← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ميمونٍ، عن الوليدِ بنِ مسلمٍ؛ قال: جاء طَلْقُ بن حبيبٍ إلى جُنْدُب بنِ عبد الله، فسأله عن آيةٍ من القرآنِ. فقال: أُحرِّجُ عليك إن كنْتَ مسلمًا لما قمْتَ عني -أو قالَ-: أَن تُجالسني. وقال مالك (١)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب - أنه كان إذا سُئلَ عن تفسير آيةٍ من القرآنِ قال: إنَّا لا نقولُ في القرآنِ شَيئًا. وقال الليث (٢)، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيَّب - إنه كان لا يتكلم إلا في المعلوم من القرآن. وقال شعبة (٣)، عن عمرو بن مرة؛ قال: سأل رجلٌ سعيدَ بن المسيَّب عن آيةٍ من القرآنِ، فقال: لا تسألني عن القرآن، وسَلْ مَنْ يزعُم أنَّه لا يخفى عليه منه شيءٌ -يعني عِكْرمةَ-. وقال ابن شَوْذَب (٤): حدَّثني يزيد (بن أبي يزيد) (٥)، قال: كُنَّا نَسألُ سعيدَ بنَ المسيَّبِ عن الحرَامِ والحَلَالِ، وكانَ أعلمَ النَّاسِ، فإذا سألناهُ عن تفسيرِ آيةٍ من القرآن سكت كأن لم يسمع. وقال ابنُ جريرٍ (٦): حدَّثني أحمدُ بنُ عَبْدَةَ الضَّبِّيُّ، ثَنَا حمَّادُ بن زيدٍ، ثَنَا عبيد الله بن عمر؛ قال: لقد أدركتُ فُقَهاءَ المدينةِ وإِنَّهم لُيَعظِّمونَ القولَ في التفسير؛ منهم سالمُ بنُ عبدِ الله، والقاسمُ بنُ محمدٍ، وسعيدُ بنُ المسيَّبِ، ونَافعٌ. وقَالَ أبو عبيدٍ (٧): حدَّثنا عبدُ الله بنُ صالح، عن (الليث) (٨)، عن هشام بن عُرْوَة، قال: ما سمعت أبي يؤوِّل آيةً من كتابِ الله قطُّ. وقال أيوبُ (٩)، وابنُ عَوْنٍ، وهشامٌ الدَّسْتُوائيُّ، عن محمدِ بنِ سيرينَ؛ سألتُ عَبِيدة -يعني: السلْمَانِيَّ- عن آيةٍ من القرآنِ، فقال: ذَهَبَ الذينَ كانوا يعلمُون فيمَ أنْزِل القرآنُ. فاتَّق الله، وعليك بالسَّدادِ. وقال أبو عُبيدٍ (١٠): حدَّثنا معاذٌ، عن ابن عَوْنٍ، عن عبدِ الله بنِ مسلم بن يَسَارٍ، عن أَبِيهِ؛ قال: إذا حدّثْتَ عن الله حديثًا فقِفْ حتَّى تنظُرَ ما قبلَهُ وما بعدَهُ.

стр. 72

حدَّثَنا (١) هُشيمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبْرَاهيمَ؛ قال: كانَ أصحابنا يتَّقُونَ التَّفسيرَ ويهابُونَه. وقال شعبة (٢)، عن عبد الله بن أبي السّفَر؛ قال: قال الشعبي: والله ما من آيةٍ إلا وقد سألتُ عنها، ولكنَّها الرِّوايةُ عن الله . وقال أبو عُبيدٍ (٣): حدَّثنا هُشَيمٌ، حدثنا عمرُ بنُ أَبِي زَائِدَةَ، عن الشَّعبيِّ، عن مسروقٍ؛ قال: اتَّقُوا التفسيرَ؛ فَإنَّما هو الرِّوايةُ عنِ الله. فهذه الآثارُ الصَّحيحةُ وما شَاكَلَهَا عن أئمَّة السَّلفِ محمولةٌ على تحرُّجِهِم عن الكلامِ في التفسيرِ بما لا علم لهم فِيهِ. فأما مَنْ تكلَّم بما يعلمُ من ذلك لُغةً وشَرْعًا فلا حَرجَ عليه؛ ولهذا رُوى عن هؤلاءِ وغيرِهِم أقوالٌ في التفسيرِ؛ ولا مُنافَاةَ؛ لأنَّهم تكلَّموا فيما عَلِموهُ وسكَتُوا عما جَهِلوهُ. وهذا هو الواجبُ على كلِّ أحدٍ؛ فإنَّه كما يجبُ السكوتُ عما لا علم له به فكذلك يجبُ القولُ فيما سُئل عنه بما يعلمُهُ؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ ولمَا جَاءَ في الحديثِ (المرويِّ) (٤) (١/ ٥/ ١) من طرقٍ: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ أُلجِمَ يومَ القِيَامَةِ بلجامٍ من نَّارٍ" (٥). (فَأَمَّا) (٦) الحديثُ الَّذي رواه أبو جعفر (٧) بنُ جريرٍ: حدَّثنا عبَّاسُ بنُ عبدِ العظيمِ، حدثنا

стр. 73

محمدُ بنُ خالدِ بن عَثْمَةَ، حدَّثنا (جعفر) (١) بنُ محمدٍ الزُّبيريُّ، حدَّثني هشامُ بنُ عروةَ، عن أَبيه، عن عَائشةَ؛ قالت: ما كَانَ النّبيُّ ﷺ يُفسِّرُ شَيئًا من القرآنِ إلا آيًا (بعَدَدٍ) (٢) علَّمهنَّ إِيَّاهُ جبربلُ ﵇. ثمَّ رواهُ (٣) عن أبي بكر محمد بن يزيد الطَّرْسُوسي، عن مَعْن بن عيسى، عن جعفر بن خالد، عن هشام، به. فإنَّهُ حَديثٌ مُنْكَرٌ غَرِيبٌ. وجعفرٌ هذا هو ابنُ محمدِ بنِ خالدِ بنِ الزُّبيرِ بنِ العوَّامِ القُرشيُّ الزُّبيريُّ. قال البُخاريُّ: "لا يُتَابَعُ في حديثهِ". وقال الحافظُ أبو الفتحِ الأَزديُّ: "مُنْكَرُ الحديثِ"، وتكلَّم عليه الإمامُ أبو جعفرٍ بما حاصِلُهُ أنَّ هذهِ الآياتِ مما لا يُعْلَمُ إلَّا بالتَّوقيفِ عن الله تعالى مما وقفه عليها (جبريلُ) (٤). وهذا تأويلٌ صحيحٌ لو صحَّ الحديثُ فإنَّ من القرآنِ ما استأثَرَ الله تعالى بعلمِه. ومنه ما يعلمُهُ العلماءُ، ومنه ما تعلمُهُ العربُ من لُغاتِها، ومنه ما لا يُعذَرُ أحدٌ في "جَهْلِهِ" (٥)؛

стр. 74

كما صرَّحَ بِذلكَ ابنُ عبَّاسٍ فيما (١) قال ابنُ جريرٍ (٢): حدَّثَنَا (محمدُ) (٣) بنُ بَشَّارٍ، حدّثنا مُؤَمَّلٌ، حدّثنا سُفَيانُ، عن أبي الزِّنِادِ؛ قال: قال ابنُ عبَّاسٍ: التَّفسيرُ على أربعةِ أوجهٍ: وجهٌ تعرفُهُ العربُ من كلامِهَا، وتفسيرٌ لا يُعْذرُ أحدٌ بِجَهَالتِهِ، وتفسيرٌ يعلمُهُ العلماءُ، وتفسيرٌ (لا يعلمُهُ) (٤) إلَّا اللهُ. وقال ابنُ جَريرٍ (٥): وقد رُوى نحوُهُ في حديثٍ في إسْنَادِهِ نظرٌ؛ حدَّثني (يونسُ) (٦) بنُ عبدِ الأعلى الصَّدفيُّ، أنبأنا ابنُ وهب (قال) (٧): سمِعتُ عمرو بنَ الحارثِ يحدِّث عن الكَلْبي، عن أبي صالح (مولى أم هانئ) (٨) عن ابنِ عبَّاسٍ -أنَّ رسول الله ﷺ قال: "أُنزِلَ القُرآنُ على أَرْبَعَةِ أحرُفٍ: حلالٌ وحرامٌ لا يُعْذَر أحدٌ بالجهالة بِهِ، وتفسيرٌ: تفسِّرُهُ العربُ، وتفسيرٌ تفسِّرُهُ العلماءُ، ومتشابِهُ لا يعلمُهُ إلّا الله ، وَمَنِ ادَّعى علمَهُ سوى الله فهو كاذبٌ". والنَّظَرُ الذي أشارَ إليه في إسنادِهِ هو من جِهَةِ محمَّدِ بنِ السَّائِبِ الكَلْبِيِّ، فإنَّه متروكُ الحديثِ، لكن قد يكونُ إنَّما وَهِمَ في رَفعِهِ؛ ولعلَّه من كلامِ ابنِ عبَّاسٍ كما تقدَّمَ. والله أعلمُ.

стр. 75

كتاب فضَائِلِ القرآن بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال البخاري (١) ﵀: "كيف (نزول) (٢) الوحي؟ وأول ما نزل" قال ابن عباس: المهيمن الأمين، القرآن أمين على كل كتاب قبله. حدثنا عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، قال: أخبرتني عائشة، وابن عباس قالا: لبث النبي ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن، وبالمدينة (عشرًا) (٣). اهـ. ذكر البخاري ﵀ كتاب "فضائل القرآن" بعد "كتاب التفسير"، لأن التفسير أهمُّ، فلهذا بدأ به. (ونحن قدمنا "الفضائل" قبل "التفسير"، وذكرنا فضل كلِّ سورةٍ قبل تفسيرها، ليكون ذلك باعثًا على حفظ القرآن وفهمه والعمل بما فيه. والله المستعانُ) (٤). وقولُ ابنِ عباسٍ في تفسير: "المهيمن": إنما يريدُ به البُخاريُّ قوله تعالى في: "المائدة" بعد ذكر التوراة والإنجيل ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٤٨]. قال الإمام أبو جعفر بن جرير ﵀: ثنا المثنى، ثنا عبد الله بن صالح، حدثني معاوية عن علي -يعني: ابن أبي طلحة- عن ابن عباس (في) (٥) قوله: ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال: المهيمنُ الأمينُ قال: القرآنُ أمينٌ على كلِّ كتابٍ قبله، وفي روايةٍ شهيدًا عليه. وقال سفيانُ الثَّوْريُّ وغيرُ واحدٍ من الأئمة عن أبي إسحاق السبيعي، عن التميمي، عن ابن عبَّاسٍ ﴿وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قال: مؤتمنًا، وبنحو ذلك قال مجاهد والسُّدِّيُّ وقتادةُ وابنُ جريج والحسنُ البصريُّ وغيرُ واحدٍ من أئمة السَّلَفِ. وأصلُ الهيمنة: الحفظُ والارتقابُ، يُقالُ: (إذا رقب) (٦) الرَّجلُ الشيء وحفظه وشهده: قد هيمن فلانٌ عليه، فهو مهيمنٌ هيمنةً، وهو عليه مهيمنٌ. وفي أسماء الله تعالى ﴿الْمُهَيْمِنُ﴾ [الحشر: ٢٣] وهو الشهيدُ على كلِّ شيءٍ القريبُ الحفيظُ بِكُلِّ شيءٍ.

