← Тафсир

Тафсир · id 1503

تفسير ابن كثير - ط ابن الجوزي

ابن كثير

Полный текст (4 710 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

قال ابن عباس: وكان معهم في التيه. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المن ما هو؟ فقال علي بن أبي (١) طلحة، عن ابن عباس: كان المن ينزل عليهم على الأشجار، فيغدون إليه، فيأكلون منه ما شاءوا. وقال مجاهد (٢): المن: صمغة. وقال عكرمة (٣): المن: شيء أنزله الله عليهم مثل الطل شبه الرُّبِّ الغليظ. وقال السدي (٤): قالوا: يا موسى! كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان يسقط على (الشجرة الزنجبيل) (٥). وقال قتادة (٦): كان المن ينزل عليهم في محلتهم سقوط الثلج، أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، يسقط عليهم من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، يأخذ الرجل منهم قدر ما يكفيه يومه ذلك؛ فإذا (تعدى) (٧) ذلك فسد، (و) (٨) لم يبق، حتى إذا كان يوم سادسه [اليوم جمعته] (٩) أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عيد، لا يشخص فيه لأمر معيشته، ولا يطلبه لشيء؛ وهذا كله في البرية. وقال الربيع (١٠) بن أنس: المن شراب كان ينزل عليهم مثل العسل، فيمزجونه بالماء ثم يشربونه. وقال وهب بن (١١) منبه - وسئل عن المن - فقال: (خبز الرقاق) (١٢) مثل الذرة، أو مثل النقي. وقال أبو جعفر (١٣) بن جرير: حدثني (أحمد) (١٤) بن إسحاق، حدثنا أبو أحمد، حدثنا

стр. 457

إسرائيل، عن جابر، عن عامر - وهو الشعبي - قال: عسلكم هذا جزء من سبعين جزءًا من المن. وكذا قال عبد الرحمن (١) بن زيد بن أسلم إنه العسل. ووقع في شعر أمية بن أبي الصلت حيث قال (٢): فرأى الله أنهم بمضيع … لا بذي مزرع ولا مثمورًا فسناها (٣) عليهم غاديات … ومرى مزنهم خلايا وخورًا عسلًا ناطفًا وماءً فراتًا .... وحليبًا ذا بهجة (مرمورًا) (٤) فالناطف هو السائل. والحليب المرمور: الصافي منه. والغرض أن عبارات المفسرين متقاربة في شرح المن؛ فمنهم من فسره بالطعام، ومنهم من فسره بالشراب والظاهر - والله أعلم - أنه كل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب، وغير ذلك مما ليس لهم فيه عمل ولا كد؛ فالمن المشهور إن أكل وحده كان طعامًا وحلاوةً، وإن مزج مع الماء صار شرابًا طيبًا، وإن ركب مع غيره صار نوعًا آخر؛ ولكن ليس هو المراد من الآية وحده. والدليل على ذلك قول البخاري (٥): حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان، عن عبد الملك، عن عمرو بن حريث، عن سعيد بن زيد ﵁؛ قال: قال النبي ﷺ : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". وهذا الحديث رواه الإمام (٦) أحمد، عن سفيان بن عيينة، عن عبد الملك؛ وهو ابن عمير، به. وأخرجه الجماعة في كتبهم إلا أبا داود من طرق: عن عبد الملك، وهو ابن عمير، به.

стр. 458

[وقال الترمذي: "حسن صحيح". ورواه البخاري (١) ومسلم (والنسائي) (٢) من رواية الحكم عن الحسن العرني، عن عمرو بن حريث، به] (٣). وقال الترمذي (٤): حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر ومحمود بن غيلان؛ قالا: حدثنا سعيد بن عامر، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "العجوة من الجنة وفيها شفاء من السم، والكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". تفرد بإخراجه الترمذي؛ ثم قال: "هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد بن عمرو، وإلا من حديث (سعيد) (٥) بن عامر عنه. وفي الباب عن سعيد بن زيد، وأبي سعيد، وجابر - كذا قال! وقد رواه الحافظ أبو بكر بن مردويه في "تفسيره" (٦) من طريق آخر، عن [أبي هريرة، فقال: حدثنا أحمد بن (الحسين) (٧) بن أحمد البصري، حدثنا أسلم بن سهل، حدثنا القاسم بن عيسى، حدثنا] (٨) طلحة بن عبد الرحمن، (هذا سلمي واسطي يكنى بأبي محمد) (٩)، [عن (قتادة) (١٠)، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين"] (١١).

стр. 459

[وهذا حديث غريب من هذا الوجه، وطلحة بن عبد الرحمن] (١) هذا (سلمي واسطي) (٢) يكنى بأبي محمد، وقيل: أبو سليمان المأدب، قال فيه الحافظ أبو أحمد بن عدي: "روى عن قتادة أشياء لا يتابع عليها". ثم قال الترمذي (٣): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة - أن ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا: الكمأة جدري الأرض. فقال نبي الله ﷺ : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين، والعجوة من الجنة، وهي شفاء من السم". [وهذا الحديث قد رواه النسائي (٤)، عن محمد بن بشار، به؛ وعنه (٥)، عن غندر، عن] (٦)

стр. 460

[شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن] (١) [شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، به، وعن (٢) محمد بن بشار، عن عبد الأعلى، عن خالد الحذاء، عن شهر بن حوشب بقصة الكمأة فقط. (ورواه) (٣) النسائي (٤) أيضًا، وابن ماجه، من حديث محمد بن بشار، عن أبي عبد الصمد (عبد العزيز) (٥) بن عبد الصمد، عن مطر الوراق، عن شهر بقصة العجوة عند النسائي، وبالقصتين عند ابن ماجه] (١). وهذه الطريق منقطعة بين شهر بن حوشب وأبي هريرة؛ فإنه لم يسمع (٦) منه، بدليل ما رواه النسائي (٧) في "الوليمة" من "سننه" عن علي بن الحسين الدرهمي، عن عبد الأعلى، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن شهر بن حوشب، عن عبد الرحمن بن غنم، عن أبي هريرة؛ قال: خرج رسول الله ﷺ وهم يذكرون الكمأة، وبعضهم يقول: جدري الأرض. فقال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". وروى عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد، وجابر؛ كما قال الإمام أحمد (٨): حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن جابر بن عبد الله، وأبي سعيد الخدري؛ قالا: قال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة وهي شفاء من السم".

стр. 461

وقال النسائي (١) في "الوليمة" أيضًا: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بشر جعفر بن إياس، عن شهر بن حوشب، عن أبي سعيد وجابر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". ثم رواه أيضًا وابن ماجه من طرق عن الأعمش، عن أبي بشر، عن شَهْرٍ عنهما، به. [وقد روياه - أعني النسائي (٢)] (٣) - (من حديث جرير) (٤)، وابن ماجه (من حديث) (٥) سعيد (بن مسلمة) (٦)، كلاهما عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد. (زاد) (٧) النسائي (حديث) (٨) جابر، عن النبي ﷺ قال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". ورواه ابن مردويه، عن أحمد بن عثمان، عن عباس الدوري، عن لاحق بن صؤاب، عن عمار بن رزيق، عن الأعمش؛ كابن ماجه. وقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا أحمد بن عثمان، حدثنا عباس الدوري، حدثنا الحسن بن الربيع، حدثنا أبو الأحوص، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: خرج علينا رسول الله ﷺ وفي يده كمآت، فقال: "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين". وأخرجه النسائي (٩) عن عمرو بن منصور، عن الحسن بن الربيع، به. ثم ابن مردويه رواه أيضًا عن عبد الله بن إسحاق، عن الحسن بن سلام، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن الأعمش، به. وكذا رواه النسائي (١٠)، عن أحمد بن عثمان بن حكيم، عن عبيد الله بن موسى. وقد روي من حديث أنس (١١) بن مالك ﵁، كما قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن عبد الله بن

стр. 462

إبراهيم، حدثنا حمدون بن أحمد، حدثنا حوثرة بن أشرس، حدثنا حماد، عن شعيب بن الحبحاب، عن أنس: أن أصحاب رسول الله ﷺ تدارءوا في الشجرة التي اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار؛ فقال بعضهم: نحسبه الكمأة، فقال رسول الله ﷺ : "الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين. والعجوة من الجنة وفيها شفاء من السم". وهذا الحديث محفوظ أصله (١) من رواية حماد بن سلمة. وقد روى الترمذي، والنسائي، من طريقه شيئًا من هذا. والله ﵎ (٢) أعلم. (وقد) (٣) روي عن شهر، عن ابن عباس؛ كما رواه النسائي (٤) أيضًا في "الوليمة" عن أبي بكر أحمد بن علي بن سعيد، عن عبد الله بن عون الخراز، عن أبي عبيدة الحداد، عن عبد الجليل بن عطية، عن (شهر) (٥)، عن عبد الله بن عباس، عن النبي ﷺ ؟ قال: "الكماة من المن وماؤها شفاء للعين". فقد اختلف كما ترى فيه على شهر بن حوشب. ويحتمل عندي أنه حفظه ورواه من هذه الطرق كلها، وقد سمعه من بعض الصحابة، وبلغه عن بعضهم؛ فإن الأسانيد إليه جيدة؛ وهو لا يتعمد الكذب. وأصل الحديث محفوظ عن رسول الله ﷺ كما تقدم من رواية سعيد بن زيد (﵁) (٦).

