي الجيل من كل حي "لا يعطون الضعيف" الذي لا ظهر له ولا قوة ولا معين ولا ناصر "منهم حقه" ما هو له عند القوي. (٣) من فقه الحديثين: أ. عندما يُعطَى ذوو الاحتياجات الخاصة حقهم، يقدس الله تعالى الأمَّة ويعلي شأنها. ب. نصرة الضعفاء سبب لمغفرة الذنوب. ج. من أسباب الهوان ظلم الضعفاء. ٤. من الرحمة بذوي الاحتياجات الخاصة عدم غيبتهم: عن أبي هريرة ﵁: (أن رجلا قام عند رسول الله ﷺ ، فرأوا في قيامه عجزا، فقالوا: ما أعجز فلانا، فقال رسول الله ﷺ : أكَلْتُم أخاكُمْ واغَتَبْتُمُوه)، (٤) جاء في شرح صحيح البخاري لابن بطال: وإنما يكون ذلك غيبة من قائله إذا قاله على وجه الذم والعيب للمقول فيه، وهو له كاره، وعن مثل هذا ورد النهى، وأما إذا قاله على وجه التعريف والتميز له من سائر الناس، فإن ذلك بعيد من

стр. 110

معنى الغيبة. سئل ابن المبارك عن الرجل يقول: حميد الطويل، وسليمان الأعمش، وحميد الأعرج، ومروان الأصفر، فقال عبد الله: إذا أراد صفته ولم يرد غيبته فلا باس به. (١) من فقه الحديث: أ. حرمة الغيبة وهي ذكرك أخاك بما يكره. ب. إن عُلِم أن ذوي الاحتياجات الخاصة لا يكرهون ذكرهم بما أصيبوا به فلا تُعَّدُ غِيْبَهً. ج. البعد عن ذكر ذوي الاحتياجات الخاصة بما لا يحبون، وإن لم يكونوا حاضرين فهذا منهج النبي الكريم. ٥. الرسول يوصي الأقوياء بأن يرحموا الضعفاء . عن عمر بن الخطاب ﵁، أَن النبي ﷺ قال له: (يا عمر، إِنك رجل قوِي، لا تزاحم على الحجر فتؤذِي الضعيف، إِنْ وجَدتَ خَلوَةً فاستَلِمهُ، وإِلا فاستَقبلهُ فهلل وكبر). (٢) من فقه الحديث: ا. تمكين الضعفاء من الوصول إلى الأماكن التي يحرص عليها الناس لشرفها كالحجر الأسود. ب. تقديم الضعفاء وجعل حق الأولوية لهم عند وجود أمر يصطف الناس له، أو زحام يسبب لهم مشقة. في نهاية هذا المطلب، يتبين لنا أن المودة والرحمة من صفات المؤمن، فلا بد من البعد عن الشدة والغلظة، فمن أسباب الهوان ظلم الضعفاء، فلقد حث الرسول ﷺ على الرحمة بالضعفاء فهم سبب لمغفرة الذنوب ونيل رحمة الله ، فان كان لك شوقٌ لرحمة الله سبحانه فكن رحيما بنفسك وبغيرك، فأقرب الناس من الله رحمة أرحمهم بخلقه.

стр. 111

• المطلب الرابع: الرسول ﷺ يوصي بذوي الاحتياجات الخاصة . ومن مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية، أن أوصى بهم رسول الله ﷺ ، فقد أوصى جميع المسلمين من أقوياء ومسؤولين أو أناس عاديين بضرورة مساندة ومساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة في جميع المجالات إن احتاجوا لذلك. ١. التحذير من الاحتجاب عن الضعفاء وترك قضاء حوائجهم . عن أبي مَريم الأَزدِيَّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: (من ولاهُ اللهُ شَيئا مِنْ أَمر المُسلمين، فاحتجب دون حاجتِهِم وخلتهِم وفقرِهِم، احتجب اللهُ عنهُ دون حاجته وخلته وفقره). (١) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: احتجب عبارة عن الاحتجاب، أَو كنايةً عن الامتناع عن قضاء مقصود المُحتَاجينَ بالبابِ، والمُسلمُ لا يُمنعُ، سواءٌ كان مظلوما أَو ذا حاجة أَو غَيره، لأن له الحق بالدخول على المسؤولين ليوصل صوته اليهم، غلق اللهُ دونه أَبواب رحمته عند حاجته وفقره أَي إِلى اللهِ في أَمر الدنيا، أَو العقبى أَو إِلى مخلوق مثله في الدنيا، حال كونه أَفقر ما يكون إِليه أَي أَحوَج أَوقات يكون مفتقرا إِليه ومحتاجا لديه. (٢) من فقه الحديث: أ. أن لا يكون الوالي عنيفاً على رعيته بل يكون رفيقا فالجزاء من جنس العمل فجزاء الإحسان إحسان. ب. من ولي فكان مديراً أو وزيراً أو أميراً فلا يحتجب عمن كان ضعيفاً أو له حاجه. ج. بيان عظم حقوق العباد وأهمية قضائها. ٢. من أعظم أبواب الصدقة معاونة ذوي الاحتياجات الخاصة . "قال أَبو ذرٍّ: على كل نفس في كل يوم طلعت فيه الشمس صدقة منه على نفسه، قلت: يا رسول الله، مِنْ أَين أَتَصدَّق ولَيس لنا أَموالٌ؟ قال: لأَن مِنْ أبواب الصدقة التكبير، وسبحان اللهِ، والحمد للهِ، ولا إِلهَ إِلا اللهُ، وأستغفرُ اللهَ، وتأمرُ بالمَعروفِ، وتَنهى عن المنكرِ، وتعزلُ الشوكةَ عَنْ طريق الناس والعظم والحجر، وتهدي الأَعمى، وتسمع الأَصم والأَبكمَ حَتى يفقه، وتدِل

стр. 112

المُستدل على حاجة له قد علمت مكانها، وتسعى بشدة ساقيكَ إلى اللَّهفانِ المُستغيثِ، وتَرفع بشدة ذراعَيك مع الضعِيفِ، كل ذلكَ من أَبواب الصدقة منك على نَفسك " (١) وعن أَبي ذرٍّ، قال: قال رسول الله ﷺ : (تَبسُّمُك في وَجه أَخيك صدقةٌ لكَ، وَأَمرُك بالمَعروفِ، ونهيُك عن المُنكر صدقةٌ، وإِرشادُك الرجل في أَرض الضلالة لك صدقةٌ، وبصرك للرجلِ الرديءِ البصر لك صدقةٌ، وإِمَاطتُك الحجرَ والشوكةَ والعظمَ عَنِ الطريق لك صدقةٌ، وإِفراغُك مِنْ دلوكَ في دلوِ أَخيك لك صدقةٌ) (٢). من فقه الحديثين: ا. من الصدقة إرشاد الضال وهداية الأعمى وتوجيه الأصم. ب. التنقل بحرية حق للجميع، وذلك بإزالة كل ما يحد من حركة المارة بالطريق. ج. أن يكون المسلم نافعاً حيث حل، وفي كل زمان ما استطاع ذلك. د. من بركات ذوي الاحتياجات الخاصة أن معاونتهم سبب من أسباب جمع الحسنات. هـ. يصلح الإنسان نفسه إذا أصلح ما بينه وبين الله وأصلح ما بينه وبين العباد. و. لا نحتقر اعمال الخير وان كانت صغيرة، فرب أعمال صغيرة أثرها عند ذوي الاحتياجات الخاصة، كبير وأجرها عند الله كثير. ٣. الوعيد بالطرد من رحمة الله لمن ضلل الأعمى . عن ابن عباس، أَن رسول الله ﷺ قال: (لَعن اللهُ مَنْ ذبح لغيرِ الله، لَعن الله مَنْ غيَّرَ تُخومَ الأَرضِ، لَعنَ الله من كَمَّهَ الأَعمى عن السَّبيل، لَعنَ الله مَنْ سَبَّ والديه، لَعن الله مَن تَولَّى غيرَ مواليه، لعن الله مَنْ عَمِل عَمَل قوم لوط). (٣) "مَنْ كَمَّهَ أَعمى أَي: عَمَّى عليه الطريق ولم يُوقفهُ عليهِ". (٤)

стр. 113

من فقه الحديث: أ. ضرورة إرشاد الأعمى والأخذ بيده إن احتاج لذلك. ب. الحذر من السخرية من ذوي الاحتياجات الخاصة بحجة التسلية. ج. إذا كان إضلال الأعمى عن الطريق من الكبائر، إذاً فمعاونته من أحسن القربات والفضائل. ٤. من أعان صاحب حاجة كان الله في عونه: عن عبد الله بن عمر ﵄، أَنَّ رسول الله ﷺ قال: (المسلم أَخو المسلِم لا يظلمُهُ ولا يُسلِمُه، ومَنْ كان في حاجة أَخيه كان الله في حاجتهِ، ومَنْ فرَّج عن مسلم كربة، فرج الله عنه كُربة مِنْ كربات يوم القِيامةِ، ومَنْ ستر مُسلما سترهُ الله يوم القيامة). (١) من فقه الحديث: أ. أن يحرص ذوو الاحتياجات الخاصة على بناء علاقاتهم مع غيرهم على أساس الأخوة الإسلامية، فالمسلم الصادق لا يظلم ولا يخذل. ب. من بركات صاحب الحاجة أن الله يقضي حاجة من يقضي له حاجة. ٥. حديث جامع في فضل من يعين ذوي الاحتياجات . عن عبد الله بن عمر ﵄، أن النبي ﷺ قال: (أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرور يُدخله على مسلم، أو يكشف عنه كربة، أو يقضي عنه دينا، أو يطرد عنه جوعا، ولأن أمشي مع أخ في حاجةٍ أَحب إليَّ من أن أعتكف في هذا المسجد "يعني: مسجد المدينة" شهراً، ومن كفَّ غضبه ستر الله عورته، ومن كظم غيظه ــ ولو شاء أن يُمضيه أمضاه ــ ملأ الله قلبه رجاءً يوم القيامة، ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له، أثبت الله قدمهُ يومَ تَزولُ الأقدام.) (٢) من فقه الحديث: أ. من يُقدم النفع إلى الناس، يَكثر نفعه ويَعُمُّ خيره ويعظُم أجره ويكون محبوبًا إلى الله. ب. الوقوف مع ذوي الاحتياجات الخاصة حتى تُقضى حوائجهم أفضل من عبادة التطوع وخير من اعتكاف شهرٍ كامل في مسجد رسول الله.

стр. 114

ج- التخفيف من معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة بإدخال السرور على نفوسهم فهم بحاجة لذلك. ٦. حق المسلم وحرمة دمه: عن أَبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : (لا تَحاسَدوا، ولا تَناجَشوا، ولا تَباغضوا، ولا تدابروا، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيْع بعض، وكونوا عباد اللهِ إِخوانا المُسلمُ أَخو المُسلم، لا يظلمه ولا يخذله، ولا يحقِرهُ التقوى هاهنا -ويُشيرُ إِلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ مِنَ الشَّرِّ أَن يحقرَ أَخاهُ المُسلِم، كلُّ المُسلمِ على المسلم حرام، دمه، ومالهُ، وعرضهُ). (١) من فقه الحديث: أ. ذوو الاحتياجات الخاصة أو أهل العافية يتفاضلون بالتقوى والإيمان لا بالأشكال والألوان. ب. من حق ذوي الاحتياجات الخاصة أن يعيشوا بكرامة فيحرم ظلمهم وخذلهم واحتقارهم ودماؤهم وأعراضهم وأموالهم. ج. بتحقيق هذه المعاني يسعد الجميع في المجتمع ومنهم ذوو الاحتياجات الخاصة. ٧. الرسول يأمر بنصرة الضعيف. "عن البراء بن عازب ﵁ قال: أمرنا رسول الله ﷺ بسبع: بِعِيادةِ المريض، واتِّباعِ الجنائز، وتَشميتِ العاطِس، وَنَصرِ الضَّعيف، وعَونِ المظلوم، وإفشاءِ السَّلام، وإِبرار المُقْسِم" (٢) من فقه الحديث: أ. ضرورة الوقوف مع الضعفاء لإنجاز قضاياهم واحتياجاتهم في الدوائر والمؤسسات والمصالح الأخرى. ب. أن يقدم ذوو الاحتياجات الخاصة على غيرهم في حال الوقوف والانتظار لإنجاز معاملاتهم. ج. نصرة الضعفاء واجب اذا انتقص من حقهم في حضرتهم أو في غيبتهم.

