← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

(قلت): وهذا الشك الذي حصل لأُبي في تلك الساعة هو - والله أعلم - السبب الذي لأجله قرأ عليه رسول الله ﷺ قراءة (إبلاغ وإعلام) (١) ودواء لما كان حصل له سورة ﴿لَمْ يَكُنِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) (٢) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ). . .﴾ إلى آخرها [البينة: ١] (٣)، لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ [البينة] وهذا نظير تلاوته سورة الفتح حين أنزلت مرجعه (﵇) (٤) من الحديبية على عمر بن الخطاب، وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله ﷺ (ثم) (٥) لأبي بكر الصديق، وفيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. وقال ابن جرير (٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب أن رسول الله كان عند إضاة بني غفار، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك" قال: ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك" ثم جاءه الرابعة فقال: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا". وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية شعبة به. وفي لفظ لأبي داود (٧)، عن أُبي بن كعب قال: قال (لي) (٨) رسول الله ﷺ : "إني أقرئت القرآن، (فقيل) (٩) لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل: على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب". وقد روى ثابت (١٠) بن قاسم نحوًا من هذا عن أبي هريرة (١١)، عن النبي ﷺ ومن كلام ابن مسعود نحو ذلك.

стр. 107

وقال الإمام (١) أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عن أُبي قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء فقال رسول الله ﷺ لجبريل: "إني بعثت إلى أمة أميين، فيهم الشيخ العامي والعجوز الكبيرة والغلام، فقال: مرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف". وأخرجه الترمذي من حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر (٢)]، [عن (أُبي) (٣) به، وقال: "حسن صحيح". وقد رواه أبو عبيد (٤)، عن أبي النضر، عن شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن

стр. 108

زر] (١)، عن حذيفة، أن رسول الله ﷺ لقي جبريل عند أحجار المراء. فذكر الحديث والله أعلم. وهكذا رواه الإمام (٢) أحمد، عن (عفان) (٣)، عن حماد، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: "لقيت جبريل عند أحجار المراء فقلت يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية، الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ العامي الذي لم يقرأ كتابًا قط؛ فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف". وقال أحمد (٤) أيضًا: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن ربعي بن حراش قال: حدثني من لم يكذبني (يعني) (٥) - حذيفة - قال: "لقي النبي ﷺ ، جبريل عند أحجار المراء فقال: إن أمتك يقرؤون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه".

стр. 109

وقال عبد الرحمن: "إن من أمتك الضعيف فمن قرأ على حرف فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه". هذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه. (حديث آخر) في معناه عن سليمان بن صرد. قال ابن جرير (١): حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، حدّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد يرفعه قال: "أتاني ملكان فقال أحدهما: اقرأ، قال: على كم؟ قال: على حرف، قال: زده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف". ورواه النسائي (٢) في "اليوم والليلة" عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن إسحاق الأزرق،

стр. 110

عن العوام بن حوشب، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، قال: أتى أُبي بن كعب رسول الله ﷺ برجلين اختلفا في القراءة، فذكر الحديث. وهكذا رواه أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، عن العوام [ابن حوشب به. ورواه أبو عبيد، عن يزيد بن هارون، عن العوام] (١)، (عن) (٢) أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي أنه أتى النبي ﷺ برجلين، فذكره. وقال ابن جرير (٣): حدثنا أبو كريب، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن فلان العبدي - قال ابن جرير: ذهب عني اسمه - عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب، قال: رحت إلى المسجد فسمعت رجلًا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ ، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: استقرئ هذا، قال: فقرأ، فقال: "أحسنت" قال [قلت: إنك أقرأتني كذا وكذا، فقال: "وأنت قد أحسنت" (قال: فقلت) (٤) قد أحسنت! قد أحسنت!؟ قال] (٥) فضرب بيده على صدري ثم قال: "اللهم أذهب عن أُبي الشك" قال: ففضت عرقًا، وامتلأ جوفي فرقًا، قال: ثم قال: "إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده، قال: قلت: زدني، فقال: اقرأه على حرفين، حتى بلغ سبعة أحرف، اقرأه على سبعة أحرف". وقد رواه أبو عبيد، عن حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن (سقير) (٦) العبدي، عن سليمان بن صرد، عن أُبي (٧) [عن النبي ﷺ بنحو ذلك. ورواه أبو داود (٨)، عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، عن أُبي] (٧) بن كعب بنحوه.

стр. 111

فهذا الحديثُ محفوظ من حيث الجملة عن أُبي بن كعب، والظاهر أن سليمان بن صرد الخزاعي شاهد ذلك، والله أعلم. (حديث آخر عن أبي بكرة): قال الإمام (١) أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: "أتاني جبريل وميكائيل ﵉، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف واحد، فقال ميكائيل: استزده، قال: اقرأ القرآن على سبعة أحرف، كلها شافٍ كافٍ، ما لم تختم آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب برحمة" وهكذا رواه ابن جرير، عن أبي كريب، عن زيد بن الحباب، عن حماد بن سلمة به، وزاد في آخره "كقولك: هلم وتعال". (حديث آخر عن سمرة): قال الإمام (٢) أحمد: حدثنا بهز وعفان، كلاهما عن حماد بن سلمة، أنا قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف".

стр. 112

إسناد صحيح، ولم يخرجوه. (حديث آخر عن أبي هريرة): قال الإمام (١) أحمد: حدثنا أنس بن عياض، حدثني أبو حازم، عن أبي سلمة لا أعلمه إلا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "نزل القرآن على سبعة أحرف، مراء في القرآن كفر - ثلاث مرات - فما علمتم منه فاعملوا وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه". ورواه النسائي، عن قتيبة، عن أبي ضمرة أنس بن عياض به. (حديث آخر عن أم أيوب): قال الإمام (٢) أحمد: حدثنا سفيان، عن عبيد الله - وهو ابن أبي يزيد - عن أبيه، عن أم أيوب - يعني: امرأة أبي أيوب - الأنصارية أن رسول الله ﷺ قال: "أنزل القرآن على سبعة أحرف أيها قرأت أجزأك". وهذا إسناد صحيح، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة. (حديث آخر عن أبي جهيم): قال أبو عبيد (٣): حدثنا إسماعيل بن جعفر، عن يزيد بن خصيفة، عن مسلم بن سعيد مولى

стр. 113

الحضرمي - وقال غيره عن بسر بن سعيد - عن أبي جهيم الأنصاري أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، كلاهما يزعم أنه تلقاها من رسول الله ﷺ فمشيا جميعًا حتى أتيا رسول الله ﷺ فذكر أبو جهيم أن رسول الله ﷺ قال: "إن هذا القرآن (نزل) (١) على سبعة أحرف، فلا تماروا فإن مراءً فيه كفر". وهكذا رواه أبو عبيد على الشك. وقد رواه الإمام أحمد على الصواب، فقال: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدّثنا سليمان بن بلال، حدثني يزيد بن خصيفة، أخبرني بسر بن سعيد، حدثني أبو جهيم أن رجلين اختلفا في آية من القرآن، قال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ وقال هذا: تلقيتها من رسول الله ﷺ ، فسألا النبي ﷺ فقال: "القرآن يقرأ على سبعة أحرف، فلا تماروا في القرآن، فإن مراءً في القرآن كفر". وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولم يخرجوه. ثم قال أبو عبيد (٢): حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يزيد بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص أن رجلًا قرأ آيةً من القرآن

стр. 114

فقال عمرو - يعني: ابن العاص -: إنما هي كذا وكذا بغير ما قرأ الرجل، فقال الرجل: هكذا أقرأنيها رسول الله ﷺ فخرجا إلى رسول الله ﷺ حتى أتياه، فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ : "إن هذا القرآن نزل على سبعة أحرف، فأي ذلك قرأتم أصبتم، فلا تماروا في القرآن فإن مراءً فيه كفر". ورواه الإمام أحمد، عن أبي سلمة الخزاعي، عن عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص به نحوه، وفيه "فإن المراء فيه كفر إنه الكفر به". وهذا أيضًا (حديث) (١) جيد. (حديث آخر عن ابن مسعود): قال ابن جرير (٢): حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أنا ابن وهب، أخبرني حيوة بن شريح، عن عقيل بن خالد، عن سلمة بن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، عن النبي ﷺ أنه قال: "كان الكتاب الأول نزل من باب واحد، وعلى حرف واحد، ونزل القرآن من سبعة أبواب على سبعة أحرف: زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال، فأحلوا حلاله وحرموا حرامه، وافعلوا ما أمرتم به، وانتهوا عما نهيتم عنه، واعتبروا بأمثاله، واعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابهه، وقولوا: آمنا به كل من عند ربنا". ثم رواه (٣) عن أبي كريب، عن المحاربي، عن ضمرة بن حبيب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن ابن مسعود من كلامه وهو أشبه، والله أعلم.