стр. 463

وأما السلوى فقال علي بن (١) أبي طلحة، عن ابن عباس: السلوى: طائر (شبيهة) (٢) بالسماني؛ كانوا يأكلون منه. وقال السدي (٣) في خبر ذكره عن أبي مالك؛ وعن أبي صالح، عن ابن عباس؛ وعن مرة، عن ابن مسعود؛ وعن ناس من الصحابة: السلوى: طائر يشبه (٤) السماني. وقال ابن أبي (٥) حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، حدثنا قرة بن خالد، عن جهضم، عن ابن عباس؛ قال: السلوى هو السماني. وكذا (٦) قال مجاهد، والشعبي، والضحاك، والحسن، وعكرمة، والربيع بن أنس رحمهم الله تعالى؛ وعن عكرمة (٧): أما السلوى فطير كطير يكون بالجنة أكبر من العصفور. أو نحو ذلك. وقال قتادة (٨): السلوى كان من طير إلى الحمرة تحشرها عليهم الريح الجنوب، وكان الرجل يذبح منها قدر ما يكفيه يومه ذلك، فإذا تعدى فسد، ولم يبق عنده، حتى إذا كان يوم سادسه [ليوم (جمعته) (٩) أخذ ما يكفيه ليوم سادسه] (١٠) ويوم سابعه؛ لأنه كان يوم عبادة لا يشخص فيه لشيء ولا يطلبه. وقال وهب (١١) بن منبه: السلوى: طير سمين مثل (الحمام) (١٢)، كان يأتيهم فيأخذون منه من سبت إلى سبت. وفي رواية - عن وهب (١٣)؛ قال: سألت بنو إسرائيل موسى ﵇ لحمًا،

стр. 464

فقال الله: لأطعمنهم من أقل لحم يعلم في الأرض، فأرسل عليهم ريحًا، فأذرت عند مساكنهم السلوى، وهو السماني، مثل ميل في ميل قيد رمح في السماء، فخبأوا للغد، فنتن اللحم، وخنز الخبز. وقال السدي (١): لما دخل بنو إسرائيل التيه قالوا لموسى ﵇: كيف لنا بما ها هنا؟ أين الطعام؟ فأنزل الله عليهم المن، فكان (يسقط) (٢) على (الشجر) (٣) (الزنجبيل) (٤) والسلوى، وهو طائر يشبه السماني أكبر منه؛ فكان يأتي أحدهم فينظر إلى الطير، فإن كما سمينًا ذبحه وإلا أرسله؛ فإذا سمن أتاه فقالوا: هذا الطعام، فأين الشراب؟ فأُمر موسى فضرب بعصاه الحجر، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فشرب كل سبط من عين، فقالوا: هذا الشراب، فأين الظل؟ فظلل عليهم الغمام، فقالوا: هذا الظل، فأين اللباس؟ فكانت ثيابهم تطول معهم كما يطول الصبيان، ولا (يتخرق) (٥) لهم ثوب؛ فذلك قوله تعالى: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقوله: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ (الآية) (٦) [البقرة: ٦٠]. وروي عن وهب (٧) بن منبه، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم نحو ما قاله السدي. وقال سنيد (٨)، عن حجاج، عن ابن جريج؛ قال: قال ابن عباس: خلق لهم في التيه ثياب لا (تخرق) (٩) ولا تدرن. قال ابن جريج: (وكان) (١٠) الرجل إذا أخذ من المن والسلوى فوق طعام يوم فسد إلا أنهم كانوا يأخذون في يوم الجمعة طعام يوم السبت فلا يصبح فاسدًا. [قال ابن (١١) عطية: السلوى طير بإجماع المفسرين؛ وقد غلط الهذلي في قوله: إنه العسل، وأنشد في ذلك مستشهدًا: وقاسمها بالله جهدًا لأنتم … ألذ من السلوى إذا ما (أشورها (١٢)) قال: فظن أن السلوى عسلًا] (١٣).

стр. 465

[قال القرطبي (١): دعوى الإجماع لا تصح؛ لأن (المؤرج) (٢) أحد علماء اللغة والتفسير قال: إنه العسل؛ واستدل ببيت الهذلي هذا، وذكر أنه كذلك في لغة كنانة لأنه (يسلى) (٣) به، ومنه: عين سلوان. وقال الجوهري: السلوى: العسل. واستشهد ببيت الهذلي أيضًا. والسلوانة - بالضم: خرزة كانوا يقولون إذا صب عليها ماء المطر] (٤) [فشربها العاشق سلا؛ قال الشاعر: شربت على سلوانة ماء مزنة … فلا وجديد العيش يا ميُّ ما أسلو واسم ذلك الماء: السلوان. وقال بعضهم: السلوان دواء (يشفي) (٥) الحزين فيسلو، والأطباء يسمونه ("المفرج") (٦). قالوا: والسلوى جمع بلفظ الواحد أيضًا، كما يقال: "سمانا" للمفرد والجمع [(ودفلى) (٧) كذلك] (٨). وقال الخليل: واحده سلواة، وأنشد: وإني لتعروني لذكراك هزة … كما انتفض السلواة من بلل القطر وقال الكسائي: السلوى واحدة، وجمعه سلاوى: نقله كله القرطبي] (٤). وقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أمر إباحة وإرشاد وامتنان. وقوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدوا، كما قال: ﴿كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ [سبأ: ١٥] فخالفوا وكفروا، فظلموا أنفسهم؛ هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات. ومن ها هنا (تتبين) (٩) فضيلة أصحاب محمد ( ﷺ ) (١٠) و ﵃، على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، (كما كانوا) (١١) معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك، في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، لم يسألوا خرق عادة، ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلًا على (الرسول) (١٢) ﷺ ، ولكن لما أجهدهم الجوع سألوه في تكثير طعامهم، فجمعوا ما معهم، فجاء قدر مبرك الشاة، فدعا الله فيه، وأمرهم فملئوا كل وعاء معهم. وكذا لما احتاجوا إلى الماء سأل الله تعالى، (فجاءت) (١٣) سحابة فأمطرتهم فشربوا وسقوا الإبل، وملئوا أسقيتهم، ثم نظروا فإذا هي لم تجاوز العسكر. فهذا هو الأكمل في الاتباع: المشي مع قدر الله، مع متابعة الرسول ﷺ .

стр. 466

﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾. يقول تعالى، لائمًا لهم على نكولهم عن الجهاد، ودخولهم الأرض المقدسة لما قدموا من بلاد مصر صحبة موسى ﵇؛ فأُمروا بدخول الأرض المقدسة التي هي ميراث لهم عن أبيهم إسرائيل، وقتال من فيها من العماليق الكفرة، فنكلوا عن قتالهم، وضعفوا، واستحسروا؛ فرماهم الله (تعالى) (١) في التيه عقوبةً لهم، كما ذكره تعالى في "سورة المائدة". ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس، كما نص على ذلك السدى (٢)، والربيع (٣) بن أنس، وقتادة (٤)، [أبو مسلم الأصفهاني، وغير واحد. [وقد قال (الله) (٥) تعالى] (٦)، حاكيًا عن موسى: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ (وَلَا تَرْتَدُّوا) … ﴾ الآيات [المائدة: ٢١] (٧)] (٨). وقال آخرون: هي أريحا، [ويحكى عن ابن عباس، وعبد الرحمن (٩) بن زيد] (١٠)، وهذا بعيد؛ لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحا، [وأبعد من ذلك قول من ذهب إلى أنها مصر، حكاه (فخر الدين) (١١) (الرازي) (١٢) في "تفسيره" (١٣) والصحيح الأول: أنها بيت المقدس] (¬). (وكان (١٤) هذا) لما خرجوا من التيه بعد أربعين سنةً مع يوشع بن نون ﵇، وفتحها الله عليهم عشية جمعة، وقد حبست لهم الشمس يومئذ قليلًا حتى أمكن الفتح (١٥). [وأما "أريحا"، فقرية ليست مقصودةً لبني إسرائيل] (١٦). ولما فتحوها أُمروا أن يدخلوا الباب، باب البلد، ﴿سُجَّدًا﴾ أي: شكرًا لله تعالى على ما أنعم به عليهم من الفتح والنصر، ورد بلدهم عليهم، وإنقاذهم من التيه والضلال. قال العوفي (١٧) في "تفسيره"، عن ابن عباس إنه كان يقول في قوله (تعالى) (١٨): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ أي: ركعًا.