стр. 115

٨. الدفاع عن المسلم . عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: (من رَدَّ عن عِرْضِ أخيه رَدَّ الله عن وَجهِهِ النَّار يومَ القيامة). (١) من فقه الحديث: ا-رد الظلم عن الضعفاء في حضرتهم وفي غيبتهم. ب- العمل على تحصيل حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة. في نهاية هذا المبحث يتبين لنا كم بلغت مكانة ذوي الاحتياجات الخاصة في السنة النبوية، حيث أولاهم الرسول ﷺ عناية خاصة، فاستمع لمطالبهم ولبى احتياجاتهم، وزارهم في بيوتهم، وقرَّبهم واختار منهم المؤذن والمعلم والإمام والوالي، وبلغت عنايته أن راعى قدراتهم في جميع مجالات الحياة حتى في العبادة، وحث على ضرورة الرحمة بالضعفاء، فالرحمة بهم سبب لمغفرة الذنوب ونيل رحمة الله التي بها يدخل أهل الجنة جنة الخلد، لذا أوصى رسول الله ﷺ جميع المسلمين من أقوياء ومسؤولين أو أناس عادين بضرورة مساندة ومساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة في جميع المجالات إن احتاجوا لذلك، ووعد من فعل ذلك بالأجر العظيم. • المبحث الثاني: توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة. لقد أرسل الله رسول الهدى محمداً ﷺ لهداية البشرية وإسعادها، فهو مُرسَل لجميع الشرائح والفئات، ومن هؤلاء ذوي الاحتياجات الخاصة الذين أولاهم الرسول ﷺ عناية خاصة، وفي هذا المبحث سألقي الضوء على ما وجهه النبي ﷺ لذوي الاحتياجات الخاصة من نصائح وتوجيهات وبيان ما لهم من فضائل ودرجات، وقد جاء في اربعة مطالب هي: المطلب الأول: بشرى النبي ﵇ لذوي الاحتياجات الخاصة. المطلب الثاني: العبرة بسلامة القلوب والسرائر لا بسلامة الأجساد والمظاهر. المطلب الثالث: توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة للاندماج في المجتمع. المطلب الرابع: البلاء يكشف عن معادن الرجال.

стр. 116

• المطلب الأول: بشرى النبي ﵇ لذوي الاحتياجات الخاصة. ان رسول الله ﷺ لم يهمل المصيبة الجسدية، ولم ينكر وجودها، ولم يتجاهل أثرها في نفس صاحبها أو من يحيط به، لذا وجه المسلم الى الصبر على ما يواجهه في هذه الدنيا من متاعب ومصاعب، وما ينزل به من ابتلاء يحل في جسمه أو في أهله، ووعده بالأجر العظيم إن هو صبر واحتسب، وفي السنة النبوية أحاديث كثيرة تحدثت عن الصبر والصابرين، وما أعده الله لهم من أجر عظيم، منها: ١. الإصابة في الأبدان علامة خير للإنسان . عن ابي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (مَنْ يُرِدِ اللهُ به خَيرا يُصِبْ مِنهُ)، (١) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: يصب منه: أَي يجعلُهُ ذا مُصيبةٍ لِيُطَهِّره بها مِنَ الذنوب، وليرفعَ بها درجتهُ. (٢) من فقه الحديث: أ. من ابتلي في الدنيا عوفي في الآخرة. ب. الإصابات سبب لتكفير السيئات ورفع الدرجات. ٢. الجنة جزاء من صبر على الصرع: (عن عطاء بن أبي رباح ﵁ قال: قال لي ابن عباس ﵁: ألا اريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف فادع الله لي، قال: إن شئت صبرت ولك الجنة، وان شئت دعوت الله أن يعافيك، فقالت أصبر، فقالت: إني أتكشف فادع الله أن لا أتكشف، فدعا لها). (٣) جاء في عمدة القاري شرح صحيح البخاري، قَوْله: "إِن شِئْتِ صبرتِ": خَيَّرهَا رسول الله ﷺ بَين أَن تصبر على هذه الْهَيْئَة وَلها الجنَّة، وبين أَن يَدعو الله تعالى فيعافيها، فاختارَت الصَّبر، ثمَّ قالت: أخشى من كشف العورة، فدعا لها رسول الله ﷺ فانقطع عنها التكشف، اما قَوْل: "فَادع الله أَن لَا أتكشف": فيه فضيلة ما يترتَّب من الصَّبر على الصرع، وأَن اختيار البلاء والصَّبر عليه يورث الجنَّة، وأَن الأَخذ بالشدة أفضل من الأَخذ بالرُّخصة لمن علم من نَفسه أَنه يُطيق التَّمادي على الشدَّة، ولا يضعف عن التزامها. (٤)

стр. 117

من فقه الحديث: أ. فيه تسرية وتسلية لمن أصيب بالصرع. ب. الصبر على المفقود والشكر على الموجود. ج. البلاء مع الصبر أفضل من العافية لما أعد لأهل البلاء من أجر. د. ضرورة ستر العورات وأهمية الحجاب للفتيات. ٣. من فقد بصره فصبر واحتسب عوضه الله الجنة: وعن أنس بن مالك ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (إن الله قال: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة)، (١) وعن أبي هريرة ﵁، رفعه إلى النبي ﷺ قال: (يقول الله : من أذهبت حبيبتيه فصبر واحتسب لم أرض له ثوابا دون الجنة). (٢) قال ابن حجر: إِذا ابتليتُ عبدي بحبيبتيه أي عينيه والمُراد بالحبيبتين المحبوبتان، لأنهما أَحبُّ أَعضاء الإِنسان إِليهِ لما يحصل له بفقدهما مِنَ الأَسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته مِنْ خيرٍ فيُسَرُّ به، أَو شَرٍّ فَيجتنبُهُ، قولهُ: "فصبر" والمراد أَنه يصبر مستحضرا ما وعد اللهُ به الصابر مِنَ الثواب، لا أَن يصبر مجردا عن ذلك، لأَنَّ الأَعمال بالنِيات وابتلَاءُ اللهِ عبدهُ في الدُّنيا لَيس مِنْ سخطِه عليه بل إِما لدفع مكروه، أَو لكفارة ذنوب، أَو لرفعِ منزلة، فإِذا تلَقى ذلك بالرِّضا تَم له المُراد، قوله: عوضته منهما الجنة وهذا أَعظم العِوَضِ لأَن الِالتذاذ بالبصر يفنى بفنَاء الدنيا، والالتذاذ بالجنة باقٍ ببقائها، وهو شاملٌ لكل مَنْ وقع له ذلك بالشرط المذكور، وإِذا كان ثواب مَنْ وقع له ذلك الجنة، فالذي له أَعمال صالحة أُخرى يزاد في رفع الدرجات. (٣) من فقه الحديثين: أ. من صفات الله العدل، فقد أخذ في الدنيا العينين ليعطي في الآخرة الجنة لمن صبر واحتسب. ب. لما جعل الله تعالى الجنة عوضا عن العينين، فقد دلّ على أهمية نعمة البصر، فاشكر الله على هذه النعمة يا صاحب البصر. ٤. أعرج يمشي برجله صحيحة في الجنة: عن أبي قتادة ﵁ قال: (أتى عمرو بن الجموح إلى رسول الله ﷺ فقال يا رسول الله: أرأيت إن قاتلت في سبيل الله حتى أقتل، أمشى برجلي هذه صحيحة في الجنة، وكانت رجله

стр. 118

عرجاء، فقال رسول الله ﷺ : نعم، فقتلوا يوم أحد هو وابن أخيه ومولى لهم، فمر عليه رسول الله ﷺ فقال: كأني أنظر إليك تمشي برجلك هذه صحيحة في الجنة، فأمر رسول الله ﷺ بهما وبمولاهما فجعلوا في قبر واحد). (١) وعن جابر ﵁ قال: (جَاءَ عَمرو بنُ الجموح إِلى رسول الله ﷺ يوم أُحد فقال: يا رسول الله، مَنْ قُتِلَ اليوم دخل الجنةَ؟ قال: "نعم". قال: فوا لذي نفسي بيده، لا أَرجعُ إِلى أَهلي حتَّى أَدخُلَ الجَنَّة، فقال له عمر بن الخطاب: يا عمرو، لا تَألَّ على اللهِ، فقال رسول الله ﷺ : "مهلا يا عُمر، فإن منهم مَنْ لو أَقسم على اللهِ لأَبرَّهُ: منهُم عمرو بن الجموحِ، يخوض في الجنة بعرجته). (٢) من فقه الحديثين: أ. أن من أبرز سمات ذوي الاحتياجات الخاصة التحدي والهمَّة العالية والإرادة القوية. ب. القمم لأهل الهمم وبقدر العَنى تُنال المنى. ج. إذا أصيب المسلم في دنياه بجسده عوفي في آخرته ونال رحمة ربه. د. حق ذوي الاحتياجات الخاصة بالحرية والتعبير واتخاذ القرار. هـ. دعاء أهل البلاء أكثر إجابة، وقَسَمُهم أكثر بِرّا. و. الدفاع عن ذوي الاحتياجات الخاصة إن احتاجوا لذلك. ٥. طلحة "من المبشرين بالجنة" ويده مشلولة: عن قيس بن أبي حازم قال: (رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي ﷺ قد شُلَّت). (٣) وعن الزبير بن العوام قال: (كان على النبي ﷺ يوم أُحُد دِرعان فنهض إِلى الصَّخرة فلم يستطِع فَأَقعد طَلحةَ تَحتهُ وصَعِدَ النبيَ ﷺ حَتَّى استوى على الصَّخرة قال: سمعتُ النَّبي ﷺ يقول: "أوجب طلحة"). (٤) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: أوجب طلحة أَيِ الجنَّة، والمَعنى أَنهُ أَثبتها لنفسه بعمله لرسول الله ﷺ ، وجعلها وقايةً له حتَّى طعن ببدنه، وجُرِح جميعُ جسده حتى شُلَّت يدُه وجُرحَ بِبِضع وثمانين جِراحةً. (٥)