стр. 115

فصل قال أبو عبيد (١): قد تواترت هذه الأحاديث كلها على الأحرف السبعة إلا ما حدثني عفان، عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة بن جندب، عن النبي ﷺ قال: "نزل القرآن على (ثلاثة) (٢) أحرف". قال أبو عبيد (٣): ولا نرى المحفوظ إلا السبعة؛ لأنها المشهورة وليس معنى تلك السبعة أن يكون الحرف الواحد يقرأ على سبعة أوجه، وهذا شيء غير موجود، ولكنه عندنا أنه نزل سبع لغات متفرقة في جميع القرآن من لغات العرب، فيكون الحرف الواحد منها بلغة قبيلة، والثاني بلغة أخرى سوى الأولى، والثالث بلغة أخرى سواهما كذلك إلى السبعة، وبعض الأحياء أسعد بها وأكثر حظًا فيها من بعض، وذلك بيِّن في أحاديث تترى. قال: وقد روى الكلبي (٤)، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل القرآن على سبع لغات منها خمس بلغة العجز من هوازن. قال أبو عبيد (٥): والعجز هم بنو سعد بن بكر وجشم بن بكر ونصر بن معاوية وثقيف وهم علياء هوازن الذين قال أبو عمرو بن العلاء: أفصح العرب علياء هوازن وسفلى تميم يعني بني دارم. ولهذا قال عمر (٦): لا يملي في مصاحفنا إلا غلمان قريش أو ثقيف، (٧) [قال ابن جرير (٨): واللغتان الأخريان قريش وخزاعة، رواه قتادة، عن ابن عباس ولكن لم يلقه] (٧).

стр. 116

قال أبو عبيد (١): وحدثنا هشيم، عن حصين بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس أنه كان يسئل عن القرآن فينشد فيه الشعر، قال أبو عبيد: يعني أنه كان يستشهد به على التفسير. وحدثنا هشيم، عن أبي بشر، عن سعيد - أو مجاهد - عن ابن عباس في قوله: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ (١٧)﴾ [الانشقاق] قال: وما جمع. وأنشد: قد اتسقن لو يجدن سائقًا (٢) حدثنا هشيم (٣): أنا حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ [النازعات] قال: الأرض. قال: وقال ابن عباس: قال أمية بن أبي الصلت: عندهم لحم بحر ولحم ساهرة حدثنا يحيى (٤) بن سعيد، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن (مجاهد عن) (٥) ابن عباس قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما: أنا فطرتها، أنا ابتدأتها. إسناد جيد أيضًا. وقال الإمام أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀ بعد ما أورد طرفًا مما تقدم: "وصح وثبت أن الذي نزل به القرآن من ألسن العرب البعض منها دون (الجميع) (٦)، إذ كان معلومًا أن ألسنتها ولغاتها أكثر من سبع بما يعجز عن إحصائه". ثم قال: "وما برهانك على ما قلته دون أن يكون معناه ما قاله مخالفوك من أنه نزل بأمر

стр. 117

وزجر وترغيب وترهيب وقصص ومثل، ونحو ذلك من الأقوال فقد علمت قائل ذلك عن سلف الأمة وخيار الأئمة؟ قيل له: إن الذين قالوا ذلك لم يدعوا أن تأويل الأخبار التي تقدم ذكرها هو ما زعمت أنهم قالوه في الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن دون غيره، فيكون ذلك لقولنا مخالفًا، وإنما أخبروا أن القرآن نزل على سبعة أحرف يعنون بذلك أنه نزل على سبعة أوجه، والذي قالوا من ذلك كما قالوا، وقد روينا بمثل الذي قالوا من ذلك عن رسول الله ﷺ وعن جماعة من الصحابة من أنه نزل من سبعة أبواب الجنة كما تقدم". يعني كما تقدم في رواية (عن) (١) أُبي بن كعب وعبد الله بن مسعود أن القرآن نزل من سبعة أبواب الجنة. قال ابن جرير: والأبواب السبعة من الجنة هي المعاني التي فيها من الأمر والنهي، والترغيب والترهيب، والقصص والمثل، التي إذا عمل بها العامل وانتهى إلى حدودها المنتهى استوجب به الجنة. ثم بسط (٢) القول في هذا بما حاصله أن الشارع رخص للأمة التلاوة على سبعة أحرف. ثم لما رأى الإمام أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ اختلاف الناس في القراءة، وخاف من تفرق كلمتهم. جمعهم على حرف واحد، وهو هذا المصحف الإمام. قال: واستوسقت له الأمة على ذلك بالطاعة، ورأت أن فيما فعله من ذلك الرشد والهداية، وتركت القراءة بالأحرف الستة، التي عزم عليها إمامها العادل في تركها طاعة منها له، ونظرًا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملتها، حتى درست من الأُمة معرفتها، (وتعفت) (٣) آثارها. فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها، لدثورها وعفو آثارها - إلى أن قال: فإن قال من ضعفت معرفته: وكيف جاز لهم ترك قراءة أقرأهموها رسول الله ﷺ وأمرهم بقراءتها؟ قيل: إن أمره إياهم بذلك لم يكن أمر إيجاب وفرض، وإنما كان أمر إباحة ورخصة؛ لأن القراءة بها لو كانت فرضًا عليهم لوجب أن يكون العمل بكل حرف من تلك الأحرف السبعة عند من يقوم بنقله الحجة، ويقطع خبره العذر ويزيل الشك من قراءة الأمة. وفي تركهم نقل ذلك كذلك أوضح الدليل على أنهم كانوا في القراءة بها مخيرين، - إلى أن قال:- فأما ما كان من اختلاف القراءة في رفع حرف ونصبه وجره، وتسكين حرف وتحريكه، ونقل حرف إلى آخر مع اتفاق الصورة، فمن معنى قول النبي ﷺ : "أمرت أن أقرأ القرآن على سبعة أحرف" بمعزل؛ لأن المراء في مثل هذا ليس بكفر في قول أحد من علماء الأمة. وقد أوجب ﷺ بالمراء في الأحرف السبعة الكفر كما تقدم (٤).

стр. 118

الحديث الثاني: قال البخاري (١) ﵀: حدّثنا سعيد بن عفير، حدّثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: (أخبرني) (٢) عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القاري حدثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة (رسول الله) (٣) ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره في الصلاة. فتصبرت حتى سلم فلببته بردائه، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ (قال) (٤): أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقلت: كذبت، فإن رسول الله ﷺ قد أقرأنيها على غير ما قرأت، فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، فقال رسول الله ﷺ : " (أرسله) (٥) اقرأ يا هشام" فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ، فقال ﷺ "كذلك أنزلت" ثم قال: (اقرأ يا عمر) فقرأت القراءة التي أقرأني، فقال رسول الله ﷺ : "كذلك أنزلت، إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه". وقد رواه الإمام أحمد (٦) والبخاري أيضًا ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي من طرق عن الزهري. ورواه الإمام أحمد (٧) (أيضًا) (٨)، عن ابن مهدي، عن مالك، عن الزهري، عن عروة، عن عبد الرحمن بن عبد، عن عمر، فذكر الحديث بنحوه. وقد قال الإمام أحمد (٩): حدثنا عبد الصمد، حدّثنا حرب بن ثابت، حدّثنا إسحاق بن