стр. 467

وقال ابن جرير (١): حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن المنهال بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس -[في قوله (تعالى) (٢)] (٣) ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكعًا من باب صغير. ورواه الحاكم من حديث سفيان به. ورواه ابن أبي حاتم من حديث سفيان - وهو الثوري - به؟ وزاد: فدخلوا من قبل أستاههم. [وقال الحسن البصري: أمروا أن يسجدوا على وجوههم حال دخولهم. واستبعده الرازي (٤). وحكى عن بعضهم أن المراد بالسجود (ها هنا) (٥) الخضوع لتعذر حمله على حقيقته] (٦). وقال خصيف (٧): قال عكرمة: قال ابن عباس: كان الباب قبل القبلة، وقال (ابن عباس، و) (٨) مجاهد (٩)، والسدي، وقتادة (١٠)، والضحاك: هو باب الحطة من باب إيلياء بيت المقدس، [وحكى الرازي عن بعضهم أنه عنى بالباب جهةً من جهات القبلة] (٨). وقال خصيف (١١): قال عكرمة: قال ابن عباس: فدخلوا على شق. وقال السدي (١٢)، عن أبي سعد الأزدي، عن أبي الكنود، عن عبد الله بن مسعود؛ قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا، فدخلوا مقنعي رؤوسهم؛ أي: رافعي رؤوسهم خلاف ما أمروا. [وقوله (تعالى) (١٣):] (١٤) ﴿وَقُولُوا (١٥) حِطَّةٌ﴾ قال الثوري (١٦)، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: مغفرة استغفروا. وروي عن عطاء (١٧)، والحسن (١٨)، وقتادة، والربيع (١٩) بن أنس نحوه. وقال الضحاك (٢٠)، عن ابن عباس: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قال: قولوا هذا الأمر حق، كما قيل لكم.

стр. 468

وقال عكرمة (١): قولوا: "لا إله إلا الله". [وقال الحسن، وقتادة: أي: احطط عنا خطايانا] (٢). وقال الأوزاعي (٣): كتب ابن عباس إلى رجل قد سماه، يسأله عن قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فكتب إليه أن أقروا بالذنب. ﴿نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ هذا جواب الأمر؛ أي: إذا فعلتم ما أمرناكم غفرنا لكم الخطيئات، وضاعفنا لكم الحسنات (٤). وحاصل الأمر أنهم أُمروا أن يخضعوا لله تعالى عند الفتح بالفعل والقول، وأن يعترفوا بذنوبهم، ويستغفروا منها، والشكر على النعمة عندها، والمبادرة إلى ذلك من المحبوب لله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ [النصر] فسره بعض الصحابة بكثرة الذكر والاستغفار عند الفتح والنصر. وفسره ابن عباس (٥) بأنه نعى إلى رسول الله ﷺ أجله فيها، وأقره على ذلك عمر ﵁. ولا منافاة بين أن يكون قد أُمر بذلك عند ذلك، ونُعى إليه روحه الكريمة أيضًا؛ ولهذا كان ﵊ يظهر عليه الخضوع جدًّا عند النصر؛ كما رُوي (٦) أنه كان يوم الفتح - فتح المكة - داخلًا إليها من الثنية العليا، وإنه لخاضع لربه حتى إن (عثنونه) (٧) ليمس مورك رحله (يشكر) (٨) الله على ذلك. ثم لما دخل البلد اغتسل وصلى ثماني ركعات؛ وذلك ضحًى؛ فقال بعضهم: هذه صلاة الضحى. وقال آخرون: بل هي صلاة الفتح (٩). فاستحبوا للإمام وللأمير إذا

стр. 469

فتح بلدًا أن يصلِّي فيه ثماني ركعات عند أول دخوله، كما فعل سعد بن أبي وقاص (١) ﵁ لما دخل إيوان كسرى؛ صلى فيه ثماني ركعات. والصحيح أنه يفصل بين كل ركعتين بتسليم؛ وقيل: يصليها كلها بتسليم واحد. والله أعلم. [وقد تكلم القرطبي (٢) ها هنا على مسألة رواية الحديث بالمعنى، وأطال الكلام فيها، وحكى عن الجمهور وعن محمد بن سيرين، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حيوة المنع، واختار ابن العربي (٣) المالكي أن ذلك يجوز (في زمن) (٤) الصحابة والتابعين لعلمهم باللغة، وقدرتهم على المطابقة، وأما من بعدهم فلا يجوز وقد أنكر بعض العلماء (٥) على ابن العربي التفرقة والله أعلم. قال وكيع: إن لم تكن الرواية بالمعنى فقد هلك الناس. وصدق وكيع. وقال الحسن البصري: إذا أصبت المعنى أجزأك. وقال قتادة عن زرارة: لقيت عدةً من الصحابة، فاختلفوا علي في اللفظ، واجتمعوا في المعنى] (٦). وقوله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾: قال البخاري (٧): (حدثني) (٨) محمد، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن ابن المبارك، عن معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، قال: "قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم، فبدلوا وقالوا حبة في شعرة". ورواه النسائي، عن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم، عن عبد الرحمن (بن مهدي) (٩) به - موقوفًا؛ وعن محمد بن عبيد بن محمد، عن ابن المبارك ببعضه مسندًا في قوله تعالى: ﴿حِطَّةٌ﴾ قال: [فبدلوا (فقالوا) (١٠)] (١١) حبة.

стр. 470

وقال عبد (١) الرزاق: أنبأنا معمر، عن همام بن منبه - أنه سمع أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ : "قال الله لبني إسرائيل: ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ فبدلوا ودخلوا الباب يزحفون على أستاههم: فقالوا: حبة في شعرة. وهذا حديث صحيح رواه البخاري، عن إسحاق بن نصر، ومسلم، عن محمد بن رافع، والترمذي عن (عبد) (٢) بن حميد، كلهم عن عبد الرزاق، به. وقال الترمذي: "حسن صحيح" (٣). وقال محمد بن (٤) إسحاق: كان تبديلهم كما حدثني صالح بن كيسان، عن صالح مولى التوأمة، عن أبي هريرة، وعمن لا أتهم، عن ابن عباس - أن رسول الله ﷺ قال: "دخلوا الباب - الذي أُمروا أن يدخلوا فيه سجدًا - يزحفون: على أستاههم، وهم يقولون: حنطة في شعيرة". وقال أبو (٥) داود: حدثنا أحمد بن صالح، وحدثنا سليمان بن داود، حدثنا عبد الله بن وهب، حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري (﵁) (٦) عن النبي ﷺ : "قال الله لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجدًا وقولها حطة نغفر لكم خطاياكم"؛ ثم قال (٧) أبو داود: حدثنا جعفر بن مسافر، حدثنا ابن أبي فديك، عن هشام (بمثله) (٨). هكذا رواه منفردًا به في "كتاب الحروف" مختصرًا. وقال ابن مردويه (٩): حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إبراهيم بن (فهد) (١٠)، حدثنا أحمد بن محمد بن المنذر القزاز، حدثنا محمد بن إسماعيل بن (أبي) (١١) فديك، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري؛ قال: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى

стр. 471

إذا كان من آخر الليل (أجزنا) (١) في (ثنية) (٢) يقال لها: "ذات الحنظل"؛ فقال رسول الله ﷺ : "ما مثل هذه الثنية الليلة إلا كمثل الباب الذي قال الله لبني إسرائيل ادخلوا الباب سجدًا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم". وقال سفيان (٣) الثوري: عن أبي إسحاق، عن البراء: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٢] قال اليهود: قيل لهم: ادخلوا الباب سجدًا - قال: رُكعًا، وقولوا حطة؛ أي: مغفرة؛ فدخلوا على أستاههم، وجعلوا يقولون: حنطة حمراء فيها شعيرة؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. وقال الثوري (٤)، عن السدي، عن أبي سعد الأزدي، عن أبي الكنود، عن ابن مسعود: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ (فقالوا (٥): حنطة) حبة حمراء فيها شعيرة؛ فأنزل الله: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. وقال أسباط (٦)، عن السدي، عن مرة، عن ابن مسعود: أنه قال: إنهم قالوا: "هطا سمعاثا أزبة مزبا"؛ فهي بالعربية حبة حنطة حمراء (مثقوبة) (٧) فيها شعرة سوداء؛ فذلك قوله (تعالى) (٨): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. وقال الثوري (٩)، عن الأعمش، عن المنهال، عن سعيد، عن ابن عباس في قوله (تعالى) (٣): ﴿وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا﴾ قال: رُكعًا من باب صغير، (يدخلون) (١٠) (فيه) (١١) من قبل أستاههم،

стр. 472

وقالوا: حنطة؛ (فهو) (١) قوله (تعالى) (٢): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾. وهكذا روى عن عطاء، ومجاهد (٣)، وعكرمة (٤)، والضحاك، والحسن (٥)، وقتادة (٥)، والربيع (٦) بن أنس، ويحيى بن رافع. وحاصل ما ذكره المفسرون، وما دل عليه السياق (من الحديث) (٧) أنهم بدلوا أمر الله لهم من الخضوع بالقول والفعل، فأمروا أن يدخلوا سجدًا، فدخلوا يزحفون على أستاههم (من قبل أستاههم) (٨)، رافعي رؤوسهم. وأُمروا أن يقولوا حطة؛ أي: احطط عنا ذنوبنا (وخطايان) (٩) فاستهزوا فقالوا: حنطة في (شعرة) (١٠). وهذا في غاية ما يكون من المخالفة والمعاندة؛ ولهذا أنزل الله بهم بأسه وعذابه بفسقهم؛ وهو خروجهم عن طاعته. ولهذا قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾. وقال الضحاك (١١)، عن ابن عباس: كل شيء في كتاب الله من الرجز يعني به العذاب. وهكذا روى عن مجاهد، وأبي مالك، والسدي، والحسن، وقتادة (١٢) - أنه العذاب. وقال أبو العالية (١٣): الرجز: الغضب. وقال الشعبي (١٤): الرجز: إما الطاعون، وإما البرد. وقال سعيد بن جبير: هو الطاعون. وقال ابن أبي (١٥) حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا وكيع، عن سفيان، عن حبيب بن أبي ثابت، عن إبراهيم بن سعد - يعني: ابن أبي وقاص -، عن سعد بن مالك، وأُسامة بن زيد، وخزيمة بن ثابت ﵃؛ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "الطاعون رجز عذاب عُذب به من كان قبلكم". وهكذا رواه النسائي من حديث سفيان الثوري، به.

стр. 473

وأصل الحديث في "الصحيحين" (١) من حديث حبيب بن أبي ثابت: "إذا سمعتم بالطاعون بأرض فلا تدخلوها … " الحديث. قال ابن جرير (٢): أخبرني يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب، عن يونس، عن الزهري؛ قال: (أخبرني) (٣) عامر بن سعد بن أبي وقاص؛ عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ ؛ قال: "إن هذا الوجع (أو) (٤) السقم رجز عذب به بعض الأمم قبلكم". وهذا الحديث أصله مخرج في "الصحيحين" من حديث الزهري؛ ومن حديث مالك (٥)، عن محمد بن المنكدر، وسالم بن أبي النضر، عن عامر بن سعد بنحوه. ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾. يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إجابتي لنبيكم موسى ﵇ حين استسقاني لكم، وتيسيري لكم الماء، وإخراجه لكم من حجر يحمل معكم، (وتفجير) (٦) الماء لكم منه من ثنتي عشرة عينًا، لكل سبط من أسباطكم عين قد (عرفوها) (٧) فكلوا من المن والسلوى، واشربوا من هذا الماء الذي أنبعته لكم بلا سعى منكم ولا كد، واعبدوا الذي سخر لكم ذلك؛ ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ولا تقابلوا النعم بالعصيان فتسلبوها. وقد بسطه المفسرون في كلامهم، كما قال ابن عباس (﵁) (٨) وجعل بين ظهرانيهم حجر مربع، وأمر موسى ﵇، فضربه بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، في كل ناحية منه ثلاث عيون، وأعلم كل سبط عينهم يشربون منها، لا يرتحلون من (مَنْقَلَة) (٩) إلا وجدوا ذلك معهم بالمكان الذي كان منهم بالمنزل الأول. وهذا قطعةٌ من الحديث الذي رواه النسائي (١٠)، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وهو حديث الفتون الطويل. وقال عطية (١١) العوفي: وجعل لهم (حجر) (١٢) مثل رأس الثور، يحمل على ثور؛ فإذا نزلوا

стр. 474

منزلًا وضعوه، فضربه موسى (عليه (١) السلام) بعصاه، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، فإذا ساروا حملوه على ثور، فاستمسك الماء. وقال عثمان (٢) بن عطاء الخراساني، عن أبيه: كان لبني إسرائيل حجر، فكان يضعه هارون، ويضربه موسى بالعصا. وقال قتادة (٣): كان حجرًا طوريًا من الطور، يحملونه معهم، حتى إذا نزلوا ضربه موسى بعصاه. [وقال الزمخشري (٤): وقيل كان من رخام، وكان ذراعًا في ذراع. وقيل: مثل رأس الإنسان. وقيل: كان من (آس) (٥) الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى، وله شعبتان تتقدان في الظلمة، وكان يحمل على حمار. قال (٦): وقيل: أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب، فدفعه إليه مع العصا. وقيل: هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل، فقال له جبريل: ارفع هذا الحجر، فإن فيه قدرةً، ولك فيه معجزة؛ فحمله في مخلاته. قال الزمخشري (٤): ويحتمل أن تكون اللام للجنس لا للعهد؛ أي: اضرب الشيء الذي يقال له: الحجر] (٧). [وعن الحسن: لم يأمره أن يضرب حجرًا بعينه. قال (٨): وهذا أظهر في المعجزة، وأبين في القدرة؛ فكان يضرب الحجر بعصاه فينفجر، ثم يضربه فييبس؛ فقالوا: إن فقد موسى (عصاه) (٩) عطشنا؛ فأوحى الله إليه أن يكلم الحجارة فتنفجر، ولا يمسها بالعصا لعلهم يقرون. والله أعلم] (١٠). وقال يحيى (١١) بن النضر: قلت لجويبر: كيف علم كل أناس مشربهم؟ قال: كان موسى يضع الحجر، ويقوم من كل سبط رجل، ويضرب موسى الحجر فينفجر منه اثنتا عشرة عينًا، فينضح من كل عين على رجل فيدعو ذلك الرجل سبطه إلى تلك العين. [وقال الضحاك (١٢): قال ابن عباس: لما كان بنو إسرائيل في التيه شق لهم من الحجر أنهارًا] (١٣)، وقال (سفيان) (١٤) الثوري، عن أبي سعيد، عن عكرمة، عن ابن عباس (١٥)؛ قال:

стр. 475

ذلك في التيه ضرب لهم موسى الحجر، فصار منه اثنتا عشرة عينًا من ماءٍ، لكل سبط منهم عين يشربون منها. وقال مجاهد (١) نحو قول ابن عباس. وهذه القصة شبيهة بالقصة التي في "سورة الأعراف"، ولكن تلك مكية، فلذلك كان الإخبار عنهم بضمير الغائب؛ لأن الله تعالى يقص على رسوله ﷺ ما فعل بهم. (وأما) (٢) في هذه السورة وهي "البقرة" فهي مدنية؛ فلهذا كان الخطاب (فيها) (٣) متوجهًا إليهم، وأخبر هناك بقوله: ﴿فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [الأعراف: ١٦٠] وهو أول الانفجار. وأخبر ها هنا بما آل إليه الحال آخرًا، وهو الانفجار؛ فناسب ذكر (هذا) (٤) ها هنا وذاك هناك. والله أعلم. (٥) [وبين السياقين تباين من عشرة أوجه لفظية ومعنوية، قد سأل عنها (الرازي) (٦) في "تفسيره (٧)، وأجاب عنها بما عنده، والأمر في ذلك قريب. والله أعلم"] (٥). ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في إنزالي عليكم المن والسلوى طعامًا طيبًا نافعًا، هنيئًا سهلًا؛ واذكروا دَبَركم (٨) وضجركم مما (رزقناكم) (٩)، وسؤالكم موسى استبدال ذلك بالأطعمة الدنيئة (١٠) من البقول ونحوها مما سألتم. وقال الحسن البصري: فبطروا ذلك (ولم) (١١) يصبروا عليه، وذكروا عيشهم الذي كانوا فيه،