стр. 76

وأما الحديث الذي أسنده البخاري أنه ﵇ أقام بمكة عشر سنين ينزل عليه القرآن وبالمدينة عشرًا، فهو مما انفرد به البخاري (١) دون مسلم، وإنما رواه النسائي من حديث شيبان وهو ابن عبد الرحمن، عن يحيى وهو (ابن أبي كثير) (٢) عن أبي سلمة عنهما. وقال أبو عبيد القاسم (٣) بن سلام: حدثنا يزيد، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أنزل القرآن جملة واحدة إلى سماء الدنيا في ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك في عشرين سنة، ثم قرأ ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (١٠٦)﴾ [الإسراء] هذا إسناد صحيح. أما إقامتُهُ بالمدينة عشرًا فهذا مما لا خلافَ فيه. وأما إقامتُهُ بمكَّةَ بعد النُّبُوةِ فالمشهورُ ثلاثَ عَشرَةَ سنةً؛ لأنه ﵇ أوحي إليه وهو ابن أربعين سنة، وتوفي وهو ابن ثلاثٍ وستينَ سنةً على الصَّحيحِ.

стр. 77

ويحتملُ أنَّهُ حذف ما زاد على العشر اختصارًا في الكلام؛ لأن العرب كثيرًا ما يحذفون الكسور في كلامهم، أو أنَّهما إنما اعتبرا قرن جبريل ﵇ (به ﵇ (١). فإنه قد روى الإمام أحمدُ أنَّه قرن به ﵇ ميكائيل في ابتداء الأمر يلقى إليه (الكلمة) (٢) والشيء ثم قرن به جبريل. ووجهُ مناسبة هذا الحديث بفضائل القرآن أنه ابتدئ بنزوله في مكان شريف وهو البلد الحرام، كما أنه (كان) (١) في زمن شريف، وهو شهر رمضان، فاجتمع له شرف الزمان والمكان. ولهذا يُستحبُّ إكثارُ تلاوة القرآن في شهر رمضانَ؛ لأنَّهُ ابتدئ بنزوله. ولهذا كان جبريلُ (٣) يعارضُ به رسول الله ﷺ (١) في كل سنة في شهر رمضان، فلما كانت السنة التي توفي فيها عارضه (به) (١) مرتين تأكيدًا وتثبيتًا. وأيضًا ففي (هذا) (١) الحديث بيانٌ أنه من القرآن مكي، ومنه مدني. فالمكي ما نزل قبل الهجرة، والمدني ما نزل بعد الهجرة سواء كان بالمدينة أو بغيرها من أي البلاد كان، حتى ولو كان بمكة أو عرفة. وقد أجمعوا على سُورٍ أنَّها من المكيِّ، وأُخَر أنَّها من المَدَنِيِّ، واختلفُوا في أُخَر. وأراد بعضهم ضَبْطَ ذلكَ بضوابطَ في تقييدِهَا عُسْرٌ ونَظَرٌ. ولكنْ قَالَ بَعضُهُم: كلُّ سورةٍ في أوَّلها شيءٌ من الحروفِ المقَطَّعة فهي مكيَّةٌ، إلَّا البقرة وآل عمران، كما أن كل سورة فيها ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فهي مدنية، وما فيه ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فيحتمل أن يكون من هذا ومن هذا، والغالب أنه مكي. وقد يكون مدنيًّا كما في البقرة ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ [البقرة]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة]. قال أبو عبيد (٤): حدثنا أبو معاوية، حدثنا من سمع الأعمش يحدث عن إبراهيم، عن علقمة: كل شيء في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه أنزل بالمدينة، وما كان منها ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ فإنه أنزل بمكة. ثم قال (٥): حدثنا علي بن معبد، عن أبي المليح، عن ميمون بن مهران، قال: ما كان في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ -و- ﴿يَابَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] فإنه مكي.

стр. 78

وما كان ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فإنه مدني. ومنهم من يقول: إن بعض السور نزل مرتين: مرة بالمدينة ومرة بمكة، والله أعلم. ومنهم من يستثنى من المكي آيات، يدعى أنها من المدني، كما في سورة الحج وغيرها. والحق في ذلك ما دل عليه الدليل الصحيح، فالله أعلم. وقال أبو عبيد (١): حدثنا عبد الله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة قال: نزلت بالمدينة سورةُ البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والأنفال، والتوبة، والحج، والنور، والأحزاب، والذين كفروا (٢)، والفتح، والحديد، والمجادلة، والحشر والممتحنة، والحواريون (٣)، والتغابن، و ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ [الطلاق] و ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ [التحريم] والفجر، ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل] و ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر] و ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [البينة] (٤) و ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة] و ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ [النصر]. وسائر ذلك بمكة. هذا إسناد صحيح عن ابن أبي طلحة مشهور، وهو أحد أصحاب ابن عباس الذين رووا عنه التفسير. وقد ذكر في المدني سورًا في كونها مدنية نظر. (وفاته) (٥) الحجرات والمعوذات. الحديث الثاني وقال البخاري: حدثنا موسى بنُ إسماعيلَ، حدثنا معتمرٌ، قال: سمعتُ أَبِي، عن أبي عثمان، قال: أُنبئتُ أَنَّ جبريلَ ﵇ أتى النَّبيَّ ﷺ وعنده أمُّ سلَمَةَ فجعل يتحدَّثُ، فقال النبَّي ﷺ : "من هذا؟ " أو كما قال، قالت: هذا دِحْيَةُ، فلمَّا قام قالت: والله ما حسبته إلا إياه حتى سمعت خطبة النبي ﷺ بخبر جبريل أو كما قال. قال أُبي (٦): فقلت لأبي عثمان: ممن سمعت هذا؟ قال: من أسامة بن زيد ﵁. وهكذا رواه أيضًا في "علامات النبوة (٧) " عن عباس بن الوليد النرسي، ومسلم في "فضائل أم سلمة" عن عبد الأعلى بن حماد ومحمد بن عبد الأعلى كلُّهم عن معتمر بن سليمان به. والغرضُ من إيراده هذا الحديثَ ههنا أنَّ السفيرَ بين الله وبين محمد ﷺ جبريلُ ﵇، وهو مَلكٌ كريمٌ، ذو وَجَاهةٍ وجلالةٍ ومكانةٍ، كما قال تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء] وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١) وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ الآيات [التكوير].

стр. 79

فمدح الربُّ ﵎ عبديه ورسوليه جبريل ومحمدًا (صلوات الله وسلامه عليهما) (١)، وسنستقصى الكلام على تفسير هذا المكان في موضعه إذا وصلنا إليه إن شاء الله تعالى وبه الثقةُ. وفي الحديث فضيلة عظيمة لأم سلمة ﵄، كما بينه مسلم ﵀ لرؤيتها هذا الملك العظيم، وفضيلة -أيضًا- لدحية بن خليفة الكلبي، وذلك أن جبريل ﵇ (كثيرًا) (٢) ما (كان يجيء) (٣) إلى رسول الله ﷺ على (صورته) (٤)، وكان جميل الصورة ﵁، وكان من قبيلة أسامة بن زيد بن حارثة الكلبي، كلهم ينسبون إلى كلب بن وبرة، وهم قبيلة من قضاعة، وقضاعة قيل إنهم من عدنان، وقيل من قحطان، وقيل بطن مستقل بنفسه، والله أعلم. الحديث الثالث حدثنا (٥) عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، حدثنا سعيد المقبري عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : "ما من الأنبياء نبي إلا أعطى ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". ورواه أيضًا في "الاعتصام" عن عبد العزيز بن عبد الله. ومسلمٌ والنسائيُّ، عن قتيبة جميعًا عن الليث بن سعد، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه واسمه كيسان المقبري به. وفي هذا الحديث فضيلةٌ عظيمةٌ للقرآنِ المجيدِ على كُلِّ معجزةٍ أُعطيها نبيٌّ من الأنبياءِ وعلى كلِّ كتابٍ أنزلَهُ. وذلكَ أنَّ مَعْنَى الحديثِ: "مَا مِنْ نبَّي إلَّا أُعْطِيَ -؛ أَيْ: مِنَ المعجزاتِ- ما آمنَ عليه البَشَرُ"؛ أي: ما كان دَليلًا على تصديقِهِ فيما جاءَهُم به واتَّبعَهُ مَنِ اتَبَعَهُ من البَشَر، ثم لما مات الأنبياءُ لم تبقَ لهم معجزةٌ بعدهم إلا ما يحكيه أتباعُهُم عما شاهدوهُ في زمانِهِ. وأما الرسولُ الخاتَمُ للرسالةِ محمدٌ ﷺ فَإِنَّما كان معظمُ ما آتاهُ الله وَحْيًا منه إليهِ منقُوْلًا إلى النَّاس بالتواتُرِ، ففي كلِّ حينٍ هو كما أُنزِلَ. فلهذا قَالَ: "فَأَرجُو أنْ أكُوْنَ أَكْثَرَهُمُ تَابِعًا" وكذلك وَقَعَ. فإنَّ أتباعَهُ أكثرُ من أتباعِ الأَنْبياء لعمومِ رسالتِهِ، ودوامِها إلى قيام السَّاعة واستمرارِ معجزتِهِ. ولهذَا قال الله (تبارك و) (٦) تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ [الفرقان] وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ [الإسراء].