стр. 119

عبد الله بن أبي طلحة، عن أبيه، عن جده قال: قرأ رجل عند عمر فغير عليه، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فلم يغير علي، قال: فاجتمعا عند النبي ﷺ فقرأ الرجل على النبي ﷺ فقال له: "قد أحسنت" قال: فكأن عمر وجد من ذلك، فقال رسول الله ﷺ : "يا عمر إن القرآن كله صواب ما لم تجعل عذاب مغفرةً، ومغفرةً عذاب". وهذا إسناد حسن. وحرب بن ثابت هذا يكنى بأبي ثابت، لا نعرف أحدًا جرحه. وقد اختلف العلماء في معنى هذه السبعة الأحرف وما أُريد منها على أقوال. قال أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري القرطبي المالكي في "مقدمات تفسيره": وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا ذكرها أبو حاتم محمد بن حبان البُستي، ونحن نذكر منها خمسة أقوال. (قلت): ثم سردها القرطبي وحاصلها ما أنا مورده ملخصًا: (فالأول) وهو قول أكثر أهل العلم منهم سفيان بن عيينة وعبد الله بن وهب وأبو جعفر محمد بن جرير والطحاوي أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتقاربة بألفاظ مختلفة نحو أقبل وتعال وهلم. وقال الطحاوي: وأبين ما ذكر في ذلك حديث أبي بكرة (١) قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ فقال: اقرأ على حرف، فقال ميكائيل: استزده، فقال: اقرأ على حرفين، فقال ميكائيل: استزده. حتى بلغ سبعة أحرف فقال: اقرأ فكل كاف شاف إلا أن تخلط آية رحمة بآية عذاب، أو آية عذاب بآية رحمةٍ، (على) (٢) نحو هلم وتعال وأقبل، واذهب وأسرع وعجل. وروى ورقاء (عن) (٣) (ابن أبي) (٤) نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن أُبي بن كعب أنه كان يقرأ ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا (نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ) (٣)﴾ [الحديد: ١٣] للذين آمنوا أمهلونا، للذين آمنوا أخرونا، للذين آمنوا ارقبونا، وكان يقرأ ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ [البقرة: ٢٠] مروا فيه، سعوا فيه.

стр. 120

قال الطحاوي وغيره: وإنما كان ذلك رخصةً أن يقرأ الناس القرآن على سبع لغات، وذلك لما كان يتعسر على كثير من الناس التلاوة على لغة قريش وقراءة رسول الله ﷺ لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الحفظ، وقد ادعى الطحاوي والقاضي الباقلاني والشيخ أبو عمر بن عبد البر أن ذلك كان رخصةً في أول الأمر، ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الحفظ وكثرة الضبط وتعلم الكتابة. (قلت): وقال بعضهم: إنما كان الذي جمعهم على قراءة واحدة أمير المؤمنين عثمان بن عفان أحد الخلفاء الراشدين المهديين المأمور باتباعهم. وإنما جمعهم عليها لما رأى من اختلافهم في القراءة المفضية إلى تفرق الأمة وتكفير بعضهم بعضًا. فرتب لهم المصاحف الأئمة على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان كان من عمره ﵇ وعزم عليهم أن لا يقرؤوا بغيرها. وأن لا يتعاطوا الرخصة التي كانت لهم (فيها) (١) سعة. ولكثها أدت إلى الفرقة والاختلاف، كما ألزم عمر بن الخطاب الناس [بالطلاق الثلاث المجموعة حتى تتابعوا فيها وأكثروا منها قال: فلو أنا أمضيناه عليهم، وأمضاه عليهم. وكذلك كان ينهى] (٢) عن المتعة في أشهر الحج؛ لئلا تقطع زيارة البيت في غير أشهر الحج. وقد كان أبو موسى (يفتي) (٣) بالتمتع، فترك فتياه اتباعًا لأمير المؤمنين وسمعًا وطاعةً للأئمة المهديين. (القول الثاني): أن القرآن نزل على سبعة أحرف، وليس المراد أن جميعه يقرأ على سبعة أحرف، ولكن بعضه على حرف وبعضه على حرف آخر. قال الخطابي: وقد يقرأ بعضه بالسبع لغات كما في قوله: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠] و ﴿يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ﴾ [يوسف: ١٢]. قال (٤) القرطبي: ذهب إلى هذا القول أبو عبيد واختاره ابن عطية. قال أبو عبيد (٥): وبعض اللغات أسعد به من بعض. وقال القاضي الباقلاني: ومعنى قول عثمان إنه نزل بلسان قريش؛ أي: معظمه ولم يقم دليل على أن جميعه بلغة قريش كله، قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] ولم يقل: قرشيًا، قال: واسم العرب يتناول جميع القبائل تناولًا واحدًا؛ يعني: حجازها ويمنها. وكذا قال الشيخ (٦) أبو عمر ابن عبد البر، قال: لأن لغة غير قريش موجودة في صحيح القراءات كتحقيق الهمزات فإن قريشًا لا تهمز. وقال ابن عطية: قال ابن عباس: ما كنت أدري معنى: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: ١] حتى سمعت أعرابيًا يقول لبئر ابتدأ حفرها: أنا فطرتها. (القول الثالث): أن لغات القرآن السبع منحصرة في مضر على اختلاف قبائلها خاصةً، لقول عثمان: إن القرآن نزل بلغة قريش، وقريش هم بنو النضر بن الحارث على الصحيح من أقوال أهل النسب، كما ينطق به الحديث في "سنن ابن ماجه" وغيره.

стр. 121

(القول الرابع): وحكاه الباقلاني عن بعض العلماء أن وجوه القراءات ترجع إلى سبعة أشياء منها ما (تتغير) (١) حركته ولا تتغير صورته ولا معناه، مثل ﴿وَيَضِيقُ صَدْرِي﴾ [الشعراء: ١٣] ويضيق. ومنها ما لا تتغير صورته ويختلف معناه. مثل ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ - (وباعد (٢)) - بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾ [سبأ: ١٩] وقد يكون الاختلاف في الصورة والمعنى بالحرف، مثل ﴿نُنْشِزُهَا﴾ [البقرة: ٢٥٩] و (ننشزها) أو بالكلمة مع بقاء المعنى مثل ﴿كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾ [القارعة: ٥]- أو - (كالصوف المنفوش) أو باختلاف الكلمة واختلاف (المعنى) (٣)، مثل ﴿وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩)﴾ [الواقعة] (وطلع منضود) أو بالتقدم والتأخر: مثل ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩] أو (سكرة الحق بالموت) أو بالزيادة، مثل ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً - أنثى﴾ [ص: ٢٣] ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ - كافرًا وكان - أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [الكهف: ٨٠] ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ - لهن - غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣]. (القول الخامس): أن المراد بالأحرف السبعة معاني القرآن، وهي أمر، ونهي، ووعد ووعيد، وقصص، ومجادلة، وأمثال. قال ابن عطية: وهذا ضعيف؛ لأن هذه لا تسمى حروفًا، وأيضًا فالإجماع أن التوسعة لم تقع في تحليل (حرام) (٤)، ولا في تغيير شيء من المعاني، وقد أورد القاضي الباقلاني في هذا حديثًا، ثم قال: وليست هذه هي التي أجاز لهم القراءة بها. فَصلٌ قال القرطبي: قال كثير من علمائنا (الداودي) (٥) وابن أبي صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بها، وإنما هي راجعة إلى حرف من السبعة، وهو الذي جمع عليه عثمان المصحف، ذكره ابن النحاس وغيره. قال القرطبي: وقد سوغ كل واحد من القراء السبعة قراءة الآخر وأجازها وإنما اختار القراءة المنسوبة إليه؛ لأنه رآها أحسن (والأولى) (٦) عنده، قال: وقد أجمع المسلمون في هذه الأمصار على الاعتماد على ما صح عن هؤلاء الأئمة فيما رووه ورأوه من القراءات، وكتبوا في ذلك مصنفات، واستمر الإجماع على الصواب، وحصل ما وعد الله من حفظه الكتاب (٧). قال البخاري (٨) ﵀: تأليف القرآن حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام بن يوسف أن ابن جريج أخبرهم قال:

стр. 122

(وأخبرني) (١) يوسف بن ماهك قال: إني عند عائشة أم المؤمنين ﵂ إذ جاءها عراقي فقال: أي الكفن خير؟ قالت: ويحك ما يضرك؟ قال: يا أم المؤمنين أريني مصحفك، فقالت: لم؟ قال: لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف، قالت: وما يضرك أَيُّهُ قرأت قبل؟ إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول (شيء) (٢): لا تشربوا الخمر لقالوا: لا ندع الخمر أبدًا، ولو نزل لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدًا. لقد نزل بمكة على محمد ﷺ وإني لجارية ألعب ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ (٤٦)﴾ [القمر] وما نزلت سورة البقرة والنساء إلا وأنا عنده، قال: فأخرجت له المصحف فأملت عليه آي السور. والمراد من التأليف ههنا ترتيب سوره؛ وهذا العراقي سأل أولًا عن أي الكفن خير أو أفضل، فأخبرته عائشة ﵂ أن هذا مما لا ينبغي أن يعتنى (٣) بالسؤال عنه ولا القصد له ولا الاستعداد له، فإن في هذا تكلفًا لا طائل تحته، وكانوا في ذلك الزمان يصفون أهل العراق بالتعنت في الأسئلة، كما سأل بعضهم (٤) عبد الله بن عمر عن دم البعوض [يصيب الثوب، فقال ابن عمر: انظروا إلى أهل العراق يسألون عن دم البعوض] (٥) وقد قتلوا ابن بنت رسول الله ﷺ !! ولهذا لم تبالغ معه عائشة ﵂ في الكلام؛ لئلا يظن أن ذلك أمر مهم (٦)، وإلا: فقد روى أحمد (٧) وأهل السنن من حديث سمرة وابن عباس، عن رسول الله ﷺ قال: "البسوا