стр. 476

وكانوا قومًا أهل أعداس وبصل (وبقول) (١) وفوم؛ فقالوا: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا﴾ (٢) [وإنما قالوا على طعام واحد، وهم يأكلون المن والسلوى؛ لأنه لا (يتبدل) (٣) ولا يتغير كل يوم؛ فهو مأكل واحد] (٤). فالبقول والقثاء والعدس والبصل كلها معروفة. وأما الفوم فقد اختلف السلف في معناه؛ فوقع في قراءة (٥) ابن مسعود؛ "وثومها" بالثاء. وكذا فسره مجاهد (٦) في رواية ليث بن أبي سليم عنه بالثوم. وكذا الربيع (٧) بن أنس، وسعيد بن جبير. وقال ابن أبي (٨) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن رافع، حدثنا أبو عمارة يعقوب بن إسحاق البصري، عن يونس، عن الحسن في قوله: (﴿وَفُومِهَا﴾)؛ قال: قال ابن عباس: الثوم. قال: وفي اللغة القديمة: فوِّموا لنا بمعنى اختبزوا. وقال ابن جرير (٩): فإن كان ذلك صحيحًا فإنه من الحروف المبدلة؛ كقولهم: وقعوا في عاثور شر وعافور شر، وأثافي وأثاثي، ومغافير ومغاثير، وأشباه ذلك مما تقلب الفاء ثاءً والثاء فاءً لقرب مخرجيهما. والله أعلم. وقال آخرون: الفوم: الحنطة، وهو البر الذي يعمل منه الخبز. قال ابن أبي (١٠) حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى قراءةً، أنبأنا ابن وهب قراءةً، حدثني

стр. 477

نافع بن أبي نعيم - أن ابن عباس سئل عن قول الله: ﴿وَفُومِهَا﴾ ما فومها؟ قال: الحنطة. قال ابن عباس: أما سمعت قول أحيحة بن الجلاح، وهو يقول: قد كنت أغنى الناس شخصًا واحدًا … ورد المدينة عن زراعة فوم وقال ابن (١) جرير: حدثنا علي بن الحسن، [حدثنا مسلم (الجرمي) (٢)] (٣)، حدثنا عيسى بن يونس، عن (رشدين بن كريب) (٤)، عن أبيه، عن ابن عباس، في قول الله تعالى: ﴿وَفُومِهَا﴾ (قال: الفوم) (٥): الحنطة بلسان بني هاشم. [وكذا قال علي (٦) بن أبي طلحة، (و) (٧) الضحاك (٨)، عن ابن عباس؛ وعكرمة (٩)، عن ابن عباس إن الفوم: الحنطة] (١٠). وقال سفيان (١١) الثوري: عن ابن جريج، عن مجاهد، وعطاء: ﴿وَفُومِهَا﴾ قالا: خبزها. وقال هشيم (١٢)، عن يونس، عن الحسن، وحصين، عن أبي مالك: ﴿وَفُومِهَا﴾ قال: الحنطة. وهو قول عكرمة، والسدي (١٣)؛ والحسن البصري (١٤)، وقتادة (١٤)، وعبد الرحمن (١٥) بن زيد بن أسلم، وغيرهم. فالله أعلم. [وقال الجوهري: الفوم: الحنطة. وقال ابن دريد: السنبلة. وحكى القرطبي (١٦)، عن عطاء وقتادة - أن الفوم كل حب يختبز. قال: وقال بعضهم: هو الحمص، لغة شامية، ومنه يقال لبائعه: فاميٌّ مغير عن فومي] (١٧).

стр. 478

قال البخاري: وقال بعضهم: الحبوب التي تأكل كلها فوم. وقوله تعالى: ﴿(قَالَ) (١) أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (فيه) (٢) تقريع لهم، وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مع ما هم فيه من العيش الرغيد، والطعام الهنيء الطيب النافع. وقوله (تعالى) (٣): ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ هكذا هو منونٌ مصروف مكتوب بالألف في المصاحف الأئمة العثمانية، وهو قراءة الجمهور بالصرف. قال ابن جرير (٤): ولا أستجيز القراءة بغير ذلك، لإجماع المصاحف على ذلك. وقال ابن عباس: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قال: مصرًا من الأمصار. رواه ابن (٥) أبي حاتم من حديث أبي (سعد) (٦) البقال سعيد بن المرزبان، عن عكرمة، عنه؛ قال (٧): وروي عن السدي (٨)، وقتادة (٩)، والربيع (١٠) بن أنس نحو ذلك. وقال ابن جرير (١١): وقع في قراءة أُبي بن كعب وابن مسعود "اهبطوا مصر" من غير إجراء؛ يعني: من غير صرف؛ ثم روي عن أبي العالية (١٢) والربيع بن أنس أنهما فسرا ذلك بمصر فرعون. [وكذا رواه ابن أبي حاتم (١٣) عن (أبي العالية) (١٤)، وعن الأعمش (١٥) أيضًا. قال ابن جرير: ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون] (١٦) على قراءة الإجراء أيضًا. ويكون ذلك من باب الاتباع لكتابة المصحف؛ كما في قوله (تعالى) (١٧): ﴿قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ﴾ [الإنسان: ١٥، ١٦] ثم توقف في المراد ما هو؟ أمصر فرعون، أم مصر من الأمصار؟

стр. 479

وهذا الذي قاله فيه نظر. والحق أن المراد مصر من الأمصار، كما روي عن ابن عباس وغيره. والمعنى على ذلك؛ لأن موسى ﵇ يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز؛ بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه. ولهذا قال: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾ أي: ما طلبتم؛ ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر، ولا ضرورة فيه، لم يجابوا إليه. والله أعلم. ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾. يقول تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ أي: وضعت عليهم، وألزموا بها شرعًا وقدرًا؛ أي: لا يزالون (مستذلين) (١)؛ من وجدهم استذلهم، وأهانهم، وضرب عليهم الصغار؛ وهم (مع) (٢) ذلك في أنفسهم أذلاء (مستكينون) (٣). قال الضحاك (٤)، عن ابن عباس - (في قوله) (٥): ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ قال: هم أصحاب القبالات؛ يعني: (أصحاب) (٤) الجزية. وقال عبد الرزاق (٦)، عن معمر، عن الحسن، وقتادة - في قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قالا: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون. وقال الضحاك (٧): وضربت عليهم الذلة - قال: الذل. وقال الحسن (٨): أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم تحت أقدام المسلمين؛ ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية. وقال أبو العالية (٩)، والربيع بن أنس، والسدي (١٠): المسكنة: الفاقة.

стр. 480

وقال عطية (١) العوفي: الخراج. وقال الضحاك (٢): الجزية. وقوله (تعالى): (٣) ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الضحاك (٤): استحقوا الغضب من الله. وقال الربيع (٥) بن أنس: فحدث عليهم غضب من الله. وقال سعيد بن (٦) جبير: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يقول: استوجبوا سخطًا. وقال ابن (٧) جرير: يعني بقوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ انصرفوا ورجعوا. ولا يقال: "باء" إلا موصولًا إما بخير وإما بشر؛ يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء (به) (٨) بوءًا (وبواء) (٢)؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] يعني: تنصرف متحملهما، وترجع بهما قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام: إذا رجعوا منصرفين متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط. وقوله (تعالى) (٩): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة وإحلال الغضب (بهم) (١٠) بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع، وهم الأنبياء وأتباعهم؛ فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا (كبر) (١١) أعظم من هذا؛ إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق؛ ولهذا جاء في الحديث "المتفق على (١٢) صحته" - أن رسول الله ﷺ قال: "الكبر بطر الحق وغمط الناس". وقال الإمام أحمد (١٣) ﵀: حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن

стр. 481

حميد بن عبد الرحمن؛ قال: قال ابن مسعود: كنت لا أُحجب عن النجوى، ولا عن كذا ولا عن كذا، فأتيت رسول الله ﷺ وعنده مالك بن مرارة الرهاوي، (فأدركت) (١) من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله؛ قد قُسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحدًا من النَّاس فضلني بشراكين فما فوقهما؛ أليس ذلك هو البغي؟ فقال: لا، ليس ذلك من البغي، ولكن البغي من بطر"، أو قال: "سفه الحق، وغمط الناس"؛ يعني: رد الحق، وانتقاص الناس، والازدراء بهم، والتعاظم عليهم. ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله، وقتلهم أنبياءه أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وكساهم ذلًا في الدنيا موصولًا بذل الآخرة جزاءً وفاقًا. قال أبو داود (٢) الطيالسي: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود؛ قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم (من) (٣) آخر النهار. وقد قال الإمام (٤) أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله - يعني: ابن مسعود - أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبيًا، وإمام ضلالة، وممثل من الممثلين". وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به؛ أنهم كانوا يعصون ويعتدون؛ فالعصيان: فعل المناهى. والاعتداء: المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به. والله أعلم. ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾. لما بيَّن تعالى حال من خالف أوامره، وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما (لا) (٥) إذن فيه، وانتهك المحارم؛ وما أحل بهم من النكال، نبَّه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاءً الحُسنى.