стр. 119

من فقه الحديثين: أ. من أصيب بعضو من أعضائه فليبقَ واثقا من نفسه ولا يخجل أمام الناس، لأن ذلك باختيار الله تعالى. ب. ارحم أهل البلاء وسل الله العافية، فان طلحه كان معافى في يده ثم شلت بعد ذلك. ٦. تفقد ذوي الاحتياجات الخاصة والسؤال عنهم . لقد كان رسول الله ﷺ يتفقد أصحابه ومنهم ذوي الاحتياجات الخاصة ويظهر ذلك جلياًعندما سأل عن ثابت بن قيس ﵁ الذي كان في أذنه صمم. "عَن أَنَس بنِ مالك أَنهُ قال: (لما نزلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]، (جَلسَ ثابتُ بنُ قيسٍ في بيتهِ، وقال: أَنا مِنْ أَهل النَّار، واحتبس عن النبي ﷺ ، فسأَل النبيُّ ﷺ سعدَ بنَ مُعاذٍ، فقال: يا أَبا عَمرو، ما شَأن ثابت؟ اشتكى؟ قَالَ سَعْدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي، وَمَا عَلِمْتُ لَهُ بِشَكْوَى، قَالَ: فَأَتَاهُ سَعْدٌ، فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رسول الله ﷺ ، فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ للهِ ﷺ ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ) ". (١) وقال ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ ﵁: (يَا رسول الله، لقد خَشيتُ أَن أَكُونَ قَد هلَكتْ، قال رسول الله ﷺ : وَلِمَ؟ قال: نهانا اللهُ أَن نُحِبَّ أَن نُحمَدَ بِمَا لَم نَفعل وأَجِدُني أُحبُّ الحَمدَ، وَنَهَانَا عَنِ الخُيَلاءِ وَأَجِدُني أُحبُّ الجَمَالَ، ونَهانَا أَن نَرفَع أَصوَاتَنَا فَوقَ صَوتِكَ، وَأَنا جَهيرُ الصَّوتِ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : يَا ثَابِتُ، أَلَا تَرضَى أَن تَعِيشَ حَمِيدا، وَتُقتَلَ شَهيدًا، وتَدخُل الجَنَّةَ؟ قَالَ: بَلَى، يَا رسول الله، قَالَ: فَعَاشَ حَمِيدًا، وَقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الكذَّاب). (٢) من فقه الحديثين: أ. عدم التمييز بين ذوي الاحتياجات الخاصة وغيرهم، فلقد كان الرسول ﷺ يعتني بجميع أصحابه ويسأل عنهم دون تمييز بين صغير وكبير أو بين قوي وضعيف. ب. من كان بالله اعرف كان لله أخوف. ج. دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في المجتمع وإبعادهم عن الانطواء والانزواء.

стр. 120

٧. إصابة الاجسام كفارة للخطايا والآثام . عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَا يُصِيبُ المُسلِمَ، مِن نَصَبٍ وَلا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ وَلا حُزنٍ ولا أَذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكَةِ يُشَاكُها، إِلَّا كَفَّر اللهُ بها مِن خطاياهُ). (١) من فقه الحديث: إعلم أن البلاء قد يكون ثوابا وقد يكون عقابا. ٨. أن يرضى العبد بما اختاره الله فهو خير له . عن أبي هريرة ﵁ قال: (لما نزلت: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)﴾ [النساء: ١٢٣] بلغت من المسلمين مبلغا شديدا، فقال رسول الله ﷺ : قاربوا وَسَدِّدُوا ففي كُلِ ما يُصابُ به المسلم كَفَّارةٌ، حتى النَّكبةِ يُنكَبُها أو الشَّوكةِ يُشاكُها). (٢) وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله، حتى يلقى الله، وما عليه خطيئة). (٣) من فقه الحديثين: أ. إعلم أن لك في كل مصيبة درجات ومحو خطيئات. ب. إصبر وارضَ بقضاء الله تكن أسعد الناس. ٩. أهل البلاء يوم القيامة أعظم ثوابا: عن جَابِرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : (يَودُّ أَهلُ العافيَةِ يَومَ القيَامةِ حِينَ يُعطَى أَهلُ البلاءِ الثَّوابَ لَو أَنَّ جُلودَهُم كَانت قُرِضَت في الدُّنيا بِالمقاريضِ). (٤) وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (يُؤتَى بالشهيد يوم القيامة فَيُنصب لِلحِساب، ويُؤتَى بالمُتَصَدِّق فَيُنصَبُ للحساب، ثم يُؤتَى بأهل البلاء ولا يُنصَبُ لهم ميزان، ولا يُنشر لهم ديوان، فَيُصَبُّ عليهم الأجر صَباً حتى أن أهل العافية لَيَتَمنَّوْنَ في الموقف أن أجسادهم قُرِضَتُ بالمقاريض من حُسنِ ثواب الله.). (٥)

стр. 121

من فقه الحديثين: أ. الصبر على البلاء أهون من الصبر على العذاب يوم القيامة. ب. البلاء يرفع درجتك في الجنة. ١٠. رسول ﷺ يبشر الضعفاء بالجنة. عن حَارِثَةَ بن وَهْبٍ الخُزَاعِيَّ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (أَلا أُخبرُكُم بأَهلِ الجنَّةِ؟ كلُّ ضعيفٍ مُتضعِّفٍ، لَو أَقسمَ على اللهِ لأَبرهُ، أَلا أُخبِرُكُم بِأَهلِ النَّارِ: كلُّ عُتُلٍّ، جَوَّاظ مُستَكبِرٍ). (١) جاء في كتاب منار القاري شرح صحيح البخاري: "دل هذا الحديث على مشروعية الاستعانة بدعاء الضعفاء على النصر على الأعداء، إذا كانوا صالحين، وهو ما ترجم له البخاري، لأن النصر إنما هو من عند الله، فلا ينبغي الاعتماد فيه على مجرد القوة العسكرية، أو البطولة والشجاعة، وإنما ينبغي الاعتماد على الله، والإكثار من التضرع والاجتهاد في الدعاء، والتماس دعاء الضعفاء والصالحين، لما له من عظيم الأثر في مثل هذه المواقف". (٢) من فقه الحديث: أ. كل أسرة عندهم فرد ضعيف فليحمدوا الله ففي بيتهم واحد من أهل الجنة. ب. دعاء الضعفاء أكثر إجابة وقسمهم أكثر برا. في نهاية هذا المطلب يتبين لنا أن ما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة فبقدر الله ، والتسليم بذلك والصبر عليه توجيه نبوي، لأنه جزء لا يتجزأ من الإيمان وان رسول الله ﷺ وعد الصابرين بالأجر العظيم ان هم صبروا على ما أصابهم من مصائب ومصاعب واحتسبوا الأجر والثواب عند الله.

стр. 122

• المطلب الثاني: العبرة بسلامة القلوب والسرائر لا بسلامة الأجساد والمظاهر . لقد بين رسول الله ﷺ أن الإنسان مكرمٌ عند الله سواء في ذلك ذوو الاحتياجات الخاصة أم غيرهم من أهل العافية، وجعل مناط التفضيل بينهم مبنياً على التقوى والإيمان لا على الأشكال والألوان ومما ورد في هذا المعنى: ١. مناط التفضيل بين الناس تقوى الله . عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إن الله لا ينظر إلى أجسادكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم). (١) هذا الحديث يدل على ما يدل عليه قول الله تعالي: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (١٣)﴾ [الحجرات: ١٣]. قال ابن عثيمين رحمه الله تعالى: "فالله سبحانه وتعالي لا ينظر إلي العباد إلى أجسامهم هل هي كبيرة أو صغيرة، أو صحيحة، أو سقيمة، ولا ينظر إلى الصور، هل هي جميلة أو ذميمة، كل هذا ليس بشيء عند الله، وكذلك لا ينظر إلى الأنساب، هل هي رفيعة أو دنيئة، ولا ينظر إلى الأموال، ولا ينظر إلى شيء من هذا أبدا، فليس بين الله وبين خلقه صلة إلا بالتقوى، فمن كان لله أتقى كان من الله أقرب، وكان عند الله أكرم، لذاً لا تفتخر بمالك، ولا بجمالك، ولا ببدنك، ولا بأولادك، ولا بقصورك، ولا سياراتك، ولا بشيء من هذه الدنيا أبداً، إنما إذا وفقك الله للتقوى فهذا من فضل الله عليك فأحمد الله عليه، قوله ﵊: "ولكن ينظر إلى قلوبكم" فالقلوب هي التي عليها المدار". (٢) من فقه الحديث: أ. أن نجعل هذا الحديث ميزانا عند تقييمنا لأي إنسان. ب. إصابة القلوب اشد وأعظم من إصابة الأجسام فالإصابة في الأجسام يؤجر عليها الإنسان أما الإصابة في القلوب فتغضب علام الغيوب. ج. بالقلب السليم تدخل جنة النعيم.

стр. 123

٢. يُقدَّر الإنسان عند النبي ﷺ بالإيمان . عَن زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ: (عن ابن مسعودٍ، أَنَّه كان يَجتني سِواكا من الأَراك، وكان دقيق السَّاقَين، فجعلت الرِّيحُ تَكفَؤُهُ، فضحكَ القَومُ منهُ، فَقَالَ رسول الله ﷺ : مِمَّ تَضْحَكُونَ؟ قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فَقَالَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ). (١) من فقه الحديث: أ. يقدر الرجال ويوزنون بقوة الإيمان لا بضخامة الأجسام. ب. الدعم المعنوي حاجة ضرورية لذوي الاحتياجات الخاصة وذلك بالثناء عليهم بما هم أهل له. ٣. الوزن يوم القيامة للإيمان لا للأجسام . عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رسول الله ﷺ قَالَ: (إِنَّهُ لَيَأْتِي الرَّجُلُ العَظِيمُ السَّمِينُ يَوْمَ القِيَامَةِ، لا يَزِنُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ، وَقَالَ: اقْرَءُوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ [الكهف: ١٠٥]). (٢) من فقه الحديث: أ. كلما التزم الإنسان بالإسلام كان قدره عند الله رفيعاً وكلما ابتعد عن الإسلام كان قدره عند الله وضيعاً. ب. قيمة الإنسان بدينه وتقواه لا بشكله ووزنه. ج. ذم السِمَنْ الذي يضعف الهمة ويقيد العزيمة. ٤. إستعن بالله فأنت قوي . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : (الْمُؤمنُ القَويُّ، خيرٌ وَأَحبُّ إلى اللهِ مِنَ المُؤمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيرٌ احرِصْ عَلَى مَا يَنفعُكَ، وَاستَعِن بِاللهِ وَلَا تَعجَز، وَإِن أَصَابَكَ شَيءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ). (٣) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: "الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ"، أَيِ: القادر على تكثيرِ الطَّاعةِ خيرٌ وأَحبُّ إِلى اللهِ "مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ"، أَيِ: العاجز عنهُ، " وفي كلٍّ خَيْرٌ" أَي: أَصلُ الخَير موجودٌ في كلٍّ منهُما، المراد بالمؤمن القويِ الصَّابرِ على مُخالطةِ الناس وتحمُّل أَذيَّتهم وتَعليمهم