стр. 123

من ثيابكم البياض، وكفنوا فيها موتاكم، فإنها أطهر وأطيب" وصححه الترمذي من الوجهين. وفي "الصحيحين" (١) عن عائشة أنها قالت: كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة، وهذا محرر في "باب الكفن" من "كتاب الجنائز". ثم سألها عن ترتيب القرآن، فانتقل إلى سؤال كبير، وأخبرها أنه يقرأ غير مؤلف؛ أي: مرتب السور، وكان هذا قبل أن يبعث أمير المؤمنين عثمان ﵁ إلى الآفاق بالمصاحف الأئمة المؤلفة على هذا الترتيب المشهور اليوم وقبل الإلزام (٢) به، والله أعلم، ولهذا أخبرته إنه لا يضرك بأي سوره بدأت، وإن أول سورة نزلت فيها ذكر الجنة والنار، وهذه إن لم تكن ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] فقد يحتمل أنها أرادت اسم جنس لسور المفصل التي فيها الوعد والوعيد ثم لما انقاد الناس إلى التصديق أمروا ونهوا بالتدريج أولًا فأولًا، وهذا من حكمة الله ورحمته. ومعنى هذا الكلام أن هذه السورة أو السور التي فيها ذكر الجنة والنار ليست البداءة بها في أوائل المصاحف مع أنها من أول ما نزل، "وهذه البقرة والنساء من أوائل ما في المصحف وقد نزلت عليه في المدينة وأنا عنده". فأما ترتيب الآيات في السور، فليس في ذلك رخصة بل هو أمر توقيفي عن رسول الله ﷺ كما تقدم تقرير ذلك، ولهذا لم ترخص له في ذلك، بل أخرجت له مصحفها فأملت عليه آي السور، والله أعلم. وقول عائشة: لا يضرك بأي سورة بدأت يدل على أنه لو قدم بعض السور أو أخر كما

стр. 124

(دل) (١) عليه حديث حذيفة (وابن مسعود) (٢) وهو في "الصحيح" (٣) أنه ﵇ قرأ في قيام الليل البقرة ثم النساء ثم آل عمران. وقد حكى (٤) القرطبي، عن أبي بكر بن الأنباري في "كتاب الرد" أنه قال: فمن أخر سورةً مقدمةً أو قدم أخرى مؤخرةً كمن أفسد نظم الآيات، وغيَّر الحروف والآيات، وكان مستنده اتباع مصحف عثمان ﵁، فإنه مرتب على هذا النحو المشهور. والظاهر أن ترتيب السور (فيه) (٥) منه ما هو راجع إلى رأي عثمان ﵁، وذلك ظاهر في سؤال ابن عباس له عن ترك البسملة في أول براءة وذكره الأنفال من الطول، والحديث في الترمذي وغيره بإسناد جيد (٦) قوي. وقد ذكرنا عن علي أنه كان قد عزم على ترتيب القرآن بحسب نزوله ولهذا حكى القاضي الباقلاني أن أول مصحفه كان ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق] وأول مصحف ابن مسعود ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ [الفاتحة] ثم البقرة ثم النساء [على ترتيب مختلف، وأول مصحف أُبي (الحمد لله) ثم النساء] (٧) ثم آل عمران ثم الأنعام ثم المائدة ثم كذا على اختلاف شديد. ثم قال (٨) القاضي: ويحتمل أن ترتيب السور في المصحف على ما هو عليه اليوم من اجتهاد الصحابة ﵃. وكذا ذكر مكي في تفسير سورة براءة، قال: فأما ترتيب الآيات والبسملة في الأوائل فهو من النبي ﷺ . وقال ابن (٨) وهب في (جامعه) (٩): سمعت سليمان بن بلال يقول: سئل ربيعة لم قدمت البقرة وآل عمران وقد نزل قبلهما بضع وثمانون سورةً؟ فقال: قدمتا وألف القرآن على علم ممن ألفه، وقد أجمعوا على العلم بذلك، فهذا مما ينتهى إليه ولا يسئل عنه. قال ابن وهب: وسمعت مالكًا يقول: إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي ﷺ . قال أبو الحسن بن بطال (١٠): (إنما يجب) (١١) تأليف سوره في الرسم والخط خاصةً، ولا نعلم أن أحدًا قال: إن ترتيب ذلك واجب في الصلاة وفي القرآن ودرسه، وإنه لا يحل لأحد أن يتلقن الكهف قبل البقرة، ولا الحج بعد الكهف، ألا ترى إلى قول عائشة: لا يضرك أيه قرأت قبل، وقد كان النبي ﷺ يقرأ في الصلاة السورة في ركعة، ثم يقرأ في الركعة الأخرى بغير السورة التي تليها.

стр. 125

قال: وأما ما روي عن ابن مسعود (١) وابن عمر أنهما كرها أن يقرأ القرآن (منكوسًا) (٢)، وقالا: إنما ذلك منكوس القلب، فإنما عنيا بذلك من يقرأ السورة منكوسة فيبتدئ بآخرها إلى أولها، فإن ذلك حرام محظور" (٣). (ثم قال البخاري): حدثنا آدم، عن شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد قال: سمعت ابن مسعود يقول في بني إسرائيل والكهف ومريم وطه والأنبياء: "إنهن من العتاق الأول وهن من تلادي". انفرد بإخراجه البخاري (٤). والمراد منه ذكر ترتيب هذه السور في مصحف ابن مسعود كالمصاحف العثمانية. وقوله: "من العتاق الأول"؛ أي: من قديم ما نزل. وقوله: "وهن من تلادي"؛ أي: من قديم ما قنيت وحفظت، والتالد في لغتهم: قديم المال والمتاع، والطارف: حديثه وجديده، والله أعلم. حدثنا أبو (٥) الوليد، حدّثنا شعبة، أنا أبو إسحاق سمع البراء بن عازب الله ﵁ يقول: تعلمت ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ قبل أن يقدم النبي ﷺ . وهذا متفق عليه وهو قطعة من حديث الهجرة. والمراد منه أن ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى] سورة مكية نزلت قبل الهجرة، والله أعلم.

стр. 126

(ثم قال) (١): حدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن شقيق قال: قال عبد الله: لقد (علمت) (٢) النظائر التي كان النبي ﷺ يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة، فقام عبد الله ودخل معه علقمة، وخرج علقمة فسألناه، فقال: عشرون سورةً من أول المفصل على تأليف ابن مسعود، آخرهن من الحواميم (حم الدخان وعم يتساءلون). هذا التأليف الذي عن ابن مسعود غريب مخالف لتأليف عثمان ﵁، فإن المفصل في مصحف عثمان ﵁ من سورة الحجرات إلى آخره، وسورة الدخان لا تدخل فيه بوجه، والدليل على ذلك ما: رواه الإمام أحمد (٣) حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي، عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة قال: كنت في الوفد الذين أتوا (النبي) (٤) ﷺ فذكر حديثًا فيه أن النبي ﷺ كان يسمر معهم بعد العشاء، فمكث عنا ليلةً لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء، قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: "طرأ عليَّ حزب من القرآن فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه". قال: فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا، قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ثلاث سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورةً، وثلاث عشرة سورةً، وحزب المفصل من (ق) حتى يختم. ورواه أبو داود وابن ماجه من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي به. وهذا إسناد حسن. فَصْلٌ فأما نقط المصحف وشكله، فيقال: إن أول من أمر به عبد الملك بن مروان، فتصدى لذلك الحجاج وهو بواسط، فأمر الحسن البصري ويحيى بن يعمر ففعلا ذلك، ويقال إن أول من نقط المصحف أبو الأسود الدؤلي، وذكروا أنه كان لمحمد بن سيرين مصحف قد نقطه له يحيى بن يعمر، والله أعلم.