стр. 482

وكذلك الأمر إلى قيام الساعة: كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه؛ كما قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ [فصلت]. قال ابن أبي (١) حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر (العدني) (٢)، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد؛ قال: قال سلمان (﵁) (٣): سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم؛ (فذكر) (٤) من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ﴾ إلى آخر الآية. وقال المسدي (٥): ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية نزلت في أصحاب سلمان الفارسي؛ بينا هو يحدث النبي ﷺ إذ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم؛ فقال: كانوا يصلون ويصومون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًا. فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم قال له نبي الله ﷺ : "يا سلمان؛ هم من أهل النار"؛ فاشتد ذلك على سلمان؛ فأنزل الله هذه الآية؛ فكان إيمان اليهود أنه [من تمسك بالتوراة وسنة موسى ﵇ حتى جاء عيسى؛ فلما جاء عيسى كان] (٦) من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى فلم يدعها ولم يتبع عيسى كان هالكًا. وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنًا مقبولًا منه حتى جاء محمد ﷺ ، فمن لم يتبع محمدًا ﷺ منهم ويدع ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل كان هالكًا. وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا. (قلت) (٧): وهذا لا ينافي ما روى علي بن (٨) أبي طلحة، عن ابن عباس: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 483

وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية: فأنزل الله (تعالى) (١) بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾ [آل عمران]؛ فإن هذا الذي قاله ابن عباس إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقةً ولا عملًا إلا ما كان موافقًا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه بما بعثه به؛ فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدًى وسبيل نجاة؛ فاليهود أتباع موسى ﵇ الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم. واليهود: من الهوادة وهي المودة، أو التهود وهى التوبة؛ كقول موسى ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تبنا؛ فكأنهم سُموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم (لبعض) (٢). [وقيل: لنسبتهم إلى يهودا أكبر أولاد يعقوب وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون؛ أي: يتحركون عند قراءة التوراة] (٣). فلما بعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم. وقد يقال لهم أنصار أيضًا، كما قال عيسى ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقيل: إنهم سموا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها: "ناصرة". قاله قتادة (٤) وابن جريج (٥)، وروي عن ابن (٦) عباس أيضًا. والله أعلم. والنصارى: جمع نصران؛ كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران؛ ويقال للمرأة: "نصرانة"؛ قال الشاعر (٧): نصرانة لم تحنَّف فلما بعث الله محمدًا ﷺ خاتمًا للنبيين، ورسولًا إلى بني آدم على الإطلاق، ووجب عليهم

стр. 484

تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر؛ وهؤلاء هم المؤمنون حقًّا. وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين، لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. وأما الصابئون فقد اختُلف فيهم؛ فقال سفيان (١) الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين. وكذا رواه ابن أبي نجيح عنه. وروي عن عطاء (٢)، وسعيد (٣) بن جبير نحو ذلك. وقال أبو العالية (٤)، والربيع بن أنس، والسدي (٥) وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والضحاك، [وإسحاق بن راهويه] (٦): الصابئون: فرقة من أهل الكتاب يقرءون الزبور. [ولهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم] (٦). وقال هشيم (٧)، عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة، فحدثه رجل من (أهل) (٨) البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس. فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك! وقال عبد الرحمن (٩) بن مهدي، عن معاوية بن عبد الكريم، سمعت الحسن ذكر الصابئين فقال: هم قوم يعبدون الملائكة. [وقال ابن جرير (١٠): حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحسن؛ قال: أُخبر زياد أن الصابئين يصلُّون إلى القبلة، ويصلُّون الخمس، قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية؛ قال: فخُبر بعد أنهم يعبدون الملائكة] (١١).

стр. 485

وقال أبو جعفر الرازي (١): بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرءون الزبور، ويصلون للقبلة. وكذا قال سعيد بن أبي (٢) عروبة عن قتادة. وقال ابن (٣) أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه؛ قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بـ "كوثى" (٤)، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يومًا، ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات. وسئل وهب (٥) بن منبه عن الصابئين؛ فقال: (الذي) (٦) يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها، ولم يحدث كفرًا. وقال عبد الله (٧) بن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون: أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل، ولا كتاب، ولا نبي إلا قول: لا إله إلا الله. قال: ولم يؤمنوا برسول؛ فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون يشبهونهم بهم؛ يعني: في قول: لا إله إلا الله. [وقال الخليل: هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون أنهم على دين نوح ﵇. وحكى القرطبي (٨)، عن مجاهد، والحسن، وابن أبي نجيح: أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، (قال ابن عباس) (٩): ولا تنكح نساؤهم. قال القرطبي (٨): والذي تحصَّل من مذهبهم، فيما ذكره بعض العلماء، أنهم موحدون، ويعتقدون تأثير النجوم، وأنها (فعالة) (١٠)؛ ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم] (١١). [واختار (فخر الدين) (١٢) الرازي (١٣) أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب؛ بمعنى أن الله جعلها قبلةً للعبادة والدعاء؛ أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها؛ قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشدانيين (١٤) الذين جاءهم إبراهيم (الخليل) (١٢) ﵇ رادًا عليهم، ومبطلًا لقولهم] (١٥). وأظهر الأقوال - والله أعلم - قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه أنهم قوم ليسوا على دين

стр. 486

اليهود، ولا النصارى، ولا المجوس، ولا المشركين؛ وإنما هم قوم باقون على فطرتهم، ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئ؛ أي: قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك. وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي. والله أعلم. ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾. يقول تعالى، مذكرًا بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق، بالإيمان، به وحده لا شريك له، واتباع رسله؛ وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق رفع الجبل فوق رؤوسهم، ليقروا بما عوهدوا عليه، (ويأخذوه) (١) بقوة (وحزم) (٢) (وهمة) (٣) وامتثال؛ كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧١)﴾ [الأعراف]. فالطور: هو الجبل (كما فسر بآية "الأعراف" (٤)) ونص على ذلك ابن عباس (٥)، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، والضحاك، والربيع بن أنس، وغير واحد. وهذا (ظاهر) (٦). وفي رواية عن ابن عباس (٧): الطور: ما أنبت من الجبال، وما لم ينبت فليس بطور. وفي "حديث الفتون"، عن ابن عباس أنهم لما امتنعوا عن الطاعة رفع عليهم الجبل ليسمعوا. وقال السدي (٨): فلما أبوا أن يسجدوا أمر الله الجبل أن يقع عليهم، فنظروا إليه، وقد غشيهم، فسقطوا سجدًا فسجدوا على شق، ونظروا بالشق الآخر؛ فرحمهم الله، فكشفه عنهم؛ فقالوا: والله ما سجدة أحب إلى الله من سجدة كشف بها العذاب عنهم؛ فهم يسجدون كذلك. وذلك قول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾. وقال الحسن (٩) .......................................................................