стр. 124

الخير وإِرشادهم إِلى الهُدى، والمُؤمن القوي الذي قوِيَ في إِيمَانه وصَلُب في إِيقانه بحَيث لا يرى الأَسباب، ووثق بمسبِّب الأَسبابِ، والمؤمِن الضَّعيف بخلافه وهو أَدنى مراتب الإِيمان، القوّة هنا يرادُ بها عزيمةُ النَّفس في أُمور الآخرةِ، فيكون صاحبُ هذا أَكثر إِقداما على الغزو والجهادِ، وأَسرعَ خُروجا وذهابا في طلبه وأَشدَّ عزيمة في الأَمر بالمعرُوف والنَّهي عن المنكر والصَّبر على الأَذى في كلِّ ذلك، وقولهُ: "فِي كُلٍّ خَيْرٌ"، معناه في كل منَ القويِّ والضَّعيف خير لاشتراكهمَا في الإِيمَانِ، مع ما يأتي به الضعيفُ مِنَ العباداتِ "احرِص": أي كُن حريصا "عَلَى مَا يَنفَعُكَ" أَي: مِنْ أُمور الدِّين، "وَاستَعِن بِاللهِ" أَي: على فعلك فإِنهُ لا حَول ولا قُوَّة إِلا بالله "ولا تعجز"أَي: ولا تعجز عن الحرصِ والاستعانة، فإِنَّ اللهَ قادرٌ على أَن يُعطيكَ قوَّة على طاعته إِذا استقمت على استعانته، وقيل: معناه لا تَعجز عن العملِ بما أُمرت، ولا تترُكهُ مُقتصرا على الاستعانة به، فإِن كمال الإِيمان أَن يُجمع بينهُما. "وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ" أَي: مِن أَمر دينك أَو دُنياك "فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ" أَي: كذا وكذا "كان" أَي: لَصار "كَذَا وَكَذَا": فإِنَّ هذا القول غَيرُ سديد، ومع هذا غير مفيد، قال تعالى: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [التوبة: ٥١]، وقد قال تعالى: ﴿لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣)﴾ [آل. عمران: ١٥٣]، "وَلَكِنْ قُلْ" أَي: بلسان القال أَو لسان الحَال. "قَدَّرَ اللهُ" أَي: وقع ذلك بمُقتضى قضائه وعلى وفق قدره، "وَمَا شَاءَ" أَيِ: اللهُ فِعْلَهُ، "فَعَلَ": فإِنه فَعَّالٌ لما يُريد ولا رادَّ لقَضائه ولا مُعقِّب لحكمه، "فَإِنَّ لَوْ" أَي: كلمة الشَّرط أَو إِن "تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ". (١) من فقه الحديث أ. قوة العزيمة والايمان خير من قوة الاجسام. ب. العاجز من استسلم لهواه وابتعد عن أمر الله. ج. الإيمان والتسليم بقضاء الله يحميك من جلد الذات. ٥. القرب من الله بسلامة الجوهر لا بسلامة المظهر . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، ﵁، أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: (رُبَّ أَشْعَثَ أَغْبَرَ ذِي طِمْرَيْنِ تَنْبُو عَنْهُ أَعْيَنُ النَّاسِ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللهِ لَأَبَرَّهُ). (٢) قال ابن عثيمين: " وشعره أشعث: يعني ليس له ما يدهن به الشعر، ولا ما يرجله، وليس يهتم بمظهره، وأغبر: يعني أغبر اللون، أغبر الثياب، وذلك لشدة فقره، مدفوع بالأبواب: يعني ليس

стр. 125

له جاه، إذا جاء إلى الناس يستأذن لا يأذنون له، بل يدفعونه بالباب؛ لأنه ليس له قيمة عند الناس، لكن له قيمة عند رب العالمين، لو أقسم على الله لأبره: لو قال: والله لا يكون كذا لم يكن، والله ليكونن كذا لكان، لو أقسم على الله لأبره، لِكَرمِه عند الله ومَنَزلِته". (١) من فقه الحديث: أ. بعض المسلمين مكانتهم عند الله عظيمه بالرغم من ضعفهم فالتمس دعاءهم. ب. سلامة الجوهر أهم من سلامة المظهر. ج. فيه دعم معنوي للضعفاء حتى يطلب الناس دعاءهم. ٦. بالتقوى والإيمان يَفضُل الإنسان . "عَنْ أَبِي نَضْرَةَ عن جابر ﵁ قال: (خطبنا رسول الله ﷺ فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلَا إِنَّ رَبَّكُم وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُم وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحمَرَ عَلَى أَسوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحمَرَ، إِلَّا بِالتَّقْوَى أَبَلَّغْتُ، قَالُوا: بَلَّغَ). (٢) "قال الشوكاني: "أَلَا إنَّ ربكم واحد"، هذه مقدمة لنفي فضل البعض على البعض بالحسب والنسب كما كان في زمن الجاهلية، لأَنه إذا كان الرب واحدا وأَبو الكلِّ واحدا، لم يبق لدعوى الفضل بغير التقوى موجبٌ، وفي هذا الحديث حصر الفضل في التقوى ونفيه عن غيرها وأَنه لا فضل لعربي على عجمي ولا لأَسود على أَحمر إلا بها". (٣) من فقه الحديث: أ. الإنسان مكرم في أصل خلقه. ب. العدل والمساواة دعوة نبوية وضرورة بشرية. ج. ذوو الاحتياجات الخاصة وأهل العافية متساوون في الحقوق وكثير من الواجبات ولا يتفاضلون إلا بالتقوى. ٧. افتخار الجنة واعتزازها بالضعفاء . عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، أَنَّ رسول الله ﷺ قَالَ: (افْتَخَرَت الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْجَبَابِرَةُ وَالْمُلُوكُ وَالْعُظَمَاءُ وَالْأَشْرَافُ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: أَيْ رَبِّ يَدْخُلُنِي الْفُقَرَاءُ وَالضُّعَفَاءُ

стр. 126

وَالْمَسَاكِينُ، فَقَالَ ﵎ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُصِيبُ بِكِ مِنْ أَشَاءُ، وَقَالَ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). (١) "قال ابن القيِّم: من خلقه الله للجنة لم تزل هداياها تأتيه من المَكارِه، ومن خلقه الله للنار لم تزل هداياها تأتيه من الشهوات". (٢) من فقه الحديث: معظم أهل النار من المتنفذين والمتكبرين، لبعدهم في الدنيا عن الدين، ومعظم أهل الجنة من الضعفاء والمساكين، لقربهم في الدنيا من رب العالمين. في نهاية هذا المطلب يتبين لنا أن المصيبة في الإيمان أعظم من مصائب الأبدان، فما أصاب ذوي الاحتياجات الخاصة لا ينقص من كرامتهم، ولا يحط من قيمتهم في الحياة، فإن البلاء الحقيقي هو ما يصيب الإيمان، لا ما يصيب الأبدان. • المطلب الثالث: توجيه السنة لذوي الاحتياجات الخاصة للاندماج في المجتمع . لقد عمل الرسول ﷺ على دمج ذوي الاحتياجات الخاصة مع غيرهم من أفراد المجتمع، فهم جزءٌ أصيل منه، لهم حقوق وعليهم واجبات، لذا عمل الرسول ﷺ على تأهيلهم وتدريبهم، حتى يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع، عاملين منتجين، ولأوقاتهم وجهدهم مستثمرين، ولا يكونوا عالة على الآخرين، ولقدرهم عارفين، ومع غيرهم متعاونين بما ينفع الإسلام والمسلمين، ولقد وردت احاديث عن رسول الله ﷺ في هذا الباب منها: ١. الرسول ﷺ يختار ابن ام مكتوم سفيرا مع مصعب الى المدينه المنوره ليعلم القرآن. لقد كان النبي ﷺ يكلف رجالاً من ذوي الاحتياجات الخاصة، لتنفيذ مهمات لبناء الدولة الإسلامية، وذلك لقدرتهم وكفاءتهم، فمن أوائل من أرسلهم النبي ﷺ إلى المدينة المنورة ليعلم الناس القرآن ابن أُم مكتوم ﵁. فعن البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: (أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ وَكَانَا يُقْرِئَانِ النَّاسَ). (٣)

стр. 127

من فقه الحديث: أ. ان نشرك ذوي الاحتياجات الخاصة مع اهل العافية في التنمية والبناء، فمشاركتهم فيها الخير والبركة. ب. ابن ام مكتوم من ذوي الاحتياجات الخاصة كان له دور في بناء الدوله الاسلامية. ج. أهمية تعلم القران وتعليمه. د. استثمار قدرات وإمكانات ذوي الاحتياجات الخاصة. ٢. صلاة الجماعة من أهم الأعمال لأفراد المجتمع . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ أَعمَى، فَقالَ: يَا رسول الله، إِنَّهُ لَيس لي قَائِدٌ يَقُودُني إِلَى المَسجدِ، فَسَأَلَ رسول الله ﷺ أَن يُرخِّصَ لهُ، فَيُصلِّيَ في بَيتِهِ، فَرخص لهُ، فلما ولى، دعاه، فقال: هل تَسمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟ قَالَ: نَعَم، قَالَ: فَأَجِب). (١) من فقه الحديث: أ. وإن كان هذا الحديث يدل على أهمية صلاة الجماعة، إلا أن فيه مسألة نفسيه اجتماعية لذوي الاحتياجات الخاصة، أنه من كان قادراً على القيام بأي عمل في المجتمع فليبق حاضراً في المجتمع فاعلا في مؤسساته. ب. يدل على أن الرسول كان يعمل على تأهيل وتدريب ذوي الاحتياجات الخاصة حتى يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع. ٣. التعاون والتكافل . عَنْ أَبِي مُوسَى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (إِنَّ المُؤْمِنَ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ). (٢) "قال ابن رجب: ويفهم من تشبيكه: أن تعاضد المؤمنين بينهم كتشبيك الأصابع بعضها في بعض، فكما أن أصابع اليدين متعددة فهي ترجع إلى اصل واحد ورَجُل واحد، فكذلك المؤمنون وإن تعددت أشخاصهم فهم يرجعون إلى اصل واحد، وتجمعهم أخوة النسب إلى آدم ونوح، وأخوة الإيمان". (٣)

стр. 128

من فقه الحديث: أ. ذوو الاحتياجات الخاصة وأهل العافية يد واحدة في بناء المجتمع. ب. عندما يعيش ذوو الاحتياجات الخاصة في مجتمع أفراده يشد بعضهم بعضا كالبنيان، فإنهم يشعرون بتقدير واحترام، ويثقون بأنفسهم ولا يشعرون بخجل أمام الناس مما أصابهم. ٤. التواد والتعاطف بين افراد المجتمع توجيه نبوي . عَنِ النعمان بْنِ بَشِيرٍ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى). (١) "جاء في كتاب المنهاج شرح صحيح مسلم بن حجاج: هذا الحديث صريح في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه". (٢) من فقه الحديث: أ. مساندة ذوي الاحتياجات الخاصة وقضاء حوائجهم. ب. في هذا المجتمع الموصوف بالتراحم والتعاطف يجد ذوو الاحتياجات الخاصة الأمان النفسي والعون المادي. ٥. من رأى مبتلى في المجتمع . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : (مَنْ رَأَى مُبْتَلًى، فَقَالَ: الحَمْدُ للهِ الَّذِي عَافَانِي مِمَّا ابْتَلَاكَ بِهِ، وَفَضَّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا، لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ البَلَاءُ). (٣) قال الأحوذي: قَوله مَنْ رأَى صاحب بلاءٍ أَي مُبتلى في أَمرٍ بدنيٍّ كبرصٍ وقصرٍ فاحشٍ أَو طولٍ مفرط أَو عمى أَو عرج أَو اعوجاج يد ونحوها، أَو ديني بنحو فسقٍ وظُلم وبدعة وكفرٍ وغيرها الحمدُ لله الذي عافاني مما ابتلاك به فإِن العافية أَوسع مِنَ البليَّة لأَنها مَظِنَّةُ الجزع وَالفتنة وحينئذ تكون محنة، وَفَضَّلَنِي على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا أَي في الدِّينِ والدُّنيا والقَلبِ وَالقالَبِ إِلا