стр. 127

وأما كتابة الأعشار على الحواشي، فينسب إلى الحجاج أيضًا. وقيل: بل أول من فعله المأمون. وحكى أبو عمرو الداني، عن ابن مسعود أنه كره التعشير في المصحف وكان يحكه، وكره مجاهد ذلك أيضًا. وقال مالك: لا بأس به بالحبر. فأما بالألوان المصبغة فلا. وكره تعداد آي السور في أولها في المصاحف الأمهات، فأما ما يتعلم فيه الغلمان فلا أرى به بأسًا. وقال قتادة: بدأوا فنقطوا ثم خمسوا ثم عشروا. وقال يحيى بن (أبي) (١) كثير: أول ما أحدثوا النقط، وقال: هو نور له، ثم أحدثوا النقط عند آخر الآي، ثم أحدثوا الفواتح والخواتم. ورأى إبراهيم النخعي: فاتحة سورة كذا، فأمر بمحوها، وقال: قال ابن مسعود: لا تخلطوا بكتاب الله ما ليس فيه. قال أبو عمرو الداني: ثم قد أطبق المسلمون في ذلك في سائر الآفاق على جواز ذلك في الأمهات وغيرها. ثم قال البخاري ﵀: (٢) كان جبريل يعرض القرآن على النبي ﷺ . قال مسروق عن فاطمة، عن عائشة: أسر إلي رسول الله ﷺ : "إن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة، وإنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي". هكذا ذكره (٣) معلقًا، وقد أسنده (٤) في (موضع) (٥) آخر. ثم قال (٦): حدثنا يحيى بن قزعة، حدّثنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في (شهر) (٧) رمضان؛ لأن جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة. وهذا الحديث متفق (٨) عليه. وقد تقدم الكلام عليه في أول الصحيح وما فيه من الحكم والفوائد، والله أعلم. ثم قال (٩): حدثنا خالد بن يزيد، حدّثنا أبو بكر، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي

стр. 128

هريرة قال: كان يعرض على النبي ﷺ القرآن كل عام مرةً، فعرض عليه مرتين في العام الذي قبض فيه، وكان يعتكف كل عام عشرًا؛ فاعتكف عشرين في العام الذي قبض فيه. ورواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من غير وجه عن أبي بكر - وهو ابن عياش - عن أبي حصين واسمه عثمان بن عاصم به. والمراد من معارضته له بالقرآن كل سنة مقابلته على ما أوحاه إليه عن الله تعالى ليبقى ما بقي، ويذهب ما نسخ توكيدًا واستثباتًا وحفظًا. ولهذا عرضه في السنة الأخيرة من عمره ﵇ (اقتراب أجله) (١) على جبريل مرتين وعارضه به جبريل كذلك، ولهذا فهم ﵇ اقتراب أجله. وعثمان ﵁ جمع المصحف الإمام على العرضة الأخيرة ﵁ وأرضاه، وخص بذلك رمضان من بين الشهور؛ لأن ابتداء الإيحاء كان فيه. ولهذا يستحب دراسة القرآن وتكراره فيه، ومن ثم كثر اجتهاد الأئمة في تلاوة القرآن، كما تقدم ذكرنا لذلك. القراء من أصحاب النبي ﷺ - حدثنا (٢) حفص بن عمر، حدّثنا شعبة، عن عمرو، عن إبراهيم، عن مسروق ذكر عبد الله بن عمرو عبد الله بن مسعود فقال: لا أزال أحبه، سمعت النبي ﷺ يقول: "خذوا القرآن من أربعة: عبد الله بن مسعود، وسالم، ومعاذ بن جبل، وأُبي بن كعب ﵃". وقد أخرجه (٣) البخاري في "المناقب" في غير موضع، ومسلم والنسائي من حديث الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق به. فهؤلاء أربعة: اثنان من المهاجرين الأولين: عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة، وقد كان سالم هذا من سادات المسلمين، وكان يؤم الناس قبل مقدم النبي ﷺ (في) (٤) المدينة، واثنان من الأنصار: معاذ بن جبل وأُبي بن كعب، وهما سيدان كبيران ﵃ أجمعين. ثم قال (٥): حدثنا عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا شقيق بن سلمة قال: خطبنا عبد الله فقال: والله لقد أخذت من فِي رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة، والله لقد علم أصحاب النبي ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم. قال شقيق: فجلست في الحلق أسمع ما يقولون فما سمعت رادًا يقول غير ذلك.

стр. 129

حدثنا (١) محمد بن كثير، حدّثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة قال: كنا بحمص فقرأ ابن مسعود سورة يوسف فقال رجل: ما هكذا أنزلت، فقال: قرأت على رسول الله ﷺ فقال: "أحسن" ووجد منه ريح الخمر، فقال: أتجترئ أن تكذب بكتاب الله وتشرب الخمر؟ (فجلده) (٢) الحد. حدثنا (٣) عمر بن حفص، حدّثنا أبي، حدّثنا الأعمش، حدّثنا مسلم عن مسروق قال: قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيم أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه. وهذا كله حق وصدق، وهو من إخبار الرجل (بما) (٤) يعلم من نفسه مما قد يجهله غيره، فيجوز ذلك للحاجة كما قال تعالى إخبارًا عن يوسف لما قال لصاحب مصر: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٥٥]. ويكفيه مدحًا وثناءً قول رسول الله ﷺ : "استقرئوا القرآن من أربعة" فبدأ به. وقال أبو (٥) عبيد: حدثنا مصعب بن المقدام، عن سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عمر، عن النبي ﷺ : "من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". وهكذا رواه الإمام (٦) أحمد، عن أبي معاوية، عن الأعمش به مطولًا وفيه قصة.

стр. 130

وأخرجه الترمذي والنسائي من حديث أبي معاوية به. وصححه الدارقطني وقد ذكرته في "مسند عمر" (١). وفي "مسند الإمام أحمد" (٢) أيضًا عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "من أحب أن يقرأ القرآن غضًا كما أنزل، فليقرأه على قراءة ابن أم عبد". وابن أم عبد؛ هو عبدُ الله بن مسعود كان يعرف بذلك. ثم قال البخاري (٣): حدثنا حفص بن عمر، حدّثنا همام، حدّثنا قتادة قال: سألت أنس بن مالك: من جمع القرآن على عهد النبي ﷺ ؟ قال: أربعة كلهم من الأنصار: أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد. ورواه مسلم من حديث (همام) (٤)، (حدّثنا قتادة، قال: سألت … ) (٥). ثم قال البخاري: تابعه الفضل (٦)، عن حسين بن واقد، عن ثمامة، عن أنس بن مالك. حدثنا معلى بن أسد، حدّثنا عبد الله بن المثنى، حدّثنا ثابت وثمامة، عن أنس بن مالك (٧) قال: مات النبي ﷺ ولم يجمع القرآن غير أربعةٍ: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، قال: ونحن ورثناه. فهذا الحديث ظاهره أنه لم يجمع القرآن من الصحابة سوى هؤلاء الأربعة فقط، وليس هذا هكذا بل الذي لا يشك فيه أنه جمعه غير واحد من المهاجرين أيضًا، ولعل مراده لم يجمع

стр. 131

القرآن من الأنصار، ولهذا ذكر الأربعة من الأنصار وهم أُبي بن كعب في الرواية الأولى المتفق عليها، وفي الثانية من أفراد البخاري أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد، وكلهم مشهورون، إلا أبا زيد هذا فإنه غير معروف إلا في هذا الحديث، وقد اختلف في اسمه. فقال الواقدي: واسمه قيس بن السكن ابن قيس بن زعورا بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. وقال ابن نمير: اسمه سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس بن عمرو بن زيد بن أُمية من الأوس. وقيل: هما اثنان جمعا القرآن، حكاه أبو عمر ابن عبد البر. وهذا بعيد، وقول الواقدي أصح؛ لأنه خزرجي لأن أنسًا قال: نحن ورثناه وهم من الخزرج. وفي بعض الألفاظ: وكان أحد عمومتي. وقال قتادة (١): عن أنس قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منا غسيل الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومنا الذي حمته الدبر عاصم بن ثابت، ومنا الذي اهتز لموته العرش سعد بن معاذ، ومنا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت. فقالت الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن على عهد رسول الله ﷺ : أُبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، فهذا كله يدل على صحة قول الواقدي. وقد شهد أبو زيد هذا بدرًا فيما ذكره غير واحد. وقال موسى بن عقبة الزهري: قتل أبو زيد قيس بن السكن يوم جسر أبي عبيد على رأس خمس عشرة سنة من الهجرة. والدليل على أن من المهاجرين من جمع القرآن أن الصديق ﵁ قدمه رسول الله ﷺ في مرضه إمامًا على المهاجرين والأنصار مع أنه قال: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله" (٢) فلولا أنه كان أقرأهم لكتاب الله لما قدمه عليهم. هذا مضمون ما قرره الشيخ أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري، وهذا التقرير لا يدفع ولا يشك فيه وقد جمع الحافظ ابن السمعاني في ذلك جزءًا. وقد بسطت تقرير ذلك في (كتاب) (٣) "مسند الشيخين" ﵄.