стр. 80

ثم تقاصر معهم إلى عشر سور منه فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾ [هود] ثم تحداهم إلى أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فقال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس] وقصر التحدي على هذا المقام في السور المكية. كما ذكرنا في المدينة أيضًا، كما في سورة البقرة حيث يقول تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾ [البقرة] وأخبر أنهم عاجزون عن معارضته بمثله وأنهم لا يفعلون ذلك في المستقبل أيضًا. هذا وهم أفصحُ الخلقِ وأعلمهُمُ بالبلاغة والشعر (وقريظ) (١) الكلامِ وضُرُوبِهِ، لكن جاءهم من الله ما لا قبل لأحدٍ من البشر به من الكلام الفصيحِ البليغِ الوجيزِ المحتوى على العلومِ الكثيرةِ الصحيحة النَّافِعَةِ، والأخبارِ الصَّادقة، عن الغيوب الماضية والآتية، والأحكامِ العادلة المحكمةِ، كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ [الأنعام: ١١٥]. وقال الإمامُ أحمدُ بنُ حَنْبلٍ (٢): حدثنا يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، حدّثنا أبي، حدّثنا محمدُ بنُ إسحاقَ قال: ذكر محمدُ بنُ كعب القُرَظِيُّ عن الحارثِ بن عبد الله الأعور قال: قلت: لآتينَّ أميرَ المؤمنين فَلَأسألنَّه عمَّا سمعتُ العشيَّةَ، قال: فجئتُهُ بعد العشاء فدخلتُ عليه، فذكرَ الحديثَ. قال: ثم قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أَتَانِي جِبريلُ فقال: يا محمدُ أُمَّتُكَ مختلفةٌ بعدكَ -قال:- فقلت له: فأينَ المخرجُ يا جبريلُ؟ -قال:- فقال: (كتاب الله) (٣)، به يقصِمُ الله كلَّ جبَّارٍ، من اعتَصَمَ به نَجَا، ومن تركَهُ هَلَكَ -مَرَّتينِ- قولٌ فَصْلٌ، وليس بالهَزْلِ، لا تخلُقُه الألسنُ، ولا تفنى عجائبُهُ، فيه نبأُ ما كان قبلكم، وفصلُ ما بينكم، وخبرُ ما هو كائنٌ بعدكم". هَكَذَا رواهُ الإمامُ أحمدُ. وقد قَالَ أبو عيسى التّرمِذِيُّ (٤): حدثنا عبدُ بنُ حُمَيدٍ، حدَّثَنا حسينُ بنُ عليٍّ الجُعِفيُّ، حدّثنا

стр. 81

حمزةُ الزَّيَّاتُ عن أبي المختار الطَّائي، عن ابنِ أخي الحارثِ الأعورِ، عن الحارثِ الأعورِ قال: مررتُ في المسجد فإذا النَّاسُ يخوضون في الأحاديثِ، فدخلتُ على عَليٍّ فقلتُ: يا أمير المؤمنين ألا ترى الناس قد خاضوا في الأحاديث؟ قال: (وقد) (١) فعلوها؟ قلت: نعم، قال: أما إني قد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنها ستكون فتنة" فقلت: ما المخرجُ منها يا رسول الله؟ قال: "كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبرُ ما بعدكم، وحكمُ ما بينكم، هو الفصلُ، ليس بالهزل، من تركه من جبارٍ قصمهُ الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضلَّهُ الله. وهو حبلُ الله المتينُ، وهو الذكرُ الحكيمُ، وهو الصراطُ المستقيمُ، هو الذي لا تزيغُ به الأهواءُ، ولا تلتبسُ به الألسِنَةُ، ولا يشبَعُ منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾ [الجن: ١، ٢] من قال به صدق، ومن عمل به أجر، ومن حكم به عدل، ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم" خذها إليك يا أعور. ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حمزة الزيات وإسناده مجهول، وفي حديث الحارث مقال. (قُلْتُ) لم ينفرد بروايته حمزة بن حبيب الزيات بل قد رواه محمدُ بنُ إسحَاقَ، عن محمد بن كعب القُرظي، عن الحارث الأعور فبرئ حمزةُ من عهدته. على أَنَّهُ وإن كان ضعيف الحديث (إلَّا أنه) (٢) إمام في القراءة. والحديثُ مشهورٌ من رواية الحارث الأعور، وقد تكلموا فيه بل (قد) (٣) كذبه بعضهم من جهة رأيه واعتقاده، أما أنه (يتعمد) (٤) الكذب في الحديث فلا، والله أعلم. وقصارى هذا الحديث أن يكون من كلام أمير المؤمنين عليَّ ﵁، وقد وهم بعضُهم في رفعه، وهو كلام حسن (٥) صحيح على أنه قد روي له شاهد عن عبد الله بن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ . قال الإمام العلم أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه "فَضَائلُ (٦) القُرْآنِ": حدثنا أبو اليقظان، حَدَّثنا عمار بن محمد الثوري أو غيره عن إسحاق الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي ﷺ قال: "إن هذا القرآن مأدبةُ الله فتعلَّموا من مأدبته ما استطعتم، إن هذا القرآن حبل الله، وهو النور المبين، والشفاء النافع، عصمةٌ لمن تمسك به، ونجاةٌ لمن

стр. 82

(تبعه) (١)، لا يَعْوَجُّ فيقوَّمُ، ولا يزيغ فيستعتب، ولا تنقضي عجائبه، ولا يخلَقُ عن كثرة الرَّدِّ، فاتْلُوهُ، فإن الله يأجركم على تلاوته بكل حرف عشر حسنات، أما إني لا (أقول) (٢): ألم (حرف) (٣)، ولكن ألف عشر ولام عشر وميم عشر". وهذا غريب (٤) من هذا الوجه، ورواه محمد بن فضيل عن أبي إسحاق الهجري، واسمه إبراهيم بن مسلم وهو أحد التابعين، ولكن تكلموا فيه كثيرًا، وقال أبو حاتم الرازي: لين ليس (بقوي) (٥). وقال أبو الفتح الأزدي: رفَّاعٌ كثيرُ الوَهَم. (قلت): فيُحتملُ -والله أعلم- أن يكون وهم في رفع هذا الحديث، وإنما هو من كلام ابن مسعود، ولكن له شاهد من وجه آخر، والله أعلم. وقال أبو عبيد (٦) أيضًا: حدثنا حجَّاجٌ، عن إسرائيلَ، عن أَبي إسحَاقَ، عن عبدِ الله بنِ يزيدَ، عن عبدِ الله بنِ مسعُودٍ قال: لا يَسْأَلُ عَبْدٌ عن نَفْسِهِ إلا القُرْآنَ، فإِنْ كَانَ يحبُّ القرآنَ فإنَّه يحبُّ اللهَ ورسولَهُ. الحديث الرَّابعُ قال البخاريُّ (٧): حدَّثنا عمرو بنُ محمدٍ، حدّثنا يعقوبُ بنُ إبرَاهِيمَ، ثنا أَبي عن صَالح بنِ كَيْسَانَ، عن ابنِ شهابٍ قال: أخبرني أنسُ بنُ مالكٍ أنَّ الله تابَعَ الوَحْى على رسولِهِ ﷺ قبل وَفَاتِهِ حتَّى توفَّاهُ أكْثَرَ مَا كَانَ الوَحْيُ، ثم تُوُفِّي رسولُ الله ﷺ بَعْدُ. وهكذا رواه مسلمٌ، عن عمرو بن محمدٍ هَذَا -وهو النَّاقدُ- وحسنٍ الحُلْوَانِيِّ وعبدِ بن حُميدٍ. والنَّسائيُّ، عن إسحاقَ بنِ مَنْصُورٍ الكَوْسَجِ، أربعتُهُم عن يعقوبَ بنِ إبراهِيمَ بنِ سعدِ الزُّهْرِيّ به. ومعناهُ: أنَّ الله -تعالى- تَابَع نُزُولَ الوَحْي على رسوله ﷺ شَيْئًا بعد شيءٍ كلُّ وقتٍ بما يَحتاجُ إليهِ، ولم تقع فترةٌ بعد الفَتْرَة الأولى التي كانت بعد نُزُولِ الملَكِ أولَ مَرَّةٍ بقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ (١)﴾ [العلق: ١] فإنه استلْبَثَ الوحيُ بعدها حِيْنًا، يقال: قَرِيْبًا من سنتين وأكثرَ، ثم حَمِيَ الوحيُ وتتابع، وكان أولُ شيءٍ نَزَلَ بعد تلك الفترة: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر].

стр. 83

الحديث الخامس حدثنا (١) أبو نعيم، حدَّثَنا سفيان، عن الأسود بن قيس قال: سمعت جُنْدَبًا يقول: اشتكى (النبي) (٢) ﷺ فلم يقم ليلة أو ليلتين، فأتته امرأةٌ فقالت: يا محمَّدُ ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل الله تعالى ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾ [الضحى]. وقد رواهُ البُخَاريُّ في "غيْرِ موضع" (٣) -أيضًا- ومسلمٌ والتِّرمذيُّ والنَّسَائِيُّ من طرقٍ أُخَرَ عن سفيانَ وهو الثَّوريُّ وشعبةَ بْنِ الحجَّاجِ، كلاهُمَا عن الأسودِ بنِ قَيْسٍ العَبْديِّ، عن جُنْدَب بنِ عبدِ الله البجليِّ به. (وسيأتي) (٤) الكلامُ على هَذَا الحديثِ في تفسير سورة الضحىَ (إنْ شاء اللهُ) (٥). والمناسبة في ذكر هذا الحديث والذي قبله في فضائل القرآن أن الله تعالى له برسوله عناية عظيمة ومحبة شديدة، حيث جعل الوحي متتابعًا عليه ولم يقطعه عنه، ولهذا إنما أنزل عليه القرآن مفرقًا ليكون ذلك أبلغ في العناية والإكرام. قال البخاري ﵀ (٦): نزل القرآن بلسان قريش والعرب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢]، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء]. حدثنا أبو اليمان، حَدَّثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني أنس بن مالك قال: فأمر عثمانُ بْنُ عفان زيدَ بْنَ ثابتٍ وسعيدَ بْنَ العاص وعبدَ الله بْنَ الزُّبير وعبْدَ الله بْنَ الحارث بن هشام أن ينسخوها في المصاحف، وقال لهم: إذا اختلفتم أنتم وزيد في عربية من عربية القرآن فاكتبوها بلسان قريش، فإن القرآن نزل بلسانهم، ففعلوا. هذا الحديث قطعةٌ (٧) من حديث سيأتي قريبًا الكلام عليه، ومقصودُ البُخاريِّ منه ظاهرٌ، وهو أنَّ القرآنَ نَزَلَ بلُغَةِ قريشٍ، وقريشٌ خلاصةُ العرب. ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود (٨): حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، ثنا يزيد، ثنا شيبان