стр. 129

عوفي مِنْ ذلكَ البلاء كائنا ما كان أَي ما عاش أَي مدةَ بقائه في الدُّنيا، وإِنَّما يَعدِلُ عَن رفع الصَّوت إِلى إِخفائه ويُسمِعُ صاحب البلاء الدِّينيِّ إِذا أَراد زجره ويَرجُو انْزِجَارَهُ. (١) من فقه الحديث: أ. انظر الى من هو أقل منك تعرف نعمة الله عليك. ب. الإبتعاد عن أذية ذوي الاحتياجات الخاصة في القول أو الفعل. ج. قوله "من رأى صاحب بلاء " يدل على حقهم في التنقل بالمجتمع بحرية. ٦. الضمان الاجتماعي لذوي الاحتياجات الخاصة . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ، وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا فَإِلَيْنَا). (٢) قال ابن حجر: الكَل أَي من لَا يقدر على الْعَمَل وَالْكَسْب، ومن معاني الْكل الْعِيَال وَأَصله من الكلال وَهُوَ الإعياء ثمَّ اسْتعْمل فِي كل أَمر ضائع أَو أَمر مثقل. (٣) من فقه الحديث: أ. الرعاية المادية في المجتمع الإسلامي محفوظة لذوي الاحتياجات الخاصة. ب. يدل على أهمية المحافظة على كرامتهم وذلك بإغنائهم حتى لا يسألوا الناس. ٧. وأنت في المجتمع انظر الى من هو دونك . عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رسول الله ﷺ قَالَ: "إِذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إِلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي المَالِ وَالخَلْقِ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ" (٤) قال الصنعاني ﵀: ينظر الى من هو اسفل منه، أي: ليَنظُرُ إلى من ابتلي بأكثر منه بِالأَسقام ثم ينظر الى ما فضل به عليه من العافية التي هي أَصل كل إنعام، وينظر إلى مَنْ في خَلقِهِ نَقصٌ مِنْ عمى أَو صمم أَو بُكْم، ويَنتَقِلُ إلى ما هو فيه مِنْ السَّلامة، وينظرُ إلى ما ابتُلِيَ بالدُّنيا وجمعها والامتنَاع عما يجب عليه فيها مِن الحقوق ويعلم أَنَّه قد فُضِّلَ بالإِقلالِ وأُنعِمَ عليه بِقِلَّةِ تَبِعَةِ الأَموال في الحَال والمآلِ، وينظر إلى مَنْ ابتُلِيَ بالفقرِ المُدقِع أَو بالدَّينِ المُفظعِ ويعلم ما صار إليه مِن السلامة مِن الأَمرَينِ وَتَقَرُّ بما أَعطاهُ ربُّهُ العَينُ، وما مِن مبتلى في الدنيا

стр. 130

بخير أَو شرٍّ إلا ويجدُ مَنْ هو أَعظَمُ مِنهُ بَلِيَّةً فَيَتَسَلَّى به، ويَشكُرُ ما هو فيه مما يرى غَيرهُ ابتُلي به، وينظر الى مَنْ هو فوقه في الدِّينِ، فيعلمُ أَنهُ مِنْ المُفرطينَ فبِالنَّظَرِ الأَول يشكُرُ ما للهِ مِنْ النعم وبالنظر الثاني يستحي مِن مولاهُ ويَقرعُ بابَ المتابِ بأَنامل النَّدم فهو بالأَول مسرورٌ لنعمة اللهِ وفي الثانِي منكسرُ النفسِ حياءً مِن مَولاهُ. (١) من فقه الحديث: أ. في أمور الدنيا انظر الى من هو دونك تعرف فضل الله عليك. ب. الدِين والإيمان خير من المال وسلامة الاجسام. ج. إرض باختيار الله فهو خير لك. ٨. استعن على البلاء بالدعاء . عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان رسول الله ﷺ يتعوذ من جَهْد البلاء ودَرْك الشقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء، قال سفيان: الحديث ثلاثٌ زِدتُ أنا واحدةً لا أدري أيتُهُنَّ هي). (٢) قال ابن عثيمين: هذه أربعة أشياء أمرنا الرسول ﷺ أن نتعوذ منها، أولا: جهد البلاء أي من البلاء الذي يبلو الجهد أي الطاقة، والبلاء نوعان بلاء جسمي كالأمراض وهو ما يصيب الأعضاء، وبلاء ذِكْري معنوي بأن يبتلى الإنسان بمن يتسلط عليه بلسانه فينشر معايبه ويخفي محاسنه، فهذا من البلاء الذي يشق على الإنسان، فيتعوذ الإنسان بالله من جهد البلاء، وربما يكون أيضا من البلاء قسم ثالث وهو ما يبتلي الله به العبد من المصائب العظيمة الكبيرة فلا يصبر المبتلى على أدنى بلاء يصيبه فيتسخط على قضاء الله وقدره، ومن درك الشقاء أي ومن أن يدركك الشقاء والشقاء ضد السعادة، ومن سوء القضاء سوء القضاء يحتمل معنيين المعنى الأول أن أقضي قضاء سيئا، والمعنى الثاني أن الله يقضي على الإنسان قضاء يسوءه، والقضاء يعني الحكم فالإنسان ربما يحكم بالهوى ويتعجل الأمور ولا يتأنى وهذا سوء قضاء، كذلك القضاء من الله قد يقضي الله على الإنسان قضاء يسوءه ويحزنه، فتستعيذ بالله من سوء القضاء، ومن شماتة الأعداء، والعدو لا شك أنه يفرح في كل ما أصاب الإنسان من بلاء ويحزن في كل ما أصابه من خير، فأنت تستعيذ بالله من شماتة الأعداء، فهذه وصية رسول الله ﷺ لنا أن نتعوذ بالله من هذه الأمور الأربعة. (٣) من فقه الحديث: أ. من يدعو الله فان الله سميع مجيب.

стр. 131

ب. مواساة المبتلى ومراعاة حاله لما يلحقه من إجهاد بسبب البلاء. ٩. كن مطمئناً ما أصابك لم يكن ليخطئك . عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ رسول الله ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: (يَا غُلَامُ إِنِّي أُعلِّمُك كلماتٍ، احفَظِ اللهَ يَحفَظكَ، احفَظِ اللهَ تَجدهُ تُجاهكَ، إِذَا سَأَلتَ فَاسأَلِ اللهَ، وإِذَا استَعَنتَ فَاستَعن باللهِ، وَاعلَم أَنَّ الأُمَّةَ لو اجتَمَعَت على أَن يَنفَعوكَ بشَيءٍ لَم يَنفَعوكَ إِلَّا بشَيءٍ قَد كَتبَهُ اللهُ لكَ، وَلو اجتمَعوا على أَن يَضُرُّوكَ بشَيءٍ لَم يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيءٍ قَد كَتَبَهُ اللهُ عَلَيكَ، رُفعَتِ الأَقلَامُ وَجَفَّت الصُّحُف). (١) قال ابن دقيق العيد: "احفظ الله يحفظك"، ومعناه: كن مطيعا لربك مؤتمراً بأوامره منتهياً عن نواهيه، وقوله: "احفظ الله تجده تجاهك"، أي: اعمل له بالطاعة ولا يراك في مخالفته، فإنك تجده تجاهك في الشدائد، وقوله ﷺ : "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله" أرشده إلى التوكل على مولاه، ولا يتعلق بغيره في جميع أموره، ما قل منها وما كثر، "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك" وكذلك في الضر، وهذا هو الإيمان بالقدر، والإيمان به واجب خيره وشره، وإذا تيقن المؤمن هذا فما فائدة سؤال غير الله والاستعانة به؟ . (٢) من فقه الحديث: أ. اذا احتجت فاسأل الله وإذا أردت العون فاطلبه من الله، قبل أن تطلبه من الناس، فالأمر كله لله. ب. الإيمان الجازم بأن الأمور مقدرة يحميك من الأمراض النفسية والعقد الإجتماعية، وبذلك تحافظ على أمانك النفسي. ١٠. إصبر على اختيار الله فهو الخير . عَن أَنسِ بنِ مالك ﵁، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لا يتمنينَّ أَحدكمُ الموت من ضرٍّ أَصابه، فإِن كان لا بُدَّ فاعلا، فَليَقُل: اللهمَّ أَحيني ما كانت الحياةُ خَيرا لي، وتوفني إِذا كانت الوفاةُ خيرا لي". (٣) قال الصنعاني: "هذا دَليلٌ على النَّهيِ عن تمني المَوت للوقوع في بلاءٍ ومحنة أَو خشية ذلك من عدُوٍ أَو مرضٍ أَو فاقَةٍ أَو نحوِها مِن مشاق الدُّنيا؛ لما في ذلك من الجزع وعدم الصَّبرِ

стр. 132

على القضاء وعدم الرِّضا وفي قَوله: " لِضُرٍّ نَزَل به " ما يُرشدُ إلى أَنه إذا كان لغَيرِ ذلك مِنْ خوف أَو فِتنة في الدين فإِنه لا بأس به". (١) من فقه الحديث: أ. أن يكون من نزل به ضر واثقا من نفسه، ولا يدفعه ما أصابه أو من نظر اليه نظرة سلبيه لتمني الموت. ب. ما نزل بالإنسان من ضر ليس علامة شر، فقد يكون لدفع مكروه او تكفير سيئات او رفع درجات. ج. الصبر على الضر طريق يورث الجنة. د. تذكر عند المصيبة ان لكل قدر حكمة، لو علمتها لرأيت المصيبة عين النعمة. ١١. شدة مآل صاحبها إلى الجنة . عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (يُؤتى بأَنعَم أهل الدنيا، من أهلِ النّار، يوم القيامة، فيُصبَغُ في النار صَبغةً، ثم يُقال: يا ابن آدم! هل رأيت خيرًا قطُّ؟ هل مرَّ بك نعيمٌ قطُّ؟ فيقول: لا والله! يا رب! ويُؤتى بأشدِّ الناس بُؤساً في الدنيا، من أهل الجنة، فيُصبغُ صبغةً في الجنَّة، فيُقال لهُ: يا ابن آدم! هل رأيت بُؤساً قطُّ؟ هل مرَّ بك شدَّةٌ قطُّ؟ فيقول: لا والله! يا رب! ما مرَّ بي بؤسٌ قطُّ، ولا رأيتُ شدةً قطُّ). (٢) إنه "يؤتى بأنعم أهل الدنيا في الدنيا" يعني أشدهم نعيماً في بدنه وثيابه وأهله ومسكنه ومركوبه وغير ذلك، "فيصبغ في النار صبغة" يعني يغمس فيها غمسة واحدة، ويقال له "يا ابن آدم هل رأيت خيراً قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ما رأيت" لأنه ينسى كل هذا النعيم، هذا وهو شيء يسير، فكيف بمن يكون مخلداً فيها والعياذ بالله أبد الآبدين. (٣) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: "يُؤتى بأَنعَمِ أَهلِ الدُّنيا" أَي يَحضُر أَشدُّهُم تَنعُّما وأَكثرُهم ظُلما لقوله: "مِنْ أَهلِ النَّار" "فَيُصبَغُ" يُغمَسُ "في النَّارِ صَبغَةً" أَي غمسةً، "ثُمَّ يُقَالُ" أَي له "يا ابنَ آدم، هَل رَأَيتَ خَيرا" أَي نِعمَةً "قَطُّ؟ هَل مَرَّ بكَ نَعيمٌ قَطُّ"؟ أَي في زمان مِنَ الأَزمنة، "فَيَقولُ: لا" أَي ما رأَيتُ "وَاللهِ يَا رَبِّ" لَمّا أَنسَتهُ شدَّةُ العذاب ما مضى عليه مِن نعيم الدُّنيا، فأيُّ نَعِيم آخِرُه الجحيمُ، وأَيُّ شدَّةٍ مآلُها الجنةُ كما قال: "وَيُؤتى بأَشَدِّ النَّاس بُؤسا" أَي شِدَّةً ومشقة