стр. 132

ومنهم (١) عثمان بن عفان قد قرأه في ركعة كما سنذكره، وعلي بن أبي طالب (٢)، يقال: إنه جمعه على ترتيب ما أنزل، وقد قدمنا هذا. ومنهم (٣) عبد الله بن مسعود وقد تقدم عنه أنه قال: ما من آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت وفيم أنزلت، ولو علمت أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه المطي لذهبت إليه. ومنهم سالم مولى (٤) أبي حذيفة، كان من السادات النجباء، والأئمة الأتقياء وقد قتل يوم اليمامة شهيدًا. ومنه الحبر البحر (٤) عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ابن عم الرسول وترجمان القرآن، قد تقدم عن مجاهد أنه قال: عرضت القرآن على ابن عباس مرتين أقفه عند كل آية وأسأله عنها. ومنهم عبد الله بن عمرو (٥)، كما رواه النسائي وابن ماجه من حديث ابن جريج، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن يحيى بن حكيم بن صفوان، عن عبد الله بن عمرو قال: جمعت القرآن فقرأت به كل ليلة فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "أقرأه في شهر" وذكر تمام الحديث. ثم قال البخاري (٦): حدثنا صدقة بن الفضل، أنا يحيى، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال عمر: علي أقضانا، وأُبي أقرؤنا، وإنا لندع من لحن أُبي. وأُبي يقول: أخذته من فِي رسول الله ﷺ فلا أتركه لشيء؛ قال الله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]. وهذا يدل على أن الرجل الكبير قد يقول الشيء يظنه صوابًا وهو خطأ في نفس الأمر، ولهذا قال الإمام مالك: ما من أحد إلا يؤخذ من قوله ويرد إلا قول صاحب هذا القبر؛ أي: فكله مقبول صلوات الله وسلامه عليه. ثم ذكر البخاري فضل فاتحة الكتاب وغيرها، وذكرنا في تفسيرها فضل كل سورة عندها ليكون ذلك أنسب. ثم قال: نزول السكينة والملائكة عند القراءة وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد عن محمد بن إبراهيم، عن أسيد بن الحضير قال: بينا هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكنت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت فسكنت، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبًا منها فأشفق أن

стр. 133

تصيبه، فلما (أخره) (١) رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراها فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال: "اقرأ يا بن حضير، اقرأ يا بن حضير" قال: فأشفقت أن تطأ يحيى وكان منها قريبًا، فرفعت رأسي وانصرفت إليه، فرفعت رأسي إلى السماء فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح فخرجت حتى لا أراها، قال: "أو تدري ما ذاك؟ " قال: لا، قال: "تلك الملائكة دنت لصوتك، لو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها لا تتوارى منهم". قال ابن الهاد: وحدثني هذا الحديث عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد الخدري عن أسيد بن الحضير. هكذا أورد البخاري (٢) هذا الحديث معلقًا وفيه انقطاع في الرواية الأولى، فإن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي المدني تابعي صغير لم يدرك أسيدًا؛ لأنه مات سنة عشرين، وصلى عليه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄. ثم فيه غرابة من حيث إنه قال: وقال الليث: حدثني يزيد بن الهاد، ولم أره بسند متصل عن الليث (كذلك) (٣) إلا ما ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في "الأطراف" أن يحيى بن عبد الله بن بكير رواه عن الليث كذلك. وقد رواه الإمام (٤) أبو عبيد في "فضائل القرآن" فقال: وحدثنا عبد الله بن صالح ويحيى بن بكير، عن الليث، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن أسيد بن حضير، فذكر الحديث إلى آخره. ثم قال: قال ابن الهاد: وحدثني عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد عن أسيد بن حضير بهذا. وقد رواه النسائي (٥) في "فضائل القرآن" عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن شعيب بن الليث، وعن علي بن محمد بن علي، عن داود بن منصور، كلاهما عن الليث، عن خالد بن

стр. 134

يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن يزيد بن عبد الله - وهو ابن الهاد - عن عبد الله بن خباب عن أبي سعيد، عن أسيد به. ورواه يحيى بن بكير، عن الليث كذلك أيضًا فجمع بين الإسنادين. ورواه في "المناقب" (١) عن أحمد بن سعيد الرباطي، عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن يزيد بن الهاد، عن عبد الله بن خباب، عن أبي سعيد أن أسيد بن حضير بينما هو ليلةً يقرأ في مربده … الحديث. ولم يقل: "عن أسيد"، ولكن ظاهره أنه عنه، والله أعلم. وقال أبو (٢) عبيد: حدثني عبد الله بن صالح، عن الليث، عن ابن شهاب، عن ابن كعب بن مالك، عن أسيد بن حضير أنه كان يقرأ على ظهر بيته، يقرأ القرآن وهو حسن الصوت. ثم ذكر مثل هذا الحديث أو نحوه. وحدثنا (٣) قبيصة، عن حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أسيد بن حضير قال: قلت: يا رسول الله بينا أنا أقرأ البارحة بسورة، فلما انتهيت إلى آخرها سمعت وجبةً من خلفي حتى ظننت أن فرسي تطلق، فقال رسول الله: "اقرأ أبا عتيك مرتين"، قال: فالتفت فرأيت إلى أمثال المصابيح ما بين السماء والأرض، فقال رسول الله: "اقرأ أبا عتيك" فقال: والله ما استطعت أن أمضي، فقال: "تلك الملائكة تنزلت لقراءة القرآن، أما إنك لو مضيت لرأيت الأعاجيب". وقال أبو داود (٤) الطيالسي: حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق سمع البراء يقول: بينما رجل يقرأ

стр. 135

سورة الكهف ليلة إذ رأى دابته تركض - أو قال: فرسه يركض - فنظر فإذا مثل الضبابة أو مثل الغمامة، فذكر ذلك لرسول الله، فقال: "تلك السكينة تنزلت للقرآن - أو تنزلت على القرآن -". وقد أخرجه صاحبا "الصحيح" من حديث شعبة. والظاهر أن هذا هو أسيد بن الحضير ﵁. فهذا مما يتعلق بصناعة الإسناد، وهذا من أغرب تعليقات البخاري ﵀، ثم سياقه ظاهر فيما ترجم عليه من نزول السكينة والملائكة عند القراءة. وقد اتفق نحو هذا الذي وقع لأسيد بن الحضير لثابت بن قيس بن شماس، كما: قال أبو عبيد (١): حدثنا عباد بن عباد، عن جرير بن حازم، عن عمه جرير بن يزيد أن أشياخ أهل المدينة حدثوه أن رسول الله قيل له: ألم تر ثابت بن قيس بن شماس؟ لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح قال: "فلعله قرأ سورة البقرة"، قال: فسئل ثابت فقال: قرأت سورة البقرة. وفي الحديث المشهور الصحيح "ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا تنزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده". رواه مسلم (٢) عن أبي هريرة. ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] جاء في بعض التفاسير أن الملائكة تشهده. وقد جاء في "الصحيحين" (٣) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيعرج إليه الذين نزلوا فيكم، فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون".