стр. 84

(عن) (١) عبد الملك بن عمير، عن جابر بن سمرة قال: سمعت عمر بن الخطاب يقول: لا يمليَّن في مصاحفنا هذه إلا غلمانُ قريش أو غلمانُ ثقيف. وَهَذا إِسْنَادٌ صَحِيْحٌ. وقال أيضًا (٢): حدثنا إسماعيل بن أسد، حدثنا هوذة، حدّثنا عوف، عن عبد الله بن فضالة قال: لما أراد عمر أن يكتب الإمام أقعد له نفرًا من أصحابه وقال: إذا اختلفتم في اللغة فاكتبوها بلغة مضر، فإن القرآن نزل بلغة رجل من مضر ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾ [الزمر] وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء] وقال تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ [النحل: ١٠٣] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ الآية [فصلت: ٤٤] إلى غير ذلك من الآيات الدّالَّة على ذلك. ثم ذكر البخاري (٣) ﵀ حديث يعلى بن أمية أنه كان يقول: لَيْتَني أَرَى رسولَ الله- ﷺ حين يَنْزِلُ عليه الوحيُ، فذكر الحديث (في) (٤) الذي سَأَلَ عمَّن أحرَمَ بعُمْرةٍ وهُوَ متضمخ بطِيْبٍ وعليه جُبَّةٌ، قال: فَنَظَر رسولُ الله ساعةً ثم (فَجِئَهُ) (٥) الوحيُ فأشار عمرُ إلى يَعْلَى -أي: تعال- فجاء يعلى فأدخَل رأسهُ فإذا هو مُحمَرُّ الوَجْهِ يَغُطُّ كذلك ساعةً، ثم سُرِّي عنه فقال: "أَيْنَ الَّذِي سَأَلَني عَنِ العُمْرَةِ آنِفًا؟ " فَذَكَرَ أَمْرَهُ بِنَزْع الجُبَّةِ وَغَسْلِ الطِّيْبِ. وَهَذَا الحَديثُ رواهُ جماعة من طرقٍ عديدةٍ، والكلامُ عَلَيْهِ في "كِتَاب الحَجِّ"، ولا تظهرُ مُنَاسبة (٦) ما بينَهُ وبينَ هذه التَّرجَمَةِ، ولا يكادُ، ولو ذُكِرَ في التَّرجَمَةِ التَي قبلَهَا لكانَ أَظْهرَ وَأَبْيَنَ، واللهُ أعلَمُ.

стр. 85

جَمْعُ القُرْآنِ (١) [قال المؤلفُ الشيخُ عماد الدين بن كثير ﵀ فيما وُجد على ظهر الجزء الأول من "تفسيره": "فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ حَسَنَةٌ" ثبت في "الصحيحين" عن أنسٍ ﵁ قال: جمع القرآن على عهد النبيِّ ﷺ أربعةٌ كلُّهم من الأنصار: أُبَيُّ بنُ كعب، ومعاذُ بن جبلٍ، وزيدُ بنُ ثابتٍ، وأبو زيد. فقيل له: مَنْ أبو زيدٍ؛ قال: أحدُ عمومتي. وفي لفظٍ للبخاريّ، عن أنسٍ، قال: لم يجمع القرآن غير أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبلٍ، وزيد بن ثابت، وأبو زيدٍ، ونحن ورثناهُ. قُلْتُ: أبو زيدٍ هذا ليس بمشهورٍ؛ لأنَّه مات قديمًا، وقد ذكروه في أهل بدرٍ، وسمَّاهُ بعضُهم: "سعيد بن عبيد". ومعنى قول أنس: "لم يجمع القرآن" -يعني: من الأنصار- سوى هؤلاء، وإلَّا فمن المهاجرين جماعةٌ كانوا يجمعون القرآن: كالصديق، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حذيفة وغيرهم. قال الشيخ أبو الحسن الأشعريُّ ﵀: قد عُلم بالاضطرار أن] (١). (٢) [رسول الله ﷺ قدَّم أبا بكر في مرض الموت ليصلي بالنَّاس، وقد ثبت في الخبر المتواتر أنَّ رسول الله ﷺ قال: "ليؤم الناس أقرؤهم". فلو لم يكن الصدِّيقُ أقرأ القوم، لما قدَّمهُ عليهم. نقله أبو بكر بن زنجويه في كتاب "فضائل الصديق" عن الأشعريِّ. وحكى القرطبيُّ في أوائل "تفسيره" عن القاضي أبي بكر الباقلاني أنَّهُ قال بعد ذكره حديث أنس بن مالك هذا: "فقد ثبت بالطرق المتواترة أنَّهُ جمع القرآن: عثمانُ، وعليٌّ، وتميمٌ الداريّ، وعبادةُ بنُ الصامت، وعبدُ الله بن عمرو بن العاص. فقولُ أنس: لم يجمعه غير أربعة، يحتمل أنه لم يأخذه تلقيًا من فيِّ رسول الله غير هؤلاء الأربعة، وأنَّ بعضهم تلقى بعضه عن بعضٍ. قال: وقد تظاهرت الرواياتُ بأنَّ الأئمة الأربعة جمعوا القرآن على عهد النبيِّ ﷺ ؛ لأجل سبقهم إلى الإسلام، وإعظام الرسول لهم". قال القرطبيُّ: "لم يذكر القاضي ابنَ مسعودٍ، وسالمًا مولى أبي حذيفة، وهما ممن جمع القرآن". آخر الفائدة] (٢). (قال البخاري) (٣): حدثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم بن سعد، حدّثنا ابن شهاب، عن عبيد بن السباق أن زيد بن ثابت قال: أرسل إليّ أبو بكر مقتل أهل اليمامة، فإذا عمر بن الخطاب عنده، فقال أبو بكر: إن عمر بن الخطاب أتانى، فقال: إن القتل قد استحرّ (٤) بقراء القرآن، وإني أخشى أن يستحر القتل بالقراء في المواطن، فيذهبَ كثير من القرآن، وإني أرى أن

стр. 86

تأمر بجمع القرآن، فقلت لعمر: كيف نفعل شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال عمر: هذا والله خير؛ فلم يزل عمرُ يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، ورأيت في ذلك الذي رأى عمر، قال زيد: قال أبو بكر: إنك رجل شاب عاقل لا نتهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ فتتبع القرآن فأجمعه، فوالله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان على أثقل مما أمرني به من جمع القرآن، قلت: كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله ﷺ ؟ قال: هو والله خير. فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر ﵄، فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللِّخاف (١) وصدور الرجال، ووجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره (٢) ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة. فكانت الصحف عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته ثم عند حفصة بنت عمر ﵃. وقد روى البخاري (٣) هذا في غير موضع من "كتابه". ورواه الإمامُ أحمدُ والترمذيُّ والنسائيُّ من طرق عن الزهري به. وهذا من أحسن وأجلِّ وأعظم ما فعلَهُ الصِّدِّيقُ ﵁، فإنَّه أقامَهُ الله -تعالى- بعد النَّبي ﷺ مَقَامًا لا يَنْبَغي لأحَدٍ من بعدِهِ: قاتَلَ الأعداء من مانعي الزكاة والمرتدين والفرس والروم، ونفذ الجيوش، وبعث البعوث والسرايا، ورد الأمر إلى نصابه، بعد الخوف من تفرقه وذهابه، وجمع القرآن العظيم من أماكنه المتفرقة حتى تمكن القارئ من حفظه كله. وكان هذا من سر قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر]. فجمع الصديق الخير وكف الشرور ﵁ وأرضاه- ولهذا روي عن غير واحد من الأئمة منهم وكيع (وابن مهدي) (٤) وقبيصة، عن سفيان الثوري، عن إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، عن (عبد) (٥) خير، عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: أعظمُ النَّاس أجْرًا في المَصَاحِفِ أبو بَكرٍ، إنَّ أبا بكرٍ كان أوَّلَ من جمع القرآن بين اللوحين (٦). هذا إسْنادٌ صَحِيحٌ. وقال أبو بكر بن أبي داود في "كتاب المصاحف" (٧): حدثنا هارون بن إسحاق، حدّثنا عبدة،

стр. 87

عن هشام، عن أبيه أن أبا بكر ﵁ هو الذي جمع القرآن بعد النبي ﷺ يقول: ختمه. صحيح أيضًا، وكان عمر بن الخطاب ﵁ هو الذي تنبه لذلك لما استحر القتل بالقراء؛ أي: اشتد القتل وكثر في قرَّاء القرآن يوم اليمامة؛ يعني: يوم قتال مسيلمة الكذاب وأصحابه (من) (١) بني حنيفة، بأرض اليمامة في حديقة الموت. وذلك أن مسيلمة التف معه من المرتدين قريب من مائة ألف. فجهز الصديق لقتاله خالد بن الوليد في قريب من ثلاثة عشر ألفًا، فالتقوا معهم، فانكشف الجيش الإسلامي لكثرة من فيه من الأعراب. فنادى القراء من كبار الصحابة: يا خالدُ! أخلصنا، يقولون ميزنا من هؤلاء الأعراب. فتميزوا منهم وانفردوا، فكانوا قريبًا من ثلاثة آلاف. ثم صدقوا الحملة وقاتلوا قتالًا شديدًا، وجعلوا يتنادون: يا أصحاب سورة البقرة، فلم يزل ذلك دأبهم، حتى فتح الله عليهم، وولى جيش الكفر فارًّا، وأتبعتهم السيوفُ المسلمةُ في أقفيتهم قتلًا وأسرًا؛ وقتل الله مسيلمة وفرق شمل أصحابه، ثم رجعوا إلى الإسلام. ولكن قتل من القراء يومئذ قريب من خمسمائة ﵃، فلهذا أشار عمر على الصديق، بأن يجمع القرآن لئلا يذهب منه (شيء) (٢) بسبب موت من يكون يحفظه من الصحابة بعد ذلك في مواطن القتال. فإذا كتب وحفظ صار ذلك محفوظًا، فلا فرق بين حياة من بلغه أو موته. فراجعه الصديق قليلًا ليستثبت الأمر، ثم وافقه، وكذلك راجعهما زيد بن ثابت في ذلك. ثم صار إلى ما رأياه ﵃ أجمعين وهذا المقام من أعظم فضائل زيد بن ثابت الأنصاري. ولهذا قال أبو بكر (٣) بن أبي داود: حدثنا عبد الله بن محمد بن خلاد، حدّثنا يزيد، (حدَّثَنَا) (٤) مبارك (بن) (٥) فضالة، عن الحسن أن عمر بن الخطاب سأل عن آية من كتاب الله، فقيل: كانت مع فلان فقتل يوم اليمامة، فقال: إنا لله، (فأمر) (٦) بالقرآن فجمع فكان أول من جمعه في المصحف. وهذا منقطع؛ فإنَّ الحسن لم يدرك عمر. ومعناه أنه أشار بجمعه فجمع، ولهذا كان مهيمنًا على حفظه وجمعه، كما: رواه ابنُ أبي (٧) داود حيث قال: حدثنا أبو الطاهر، حدَّثَنَا ابن وهب، حَدَّثَنا عمرو بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو، عن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عمر لما جمع القرآن، كان لا يقبل من أحدٌ شيئًا حتى يشهد شاهدان، وذلك عن أمر الصديق له في ذلك كما قال أبو بكر بن أبي داود:

стр. 88

حدثنا أبو الطاهر، أنا ابن وهب، أخبرني ابنُ أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: لما استحر القتل بالقراء يومئذٍ فرق (١) أبو بكر ﵁ أن يضيع، فقال لعمر بن الخطاب ولزيد بن ثابت: فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه. منقطع حسن. ولهذا قال زيد بن ثابت: ووجدت آخر سورة التوبة -يعني قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ … ﴾ إلى آخر الآيتين [التوبة: ١٢٨، ١٢٩] مع أبي خزيمة الأنصاري (٢). وفي روايةٍ مع خزيمة بن ثابت الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين لم أجدها مع غيره، فكتبوها عنه؛ لأنه جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين في قصة الفرس الذي ابتاعها رسول الله ﷺ من الأعرابي، فأنكر الأعرابي البيع، فشهد خزيمة هذا بتصديق رسول الله ﷺ ، فأمضى شهادته وقبض الفرس من الأعرابي. والحديث رواه "أهل السنن" (٣) وهو مشهورٌ.

стр. 89

وروى أبو جعفر الرازي (١)، عن الربيع، عن أبي العالية أن أُبي بن كعب أملاها عليهم مع خزيمة بن ثابت. وقد روى ابن وهب عن عمرو بن طلحة الليثي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب، أن عثمان شهد بذلك أيضًا. وأما قول زيد بن ثابت: فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال. وفي رواية: من العُسب والرقاع والأضلاع. وفي رواية: من الأكتاف والأقتاب وصدور الرجال. أما العسب فجمع "عسيب"، قال أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري: وهو من السعف فويق الكرب، لم ينبت عليه الخوص، وما نبت عليه الخوص فهو السعف. واللِّخاف: جمع لخفة، وهي: القطعة من الحجارة مستدقة، كانوا يكتبون عليها وعلى العسب وغير ذلك مما يمكنهم الكتابة عليه بما يناسب ما يسمعونه من القرآن من رسول الله ﷺ . ومنهم من لم يكن يحسن الكتابة أو يثق بحفظه، فكان يحفظه، فتلقاه زيد هذا من عسبه، وهذا من لخافه، ومن صدر هذا؛ أي: من حفظه وكانوا أحرص شيء على أداء الأمانات. وهذا من أعظم الأمانة؛ لأن الرسول ﷺ أودعهم ذلك ليبلغوه إلى من بعده، كما قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ففعل صلوات الله وسلامه عليه. ولهذا سألهم في حجة الوداع يوم عرفة على رؤوس الأشهاد، والصحابة أوفر ما كانوا مجتمعين، فقال: "إنكم مسؤولون عني فما أنتم قائلون؟ " قالوا: نشهد أنك بلغت وأديت ونصحت. فجعل يشير بإصبعه إلى السماء وينكتها عليهم ويقول: "اللهم اشهد، اللهم اشهد، اللهم اشهد". رواه مسلم (٢)، عن جابر. وقد أمر أمته أن يبلغ الشاهد الغائب وقال: "بلغوا عني ولو آية" (٣)؛ يعني: ولو لم يكن مع أحدكم سوى آية واحدة، فليؤدها إلى من وراءه، فبلغوا عنه ما أمرهم به. فأدوا القرآن قرآنًا، والسنة سنةً، لم يلبسوا هذا بهذا.

стр. 90

ولهذا قال ﵇: "من كتب عني سوى القرآن فليمحه" (١)؛ أي: لئلا يختلط بالقرآن، وليس معناه أن لا يحفظوا السنة ويرووها، والله أعلم. فلهذا نعلم بالضرورة أنه لم يبق من القرآن مما أداه الرسول ﷺ إليهم إلا وقد بلغوه إلينا، ولله الحمد والمنة. فكان الذي فعله الشيخان أبو بكر وعمر ﵄ من أكبر المصالح الدينية وأعظمها من حفظهما كتاب الله في الصحف؛ لئلا يذهب منه شيء بموت من تلقاه عن رسول الله ﷺ ثم كانت تلك الصحف عند الصديق أيام حياته، ثم أخذها عمر بعده، فكانت عنده محروسة معظمة مكرمة، فلما مات كانت عند حفصة أم المؤمنين؛ لأنها كانت وصيته من أولاده على أوقافه وتركته، وكانت (عند) (٢) أم المؤمنين حتى أخذها أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ كما سنذكره إن شاء الله. قال البخاري (٣) ﵀: حدَّثنا موسى بن إسماعيل، حدّثنا إبراهيم، (حدّثنا) (٤) ابن شهاب، أن أنس بن مالك حدثه، أنَّ حذيفة بن اليمان قدم على عثمان بن عفان رضي الله (عنهما) (٥)، وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق؛ فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة، فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلافَ اليهود والنَّصارى. فأرسل عثمان إلى حفصة: أن أرسلي إلينا بالصحف (ننسخها) (٦) ثم نردها إليك، فأرسلت بها حفصة إلى عثمان، فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام فنسخوها في المصاحف. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش؛ فإنما أنزل بلسانهم، ففعلوا، حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يُحرَقَ. قال ابن شهاب الزهري: فأخبرني خارجة بن زيد بن ثابت، سمع زيد بن ثابت، (قال) (٧): فقدت آيةً من الأحزاب حين نسخنا المصحف، قد كنت أسمع رسول الله ﷺ يقرأ بها، فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها "في المصحف" (٨). وهذا أيضًا من أكبر مناقب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.

стр. 91

فإن الشيخين سبقاه إلى حفظ القرآن؛ أن يذهب منه شيء. وهو جمع الناس على قراءة واحدة؛ لئلا يختلفوا في القرآن، ووافقه على ذلك جميع الصحابة. وإنما روى عن عبد الله بن مسعود (١) شيء من التغضب بسبب أنه لم يكن ممن كتب المصاحف، وأمر أصحابه بغل مصاحفهم لما أمر عثمان بحرق ما عدا المصحف الإمام. ثم رجع ابن مسعود إلى الوفاق (٢)، حتى قال علي (٣) بن أبي طالب: "لو لم يفعل ذلك عثمان لفعلته أنا". فاتفق الأئمة الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي على أن ذلك من مصالح الدين. وهم الخلفاء الذين قال رسول الله ﷺ : "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (٤) وكان

стр. 92

السبب في هذا حذيفة بن اليمان ﵁ فإنه لما كان غازيًا في فتح أرمينية وأذربيجان وكان قد اجتمع هناك أهل الشام والعراق، وجعل حذيفة يسمع منهم قراءات على حروف شتى، ورأى منهم اختلافًا (كثيرًا) (١) وافتراقًا، فلما رجع إلى عثمان أعلمه، وقال لعثمان: أدرك هذه الأمة قبل أن يختلفوا في الكتاب اختلاف اليهود والنصارى. وذلك أن اليهود والنصارى مختلفون فيما بأيديهم من الكتب، فاليهود بأيديهم نسخة من التوراة والسامرة يخالفونهم في ألفاظ كثيرة ومعاني أيضًا، وليس في توراة السامرة حروف الهمزة، ولا حرف الهاء ولا الياء، والنصارى أيضًا بأيديهم توراة يسمونها العتيقة وهي مخالفة لنسختي اليهود والسامرة. وأما الأناجيل التي بأيدي النصارى فأربعة: إنجيل مرقس، وإنجيل لوقا، وإنجيل متى، وإنجيل يوحنا، وهي مختلفة أيضًا اختلافًا كثيرًا. وهذه الأناجيل الأربعة كل منها لطيف الحجم. منها ما هو قريب من أربع عشرة ورقة بخط متوسط، ومنها ما هو (أكبر) (٢) من ذلك، إما بالنصف أو الضعف. ومضمونها سيرة عيسى ﵇، وأيامه، وأحكامه، وكلامه، ومعه شيء قليل مما يدعون أنه كلام الله، وهي مع هذا مختلفة كما قلنا. وكذلك التوراة مع ما فيها من التحريف والتبديل، ثم هما منسوختان بعد ذلك بهذه الشريعة المحمدية المطهرة. فلما قال حذيفة لعثمان ذلك أفزعه، وأرسل إلى حفصة أم المؤمنين أن ترسل إليه بالصحف التي عندها مما جمعه الشيخان؛ ليكتب ذلك في مصحف واحد، وينفذه إلى الآفاق ويجمع الناس على القراءة به وترك ما سواه، ففعلت حفصة. وأمر عثمان هؤلاء الأربعة، وهم زيد بن ثابت الأنصاري، أحد كتاب الوحي لرسول الله ﷺ ، وعبد الله بن الزبير بن العوام القرشي الأسدي، أحد فقهاء الصحابة ونجبائهم علمًا وعملًا، وأصلًا وفضلًا. وسعيدُ بن العاص بن أمية القرشي الأموي وكان كريمًا جوادًا ممدحًا، وكان أشبه الناس لهجة برسول الله ﷺ ، وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي المخزومي. فجلس هؤلاء النفر الأربعة يكتبون بالقرآن نسخًا، وإذا اختلفوا في (وضع) (٣) الكتابة على أي لغة رجعوا إلى عثمان، كما اختلفوا في التابوت (٤)، أيكتبونه بالتاء أو الهاء؟ فقال زيد بن ثابت:

стр. 93

إنما هو التابوه، وقال الثلاثة القرشيون: إنما هو التابوت، (فترافعوا) (١) إلى عثمان فقال: اكتبوه بلغة قريش، فإن القرآن نزل بلغتهم. وكأن عثمان (﵁) (٢) -والله أعلم- رتب السور في المصحف، وقدم السبع الطوال، وثنى بالمئين. ولهذا روى ابنُ جرير وأبو داود والترمذي والنسائي، من حديث غير واحد من الأئمة الكبار، عن عوف الأعرابي، عن يزيد الفارسي، عن ابن عباس (٣) قال: قلت لعثمان بن عفان: "ما حملكم" (٤) (على) (٥) أن عمدتم إلى الأنفال، وهي من المثاني، وإلى براءة وهي من المئين، فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، ووضعتموها في السبع الطوال، ما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ مما يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول: "ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا". وكانت الأنفال من أول ما (نزل) (٦) بالمدينة، وكانت براءة من آخر القرآن، وكانت قصتها شبيهةً بقصتها، وحسبت أنها منها، (فقبض) (٧) رسول الله ﷺ ولم (يبين) (٨) لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرنت بينهما، ولم أكتب بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم، فوضعتها في السبع الطوال.