стр. 133

ومحنَة لِمَا كان فيه مِن فاقة وحاجة وبلية "فِي الدُّنْيَا" "مِنْ أَهلِ الجَنَّةِ" مآلًا "فَيُصبغُ صَبغةً في الجنَّة"، أَي في أَنهارها أَو الكوثر منها، "فيقال له: يا ابن آدم، هل رأَيتَ بُؤسًا قَطُّ؟ وهل مَرَّ بك شِدَّةٌ قطُّ؟ فيقولُ: لا والله يا ربِّ، ما مَرَّ بي بُؤسٌ قطُّ، ولا رأَيتُ شِدَّةً قطُّ"، يقول هذا الكلام لفرحه التام. (١) من فقه الحديث: أ. أنظر فِي الْمَآل لَا فِي عَاجل الْحَال. ب. بلاء الدنيا ينسى بغمسة واحدة في الجنة، وعذاب الآخرة ينسي كل نعيم في الدنيا. في نهاية هذا المطلب، نرى كم بلغ حب النبي ﷺ وتقديره لذوي الاحتياجات الخاصة، فقد احتضنهم ورعاهم ووفر لهم الأمان، النفسي والمادي والمجتمعي، فجعلهم جزءا أصيلا من المجتمع، فهو لا يرضى لهم الانطواء ولا يحب لهم الانزواء، فمن كان قادرا من ذوي الاحتياجات الخاصة على الذهاب والإياب أو المشاركة في أي أمر إيجابي فليبق حاضرا في المجتمع فاعلا في مؤسساته، وهذا يدل على أن النبي ﷺ كان يعمل على تأهيل وتدريب ذوي الاحتياجات الخاصة حتى يكونوا أعضاء فاعلين في المجتمع. • المطلب الرابع: البلاء يكشف عن معادن الرجال . يبتلي الله الإنسان ويختبره في هذه الحياة، إما لرفع درجات أو تكفير سيئات أو دفع مصيبات، وكلما زاد إيمان العبد وصلاحه زيد في بلائه، وقد بين الرسول ﷺ في أحاديث كثيرة أن العبد إذا خرج من البلاء صابرا محتسبا، كان معدنه كالذهب، وكوفئ بالأجر العظيم وبجنة النعيم، وأما الإنسان الذي يجزع عند البلاء، ويتسخط ولا يرضى بقضاء الله، فهذا مفتون محروم. قال المحاسبي: "الصبر في ثلاثة أشياء لا يتم إلا به: الصبر عن محارم الله، والصبر على إتِّباع أمر الله، والصبر عند المصائب احتسابا لله". (٢) ومما ورد في السنة عن هذا الأمر: ١. المسلم يجرب بالبلاء: عَنْ أَبِي أُمَامَة ﵁، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : (إِنَّ اللهَ لَيُجَرِّبُ أَحَدَكُم بالبَلاءِ وهو أَعلم به، كما يُجَرِّبُ أَحدُكُم ذَهبَهُ بالنَّار، فَمنهُم مَنْ يَخرُجُ كالذَّهبِ الإِبريزِ فَذلكَ الذي نَجَّاهُ اللهُ تعالى مِنَ

стр. 134

السيِئاتِ، ومنهُم مَنْ يَخرُجُ كالذَّهبِ دون ذلكَ، فذلكَ الَّذي يشكُّ بعضَ الشكِّ، ومنهُم مَنْ يَخرُج كالذهبِ الأَسود، فَذلكَ الَّذي قد افتُتِنَ). (١) قال علي ﵁: "إن الذهب يُجرَّب بالنار، وإن العبد الصالح يُجَرَّبُ بالبلاء، وإنك لا تنال ما تُريد إلا بترك ما تشتهي، ولن تبلغ ما تُؤَمِّلُ إلا بالصبر على ما تكره". (٢) "وقال المحاسبي: إعلم أن الصبر من الإيمان، بمنزلة الرأس من الجسد، فإذا قطع الرأس ذهب الجسد". (٣) من فقه الحديث: أ. أن نجعل من المحنة منحة، ومن البليَّة عطيَّة. ب. الذي يصبر على البلاء معدنه كالذهب. ٢. ابتلاء المسلم في الدنيا خير له: عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : (إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ العُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ). (٤) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: "إِذَا أَرَادَ اللهُ" أَي: قضى وقدَّرَ، بعبدِهِ الخَير عَجَّل لهُ العُقوبةَ أَي الابتلاء بالمكارهِ، في الدنيا لأَن عذاب الآخرة أَشدُّ وأَبقى، وإِذا أَرادَ اللهُ بعبدهِ الشَّرَّ أَمسك وأَخَّر عنهُ ما يستحقُّهُ من العُقوبةِ، بذنبه، حتى يُوافيهُ ويُجازيهُ جزاء وافِيا. (٥) من فقه الحديث: أ. البلاء يرفع المسلم درجات ويكفر عنه سيئات ويدفع عنه مصيبات. ب. من لم يُصَب ويبتلى فليراجع نفسه.

стр. 135

٣. الشكر في الرخاء والصبر على البلاء علامة الإيمان . عن صهيب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (عجبا لأمر المؤمن، إن أمرَهُ كُلَّهُ له خير، وليس ذلك لأحد الا للمؤمن، إن أصابته سَرّاءُ شَكَر، فكان خيراً له، وإن أصابته ضَرّاء صبر، فكان خيراً له). (١) جاء في تطريز رياض الصالحين: "في هذا الحديث: فَضْلُ الشكر على السّرّاء والصبر على الضرّاء، فمن فعل ذلك حصل له خيرُ الدارين، ومَنْ لم يشكر على النعمة، ولم يصبر على المصيبة، فاته الأَجر، وحصل له الوِزْر". (٢) من فقه الحديث: أ. من ابرز صفات المؤمن الرضى عن الله تعالى. ب. اذا وصل اليك من ربك العطاء فلتبادر الى الشكر، وإذا وصل اليك البلاء فلتتحلّ بالصبر. ج. تذكر عند المصيبة ان كل شيء بقضاء وقدر، تهن عليك مصيبتك. ٤. مثل المؤمن والمنافق. عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (مثلُ المؤمن كمثل الزرع، لا تزالُ الريحُ تُميلُهُ، ولا يَزالُ المُؤمنُ يُصيبُهُ البلاء، ومثلُ المنافقِ كمثلِ شجرةِ الأرز*، لا تَهتزُّ حتى تَستَحصِد). (٣) جاء في كتاب المنهاج، شرح صحيح مسلم بن حجاج: معنى الحديثِ أَن المؤْمن كثيرُ الآلامِ في بدنه أَو أَهله أَو ماله، وذلك مُكفِّرٌ لسيِّئَاته ورافعٌ لدرجاته، وأَما الكافر أو المنافق فقليلُها، وَإِن وقعَ به شيءٌ لم يُكفِّر شيئا مِنْ سيِّئَاته، بل يأتي بها يوم القيامة كاملة. (٤) من فقه الحديث: أ. لا يخلو مؤمن من محنة. ب. من ضعف إيمانه قل بلاؤه.

стр. 136

٥. الصبر والرضا علامة التسليم. عن انس ﵁ قال: قال النَّبِيِّ ﷺ : (إِنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ البَلَاءِ، وَإِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ، فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ). (١) قال ابن رجب: فهاتان درجتان للمُؤمن بالقضاءِ والقدَرِ في المصائبِ: أَحدُهُما: أَن يرضى بذلك، وهي درجة عالية رفيعة جدا، قال اللهُ : ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١١)﴾ [التغابن: ١١]، هي المصيبةُ تُصيبُ الرَّجل، فيعلمُ أَنها من عند اللهِ، فَيُسلِّم لها ويرضى. فالحياةُ الطيِّبةُ: هي الرِّضا والقناعةُ، فالرِّضا بابُ اللهِ الأَعظَم وجنَّةُ الدنيا ومستراح العابدين. أما الدرجةُ الثانيةُ: أَن يَصبرَ على البلاءِ، وهذهِ لِمَن لَم يستطع الرِّضا بالقضاء، فالرِّضا فضلٌ مندُوبٌ إِليه، والصَّبرُ واجبٌ على المُؤمن حَتم، وفي الصَّبرِ خَير كثير، فإِن اللهَ أَمر به، ووعد عليه جزيل الأَجر، قال اللهُ : ﴿ ... إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (١)﴾ [الزمر: ١٠]، وَقَالَ: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٧]. والفرقُ بَينَ الرِّضا وَالصَّبرِ: أَن الصَّبرَ كَفُّ النَّفس وحبسُها عن التَّسخُّط مع وُجود الأَلم، وتمني زوال ذلك، وكفُّ الجوارح عن العمل بمقتضى الجزع، والرضا: انشراحُ الصَّدر وسعتُهُ بالقضاءِ، وتركُ تمنِّي زوال ذلك المُؤلِم، وإِنْ وُجِدَ الإِحساسُ بالأَلمِ، لكنَّ الرِّضا يُخفِّفُه لِمَا يُباشرُ القلبَ مِنْ روح اليقين والمَعرِفةِ، وإِذا قَوِيَ الرِّضا، فقد يُزيلُ الإِحساسَ بالأَلمِ بالكُلِّيَّة. (٢) من فقه الحديث: أ. بالصبر على البلاء تكفر السيئات وترفع الدرجات. ب. من الأمور الدالة على محبة الله الإبتلاء. ج. اصبر ولا تجزع فقضاء الله نافذ. ٦. الابتلاء بالأجسام من علامات قوة الايمان. عن مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: (قُلْتُ يَا رسول الله: أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: الأَنبياءُ ثُمّ الأَمثَلُ فَالأَمثلُ، فَيُبتلَى الرَّجُلُ على حَسَبِ دِينِهِ، فَإِن كَان دِينُهُ صُلبًا اشتَدَّ بلاؤُهُ، وإِن