стр. 136

من قال: لم يترك النبي ﷺ إلا ما بين الدفتين حدثنا قتيبة (١)، حدّثنا سفيان، عن عبد العزيز بن رفيع قال: دخلت أنا وشداد بن معقل على ابن عباس، فقال له شداد بن معقل: أترك النبي ﷺ من شيء؟ قال: ما ترك إلا ما بين الدفتين. قال: ودخلنا على محمد ابن الحنفية فسألناه، فقال: ما ترك إلا ما بين الدفتين. تفرد به البخاري (٢)، ومعناه أنه ﵇ ما ترك مالًا ولا شيئًا يورث عنه، كما قال عمرو (٣) بن الحارث أخو جويرية: ما ترك رسول الله ﷺ دينارًا ولا درهمًا ولا عبدًا ولا أمةً ولا شيئًا. وفي حديث (٤) أبي الدرداء "إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذه بحظ وافر". ولهذا قال ابن عباس: وإنما ترك ما بين الدفتين يعني القرآن، والسنة مفسرة له ومبينة وموضحة؛ أي: تابعة له، والمقصود الأعظم كتاب الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية [فاطر ٣٢]. فالأنبياء ﵈ لم يخلقوا للدنيا يجمعونها ويورثونها، وإنما خلقوا للآخرة يدعون إليها ويرغبون فيها، ولهذا قال (٥) رسول الله ﷺ : " (لا نورث) (٦) ما تركنا فهو صدقة". وكان أول من أظهر هذه المحاسن من هذا الوجه أبو بكر الصديق ﵁ لما سئل ميراث رسول الله ﷺ فأخبر عنه بذلك، ووافقه على نقله عنه ﵇ غير واحد من الصحابة منهم عمر وعثمان وعلي والعباس وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وأبو هريرة وعائشة وغيرهم، وهذا ابن عباس يقوله أيضًا عنه ﵇، ﵃ أجمعين. فضل القرآن على سائر الكلام حدثنا هدبة بن خالد أبو خالد، حدّثنا همام، (حدّثنا قتادة) (٧)، حدّثنا أنس بن مالك، عن أبي موسى ﵄، عن النبي ﷺ : "مثل الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة طعمها طيب وريحها طيب، والذي لا يقرأ القرآن كالتمرة طعمها طيب ولا ريح لها. ومثل الفاجر الذي يقرأ القرآن كمثل

стр. 137

الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل الفاجر الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها". وهكذا رواه (١) في مواضع أخر مع بقية الجماعة من طرق عن قتادة به. ووجه مناسبة الباب لهذا الحديث أن طيب الرائحة دار مع القرآن وجودًا وعدمًا، فدلَّ على شرفه على ما سواه من الكلام الصادر من البر والفاجر. (ثم قال) (٢): حدثنا مسدد، حدّثنا يحيى، عن سفيان، حدثني عبد الله بن دينار قال: سمعت ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إنما أجلكم في أجل من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر ومغرب الشمس، ومثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالًا فقال: من يعمل لي إلى نصف النهار على قيراط؟ فعملت اليهود، فقال: من يعمل لي من نصف النهار إلى العصر؟ فعملت النصارى، ثم أنتم تعملون من العصر إلى المغرب بقيراطين قيراطين، قالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاءً، قال: هل ظلمتكم من حقكم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذاك فضلي أوتيه من شئت". تفرد به من هذا الوجه ومناسبته للترجمة أن هذه الأمة مع قصر مدتها فضلت الأمم الماضية مع طول مدتها، كما قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وفي "المسند" (٣) و"السنن" عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : "أنتم توفون سبعين أمةً، أنتم خيرها وأكرمها على الله". وإنما فازوا بهذا ببركة الكتاب العظيم القرآن الذي شرفه الله على كل كتاب أنزله وجعله مهيمنًا عليه وناسخًا له وخاتمًا له؛ لأن كل الكتب المتقدمة نزلت إلى الأرض جملةً واحدةً، وهذا القرآن نزل منجمًا بحسب الوقائع لشدة الاعتناء به وبمن أنزل عليه، فكل مرة كنزول كتاب من الكتب المتقدمة.

стр. 138

وأعظم الأمم المتقدمة هم اليهود والنصارى، فاليهود استعملهم الله من لدن موسى إلى زمان عيسى، والنصارى من ثم إلى أن بعث محمدًا ﷺ ثم استعمل أمته إلى قيام الساعة، وهو المشبه بآخر النهار، وأعطى المتقدمين قيراطًا قيراطًا، وأعطى هؤلاء قيراطين قيراطين ضعفي ما أعطى أولئك، فقالوا: أي ربنا ما لنا أكثر عملًا وأقل أجرًا؟ فقال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذاك فضلي؛ أي: الزائد على ما أعطيتكم أوتيه من أشاء، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾ [الحديد]. الوصاة بكتاب الله حدثنا (١) محمد بن يوسف، حدّثنا مالك بن مغول، حدّثنا طلحة هو ابن مصرف، سألت عبد الله بن أبي أوفى: أوصى النبي ﷺ ؟ قال: لا، قال: قلت: فكيف كتب على الناس الوصية أمروا بها ولم يوص؟ قال: أوصى بكتاب الله . وقد رواه في مواضع أخر مع بقية الجماعة إلا أبا داود من طرق عن مالك بن مغول به. وهذا نظير ما تقدَّم عن ابن عباس أنه ما ترك إلا ما بين الدفتين. وذلك أن الناس كتب عليهم الوصية في أموالهم كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠] وأما هو ﷺ فلم يترك شيئًا يورث عنه، (وإنما) (٢) ترك ماله صدقةً جاريةً من بعده فلم يحتج إلى وصية في ذلك. ولم يوص إلى خليفة يكون بعده على التنصيص؛ لأن الأمر كان ظاهرًا من إشاراته وإيماءاته إلى الصديق، ولهذا لما هم بالوصية إلى أبي بكر ثم عدل عن ذلك قال: "يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (٣) وكان كذلك وإنما أوصى الناس باتباع كلام الله. من لم يتغن بالقرآن وقول الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١]. حدثنا يحيى (٤) بن بكير، حدّثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة ﵁ أنه كان يقول: قال رسول الله ﷺ : "لم يأذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن". وقال صاحب له: يريد يجهر به، فرد من هذا الوجه.

стр. 139

ثم رواه عن علي بن عبد الله المديني، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري به. قال سفيان: تفسيره يستغني به. وقد أخرجه مسلم والنسائي من حديث سفيان بن عيينة به. ومعناه: أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها، وذلك أنه يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم. كما قالت عائشة ﵂: سبحان الذي وسع سمعه الأصوات. ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية [يونس: ٦١]، ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم. ومنهم من فسر الأذن ههنا بالأمر. والأول أولى لقوله: "ما أذن الله لشيء، ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن" أيْ: يجهر به، والأذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٢) وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ (٥)﴾ [الانشقاق] أي: استمعت لربها. وحقت أي وحق لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالأذن ههنا هو الاستماع. ولهذا جاء في حديث رواه ابن ماجه (١) بسند جيد عن فضالة بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته". وقول سفيان بن عيينة: إن المراد بالتغني يستغنى به، فإن أراد أنه يستغنى به عن الدنيا وهو الظاهر من كلامه الذي تابعه عليه أبو عبيد القاسم بن سلام وغيره، فخلاف الظاهر من مراد

стр. 140

الحديث؛ لأنه قد فسره بعض رواته بالجهر وهو تحسين القراءة والتحزين بها. قال حرملة: سمعت ابن عيينة يقول: معناه: يستغني به، فقال لي الشافعي: ليس هو هكذا ولو كان هكذا لكان يتغانى، إنما هو يتحزن ويترنم به. قال حرملة: وسمعت ابن وهب يقول: يترنم به، وهكذا نقل المزني والربيع، عن الشافعي ﵀. وعلى هذا فتصدير البخاري الباب بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ [العنكبوت] فيه نظر؛ لأن هذه الآية الكريمة ذكرت ردًا على الذين سألوا آيات تدل على صدقه حيث قال: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٥٠، ٥١] ومعنى ذلك: أولم يكفهم آية دالة على صدقك إنزالنا القرآن عليك وأنت رجل أمي؟ ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ [العنكبوت] أي: وقد جئت فيه بخبر الأولين والآخرين فأين هذا من التغني بالقرآن وهو تحسين الصوت به أو الاستغناء به عما عداه من أمور الدنيا؟ فعلى كل تقدير تصدير الباب بهذه الآية فيه نظر. فَصْلٌ في إيراد أحاديث في معنى الباب وذكر أحكام التلاوة بالأصوات قال أبو عبيد (١): حدثنا عبد الله بن صالح، عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح اللخمي، عن عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله ﷺ يومًا ونحن في المسجد نتدارس القرآن قال: "تعلموا كتاب الله واقتنوه - قال: وحسبت أنه قال: وتغنوا به - فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتًا من المخاض من العقل". وحدثنا عبد الله (٢) بن صالح، عن موسى بن علي، عن أبيه، عن عقبة، عن رسول الله ﷺ مثل ذلك إلا أنه قال: "واقتنوه وتغنوا به" ولم يشك.