стр. 94

ففهم من هذا الحديث أن ترتيب الآيات في السور أمر توقيفي متلقًى عن النبي ﷺ . وأما ترتيب السور، فمن أمير المؤمنين عثمان بن عفان - رضي الله (١) عنه - ولهذا ليس لأحد أن يقرأ القرآن إلا مرتبًا آياته فإن نكسه أخطأ خطأً كبيرًا. وأما ترتيب السور فمستحب؛ اقتداءً بعثمان ﵁. والأولى إذا قرأ: أن يقرأ متواليًا، كما قرأ ﵇ في صلاة الجمعة بسورة الجمعة والمنافقين (٢)، وتارة (٣) بـ ﴿سَبِّحِ﴾ [الأعلى: ١] و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (١)﴾ [الغاشية] فإن فرق جاز، كما صح (٤) أن رسول الله ﷺ قرأ في العيد بـ ﴿ق﴾ [ق: ١] و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: ١] رواه مسلم، عن أبي (واقد) (٥). وفي "الصحيحين" (٦) عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة ﴿الم (١)﴾ السجدة و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] وإن قدم بعض السور على بعض جاز أيضًا، فقد روى حذيفة أن رسول الله ﷺ قرأ البقرة ثم النساء ثم آل عمران، أخرجه (٧) مسلم. وقرأ عمر (٨) في الفجر بسورة النحل ثم بيوسف. ثم إن عثمان ﵁ ردَّ الصحف إلى حفصة ﵄ فلم تزل عندها حتى أرسل إليها مروان بن الحكم يطلبها فلم تعطه حتى ماتت، فأخذها من عبد الله بن عمر فحرقها؛ لئلا يكون فيها شيء يخالف المصاحف الأئمة التي نفذها عثمان إلى الآفاق، مصحفًا إلى مكة، ومصحفًا إلى البصرة، وآخر إلى الكوفة، وآخر إلى الشام، وآخر إلى اليمن، وآخر إلى البحرين؛ وترك عند أهل المدينة مصحفًا.

стр. 95

رواه أبو بكر بن أبي داود (١)، عن أبي حاتم السجستاني؛ سمعه يقوله. وصحح (٢) القرطبي أنه إنما نفذ إلى الآفاق أربعة مصاحف -وهذا غريب- وأمر بما عدا ذلك من مصاحف الناس أن تحرق لئلا تختلف قراءاتُ الناس في الآفاق. وقد وافقه الصحابة في عصره على ذلك ولم ينكره أحدٌ منهم. وإنما نقم عليه ذلك (أولئك) (٣) الرهط الذين تمالؤوا عليه وقتلوه -قاتلهم الله- وذلك في جملة ما أنكروا مما لا أصل له. وأما ساداتُ المسلمين من الصحابة ومن نشأ في عصرهم ذلك من التابعين، فكلهم وافقوه. قال أبو داود (٤) الطيالسي وابن مهدي وغندر، عن شعبة، عن علقمة بن مرثد، عن رجل، عن سويد بن غفلة قال علي حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته. وقال أبو بكر بن أبي داود (٥): حدثنا أحمد بن سنان، حدّثنا عبد الرحمن، حدّثنا شعبة، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص قال: أدركت الناس متوافرين حين حرق عثمان المصاحف، فأعجبهم ذلك، أو قال: لم ينكر ذلك منهم أحد. وهذا إسناد صحيح. وقال أيضًا (٦): حدثنا إسحاق بن إبراهيم الصواف، حدّثنا يحيى بن كثير، حدّثنا ثابت بن عمارة الحنفي قال: سمعت غنيم بن قيس المازني قال: قرأت القرآن على الحرفين جميعًا، والله ما يسرني أن عثمان لم يكتب المصحف وأنه ولد لكل مسلم كلما أصبح غلام فأصبح له مثل ماله. قال: قلنا له: يا أبا العنبر لم؟ قال: لو لم يكتب عثمان المصحف لطفق الناس يقرؤون الشعر. وحدثنا يعقوب بن (٧) سفيان، حدثنا محمد بن عبد الله، حدثني عمران بن حدير، عن أبي

стр. 96

مجلز قال: لولا أن عثمان كتب القرآن لألفيت الناس يقرؤون الشعر. وحدثنا (١) أحمد بن سنان، سمعت ابن مهدي يقول: خصلتان لعثمان بن عفان ليستا لأبى بكر ولا لعمر: صبره نفسه حتى قتل مظلومًا. وجمعه الناس على المصحف. وأما عبد الله بن مسعود ﵁ فقد قال إسرائيل، عن أبي إسحاق عن حميد بن مالك قال: لما أمر عثمان بالمصاحف -يعني: بتحريقها- ساء ذلك عبد الله بن مسعود وقال: من استطاع منكم أن يغل مصحفًا فليغلل، فإنه من غل شيئًا جاء بما غل يوم القيامة، ثم قال عبد الله: لقد قرأت القرآن من فِي رسول الله ﷺ سبعين سورة وزيد صبي، أفأترك ما أخذت من فِي رسول الله ﷺ (٢)؟ وقال أبو بكر (٣): حدثنا (عبد الله بن محمد) (٤) بن النعمان، حدّثنا سعيد بن سليمان، حدّثنا (أبو) (٥) شهاب، عن الأعمش، عن أبي وائل قال: خطبنا ابن مسعود على المنبر فقال: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] غلوا مصاحفكم، وكيف تأمروني أن أقرأ على قراءة زيد بن ثابت وقد قرأت القرآن من فِي رسول الله ﷺ بضعًا وسبعين سورة وإن زيد بن ثابت ليأتي مع الغلمان له ذؤابتان، والله ما نزل من القرآن شيء إلا وأنا أعلم في أي شيء نزل، وما أحد أعلم بكتاب الله مني، وما أنا بخيركم، ولو أعلم مكانًا تبلغه الإبل أعلم بكتاب الله مني لأتيته. قال أبو وائل: فلما نزل عن المنبر جلست في الحلق، فما أحد ينكر ما قال. أصل هذا مخرج في "الصحيحين" (٦)، وعندهما: "ولقد علم أصحاب محمد ﷺ أني من أعلمهم بكتاب الله". وقول أبي وائل: فما أحد ينكر ما قال؛ يعني: من فضله وحفظه وعلمه، والله أعلم، وأما أمره بغل المصاحف وكتمانها فقد أنكره عليه غير واحد. قال الأعمش (٧)، عن إبراهيم، عن علقمة قال: قدمت الشام فلقيت أبا الدرداء فقال: كنا نعد

стр. 97

عبد الله (جبانًا) (١) فما باله يواثب الأمراء؟ وقال أبو بكر بن أبي داود (٢): باب رضى عبد الله بن مسعود بجمع عثمان المصاحف بعد ذلك: حدثنا عبد الله بن سعيد ومحمد بن عثمان العجلي قالا: حدّثنا أبو أُسامة، حدثني زهير، حدثني الوليد بن قيس، عن عثمان بن حسان العامري، عن فلفلة الجعفي قال: فزعت فيمن فزع إلى عبد الله في المصاحف، فدخلنا عليه فقال رجل من القوم: إنا لم نأتك زائرين، ولكننا جئنا حين راعنا هذا الخبر، فقال: إن القرآن أنزل على نبيكم من سبعة أبوابٍ على سبعة أحرف - أو حروف - وإن الكتاب قبلكم كان ينزل - أو نزل - من باب واحد على حرف واحد. وهذا (٣) الذي استدل به أبو بكر ﵀ على رجوع ابن مسعود فيه نظر من جهة أنه لا يظهر من هذا اللفظ رجوع عما كان يذهب إليه، والله أعلم.

стр. 98

وقال أبو بكر (١) أيضًا: حدثني عمي، حدثنا أبو رجاء، أنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد قال: قام عثمان فخطب الناس فقال: (يا أيها) (٢) الناس (عهدكم) (٣) نبيكم منذ ثلاث عشرة وأنتم تمترون في القرآن وتقولون: قراءة أبي وقراءة عبد الله، يقول الرجل: والله ما تقيم قراءتك، وأعزم على كل رجل منكم ما كان معه من كتاب الله شيء لما جاء به، فكان الرجل يجيء بالورقة والأديم فيه القرآن، حتى تجمع من ذلك كثرة، ثم دخل عثمان فدعاهم رجلًا رجلًا فناشدهم: لسمعتَ رسول الله ﷺ وهو أملاه عليك؟ فيقول: نعم، فلما فرغ من ذلك عثمان قال: من أكتب الناس؟ قال: كاتب رسول الله ﷺ زيد بن ثابت، قال: فأي الناس أعرب؟ قالوا: سعيد بن العاص؛ قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد. فكتب زيد مصاحف ففرقها في الناس، فسمعت بعض أصحاب رسول الله ﷺ يقولون: قد أحسن. إسناد صحيح. وقال أيضًا (٤): حدّثنا إسحاق بن إبراهيم بن زيد، ثنا أبو بكر (حدّثنا) (٥) هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن كثير بن أفلح قال: لما أراد عثمان أن يكتب المصاحف جمع له اثنى عشر رجلًا من قريش والأنصار فيهم أُبي بن كعب وزيد بن ثابت، قال: فبعثوا إلى الربعة التي في بيت عمر فجيء بها، قال: وكان عثمان يتعاهدهم، فكانوا إذا تدارءوا في شيء أخروه، قال محمد: فقلت لكثير وكان فيهم فيمن يكتب: هل تدرون لم كانوا يؤخرونه؟ قال: لا، قال محمد: فظننت ظنًا إنما كانوا يؤخرونها لينظروا أحدثهم عهدًا بالعرضة الأخيرة فيكتبونها على قوله. صحيح أيضًا. (قلت): الربعة هي الكتب المجتمعة، وكانت عند حفصة ﵂؛ فلما جمعها عثمان ﵁ في المصحف ردها إليها ولم يحرقها في جملة ما حرقه مما سواها؛ لأنها هي بعينها (التي) (٦) كتبه وإنما رتبه، ثم إنه كان قد عاهدها على أن يردها إليها، فما زالت عندها حتى ماتت؛ ثم أخذها مروان بن الحكم فحرقها وتأول في ذلك ما تأول عثمان.