стр. 137

كانَ في دِينهِ رِقَّةٌ ابتُلي على حسَبِ دِينِهِ، فما يَبرَحُ البلاءُ بالعَبدِ حَتَّى يَترُكَهُ يَمشي على الأَرضِ ما عليهِ خطيئَة). (١) جاء في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح: "أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ" أَي: أَكثر أَو أَصعبُ بلاء؟ أَي: مِحنَةً وَمُصيبةً، قال: "الأَنبياءُ" أَي: هُم أَشدُّ في الابتلاءِ، لأَنهُم يتلذذون بالبلاء كما يتلذَّذُ غيرُهُم بالنَّعماء، ولأَنهم لو لم يُبتلَوا لَتُوُهِّمَ فيهمُ الأُلوهيَّةُ، وليُهون على الأُمَّة الصَّبرُ على البليَّة. "ثُمَّ الأَمثلُ" أَيِ: الأَشبهُ بهم، "فَالأَمثَل": أَيِ الأَشرَفُ فَالأَشرفُ، والأَعلى فالأَعلى رُتبةً ومنزلةً يعني: مَنْ هو أَقربُ إِلى اللهِ بلاؤُهُ أَشدُّ ليكونَ ثوابُهُ أَكثرَ، إِذ لا يخلو واحدٌ منهُم مِنْ عظيم مِحنَةٍ، وجَسيمِ بَليَّة بالنِّسبةِ لأَهل زمنه، ويدُلُّ عليه قَولُه: "يُبتَلَى الرَّجُلُ على حَسَبِ دِينِهِ" أَي: مقداره ضعفًا وقُوَّة، ونقصا وكمالا. "فَإِنْ كَانَ دِينه صُلْبًا" أَي: شديدا، اشتَدَّ بلاؤُه أَي: كمِّيَّة وكيفيَّة، وإِن كان في دينه رقة هون عليه البلاء، ليكون ثوابهُ أَقلَّ، ولولا التخفيفُ في بلائه لَخُشِيَ عليه الكُفرُ مِنَ ابتلائهِ، "حَتَّى يَمْشِيَ عَلَى الْأَرْضِ": كنايةٌ عن خلاصه من الذُّنوب، فكَأَنهُ كان محبوسا، ثمَّ أُطلق وخُلِّيَ سبيله، "مَا لَهُ" أَي: عليه ذَنبٌ. (٢) من فقه الحديث: أ. أتباع الأنبياء هم أشد الناس بلاء. ب. المحن والبلايا مِمْحاةٍ للخطايا. ج. بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين. ٧. من يشكر النعمة ويؤدي حقها تدوم عليه. عن ابي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إِنَّ ثلاثةً في بني إِسرائيل: أَبرَص وأَقرعَ وأَعمى، بدا للهِ أَن يَبتلِيهم، فَبعَث إِلَيهِم مَلَكا، فأَتى الأَبرَص، فقال: أَيُّ شيءٍ أَحبُّ إِليك؟ قال: لَونٌ حَسَنٌ، وَجِلدٌ حَسَنٌ، قَد قَذِرَنِي النَّاس، قال: فمسحهُ فذهب عنهُ، فأُعطيَ لونا حسنا، وجلدا حسنا، فقال: أَيُّ المال أَحب إِليك؟ قال: الإِبل، - أَو قال: البقرُ، هو شكَّ في ذلك: إِنَّ الأَبرصَ، والأَقرع، قال أَحدُهُما الإِبلُ، وقال الآخر: البقر -، فأُعطي ناقةً عشراءَ، فقال: يُبارَكُ لك فيها وأَتى الأَقرع فقال: أَي شيء أَحبُّ إِليك؟ قال شعر حسن، ويذهبُ عني هذا، قد قَذِرَنِي النَّاس، قال: فمَسَحَهُ فذهبَ وأُعطي شعرا حسنا، قال: فأي المال أَحبُّ إِلَيك؟ قال: البقر، قال: فأَعطاه بقرةً حاملا، وقال: يبارَكُ لك فيها، وأَتى الأَعمى فقال: أَيُّ شيءٍ أَحبُّ إِليك؟ قال: يَرُدُّ اللهُ إِليَّ بَصرِي، فأُبصِرُ به النَّاس، قال: فَمسحهُ فَرَدَّ اللهُ إِليهِ بصرهُ، قال: فأَيُّ المال أَحبُّ إِليك؟ قال الغنمُ: فَأَعطاهُ شاةً والِدًا، فأُنتجَ هذان وولَّدَ هذا، فكان لهذا وادٍ مِنْ إِبل، ولهذا وادٍ من بقر، ولهذا وادٍ من غنم، ثُم إِنه أَتى

стр. 138

الأَبرص في صورته وهيئته، فقال رجل مسكين، تقطَّعت بيَ الحبالُ في سفرِي، فلا بلاغَ اليوم إِلا باللهِ ثُمَّ بك، أَسأَلُك بالَّذي أَعطاك اللونَ الحسن، والجلد الحسن، والمال، بعيرا أَتبلَّغُ علَيهِ في سفرِي، فقال له: إِنَّ الحقوق كثيرةٌ، فقال له: كأَنِّي أَعرِفك، أَلم تكن أَبرص يَقذَرُكَ النَّاس، فقيرا فَأَعطاك اللهُ؟ فقال: لقد ورثتُ لكابرٍ عن كابرٍ، فقال: إِن كُنتَ كاذبا فصيَّركَ اللهُ إِلى ما كُنتَ، وأَتى الأَقرعَ في صورتهِ وهيئَتهِ، فقال له: مثلَ ما قال لهذا، فردَّ عليه مثل ما رَدَّ عليه هذا، فقال: إِن كنت كاذبا فَصَيَّرَكَ اللهُ إِلى ما كُنتَ، وأَتى الأَعمى في صورته، فقال: رجُلٌ مسكين وابنُ سبيلٍ وتقطَّعت بي الحبالُ في سفرِي، فلا بلاغَ اليَومَ إِلا بِاللهِ ثُمَّ بك، أَسأَلُك بالَّذي رَدَّ عليك بصرك شاةً أَتبلَّغُ بها في سفرِي، فقال: قد كنتُ أَعمى فَرَدَّ اللهُ بَصري، وفقيرا فقد أَغناني، فخذ ما شئت، فواللهِ لا أَجهدُك اليومَ بشيءٍ أَخذتهُ للهِ، فقال أَمسك مالك، فإِنما ابتليتُم، فقَد رضي اللهُ عنك، وسخِطَ على صاحبَيكَ). (١) "قال المحاسبي: من لم يشكر الله تعالى على النعمة، فقد استدعى زوالها". (٢) من فقه الحديث: أ. النِعَم قد تكون للبلاء والاختبار، فمن أدّى حق النِعَم فاز بالاختبار. ب. أكرِم السائل ولا تنهره. ج. دوام الحال من المحال. ٨. النار مأوى للجبارين والجنة مأوى للضعفاء والمساكين: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (تَحاجَّتِ النَّارُ، وَالجَنَّةُ، فقالتِ النَّارُ: أُوثرتُ بالمُتكَبِّرِينَ، وَالمُتجبِّرينَ، وقالت الجنَّةُ: فما لي لا يدخُلُني إِلا ضُعفاءُ النَّاسِ، وسَقَطُهم، وعجزُهُم، فقال اللهُ للجنَّة: أَنتِ رحمتي أَرحمُ بك مَنْ أَشاءُ مِنْ عبادي، وقال للنَّارِ: أَنتِ عذابي أُعذِّب بك من أَشَاءُ مِنْ عبادي، ولكُلِّ واحدةٍ منكُم مِلؤُها، فأَمَّا النَّار فلا تمتلِئُ، فيضع قدمهُ عليها، فتقُول: قَطْ قَطْ فهنَالكَ تمتلئُ ويُزوَى بعضُها إِلى بعض). (٣) من فقه الحديث: أ. معظم أهل الجنة من الضعفاء والمساكين لقريهم من رب العالمين. ب. اهل النار من المتكبرين والمتجبرين لبعدهم عن رب العالمين.

стр. 139

في ختام هذا المطلب يتبين لنا أن الله يبتلي العبد المؤمن أكثر من غيره، فما على المسلم إلا أن يصبر ويرضى، فالصبر والرضى علامة التسليم، ففي الصبر خير كثير، والجزع والتسخط لا يرد القضاء، والحياة الطيبة في الرضى والقناعة.

стр. 140

• المبحث الثالث: شخصيات ذوو احتياجات خاصة من أصحاب الرسول ﷺ خلدتهم السنة النبوية. لقد كان من أصحاب رسول الله ﷺ أناس من ذوي الاحتياجات الخاصة، إلّا أن كثيرا من الناس لا يعلم أنهم من ذوي الاحتياجات الخاصة بالرغم من أنهم مصابون إصابة ظاهرة في أعضائهم أو حواسهم، ذلك ان رسول الله ﷺ ومن جاء بعده من الخلفاء الراشدين عملوا على دمجهم في المجتمع دمجاً تاماً، فلم يعد هناك فرق بينهم وبين أهل العافية، وهذا ما جعل بعض المسلمين يظن بأن ذوي الاحتياجات الخاصة من الصحابة فقط هو ابن أم مكتوم، وقد يضيف بعضهم معه عمرو بن الجموح، إلا أنه بعد البحث والإستقصاء تَبين أن عددهم بضعٌ وعشرون صحابياً وصحابية، منهم من كان مصابا في عهد النبي ﷺ ومنهم من أصيب بعد ذلك، وسألقي الضوء في هذا المبحث على هؤلاء الصحابة العظام من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين خُلِّدوا في السنة النبوية، فإن لهؤلاء وأمثالهم دوراً عظيماً في نصرة الدين ونشره في ربوع العالمين، ورفع الهمة في نفوس المسلمين. فنجدهم قد شاركوا إخوانهم من أهل العافية في كل الميادين، فقد برزوا في العلم والتعليم والتربية والإعداد والبناء والتضحية والجهاد والفداء، ونرى لهم دورا في رفع همة الآخرين من أصحاب العافية وشحذ عزيمتهم، فعندما يرى أهلُ العافية أهلَ البلاء مقبلين على العمل مستمرين عليه بالرغم مما أصابهم، فإنهم يستقبلون إشارات تحاكي عقولهم، ورسائل تخاطب نفوسهم، فيبدأون بتحليلها والتفكير بها، ويقولون بلسان حالهم لا بلسان مقالهم، أنعجز عن البذل والعطاء ونحن من أهل العافية؟ فيتولد من ذلك همة عالية، وعزيمة ماضية، وصبر وثبات، ومن هؤلاء الصحابة: ١. طلحة بن عُبَيد الله ﵁ "يده مشلولة ": هو طَلْحَة بن عُبَيد الله بن عُثْمَان التَّيْمِيّ أَبُو مُحَمَّد الْمدنِي، صاحِب رسول الله ﷺ ، أحد العشرَة المبشرين في الجنة، والستة من أهل الشورى وأحد الثَّمَانِية الذين سبقوا إِلى الإِسلام، ضرب لهُ النَّبِي ﷺ بِسَهم يَوم بدر، وأبلى يَوم أُحُد بلاء شديدا، وقد دافع عن الرسول ﷺ حتى شلت يده، كان أَبو بكر إِذا ذكر يوم أُحُد قال: ذلك يوم كُله لطلحة، روى عنه ثمانية وثلاثونَ حديثا، اتفق البخاري ومسلم على حَدِيث وانفرد البخاري بحديثين ومسلم بثلاثة، روى عنهُ مَالك بن أبي عَامر والسائب

стр. 141

بن يزِيد وقيس ابْن أبي حَازِم، وكان يقال له طَلحَة الخَير، وَطَلحَة الجود، وَطَلحَة الفَيَّاض، استشهد يَوم الجمل سنة سِتّ وثلاثين ﵁. (١) فائدة: من أصيب في الجهاد فليفرح ولا يحزن، فهذا وسام شرف له، فطلحة بن عُبَيد الله نالَ هذا الوسام وهو من المبشرين بالجنة. ٢. عبد الرَّحمَن بن عَوف ﵁ "كان مصاباً بالعرجَ ": هو عبد الرحمن بن عوف بن عبد عَوْف الزُّهرِيّ أَبو محمد، صاحِب رسول الله ﷺ ، شهد بَدراً والمشاهد، وهو أحد العشرَة المبشرين بالجنة، هاجر الهجرتين، وأحد الستة من أهل الشورى الذين كلفهم عمر لاختيار الخليفة من بينهم، أُصيب يَوم أُحد وجُرِح عشرينَ جرحاً بَعضهَا في رجلِهِ فعَرَج، كان من أثرياء المسلمين ينفق في سبيل الله بسخاء، روى خَمسَة وَسِتينَ حديثا اتفقَ البخاري ومسلم على حديثين وَانفرَدَ البخَاري بِخمسَة، روى عنهُ بنوه إِبراهِيم وحميد وأَبو سَلَمَة وَمصعَب وَغَيرهم توفي سنة ٣٢ للهجرة ﵁. (٢) فائدة: عبد الرحمن بن عوف لم يمنعه العرج من أن يكون مرجعا للشورى وأن يكون من أهل الحل والعقد، وثريّا منفقاً، ومجاهدا في سبيل الله ﵁ وأرضاه. ٣. ابن أم مكتوم ﵁ "كان أعمى ": هو عبد الله بن قيس بن زائدة، وقيل: اسمه عمرو، المعروف بابن أم مكتوم الأعمى، مؤذن النبي ﷺ ، وهو الأعمى المذكور في القرآن في قوله تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَن جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢)﴾ [عبس: ٢]، وهو ابن خال خديجة بنت خويلد أم المؤمنين ﵂، هاجر إلى المدينة قبل مقدم النبي ﷺ وكان له دورٌ بارزٌ في تعليم أهل المدينة القرآن، (فعن البَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ ﵁، قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصعب بنُ عُمَيرٍ، وَابنُ أُمِّ مَكتُوم وكانا يُقرِئَانِ النَّاسَ). (٣) واستخلفه النبي ﷺ على المدينة ثلاث عشرة مرة في الأبواء، وبواط، وذي العسيرة، وفي خروجه إلى