стр. 487

في قوله: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ يعني: (التوراة) (١). وقال أبو العالية (٢)، والربيع بن أنس: ﴿بِقُوَّةٍ﴾ أي: بطاعة. وقال مجاهد (٣): ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بعمل بما فيه. وقال قتادة (٤): ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ القوة: الجد وإلا قذفته عليكم؛ قال: فأقروا بذلك أنهم يأخذون ما أوتوا بقوة. ومعنى قوله: وإلا قذفته عليكم؛ أي: أسقطته عليكم؛ يعني: الجبل. وقال أبو العالية (٥)، والربيع (٦): ﴿وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ يقول: اقرءوا ما في التوراة، واعملوا به. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ﴾ يقول تعالى: ثم بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه، وأنثنيتم، ونقضتموه؛ ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ أي: (بتوبته) (٧) عليكم، وإرساله النبيين والمرسلين إليكم ﴿لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة. ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾. يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ يا معشر اليهود ما حل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله، وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، (والقيام) (٨)، بأمره؛ إذ كان مشروعًا لهم؛ فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما (وضعوه) (٩) لها من (الشصوص) (١٠) والحبائل والبرك قبل يوم السبت؛ فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة (نشبت) (١١) بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك؛ فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت؛ فلما فعلوا ذلك مسخهم الله إلى صورة القردة، وهي أشبه شيءٍ بالأناسي في الشكل الظاهر،

стр. 488

وليست بإنسان حقيقةً؛ فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهةً للحق في الظاهر، ومخالفةً له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم. وهذه القصة مبسوطة في "سورة الأعراف" حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣)﴾ [الأعراف] القصة بكمالها. وقال السدي (١): أهل هذه القرية هم أهل أيلة، وكذا قال قتادة. وقوله [تعالى: ﴿فَقُلْنَا (٢) لَهُمْ] كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾. قال ابن (٣) أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو حذيفة، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردةً؛ وإنما هو مثل ضربة الله ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]. ورواه ابن جرير عن المثنى، عن أبي حذيفة؛ وعن (محمد بن عمرو) (٤) الباهلي؛ عن أبي عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، به. وهذا سند جيد عن مجاهد، وقول غريب خلاف الظاهر من السياق في هذا المقام، وفي غيره. قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ الآية [المائدة: ٦٠]. وقال العوفي في "تفسيره" (٥)، عن ابن عباس: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فجعل الله منهم القردة والخنازير؛ فزعم أن شباب القوم صاروا قردةً، وأن المشيخة صاروا خنازير. وقال شيبان النحوي (٦)، عن قتادة: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فصار القوم قردةً تعاوى، لها أذناب بعد ما كانوا رجالًا ونساءً. وقال عطاء الخراساني (٧): نودوا: يا أهل القرية؛ ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ فجعل الذين نهوهم

стр. 489

يدخلون عليهم، فيقولون: يا فلان، ألم ننهك؟ فيقولون برؤوسهم؛ أي: بلى. وقال ابن (١) أبي حاتم: حدثنا علي بن (الحسين) (٢)، حدثنا عبد الله بن محمد بن ربيعة، بالمصيصة، حدثنا محمد بن مسلم - يعني: الطائفي، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس؛ قال: إنما كان الذين اعتدوا في السبت، فجعلوا قردة فواقًا (٣)، ثم هلكوا، ما كان للمسخ نسل. وقال الضحاك (٤)، عن ابن عباس: فمسخهم الله قردةً بمعصيتهم؛ يقول: إذ لا يحيون في الأرض إلا ثلاثةً أيام. قال: ولم يعش (مسخ) (٥) قط فوق ثلاثة أيام، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينسل. وقد خلق الله القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة الأيام التي (ذكر) (٦) الله في "كتابه"، فمسخ هؤلاء القوم في صورة القردة؛ وكذلك يفعل بمن يشاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء. وقال (٧) أبو جعفر (الرازي) (٨)، عن الربيع، عن أبي العالية، في قوله: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ قال: يعني: أذلةً صاغرين. وروى عن مجاهد (٩)، وقتادة (١٠)، والربيع (١١)، وأبي مالك، نحوه. وقال محمد بن (١٢) إسحاق، عن داود بن (الحصين) (١٣)، عن عكرمة؛ قال: قال ابن عباس: إن الله إنما افترض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم في عيدكم: يوم الجمعة، فخالفوا إلى السبت فعظموه، وتركوا ما أمروا به؛ فلما أبو إلا لزوم السبت، ابتلاهم الله فيه، فحرم عليهم ما أحل لهم في غيره؛ وكانوا في قرية بين "أيلة" "والطور" يقال لها: "مدين"؛ فحرم الله عليهم في السبت الحيتان: صيدها وأكلها؛ وكانوا إذا كان يوم السبت أقبلت إليهم شرعًا إلى ساحل بحرهم، حتى إذا ذهب السبت ذهبن [فلم يروا حوتًا صغيرًا ولا كبيرًا، حتى إذا كان يوم السبت أتين شرعًا حتى إذا ذهب السبت ذهبن] (١٤)؛ فكانوا كذلك، حتى طال عليهم الأمد،

стр. 490

وقرموا (١) إلى الحيتان - عمد رجل منهم فأخط حوتًا سرًا يوم السبت (فخزمه) (٢) (بخيط) (٣) ثم أرسله في الماء، وأوتد له وتدًا في الساحل فأوثقه؛ ثم تركه حتى إذا كان الغد جاء فأخذه؛ أي: إني لم آخذه في يوم السبت، فانطلق به فأكله، حتى إذا كان يوم السبت الآخر عاد لمثل ذلك. ووجد الناس ريح الحيتان، فقال أهل القرية: والله! لقد وجدنا ريح الحيتان؛ ثم عثروا على (صنع) (٤) ذلك الرجل. قال: ففعلوا كما فعل، (وأكلوا) (٥) سرًا زمانًا طويلًا لم يعجل الله عليهم (بعقوبة) (٦)، حتى صادوها علانيةً، وباعوها (بالأسواق) (٧)؛ فقالت طائفة منهم من أهل البقية: ويحكم، اتقوا الله؛ ونهوهم عما (كانوا) (٨) يصنعون؛ فقالت طائفة أخرى لم تأكل الحيتان ولم تنه القوم عما صنعوا ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٤] (لسخطنا) (٩) أعمالهم ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. قال ابن عباس: فبينما هم على ذلك أصبحت تلك البقية في أنديتهم ومساجدهم؛ (فقدوا) (١٠) الناس فلم يروهم؛ قال: فقال بعضهم لبعض: إن للناس (لشأنًا) (١١)، فانظروا ما هو؟ فذهبوا ينظرون في دورهم، فوجدوها مغلقةً عليهم، قد دخلوها ليلًا فغلقوها على أنفسهم، كما يغلق الناس على أنفسهم؛ فأصبحوا فيها قردةً؛ وإنهم ليعرفون الرجل بعينه، وإنه لقرد، والمرأة بعينها وإنها لقردة، والصبي بعينه وإنه لقرد. قال: (يقول) (١٢) ابن عباس: فلولا ما ذكر الله أنه (أنجى) (١٣) الذين نهوا عن السوء لقد أهلك الله الجميع منهم. قال: وهي القرية التي قال جل ثناؤه لمحمد ﷺ : ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ … ﴾ [الأعراف: ١٦٣]. وروى الضحاك (١٤)، عن ابن عباس نحوًا من هذا. وقال السدي (١٥) في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ قال: هم أهل أيلة؛ وهي القرية التي كانت حاضرة البحر؛ فكانت الحيتان إذا كان يوم السبت، وقد حرم الله على اليهود أن يعملوا في السبت شيئًا، لم يبق في البحر حوت إلا خرج، حتى يخرجن خراطيمهن من الماء؛ فإذا كان يوم الأحد لزمن (مقل) (١٦) البحر، فلم ير

стр. 491

منهن شيء، حتى يكون يوم السبت؛ فذلك قوله (تعالى) (١): ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] فاشتهى بعضهم السمك، فجعل الرجل يحفر الحفيرة، ويجعل لها نهرًا إلى البحر؛ فإذا كان يوم السبت فتح النهر، فأقبل الموج بالحيتان يضربها حتى يلقيها في الحفيرة، فيريد الحوت أن يخرج فلا يطيق من أجل قلة ماء النهر، فيمكث (فيها) (٢)؛ فإذا كان يوم الأحد جاء فأخذه، فجعل الرجل يشوي السمك، فيجد جاره (روائحه) (٢)، فيسأله فيخبره فيصنع مثل ما صنع جاره، حتى فشا فيهم أكل السمك؛ فقال لهم علماؤهم: ويحكم! إنما تصطادون يوم السبت، وهو لا يحل لكم، فقالوا: إنما صدناه يوم الأحد حين أخذناه. فقال (الفقهاء) (٣): لا، ولكنكم صدتموه يوم (فتحتم) (٤) له الماء فدخل. قال: (وغلبوا) (٥) أن ينتهوا؛ فقال بعض الذين نهوهم لبعض: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤]، يقول: لم تعظونهم وقد وعظتموهم فلم يطيعوكم؟ فقال بعضهم: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٤]. فلما أبوا قال المسلمون: والله لا نساكنكم في قرية واحدة، فقسموا القرية بجدار، ففتح المسلمون بابًا، والمعتدون في السبت بابًا، ولعنهم داود ﵇ فجعل المسلمون يخرجون من بابهم، والكفار من بابهم؛ فخرج المسلمون ذات يوم ولم يفتح الكفار بابهم؛ فلما أبطئوا عليهم تسور المسلمون عليهم الحائط فإذا هم قردة، يثب بعضهم على بعض، ففتحوا عنهم؛ فذهبوا في الأرض؛ فذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾ [الأعراف] وذلك حين يقول: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ … ﴾ (الآية) (٦) [المائدة: ٧٨] فهم القردة. قلت: والغرض من هذا السياق عن هؤلاء الأئمة بيان خلاف ما ذهب إليه مجاهد ﵀ من أن مسخهم إنما كان معنويًا لا صوريًا؛ بل الصحيح أنه (معنوي صوري) (٧) والله (تعالى) (٢) أعلم. وقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا [نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا] (٨)﴾ قال بعضهم: الضمير في "فجعلناها" عائد على القردة. وقيل: على الحيتان. وقيل: على العقوبة. وقيل: على القرية. حكاها ابن جرير. والصحيح أن الضمير عائد على القرية؛ أي: فجعل الله هذه القرية؛ والمراد أهلها بسبب اعتدائهمِ في سبتهم ﴿نَكَالًا﴾ أي: عاقبناهم عقوبةً، فجعلناها عبرةً؛ كما قال الله على فرعون: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾ [النازعات: ٢٥].