стр. 99

كما رواه أبو بكر بن أبي داود (١): حدثنا محمد بن عوف، حدّثنا أبو اليمان، حدّثنا شعيب، عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله أن مروان كان يرسل إلى حفصة يسألها عن الصحف التي كتب منها القرآن فتأبى حفصة أن تعطيه إياها، قال سالم: فلما توفيت حفصة ورجعنا من دفنها، أرسل مروان بالعزيمة إلى عبد الله بن عمر ليرسلن إليه بتلك الصحف، فأرسل بها إليه عبد الله بن عمر، فأمر بها مروان فشققت. وقال مروان: إنما فعلت هذا؛ لأن ما فيها قد كتب وحفظ بالمصحف، فخشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب في شأن هذه الصحف مرتاب، أو يقول: إنه قد كان شيء منها لم يكتب. إسناد صحيح. وأما ما رواه الزهري عن خارجة عن أبيه في شأن آية الأحزاب وإلحاقهم إياها في سورتها، فذكره لهذا بعد جمع عثمان فيه نظر، وإنما هذا كان حال جمع الصديق الصحف كما جاء مصرحًا به في غير هذه الرواية، عن الزهري، عن عبيد بن السباق، عن زيد بن ثابت، والدليل على ذلك أنه قال: فألحقناها في سورتها من المصحف، وليست هذه الآية ملحقة في الحاشية في المصاحف العثمانية. فهذه الأفعال من أكبر القربات التي بادر إليها الأئمة الراشدون: أبو بكر وعمر ﵄، حَفِظا على الناس القرآن وجمعاه؛ لئلَّا يذهب منه شيء؛ وعثمان ﵁ جمع قراءات الناس على مصحف واحد ووضعه على العرضة الأخيرة التي عارض بها جبريل رسول الله ﷺ في آخر رمضان من عمره ﵇، فإنه عارضه به عامئذ مرتين، ولهذا قال رسول الله ﷺ لفاطمة ابنته لما مرض "وما أرى ذلك إلا لاقتراب أجلي". أخرجاه في "الصحيحين" (٢). وقد روي أن عليًا ﵁ أراد (أن) (٣) يجمع القرآن بعد رسول الله ﷺ مرتبًا بحسب نزوله أولًا فأولًا، كما رواه ابن أبي داود (٤) ﵀ حيث قال:

стр. 100

حدثنا محمد بن إسماعيل الأحمسي، حدّثنا ابن فضيل، عن أشعث، عن محمد بن سيرين قال: لما توفي النبي ﷺ أقسم علي أن لا يرتدي برداء إلا لجمعة حتى يجمع القرآن في مصحف ففعل، فأرسل إليه أبو بكر ﵁ بعد أيام: أكرهت إمارتي يا أبا الحسن؟ فقال: لا والله إلا إني أقسمت أن لا أرتدي برداء إلا لجمعة، فبايعه ثم رجع. هكذا رواه وفيه انقطاع. ثم قال: لم يذكر (المصحف) (١) أحد إلا أشعث وهو لين الحديث، وإنما رووا: حتى أجمع القرآن؛ يعني: أتم حفظه، فإنه يقال للذي (يحفظ) (٢) القرآن قد جمع القرآن. (قلت): وهذا الذي قاله أبو بكر أظهر، والله أعلم، فإن عليًا لم ينقل عنه مصحف على ما قيل ولا غير ذلك ولكن قد توجد مصاحف على الوضع العثماني يقال: إنها بخط علي ﵁، وفي ذلك نظر فإن في بعضها: كتبه علي بن (أبو) (٣) طالب! وهذا لحن من الكلام، وعلي ﵁ من أبعد الناس عن ذلك، فإنه كما هو المشهور عنه هو أول من وضع علم النحو فيما رواه عنه (أبو) (٤) الأسود ظالم بن عمرو الدؤلي، وأنه قسم الكلام إلى اسم وفعل وحرف، وذكر أشياء أخر تممها أبو الأسود بعده، ثم أخذ الناس عن أبي الأسود فوسعوه ووضحوه، وصار علمًا مستقلًا. وأما المصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن، شرقي المقصورة المعمورة بذكر الله، وقد كان قديمًا بمدينة طبرية، ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشرة وخمسمائة، وقد رأيته كتابًا عزيزًا جليلًا عظيمًا ضخمًا بخط حسن مبين قوي بحبر محكم، في رق أظنه من جلود الإبل، والله أعلم، زاده الله تشريفًا وتكريمًا وتعظيمًا. فأما عثمان ﵁، فما يعرف أنه كتب بخطه هذه المصاحف، وإنما كتبها زيد بن ثابت في أيامه وغيره، فنسبت إلى عثمان؛ لأنها بأمره وإشارته، ثم قرئت على الصحابة بين يدي عثمان، ثم نفذت إلى الآفاق ﵁. وقد قال أبو بكر بن أبي داود (٥): حدثنا علي بن حرب الطائي، حدّثنا قريش بن أنس، حدّثنا

стр. 101

سليمان التيمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد مولى بني أسيد قال: لما دخل المصريون على عثمان ضربوه بالسيف على يده، فوقعت على ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧] فمد يده وقال: والله إنها لأول يد خطت المفصل. وقال أيضًا (١): حدثنا أبو الطاهر، حدّثنا ابن وهب قال: سألت مالكًا عن مصحف عثمان فقال لي: ذهب. يحتمل أنه سأله عن المصحف الذي كتبه بيده ويحتمل أن يكون سأله عن المصحف الذي تركه في المدينة، والله أعلم. (قلت): وقد كانت الكتابة في العرب قليلةً جدًا، وإنما أول ما تعلموا ذلك ما ذكره هشام بن محمد بن السائب الكلبي وغيره أن بشر بن عبد الملك أخا أكيدر دومة تعلم الخط من الأنبار، ثم قدم مكة فتزوج الصهباء بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان صخر بن حرب بن أمية، فعلمه حرب بن أمية وابنه سفيان، وتعلمه عمر بن الخطاب من حرب بن أمية، وتعلمه معاوية من عمه سفيان بن حرب. وقيل: إن أول من تعلمه من الأنبار قوم من "طيء" من قرية هناك يقال لها: "بقة"، ثم هذبوه ونشروه في جزيرة العرب، فتعلمه الناس. ولهذا قال أبو بكر بن أبي داود (٢)، حدثنا عبد الله بن محمد الزهري (إن شاء الله) (٣)، حدّثنا سفيان، عن مجاهد، عن الشعبي قال: سألنا المهاجرين: من أين تعلمتم الكتابة؟ قالوا: من أهل الأنبار. (قلت): والذي كان يغلب على زمان السلف الكتابة المتكوفة، ثم هذبها أبو علي بن مقلة الوزير، وصار له في ذلك منهج وأسلوب في الكتابة، ثم قربها علي بن هلال البغدادي المعروف بابن البواب، وسلك الناس وراءه، وطريقته في ذلك واضحة جيدة (٤). والغرض أن الكتابة لما كانت في ذلك الزمان لم تحكم جيدًا، وقع في كتابة المصاحف اختلاف في وضع الكلمات من حيث صناعة الكتابة لا من حيث المعنى، وصنف الناس في ذلك. واعتنى بذلك الإمام الكبير أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه: "فضائل القرآن"،

стр. 102

والحافظ أبو بكر بن أبي داود ﵀، فبوبا على ذلك، وذكرا قطعةً صالحةً هي من صناعة القرآن ليست مقصدنا ههنا. ولهذا نص الإمام مالك (﵀) (١) على أنه لا توضع المصاحف إلا على وضع كتابة الإمام. ورخص غيره في ذلك، واختلفوا في الشكل والنقط، فمن مرخص ومن مانع. فاما كتابة السورة وآياتها والتعشير والأجزاء والأحزاب (فكثر) (٢) في مصاحف زماننا. والأولى اتباع السلف الصالح. ثم قال البخاري (٣): ذكر كُتَّابِ النبي ﷺ . وأورد فيه من حديث الزهري، عن ابن السباق، عن زيد بن ثابت أن أبا بكر الصديق قال له: وكنت تكتب الوحي لرسول الله ﷺ ، وذكر نحو ما تقدم في جمعه القرآن وقد تقدم، وأورد حديث زيد بن ثابت (٤) في نزول ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ولم يذكر البخاري أحدًا من الكُتَّاب في هذا الباب سوى زيد بن ثابت، وهذا عجب، وكأنه لم يقع له حديث يورده سوى هذا، والله أعلم. وموضع هذا في "كتاب السيرة" عند ذكر كُتَّابه عليه (الصلاة) (٥) والسلام. ثم قال البخاري (٦) ﵀: أنزل القرآن على سبعة أحرف: حدثنا سعيد بن عفير، حدّثنا الليث، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال: حدثني عبيد الله بن

стр. 103

عبد الله أن عبد الله بن عباس حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "أقرأني جبريل ﵇ على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف". وقد رواه أيضًا في "بدء الخلق"، ومسلم من حديث يونس ومسلم أيضًا عن معمر، كلاهما عن الزهري بنحوه. ورواه ابن جرير من حديث الزهري به. ثم قال الزهري: بلغني أن تلك السبعة الأحرف إنما هي في الأمر الذي يكون وحدًا لا يختلف في حلال ولا في حرام، وهذا مبسوط في الحديث الذي رواه الإمام أبو عبيد (١) القاسم بن سلام حيث قال: حدثنا يزيد ويحيى بن سعيد، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس بن مالك، عن أُبي بن كعب قال: ما حك في صدري شيء منذ أسلمت، إلا أنني قرأت آيةً وقرأها آخر غير قراءتي، فقلت: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فقال: أقرأنيها رسول الله ﷺ ، فأتينا رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله أقرأتني آية كذا وكذا: قال: "نعم". وقال الآخر: أليس تقرئني آية كذا وكذا؟ قال: "نعم" فقال: "إن جبريل وميكائيل أتياني فقعد جبريل عن يميني وميكائيل عن يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف، وكل حرف كاف شاف". وقد رواه النسائي (٢) من حديث يزيد - وهو ابن هارون - ويحيى بن سعيد القطان، كلاهما عن حميد الطويل، عن أنس، عن أُبي بن كعب بنحوه. وكذا رواه (٣) ابن أبي عدي (ومحمد) (٤) بن ميمون الزعفراني ويحيى بن أيوب، كلهم عن حميد به.