стр. 141

وهكذا رواه (أحمد) (١) والنسائي في (كتاب) (٢) "فضائل القرآن" من حديث موسى بن علي، عن أبيه به، ومن حديث عبد الله بن المبارك عن قباث بن رزين، عن علي بن رباح، عن عقبة. وفي بعض ألفاظه: خرج علينا ونحن نقرأ القرآن فسلم علينا وذكر الحديث. ففيه دلالة على السلام على القارئ. (ثم قال) (٣) أبو عبيد (٤): حدثنا أبو اليمان عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، عن (المهاصر) (٥) بن حبيب قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أهل القرآن لا توسدوا القرآن واتلوه حق تلاوته آناء الليل والنهار، وتغنوه وتقنوه واذكروا ما فيه لعلكم تفلحون". وهذا مرسل. ثم قال أبو عبيد: قوله: "تغنوه"؛ أي: اجعلوه غناءكم من الفقر ولا تعدوا الإقلال معه فقرًا. وقوله: "وتقنوه" يقول: اقتنوه كما تقتنوا الأموال، اجعلوه مالكم. وقال أبو عبيد (٦): حدثني هشام بن عمار، عن علي بن حمزة، عن الأوزاعي قال: حدثني إسماعيل بن عبيد الله بن أبي المهاجر، عن فضالة بن عبيد، عن النبي ﷺ قال: "الله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته". قال أبو عبيد: هذا الحديث بعضهم يزيد في إسناده. يقول: "عن إسماعيل بن عبيد الله، عن مولى فضالة، عن فضالة". وهكذا رواه ابن ماجه، عن راشد بن سعيد بن أبي راشد، عن الوليد، عن الأوزاعي، عن إسماعيل بن عبيد الله، عن ميسرة مولى فضالة، عن فضالة، عن النبي ﷺ "لله أشد أذنًا إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته".

стр. 142

قال أبو عبيد: يعني الاستماع. وقوله في الحديث الآخر: "ما أذن الله لشيء"؛ أي: ما استمع. وقال أبو القاسم البغوي (١): حدثنا محمد بن حميد، حدّثنا سلمة بن الفضل، حدّثنا عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي مليكة، حدثنا القاسم بن محمد، حدثني السائب قال: قال لي سعد: يا بن أخي هل قرأت القرآن؟ قلت: نعم، قال: غن به فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "غنوا بالقرآن، ليس منا من لم يغن بالقرآن، وابكوا فإن لم تقدروا على البكاء فتباكوا". وقد روى أبو داود من حديث الليث (وعمرو بن دينار كلاهما) (٢) عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" (٣). (٤) [ورواه ابن ماجه (٥) من حديث ابن أبي مليكة، عن عبد الرحمن بن السائب، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ ] (٦): "إن هذا القرآن نزل بحزن، فإذا قرأتموه، فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا، وتغنوا به، فمن لم يتغن به فليس منا". (٧) (وقال أحمد (٨): حدثنا وكيع، حدّثنا سعيد بن حسان المخزومي، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن أبي نهيك، عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله ﷺ : "ليس منا من لم يتغن بالقرآن". قال وكيع: يعني يستغنى به. ورواه أحمد (٩) أيضًا عن حجاج وأبي النضر، كلاهما عن الليث بن سعد. وعن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار كلاهما عن عبد الله بن أبي مليكة به) (١٠) وفي هذا الحديث كلام طويل يتعلق بسنده، ليس هذا موضعه. والله أعلم.

стр. 143

وقال أبو داود (١): حدثنا عبد الأعلى بن حماد، حدّثنا عبد الجبار بن الورد قال: سمعت ابن أبي مليكة يقول: قال عبيد الله بن أبي زيد: مر بنا أبو لبابة فاتبعناه حتى دخل بيته، فدخلنا عليه، فإذا رجل رث البيت، رث الهيئة، فانتسبنا له، فقال: تجار كسبة (تجار كسبة) (٢) فسمعته يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ليس منا من لم يتغن بالقرآن" قال: فقلت لابن أبي مليكة: يا أبا محمد أرأيت إذا لم يكن حسن الصوت، قال: يحسنه ما استطاع. تفرد به أبو داود، فقد فهم من هذا أن السلف ﵃ إنما فهموا من التغني بالقرآن إنما هو تحسين الصوت به وتحزينه، كما قاله الأئمة ﵏. ويدل على ذلك أيضًا ما رواه أبو داود (٣) حيث قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدّثنا جرير، عن الأعمش، عن طلحة، عن عبد الرحمن بن عوسجة، عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : "زينوا القرآن بأصواتكم". وأخرجه النسائي وابن ماجه من حديث شعبة، عن طلحة وهو ابن مصرف، به. وأخرجه النسائي من طرق أخرى عن طلحة وهذا إسناد جيد. وقد وثق النسائي وابن حبان عبد الرحمن بن عوسجة هذا. ونقل الأزدي عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: سألت عنه بالمدينة فلم أرهم يحمدونه. وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٤): حدثنا يحيى بن سعيد، عن شعبة قال: نهاني أيوب أن أحدث بهذا الحديث "زينوا القرآن بأصواتكم". قال أبو عبيد: وإنما كره أيوب فيما نرى أن يتأول الناس بهذا الحديث الرخصة من رسول الله ﷺ في الألحان المبتدعة، فلهذا نهاه أن يحدث به. (قلت): ثم إن شعبة ﵀، روى الحديث متوكلًا على الله كما روي له، ولو ترك كل حديث يتأوله مبطل لترك من السنة شيء كثير، بل قد تطرقوا إلى تأويل آيات كثيرة من القرآن وحملوها

стр. 144

على غير محاملها الشرعية المرادة، والله المستعان وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. والمراد من تحسين الصوت بالقرآن: تطريبه وتحزينه والتخشع به، كما رواه الحافظ الكبير بقي بن مخلد ﵀ حيث قال: حدّثنا أحمد بن إبراهيم [حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي، حدّثنا طلحة بن يحيى بن طلحة، عن أبي بردة بن أبي موسى] (١)، عن أبيه، قال: قال لي رسول الله ﷺ ذات يوم: "يا أبا موسى لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة" قلت: أما والله لو علمت أنك تسمع قراءتي لحبرتها لك تحبيرًا. ورواه مسلم (٢) من حديث طلحة به. وزاد "لقد أوتيت مزمارًا من مزامير آل داود" وسيأتي هذا في بابه حيث يذكره البخاري. والغرض أن أبا موسى قال: لو أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيرًا، فدل على جواز تعاطي ذلك وتكلفه، وقد كان أبو موسى - كما قال- ﵇: قد أعطي صوتًا حسنًا، كما سأذكره إن شاء الله مع خشية تامة ورقة أهل اليمن (الموصوفة) (٣) فدل على أن هذا من الأمور الشرعية. قال أبو عبيد (٤): وحدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة قال: كان عمر إذا رأى أبا موسى قال: ذكرنا ربنا يا أبا موسى، فيقرأ عنده. قال أبو عبيد (٥): (حدثنا إسماعيل بن إبراهيم قال) (٦): حدّثنا سليمان التيمي أو نبئت عنه، حدّثنا أبو عثمان النهدي قال: كان أبو موسى يصلي بنا، فلو قلت: إني لم أسمع صوت صنج (٧) قط ولا بربط (٨) قط ولا شيئًا قط أحسن من صوته.

стр. 145

وقال ابن ماجه (١): حدثنا العباس بن عثمان الدمشقي، حدّثنا الوليد بن مسلم، حدثني حنظلة بن أبي سفيان أنه سمع عبد الرحمن بن سابط الجمحي يحدث عن عائشة قالت: أبطأت على رسول الله ﷺ ليلةً بعد العشاء، ثم جئت فقال: "أين كنت؟ " قلت: كنت أسمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد، قالت: فقام فقمت معه حتى استمع له، ثم التفت إلي فقال: "هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا". إسناد جيد. وفي "الصحيحين" (٢) عن جبير بن مطعم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقرأ في المغرب بالطور، فما سمعت أحدًا أحسن صوتًا أو قراءةً منه. وفي بعض ألفاظه: فلما سمعته قرأ ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ [الطور] خلت أن فؤادي قد انصدع. وكان جبير لما سمع هذا بعد مشركًا على دين قومه وإنما كان قدم في فداء الأسارى بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر، فكان هذا سبب هدايته، ولهذا كان أحسن القراءات ما كان عن خشوع من القلب كما: قال أبو عبيد (٣): حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، عن ليث، عن طاوس قال: أحسن الناس صوتًا بالقرآن أخشاهم لله.
следующие страницы →