стр. 142

ناحية جهينة في طلب كرز بن جابر، وفي غزوة السويق، وغطفان، وأحد، وحمراء الأسد، وبحران، وذات الرقاع، واستخلفه في حجة الوداع. رَوَى عَن النَّبِيُّ ﷺ ، ورَوَى عَنه أنس بن مالك، وزر بن حبيش الأسدي، وعبد الله بن شداد بْن الهاد، وعَبْد الرَّحْمَنِ بن أَبي ليلى، وعطية بن أَبي عطية، أخرج له أبو داود، والنَّسَائي، وابن مَاجَهْ، وشهد القادسية وكان معه اللواء وقتل بها شهيدا يومئذ (١). فائدة: كثيرٌ من ذوي الاحتياجات الخاصة مَن هِمَّته عالية وإرادته قوية، ومن هؤلاء ابن أم مكتوم الذي كان معلما للقرآن، ومؤذناً لرسول الله ﷺ ، ونائبه في الصلاة والإمارة أثناء غيابه. ٤. عمران بن حصين ﵁ "كان مُقعدا ": هو عمران بن حصين بن عبيد الخزاعي ـ أبو نجيد ـ صاحب رسول الله ﷺ ، القدوة، الإمام، أسلم في السنة السابعة من الهجره، خُلِّد اسمه في السنة النبوية، روى أحاديث كثيرة عن رسول الله ﷺ ، بلغ مُسْنَده ١٨٠ حديثا، حَدَّث عنه خلق كثير منهم: مطرف بن عبد الله بن الشخير، وأبو رجاء العطاردي، وزهدم الجرمي، وزرارة بن أوفى، والحسن، وابن سيرين، وعبد الله بن بريدة، والشعبي، وعطاء مولى عمران بن حصين، والحكم بن الأعرج وغيرهم، وكان الخليفة عُمر قد بعثه إلى أهل البصرة ليفقههم، فكان الحسن البصري يحلف ما قدم عليهم البصرة خير لهم من عمران بن الحصين، وقال ابن سيرين لم نر في البصرة أحداً من أصحاب الرسول يفضل على عمران، وكان مجاب الدعوة، غزا مع النبي ﷺ أكثر من مرة وكان ممن اعتزلوا الفتنة، ولي قضاء البصرة. قال مطرف بن عبد الله: قال لي عمران بن حصين في مرض موته: إنه كان يسلم علي - يعني: الملائكة- قال: فلما اكتويت، أمسك ذلك، فلما تركته، عاد إلي، فإن عشت، فاكتم علي، فلما مات عمران أخبر مطرف بالخبر. وكان بِهِ استسقاء، فطال بِهِ سنين كثيرة، وهو صابر عليه، وشق بطنه وأخذ مِنْهُ شحم، وثقب له سرير فبقي عليه ثلاثين سنة، دخل عليه رجل فقال: يا أبا نجيد، والله إنه ليمنعني من عيادتك ما أرى بك! فقال: يا إبن أخي، لا تجلس، فوالله إن أحب ذلك إلي أحبه إِلَى الله ، تُوفِّيَ في البصرة سنة اثنتين وخمسين ﵁. (٢)

стр. 143

فائدة: عمران بن حصين صحابي جليل، ومع ذلك ابتلي وبقي ملقىً على ظهره سنوات طويلة، فصبر واحتسب، قصته تسرية وتسلية لكل من أصيب بالبلاء. ٥. عتبان بن مالك بن عجلان الأنصاري ﵁ "كان أعمى ": صاحِب رسول الله ﷺ شهد بدرا، رَوى عن النَّبِيّ ﷺ ، ورَوَى عنه أَنَس بْن مالك، والحصين بْن محمد السالمي، ومحمود بْن الرَّبِيع، وأَبُو بَكْر بْن أَنَس بْن مَالِك، وكَانَ أعمى ذهب بصره عَلَى عَهْدِ رسول الله ﷺ ، روى له أَبُو دَاودَ في "حديث مالك"، والباقون سِوى الترمذيّ (١). قال ابن حَجَر رحمه الله تعالى: حديثه في الصحيحين، من طريق أنس، ومحمود بن الربيع، وغيرهما عنه، وكان إمام قومه بني سالم. آخى النبيّ ﷺ بينه وبين عمر بن الخطاب. (٢) وقال ابن كثير في كتابه جامع المسانيد والسنن: حديث عتبان رابع المكيين، وثالث عشر الأنصار، وتوفى بالمدينة في وسط أيام معاوية ﵁. (٣) فائدة: همةٌ عاليةٌ أبيّةٌ، وقوةٌ فتيةٌ لنفس زكيه، تصنع الكثير وإن كان صاحبها ضريراً، وهكذا كان عتبان ﵁. ٦. مُعاذ بن جبل ﵁ "كان مصاباً بالعرجَ ": هو مُعاذ بن جبل بن عَمرو الخزرجي أَبو عبد الرحمن صاحب رسول الله ﷺ ، أسلم وهو ابْن ثَمَاني عشرَة سنة، وَشهد بَدْرًا والمشاهد، وكان ممن جمع القرآن، فعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (استقرِئوا القرآنَ مِنْ أَربعة، مِنْ ابن مسعود، وسالم، مولى أبي حذيفة، وأبي، ومُعاذ بن جبل). (٤) قَال ابن مسعود: كُنَّا نُشبههُ بإبراهيم ﵇، وكان أمة قانتا لله حَنِيفا وَلم يَك من المُشركين، بَعثهُ رسول الله ﷺ إِلى اليمن مُعلِّما، وكان رجلا أَعرجَ، فصلى بالنَّاس في اليمن، فبسط رجله فبسط القومُ أَرجُلهُم، فلما صلى قال: قد أَحسنتُم ولكن لا تعودوا فإِني إِنما بسطت رجلي في الصلاة لأَني اشتكيتُها، لهُ مائَة وسبعة وخمسونَ حَدِيثا، اتفقَ البخاري ومسلم على حديثين وانفرد

стр. 144

البخاري بثَلاثة ومسلم بِحَدِيث، روى عنهُ ابْن عَبَّاس وَابْن عمر وَمِن التَّابِعين عَمْرو بن مَيْمُون وَأَبُو مُسلم الْخَولَانِيّ ومسروق وَخلق كثير، عاش ثلاثة وثلاثين سنة توفّي فِي طاعون عمواس سنة ثَمَانِي عشرَة للهجرة ﵁. (١) فائدة: أن نعيش لدين الله ولا نعيش لأنفسنا، فمن عاش لنفسه عاش صغيرا ومات صغيرا، ومن عاش لدين الله عاش كبيرا ومات كبيرا، وهكذا كان معاذ بن جبل ﵁. ٧. ثَابت بن قيس ﵁ "كان في أذنه وَقَر ": هو ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي، الخطيب المفوه، فقد كان خطيب الانصار وخطيب رسول الله ﷺ ومن كبار الصحابة، وثبت في صحيح مسلم أنه من أهل الجنة، شهد أحدا وما بعدها، نزل به قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢] نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، كان في أذنه وقر، وكان جهوري الصوت، وكان إذا كلم إنسانا جهر بصوته، فربما كان يكلم رسول الله ﷺ فيتأذى بصوته، فأنزل الله تعالى هذه الآية. (٢)، انفرد له البخاري بحديث، روى عنه ابنه إسماعيل ومحمد بن قيس وأنس، وقتل يوم اليمامة سنة ١٢ هجري ﵁. (٣) فائدة: ثابت بن قيس ﵁، لم يمنعه الصمم من أن يكون خطيبا مفوها، أومجاهدا في سبيل الله، يبحث عن الشهادة ليدخل الجنة. ٨. عبد اللهِ بن عميرٍ ﵁ "كان أعمى ": عبد الله بن عمير بن خطمة، صحابي جليل كان أعمى على عهد رسول الله ﷺ ، وكان إمام مسجد قومه بني خطمة، روى عن النبيّ ﷺ ، وروى عنه عروة بن الزبير، جاهد مع رسول الله ﷺ وهو أعمى. (٤)

стр. 145

فائدة: أن لا نستسلم للبلاء، فعبد الله بن عمير ما انزوى وما انطوى لما أصابه، بل بذل الجهد الذي استطاعه، فأصبح إمام قومه مجاهدا في سبيل الله. ٩. ابو سفيان ﵁ "أصيب بالعمى ": هو صخر بن حرب بن أمية ابو سفيان، أسلم بمكة يوم الفتح، وقال عنه رسول الله ﷺ : (مَن دَخَلَ دار أَبى سُفيَان فهو آمِنٌ). (١) وشهد حُنينا، وأعطاه رسول الله ﷺ مائة من الإبل، وأربعين أوقية، شهد حصار الطائف وفقئت عينه يومئذ، ثم شهد اليرموك، ففقئت عينه الأخرى فعمى، وهو والد "أم حبيبة" أم المؤمنين، ومعاوية سلطان الإسلام، روى عنه عبد الله بن عباس حديث هرقل الذي أخرجه البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي والامام أحمد بن حنبل وغيرهم، وله عدة أحاديث أخرى. (٢) وكانت إليه راية الرؤساء التي تسمى العقاب، وَالتي كانت إِذَا حميت الحرب اجتمعت قريش فوضعتها بيد الرئيس، وكان أبو سفيان صديق العباس. (٣) وقد أرسله الرسول ﷺ إلى مناة بقديد فهدمها، وولاه الرسول ﷺ نجران وصدقات الطائف، عن سعيد بن المسيب عن أبيه خمدت الأصوات يوم اليرموك والمسلمون يقاتلون الروم إلا صوت رجل يقول يا نصر الله، اقترب يا نصر الله اقترب، فرفعت رأسي انظر فإذا أبو سفيان بن حرب تحت راية ابنه يزيد بن أبي سفيان، مات في خلافة عثمان ﵁، فصلى عليه سنة ٣٢ للهجرة ﵁. (٤) فائدة: ابو سفيان ﵁ بذل جهده ليعوض مافاته، فالعبره بالخواتيم، والرفعة لمن نصر الدين، والجنة لمن أخلص لرب العالمين. ١٠. ابو قحافة ﵁ "كان أعمى ": هو عثمان بن عامر بن عمرو أبو قحافة القرشي، والد أبي بكر الصديق، أسلم يوم فتح مكة، وأتى به أبو بكر النبي ﷺ ليبايعه.
следующие страницы →