стр. 104

وقال ابن جرير (١): حدثنا محمد بن مرزوق، حدّثنا أبو الوليد، حدّثنا حماد بن سلمة، عن حميد، عن أنس، عن عبادة بن الصامت، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "أنزل القرآن على سبعة أحرف". فأدخل بينهما عبادة بن الصامت. وقال الإمام أحمد بن حنبل (٢) ﵀: حدثنا يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن أبي خالد، حدثني عبد الله بن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب، قال: كنت في المسجد، فدخل رجل فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءة سوى قراءة صاحبه فقمنا جميعًا فدخلنا على رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إن هذا قرأ قراءة أنكرتُها عليه، ثم دخل هذا فقرأ (غير) (٣) قراءة صاحبه، فقال لهما النبي ﷺ : "اقرءا - فقرءا فقال:- أصبتما" فلما قال لهما النبي ﷺ الذي قال: كبر عليَّ ولا إذا كنت في الجاهلية، فلما رأى الذي غشيني ضرب في صدري، ففضت عرقًا. وكأنما أنظر إلى الله فرقًا، فقال: "يا أُبي إن الله أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت إليه أن هوِّن على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على حرفين، فرددت إليه أن هون على أمتي، فأرسل إلي أن أقرأه على سبعة أحرف، ولك بكل ردة مسألة تسألنيها - قال - قلت: اللهم اغفر لأمتي، اللهم اغفر لأمتي، وأخرت الثالثة ليوم يرغب إليه فيه الخلق حتى إبراهيم ﵇". وهكذا رواه مسلم من حديث إسماعيل بن أبي خالد به. وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدّثنا محمد بن فضيل، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبيه، عن جده، عن أُبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله أمرني أن أقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: خفف (عن) (٤) أمتي، فقال: اقرأه على حرفين، فقلت: رب خفف (عن) (٤) أمتي، فقال: اقرأه على سبعة أحرف من سبعة أبواب الجنة، كلها شافٍ كافٍ".

стр. 105

وقال ابن جرير (١): (حدثنا) (٢) يونس، عن ابن وهب، أخبرني هشام بن سعد، عن عبيد الله بن عمر، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب أنه قال: سمعت رجلًا يقرأ في سورة النحل قراءةً تخالف قراءتي، ثم سمعت آخر يقرؤها بخلاف ذلك، فانطلقت بهما إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني سمعت هذين يقرآن في سورة النحل، فسألتهما: من أقرأهما؟ فقالا: رسول الله ﷺ ، فقلت: لأذهبن بكما إلى رسول الله ﷺ إذ خالفتما ما أقرأني رسول الله، فقال رسول الله ﷺ لأحدهما: "اقرأ - فقرأ فقال:- أحسنت - ثم قال للآخر:- اقرأ - فقرأ - فقال: - أحسنت" قال أُبي: فوجدت في نفسي وسوسة الشيطان حتى احمر وجهي، فعرف ذلك رسول الله ﷺ في وجهي، فضرب يده في صدري، ثم قال: "اللهم أخسئ الشيطان عنه، يا أُبي أتاني آت من ربي فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على حرف واحد، فقلت: رب خفف (عن أمتي) (٣)، ثم أتاني الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على (حرفين) (٤)، فقلت: رب خفف عن أمتي، ثم أتاني الثالثة فقال مثل ذلك، وقلت مثل ذلك، ثم أتاني الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ القرآن على سبعة أحرف ولك بكل ردة مسألة - فقال:- يا رب اللهم اغفر لأمتي، يا رب اغفر لأمتي، واختبأت الثالثة شفاعةً لأمتي يوم القيامة". إسناد صحيح.

стр. 106

(قلت): وهذا الشك الذي حصل لأُبي في تلك الساعة هو - والله أعلم - السبب الذي لأجله قرأ عليه رسول الله ﷺ قراءة (إبلاغ وإعلام) (١) ودواء لما كان حصل له سورة ﴿لَمْ يَكُنِ (الَّذِينَ كَفَرُوا) (٢) مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ). . .﴾ إلى آخرها [البينة: ١] (٣)، لاشتمالها على قوله تعالى: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾ [البينة] وهذا نظير تلاوته سورة الفتح حين أنزلت مرجعه (﵇) (٤) من الحديبية على عمر بن الخطاب، وذلك لما كان تقدم له من الأسئلة لرسول الله ﷺ (ثم) (٥) لأبي بكر الصديق، وفيها قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧]. وقال ابن جرير (٦): حدثنا محمد بن مثنى، حدّثنا محمد بن جعفر، حدّثنا شعبة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى، عن أُبي بن كعب أن رسول الله كان عند إضاة بني غفار، فأتاه جبريل فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرف، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته فإن أمتي لا تطيق ذلك" قال: ثم أتاه الثانية، فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على حرفين، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك"، ثم جاءه الثالثة فقال: إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف، قال: "أسأل الله معافاته ومغفرته، إن أمتي لا تطيق ذلك" ثم جاءه الرابعة فقال: "إن الله يأمرك أن تقرئ أمتك القرآن على سبعة أحرف، فأيما حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا". وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من رواية شعبة به. وفي لفظ لأبي داود (٧)، عن أُبي بن كعب قال: قال (لي) (٨) رسول الله ﷺ : "إني أقرئت القرآن، (فقيل) (٩) لي: على حرف أو حرفين؟ فقال الملك الذي معي: قل: على حرفين، فقيل لي: على حرفين أو ثلاثة؟ فقال الملك الذي معي: قل: على ثلاثة حتى بلغ سبعة أحرف، ثم قال: ليس منها إلا شاف كاف إن قلت: سميعًا عليمًا عزيزًا حكيمًا ما لم تخلط آية عذاب برحمة أو آية عذاب برحمة أو آية رحمة بعذاب". وقد روى ثابت (١٠) بن قاسم نحوًا من هذا عن أبي هريرة (١١)، عن النبي ﷺ ومن كلام ابن مسعود نحو ذلك.

стр. 107

وقال الإمام (١) أحمد: حدثنا حسين بن علي الجعفي، عن زائدة، عن عاصم، عن زر، عن أُبي قال: لقي رسول الله ﷺ جبريل عند أحجار المراء فقال رسول الله ﷺ لجبريل: "إني بعثت إلى أمة أميين، فيهم الشيخ العامي والعجوز الكبيرة والغلام، فقال: مرهم فليقرؤوا القرآن على سبعة أحرف". وأخرجه الترمذي من حديث عاصم بن أبي النجود، عن زر (٢)]، [عن (أُبي) (٣) به، وقال: "حسن صحيح". وقد رواه أبو عبيد (٤)، عن أبي النضر، عن شيبان، عن عاصم بن أبي النجود، عن

стр. 108

زر] (١)، عن حذيفة، أن رسول الله ﷺ لقي جبريل عند أحجار المراء. فذكر الحديث والله أعلم. وهكذا رواه الإمام (٢) أحمد، عن (عفان) (٣)، عن حماد، عن عاصم، عن زر، عن حذيفة أن رسول الله ﷺ قال: "لقيت جبريل عند أحجار المراء فقلت يا جبريل إني أرسلت إلى أمة أمية، الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ العامي الذي لم يقرأ كتابًا قط؛ فقال: إن القرآن أنزل على سبعة أحرف". وقال أحمد (٤) أيضًا: حدثنا وكيع وعبد الرحمن، عن سفيان، عن إبراهيم بن مهاجر، عن ربعي بن حراش قال: حدثني من لم يكذبني (يعني) (٥) - حذيفة - قال: "لقي النبي ﷺ ، جبريل عند أحجار المراء فقال: إن أمتك يقرؤون القرآن على سبعة أحرف، فمن قرأ منهم فليقرأ كما علم ولا يرجع عنه".

стр. 109

وقال عبد الرحمن: "إن من أمتك الضعيف فمن قرأ على حرف فلا يتحول عنه إلى غيره رغبة عنه". هذا إسناد صحيح، ولم يخرجوه. (حديث آخر) في معناه عن سليمان بن صرد. قال ابن جرير (١): حدثنا إسماعيل بن موسى السدي، حدّثنا شريك، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد يرفعه قال: "أتاني ملكان فقال أحدهما: اقرأ، قال: على كم؟ قال: على حرف، قال: زده، حتى انتهى إلى سبعة أحرف". ورواه النسائي (٢) في "اليوم والليلة" عن عبد الرحمن بن محمد بن سلام، عن إسحاق الأزرق،

стр. 110

عن العوام بن حوشب، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، قال: أتى أُبي بن كعب رسول الله ﷺ برجلين اختلفا في القراءة، فذكر الحديث. وهكذا رواه أحمد بن منيع، عن يزيد بن هارون، عن العوام [ابن حوشب به. ورواه أبو عبيد، عن يزيد بن هارون، عن العوام] (١)، (عن) (٢) أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد، عن أُبي أنه أتى النبي ﷺ برجلين، فذكره. وقال ابن جرير (٣): حدثنا أبو كريب، حدّثنا يحيى بن آدم، حدّثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق عن فلان العبدي - قال ابن جرير: ذهب عني اسمه - عن سليمان بن صرد، عن أُبي بن كعب، قال: رحت إلى المسجد فسمعت رجلًا يقرأ، فقلت: من أقرأك؟ قال: رسول الله ﷺ ، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: استقرئ هذا، قال: فقرأ، فقال: "أحسنت" قال [قلت: إنك أقرأتني كذا وكذا، فقال: "وأنت قد أحسنت" (قال: فقلت) (٤) قد أحسنت! قد أحسنت!؟ قال] (٥) فضرب بيده على صدري ثم قال: "اللهم أذهب عن أُبي الشك" قال: ففضت عرقًا، وامتلأ جوفي فرقًا، قال: ثم قال: "إن الملكين أتياني، فقال أحدهما: اقرأ القرآن على حرف، وقال الآخر: زده، قال: قلت: زدني، فقال: اقرأه على حرفين، حتى بلغ سبعة أحرف، اقرأه على سبعة أحرف". وقد رواه أبو عبيد، عن حجاج، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن (سقير) (٦) العبدي، عن سليمان بن صرد، عن أُبي (٧) [عن النبي ﷺ بنحو ذلك. ورواه أبو داود (٨)، عن أبي الوليد الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن يحيى بن يعمر، عن سليمان بن صرد، عن أُبي] (٧) بن كعب بنحوه.
следующие страницы →