стр. 492

وقوله (تعالى) (١): ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: من القرى. قال ابن عباس: يعني جعلناها بما أحللنا بها من العقوبة عبرةً لما حولها من القرى؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾ [الأحقاف] ومنه قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا … ﴾ الآية [الرعد: ٤١] على أحد الأقوال. فالمراد: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ في المكان، كما قال محمد بن (٢) إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من القرى، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ من القرى. وكذا قال سعيد (٣) بن جبير: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ (قال) (٤): (من) (٥) بحضرتها من الناس يومئذٍ. وروي عن إسماعيل (٦) بن أبي خالد، وقتادة، وعطية العوفي: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ قال: ما (كان) (٧) قبلها من الماضيين في شأن السبت. وقال أبو العالية (٨)، والربيع (٩)، وعطية (١٠): وما خلفها (لمن) (١١) بقي بعدهم من الناس من بني إسرائيل أن يعملوا مثل عملهم، وكأن هؤلاء يقولون: المراد ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ في الزمان. وهذا مستقيم بالنسبة إلى من يأتي بعدهم من الناس، أن يكون أهل تلك القرية عبرةً لهم، وأما بالنسبة إلى من سلف قبلهم من الناس فكيف يصح هذا الكلام أن تفسر الآية به؛ وهو أن يكون عبرةً لمن سبقهم (١٢)؟ وهذا لعل أحدًا من الناس لا يقوله بعد تصوره؛ فتعين أن المراد بما بين يديها وما خلفها في المكان؛ وهو ما حولها من القرى؛ كما قاله ابن عباس، وسعيد بن جبير. والله أعلم. وقال أبو جعفر (١٣) الرازي، عن الربيع (١٤) [بن أنس، عن أبي العالية: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ أي: عقوبةً لما خلا (من ذنوبهم) (١٥)] (١٤).

стр. 493

[وقال ابن] (١) أبي (حاتم) (٢): وروي عن عكرمة، ومجاهد (٣)، والسدي (٤)، [والحسن، وقتادة (٥)، والربيع (٦) بن] (٧) [أنس نحو ذلك. (٨) [وحكى القرطبي (٩) عن ابن عباس] (١٠) والسدي، والفراء، وابن عطية (١١): ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا﴾ من ذنوب القوم، ﴿وَمَا خَلْفَهَا﴾ لمن يعمل بعدها مثل تلك الذنوب. وحكى (فخر الدين) (١٢) (الرازي) (١٣) ثلاثة أقوال (١٤): أحدها: أن المراد بما بين يديها وما خلفها من تقدمها من القرى بما عندهم من العلم بخبرها بالكتب المتقدمة، ومن بعدها. والثاني: المراد بذلك من بحضرتها من القرى والأمم. والثالث: أنه (تعالى جعلها) (١٥) عقوبةً لجميع ما ارتكبوه من قبل هذا الفعل وما بعده؛ وهو قول الحسن. قلت: وأرجح الأقوال: المراد بما بين يديها وما خلفها من] (٨) [بحضرتها من القرى (التي) (١٦) يبلغهم خبرها، وما حل بها؛ كما قال (تعالى) (١٧): ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧) … ﴾ الآية [الأحقاف: ٢٧] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ الآية [الرعد: ٣١]. وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الأنبياء: ٤٤] فجعلهم عبرةً ونكالًا لمن في زمانهم، وموعظةً لمن يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم؛ ولهذا قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾] (١٨). وقوله (تعالى) (١٩): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال محمد بن (٢٠) إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الذين من بعدهم إلى يوم القيامة.

стр. 494

وقال الحسن (١)، وقتادة (٢): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ بعدهم، فيتقون نقمة الله، ويحذرونها. وقال السدي (٣)، وعطية العوفي (٤): ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قال: أمة محمد ﷺ . قلت: المراد بالموعظة ها هنا الزاجر؛ أي: جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله، وما تحيلوا به من الحيل؛ فليحذر المتقون صنيعهم، لئلا يصيبهم ما أصابهم؛ كما قال الإمام (٥) أبو عبد الله بن بطة: حدثنا أحمد بن محمد بن (سلم) (٦)، حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني، حدثنا يزيد بن هارون، حدثنا محمد بن (عمرو) (٧) (عن أبي سلمة) (٨)، عن أبي هريرة - أن رسول الله ﷺ قال: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل". وهذا إسناد جيد (٩). وأحمد بن محمد بن سلم هذا وثقه الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي، وباقي رجاله مشهورون على شرط الصحيح. والله أعلم. ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧)﴾. يقول تعالى: واذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم في خرق العادة لكم في شأن البقرة، وبيان القاتل من هو بسببها، وإحياء الله المقتول ونصه على من قتله منهم. [مسألة: الإبل تنحر، والغنم تذبح، [واختلفوا في البقر؛ فقيل: تذبح، وقيل: تنحر، والذبح] (١٠) أولى لنص القرآن، ولقرب منحرها من مذبحها] (١١).

стр. 495

[قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافًا في حل ما ذبح مما ينحر، أو نحر ما يذبح، غير أن مالكًا كره ذلك، وقد يكره الإنسان ما لا يحرمه. قال أبو عبد الله: وكان نزول قصة البقرة على موسى ﵇ في أمر القتيل قبل نزول القسامة في التوراة] (١). [ذكر بسط القصة] (٢): (قال) (٣) ابن أبي حاتم (٤): حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن عبيدة السلماني، قال: كان رجل من بني إسرائيل عقيمًا لا يولد له، وكان له مال كثير، وكان ابن أخيه وارثه، فقتله؛ ثم احتمله ليلًا فوضعه على باب رجل منهم، ثم أصبح يدعيه عليهم حتى تسلحوا وركب بعضهم (على) (٥) بعض. فقال ذوو الرأي (منهم) (٦) (والنهي) (٧): علام يقتل بعضكم بعضًا، وهذا رسول الله فيكم؟ فأتوا موسى ﵇، فذكروا ذلك له؛ فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ قال: فلو لم يعترضوا لأجزأت عنهم أدنى بقرة، ولكنهم شددوا فشدد عليهم، حتى انتهوا إلى البقرة التي أمروا بذبحها، فوجودها عند رجل ليس له بقرة غيرها؛ فقال: والله لا أنقصها من ملء جلدها ذهبًا. فأخذوها بملء جلدها ذهبًا، فذبحوها، فضربوه ببعضها، فقام، فقالوا: من قتلك؟ فقال: هذا - لابن أخيه - ثم مال ميتًا؛ فلم يعط من ماله شيئًا، فلم يورث قاتل بعد. ورواه ابن جرير من حديث أيوب، عن محمد بن سيرين، عن (عبيدة) (٨) بنحو من ذلك. والله أعلم. [ورواه عبد (بن حميد) (٩) في "تفسيره": أنبأنا يزيد بن هارون، به] (١٠). ورواه آدم بن أبي إياس في "تفسيره"، عن أبي جعفر - هو الرازي - عن هشام بن حسان، به. وقال آدم بن أبي إياس في "تفسيره" (١١): أنبأنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قول (الله) (١٢) تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ قال: وكان رجل من بني إسرائيل،
следующие страницы →